Полный текст (3 308 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
٢٣٢٦ - وعن أبي ذر (﵁)،قال: قال رسول الله ﷺ فيما يروي عن الله تبارك وتعالي أنه قال: ((يا عبادي! إني حرمت الظلم علي نفسي، وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا. يا عبادي! كلكم ضال إلا من اهديته، فاستهدوني أهدكم. يا
ــ
كان يفزع إلي الاستغفار؛ إذا لم تف قوامهما في سرعة اللحوق بها. وهذا من أعز مقول في هذا المعنى، وأحسن مشروح فيه. والله أعلم.
الحديث الثالث والرابع عن أبي ذر ﵁: قوله: ((يا عبادي)) ((قض)):الخطاب مع الثقلين خاصة لاختصاص التكليف، وتعاقب التقوى والفجور بهم، ولذلك فصل المخاطبين بالأنس والجن، ويحتمل أن يكون عاما شاملا لذوي العلم كلهم من الملائكة والثقلين، ويكون ذكر الملائكة مطويا مدرجا في قوله: ((وجنكم)) لشمول الاجتنان لهم، وتوجه هذا الخطاب نحوهم لا يتوقف علي صدور الفجور منهم، ولا علي إمكانه؛ لأنه كلام صادر علي سبيل الفرض والتقدير. وأقول: يمكن أن يكون الخطاب عاما، ولا يدخل الملائكة في الجن؛ لأن الإضافة في ((جنكم)) تقتضي المغايرة، فلا يكون تفصيلا، بل إخراجا للقبيلين الذين يصح اتصاف كل منهما بالتقوى والفجور.
قوله: ((حرمت الظلم علي نفسي)) ((نه)):أي تقدست عنه، وتعاليت، فهو في حقي كالشيء المحرم علي الناس. أقول: يريد أنه استعارة مصرحة تبعية، شبه تنزهه تعالي عن الظلم الذي هو وضع الشيء في غير موضعه، باحتراز المكلف عما نهي عنه شرعا في الامتناع منه، ثم استعمل في جانب المشبه به مبالغة وتشديدا، ويحتمل أن يكون مشاكلة لقوله بعده: ((وجعلته بينكم محرما)). نحو قول الشاعر:
من مبلغ أفناه يعرب كلها ... إني بنيت الجار قبل المنزل
قوله: ((يا عبادي كلكم ضال)) لما كان الخطاب بعد ((يا عبادي)) معنيا به مهتما بشأنه، كرره تنبيها علي فخامته، ونسبة الضلال إلي الكل بحسب مراتبهم.
((غب)):الضلال العدول عن الطريق المستقيم، ويضاده الهداية، ويقال الضلال عدول عن المنهج، عمدا كان أو سهوا، يسيرا كان أو كثيرا، فإن الطريق المستقيم الذي هو المرتضى صعب جدا. قيل: كوننا مصيبين من وجه، وكوننا ضالين من وجوه كثيرة؛ فإن الاستقامة والصواب تجري مجرى المقرطس والمرمى، وما عداه كلها ضلال، وإليه أشار ﷺ : ((استقيموا ولن تحصوا)).فإذا كان الأمر علي ما جرى، صح أن يستعمل لفظ الضلال فيمن أن يكون علي خطأ ما, ولذلك نسب الضلال إلي الأنبياء وإلي الكفار وإن كان بين
стр. 1332
عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم. يا عبادي! كلكم عار إلا من كسوته؛ فاستكسوني أكسكم. يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا، فاستغفروني أغفر لكم. يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني. يا عبادي! لو أن أولكم، وآخركم، وإنسكم، وجنكم كانوا علي أتقى قلب رجل واحد منكم؛ ما زاد ذلك في ملكي شيئا. يا عبادي! لو أن
ــ
الضلالين بون بعيد، قال في حق النبي ﷺ :﴾ ووجدك ضالا فهدى ﴿أي غير مهتد لما سبق إليك من النبوة، وقال موسى ﵇:﴾ فعلتها إذن وأنا من الضالين ﴿تنبيها علي أن ذلك منه سهو. ولما فرغ من الامتنان بأمور الدين شرع في بالامتنان بأمور الدنيا، وذكر منها ما هو أصل فيها، ومكمل لمنافعها من الشبع واللبس ولا يستغنى عنهما، ومن ثم وصف الجنة بقوله:﴾ إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى ﴿.
فإن قلت: ما معنى الاستثناء في قوله:)) إلا من أطعمته، وإلا من كسوته)) إذ ليس أحد من الناس محروما عنهما؟ قلت: الإطعام والكسوة لما كانا معبرين عن النفع التام والبسط في الرزق، وعدمها من التقتير والضيق، كما قال تعالي:﴾ الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ﴿سهل التقصي عن الجواب، فظهر من هذا أن ليس المراد من إثبات الجوع والعري في المستثنى منه، نفي الشبع والكسوة بالكلية، وليس في المستثنى إثبات الشبع والكسوة مطلقا، بل المراد بسطهما وتكثيرهما، يوضحه الحديث الرابع عشر من الفصل الثاني أنه وضع قوله: ((وكلكم فقراء إلا من أغتنيت)) في موضعه.
قوله: ((إنكم لن تبلغوا ضري، فتضروني)) نصب، حذف منه نون الإعراب جوابا عن النفي، أي لن تبلغوا لعجزكم إلي مضرتي، ولا يستقيم، ولا يصح منكم أن تضروني أو تنفعوني، حتى أتضرر منكم أو أنتفع بكم؛ لأنكم لو اجتمعتم علي عبادتي أقصى ما يمكن ما نفعتموني ولا زدتم في ملكي شيئا، ولو اجتمعتم كلكم علي عصيإني ما ضررتموني، ولا نقصتم من ملكي شيئا، فالقرينتان الأخيرتان كالنشر للأولين.
قوله: ((كانوا أتقى قلب رجل واحد)) ((قض)):أي علي تقوى أتقى قلب رجل، أو علي أتقى أحوال قلب رجل واحد. أقول: لا بد من هذا التقدير ليستقيم أن يقع ((أتقى)) خبرا لـ ((كان)) ثم إنه لم يرد أن كلهم بمنزلة رجل واحد، هو أتقى من الناس، بل كل واحد من الجمع
стр. 1333
أولكم، وآخركم، وإنسكم، وجنكم، كانوا علي أفجر قلب رجل واحد منكم؛ ما نقص ذلك من ملكي شيئا يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم، وجنكم قاموا في صعيد واحد، فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته؛ ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر. يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم، ثم أوفيكم إياها. فمن وجد خير فليحمد الله. ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)) رواه مسلم.
٢٣٢٧ - وعن أبي سعيد الخدري (﵁)، قال: قال رسول الله ﷺ
ــ
بمنزلته؛ لأن هذا أبلغ، كقولك: ركبوا فرسهم، وعليه قوله تعالي:﴾ ختم الله علي قلوبهم وعلي سمعهم ﴿في وجه، ثم إضافة ((أفعل)) إلي نكرة مفردة تدل علي أنك لو تقصيت قلب رجل رجل من كل الخلائق، لم تجد أتقى قلبا من هذا الرجل، قوله: ((ما نقص ذلك من ملكي شيئا)) ((شيئا)) يجوز أن يكون مفعول به، إن قلنا: إن ((نقص)) متعد، ومفعولا مطلقا إن قلنا: إنه لازم، أي نقص نقصانا قليلا، والتنكير فيه للتحقير بقرينة قوله في الحديث الآتي: ((جناح بعوضة)).
قوله: ((في صعيد واحد)) الصعيد وجه الأرض. ((قض)):قيد السؤال بالاجتماع في مقام واحد؛ لأن تزاحم السؤال وازدحامهم مما يدهش المسئول ويبهته، ويعسر عليه إنجاح مآربهم، والإسعاف إلي مطالبهم. و ((المخيط)) بكسر الميم وسكون الخاء الإبرة، وغمسها في البحر إن لم يخل عن نقص ما، لكنه لما لم يظهر ما ينقصه للحس، ولم يعتد به العقل، وكان أقرب المحسوسات نظيرا ومثالا، شبه به صرف ملتمسات السائلين مما عنده، فإنه لا يغيضه مثل ذلك، ولا أقل منه.
قوله: ((إنما أعمالكم)) ((قض)):أي هي جزاء أعمالكم، فأحفظها عليكم، ثم أؤديها إليكم تاما وافيا، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. ((مظ)): ((أعمالكم)) تفسير لضمير المؤنث في قوله: ((إنما هي)) يعني إنما نحصي أعمالكم، أي نعد ونكتب أعمالكم من الخير والشر، توفية لجزاء عمل أحدكم علي التمام. أقول: يمكن أن يرجع الضمير إلي ما يفهم من قوله: ((أتقى قلب رجل، وأفجر قلب رجل)) وهي الأعمال الصالحات والطالحات، ويشهد له لفظة ((إنما)) فإنها تستدعي الحصر، أي ليس نفعها وضرها راجعا إلي، بل أحصيها إليكم، لأجازيكم بها، فمن وجد خيرا فليشكر الله؛ لأنه تعالي هو هادي الضلال، وموفقهم للخيرات، ومن وجد شر، فليلم نفسه؛ لأنه باق علي ضلاله الذي أشار إليه بقوله: ((كلكم ضال)).
الحديث الخامس عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((أله توبة)) ((مظ)):أي هل تقبل
стр. 1334
((كان في بني اسرائيل رجل قتل تسعة وتسعين إنسانا، ثم خرج يسأل، فأتى راهبا، فسأله، فقال: أله توبة؟ قال: لا فقتله؛ وجعل يسأل، فقال له رجل: ائت قرية كذا وكذا، فأدركه الموت فناء بصدره نحوها، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأوحى الله إلي هذه تقربي، وإلي هذه أن تباعدي، فقال: قيسوا ما بينهما فوجد إلي هذه أقرب بشبر فغفر له)) متفق عليه.
٢٣٢٨ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا؛ لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيتستغفرون الله فيغفر لهم)) رواه مسلم.
ــ
توبته بعد هذه الجريمة العظيمة؟ في الحديث إشكال؛ لأنا إذا قلنا: لا، فقد خالفنا نصوصا، وإن قلنا: نعم، فقد خالفنا أيضا أصل الشرع، فإن حقوق بني آدم لا تسقط بالتوبة، بل توبتها أداؤها إلي مستحقيها، أو الاستحلال منها. فالجواب: أن الله تعالي إذا رضي منه، وقبل توبته، يرضي خصمه. قوله: ((فأدركه الموت)) أي أمارته وسكراته، فالفاء عطف علي محذوف، أي قيل له: ائت قرية كذا، فقصدها وصار نحوها، وقرب من وسط الطريق فأدركه الموت.
قوله: ((فناء)) ((نه)):أي نهض، ويحتمل أن يكون بمعنى ناء، أي بعد، يقال: ناء ونائ بمعنى. قوله: ((فأوحى الله إلي هذه، أن تقربي)) ((أن)) مفسرة، لأن ((أوحي)) فيه معنى القول، و ((هذه)) إشارة إلي القرية التي توجه إليها، أي تقربي من الميت، وقوله: ((هذه)) ثإنيا إشارة إلي القرية التي هاجر منها، وقيل: هي إشارة إلي الملائكة المتخاصمين. وفيه بعد؛ إذ لو أريد هذا، لقيل: أبعدا عنه وقيسا. ((مظ)): فيه تحريض للمذنبين علي التوبة، ومنع لهم عن اليأس من رحمة الله تعالي، إذ لا منجأ ولا ملجأ، ولا مجير للمذنبين سواه.
الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لو لم تذنبوا لذهب الله بكم)) ((تو)):لم يورد هذا الحديث مورد تسلية المنهمكين في الذنوب، وقلة اختفال منهم بمواقعة الذنوب، علي ما يتوهم الغرة، فإن الأنبياء صلوات الله عليهم إنما بعثوا ليردعوا الناس عن غشيان الذنوب؛ بل ورد مورد البيان لعفو الله عن المذنبين، وحسن التجاوز عنهم، ليعظموا الرغبة في التوبة والاستغفار.
والمعنى المراد من الحديث هو أن الله تعالي كما أحب أن يحسن إلي المحسن، أحب أن يتجاوز عن المسئ- وقد دل علي ذلك غير واحد من أسمائه الغفار، الحليم، التواب، العفو لم
стр. 1335
٢٣٢٩ - وعن أبي موسى (﵁)،قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها)).رواه مسلم
ــ
يكن ليجعل العباد شأنا واحدا كالملائكة مجبولين علي التنزه من الذنوب، بل يخلق فيهم من يكون بطبعه ميالا إلي الهوى، متفتنا بما يقتضيه، ثم يكلفه التوقي عنه، ويحذره من مداناته، ويعرفه التوبة بعد الابتلاء، فإن وفي فأجره علي الله، وإن أخطأ الطريق فالتوبة بين يديه، فأراد النبي ﷺ إنكم لو كنتم مجبولين علي ما جبلت عليه الملائكة، لجاء الله بقوم يتأتى منهم الذنب، فيتحلي عليهم بتلك الصفات علي مقتضى الحكمة، فإن الغفار يستدعي مغفورا، كما أن الرزاق يستدعي مرزوقا.
أقول: تصدير الحديث بالقسم رد لمن ينكر صدور الذنب عن العباد، ويعده نقصا فيهم مطلقا، وأن الله تعالي لم يرد من العباد صدوره، كالمعتزلة ومن سلك مسلكهم، فنظروا إلي ظاهره، وأنه مفسدة صرفة، ولم يقفوا علي سره أنه مستجلب للتوبة والاستغفار الذي هو موقع محبة الله،﴾ إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ﴿و ((‘ن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار))،و ((الله أشد فرحا بتوبة عبده)) الحديث.
ولعل السر في إظهار صفة الكرم، والحلم، والغفران، ولو لم يوجد لنثلم طرف من صفات الألوهية، والإنسان إنما هو خليفة الله في أرضه، يتجلي له بصفات الجلال، والإكرام، والقهر، واللطف، والملائكة لما نظروا إلي الجلال والقهر، قالوا:﴾ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ﴿والله تعالي حين نظر إلي صفة الإكرام واللطف قال:﴾ إني أعلم ما لا تعلمون ﴿.وإلي هذا الموضوع يلمح قوله ﷺ : ((لذهب الله بكم)) ولم يكتف بقوله: ((لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون)) والله أعلم.
