Полный текст (3 308 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
٢٤٤٧ - وعن أبي بكرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلي نفسي طرفة عين، وأصلح لي شإني كله، لا إله إلا أنت)). رواه أبو داود. [٢٤٤٧]
٢٤٤٨ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رجل: همومٌ لزمتني وديونٌ يا رسول الله! قال: ((أفلا أعلمك كلاماً إذا قلته أذهب الله همك، وقضى عنك دينك؟)). قال: قلت: بلي. قال: ((قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من البخل والجبن، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال)). قال: ففعلت ذلك، فأذهب الله همي، وقضى عن ديني. رواه أبو داود. [٢٤٤٨]
ــ
لإني لا أدري ما صلاح أمري وما فساده، فربما زاولت أمراً واعتقدت أن فيه صلاح أمري، فانقلب فساداً وبالعكس، ولما فرغ من خاصة نفسه، وأراد أن ينفي تفويض أمره إلي الغير، ويثبته لله تعال، قال: ((وأصلح لي شإني)) وأكده بقوله: ((كله)) وعقبه بقوله: ((لا إله إلا أنت)). ولما اشتمل هذا الدعاء علي المعإني الجمة سماه بالدعوات.
الحديث العشرون عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((هموم لزمتني)) ((شف)): ((هموم)) مبتدأ وخصص بـ ((لزمتني)) و ((ديون)) عطف عليه، والخبر محذوف تقديره عليَّ هموم وديون، وحذف الخبر لدلالة ((لزمتني)) عليه. ((قض)): فرق بين الهم والحزن فإن الهم إنما يكون في الأمر المتوقع، والحزن فيما قد وقع، أو الهم هو الحزن الذي يذيب الإنسان، يقال: همني المرض بمعنى أذابني، وانهم الشحم والبرد، إذا ذابا، وسمى به ما يعتري الإنسان من شدائد الغم؛ لأنه يذيبه أبلغ وأشد من الحزن، الذي أصله الخشونة.
والعجز أصله التأخر عن الشيء، مأخوذ من العجز، وهو مؤخر الشيء، وللزومه الضعف والقصور عن الإتيان بالشيء استعمل في مقابلة القدرة، واشتهر فيها. والكسل التثاقل عن الشيء مع وجود القدرة والداعية عليه.
قوله: ((غلبة الدين))، وقهر الرجال)) ((تو)): غلبة الدين أن يقدحه ويثقله، وفي معناه حديث
أنس ((ضلع الدين)) يعني ثقله حتى يميل صاحبه عن الاستواء لثقله. و ((قهر الرجال)) هو الغلبة،
فإن القهر يراد به السلطان، ويراد به الغلبة، وأريد به ههنا الغلبة لما في غير هذه الرواية:
((وغلبة الرجال)) كأنه يريد به هيجان النفس من شدة الشبق، وإضافته إلي المفعول أي يغلبهم
стр. 1402
٢٤٤٩ - وعن علي: أنه جاءه مُكاتب فقال: إني عجزت عن كتابتي فأعني. قال: ألا أعلمك كلمات علمنيهن رسول الله ﷺ ، لو كان عليك مثل جبل كبير ديناً أداه الله عنك. قل: ((اللهم اكفني
بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمَّن سواك)). رواه الترمذي، والبيهقي في ((الدعوات الكبير)). [٢٤٤٩]
وسنذكر حديث جابر: ((إذا سمعتم نباح الكلاب)) في باب ((تغطية الأوإني)) إن شاء الله تعالي.
ــ
ذلك، إلي هذا المعنى يسبق فهمي، ولم أجد في تفسيره نقلاً، وعن بعضهم: ((قهر الرجال)) هو جور السلطان.
أقول: قوله: ((هموم لزمتني)) مبتدأ وخبر، كما في قولهم: شر أهر ذا ناب، أي هموم عظيمة، لا يقدر قدرها، وعلي هذا ((ديون)) أي ديون جمة نهضتني وأثقلتني، والتنبيه علي التعظيم الاستغاثة بقوله: ((يا رسول الله)). و ((الفاء)) في ((أفلا أعلمك)) عطف علي محذوف، أي أفلا أرشدك أفلا أعلمك، فأعاد به صلوات الله عليه قوله: ((أذهب الله همك، وقضى عنك دينك)) لابتناء الدعاء علي مطلوبه من زوال الهم وقضاء الدين، فمن مستهل الدعاء إلي قوله: ((والجبن)) يتعلق بإزالة الهم، والآخر بقضاء الدين، فعلي هذا قوله: ((قهر الرجال)) إما أن يكون إضافته إلي الفاعل، أي قهر الداين إياه، وغلبتهم عليه بالتقاضي، وليس له ما يقضي دينه، أو إلي المفعول بأن لا يكون له أحد يعاونه علي قضاء ديونه من رجاله وأصحابه، ومن المسلمين من يزكى عليه.
وقوله: ((قال: قلت)) الظاهر يقتضي أن يقال: ((قال: قال: بلي))؛ لأن الراوي لم يرو عن ذلك الرجل، بل كان شاهداً لتلك الحالة، اللهم إلا أن يتعسف، ويقول: إن أبا سعيد ﵁ يروي عن ذلك الرجل، وليس بمشاهد لتلك الحالة، فيحتاج أول الحديث إلي تأويل أن نقول: تقديره: قال أبو سعيد: قال لي رجل: قلت لرسول الله كذا، هذا ما سبق إلي فهمنا مع قلة البضاعة.
الحديث الحادي والعشرون عن علي ﵁: قوله: ((ديناً)) يحتمل أن يكون تمييزاً عن اسم ((كان))؛ لما فيه من الإبهام، و ((عليك)) خبره مقدماً عليه، وأن يكون ((ديناُ)) خبر ((كان)) و ((عليك)) حالاً من المستتر في الخبر، والعامل هو معنى الفعل المقدر في الخبر. ومن جوز إعمال ((كان)) في الحال، فظاهر علي مذهبه. قوله: ((عجزت عن كتابتي)) ((مظ)): الكتابة المال الذي كاتب به السيد عبده، يعني بلغ وقت أداء مال الكتابة، وليس لي مال. أقول: طلب المكاتب المال، فعلمه ﵁ الدعاء، إما لأنه لم يكن عنده شيء من المال ليعينه، فرده
стр. 1403
الفصل الثالث
٢٤٥٠ - وعن عائشة، قالت: إن رسول الله ﷺ ، كان إذا جلس مجلساً أو صلي تكلم بكلمات، فسألته عن الكلمات فقال: ((إن تكلم بخير كان طابعاً عليهن إلي يوم القيامة، وإن تكلم بشر كان كفارة
له: سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك)). رواه النسائي. [٢٤٥٠]
٢٤٥١ - وعن قتادة: بلغه أن رسول الله ﷺ ، كان إذا رأي الهلال قال: ((هلال خير
ورشد، هلال خير ورشد، هلال خير ورشد، آمنت بالذي خلقك)) ثلاث مرات، ثم يقول: ((الحمد لله الذي ذهب بشهر كذا، وجاء بشهر كذا)). رواه أبو داود. [٢٤٥١]
ــ
أحسن رد، عملاً بقوله تعالي: ﴿قول معروف ومغفرة﴾، أو أرشده إلي أن الأولي والأصلح له أن يستعين بالله لأدائها، ولا يتكل علي الغير، وينصر هذا الوجه قوله: ((وأغنني بفضلك عمن سواك)).
الفصل الثالث
الحديث الأول عن عائشة ﵂: قوله: ((عن الكلمات)) التعريف للعهد، والمعهود قوله: ((كلمات)) وهو يحتمل وجهين، إما أن لا يضمر شيء فتكون الكلمات هي الجملتان الشرطيتان، واسم ((كان)) فيهما مبهم، ويفسره قوله: ((سبحانك اللهم))، وإما أن يقدر: فما فائدة الكلمات؟ فعلي هذا ((الكلمات)) هي قوله: ((سبحانك اللهم)) والمضمر في ((كان)) راجع إليه، ففي الكلام تقديم وتأخير، وهذا الوجه أحسن بحسب المعنى وإن كان اللفظ يساعد الأول. وقوله: ((اللهم)) معترض؛ لأن قوله: ((وبحمدك)) متصل بقوله: ((سبحانك)) إما بالعطف، أي أسبح وأحمد، أو بالحال أي أسبح حامداً لك.
الحديث الثاني عن قتادة ﵁: قوله: ((الحمد لله)) إما أن يراد بـ ((الحمد)) الثناء علي
قدرته فإن مثل هذا الإذهاب العجيب وهذا المجيء لا يقدر عليه أحد إلا الله، أو يراد به الشكر،
فيشكر علي ما أولي العباد بسبب الانتقال من النعم الدينية والدنيوية ما لا يحصى. وينصر
هذا التأويل قوله: ((هلال خير)) أي بركة ورشد، أي هاد إلي القيام بعبادة الله تعالي من ميقات
الحج والصوم وغيرهما، قال تعالي: ﴿يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج﴾.