الحديث السابع عن أبي موسى: قوله: ((إن الله يبسط يده)) ((تو)) بسط اليد عبارة عن التوسع في الجود، والتنزه عن المنع عند اقتضاء الحكمة، ومنه الباسط. وفي الحديث تنبيه علي سعة رحمة الله، وكثرة تجاوزه عن الذنوب. ((مح)): ((بسط اليد)) عبارة عن قبول التوبة. قال المازري: وذلك أن العرب إذا رضي أحدهم شيء، بسط يده لقبوله، وإذا كرهه قبضها عنه. أقول: لعله تمثيل، شبه حالة إرادة الله تعالي التوبة من العبد، وأنها مما هو مطلوبه يجب أن ينالها. بحالة من ضاع ما هو تعيشه به، ولا غنى له عنه، فيفتقده وهو يمد يده إلي من وجد
стр. 1336
٢٣٣٠ - وعن عائشة (﵂)، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إن العبد إذا اعترف ثم تاب؛ تاب الله عليه)) متفق عليه.
٢٣٣١ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها؛ تاب الله عليه)).رواه مسلم
٢٣٣٢ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم، كان راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه، وعليه طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة، فاضطجع في ظلها، قد أيس من راحلته, فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة من عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح)).رواه مسلم
ــ
ضالته، طالبا منه، متضرعا لديه. ثم استعمل في جانب المستعار له ما كان مستعملا في جانب المستعار منه من بسط اليد. ويشهد له الحديث العاشر من هذا الفصل، وما جاء في رواية أخرى: ((إن الله واضع يده لمسيء الليل)) ((نه)):المعنى يكفها لأجله يتقاضى منه التوبة ليقبلها منه.
الحديث الثامن عن عائشة ﵂: قوله: ((تاب الله عليه)) أي قب توبته، وتحقيقه أن الله تعالي رجع متعطفا عليه برحمته، وقبل توبته، فيكون ((تاب الله عليه)) كناية عن قبول التوبة؛ لأن قبول التوبة مستلزم لتعطف الله تعالي وترحمه عليه.
الحديث التاسع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((قبل أن تطلع الشمس من مغربها)) ((مح)):هذا حد لقبول التوبة، وهو معنى قوله:﴾ يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ﴿.وللتوبة حد آخر، وهو أن يتوب قبل أن يغرغر، وأن يرى بأس الله؛ لقوله تعالي:﴾ فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا ﴿لأن الاعتبار إنما هو للإيمان بالغيب.
الحديث العاشر عن أنس ﵁: قوله: ((لله أشد فرحا)) ((مظ)):معناه أرضي بالتوبة وأقبل لها، والفرح المتعارف في نعوت بني آدم غير جائز علي الله تعالي؛ إنما معناه الرضي، وكذلك الضحك والاستبشار. والمتقدمون من أهل الحديث فهموا منها ما وقع الترغيب فيه من الأعمال، والإخبار عن فضل الله ، وأثبتوا هذه الصفات لله تعالي، ولم يشتغلوا بتفسيرها مع اعتقادهم أن الله سبحانه وتعالي منزه عن صفات المخلوقين، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير.
стр. 1337
٢٣٣٣ - وعن أبي هريرة (﵁)،قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن عبدا أذنب ذنبا، فقال. رب! أذنبت فاغفره، فقال ربه: أعلم عبدي أن له رب يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرت لعبدي. ثم مكث ما شاء الله، ثم أذنب ذنبا، فقال رب! أذنبت ذنبا فاغفره فقال ((ربه)).أعلم عبدي أن له رب يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرت لعبدي. ثم مكث ما شاء الله، ثم أذنب ذنبا، فقال رب! أذنبت ذنبا آخر فاغفر لي. فقال: أعلم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرت لعبدي، فليفعل ما شاء)).متفق عليه.
ــ
أقول: هذا هو المذهب المحتاط، وقلما يزيغ عنه قدم الراسخ، ومن اشتغل بالتفسير والتأويل، فله طريقان، أحدهما أن التشبيه مركب عقلي من غير نظر إلي مفردات التركيب، بل تؤخذ الزبدة والخلاصة من المجموع، وهي غاية الرضا ونهايته، وإنما أبرز ذلك في صورة التشبيه تقريرا لمعنى الرضا في نفس السامع، وتصويرا لمعناه. وثإنيهما تمثيلي، وهو أن يتوهم للمشبه الحالات التي للمشبه به، وينتزع له منها ما يناسبه حاله بحيث لم يختل منها شيء، فإنك إذا أمعنت النظر في التمثيل السابق في حديث بسط اليد، حل لك هذا المعضل، وانكشف لك الحال.
الحديث الحادي عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((أعلم عبدي)) يجوز أن يكون استخبارا عن الملائكة وهو أعلم بهم، للمباهاة، وأن يكون استفهاما للتقرير والتعجيب، والتفاتا عدل من الخطاب، وقوله: ((أعلم عبدي)) إلي الغيبة شكرا لصنيعه إلي غيره وإحمادا له علي فعله. قوله: ((فليفعل ما شاء)) ((مح)):معناه اعمل ما شئت ما دمت تذنب، ثم تتوب فقد غفرت لك.
((فليفعل ما شاء)) كلام يستعمل تارة في معرض السخطة والنكير، وطورا في صورة اللطف والحفاوة، وليس المراد منه في كلتا الصورتين الحث علي الفعل أو الترخص فيه. وعلي السخطة والنكير ورد قوله تعالي:﴾ اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير ﴿، وعلي الحفاوة والتلطف ورد هذا الحديث، وذلك مثل قولك لمن توده وترى منه الجفاء: اصنع ما شئت، فلست بتارك لك، وقوله ﷺ في حق حاطب بن أبي بلتعة: ((لعل الله اطلع إلي أهل بدر فقال: ((اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)).قوله: ((فقال)) خبر ((إن)) إذ كان اسمها نكرة موصوفة بفعل، فالفاء في ((فاغفره)) سببية، جعل اعترافه بالذنب سببا للمغفرة، حيث أوجب الله تعالي المغفرة للتائبين المعترفين بالسيئات علي سبيل الوعد.
стр. 1338
٢٢٣٤ - وعن جندب (﵁):أن رسول الله ﷺ حدث: ((أن رجلا قال: والله لا يغفر الله لفلان، وأن الله تعالي قال: من ذا الذي يتألي علي إني لا أغفر لفلان فإني قد غفرت لفلان وأحبطت عملك)).أو كما قال رواه مسلم.
٢٣٣٥ - وعن شداد بن أوس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا علي عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر
ــ
الحديث الثاني عشر عن جندب ﵁: قوله: ((من ذا الذي يتألي)) وارد علي الإنكار والتهديد، وكان من الظاهر أن يقال: أنت الذي تتألي علي، يدل عليه الالتفاف في قوله: ((أحبطت عملك)) فعدل منه شاكيا صنيعه لغيره، معرضا عنه علي عكس الحديث السابق. ((نه)): ((من يتألي علي الله)) أي من حكم علي الله وحلف، كما تقول: والله لا يدخلن الله فلانا النار، وفلانا الجنة، ومنه الحديث ((من يتألي علي الله يكذبه)).
((مظ)):لا يجوز لأحد أن يجزم بالغفران، أو بالعقاب؛ لأن أحدا لا يعلم مشيئة الله وإرادته في عباده، بل نرجو للمطيع، ونخاف للعاصي، وإنما يجزم القول في حق من جاء فيه نص، كالعشرة المبشرة. قوله: ((أحبطت عملك)) إن قلنا: قوله هذا كفر، فهو ظاهر، وإن قلنا إنه معصية، فمذهب المعتزلة علي هذا، وأما علي مذهب أهل السنة فمحمول علي التغليظ، وقد تأوله المظهر، بأن قال: أبطلت قسمك، وجعلت حلفك كذبا. قوله: ((أو كما قال)) أي قال ما ذكرته، أو قال ما يشبهه. ((مح)):ينبغي لمن روى حديثا بالمعنى أن يقول عقيبة: أو كما قال، أو نحو هذا، وما أشبهه، وروي هذا عن عبدالله بن مسعود، وأبي الدرداء، وأنس وغيرهم.
الحديث الثالث عشر عن شداد: قوله: ((سيد الاستغفار)) السيد هنا مستعار من الرئيس المقدم، الذي يصمد إليه في الحوائج، ويرجع إليه في الأمور بهذا الدعاء، الذي هو جامع لمعإني التوبة كلها، وقد سبق أن التوبة غاية الاعتذار. وقوله: ((وأنا عبدك)) يجوز أن يكون مؤكده، وأن يكون مقدرة، أي أنا عابد لك، كقوله تعالي:﴾ وبشرناه بإسحاق نبيا ﴿وينصره عطف قوله: ((وأنا علي عهدك، ووعدك)). ((حس)):يريد أنا علي ما عاهدتك عليه، وواعدتك من الإيمان بك، وإخلاص الطاعة لك، وقد يكون معناه إني مقيم علي ما عاهدت إلي من أمرك ومتمسك به، ومنتجز وعدك في المثوبة، والأجر عليه. واشتراط الاستطاعة في ذلك،
стр. 1339
لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت)) قال: ((ومن قالها من النهار موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة. ومن قالها بالليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو في الحنة)).رواه البخاري.
الفصل الثاني
٢٣٣٦ - عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((قال الله تعالي: يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك علي ما كان فيك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني، غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم! إنك لو لقيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا، لأتيتك بقرابها مغفرة)) رواه الترمذي. [٢٣٣٦]
ــ
معناه الاعتراف بالعجز، والقصور عن كنه الواجب من حقه . أقول: ويجوز أن يراد بالعهد والوعد ما في قوله: تعالي:﴾ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم، وأشهدهم علي أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا بلي شهدنا ﴿.
قوله: ((أبوء لك)) ((نه)):أي ألتزم وأرجع، وأقر، وأصل البوء اللزوم، ومنه الحديث ((فقد باء أحدهما)) أي ألزمه، ورجع به. أقول: اعترف أولا بأنه تعالي أنعم عليه، ولم يقيده ليشمل كل الإنعام، ثم أعترف بالتقصير، وأنه لم يقم بأداء شكرها، وعده ذنبا مبالغة في التقصير وهضم النفس.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن أنس ﵁: قوله: ((ما دعوتني)) أي ما دمت تدعوني، وترجو مغفرتي، ولا تقنط من رحمتي، فإني أغفر لك، ولا يعظم علي مغفرتك وإن كانت ذنوبك كثيرة وفي عدم المبالاة معنى قوله: ((لا يسأل عما يفعل)).قوله: ((عنان السماء)) ((نه)):العنان السحاب، وإضافته علي هذا المعنى إلي السماء غير فصيح، وأرى الصواب ((أعنان السماء))،وهي صفائحها، وما اعترض من أقطارها، وكأنها جمع عنن، فلعل الهمزة أسقطت عن بعض الرواة، أو ورد العنان بمعنى العنن.
стр. 1340
٢٣٣٧ - ورواه أحمد، والدرامي، عن أبي ذر.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
٢٣٣٨ - وعن ابن عباس (﵄)،عن رسول الله ﷺ ، قال: ((قال الله تعالي: من علم إني ذو قدرة علي مغفرة الذنوب غفرت له ولا أبالي، ما لم يشرك بي شيئا)).رواه في ((شرح السنة)). [٢٣٣٨]
٢٣٣٩ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجا، ومن كل هم فرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب)).رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه. [٢٣٣٩]
ــ
أقول: يمكن أن يجعل من باب قوله: تعالي:﴾ فخر عليهم السقف من فوقهم ﴿تصويرا لارتفاع شأن السحاب، وأنها بلغت السماء، وأن يجعل من قوله:﴾ أو كصيب من السماء ﴿فإن فائدة ذكر السماء، والصيب لا يكون إلا منها، أنه جيء بها معرفة، فبقي أن يتصور من سماء، أي من أفق واحد من بين سائر الآفاق؛ لأن كل أفق من آفاقها سماء. و ((قراب الأرض)) ملاؤها، ومثله طباقها وطلاعها. قوله: ((خطايا)) تمييز من الإضافة، نحو قولك: ملاء الإناء عسلا. قوله: ((ثم لقيني لا يشرك)) ((ثم)) للتراخي في الإخبار، وأن عدم الشرك مطلوب أولي، ولذلك أعاد ((لقيني)) وعلقه به، وإلا لكان يكفي أن يقال: لو لقيني بقراب الأرض خطايا لا يشرك بي.
الحديث الثاني عن ابن عباس ﵄: قوله: ((من علم إني ذو قدرة)) ((مظ)):فيه أن اعتراف العبد بأنه تعالي قادر علي مغفرة الذنوب سبب للغفران، وهو نظير قوله: ((أنا عن ظن عبدي)).أقول: إن قوله: ((من علم إني ذو قدرة علي مغفرة الذنوب)) تعريض بالوعيدية، وبمن قال: إن الله تعالي لا يغفر الذنوب بغير توبة، ويشهد للتعريض قوله: ((ولا أبالي)) أي لا أحتفل بما يقوله المعتزلة القائلون بالحسن والقبح العقليين.
((حس)):روى أن حماد بن سلمة عاد سفيان الثوري، فقال له سفيان: يا أبا سلمة! أترى الله يغفر لمثلي؟ قال حماد: والله لو خيرت بين محاسبة الله تعالي إياي وبين محاسبة أبوي لاخترت محاسبة الله علي محاسبة أبوي لأن الله أرحم من أبوي.
الحديث الثالث عن ابن عباس ﵄: قوله: ((جعل الله له من كل ضيق مخرجا))
стр. 1341
٢٣٤٠ - وعن أبي بكر الصديق (﵁)، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة)).رواه الترمذي، وأبو داود. [٢٣٤٠]
٢٣٤١ - وعن أنس، قال: قال رسول الله: ((كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)) رواه الترمذي، وابن ماجه، والدرامي. [٢٣٤١]
ــ
مقتبس من قوله تعالي:﴾ ومن يتق الله يجعل له مخرجا ﴿لأن من دوام الاستغفار وأقام بحقه، كان متقيا، وناظرا إلي قوله تعالي:﴾ فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ﴿الآية، روى عن الحسن أن رجلا شكا إليه الجدب، فقال: استغفروا ربكم، وشكا إليه آخر الفقر، وآخر قلة النسل، وآخر قلة ريع أرضه، فأمرهم كلهم بالاستغفار، فقيل له: شكوا إليك أنواعا، فأمرتهم كلهم بالاستغفار؟ فتلا الآية.
الحديث الرابع عن أبي بكر ﵁: قوله: ((ما أصر)) قال الشيخ ابن عبد السلام في كتابه القواعد: وقد جعل الإصرار علي الصغيرة بمثابة ارتكاب الكبيرة، قال ﷺ : ((لا صغيرة مع إصرار))،فما حد الإصرار، هل يثبت بمرة أو مرتين، أو بأكثر؟ قلنا: إذا تكررت الصغيرة منه تكرارا يشعر بقلة مبالاته بذنبه إشعار ارتكاب الكبيرة، ردت شهادته وروايته بذلك، وكذلك إذا اجتمعت صغائر مختلفة الأنواع حيث يشعر مجموعها بما يشعر به أصغر الكبائر. أقول: الإصرار ها هنا مطلق، أي من أصر علي الذنب، سواء كان صغيرة أو كبيرة، ولأن الاستغفار يرفع الذنوب كلها حتى الشرك.
الحديث الخامس عن أنس ﵁: قوله: ((خطاء)) ((نه)):يقال: رجل خطاء، إذا كان ملازما للخطايا، غير تارك لها، وهو من أبنية المبالغة. أقول: إن أريد بلفظ الكل الكل من حيث هو كل، كان تغليبا؛ لأن فيهم الأنبياء، وليسوا مبالغين في الخطأ، وإن أريد به الاستغراق، وأن كل واحد واحد خطاء فلا يستقيم إلا علي التوزيع، كما تقول: هو ظلام لعبيده، أي يظلم كل احد واحد، فهو ظالم بالنسبة إلي كل أحد، وظلام بالنسبة إلي المجموع، وإذا قلت: هو ظلام لعبده، كان مبالغا في الظلم.
((مظ)):فيه تعميم جميع بني آدم حتى الأنبياء، لكنهم خصوا منه لكونهم معصومين، واختلفوا في أنهم معصومون عن الصغائر والكبائر، أم عن الكبائر، فمن قال: هم غير
стр. 1342
٢٣٤٢ - وعن أبي هريرة (﵁)،قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن المؤمن إذا أذنب كانت نكته سوداء في قلبه، فإن تاب واستغفر صقل قلبه، وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه، فذلكم الران الذي ذكر الله تعالي:﴾ كلا، بل ران علي قلوبهم ما كانوا يكسبون ﴿.رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه. وقال الترمذي: هذا حديث صحيح. [٢٣٤٢]
٢٣٤٣ - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر)).رواه الترمذي، وابن ماجه. [٢٣٤٣]
ــ
معصومين عن الصغائر استدلوا بعصيان آدم، وكذبا إبراهيم ﵉، ومن قال: هم معصومين عن الصغائر أيضا، حملوا زلات الأنبياء علي النسيان، والخطأ، وهذا هو الأولي لما فيه تعظيم من تعظيم الأنبياء، وقد أمرنا بتعظيمهم. أقول: إخراجه الأنبياء من هذا الحديث بالنظر إلي بناء المبالغة، وإثبات الخطأ لهم بالنظر إلي التوزيع.
الحديث السادس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((الران)) ((نه)):أصل الرين الطبع والتغطية، والران والرين سواء كالذم والذيم، والعاب والعيب. ((قض)):المعنى بالقصد الأول في التكليف بالأعمال الظاهرة، والأمر بمحاسنها، والنهي عن مقابحها هو ما تكتسب النفس منها من الأخلاق الفاضلة، والهيئات الذميمة، فمن أذنب ذنبا أثر ذلك في نفسه، وأورث لها كدورة ما، فإن تحقق قبحه وتاب عنه، زال الأثر، وصارت النفس مصقولة صافية، وإن انهمك فيه، وأصر عليه زاد الأثر، وفشا في النفس، واستعلي عليها، وصار من أهل الطبع.
وقوله: ((فذلكم الران)) أي فذلك الأثر المستعلي ما أخبر الله تعالي وعبر عنه بقوله:﴾ ران علي قلوبهم ﴿أي غلب واستولي علي قلوبهم ما كانوا يكسبون من الذنوب. وأدخل حرف التعريف علي الفعل، لما قصد به حكاية اللفظ، فأجراه مجرى الاسم، وشبه تأثر النفس باقتراف الذنوب بالنكتة السوداء من حيث إنهما يضادان الجلاء والصفاء، وأنت الضمير الذي في ((كانت)) الراجع إلي ما دل عليه ((أذنب)) لتإنيثها علي تأويل السيئة. تم كلامه.
وروي ((نكتة)) بالرفع علي أن ((كان)) تامة، فلا بد من الراجع، أي حدثت نكتة من أي من الذنب. ((مظ)):هذه الآية نازلة في حق الكفار، ولكن ذكرها في الحديث تخويف للمؤمنين، لكي يحترزوا عن كثرة الذنوب؛ لأن المؤمن لا يكفر بكثرة الذنوب، لكن يصير قلبه مسودا بها، فيشبه الكافر في اسوداد القلب.
الحديث السابع عن ابن عمر ﵄: قوله: ((ما لم يغرغر)) ((نه)):الغرغرة أن يجعل المشروب في الفم، ويردد إلي أصل الحلق، ولا يبلغ، فالمعنى ما لم تبلغ روحه حلقومه،
стр. 1343
٢٣٤٤ - وعن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الشيطان قال: وعزتك يا رب! لا أبرج أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم. فقال الرب : وعزتي وجلالي وارتفاع مكإني، لا أزال أغفر لهم ما استغفروني)) رواه أحمد. [٢٣٤٤]
فيكون بمنزلة الشيء الذي يتغرغر به المريض. ((قض)):اعلم أن توبة العبد المذنب مقبولة ما لم يحضره الموت، فإذا حضره لم ينفعه؛ كما قال تعالي:﴾ وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ﴿.وذلك لأن من شرط التوبة العزم علي ترك الذنب المتوب عنه، وعدم المعاودة عليه، وذلك إنما يتحقق مع تمكن التائب منه، وبقاء أوان الاختيار.
((مظ)):قال ابن عباس ﵄: تقبل التوبة ما لم يعاين الرجل ملك الموت معناه أنه ما لم يتيقن الموت، لا أنه يرى ملك الموت بعينه؛ لأن كثير من الناس لم يره وفيه نظر، لقوله تعالي:﴾ قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ﴿وقوله:﴾ فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا ﴿وهذا القائل من أين علم أن المحتضر لم ير ملك الموت؟ ((مظ)):هذا الخلاف في التوبة من الذنوب، أما لو استحل من مظلمة صح تحليله، وكذا لو أوصى بشيء أو نصب وليا علي أطفاله أو علي خير، صحت وصيته.
الحديث الثامن عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((وعزتك يارب)) الحديث. فإن قلت: كيف المطابقة بين الحديث وبين قوله الله تعالي:﴾ لأغوينهم أجمعين* إلا عبادك منهم المخلصين* قال الحق والحق أقول* لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين ﴿فإن الآية دلت علي أن المخلصين هم الناجون فحسب، والحديث دال علي أن غير المخلصين أيضا ناجون؟ قلت: قيد قوله تعالي:﴾ ممن تبعك ﴿أخرج العاصين المستغفرين منهم؛ لأن المعنى ممن تبعك، واستمر علي المتابعة، ولم يرجع إلي الله ولم يستغفر. قوله: ((وارتفاع مكإني)) عبارة عن علو شأنه من غير ذهاب إلي المكان، كقولهم: المجلس العالي.
стр. 1344
٢٣٤٥ - وعن صفوان بن عسال (﵁)،قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله تعالي جعل بالمغرب بابا، عرضه مسيرة سبعين عاما للتوبة، لا يغلق ما لم تطلع الشمس من قبله، وذلك قول الله : ((يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها ما لم تكن آمنت من قبل)).رواه الترمذي، وابن ماجه. [٢٣٤٥]
٢٣٤٦ - وعن معاوية، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع
ــ
الحديث التاسع عن صفوان: قوله: ((إن الله تعالي جعل بالمغرب بابا)) ((قض)):المعنى أن باب التوبة مفتوح علي الناس، وهم في فسحة وسعة منها، ما لم تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت انسد عليهم، فلم يقبل منهم إيمان ولا توبة؛ لأنهم إذا عاينوا ذلك، واضطروا إلي الإيمان والتوبة، فلا ينفعهم ذلك، كما لا ينفع المحتضر. ولعله لما رأي أن سد الباب إنما هو من قبل المغرب، جعل فتح الباب أيضا من ذلك الجانب. وقوله: ((مسيرة سبعين عاما)) مبالغة في التوسعة، أو تقدير لعرض الباب بمقدار ما يسده من جرم الشمس الطالع من الغرب.
قوله:﴾ لا ينفع نفسا إيمانها ﴿تمسكت المعتزلة بها علي أن الإيمان المجرد لا ينفع شيئا. –الكشاف-: ((لم تكن آمنت من قبل)) صفة لقوله:﴾ نفسا ﴿وقوله:﴾ أو كسبت في إيمانها خيرا ﴿عطف علي ((آمنت))،والمعنى أن أشراط الساعة إذا جاءت- وهي آيات ملجئة مضطرة- ذهب أوان التكليف عندها، فلم ينفع الإيمان حينئذ نفسا غير مقدمة إيمانها من قبل ظهور الآيات، أو مقدمة إيمانها غير كاسبة خيرا في إيمانها. فلم يفرق كما ترى بين النفس الكافرة إذا آمنت في غير وقت الإيمان، وبين النفس التي آمنت في وقتها ولم تكسب خيرا؛ ليعلم أن قوله تعالي:﴾ الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴿جمع بين قرينتين لا ينبغي أن تتفك إحداهما عن الأخرى، حتى يفوز صاحبهما ويسعد، وإلا فالشقاوة والهلاك. الجواب أنه إن حمل علي ما قال، لم يفد قوله:﴾ في إيمانها ﴿،لما يلزم من العطف علي ((آمنت)) حصول الكسب في الإيمان، فالوجه أن يحمل علي الوجه التقديري، بأن يقال: لا ينفع نفسا إيمانها حينئذ، أو كسبها في إيمانها خيرا، حينئذ لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيرا من قبل، والإيجاز من حلية التنزيل.
الحديث العاشر عن معاوية: قوله: ((لا تنقطع الهجرة)) لم يرد بها الهجرة من مكة إلي المدينة؛ لأنها انقطعت، ولا الهجرة من الذنوب والخطايا، كما ورد ((المهاجر من هاجر الذنوب والخطايا)) لأنها عين التوبة، فليلزم التكرار، فيجب أن يحمل علي الهجرة من مقام لم يتمكن فيه.
стр. 1345
التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها)).رواه أحمد، وأبو داود، والدرامي. [٢٣٤٦]
٢٣٤٧ - وعن أبي هريرة (﵁)، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن رجلين كانا في بني إسرائيل متحابين، أحدهما مجتهد في العبادة، والآخر يقول: مذنب، فجعل يقول: أقصر عما أنت فيه. فيقول: خلني وربي. حتى وجده يوما علي ذنب استعظمه فقال: أقصر. فقال: خلني وربي، أبعثت علي رقيبا؟ فقال: والله لا يغفر الله لك أبدا، ولا يدخلك الجنة، فبعث الله إليهما ملكا، فقبض أرواحهما، فاجتمعا عنده، فقال للمذنب: ادخل الجنة برحمتي. وقال للآخر: أتستطيع أن تحظر علي عبدي رحمتي؟ فقال: لا يا رب! قال: اذهبوا به إلي النار)).رواه أحمد. [٢٣٤٧]
٢٣٤٨ - وعن أسماء بنت يزيد، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ:﴾ قل يا عبادي الذين أسرفوا علي أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعا ﴿
ــ
من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة حدود الله، قال تعالي:﴾ ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ﴿.
الحديث الحادي عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((يقول: مذنب)) ((مظ)):أي يقول للآخر: أنا مذنب، ويحتمل أن يكون معناه ويقول النبي ﷺ : الآخر مذنب. أقول: ويمكن أن يقال: إن المعنى: والآخر منهمك في الذنب، ليطايق قوله: ((مجتهد في العبادة))؛لأن القول كثيرا ما يعبر عن الأفعال المختلفة بحسب المقام. والتنكير في قوله: ((ملكا)) إما للإفراد شخصا، أي ملكا من أعوان ملك الموت، أو للتعظيم والتفخيم، أي ملك عظيم الشأن، وهو ملك الموت، كقوله تعالي:﴾ إنا أرسلنا إلي فرعون رسولا ﴿.
قوله: ((اذهبوا به إلي النار)) ((مظ)):الضمير في ((اذهبوا)) يرجع إلي ما لم يجر له ذكر؛ لأنه لا إلباس في أن المراد منه الملائكة، وإدخاله النار؛ لجازاته علي قسمه بأن الله تعالي لا يغفر للمذنب؛ لأن هذا حكم علي الله تعالي، وجعل الناس آيسا من رحمته، وحكم بكون الله غير غفور. ((حس)):قال أبو هريرة فيه: ((والذي نفسي بيده! لتكلم بالكلمة أوبقت دنياه وآخرته)).
الحديث الثاني عشر عن أسماء ﵂: قوله: ((يا عبادي)) في هذه الآية مبالغات شتى، والتفاسير مشحونة بها.
стр. 1346
((ولا يبالي)).رواه أحمد، والترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب. وفي ((شرح السنة)) يقول: بدل: يقرأ.
٢٣٤٩ - وعن ابن عباس: في قوله تعالي:﴾ إلا اللمم ﴿،قال رسول الله ﷺ ((إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك ما ألما)). [٢٣٤٩]
رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب.
ــ
الحديث الثالث عشر عن ابن عباس ﵄: قوله: ((إلا اللمم)) ((تو)):اللمم ما قل وصغر، ومنه قولهم: ألم بالمكان، إذا قل فيه لبثه، ويقال: زيارته لمام، أي قليلة، ومنه قول القائل: لقاء أخلاء الصفاء لمام، وإلي هذا المعنى أشار ابن عباس بما نقله عن رسول الله ﷺ في تفسير قوله تعالي:﴾ والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ﴿من قوله:)) إن تغفر اللهم- البيت))،والاستثناء فيها منقطع. ويجوز أن يكون قوله: ((إلا اللمم)) صفة، أي كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم، وقد تنوعت أقاويل أهل التفسير فيه، فمن قائل: هو النظرة، والغمزة، والقبلة، ومن قائل: كل ذنب لم يذكر الله فيه حدا ولا عذابا، ولا خفاء في أن المراد منه صغائر الذنوب.