стр. 1404
٢٤٥٢ - وعن ابن مسعود، أن رسول الله ﷺ قال: ((من كثر همه، فليقل: اللهم إني عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، وفي قبضتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدل فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو ألهمت عبادك، أو استأثرت به في مكنون الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، وجلاء همي وغمي. ما قالها عبدٌ قط إلا أذهب الله غمه، وأبدله فرحاً)). رواه رزين. [٢٤٥٢]
٢٤٥٣ - وعن جابر، قال: كنا إذا صعدنا كبرنا، وإذا نزلنا سبحنا. رواه البخاري.
٢٤٥٤ - وعن أنس، أن رسول الله ﷺ كان إذا كربه أمر يقول: ((يا حي يا قيوم! برحمتك أستغيث)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب، وليس بمحفوظ. [٢٤٥٤]
ــ
الحديث الثالث عن ابن مسعود ﵁، ورواه الشيخ محيي الدين عن ابن السنى عن أبي موسى الأشعري، وزاد فيه زيادات وتغييرات، وفي آخره: ((قال رجل: يا رسول الله! إن المغبون لمن غبن هؤلاء الكلمات، فقال: أجل، فقولوهن وعلموهن، فإن من قالهن التماس ما فيهن أذهب الله تعالي حزنه، وأطال فرحه)).
قوله: ((هو لك)) مجمل، ويفصله ما يعقبه منسوقاً بـ ((أو)) التنويعية علي سبيل التقسيم الحاصر، فينبغي أن يحمل قوله: ((سميت به نفسك)) علي أنك وضعت ألفاظاً مخصوصة، وسميت بها نفسك، وألهمت عبادك بغير واسطة، فيكون من سماه الأمم المختلفة الفائتة للحصر بلغات مختلفة من هذا النوع. وقوله: ((أو أنزلته في كتابك)) علي جميع ما سمى به في الكتب المنزلة، وأفرد الكتاب، وأراد به الجنس، وقد تقرر في موضعه أنه أشمل من الجمع. وقوله: ((أو استأثرت)) به أي انفردت، محمول علي أنه انفرد به بنفسه، ولا ألهم أحداً ولا أنزل في كتاب.
قوله: ((أن تجعل القرآن ربيع قلبي)) هذا هو المطلوب، والسابق وسائل إليه، فانظر أولاً غاية ذلته وصغاره، ونهاية افتقاره وعجزه، وثإنياً بين عظمة شأنه وجلالة أسمه سبحانه وتعالي بحيث لم يبق فيه بقية، وألطف في المطلوب حيث جعل المطلوب وسيلة إزالة الهم المطلوب أولاً. قوله: ((ربيع قلبي)) ((نه)): جعل القرآن ربيعاً له؛ لأن الإنسان يرتاح قلبه في الربيع من الأزمان، ويميل إليه. أقول: كما أن الربيع زمان إظهار آثار رحمة الله تعالي، وإحياء الأرض بعد موتها، كذلك القرآن يظهر منه تباشير لطف الله من الإيمان والمعارف، وتزول به ظلمات الكفر والجهالة والهموم.
стр. 1405
٢٤٥٥ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: قلنا يوم الخندق: يا رسول الله! هل من شيء نقوله؟ فقد بلغت القلوب الحناجر. قال: ((نعم، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا)). قال: فضرب الله وجوه أعدائه بالريح، [و] هزَم اللهُ بالريح. رواه أحمد. [٢٤٥٥]
٢٤٥٦ - وعن بريدة، قال: كان النبي ﷺ إذا دخل السوق قال: ((بسم الله، اللهم إني أسألك خير هذه السوق، وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها، اللهم إني أعوذ بك أن أصيب فيها صفقةً خاسرةً)). رواه البيهقي في ((الدعوات الكبير)). [٢٤٥٦]
(٨) باب الاستعاذة
الفصل الأول
٢٤٥٧ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((تعوذوا بالله من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء)). متفق عليه.
ــ
الحديث الرابع إلي السادس عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((فقد بلغت القلوب الحناجر)) كناية عن شدة الأمر وبلوغه غايته. وقوله: ((فهزم الله بالريح)) الظاهر يقتضي أن يقال: فانهزموا بها، فوضع المظهر موضع المضمر؛ ليدل به علي أن الريح كانت سبباً مستقلاً لهزمهم، كقوله تعالي: ﴿فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم فأنزلنا علي الذين ظلموا رجزاً﴾ يدل ((عليهم)) ليشعر بأن ظلمهم كان سبباً لإنزال الرجز، وأقحم لفظة ((الله))؛ ليدل به علي قوة ذلك السبب.
الحديث السابع عن بريدة ﵁: قوله: ((هذه السوق)) الجوهري: السوق يذكر ويؤنث. قوله: ((صفقة)) ((نه)): الصفق في الأسواق التبايع، فإن المتبايعين يضع أحدهما يده في يد الآخر، وهي المرة من التصفيق باليدين، ووصف الصفقة بالخاسرة من الإسناد المجازي؛ لأن صاحبها خاسر بالحقيقة.
باب الاستعادة
العوذ الالتجاء إلي الغير، والتعلق به، يقال: عاذ فلان بفلان، ومنه قوله ﴿أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين﴾.
стр. 1406
٢٤٥٨ - وعن أنس، قال: كان النبي ﷺ يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين، وغلبة الرجال)). متفق عليه.
٢٤٥٩ - وعن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ يقول: ((اللهم إني أعوذ
بك من الكسل والهرم، والمغرم والمأثم، اللهم إني أعوذ بك من عذاب النار، وفتنة النار، وفتنة
القبر، وعذاب القبر، ومن شر فتنة الغنى، و [من] شر فتنة الفقر، ومن شر فتنة
ــ
الفصل الأول
الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((من جهد البلاء)) ((حس)): جهد البلاء هي الحالة التي يمتحن بها الإنسان، ويشق عليه بحيث يتمنى فيها الموت، ويختاره عليها. قوله: ((ودرك الشقاء)) ((نه)): الدرك اللحاق والوصول إلي الشيء، يقال أدركته إدراكاً ودركاً، ومنه الحديث ((لو قال: إن شاء الله، لم يحنث وكان دركاً له في حاجته)). والشماتة فرح العدو تنزل ببلية بمن يعاديه، يقال: شمت به يشمت فهو شامت، وأشمته غيره.
قوله: ((وسوء القضاء)) عن بعضهم: هو ما يسوء الإنسان، ويوقعه في المكروه، علي أن لفظ السوء منصرف إلي المقضي عليه دون القضاء. ((مح)): يدخل في سوء القضاء السوء في الدين والدنيا، والبدن والمال والأهل، وقد يكون ذلك في الخاتمة. وأما ((درك الشقاء)) فكذلك. وأما ((جهد البلاء)) فروي عن ابن عمر أنه فسره بقلة المال وكثرة العيال.
الحديث الثاني عن أنس ﵁: قوله: ((وضلع الدين)) في الغريبين: يعني ثقله حتى يميل صاحبه عن الاستواء والاعتدال، والضلع الاعوجاج، وزاد في النهاية: يقال: ضلع ضلعاً –بالتحريك- وضلع –بالفتح- يضلع ضلعاً –بالتسكين- أي مال، وسبق شرح الحديث في الباب السابق.
الحديث الثالث عن عائشة ﵂: قوله: ((وفتنة النار)) أي فتنة تؤدي إلي عذاب النار وإلي عذاب القبر؛ لئلا يتكرر إذا فسرنا بالعذاب. قوله: ((ومن شر فتنة الغنى)) ((قض)): فتنة الغنى البطر والطغيان، والتفاخر به، وصرف المال في المعاصي، وما أشبه ذلك، و ((فتنة الفقر)) الحسد علي الأغنياء، والطمع في أموالهم، والتذلل لهم بما يتدنس به عرضه، وينثلم به دينه، وعدم الرضا علي ما قسم الله، إلي غير ذلك مما لا تحمد عاقبته. أقول: الفتنة إن فسرت بالمحنة والمصيبة، فنشرها أن لا يصبر الرجل علي لأوائها، ويجزع منها، وإن فسرت بالامتحان
стр. 1407
المسيح الدجال، اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد، ونق قلبي كما ينقَّ الثوب الأبيض من الدنس، وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب)). متفق عليه.
٢٤٦٠ - وعن زيد بن أرقم، قال: كان رسول الله ﷺ يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل، والهرم وعذاب القبر، اللهم آت نفسي تقواها، وزكها، أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، و [من] نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها)). رواه مسلم.