أقول: وجه مطابقة الآية وتفسيرها للبيت، هو أن يقال: إن الشرط والجزاء في البيت متحدان، فيدل علي كمال الغفران ونهايته، ومجيئهما مضارعين للدلالة علي الاستمرار وأن هذا من شأنه تعالي، وكذا الاعتراض بـ ((اللهم)) يدل علي فخامة الشأن، أي من شأنك اللهم أن تغفر غفرانا كبيرا للذنوب العظيمة، وأما الجرائم الصغائر، فلا تنسب إليك؛ لأن أحدا لا يخلو عنها، وأنها مكفرة باجتناب الكبائر.
فإن قلت: فعلي هذا كان الواجب أن يجاء بـ ((إذا)) المقتضية بالقطع، لا ((إن)) لاقتضائها الشك. قلت: ((إن)) هاهنا بمعنى التعليل، كما في قوله تعالي للنبي وأصحابه:﴾ ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ﴿أي لأجل أنكم مؤمنين لا تهنوا ولا تحزنوا، وقولك للسلطان: إن كنت سلطانا فأعط الجزيل من النوال. ((قض)):البيت لأمية بن الصلت، أنشده رسول الله ﷺ . وقوله تعالي:﴾ وما علمناه الشعر وما ينبغي له ﴿ينفي إنشاء الشعر، لا إنشاده؛ لأنه رد لقولهم: هو شاعر.
стр. 1347
٢٣٥٠ - وعن أي ذر، قال: قال رسول ﷺ : ((يقول الله تعالي يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديت؛ فاسألوني الهدى أهدكم. وكلكم فقراء إلا من أغنيت؛ فاسألوني أرزقكم. وكلكم مذنب إلا من عافيت؛ فمن علم منكم إني ذو قدرة علي المغفرة فاستغفرني غفرت له ولا أبالي. ولو أن أولكم وآخركم وحيكم، وميتكم، ورطبكم، ويابسكم اجتمعوا علي أتقى قلب عبد من عبادي؛ ما زاد ذلك في ملكي جناح بعوضة. ولو أن أولكم وآخركم وحيكم، وميتكم، ورطبكم، ويابسكم اجتمعوا في صعيد واحد؛ ما نقص ذلك من ملكي إلا كما لو أن أحدكم مر بالبحر فغمس فيه إبرة، ثم رفعها؛ ذلك بإني جواد ماجد أفعل ما أريد، عطائي كلام، وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا أردت أن أقوله له: ((كن، فيكون)))) رواه أحمد والترمذي، وابن ماجه. [٢٣٥٠]
ــ
الحديث الرابع عشر عن أبي ذر ﵁: قوله: ((يقول الله تعالي: كلكم ضال)) الحديث سبق شرحه مستوفي في الفصل الأول، وسنذكر أبحاثا مخصوصة بهذا الحديث، منها قوله: ((كلكم مذنب إلا من عافيت)) أي من شأن بني آدم وجبلتهم، أن يذنب إلا من أعصمه من الأنبياء، والصديقين، فوضع ((عافيت)) موضع ((عصمت)) يشعر بأن الذنب مرض ذاتي، وصحته عصمة الله تعالي منه. وقوله: ((فمن علم)) مرتب علي حاصل معنى الذكور، أي فمن لم أعصمه فأذنب، وعلم إني ذو قدرة علي المغفرة، ((غفرت له)).
قوله: ((ورطبكم ويابسكم)) ((مظ)):أي أهل البحر والبر، ويحتمل أن يراد بالرطب النبات والشجر، وباليابس الحجر والمدر، يعني لو صار كل مافي الأرض من النبات والشجر والحجر والمدر إنسانا كان كيت كيت. أقول: الرطب واليابس عبارتان عن الاستيعاب التام، كما في قوله تعالي:﴾ ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ﴿.والإضافة إلي ضمير المخاطبين تقتضي أن يكون الاستيعاب في نوع الإنسان، فيكون تأكيدا للشمول بعد تأكيد، وتقريرا بعد تقرير.
قوله: ((إلا كما لو أن أحدكم)) هذا تمثيل يوهم النقصان في الممثل أيضا. قلت: هو من باب الفرض والتنزل، أي لو فرض النقص في ملك الله تعالي، لكان مقداره مقدار الممثل به، نحو قوله تعالي:﴾ لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ﴿وقد حققنا القول فيه في شرح
стр. 1348
٢٣٥١ - وعن أنس، عن النبي ﷺ ، أنه قرأ:﴾ هو أهل التقوى وأهل المغفرة ﴿قال: ((قال ربكم)) أنا أهل أن أتقى، فمن اتقإني فأنا أهل أنا أغفر له)).رواه الترمذي، وابن ماجه، والدرامي.
ــ
الكشاف. قوله: ((وذلك بإني جواد ماجد)) فيه ترق؛ لأن الماجد أبلغ من الجواد، فإن معناه السعة في الكرم والجلال، موقع ذلك هاهنا كموقع﴾ أولئك علي هدى من ربهم ﴿من الكلام السابق، يعني بإني جدير أن أتمدح بالجواد الماجد، لإني هاد كل ضال، ومغن لكل فقير، وعاف لكل مذنب، وغافر لكل مستغفر، وإن طاعتكم ومعصيتكم لا تزيد ولا تنقص من ملكي شيئا، وإن خزائن رحمتي لا ينفدها إسعاف حاجاتكم.
قوله: ((عطائي كلام)) إلي آخره استئناف علي بيان الموجب لقوله: ((أفعل ما أريد)). ((تو)):المعنى الخلق يعتريهم العجز إذا أرادوا الانتقام، ويعتورهم العوز إذا أرادوا الإعطاء؛ لأنهم يفتقرون فيه إلي مادة فينقطع بهم انقطاع المادة، وأنا الغني القادر الذي لا يفتقر إلي المواد، ولا ينقص ما عندي بالعطاء، وإني إذا أردت إيجاد شيء لم يتأخر كونه عن الأمر. قوله: ((كن فيكون)) –الكشاف-: ((كن)) من كان التامة، أي أحدث فيحدث، وهذا ومعناه أن ما قضاه من الأمور وأراد كونه فإنما يتكون، ويدخل تحت الوجود من غير امتناع ولا توقف، كالمأمور المطيع الذي يؤمر فيمتثل، ولا يتوقف ولا يمتنع، ولا يكون فيه الإباء.
الحديث الخامس عشر عن أنس ﵁: قوله: ((أهل التقوى)) أهل الرجل من يجمعه وإياهم نسب، أو دين، أو ما يجري مجراهما من صناعة، وبيت وبلد وضيعة. وكما قيل لمن يجمعهم دين: هم أهل دين، كذا نفاه عن ابن نوح بقوله:﴾ إنه ليس من أهلك ﴿ثم تجوز واستعمل في معنى الخليق والجدير، فقيل: فلان أهل لكذا، أي خليق به، وهو المعنى بقوله: ((هو أهل التقوى)). والواو في قوله تعالي:﴾ وأهل المغفرة ﴿عاطفة بمنزلة الفاء السببية، أخبر الله تعالي أنه أهل التقوى، أي حقيق بأن يتقى منه، وأخبر بأنه حقيق يغفر لمن اتقاه، ففوض الترتب إلي ذهن السامع، ولعل الفاء في قوله ﷺ حكاية عن الله: ((فأنا أهل أن أغفر له)) تفسير لهذا الواو.
стр. 1349
٢٣٥٢ - وعن ابن عمر، قال: إن كنا لنعد لرسول الله ﷺ في المجلس يقول: ((رب! اغفر لي، وتب علي، إنك أنت التواب الغفور)) مائة مرة. رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود، وابن ماجه. [٢٣٥٢]
٢٣٥٣ - وعن بلال بن يسار بن زيد مولي رسول الله ﷺ ، قال: حدثني أبي، عن جدي أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه. غفر له، وإنا كان قد فر من الزحف)).رواه الترمذي، وأبو داود، لكنه عند أبي داود: هلال بن يسار، وقال الترمذي: هذا حديث غريب. [٢٣٥٣]
الفصل الثالث
٢٣٥٤ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول ﷺ ((إن الله ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة، فيقول: يارب إني لي هذه؟ فيقول: باستغفار ولدك لك)).رواه أحمد. [٢٣٥٤]
ــ
الحديث السادس عشر عن ابن عمر ﵄: قوله: ((إن كنا)) ((إن)) هي المخففة من الثقيلة، و ((اللام)) هي الفارقة، وفيه معنى التأكيد، وأن العد واقع ألبتة، والمعدود قوله: ((يقول)) علي تأويل أن يقول، كما في قوله: احضر الوغى، المعنى كنا نكثر أن نعد لرسول الله ﷺ قول: ((رب اغفر لي)) مائة مرة.
الحديث السابع عشر عن بلال: قوله: ((الحي القيوم)) يجوز فيهما النصب صفة لـ ((الله))،أو مدحا، والرفع بدلا من الضمير، أو خبر مبتدأ محذوف علي المدح. قوله: ((من الزحف)) الزحف الجيش الدهم الذي يرى لكثرته كأنه يزحف، أي يدب دبيبا من زحف الصبي، إذا دب علي استه قليلا قليلا.
أقول: وفي تخصيص ذكر الفرار عن الزحف إدماج لمعنى أن هذا الذنب من أعظم الكبائر لأن سياق الكلام، وارد في الاستغفار، وعبارته في المبالغة عن حط الذنوب عنه، فيلزم بإشارته أن هذا الذنب أعظم الذنوب. ((مظ)):أراد بقوله: ((فر من الزحف)) أنه فرمن حرب الكفار حيث لا يجوز له الفرار، وذلك بأن لا يكون عدد الكفار علي مثلي عدد جيش المسلمين.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((إن الله ليرفع)) الحديث، دل الحديث علي أن الاستغفار يحط من الذنوب أعظمها، وهذا يدل علي أنه يرفع درجة غير المستغفر إلي ما لم يبلغها بعمله فما ظنك بالعامل المستغفر؟ ولو لم يكن في النكاح فضيلة
стр. 1350
٢٣٥٥ - وعن عبد الله بن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما الميت في القبر إلا كالغريق المتغوث، ينتظر دعوة تلحقه من أب، أو أم، أو أخ، أو صديق، فإذا لحقته كان أحب إليه من الدنيا وما فيها، وإن الله تعالي ليدخل علي أهل القبور من دعاء أهل الأرض أمثال الجبال، وإن هدية الأحياء إلي الأموات الاستغفار لهم)).رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [٢٣٥٥]
٢٣٥٦ - وعن عبد الله بن بسر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارا كثيرا)). رواه ابن ماجه، وروى النسائي في ((عمل يوم وليلة)) [٢٣٥٦]
٢٣٥٧ - وعن عائشة، أن النبي ﷺ كان يقول: ((اللهم اجعلني من الذين إذا أحسنوا استبشروا، وإذا أسأووا استغفروا)).رواه ابن ماجه، والبيهقي في ((الدعوات الكبير)). [٢٣٥٧]
٢٣٥٨ - وعن الحارث بن سويد، قال: حدثنا عبد الله بن مسعود حديثين: أحدهما عن الرسول ﷺ ، والآخر عن نفسه. قال: إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه
ــ
غير هذا، لكفي به فضلا. فإن قلت: كيف طابق الباء في قوله: ((باستغفار)) و ((اللام)) في قوله: ((لي))؟ والظاهر أن يقال: لاستغفار. قلت: ليس بذلك، بل التقدير كيف حصل لي هذه؟ فقيل: حصل لك باستغفار ولدك.
الحديث الثاني والثالث عن عبد الله: قوله: ((لمن وجد في صحيفته)) فإن قلت: لم يقل: ((طوبى لمن استغفر كثيرا)) وما فائدة العدول؟ قلت: هو كناية عنه، فيدل علي حصول ذلك جزما، وعلي الإخلاص؛ لأنه إذا لم يكن مختصا فيه، كان هباء منثورا، فلم يجد في صحيفته إلا ما يكون حجة عليه، ووبالا له. قوله: ((في عمل يوم وليلة)) هو ترجمة كتاب صنف في الأعمال اليومية والليلية.
الحديث الرابع عن عائشة ﵂: قوله: ((إذا أحسنوا استبشروا)) أي إذا أتو بعمل حسن، قرنوه بالإخلاص، فيترتب عليه الجزاء، فيستحقوا الجنة، ويستبشروا بها، كما قال:﴾ وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون ﴿فهو كناية تلويحية. وقوله: ((وإذا أساءوا استغفروا)) عبارة أن لا يبتليه بالاستدراج، ويرى عمله حسنا، فإن الله يضله فيهلك، كما قال تعالي:﴾ أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ﴿.
стр. 1351
قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر علي أنفه فقال به هكذا- أي بيده- فذبه عنه، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لله أفرح بتوبة عبد مؤمن من رجل، نزل في أرض دوية مهلكة، معه راحلته، عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام نومة، فاستقيظ وقد ذهبت راحلته، فطلبها حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله. قال: أرجع إلي مكإني الذي كنت فيه. فأنام حتى أموت، فوضع رأسه علي ساعده ليموت، فاستيقظ؛ فإذا راحلته عنده، عليها زاده وشرابه، فالله أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده)) روى مسلم المرفوع إلي رسول الله ﷺ منه فحسب، وروى البخاري الموقوف علي ابن مسعود أيضا.
ــ
الحديث الخامس عن الحارث: قوله: ((يرى ذنوبه)) المفعول الثاني محذوف، أي كالجبال، بدليل قوله: ((كذباب)).ويجوز أن يكون ((كأنه)) مفعولا ثإنيا، والتشبية تمثيل، شبه حالة ذنوبه وأنها مهلكة له بحالته إذا كان تحت جبل، علي منوال قوله:
وما الناس إلا كالديار وأهلها بها يوم حلوها، وغدوا بلاقع
لم يشبه الناس بالديار، بل شبه وجودهم في الدنيا وسرعة زوالهم، بحلول أهل الديار ووشك نهوضهم عنها، وتركها خلاء خاوية. دل التمثيل الأول علي غاية الخوف، والاحتراز من الذنوب، والثاني علي نهاية قلة المبالاة، والاحتفال بها.
فإن قلت: ما التوفيق بين هذا القول، وقول رسول الله ﷺ : ((لله أفرح))؟ قلت: لما بالغ في احتراز المؤمن، وخوفه من الذنوب، وصوره بتلك الصورة الفظيعة الهائلة، تصور أنه طلب ملجأ وكهفا يلوذ إليه من ذلك الهول، فقيل له: ليس ذلك الملجأ والمفزع إلا إلي الله؛ لأنه أفرح إلي آخره، وذكر الفاجر وارد علي سبيل الاستطراد، كما في قوله تعالي:﴾ ومن كل تأكلون لحما طريا ﴿بعد قوله:﴾ وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه ﴿؛لأن البحرين تمثيل للمؤمن والكافر. قوله: ((لله أفرح)) الحديث قد مر شرحه في الفصل الأول، ويذكر بعض ما يختص به هاهنا.
قوله: ((دوية)) ((مح)):هي بتشديد الواو والياء جميعا، وذكر مسلم في رواية أخرى ((داوية)) بزيادة ألف، وهي بتشديد الياء أيضا، وهي الأرض القفر والمفازة الخالية، فالدوية منسوبة إلي الدو، وأما الداوية فإبدال إحدى الواوين ألفا، كالطائي منسوبا إلي الطيء. و ((المهلكة)) –بفتح
стр. 1352
٢٣٥٩ - وعن علي، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله يحب العبد المؤمن المفتن التواب)). [٢٣٥٩]
٢٣٦٠ - وعن ثوبان، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما أحب أن لي الدنيا بهذه الآية﴾ يا عبادي الذين أسرفوا علي أنفسهم لا تقنطوا ﴿)) الآية. فقال رجل: فمن أشرك؟ فسكت النبي ﷺ ثم قال: ((ألا ومن أشرك)) ثلاث مرات. [٢٣٦٠]
٢٣٦١ - وعن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله تعالي ليغفر لعبده ما لم يقع الحجاب)).قالوا: يارسول الله! وما الحجاب؟ قال: ((أن تموت النفس وهي مشركة)).
ــ
الميم وفتح اللام وكسرها- موضع خوف الهلاك، قوله: ((أو ما شاء الله)) إن كان الترديد من الراوي، كان التقدير: قال رسول الله ﷺ ذلك، أو قال: ما شاء الله، وإن كان من قول الرسول ﷺ ، تكون ((أو)) للتنويع، وكان التقدير: اشتد عليه الحر والعطش، أو ما شاء الله من العذاب والبلاء غير الحر والعطش. قوله: ((فالله أشد فرحا)) ((الفاء)) هي التي تعقب المجمل بالمفصل تأكيدا وتقريرا له؛ لئلا يزاد فيه ولا ينقص.
الحديث السادس عن علي ﵁: قوله: ((المفتن)) ((نه)):وفي الحديث: ((المؤمن خلق مفتنا)) أي ممتحنا يمتحنه الله باالذنب، ثم يتوب ثم يعود ثم يتوب، يقال: فتنته
أفتنه فتنا، وفتونا، إذا امتحنته، وقد كثر استعمالها فيما أخرجه الاختبار للمكروه، ثم كثر حتى استعمل بمعنى الإثم والكفر.
الحديث السابع عن ثوبان: قوله: ((بهذه الآية)) أي بدلها، وهي أرجى آية في القرآن، وذلك أن وحشيا قاتل حمزة عرض عليه آيات نحو ذلك، فما اطمأن ولا آمن إلا بها. و ((الواو)) في قوله: ((ألا ومن أشرك)) مانعة من حمل ((إلا)) علي الاستثناء، وموجبة لحملها علي حرف التنبيه، فقول السائل: ((فمن أشرك؟)) هل خص هذا العام بمن أشرك، أي المشرك داخل فيه أم خارج؟ فأجابه ﷺ بأنه داخل فيه، ويمكن أن ينزل السؤال علي قوله:﴾ يا عبادي ﴿يعني المشرك داخل في هذا المفهوم، وينادي بـ﴾ يا عبادي ﴿فقيل: ((نعم)) أو علي الذين أسرفوا أي هل يصح أن يقال لهم: أسرفوا علي أنفسهم، فقيل: نعم، أو علي﴾ لا تقنطوا ﴿فينهون عن القنوط، فقيل: نعم، أو علي قوله:﴾ إن الله يغفر الذنوب جميعا ﴿فقيل: نعم. وفي قوله: ((فسكت ثم قال)) يحتمل وجهين، أنه ﷺ علم بوحي نزل عليه، فأجاب، أو تفكر واجتهد فأجاب.
стр. 1353
روى الأحاديث الثلاثة أحمد، وروى البيهقي الأخير في كتاب ((البعث والنشور)). [٢٣٦١]
٢٣٦٢ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من لقى الله لا يعدل به شيئا في الدنيا، ثم كان عليه مثل جبال ذنوب غفر الله له)) رواه البيهقي في كتاب ((البعث والنشور)).
٢٣٦٣ - وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول ﷺ : ((التائب من الذنب كم لا ذنب له)).رواه ابن ماجه، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) وقال: تفرد به النهرإني وهو مجهول. [٢٣٦٣]
وفي ((شرح السنة)) روى عنه موقوفا، قال: الندم توبة، والتائب كم لا ذنب له.
(٥) باب ((سعة رحمة الله))
الفصل الأول
٢٣٦٤ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لما قضى الله الخلق كتب كتابا، فهو عنده فوق عرشه: إن رحمتي سبقت غضبي)) وفي رواية: ((غلبت غضبي)).متفق عليه.
ــ
الحديث الثامن والتاسع عن أبي ذر ﵁ قوله: ((لا يعدل به)) يحتمل معنيين، أحدهما أن لا يوازي ولا يساوي بالله شيئا، وثإنيهما أنه لا يتجاوز إلي غيره، فعلي هذا ((شيئا)) نصب علي نزع الخافض.
الحديث العاشر عن عبد الله بن مسعود ﵁ قوله: ((كمن لا ذنب له)) هذا من باب إلحاق الناقص بالكامل مبالغة، كما تقول زيد كالأسد، وإلا أنى يكون المشرك التائب معادلا بالنبي المعصوم؟.
باب ((سعة رحمة الله))
الفصل الأول
الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لما قضى الله الخلق)) ((قض)):القضاء فصل الأمر، سواء كان بقول أو فعل، والمراد به هاهنا الخلق كما في قوله تعالي:﴾ فقضاهن ﴿أي لما خلق الله الخلق، حكم حكما جازما، ووعد وعدا لازما لا خلف فيه،
стр. 1354
٢٣٦٥ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن لله مائة رحمة، أنزل منها
ــ
بـ ((أن رحمتي سبقت غضبي))،شبه حكمه الجازم الذي لا يعتريه نسخ، ولا يتطرق إليه تغيير بحكم الحاكم، إذا قضى أمرا وأراد إحكامه، عقد عليه سجلا، وحفظ عنده ليكون ذلك حجة باقية، محفوظة من التبديل والتحريف. وقوله: ((فوق العرش)) تنبيه علي تعظيم الأمر، وجلالة القدر، فإن اللوح المحفوظ ((تحت)) العرش، والكتاب المشتمل علي هذا الحكم فوق العرش، ولعل السبب في ذلك- والعلم عن الله تعالي- أن ما تحت العرش عالم الأسباب والمسببات، واللوح يشتمل علي تفاصيل ذلك، وقضية هذا العالم- وهو عالم العدل، وإليه أشار بقوله: ((ووبالعدل قامت السموات والأرض)) –إثابة المطيع وعقاب العاصي حسب ما يقتضيه العمل، من خير أو شر، وذلك يستدعي غلبة الغضب علي الرحمة، لكثرة موجبه ومقتضيه، كما قال تعالي:﴾ ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك علي ظهرها من دابة ﴿فتكون سعة الرحمة وشمولها علي البرية، وقبول إنابة التائب والعفو عن المشتغل بذنبه المنهمك به، كما في قوله تعالي:﴾ وإن ربك لذو مغفرة للناس علي ظلمهم ﴿أمرا خارجا عنه، مترقيا منه إلي عالم الفضل الذي هو فوق العرش. وفي أمثال هذا الحديث أسرار، إفشاؤها بدعة، فكن من الواصلين إلي العين دون السامعين للخبر.
فإن قلت: ما المناسبة بين قضاء الخلق، وسبق الرحمة علي الغضب؟ قلت: لم يكن قضاء الخلق إلا للعبادة، قضاء لشكر تلك النعمة، قال تعالي:﴾ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴿فمن الخلق من قام بالشكر علي قدر استطاعته لا بموجبه؛ لأن أحد لم يقدر علي أن يشكره حق شكره، ومنهم من قصر فيه، فسبقت رحمة الله تعالي في حق الشاكر، بأن وفي جزاءه، وزاد عليه بسعة رحمته ما لا يدخل تحت الحصر، وفي حق المقصر إذا تاب ورجع أن يغفره، ويتجاوز، وبدلها حسنات، ولم يغضب عليه، نحو قوله تعالي:﴾ كتب علي نفسه الرحمة ﴿ثم تعليله بقوله:﴾ أنه من عمل منكم بسوء بجهالة ثم تاب من بعده ﴿الآية. وعلي هذا ((قضى)) بمعنى فصل، أي فصل أمر الخلق، فمن منعم عليهم بالرحمة، ومغضوب عليهم بالسخط. ومعنى ((سبقت رحمتي)) تمثيل لكثرتها وغلبتها علي الغضب بفرسي رهان تسابقتا، فسبقت إحداهما علي الأخرى، وهذا التوجيه أنسب بالباب.
الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((إن لله مائة رحمة)) الحديث ((تو)):رحمة الله تعالي غير متناهية، فلا تعتورها التجزئة والتقسيم، وإنما أراد النبي ﷺ أن يضرب
стр. 1355
رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحش علي ولدها، وأخر الله تسعة وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة)) متفق عليه.
٢٣٦٦ - وفي رواية لمسلم عن سلمان نحوه. وفي آخره قال: ((فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة)).
٢٣٦٧ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة؛ ما طمع بجنته أحد. ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة؛ ما قنط من جنته أحد)) متفق عليه.
٢٣٦٨ - وعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الجنة أقرب من أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك)) رواه البخاري.
ــ
للأمة مثلا، فيعرفوا التناسب الذي بين الجزئين، ويجعل لهم مثالا فيفهموا به التفاوت بين القسطين، قسط أهل الإيمان منها في الآخرة، وقسط كافة المربوبين في الأولي، فجعل مقدار حظ الفئتين من الرحمتين الدارين علي الأقسام المذكورة، تنبيها علي المستعجم، وتوفيقا علي المستبهم، ولم يرد به تحديد ما قد جل عن الحد، أو تعديد ما تجاوز عن العد. قوله: ((وأخر الله)) عطف علي ((أنزل منها الرحمة))،وأظهر المستكن بيانا لشدة العناية برحمة الله الأخروية.
الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لو يعلم المؤمن)) سياق الحديث في بيان صفتي القهر والرحمة لله تعالي، كما أن صفات الله تعالي غير متناهية، لا يبلغ كنه معرفتها أحد، كذلك عقوبته ورحمته، فلو فرض أن المؤمن وقف علي كنه صفة القهارية، أظهر منها ما يقنط من ذلك الخلق طرا، فلا يطمع بجنته أحد، هذا معنى وضع ((أحد)) موضع ضمير ((المؤمن)).ويجوز أن يراد بالمؤمن الجنس علي سبيل الاستغراق، فالتقدير: أحد منه. ويجوز أن يكون المعنى علي وجه آخر، وهو أن المؤمن قد اختص بأن يطمع بالجنة، فإذا انتفي الطمع منه، فقد انتفي عن الكل وكذلك الكافر مختص بالقنوط، فإذا انتفي القنوط عنه فقد انتفي عن الكل. ((مظ)):ورد الحديث في بيان كثرة عقوبته ورحمته، كيلا يغتر مؤمن برحمته فيأمن عذابه، ولا ييأس كافر من رحمته.
الحديث الرابع عن ابن مسعود ﵁: قوله: ((من شراك نعله)) ((نه)):الشراك أحد سيور النعل التي يكون علي وجهها. أقول: ضرب القرب مثلا بالشراك؛ لأن سبب حصول الثواب والعقاب، إنما هو يسعى العبد، وتحري السعي بالأقدام، وكل من خيرا استحق
стр. 1356
٢٣٦٩ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((قال رجل لم يعمل خيرا قط لأهله- وفي رواية- أسرف رجل علي نفسه، فلما حضره الموت أوصى بنيه: إذا مات فحرقوه، ثم اذروا نصفه في البر ونصفه في البحر، فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابا لا يعذبه أحد من العالمين، فلما مات فعلوا ما أمرهم، فأمر الله البحر، فجمع ما فيه، وأمر البر فجمع ما فيه، ثم قال له: لم فعلت هذا؟ قال: من خشيتك يارب! وأنت أعلم، فغفر له)) متفق عليه.
ــ
الجنة بوعده، ومن عمل شر استحق النار بوعيده، وما وعد وأوعد منجزان، فكأنهما حاصلان. وقوله: ((ذلك)) إشارة إلي المذكور، أي النار مثل الجنة في كونها أقرب من شراك النعل.
الحديث الخامس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لم يعمل خيرا قط)) صفة رجل، والمقول قوله: ((إذا مات)) إلي آخره، وقد تنازع فيه ((قال وأوصى)) في الروايتين. قوله: ((أسرف)) ((مح)):أي بالغ وغلا في المعاصي، والسرف مجاوزة الحد في الشيء. قوله: ((ثم اذروا)) ((نه)):يقال: ذرته الريح، وأذرته، تذروه، وتذريه إذا أطارته، ومنه تذرية الطعام. قوله: ((إذا مات فاحرقوه)) لو حكى ما تلفظ به الرجل، لكان ينبغي أن يقال: إذا مت فاحرقوني، ثم اذروا نصفي، ولو نقل معنى ما تلفظ به، لينبغي أن يقال: إذا مات فليحرقه قومه، ثم ليذروه، فعدل عن ضمير المتكلم إلي الغائب تحاشيا عن وصمة نسبة التحريق، وتوهم الشك في قدرة الله تعالي إلي نفسه.
قوله: ((فوالله لئن قدر الله)) ((اللام)) موطئة للقسم، وقوله: ((ليعذبنه)) جواب القسم. سدت مسد جواب الشرط. ((مح)): اختلفوا في تأويله علي وجوه، أولها قيل: لا يصلح حمله علي أنه أراد به نفي قدرة الله تعالي، فإن الشك فيها كفر، وقد قال في آخر الحديث: إنه إنما فعل هذا من خشية الله تعالي، فغفر له، والكافر لا يخشاه ولا يغفر له، فله تأويلان: أحدهما: لئن قدر علي العذاب، أي قضاه، يقال منه: قدر- بالتخفيف والتشديد- بمعنى واحد، والثاني: أن ((قدر)) بمعنى ضيق، قال تعالي:﴾ فقدر عليه رزقه ﴿وقال:﴾ فظن أن لن نقدر عليه أحد ﴿.