ــ
والاختيار، فشرها أن لا يحمد في السراء، ولا يصبر في الضراء، وبقية الحديث قد انقضى تفسيره في باب أدعية الصلاة، لاسيما قوله: ((اغسل خطاياي بماء الثلج)).
الحديث الرابع عن زيد ﵁: قوله: ((اللهم آت نفسي تقواها)) ينبغي أن تفسر التقوى بما يقابل الفجور في قوله تعالي: ﴿فألهمها فجورها وتقواها﴾ وهي الاحتراز عن متابعة الهوى، وارتكاب الفجور والفواحش؛ لأن الحديث كالتفسير والبيان للآية، فدل قوله: ((آت)) علي أن الإلهام في الآية هو خلق الداعية الباعثة علي الاجتناب عن المذكورات، وقوله: ((زكها أنت خير من زكاها)) علي أن إسناد التزكية إلي النفس في الآية، هو نسبة الكسب إلي العبد لا خلق الفعل، كما زعمت المعتزلة؛ لأن الخيرية تقتضي المشاركة بين كسب العبد، وخلق القدرة فيه.
وقوله: ((أنت وليها ومولاها)) استئناف علي بيان الموجب، وأن إيتاء التقوى وتحصيل التزكية فيها إنما كان؛ لأنه هو متولي أمرها وربها ومالكها، فالتزكية إن حملت علي تطهير النفس عن الأفعال والأقوال والأخلاق الذميمة، كانت بالنسبة إلي التقوى مظاهر ما كان ممكناً في الباطن، وإن حملت علي الإنماء والإعلاء بالتقوى، كانت تحلية بعد التخلية؛ لأن المتقي شرعاً من اجتنب النواهي، وأتى الأوامر. وعن بعض العارفين: تقوى البدن الكف عما لا يتيقن حله، وتقوى القلب عما سوى الله تعالي في الدارين، وعدم الالتفات إلي غيره.
قوله: ((من علم لا ينفع)) ((مظ)): أي علم لا أعمل به ولا أعلمه، ولا يبدل أخلاقي وأقوالي
وأفعالي، أو علم لا يحتاج إليه في الدين، ولا في تعلمه إذن شرعي. قوله: ((ومن نفس
стр. 1408
٢٤٦١ - وعن عبد بن عمر، قال: كان من دعاء رسول الله ﷺ : ((اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك)). رواه مسلم.
٢٤٦٢ - وعن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت، ومن شر ما لم أعمل)). رواه مسلم.
٢٤٦٣ - وعن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ كان يقول: ((اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، اللهم إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون)). متفق عليه.
ــ
لا تشبع ((تو)): فيه وجهان: أحدهما أنها لا تقنع بما آتاها الله ولا تفتر عن الجمع حرصاً، والأخر أن يراد به النهمة وكثرة المال. قوله: ((لها)) الضمير عائد إلي الدعوة، و ((اللام)) زيادة، وفي جامع الأصول ((ودعوة لا تستجاب)) وليس فيه ((لها)).
الحديث الخامس عن عبد الله بن عمر ﵄: قوله: ((وتحول عافيتك)) ((مظ)): أي من تبدل ما رزقتني من العافية إلي البلاء. فإن قلت: ما الفرق بين الزوال والتحويل؟ قلت: الزوال يقال في شيء كان ثابتاً في شيء ثم فارقه. والتحويل تغيير الشيء وانفصاله عن غيره، وباعتبار التغير: قيل: حال الشيء يحول حولاً، وباعتبار الانفصال: قيل: حال بيني وبين كذا: وحولت الشيء فتحول: غيرته إما بالذات وأما بالحكم فمعنى زوال النعمة ذهابها من غير بدل، وتحويل العافية إبدال الصحة بالمرض، والسلام بالبلاء. [الحديث السادس عن عائشة ﵂] قوله: ((وشر ما لم أعمل)) ((شف)): قيل استعاذ من أن يعمل في مستقبل الزمان ما لا يرضاه الله، فإنه لا مأمن لأحد من مكر الله، ﴿فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون﴾. وقيل: من أن يصير معجباً بنفسه في ترك القبائح، وسأله أن يرى ذلك من فضل ربه.
الحديث السابع عن ابن عباس ﵄: قوله: ((أن تضلني)) متعلق بـ ((أعوذ)) أي من أن تضلني، وكلمة التوحيد معترضة لتأكيد العزة.
стр. 1409
الفصل الثاني
٢٤٦٤ - عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من الأربع: من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعاء لا يسمع)). رواه أحمد، وأبو داود،
وابن ماجه. [٢٤٦٤]
ــ
الفصل الثاني
الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((وعلم لا ينفع)) أي علم لا يهذب أخلاقه الباطنة، فيسري منها إلي الأفعال الظاهرة، ويفوز بها إلي الثواب الآجل. وأنشد:
يا من تقاعد عن مكارم خلقه ... ليس التفاخر بالعلوم الزاخرة
من لم يهذب علمه أخلاقه ... لم ينتفع بعلومه في الآخرة
قال أبو طالب المكي ﵀: وقد استعاذ ﷺ من نوع من العلوم، كما استعاذ من الشرك والنفاق، ومساوئ الأخلاق، والعلم الذي لم يقرن بالتقوى، فهو باب من الدنيا والهوى.
وقال الشيخ أبو حامد: إن العلم من صفات الله تعالي، فكيف يكون مذموماً؟ اعلم أن العلم لا يذم لعينه، وإنما يذم لأحد أسباب ثلاثة: الأول أن يكون مؤدياً إلي ضرر إما بصاحبه، وإما بغيره، كعلم السحر والطلسمات، فإنهما لا يصلحان إلا للإضرار بالخلق، والوسيلة إلي الشر شر، والثاني أن يكون مضراً بصاحبه في ظاهر الأمر، كعلم النجوم فإنه كله مضرة وأقل المضرة فهي أنه خوض في فضول لا يعني، وتضييع العمر الذي هو أنفس بضاعة الإنسان بغير فائدة غاية الخسران، الثالث الخائض في علم لا يستقل به الخائض فيه، فإنه مذموم في حقه كتعلم دقيق العلوم قبل جليها، وكالبحث عن الأسرار الإلهية، إذ تطلع الفلاسفة والمتكلمون عليها، ولم يستقلوا بها، ولا يستقل بها ولا بالوقوف علي طرف بعضها إلا الأنبياء والأولياء، فيجب كف الناس عنها، وردهم إلي ما نطق الشرع به.
قوله: ((ومن دعاء لا يسمع)) ((نه)): أي لا يستجاب ولا يعتد به، فكأنه غير مسموع، يقال: اسمع دعائي، أي أجب؛ لأن غرض السائل الإجابة والقبول. اعلم أن في كل من القرائن ما يشعر بأن وجوده مبني علي غايته، وأن الغرض منه تلك الغاية، وذلك أن تحصيل العلم إنما هو للانتفاع بها، فإذا لم ينتفع لا يخلص منه كفافاً، بل يكون وبالاً، ولذلك استعاذ منه، وأن القلب إنما خلق لأن يتخشع لبارئه، وينشرح لذلك الصدر، ويقذف النور فيه، فإذا لم يكن
стр. 1410
٢٤٦٥ - ورواه الترمذي عن عبد الله بن عمرو. والنسائي عنهما. [٢٤٦٥]
٢٤٦٦ - وعن عمر، قال: كان رسول الله ﷺ يتعوذ من خمس: من الجبن، والبخل، وسوء العمر، وفتنة الصدر، وعذاب القبر. رواه أبو داود، والنسائي. [٢٤٦٦]
٢٤٦٧ - وعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ كان يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من الفقر، والقلة والذلة، وأعوذ من أن أظلم أو أظلم)) رواه أبو داود، والنسائي [٢٤٦٧].
ــ
كذلك كان قاسياً، فيجب أن يستعاذ منه، قال تعال: ﴿فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله﴾، وأن النفس إنما يعتد بها إذا تجافت عن دار الغرور، وأنابت إلي دار الخلود، والنفس إذا كانت منهومة لا تشبع، حريصة علي الدنيا، كانت أعدى عدو المرء، فأول شيء يستعاذ منه هي، وعدم استجابة الدعاء دليل علي أن الداعي لم ينتفع بعلمه، ولم يخشع قلبه ولم تشبع نفسه.
الحديث الثاني عن عمر ﵁: قوله: ((وفتنة الصدر)) ((شف)): قيل: هي موته وفساده، وقيل: ما ينطوي عليه الصدر من حسد، وغل، وخلق سيء، وعقيدة غير مرضية. أقول: فتنة الصدر هي الضيق المشار إليه في قوله تعالي: ﴿ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعَّد إلي السماء﴾ وهي الإنابة إلي دار الغرور التي هي سجن المؤمن، والتجافي عن دار الخلود، التي عرضها كعرض السماء.
الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((أعوذ بك من الفقر)) ((غب)): أصل الفقر
كسر فقار الظهر، والفقر يستعمل علي أربعة أوجه: الأول: وجود الحاجة الضرورية، وذلك علم للإنسان
ما دام في دار الدنيا، بل عام للموجودات كلها، وعليه قوله تعالي: ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلي الله﴾.
والثاني: عدم المقتنيات، وهو المذكور في قوله تعالي: ﴿للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله﴾ و ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾. الثالث: فقر النفس وهو الشره، وهو المقابل بقوله: ((الغنى غنى النفس)) والمعني بقولهم: من عدم القناعة لم يفده
المال غنى. الرابع: الفقر إلي الله تعالي المشار إليه بقوله: ((اللهم اغنني بالافتقار إليك، ولا تفقرني
стр. 1411
٢٤٦٨ - وعنه، أن رسول الله ﷺ كان يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من الشقاق، والنفاق، وسوء الأخلاق)). رواه أبو داود، والنسائي [٢٤٦٨].
٢٤٦٩ - وعنه أن رسول الله ﷺ كان يقول: " اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة ". رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه [٢٤٦٩].
ــ
بالاستغناء عنك)) وإياه عني تعالي بقوله: ﴿رب إني لما أنزلت إليَّ من خير فقير﴾، ويقال: افتقر فهو مفتقر وفقير، ولا يكاد يقال: فقر وإن كان القياس يقتضيه. أقول: والمستعاذ منه في الحديث هو القسم الثالث.
((خط)): إنما استعاذ ﷺ من الفقر الذي هو فقر النفس لا قلة المال. قال القاضي عياض: وقد تكون استعاذته من فقر المال، والمراد الفتنة من احتماله، وقلة الرضي به، ولهذا قال: ((فتنة الفقر)) ولم يقل: الفقر، وقد جاءت أحاديث كثيرة في الصحيح في فضل الفقر. قوله: ((والقلة)) ((تو)): القلة تحمل علي قلة الصبر أو قلة العدد، ولا خفاء أن المراد منها القلة في أبواب الخير وخصال الخير؛ لأنه كان يؤثر الإقلال في الدنيا، ويكره الاستكثار من الأغراض الفإنية.
الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((من الشقاق)) –في الغريبين-: أراد بـ ((الشقاق)) الخلاف؛ لأن كل واحد منهما يكون في شق أي ناحية، والشقاق العداوة، ومنه قوله تعالي: ﴿في عزة وشقاق﴾. والنفاق أن تظهر لصاحبك خلاف ما تستره وتضمره. وقوله: ((وسوء الأخلاق)) من عطف العام علي الخاص. وفيه إشعار بأن الشقاق والنفاق أعظمهما؛ لأن سريان ضررهما إلي الغير.
الحديث الخامس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((من الجوع)) ((قض)): الجوع الألم الذي يجده
الإنسان من خلو المعدة. و ((الضجيع)) المضاجع، استعاذ منه؛ لأنه يمنع استراحة البدن، ويحلل المواد المحمودة
بلا بدل، ويشوش الدماغ، ويثير الأفكار الفاسدة والخيالات الباطلة، ويضعف البدن عن القيام بوظائف الطاعات. و ((الخيانة)) نقيض الأمانة، و ((البطانة)) ضد الظهارة، وأصلها في الثوب، فاتسع فيما يستبطن الرجل من أمره،
فيجعله بطانة حاله. أقول: خص ((الضجيع)) بـ ((الجوع))؛ لينبه علي أن المراد بالجوع الذي يلازمه ليلاً ونهاراً،
ومن ثم حرم الوصال، ومثله يضعف الإنسان عن القيام بوظائف العبادات، ولاسيما بقيام التهجد، و ((البطانة))
стр. 1412
٢٤٧٠ - وعن أنس، أن رسول الله ﷺ كان يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من البرص، والجذام، والجنون، ومن سيئ الأسقام)). رواه أبو داود، والنسائي. [٢٤٧٠]
٢٤٧١ - وعن قطبة بن مالك، قال: كان النبي ﷺ يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق، والأعمال والأهواء)). رواه الترمذي. [٢٤٧١]
٢٤٧٢ - وعن شتير بن شكل بن حميد، عن أبيه، قال: قلت: يا نبي الله!. علمني تعويذاً أتعوذ به. قال: ((قل: اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي، وشر بصري، وشر لسإني، وشر قلبي، وشر منيي)). رواه أبو داود،
والترمذي، والنسائي. [٢٤٧٢]
٢٤٧٣ - وعن أبي اليسر، أن رسول الله ﷺ كان يدعو: ((اللهم إني أعوذ بك
ــ
بـ ((الخيانة))؛ لأنها ليست كالجوع الذي يتضرر به صاحبه فحسب، بل هي سارية إلي الغير، فهي وإن كانت بطانة لحاله، لكن يجرى سريانه إلي الغير مجرى الظهارة.
الحديث السادس عن أنس ﵁: قوله: ((سيئ الأسقام)) الإضافة ليست بمعنى ((من)) كما في قولك: خاتم فضة، بل هي من إضافة الصفة إلي الموصوف، أي الأسقام السيئة. ((تو)): لم يستعذ بالله من سائر الأسقام؛ لأن منها ما إذا تحامل الإنسان فيه علي نفسه بالصبر خفت مئونته وعظمت مثوبته، كالحمى والصداع والرمد، وإنما استعاذ من السقم المزمن، فينتهي بصاحبه إلي حالة يفر منها الحميم ويقل دونها المؤانس والمداوى، مع ما يورث من الشين، فمنها الجنون الذي يزيل العقل فلا يأمن صاحبه القتل، ومنها البرص والجذام، وهما العلتان المزمنتان مع ما فيهما من القذارة والبشاعة، وتغيير الصورة، وقد اتفقوا علي أنهما معديان إلي الغير.
الحديث الثامن عن شتير: قوله: ((تعويذاُ)) أي ما تعوذ به، -الجوهري-: العوذة والمعاذة والتعويذ كلها بمعنى. قوله: ((من منيي)) ((مظ)): أي من شر غلبة منيي، حتى لا أقع في الزنى والنظر إلي المحارم.
الحديث التاسع عن أبي اليسر: قوله: ((أعوذ بك من الهدم)) ((قض)): الهدم –بالسكون-
стр. 1413
من الهدم وأعوذ بك من التردي، ومن الغرق، والحرق، والهرم، وأعوذ بك من أن يتخبطني الشيطان عند الموت، وأعوذ بك من أن أموت في سبيلك مدبراً، وأعوذ بك من أن أموت لديغاً)) رواه أبو داود، والنسائي وزاد في رواية أخرى: ((والغم)). [٢٤٧٣]
٢٤٧٤ - وعن معاذ عن النبي ﷺ قال: ((أستعيذ بالله من طمع يهدي إلي طبع)). رواه أحمد، والبيهقي في ((الدعوات الكبير)). [٢٤٧٤]
٢٤٧٥ - وعن عائشة، أن النبي ﷺ نظر إلي القمر، فقال: ((يا عائشة! استعيذي بالله من شر هذا، فإن هذا هو الغاسق إذا وقب)). رواه الترمذي. [٢٤٧٥]
٢٤٧٦ - وعن عمران بن حصين، قال: قال النبي ﷺ لأبي: ((يا حصين كم تعبد اليوم إلهاً؟)) قال أبي: سبعة: ستاً في الأرض، وواحداً في السماء. قال: ((فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟)) قال: الذي في السماء. قال: ((يا حصين! أما إنك لو أسلمت علمتك كلمتين تنفعانك)) قال: فلما أسلم حصين قال: يا رسول الله! علمني الكلمتين اللتين وعدتني فقال: ((قل اللهم ألهمني رشدي، وأعذني من شر نفسي)). رواه الترمذي. [٢٤٧٦]
ــ
سقوط البناء ووقوعه علي الشيء، وروى بالفتح وهو اسم ما انهدم منه. و ((التردي)) السقوط من عال، كالتدهده من شاهق جبل، والسقوط في بئر. و ((الغرق)). بالتحريك مصدر غرق في الماء، و ((الحرق)) بالتحريك ((النار)) وإنما استعاذ من الهلاك بهذه الأسباب مع ما فيه من نيل الشهادة؛ لأنها مجهدة مقلقة لا يكاد الإنسان يصبر عليها ويثبت عندها، فلعل الشيطان ينتهز منه فرصة فيحمله علي ما يخل بدينه، ولأنه بعد فجأة، وهو أخذة الأسف علي ما مر في كتاب الجنائز. أقول: ولعله ﷺ استعاذ منها لأنها في الظاهر مصائب ومحن وبلاء كالأمراض السابقة المستعاذ منها، وأما ترتب الثواب –ثواب الشهادة- عليها، فللتنبيه علي أن الله تعالي يثيب المؤمن علي المصائب
كلها حتى الشوكة التي يشاكها، ولأن الفرق بين الشهادة الحقيقية وبين هذه أنها متمنى كل مؤمن ومطلوبه،
وقد يجب عليه توخي الشهادة والتحري فيها بخلاف التردي والغرق والحرق ونحوها فإنها يجب الاحتراز عنها
ولو سعى فيها عصى. قوله: ((من أن يتخبطني)) ((تو)) الأصل في التخبط أن يضرب البعير الشيء بخف يده فيسقط، والمعنى: أعوذ بك أن يمسني الشيطان عند الموت بنزغاته التي تزل الأقدام وتصارع العقول والأحلام. قوله
стр. 1414
ــ
((لديغاً)) فعيل بمعنى مفعول، واللدغ يستعمل في ذوات السموم من حية وعقرب وغير ذلك. قوله ((أن أموت في سبيلك مدبراً)) عبارة عن الفرار عن الزحف حيث لا يجوز الزحف هذا وما أشبه ذلك تعليم الأمة، وإلا فرسول الله ﷺ لا يجوز له الفرار وكذا تخبط الشيطان وغير ذلك من الأمراض المزمنة المشوهة للخلق.