وثإنيهما: قيل: هو علي ظاهره، ولكن قاله وهو غير ضابط لكلامه، ولا قاصد حقيقة معناه، بل قاله في حالة غلب فيها الدهش، والخوف، والجزع، ولم يتدبر ما قاله، كالغافل والناسي، فلا يؤاخذ فيما قال. ونحوه قوله من قال حين وجد راحلته فرحا: ((أنت عبدي وأنا ربك)) ولم يكفر بذلك، وقد جاء في هذا الحديث من غير رواية مسلم ((فلعلي أضل الله)) أي أغيب عنه، وهذا يدل علي قوله: ((لئن قدر علي)) محمول علي ظاهره.
стр. 1357
وثالثهما: قيل: هذا من جملة العرب، وبديع استعمالها، يسمونه مزج الشك باليقين، كقوله تعالي:﴾ وإنا أو إياكم لعلي هدى أو في ضلال مبين ﴿صورته صورة الشك، والمراد به اليقين.
ورابعها: قيل: إنه جهل صفة من صفات الله تعالي، وقد اختلفوا في تكفير جاهل صفة من صفات الله تعالي، قال القاضي عياض: وممن كفره ابن جرير الطبري، وقال به أبو الحسن الأشعري أولا، وقال آخرون: لا يكفر به، بخلاف جحدها، وإليه رجع أبو الحسن، وعليه استقر مذهبه. قال: لأنه لم يعتقد ذلك اعتقادا يقطع بصوابه ويراه دينا شرعا، وإنما يكفر من اعتقد أن مقالته حق. وقالوا: لو سئل الناس عن الصفات، لوجد العارف بها قليلا.
وخامسها: قيل: هذا الرجل كان في زمان فترة حين ينفع مجرد التوحيد، ولا تكليف قبل ورود الشرع علي المذهب الصحيح؛ لقوله تعالي:﴾ وما كنا معذبين حتى نبعث فيهم رسولا ﴿.
وسادسها: قيل: إنما وصى بذلك تحقيرا لنفسه، وعقوبة لها بعصيانها وإسرافها، رجاء أن يرحمه الله تعالي.
((قض)):يحتمل أن يكون قوله: ((لئن قدر الله عليه)) من قول الرسول ﷺ ، فيكون معناه: أنه تعالي لو وجده علي ما كان عليه، ولم يفعل به مافعل، فترحم عليه بسببه، ورفع عنه أعباء ذنبه، لعذبه عذابا لا يعذبه أحد من العالمين، أو لو ضيق عليه، وناقشه في الحساب، لعذبه أشد العذاب ويحتمل أن يكون من تتمة كلام الموصي علي غير لفظه.
أقول: وفي صحيح مسلم علي ما رواه الشيخ محيي الدين، وبنى عليه الشرح لفظة ((علي)) فلا يكون محتملا للوجه الأول، وعلي ما هو في أكثر السنة، وهو لفظة ((عليه)) إما الراوي حكى معنى لفظة لا ما تلفظه، أو قاله الرجل دهشا. والشيخ التوربشتي استشهد بالوجه الثالث، وهو مزج الشك باليقين لقوله تعالي:﴾ فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب ﴿وسماه بتجاهل العارف.
وتحريره: أن الله تعالي أراد أن يحقق ما أنزل عليه من أمر أهل الكتاب، ويقرره عنده، وعلم أنه ﷺ لم يشك فيه قطعا، وإنما قاله تهييجا وإلهابا له، ليحصل له مزيد ثبات، ورسوخ قدم فيه، كذلك هذا الرجل علم أن الله تعالي قادر علي أن ينشره، ويبعثه، ويعذبه بعد ذلك، ويؤيده ما ورد في رواية آخرى ((وإن الله يقدر علي أن يعذبني)) فأراد أن يحرض القوم علي إنفاذ وصيته، فأخرج الكلام في معرض التشكيك لهم لئلا يتهاونوا في وصيته، فيقوموا بها حق القيام.
стр. 1358
٢٣٧٠ - وعن عمر بن الخطاب، قال: قدم علي النبي ﷺ سبي فإذا امرأة من السبي قد تحلب ثديها تسعى، إذا وجدت صبي في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا النبي ﷺ : ((أترون هذه طارحة ولدها في النار؟)) فقلنا: لا، هي تقدر علي أن لا تطرحه. فقال: ((لله أرحم بعباده من هذه بولدها)).متفق عليه.
ــ
وأما تنزيله علي ما استشهد به الشيخ محيي الديث بقوله:﴾ وإنا وإياكم لعلي هدى أو في ضلال مبين ﴿هو أن هذا من الكلام المصنف، وإرخاء العنان، فإن قوله ﷺ هذا وارد علي التنزل، وبعث الخصم علي التفكر لينظر في حال نفسه من الزيغ والضلال، وحاله ﷺ من الهدى والصلاح، فيقف علي ما هو عليه وما عليه رسول الله، فيذعن للحق ولا يغضب، وكذلكم هذا الرجل أوصى أهله فيما أوصى، ثم عقبه بهذا الكلام، فيتفكروا في ذلك، وما كانوا عليه من الفساد، وعرفوا أن ما قاله حق، فينفذوا وصيته، ويبذلوا جهدهم فيه.
وينصر الوجه الرابع- وهو أن الجاهل بصفة من صفات الله تعالي لا يكفر- قول الحواريين لعيسى ﵇ وهم خلصاؤه-:﴾ هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء ﴿.
الحديث السادس عن عمر بن الخطاب ﵁: قوله: ((سبي)) ((نه)):السبي النهب، وأخذ الناس عبيدا وإماءا، والسبية المرأة المنهوبة، فعيلة بمعنى مفعولة، وجمعها السبايا. قوله: ((قد تحلب)) ((تو)):أي سال. وفي حديث ابن عمر ﵄: رأيت عمرا يتحلب فوه، أي يتهيأ رضابه للسيلان. و ((تسعى)) أي تعدو، وروى في كتاب مسلم ((تبتغي)) أي طالبة لابنها، وفي كتاب البخاري ((تسقي)) وليس بشيء. ((مح)):قال القاضي: الصواب ما في رواية البخاري ((تسعى)) بالسين من السعى.
أقول: قوله: ((وفي كتاب البخاري تسقي كما في بعض نسخ المصابيح)) إن كان ردا للرواية، فلا كلام فيه، وإن كان الرد من حيث الدراية، فغير مستقيم؛ لأن ((تسقي)) إذا جعل حالا مقدرة من ضمير المرأة بمعنى قد تحلب ثديها مقدرة السقي، ففاجأت صبيا من الصبيان، فأي بعد فيه؟.
قوله: ((وهي تقدر)) ((الواو)) للحال، وصاحبها مقدر، أي لا تكون طارحة حال قدرتها علي أن لا تطرح، وفائدة الحال أن هذه المرأة استطاعت أن تحفظ الولد، ولا اضطرت إلي طرحه، بذلت جهدها فيه، والله تعالي منزه عن الاضطرار، فلا يطرح عبده في النار ألبتة.
стр. 1359
٢٣٧١ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لن ينجي أحد منكم عمله)) قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ((ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمته؛ فسددوا، وقاربوا، واغدوا، وروحوا، وشيء من الدلجة، والقصد القصد تبلغوا)) متفق عليه.
ــ
الحديث السابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((ولا أنت يا رسول الله؟)) عدل عن مقتضى الظاهر، وهو ((ولا إياك)) انتقالا عن الجملة الفعلية إلي الجملة الاسمية، فيكون التقدير ((ولا أنت ممن ينجيه عمله)) استبعادا هن هذه النسبة إليه ﷺ ، وأما قوله ﷺ : ((ولا أنا)) فليكون مطابقا لقولهم: ((ولا أنت)).قوله: ((إلا أن يتغمدني الله)) الاستثناء مقطع. ((نه)):يلبسنيها، ويسترني بها، مأخوذ من غمد السيف وهي غلافه يقال: غمدت السيف وأغمدته. والغدو سير أول النهار، نقيض الرواح، يقال: غدا يغدو غدوا.
قوله: ((فسددوا)) ((نه)):سدد الرجل إذا صار ذا سداد، وسدد في رميته، إذا بالغ في تصويبها وإصابتها. وقارب الإبل، أي جمعها حتى لا تتبدد، والمقاربة أيضا القصد في الأمور التي لا غلو فيها، ولا تقصير. و ((الدلجة)) سير الليل. وقوله: ((وشيء من الدلجة)) مجرور بالعطف علي قوله: ((بالغدو والروحة)) ((مظ)):تقديره: وليكن في مشيتكم شيء من الدلجة، ((شغف)):وارتفع ((شيء)) علي الابتداء، وخبره محذوف، أي شيء من الدلجة اعملوا فيه علي تقدير مطلوب فيه عملكم. قوله: ((والقصد القصد)) ((نه)):أي عليكم بالقصد في الأمور في القول والفعل، وهو الوسط بين الطرفين من الإفراط والتفريط.
((قض)):النجاة من العذاب والفوز بالثواب بفضل الله ورحمته، والعمل غير مؤثر فيهما علي سبيل الإيجاب، بل غايته أنه يعد العامل لأن يتفضل عليه وتقرب إليه الرحمة. ومعنى قوله: ((إلا أن يتغمدني الله برحمته)) يحفظني بها كما يحفظ السيف في غمده، ويجعل رحمته محيطة بي إحاطة الغلاف بما يحفظ فيه. وقوله: ((فسددوا)) بالغوا في التصويب، واقربوا إلي الله بكثرة القربات، والمواظبة علي الطاعات، واعبدوا الله طرفي النهار وزلفا من الليل. شبه العبادة في هذه الأوقات من حيث أنها توجه إلي مقصد وسعى للوصول إليه، بالسلوك والسير، وقطع المسافة في هذه الأوقات، أو معنى ((قاربوا)) اقتصدوا في الأمور، واجتنبوا طرفي الإفراط والتفريط، فلا تترهبوا فتسأم نفوسكم، ويختل معاشكم، ولا تنهمكوا في أمر الدنيا، فتعرضوا عن الطاعة رأسا.
((تو)):ليس المراد بهذا الحديث نفي العمل، وتوهين أمره، بل توقيف العباد علي أن العمل إنما يتم بفضل الله ورحمته، لئلا يتكلوا اغترارا بها، فإن الإنسان ذو السهو والنسيان، وعرضة
стр. 1360
٢٣٧٢ - وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يدخل أحد منكم عمله الجنة ولا يجيره من النار، ولا أنا إلا برحمة الله)).رواه مسلم.
٢٣٧٣ - وعن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أسلم العبد وحسن إسلامه، يكفر الله عنه كل سيئة كان زلفها، وكان بعد القصاص: الحسنة بعشر أمثالها إلي سبعمائة ضعف إلي أضعاف كثيرة، والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله عنها)).رواه البخاري.
ــ
للآفات، قلما يخلص له من عمل من شائبة رياء، أو فساد نية، ثم إن سلم له العمل عن ذلك، فلا يسلم إلا برحمة من الله، ثم إن أرجى عمل من أعماله لا يفي بشكر أدنى نعمة من نعم الله، فأنى له أن يستظهر بعمل لم يهتد إليه إلا برحمة من الله وفضل منه! ((شف)):لما بنى النبي ﷺ أول الكلام علي أن العمل لا ينجي، ولا يوجب الخلاص، لئلا يتكلوا علي أعمالهم، عقبه بفاء التعقيب للحث علي الأعمال، والأمر بالمواظبة علي وظائف الطاعات، والاقتصاد في الأمور، لئلا يتوهموا أن العمل ملغي، وجوده وعدمه سواء، بل العمل أدعى للخلاص، وأقرب إلي النجاة، فقال: ((فسددوا وقاربوا)).
أقول الفاء في قوله: ((فسددوا)) جزاء شرط محذوف، يدل عليه الكلام السابق، فقوله: ((لن ينجي أحد منكم)) أي من بني آدم يقتضي رد المخاطبين فيما اعتقدوه من أن النجاة في العمل، فيجب الاتكال عليه، والاستقصاء فيه، والمواظبة عليه ليلا ونهارا فردهم ﷺ بقوله: ((لن ينجي أحد منكم))،وأجاب عن سؤالهم بما أجاب، وقد علم من شرعه ﷺ ، أن الأعمال غير مرفوعة أيضا، فعقبه بقوله: ((فسددوا)).وإنما قلنا: إن ((لن)) تقتضي رد المخاطبين فيما اعتقدوه؛ لأن ((لن)) تأكيدا وتشديدا، تقول لصاحبك: لا أقيم غدا، فإن أنكر عليك، قلت: لن أقيم غدا، كما تفعل في إني مقيم وإني مقيم.
الحديث الثامن والتاسع عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((زلفها)) ((نه)):زلفها أي قدمها وأسلفها، والأصل فيه القرب والتقديم، قوله: ((القصاص)) ((تو)):القصاص هاهنا المجازاة، واتباع كل عمل بمثله، وأخذ من القصص الذي هو تتبع الأثر، وهو رجوع الرجل من حيث جاء، وجاء قوله: ((الحسنة بعشر أمثالها بسبعمائة ضعف، والسيئة بمثلها)) مجيء التفسير للقصاص. أقول: الفاء في قوله: ((فحسن)) وقع موقع ((ثم)) في قوله: ((قل آمنت بالله ثم استقم)) أي أسلم واستقام علي الإسلام، بأن أدى حقه، وأخلص في عمله، ولم يرغ روغان الثعلب، ومضاف إليه بعد ما يعلم من المجموع، أي كان بعد حكم محو السيئات وتكفيرها بالإسلام والإخلاص فيه القصاص، أي المجازاة بمثله، فيكون قوله: ((السيئة بمثلها)) هو المراد
стр. 1361
٢٣٧٤ - وعن ابن عباس (﵁)،قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله كتب الحسنات والسيئات: فمن هم بحسنة فلم يعملها؛ كتبها الله عنده حسنة كاملة. فإن هم بها فعملها؛ كتبها الله عنده عشر حسنات إلي سبعمائة ضعف إلي أضعاف، كثيرة. ومن هم بسيئة فلم يعملها؛ كتبها الله عنده حسنة كاملة. فإن هو هم بها فعملها؛ كتبها الله بها سيئة واحدة)) متفق عليه.