الحديث العاشر عن معاذ ﵁: قوله (من طمع يهدي) ((قض)): الهداية: الإرشاد إلي لشيء والدلالة عليه، ثم اتسع فيه فاستعمل بمعنى الإدناء من الشيء والإيصال إليه. والطبع بالتحريك: العيب، وأصله الدنس الذي بعرض السيف، والمعنى: أعوذ بالله من طمع يسوقني إلي شين في الدين وإزراء بالمروءة. قوله: الهداية هنا بمعنى الدلالة الموصلة إلي البغية واردة علي سبيل التمثيل لأن الطبع الذي هو بمعنى الرين سبب عن كسب الآثام. قال تعالي: ﴿كلا بل ران علي قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾ فلما جعل متسببا عن الطمع الذي هو نزوع النفس إلي الشيء شهوة له جعل كالمرشد والهادي إلي مكان سحيق، فيتخذ إلهه هواه، وهو المعني بالرين، فاستعمل الهدى فيه علي سبيل الاستعارة تهكماً.
الحديث الحادي عشر عن عائشة ﵂ قوله: ((الغاسق إذا وقب)) ((قض)) الغاسق: الليل إذا غاب الشفق واعتكر ظلامه من غسق يغسق إذا أظلم، وأطلق هاهنا علي القمر لأنه يظلم إذا كسف، ووقوبه: دخوله في الكسوف واسوداده، وإنما استعاذ من كسوفه لأنه من آيات الله الدالة علي حدوث بلية، ونزول نازلة.
أقول: يؤيد هذا التأويل حديث أبي موسى في الكسوف قال: فقام النبي فزعاً يخشى أن تكون الساعة، ثم قال: ((هذه الآيات التي يرسل الله لا تكون لموت أحد ولا لحياته، ولكن يخوف الله بها عباده، فإذا رأيتم من ذلك شيئاً فافزعوا إلي ذكر الله ودعائه واستغفاره))، ولأن اسم الإشارة في الحديث كوضع اليد في التعيين، وتوسيط ضمير الفعل بينه وبين الخبر المعرف يدل علي أن المشار إليه هو القمر لا غير وتفسير الغاسق بالليل يأباه سياق الحديث كل الإباء؛ ولأن دخول الليل نعمة من نعم الله تعالي، ومن الله بها علي عباده في كثير من الآيات، قال تعالي: ﴿وجعل لكم الليل لتسكنوا فيه﴾ ﴿فلما جن عليه الليل رأي كوكباً قال هذا ربي﴾ وقال الشاعر:
وكم لظلام الليل عندك من يد ... تخبر أن المانوية تكذب
الحديث الثاني عشر عن عمران: قوله: ((إلهاً)) تمييز لـ ((كم)) الاستفهامية، وقد فصل بينهما ظاهراً، وأما من حيث المعنى فلا فصل؛ إذ أن رتبة المفعول هو التأخر عن الفعل.
стр. 1415
٢٤٧٧ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا فزع أحدكم في النوم، فليقل: أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه، وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون، فإنها لن تضره)) وكان عبد الله بن عمرو يعلمها من بلغ من ولده، ومن لم يبلغ منهم كتبها في صك ثم علقها في عنقه. رواه أبو داود، والترمذي، وهذا لفظه. [٢٤٧٧]
٢٤٧٨ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من سأل الله الجنة ثلاث مرات، قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة. ومن استجار من النار ثلاث مرات؛ قالت النار: اللهم أجره من النار)). رواه الترمذي، والنسائي. [٢٤٧٨]
ــ
قوله: ((ستاً من الأرض)) المذكور في التنزيل ((يغوث، ويعوق، ونسراً، واللات، والمناة، والعزى)) والله أعلم بالمراد، ومن ثم قال: ((ستاً)) لأن المميزات كلها مؤنثة، وإنما ألحق التاء بـ ((سبعة)) لاشتماله علي الإله الذي في السماء علي زعمه، فغلب جانب التذكير، ولهذا لم يقل: واحدة في السماء.
قوله: ((فأيهم تعد)) ((الفاء)) جزاء شرط محذوف، أي إذا كان كذلك، فإذا حزبك أمر فأيهم تخصه وتلتجئ إليه إذا نابتك نائبة، وحدثت حادثة؟ قال تعالي: ﴿وإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين﴾ وهذا الأسلوب يسمى في علم البديع بالمذهب الكلامي، فلما أكرمه وأقر قال: ((الذي في السماء)) أتبعه بقوله: ((أما إنك لو أسلمت)) وهذا من باب إرخاء العنان والكلام المنصف؛ لأن من حق الظاهر بعد إقراره أن يقال له: أسلم ولا تعاند. وأما الإشارة إلي الاستعاذة من شر النفس، فإيذان بأن اتخاذ تلك الآلهة ليس إلا هوى النفس الأمارة بالسوء، وأن المرشد إلي الطريق الحق والدين القويم هو الله تعالي.
الحديث الثالث عشر والرابع عشر عن أنس ﵁: قوله: ((قالت الجنة)) قول الجنة والنار يجوز أن يكون حقيقة ولا بعد فيه، كما في قوله تعالي: ﴿وتقول هل من مزيد﴾، ويجوز أن تكون استعارة، شبه استحقاق العبد بوعد الله ووعيده الجنة والنار في تحققهما وثبوتهما بنطق الناطق، كأن الجنة مشتاقة إلي السائل داعية دخوله، والنار نافرة عنه داعية له بالبعد عنها، فأطلق الفول وأراد التحقيق والثبوت، وفي وضع ((الجنة والنار)) موضع ضمير المتكلم تجريد ونوع من الالتفات. ويجوز أن يقدر مضاف، أي قالت خزنة الجنة وخزنة النار، فالقول إذن حقيقي.
стр. 1416
الفصل الثالث
٢٤٧٩ - عن القعقاع: أن كعب الأحبار قال: لولا كلمات أقولهن لجعلتني يهود حماراً. فقيل له: ما هن؟ قال: أعوذ بوجه الله العظيم الذي ليس شيء أعظم منه، وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، وبأسماء الله الحسنى ما علمت منها وما لم أعلم، من شر ما خلق وذرأ وبرأ. رواه مالك. [٢٤٧٩]
ــ
الفصل الثالث
الحديث الأول عن القعقاع: قوله: ((حماراً)) لعله أراد أن اليهود سحرته، ولولا استعاذتي بهذه الكلمات لتمكنوا من أن يقلبوا حقيقتي لبغضهم إياي حيث إني أسلمت، أو لتمكنوا من إذلالي وتوهيني كالحمار، فإنه مثل في الذلة، قال:
ولا يقيم علي ضيم يراد به ... إلا الأذلان عير الحي والوتد
قوله: ((لا يجاوزهن بر ولا فاجر)) يشعر بأن المراد بـ ((كلمات)) علم الله الذي ينفد البحر قبل نفاده في قوله: ﴿قل لو كان البحر مداداً﴾ الآية، لأن معنى التكرير في قوله: ((بر ولا فاجر)) وتكرير حرف التأكيد للاستيعاب، كما في قوله تعالي: ﴿ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾. ولو أريد بـ ((كلمات الله التامات)) القرآن يؤول بأن البر والفاجر من المؤمن والكافر، والمطيع والعاصي، لا يتجاوزان ما لهما وما عليهما من الوعد والوعيد، والثواب والعقاب. وغير ذلك، يؤيده قوله تعالي: ﴿وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً﴾ لأن الصدق ملائم للوعد والوعيد، والخبر من القصص، وبناء الأولين والآخرين مما سبق ومما سيأتي. والعدل موافق للأمر والنهي، والثواب والعقاب، وما أشبه ذلك.
((حس)): وفي أمثال هذا الحديث مما جاء فيه الاستعاذة بكلمات الله، دليل علي أن كلام الله غير مخلوق؛ لأن النبي ﷺ استعاذ بها، كما استعاذ بالله في قوله: ((أعوذ بالله)) وبصفاته في قوله: ﴿برب الناس ملك الناس﴾ وبعزة الله وقدرته، ولم يكن يستعيذ بمخلوق عن مخلوق. وبلغني عن الإمام أحمد بن حنبل ﵁ أنه استدل بها علي أن القرآن غير مخلوق؛ لأنه ما من مخلوق إلا وفيه نقص. قوله: ((خلق)) أي قدر أو أنشأ، و ((برأ)) أي جعل الخلقة مبرأة من التفاوت، فخلق كل عضو علي ما ينبغي كونه، و ((ذرأ)) أي بث الذراري في الأرض.
стр. 1417
٢٤٨٠ - وعن مسلم بن أبي بكرة، قال: كان أبي يقول في دبر الصلاة: اللهم إن أعوذ بك من الكفر والفقر، وعذاب القبر. فكنت أقولهن. فقال: أي بني! عمن أخذت هذا؟ قلت: عنك. قال: إن رسول الله ﷺ كان يقولهن في دبر الصلاة. رواه النسائي، والترمذي، إلا أنه لم يذكر: في دبر الصلاة. [٢٤٨٠]
وروى أحمد لفظ الحديث، وعنده: في دبر كل صلاة.
٢٤٨١ - وعن أبي سعيد، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((أعوذ بالله من الكفر والدَّين)) فقال رجل: يا رسول الله! أتعدل الكفر بالدين؟ قال: ((نعم)). وفي رواية ((اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر)). قال رجل: ويعدلان؟ قال: ((نعم)). رواه النسائي. [٢٤٨١]
(٩) باب جامع الدعاء
الفصل الأول
٢٤٨٢ - عن أبي موسى الأشعري، عن النبي ﷺ : أنه كان يدعو بهذا الدعاء:
((اللهم اغفر لي خطيئتي، وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني. اللهم
ــ
الحديث الثاني والثالث عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((قال: نعم)) أي أساوي الدائن بالمنافق؛ لأن الرجل إذا غرم حدث فكذب، ووعد فأخلف كما ورد في حديث عائشة ﵂ ((والفقير الذي لم يصبر علي فقره أسوء حالاً من الدائن)) وقد يرى ((كاد الفقر أن يكون كفراً)) والله أعلم.
باب جامع الدعاء
إضافة الجامع إلي الدعاء إضافة الصفة إلي الموصوف، أي الدعاء الجامع لمعان كثيرة في ألفاظ قليلة.
الفصل الأول
الحديث الأول عن أبي موسى ﵁: قوله: ((كل ذلك عندي)) كالتذييل للسابق.
((مح)): أي متصف بهذه الأشياء فاغفرها لي، قالها تواضعاً وهضماً لنفسه. عن علي رضي الله
عنه: عد فوات الكمال، وترك الأولي ذنوباً. وقيل: أراد ما كان عن سهو وقيل: ما كان قبل
стр. 1418
اغفر لي جدي، وهزلي، وخطئي، وعمدي، وكل ذلك عندي. اللهم اغفر لي ما قدمت، وما أخرت، وما أسررت، وما أعلنت، وما أنت به أعلم به مني. أنت المقدم، وأنت المؤخر، وأنت علي كل شيء قدير)). متفق عليه.
٢٤٨٣ - وعن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ يقول: ((اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري. وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة زيادةً لي في كل خير، واجعل الموت راحةً لي من كل شر)). رواه مسلم.
٢٤٨٤ - وعن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ أنه كان يقول: ((اللهم إني أسألك الهدى، والتقى، والعفاف والغنى)). رواه مسلم.
٢٤٨٥ - وعن علي، قال: قال رسول الله ﷺ : ((قل: اللهم اهدني، وسددني، واذكر بالهدى هدايتك الطريق، وبالسداد سداد السهم)). رواه مسلم.
ــ
النبوة. وقوله: ((أنت المقدم)) أي تقدم من تشاء من خلقك بتوفيقك إلي رحمتك، وتؤخر من تشاء عن ذلك.
الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((عصمة أمري)) هو من قوله تعالي: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً﴾ أي بعهد الله، وهو الدين، وإصلاح المعاد اللطف والتوفيق علي طاعة الله وعبادته. وطلب الراحة بالموت إشارة إلي قوله ﷺ ،: ((إذا أردت فتنة قوم فتوفني غير مفتون)) هذا هو الذي يقابله الزيادة في القرينة السابقة، وهذا الدعاء من الجوامع.
الحديث الثالث عن عبد الله بن مسعود ﵁: قوله: ((أسألك الهدى)) أطلق ((الهدى والتقى))؛ ليتناول كل ما ينبغي أن يهتدي إليه من أمر المعاش والمعاد، ومكارم الأخلاق، وكل ما يجب أن يتقي منه من الشرك والمعاصي، ورذائل الأخلاق. وطلب العفاف والغنى تخصيص بعد تعميم، وهذا أيضاً من الجوامع.
الحديث الرابع عن علي ﵁: قوله: ((اللهم اهدني)) ((قض)): أمره بأن يسأل الله
تعالي الهداية والسداد، وأن يكون في ذكره مخطراً بباله أن المطلوب هداية، كهداية من ركب
стр. 1419
٢٤٨٦ - وعن أبي مالك الأشجعي، عن أبيه، قال: كان الرجل إذا أسلم، علمه النبي ﷺ الصلاة، ثم أمره أن يدعو بهؤلاء الكلمات: ((اللهم اغفر لي وارحمني، واهدني وعافني، وارزقني)). رواه مسلم.
٢٤٨٧ - وعن أنس، قال: كان أكثر دعاء النبي ﷺ : ((اللهم أتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار)) متفق عليه.
الفصل الثاني
٢٤٨٨ - عن ابن عباس، قال: كان النبي ﷺ يدعو يقول: ((رب أعني ولا
تعن علي، وانصرني ولا تنصر علي، وامكر لي ولا تمكر علي، واهدني ويسر الهدى لي،
ــ
متن الطريق، وأخذ في المنهج المستقيم، وسداد يشبه سداد السهم نحو الغرض، والمعنى أن يكون في سؤاله طالباً غاية الهدى، ونهاية السداد. أقول: وفيه معنى قوله تعالي: ﴿فاستقم كما أمرت﴾ ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ أي هداية لا أميل بها إلي أحد طرفي الإفراط والتفريط.
الحديث الخامس والسادس عن أنس ﵁: قوله: ((أكثر دعاء النبي ﷺ ) لعله صلوات الله عليه إنما كان يكثر هذا الدعاء؛ لأنه من الجوامع التي تحوز جميع الخيرات الدنيوية والأخروية. وبيانه أنه ﷺ كرر الحسنة ونكرها تنويعاً، وقد تقرر في علم المعإني أن النكرة إذا أعيدت كانت الثانية غير الأول، فالمطلوب في الأولي الحسنات الدنيوية، من الاستغاثة والتوفيق والوسائل إلي اكتساب الطاعات والمبرات، بحيث تكون مقبولة عند الله تعالي، وفي الثانية ما يترتب عليها من الثواب والرضوان في العقبى. وقوله: ((وقنا عذاب النار)) تتمة، أي إن صدر منا ما يوجبها من التقصير والعصيان، فاعف عنا وقنا عذاب النار، فحق لذلك أن يكثر من هذا الدعاء.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن ابن عباس ﵄: قوله: ((وامكر لي)) قيل: المكر الخداع،
وهو من الله تعالي إيقاع بلائه بأعدائه من حيث لا يشعرون، وقيل: هو استدراج العبد
стр. 1420
وانصرني علي من بغى علي، رب اجعلني لك شاكراً، لك ذاكراً، لك راهباً، لك مطواعاً، لك مخبتاً، إليك أواها منيباً، رب تقبل توبتي، واغسل حوبتي، وأجب دعوتي، وثبت حجتي، وسدد لسإني، واهد قلبي، واسلل سخيمة صدري)). رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه [٢٤٨٨].
٢٤٨٩ - وعن أبي بكر، قال: قام رسول الله ﷺ علي المنبر، ثم بكى، فقال: ((سلوا الله العفو والعافية، فإن أحداً لم يعط بعد اليقين خيراً من العافية)). رواه الترمذي، وابن ماجه. وقال الترمذي: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ إسناداً [٢٤٨٩].