الفصل الثاني
٢٣٧٥ - عن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن مثل الذي يعمل
ــ
بالقصاص؛ لأن المثلية معتبرة فيه، وإن السيئة هي التي تقص لا الحسنة، فيكون قوله: ((الحسنة بعشر أمثالها)) مستطردا. وكالتوطئة لذكر السيئة. وهذا التأويل أنسب؛ لأن القصاص في الشرع مجازاة بمثل ما فعله من الجرح والقتل. فيؤخذ الجإني في سبيل الذي جاء منه من غير زيادة، فيجرح مثل جرحه، ويقتل كقتله صاحبه. والمراد بـ ((ضعف)) في قوله: ((سبعمائة ضعف)) المثل، وعليه قوله تعالي:﴾ يضاعف لها العذاب ضعفين ﴿.
((المغرب)) قال أبو عبيدة: معناه جعل الواحد ثلاثة، أي يعذب ثلاثة أعذبة، وأنكره الأزهري، وقال: هذا الذي يستعمله الناس في كلامهم، وإنما الذي قال الحذاق: إنها تعذب مثلي عذاب غيرها؛ لأن الضعف في كلام العرب المثل.
الحديث العاشر عن ابن عباس ﵄: قوله: ((فمن هم)) ((الفاء)) فيه تفصيلية؛ لأن قوله: ((كتب الحسنات والسيئات)) مجمل لم يفهم منه كيفية الكتابة، ففصله بقوله: ((فمن هم)) إلي آخره. وإنما جوزي من هم بسيئة ولم يعملها بحسنة كاملة؛ لأنه خاف مقام ربه ونهي النفس عن الهوى، و ((حسنة كاملة)) مفعول ثان لـ ((كتبها)) بمعنى صيرها. ((مح)):ذكر في الأربعين: فانظر يا أخي- وفقني الله وإياك- إلي عظم لطفه، وتأمل هذه الألفاظ. وقوله: ((عنده)) إشارة إلي الاعتناء به، وقوله: ((كاملة)) للتوكيد، وشدة الاعتناء في السيئة التي هم بها ثم تركها، كتبها الله حسنة كاملة، فأكدها الله بـ ((كاملة))،وإن عملها كتبها سيئة واحدة، فأكدا تقليلا لها بـ ((واحدة)) ولم يؤكدها بـ ((كاملة)) ولله الحمد والمنة سبحانه لا نحصي ثناء عليه، وبالله التوفيق.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن عقبة بن عامر ﵁: قوله: ((إن مثل الذي)) الحديث ((مظ)):
стр. 1362
السيئات ثم يعمل الحسنات، كمثل رجل كانت عليه درع ضيقة، قد خنقته ثم عمل حسنة، فانفكت حلقة ثم عمل حلقة أخرى فانفكت أخرى، حتى تخرج إلي الأرض)) رواه في ((شرح السنة)) [٢٣٧٥].
٢٣٧٦ - وعن أبي الدرداء: أنه سمع النبي ﷺ يقص علي المنبر وهو يقول:﴾ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴿قلت: وإنى زنى وإن سرق؟ يا رسول الله! فقال الثانية:﴾ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴿فقلت الثانية: وإن زنى وإن سرق؟ يا رسول الله! فقال الثالثة:﴾ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴿فقلت الثالثة: وإن زنى وإن سرق؟ يا رسول الله! قال: ((وإن رغم أنف أبي الدرداء)).رواه أحمد. [٢٣٧٦]
٢٣٧٧ - وعن عامر الرام، قال: بينا نحن عنده، يعني عند النبي ﷺ ، إذ أقبل عليه كساء وفي يده شيء قد التف عليه، فقال: يا رسول الله! مررت بغيضة
ــ
يعني عمل السيئات يضيق صدر عامله ورزقه، ويحيره في أمره، فلا تتيسر له أموره، ويبغضه عند الناس، فإذا عمل الحسنات تزيل حسناته سيئاته، فإذا زالت انشرح صدره، وتوسع رزقه، وتيسر له أموره، وصار محبوبا في قلوب الناس. و ((خنقته)) أي عصر حلقه وترقوته من ضيق تلك الدرع، ومعنى قوله: ((حتى تخرج إلي الأرض)) انحلت وانفكت حتى تسقط تلك الدرع، ويخرج صاحبها من ضيقها، فقوله: ((تخرج إلي الأرض)) كناية عن سقوطها.
الحديث الثاني عن أبي الدرداء ﵁: قوله: ((مقام ربه)) موقفه الذي يقف فيه العباد للحساب يوم القيامة، قال تعالي:﴾ يوم يقوم الناس لرب العالمين ﴿ويجوز أن يراد به أن الله قائم عليه، أي حافظ ومهيمن، من قوله:﴾ أفمن هو قائم علي كل نفس بما كسبت ﴿فهو يراقب ذلك، ولا يجسر علي معصية. ومعنى التثنية في ((جنتان)) أن له جنة لفعل الطاعات، وجنة لترك المعاصي، أو جنة يثاب بها وأخرى تضم إليها علي وجه التفضيل.
الحديث الثالث عن عامر: قوله: ((بغيضة شجر)) الغيضة هي الشجر الملتف، وإضافتها إلي
стр. 1363
شجر، فسمعت فيها أصوات فراخ طائر، فأخذتهن، فوضعتهن في كسائي، فجاءت أمهن، فاستدرت علي رأسي، فكشفت لها عنهن، فوقعت عليهن فلففتهن بكسائي، فهن أولاء معي. قال: ((ضعهن)).فوضعتهن وأبت أمهن إلا لزومهن. فقال رسول الله ﷺ : ((أتعجبون لرحم أم الأفراخ فراخها؟ فو الذي بعثني بالحق: لله أرحم بعباده من أم الأفراخ بفراخها. ارجع بهن حتى تضعهن من حيث أخذتهن وأمهن معهن)) فرجع بهن. رواه أبو داود. [٢٣٧٧].
الفصل الثالث
٢٣٧٨ - عن عبد الله بن عمر، قال: كنا مع النبي ﷺ في بعض غزواته، فمر بقوم، فقال: ((من القوم؟)).قالوا: نحن المسلمون وامرأة تحضب بقدرها، ومعها ابن لها، فإذا ارتفع وهج تنحت به، فأتت النبي ﷺ فقالت: أنت رسول الله؟ قال: ((نعم)) قالت: بأبي أنت وأمي، أليس الله أرحم الراحمين؟ قال: ((بلي)) قالت: أليس الله أرحم بعباده من الأم بولدها؟ قال: ((بلي)) قالت: إن الأم لا تلقي ولدها في
ــ
الشجر إما لمزيد البيان، أيراد بالشجر المرعى، كما جاء في الحديث ((ونأي بي الشجر)) أي بعد بي المرعى في الشجر. و ((الفرخ)) ولد الطير، وجمع القلة أفراخ، والكثرة فراخ، وجمع بينهما في الحديث إما اتساعا واستعمالا لكل من الجمعين مكان لآخر؛ لاشتراكهما في الجمعية، كقوله تعالي:﴾ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ﴿وإما الإشعار بأن تلك القلة كانت خارجة عن العادة، وبالغة إلي حد الكثرة، ويشهد له الضمائر المتعاقبة في ((أخذتهن، فوضعتهن، فجاءت أمهن)).و ((أمهن معهن)) مبتدأ وخبر، و ((الواو)) للحال، و ((من)) في ((من حيث أخذتهن)) إما ابتدائية، أي حتى تجعل ابتداء وضعهن مكانا أخذتهن منه، بأن لا تضعهن مكانا آخر، أو زائدة علي مذهب الأخفش. و ((إلا لزومهن)) استثناء مفرغ لما في ((أبت)) من معنى النفي، و ((الرحم)) بالضم مصدر كالرحمة، ويجوز تحريكه مثل عسر وعسر.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن عبد الله: قوله: ((نحن المسلمون)) كان من الظاهر أن يقال في الجواب: نحن مضريون، أو قرشيون، أو طائيون، فعدلوا من الظاهر وعرفوا الخبر حصرا، أي نحن قوم
стр. 1364
النار، فأكب رسول الله ﷺ يبكي، ثم رفع رأسه إليها، فقال: ((إن الله لا يعذب من عباده إلا المارد المتمرد الذي يتمرد علي الله، وأبي أن يقول: لا إله إلا الله)).رواه ابن ماجه. [٢٣٧٨]
٢٣٧٩ - وعن ثوبان، عن النبي ﷺ قال: ((إن العبد ليلتمس مرضاة الله، فلا يزال بذلك؛ فيقول الله لجبريل: إن فلانا عبدي يلتمس أن يرضيني، ألا وإن رحمتي عليه، فيقول جبريل: رحمة الله علي فلان، ويقولها حملة العرش، ويقولها من حولهم، حتى يقولها أهل السموات السبع، ثم تهبط له إلي الأرض)).رواه أحمد. [٢٣٧٩]
٢٣٨٠ - وعن أسامة بن زيد، عن النبي ﷺ في قول الله :﴾ فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ﴿قال: كلهم في الجنة)).رواه البيهقي في كتاب ((البعث والنشور)).
ــ
لا نتجاوز الإسلا، توهما أن رسول الله ﷺ ظن أنهم غير مسلمين. و ((تحضب)) بالحاء المهملة والضاد المعجمة، أي توقد، الجوهري: الحضب في لغة أهل اليمن الحطب، وكل ما هيجت به النار، وأوقدتها به، والوهج- بالتحريك- حر النار، وبالسكون مصدر. قوله: ((إلا المارد)) ((غب)):المارد والمريد من شياطين الجن والإنس المتعري من الخيرات، من قولهم: شجر أمرد، إذا تعرى من الورق، وتعقيب المارد بالمتمرد وتكريره للمبالغة، وبلوغه غاية المرود. وقوله: ((أبي أن يكون)) عطف تفسيري علي قوله: ((إلا المارد المتمرد)) والكلام في هذا الحديث وأمثاله سبق مستوفي في باب الإيمان.
الحديث الثاني عن ثوبان: قوله: ((يلتمس)) أي يطلب، واللمس إدراك بظاهر البشرة كالمس، ويعبر به عن الطلب، والمراد به هاهنا التقرب إلي الله بأصناف الطاعات. وقوله: ((بذلك)) خبر ((لا يزال)) أي ملتبسا بالالتباس. قوله: ((ثم تهبط له)) أي الرحمة لأجله ((إلي الأرض))،يعني محبة الله إياه، ثم يضع له القبول فيها، فمعنى هذا الحديث، ومعنى الحديث المشهور في المحبة متقاربان.
الحديث الثالث عن أسامة ﵁: قوله:﴾ فمنهم ظالم لنفسه ﴿((الفاء)) تفصيلية، فصلت قوله تعالي:﴾ الذين اصطفينا من عبادنا ﴿بالأصناف الثلاثة علي سبيل الحصر، فالظالم لنفسه، هو المجرم المرجئ لأمر الله، والمقتصد هو الذي خلط عملا صالحا آخر سيئا، والسابق
стр. 1365
(٦) باب ما يقال عند الصباح والمساء والمنام
الفصل الأول
٢٣٨١ - وعن عبد الله، قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمسى قال: ((أمسينا وأمسى الملك لله، والحمد لله، ولا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو علي كل شيء قدير، اللهم إني أسألك من خير هذه الليلة وما فيها، وأعوذ بك من شر هذه الليلة وشر ما فيها، اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهرم، وسوء الكبر،
ــ
من السابقين المقربين، وقوله: ((كلهم في الجنة)) إيذان بأن قوله:﴾ جنات عدن يدخلونها ﴿استئناف علي تقدير سؤال سائل: ما لهؤلاء المصطفين الحائزين للفضل الكثير علي الثواب؟ فأجيب:﴾ جنات عدن يدخلونها ﴿.ويطابق هذا التفسير قولهم:﴾ إن ربنا لغفور شكور ﴿أي كثير الغفران للظالم لنفسه، وكثير الشكر للإثابة للسابق، وليس ببدل من﴾ الفضل الكبير ﴿المعني به السبق بالخيرات، كما زعم صاحب الكشاف، وأخرج الظالم والمقتصد من هذا العام، ومن ((الفضل الكبير والجنات))،وقد استقصينا القول فيه في فتوح الغيب.
باب ما يقول عن الصباح والمساء والمنام
الفصل الأول
الحديث الأول عن عبد الله: قوله: ((والحمدلله)) ((مظ)): عطف علي ((أمسينا وأمسى الملك لله)) وأمسى إذا دخل في المساء، وأمسى إذا صار، يعني دخلنا في المساء، وصرنا نحن، وجميع الملك، وجميع الحمدلله. أقول: الظاهر أنه عطف علي قوله: ((الملك لله)) ويدل عليه قوله بعد: ((له الملك وله الحمد))، وقوله: ((وأمسى الملك لله)) حال من ((أمسينا)) إذا قلنا: أنه فعل تام، ومعطوف علي ((أمسينا)) إذا قلنا: إنه ناقص، والخبر محذوف لدلالة الثاني عليه، والواو فيه كما في قول الحماسي: فأمسى وهو عريان. قال أبو البقاء: ((أمسى)) هاهنا الناقصة، والجملة بعدها خبر لها. فإن قلت: خبر كان مثل خبر المبتدأ لا يجوز أن تدخل عليه الواو، قيل: الواو إنما دخلت في خبر كان؛ لأن اسم كان يشبه الفاعل، وخبرها يشبه الحال. وقوله: ((ولا إله إلا الله)) عطف علي ((الحمدلله)) علي تأويل، و ((أمسى)) الفردإنية والوحدإنية مختصين بالله.
فإن قلت: ما معنى ((أمسى الملك لله)) والملك له أبدا، وكذلك الحمد؟ قلت هو بيان حال القائل، أي عرفنا أن الملك والحمد لله لا لغيره. فالتجأنا إليه، واستعنا به، وخصصناه بالعبادة
стр. 1366
وفتنة الدنيا، وعذاب القبر)) وإذا أصبح قال أيضا: ((أصبحنا، وأصبح الملك لله))،وفي رواية: ((ربي إني أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر)) رواه مسلم.
٢٣٨٢ - وعن حذيفة، قال: كان النبي ﷺ إذا أخذ مضجعه من الليل وضع يده تحت خده، ثم يقول: ((اللهم باسمك أموت وأحيا)).وإذا استيقظ قال: ((الحمدلله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور)) رواه البخاري.
٢٣٨٣ - وعن مسلم عن البراء.
ــ
والثناء عليه، والشكر له، ثم طلب استمرار ذلك في بدخوله في الليل، واستعاذ مما يمنعه مما كان فيه في اليوم قائلا: ((أسألك من خير هذه الليلة)) إلي آخره. قوله: ((من خير هذه الليلة)) أي من خير ما ينشأ فيها، و ((خير ما فيها))، أي خير ما سكن فيها، قال الله تعالي:﴾ وله ما سكن في الليل والنهار ﴿.
قوله: ((من الكسل)) ((تو)):الكسل التثاقل عما لا ينبغي التثاقل عنه، ويكون ذلك لعدم انبعاث النفس للخير مع ظهور الاستطاعة. و ((الهرم)) كبر السن الذي يؤدي إلي تماذق الأعضاء، وتساقط القوى، وإنما استعاذ منه؛ لكونه من الأدواء التي لا دواء لها، والمراد بسوء الكبر ما يورثه كبر السن من ذهاب العقل، والتخابط في الرأي، وغير ذلك مما يسوء به الحال. أقول: يمكن أن يراد بالفقرات كلها معنى الترقي، استعاذ أولا من الكسل، أي أعوذ أن أتثاقل في الطاعة مع استطاعتي، ثم من الهرم الذي فيه سقوط بعض الاستطاعة، فيقوم ببعض وظائف العبادات، ثم من سوء الكبر الذي يصير فيه كالحلس الملقى علي الأرض، لا يصدر منه شيء من الخيرات، فيطابق هذا تفسيرنا قوله: ((أمسينا وأمسى الملك لله)).
قوله: ((سوء الكبر)) ((نه)): ((الكبر)) يروى بسكون الباء وفتحها، فالسكون بمعنى البطر، والفتح بمعنى الهرم. ((خط)):والفتح أصح. أقول: والدراية أيضا تساعد الرواية؛ لأن الجمع بين البطر والهرم بالعطف، كالجمع بين الضب والنون، والتنكير في ((عذاب)) للتهويل والتفخيم. قوله: ((ذلك)) المشار ما سبق بإبدال ((أمسينا))، و ((أمسى)) بـ ((أصبحنا))،و ((أصبح)).
الحديث الثاني عن حذيفة ﵁: قوله: ((من الليل)) صلة لـ ((أخذ)) علي طريق الاستعارة، فإن لكل أحد حظا منه، وهو السكون والنوم فيه، فكأنه يأخذ منه حظه ونصيبه، قال الله تعالي:﴾ جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ﴿فالمضجع علي هذا يكون مصدرا.
стр. 1367
٢٣٨٤ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أوى أحدكم إلي فراشه فلينفض فراشه بداخلة إزاره؛ فإنه لا يدري ما خلفه عليه، ثم يقول: باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين)) وفي رواية: ((ثم ليضطجع علي شقه الأيمن ثم ليقل: باسمك)) متفق عليه.
ــ
قوله: ((أحيانا بعد ما أماتنا)) ((مظ)):سمي النوم موتا؛ لأنه يزول معه العقل والحركة، تمثيلا وتشبيها، وقيل: الموت في كلام العرب يطلق علي السكون، يقال: ماتت الريح إذا سكنت، ويستعمل في زوال القوة العاقلة، وهي الجهالة في قوله تعالي:﴾ أو من كان ميتا فأحييناه ﴿،وقوله تعالي:﴾ إنك لا تسمع الموتى ﴿،وقد يستعار الموت للأحوال الشاقة، كالفقر والذل والسؤال والهرم والمعصية، وغير ذلك.
أقول: ولا ارتياب في أن انتفاع الإنسان بالحياة إنما هو بتحري رضي الله وتوخي طاعته، والاجتناب عن سخطه وعقابه، فمن زال عنه هذا الانتفاع، ولم يأخذ نصيب حياته، فكان كالميت، وكان قوله: ((الحمدلله)) شكرا لنيل هذه النعمة، وزوال ذلك المانع. وهذا التأويل موافق للحديث السابق واللاحق من قوله: ((أمسينا وأمسى الملك لله))، ومن قوله: ((وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ عبادك الصالحين به))،وينتظم معه قوله: ((وإليه النشور)) أي إليه المرجع في نيل الثواب مما نكتسبه في حياتنا هذه.
الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((بداخلة إزاره)) ((قض)):هي الحاشية اللي تلي الجسم وتماسه، وإنما أمر بالنفض بها؛ لأن المتحول إلي فراشه يحل بيمنه خارجة الإزار، وتبقى الداخلة معلقة فينفض بها. قوله: ((ما خلفه)) ((فا)): ((ما)) مبتدأ و ((يدري)) معلق عنه لتضمنه معنى الاستفهام. ((مظ)): ((خلفه)) أي أقام مقامه بعده علي الفراش، يعني لا يدري ما وقع في فراشه بعد ما خرج هو منه من تراب، أو قذاة، أو هوام.
قوله: ((إن أمسكت نفسي)) هو من قوله تعالي:﴾ الله يتوفي الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها، فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلي أجل مسمى ﴿جمع النفسين في حكم التوفي، ثم فرق بين جهتي التوفي بالحكم بالإمساك وهو قبض الروح، والإرسال وهو رد الحياة، أي الله يتوفي الأنفس، النفس التي تقبض، والنفس التي لم تقبض فيمسك الأولي ويرسل الأخرى. قوله: ((بما تحفظ به)) ((الباء)) مثلها في كتبت بالقلم، و ((ما)) موصولة مبهمة،
стр. 1368
وفي رواية: ((فلينفضه بصنفة ثوبه ثلاث مرات، وإن أمسكت نفسي فاغفر لها))
٢٣٨٥ - وعن البراء بن عازب، قال: قال رسول الله ﷺ إذا أوى إلي فراشه نام علي شقه الأيمن ثم قال: ((اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجأ منك إلا إليك. آمنت بكتابك الذين أنزلت، ونبيك الذي أرسلت)).وقال رسول الله ﷺ : ((من قالهن ثم مات تحت ليلته مات علي الفطرة)).
ــ
وبيانها ما دل عليه صلتها؛ لأن الله تعالي إنما يحفظ عباده الصالحين من المعاصي، ومن أن لا يهنوا في طاعته وعبادته، بتوفيقه ولطفه. قوله: ((بصنفة ثوبه)) ((فا)):هي حاشية الإزار التي تلي جسده.
الحديث الرابع عن البراء: قوله: ((أسلمت نفسي إليك)) في هذا النظم غرائب وعجائب، لا يعرفها إلا الثقات من أهل البيان؛ فقوله: ((أسلمت نفسي)) إشارة إلا أن جوارحه منقادة لله تعالي في أوامره ونواهيه، وقوله: ((وجهت وجهي)) إلي أن ذاته وحقيقته مخلصة له بريئة من النفاق، وقوله: ((فوضت)) إلي أن أموره الخارجة والداخلة مفوضة إليه، لا مدبر لها غيره، وقوله: ((ألجأت ظهري إليك)) بعد قوله: ((فوضت أمري)) إلي أن بعد تفويض أموره- التي هو مفتقر إليها وبها معاشه، وعليها مدار أمره- يلتجئ إليه مما يضره، ويؤذيه من الأسباب الداخلة والخارجة، ثم قوله: ((رغبة ورهبة)) منصوبان علي المفعول له علي طريقة اللف والنشر، أي فوضت أمري إليك رغبة، وألجأت ظهري من المكاره والشدائد إليك رهبة منك؛ لأنه لا ملجأ ولا منجأ منك إلا إليك. ((ملجأ)) مهموز، و ((منجأ)) مقصور همز للازدواج. وقوله: ((نبيك الذي أرسلت)) تخصيص من التخصيص، فعلي هذه قوله: ((رغبة ورهبة إليك)) من باب قوله: متقلدا سيفا ورمحا. ومعنى قوله: ((تحت ليلته)) أنه لم يتجاوز عنه إلا النهار؛ لأن يسلخ من النهار، فهو تحته، أو يكون المعنى: إن مت تحت نازلة تنزل عليك في ليلتك، وكذا معنى ((من)) الرواية الأخرى ((مت من ليلتك)) أي من أجل ما يحدث في ليلتك. وقوله: ((مات علي الفطرة)) أي مات علي الدين القويم ملة إبراهيم، فإنه ﵇ أسلم واستسلم، وقال: أسلمت لرب العالمين، وجاء بقلب سليم.
قوله: ((ونبيك الذي أرسلت)) ((تو)):في بعض طرق هذا الحديث عن البراء قال: قلت: ((وبرسولك الذي أرسلت)) قال: ((نبيك))،قيل: إنما رد عليه قوله؛ لأن البيان صار مكررا من غير إفادة زيادة في المعنى، وذلك مما يأبه البليغ، ثم لأنه كان نبيا قبل أن يكون رسولا،
стр. 1369
وفي رواية قال: قال رسول الله ﷺ لرجل: ((يا فلان! إذا أويت إلي فراشك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع علي شقك الأيمن، ثم قلت: اللهم أسلمت نفسي إليك، إلي قوله: أرسلت)) وقال: ((فإن مت من ليلتك مت علي الفطرة، وإن أصبحت أصبحت خيرا)).متفق عليه.
٢٣٨٦ - وعن أنس، أن رسول الله ﷺ كان إذا أوى إلي فراشه قال: ((الحمدلله الذي أطعمنا، وسقانا، وكفانا، وآوانا، فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي)).رواه مسلم.
ــ
ولأنه اختار أن يثني عليه بالجمع بين الاسمين، ويعد نعمة الله في الحليين تعظيما لما عظم موقعه عنده من منة الله عليه وإحسانه إليه.
((نه)):النبي فعيل بمعنى فاعل للمبالغة من النبأ للخبر؛ لأنه أنبأ عن الله تعالي، أي أخبر، ويجوز فيه تحقيق الهمز وتخفيفه، وقيل: إن النبي مشتق من النباوة وهو الشيء المرتفع. ورد النبي ﷺ علي البراء حين قال: ((ورسولك الذي أرسلت)) بما رد عليه ليختلف اللفظان، ويجمع الثنائين معنى الارتفاع والإرسال، ويكون تعديدا للنعمة في الحالين، وتعظيما للمنة علي الوجهين. قوله: ((لرجل يا فلان)) وهو أسيد بن حضير. وقوله: ((إذا أويت إلي فراشك فتوضأ)) مثل قوله تعالي:﴾ إذا قمتم إلي الصلاة فاغسلوا ﴿أي إذا أردت أن تجعل فراشك مكان نومك فتوضأ.
الحديث الخامس عن أنس ﵁: ((فكم ممن لا كافي)) ((مظ)):الكافي والمؤوي، هو الله تعالي، يكفي شر بعض الخلق عن بعض، ويهيء لهم المأوى والسكن، فالحمد لله الذي جعلنا منهم، فكم من خلق لا يكفيهم الله شر الأشرار، بل تركهم وشرهم، وكم من خلق لم يجعل الله لهم مأوى، بل تركهم يهيمون في البوادي.
أقول: ((كم)) تقتضي الكثرة، ولا يرى ممن حاله هذا إلا قليلا نادرا، علي أنه افتتح بقوله: ((أطعمنا وسقانا)).ويمكن أن ينزل هذا المعنى علي قوله تعالي:﴾ ذلك بأن الله مولي الذين آمنوا والذين كفروا لا مولي لهم ﴿. فالمعنى إنا نحمد الله تعالي علي أن عرفنا نعمته، ووفقنا لأداء شكرها، فكم من منعم عليه لم يعرفها فكفر بها. وكذلك الله مولي الخلق كلهم بمعنى أنه ربهم ومالكهم، لكنه ناصر للمؤمنين ومحب لهم، فالفاء في ((فكم)) لتعليل الحمد. ((مح)):قيل معنى ((آوانا)) هنا رحمنا، فقوله: ((كم ممن لا مؤرى له)) أي لا راحم ولا عاطف عليه.
стр. 1370
٢٣٨٧ - وعن علي: أن فاطمة أتت النبي ﷺ تشكو ما تلقى في يدها من الرحى، وبلغها أنه جاءه رقيق، فلم تصادفه. فذكرت ذلك لعائشة، فلما جاء أخبرته عائشة. قال: فجاءنا وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبنا نقوم، فقال: علي مكانكما، فجاء وقعد بيني وبينها، حتى وجدت برد قدمه علي بطني. فقال: ((ألا أدلكما علي خير مما سألتما؟ إذا أخذتما مضجعكما؛ فسبحا ثلاثا وثلاثين، واحمدا ثلاثا وثلاثين، وكبرا أربعا وثلاثين؛ فهو خير لكما من خادم)).متفق عليه.
٢٣٨٨ - وعن أبي هريرة، قال: جاءت فاطمة إلي النبي ﷺ تسأله خادما. فقال: ((ألا أدلك علي ما هو خير من خادم؟ تسبحين الله ثلاثا وثلاثين، وتحمدين الله ثلاثا وثلاثين، وتكبرين الله أربعا وثلاثين عن كل صلاة، وعند منامك)).رواه مسلم.
ــ
الحديث السادس عن علي ﵁: قوله: ((تشكو)) يجوز أن يكون مفعولا له، أي أتت إليه إرادة أن تشكو، فحذف ((أن))،ويجوز أن يكون حالا مقدرة، أي مقدرة الشكوى، وقوله: ((فلم تصادفه)) عطف علي قوله: ((أتت النبي)) أي بيته، حتى يصح هذا العطف. وقوله: ((من الرحى)) أي من أثر إدارة الرحى. وقوله: ((وبلغها)) حال من الضمير ((أتت)). ((نه)):الرقيق المملوك، فعيل بمعنى مفعول، وقد يطلق علي الجماعة كالرفيق، يقال: أرق العبد وأرقه واسترقه.
قوله: ((قال)) من كلام الراوي وهو علي ﵁، و ((ذهبنا)) أي طفقنا و ((نقوم)) خبره. وقوله: ((علي مكانكما)) أي دوما واثبتا علي ما أنتما عليه، وفي الحديث دلالة علي مكان أم المؤمنين عائشة ﵂ من الرسول ﷺ ، ومحبته إياها حيث خصتها فاطمة ﵂ بالسفارة بينها وبين أبيها، دون سائر الأزواج. وفيه أيضا بيان إظهار غاية التعطف والشفقة علي ابنته وصهره، ونهاية الاتحاد برفع الحشمة والحجاب، حيث لم يزعجهما عن مكانهما، وتركهما علي ما هما عليه من الاضطجاع، بل أدخل رجله بينهما ومكث حتى وجدا برد قدمه علي بطنهما، ثم علمها ما هو الأهم بحالها من التسبيح والتحميد والتكبير من طلبها الرقيق، فهو من باب تلقي المخاطب بغير ما يتطلب، إيذانا بأن الأهم من المطلوب هو التزود للمعاد، والتجافي من دار الغرور، والصبر علي مشاقها ومتاعبها.
الحديث السابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((خادما)) ((نه)):الخادم واحد الخدم، ويقع علي الذكر والأنثى لإجرائه مجرى الأسماء غير المأخوذة من الأفعال، كحائض وعانق.
следующие страницы →