ــ
بالطاعات، فيتوهم أنها مقبولة، وهي مردودة. قوله: ((لك شاكراً)) ((قض)): قدم الصلاة علي متعلقاتها تقديماً للأهم، وإرادة للاختصاص. ((والمخبت)) الخاشع المتواضع من الخبت وهو المطمئن إلي ذكر ربه الواثق به، قال تعالي: ﴿وأخبتوا إلي ربهم﴾ أي اطمأنوا، وسكنت نفوسهم إلي أمره، وأقيمت ((اللام)) مقام ((إلي)) ليفيد معنى الاختصاص. ((والأواه)) فعال بني للمبالغة من أوه، يقال: أوه تأويهاً وتأوه تأوهاً إذا قال: آه، وهو صوت الحزين المتفجع، والمعنى اجعلني لك أواها متفجعاً علي التفريط، منيباً راجعاً إليك، تائباً عما اقترفت من الذنوب. والحوبة الإثم، وكذا الحوب والحوب، وغسله كناية عن إزالته بالكلية بحيث لا يبقى منه أثر. وسداد اللسان أن لا يتحرك إلا بالحق، ولا ينطق إلا بالصدق. وسخيمة الصدر الضغينة، من السخمة وهي السواد، ومنه سخام القدر. وإضافتها إلي الصدر؛ لأن مبدأها القوة الغضبية المنبعثة من القلب الذي هو في الصدر، وسلها إخراجها، وتنقية الصدر منها، من سل السيف إذا أخرجه من الغمد. ((نه)): ((ثبت حجتي)) أي قولي وتصديقي في الدنيا، وعند جواب الملكين في القبر.
أقول: فإن قلت: ما الفائدة من ترك العاطف في القرائن السابقة من قوله: ((رب اجعلني)) إلي قوله: ((منيباً)) وفي الإتيان به في القرائن اللاحقة؟ قلت: أما الترك فللتعداد والإحصاء؛ ليدل علي أن ما كان لله غير معدود، ولا داخل تحت الضبط، فينعطف بعضها علي بعض، ولهذا قدم الصلاة علي متعلقاتها. وأما الإتيان بالعاطف فيما كان للعبد، فلانضباطه وإنما اكتفي في قوله إليك ((أواهاً منيب)) بصلة واحدة لكون الإنابة لازمة للتأوه ورديفاً له))، فكأنهما شيء واحد، ومنه قوله تعالي: ﴿إن إبراهيم لحليم أواه منيب﴾.
стр. 1421
٢٤٩٠ - وعن أنس، أن رجلاً جاء إلي النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! أي الدعاء أفضل؟ قال: ((سل ربك العافية والمعافاة في الدنيا والآخرة)). ثم أتاه في اليوم الثاني، فقال: يا رسول الله! أي الدعاء أفضل؟ فقال له مثل ذلك. ثم أتاه في اليوم الثالث، فقال له مثل ذلك، قال: ((فإذا أعطيت العافية والمعافاة في الدنيا والآخرة فقد أفلحت)). رواه الترمذي، وابن ماجه وقال الترمذي: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ إسناداً. [٢٤٩٠]
٢٤٩١ - وعن عبد الله بن يزيد الخطمي، عن رسول الله ﷺ أنه كان يقول في دعائه: ((اللهم ارزقني حبك وحب من ينفعني حبه عندك، اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله قوةً لي فيما تحب، اللهم ما زويت عني مما أحب فاجعله فراغاً ي فيما تحب)). رواه الترمذي. [٢٤٩١]
٢٤٩٢ - وعن ابن عمر، قال: قلما كان رسول الله ﷺ يقوم من مجلس حتى
يدعو بهؤلاء الدعوات لأصحابه: ((اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين
ــ
الحديث الثاني والثالث عن أبي بكر ﵁: قوله: ((خيراً من العافية)) فإن قلت: كيف أفرد العافية بعد جمعها؟ قلت: لأن معنى ((العفو)) محو الذنب، ومعنى ((العافية)) السلامة عن الأسقام والبلايا، فاستغنى عن ذكر العفو بها؛ لشمولها، يؤيده قوله في الحديث الثالث: ((فإذا أعطيت العافية فقد أفلحت)). ((مظ)): وبكاؤه ﷺ لما علم وقوع أمته في الفتن، وغلبة الشهوة عليهم، وحرصهم علي جمع المال والجاه، أمرهم أن يلتجئوا إلي الله، ويسألوا العفو والعافية من الله تعالي.
قوله: ((والمعافاة)) هي أن يعافيك الله تعالي من الناس، ويعافيهم منك، أي يغنيك عنهم ويغنيهم عنك، ويصرف أذاهم عنك وأذاك عنهم. وقيل: هي مفاعلة من العفو وهو أن يعفو عن الناس ويعفو هم عنه. وقوله: ((إسناداً)) تمييز عن ((الحسن والغريب)) معاً، كما سبق بيانه.
الحديث الرابع عن عبد الله ﵁: ((قوله: ((ما زويت عني)) ((قض)): أصل الزوي الجمع والقبض، يقال: زوى فلان المال عن وارثه زوياً، وفي الحديث قال عمر ﵁: ((عجبت لما زوى الله عنك من الدنيا)) أي لما نحى عنك، المعنى اجعل ما نحيته عني من محابي عوناً لي علي شغلي بمحابك، وذلك أن الفراغ خلاف الشغل، فإذا زوى عنه الدنيا ليتفرغ لمحاب ربه، كان ذلك الفراغ عوناً له علي الاشتغال بطاعة الله تعالي.
الحديث الخامس عن ابن عمر ﵄: قوله: ((اللهم اقسم لنا)) ((قض)): أي اجعل لنا
стр. 1422
معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصيبات الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا علي من ظلمنا، وانصرنا علي من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديثٌ حسنٌ غريب. [٢٤٩٢]
ــ
قسماً ونصيباً تحول به وتحجب وتمنع، من حال الشيء حيلولة، وارزقنا يقيناً بك، وبأن لا مرد لقضائك وقدرك، وأن لا يصيبنا إلا ما كتبته علينا، وأن ما قدرته لا يخلو عن حكمة، ومصلحة، واستجلاب مثوبة تهز نبه مصيبات الدنيا. و ((اجعله)) الضمير فيه للمصدر، كما في قولك: زيد أظنه منطلق، أي اجعل الجعل، و ((الوارث)) هو المفعول الأول و ((منا)) في موضع المفعول الثاني علي معنى واجعل الوارث من نسلنا، لا كلالة خارجة عنا، كما قال تعالي حكاية عن دعوة زكريا: ﴿فهب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب﴾، وقيل: الضمير للتمتع الذي دل عليه التمتيع، ومعناه اجعل تمتعنا بها باقياً عنا، موروثاً فيمن بعدنا، أو محفوظاً لنا إلي يوم الحاجة، وهو المفعول الأول، و ((الوارث)) مفعول ثان، و ((منا)) صلة له، وقيل: الضمير لما سبق من الأسماع والأبصار والقوة، وإفراده وتذكيره علي تأويل المذكور، كما في قول رؤية:
فيها خطوط من سواد وبلق ... كأنه في الجلد توليع البهق
والمعني بوراثتها لزومها له عند موته لزوم الوارث له. واجعل ثأرنا مقصوراً علي من ظلمنا، ولا تجعلنا ممن تعدى في طلب ثأره، فأخذ به غير الجإني، كما كان معهوداً في الجاهلية، أو اجعل إدراك ثأرنا علي من ظلمنا، فندرك منه ثأرنا، وأصل الثأر الحقد والغضب، من الثوران، يقال: ثار ثائره إذا هاج غضبه.
قوله: ((ولا تجعل مصيبتنا في ديننا)) [((نه))]: ولا تصيبنا بما ينقص ديننا من أكل الحرام واعتقاد سوء، أو فترة في العبادة. قوله: ((أكبر همنا)) فيه أن قليلاً من الهم لابد منه في أمر المعاش المرخص، بل مستحب. قوله: ((لا تسلط علينا)) يعني لا تجعنا مغلوبين للكفار والظلمة، ويحتمل أن يراد لا تجعل الظالمين علينا حاكمين، فإن الظالم لا يرحم الرعية.
فإن قلت: بين لي تأليف هذا النظم، وأي وجه من الوجوه المذكورة أولي، قلت: أن نجعل
الضمير للتمتع، ومعنى اجعل ثأرنا مقصوراً علي من ظلمنا، ولا تجعلنا ممن تعدى في طلب
ثأره، ويحمل ((من لا يرحمنا)) علي ملائكة العذاب في القبر، وفي النار؛ لئلا يلزم التكرار،
стр. 1423
٢٤٩٣ - وعن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ يقول: ((اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وزدني علماً، الحمد لله علي كل حال، وأعوذ بالله من حال أهل النار)). رواه الترمذي، وابن ماجه. وقال الترمذي: هذا حديثٌ غريبٌ إسناداً. [٢٤٩٣]
ــ
فنقول: وإنما خص السمع والبصر بالتمتع من الحواس؛ لأن الدلائل الموصلة إلي معرفة الله تعالي وتوحيده إنما تحصل من طريقهما؛ لأن البراهين إنما تكون مأخوذة من الآيات المنزلة، وذلك بطريق السمع، أو من الآيات المنصوبة في الآفاق والأنفس، وذلك بطريق البصر، فسأل التمتع بهما حذراً من الانخراط في سلك الذين ((ختم الله علي قلوبهم وعلي سمعهم، وعلي أبصارهم غشاوة)) ولما حصلت المعرفة ترتب عليها العبادة، فسأل القوة ليتمكن بها من عبادة ربه، ثم إنه أراد أن لا ينقطع هذا الفيض الإلهي عنه لكونه رحمة للعالمين، فسأل بقاءه ليستن بسنته بعده فقال: واجعل ذلك التمتع وارثاً باقياً منا.
ولما كانت القرينتان أعني ((واجعل ثأرنا علي من ظلمنا وانصرنا علي من عادانا)) علي وزان قوله: ((أعوذ بك من أن أظلم وأظلم)) وجب تأويل القرينة الأولي بما سبق، والثانية ظاهرة، ولما كان مفهوم ((وانصرنا علي من عادانا)) لا تسلط علينا من ظلمنا، وجب أن يحمل ((ولا تسلط علينا من لا يرحمنا)) علي ما حملنا عليه. ويلوح من قوله: ((ولا تجعل الدنيا مبلغ علمنا)) معنى قوله تعالي: ﴿يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون﴾.
الحديث السادس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((اللهم انفعني)) إلي هذا المعنى ينظر ما ورد ((من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم)) طلب أولاً النفع بما رزق من العلم، وهو العمل بمقتضاه، ثم توخي علماً زائداً عليه ليترقى منه إلي عمل زائد علي ذلك، ثم قال: ((رب زدني علماً)) ليشير إلي طلب الزيادة في السير والسلوك إلي أن يوصله إلي مخدع الوصال، وظهر من هذا أن العلم وسيلة العمل، وهما متلازمان، ومن ثم قيل: ما أمر الله رسوله بطلب الزيادة في شيء إلا في العلم، وما أحسن موقع الحمد في هذا المقام، ومعنى المزيد فيه ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾ وموقع الاستعاذة من الحال المضاف إلي النار تلميحاً إلي الفظيعة والبعد، وهذا من جامع الدعاء الذي لا مطمح وراءه.
стр. 1424
٢٤٩٤ - وعن عمر بن الخطاب [﵁]، قال: كان النبي ﷺ إذا أنزل عليه الوحي سمع عند وجهه دويٌ كدوي النحل، فأنزل عليه يوماً، فمكثنا ساعةً، فسري عنه، فاستقبل القبلة، ورفع يديه وقال: ((اللهم زدنا ولا تنقضنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وارض عنا)). ثم قال: أنزل علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة)) ثم قرأ: ﴿قد أفلح المؤمنون﴾ حتى ختم عشر آيات. رواه أحمد، والترمذي [٢٤٩٤].
الفصل الثالث
٢٤٩٥ - عن عثمان بن حنيف، قال: إن رجلا ضرير البصر أتى النبي ﷺ ،
ــ
الحديث السابع عن عمر ﵁: قوله: ((سمع عند وجهه)) ((قض)): أي سمع من جانب وجهه، وجهته صوت خفي، كدوي النحل كأن الوحي كان يؤثر فيهم وينكشف لهم انكشافاً غير تام، فصاروا كمن يسمع دوي صوت ولا يفهمه، أو سمعوه من الرسول ﷺ من غطيطه، وشدة تنفسه عند نزول الوحي، وقوله: ((فسري عنه)) أي كشف عنه، وزال ما اعتراه من برحاء الوحي.
قوله: ((زدنا ولا تنقصنا)) عطف النواهي علي الأوامر للتأكيد، وقد حذف ثوإني المفعولات في بعض الألفاظ إرادة لإجرائها مجرى فلان يعطي ويمنع، مبالغة وتعميماً. ويلوح من صفحات هذا الدعاء تباشير البشارة والاستبشار، والفوز بالمباغي، ونيل الفلاح في الدنيا والعقبى، ولعمري إنه من مجازه ومواقعه، وذلك أن ((أولئك)) في قوله تعالي ﴿أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس﴾ مشعر بأن وراثتهم الفردوس الأعلي إنما كان لاتصافهم بتلك الخصال الفاضلة من الخشوع في الصلاة، والإعراض عما لا يعنيهم في الدين، وإنفاقهم في سبيل الله إلي غير ذلك، قوله: ((ولا تهنا)) ((مظ)): أصله ولا تهوننا فنقلت كسرة الواو إلي الهاء، وحذفت الواو لسكونها وسكون الأولي، ثم أدغمت النون الأولي في الثانية. ((ولا تؤثر علينا)) أي ولا تختر غيرنا، فتعززه وتذللنا، يعني لا تغلب علينا أعداءنا. قوله: ((من أقامهن)) أي حافظ وداوم عليهن.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن عثمان ﵁: قوله: ((فهو خير لي)) يشير إلي ما ورد قال تعالي:
стр. 1425
فقال: ادع الله أن يعافيني. فقال: ((إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت فهو خيرٌ لك)). قال: فادعه. قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن الوضوء ويدعو بهذا الدعاء: ((اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، إني توجهت بك إلي ربي ليقضي لي في حاجتي هذه، اللهم فشفعه في)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريب [٢٤٩٥].
ــ
((إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه ثم صبر، عوضته منهما الجنة)). قوله: ((ويدعو بهذا الدعاء)) قال ﷺ : ((إن شئت دعوت)) فأسند الدعاء إلي نفسه، وكذا طلب الرجل أن يدعو هو له، ثم أمره ﷺ أن يدعو هو، كأنه لم يرض منه اختياره الدعاء لما قال: ((الصبر خير لك)) لكن في جعله شفيعاً له ووسيلة في استجابة الدعاء، ما يفهم أنه ﷺ شريك فيه. قوله: ((إني توجهت بك)) بعد قوله: ((أتوجه إليك)) فيه معنى قوله تعالي: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ سأل أولاً أن يأذن الله نبيه ليشفع له، ثم أقبل علي النبي ملتمساً لأن يشفع له، ثم كر مقبلاً علي الله أن يقبل شفاعته قائلاً: ((فشفعه)). ((والباء)) في ((بنبيك)) للتعدية، وفي ((بك)) للاستعانة.
قوله: ((ليقضي لي في حاجتي)) فإن قلت: ما معنى ((لي)) و ((في))؟ قلت: معنى ((لي)) كما في قوله: ﴿رب اشرح لي صدري﴾ أجمل أولاً، ثم فصل ليكون أوقع، ومعنى ((في)) كما في قول الشاعر.
يجرح في عراقيبها نصلي
أي أوقع القضاء في حاجتي، واجعلها مكاناً له. ونظير الحديث قوله تعالي: ﴿وأصلح لي في ذريتي﴾. وقوله: ((فشفعه في)) أي اقبل شفاعته في حقي، و ((الفاء)) عطف علي قوله: ((أتوجه إليك بنبيك)) أي اجعله شفيعاً لي فشفعه، وقوله: ((اللهم)) معترضة. قوله: ((حسن صحيح غريب)) قد سبق أن الصحيح قد يكون غريباً، وأن الحسن يكون في طريق والصحيح في طريق آخر.
стр. 1426
٢٤٩٦ - وعن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ : كان من دعاء داود يقول: ((اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك، والعمل الذي يبلغني حبك، اللهم اجعل حبك أحب إلي من نفسي ومالي وأهلي، ومن الماء البارد)). قال: وكان رسول الله ﷺ إذا ذكر داود يحدث عنه؛ يقول: ((كان أعبد البشر)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب.
٢٤٩٧ - وعن عطاء بن السائب، عن أبيه، قال: صلي بنا عمار بن ياسر صلاةً، فأوجز فيها. فقال له بعض القوم: لقد خففت وأوجزت الصلاة. فقال أما علي ذلك، لقد دعوت فيها بدعوات سمعتهن من رسول الله
ﷺ . فلما قام تبعه رجل من القوم -هو أبي- غير أنه كنى عن نفسه، فسأله عن الدعاء
ثم جاء فأخبر به القوم: ((اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك علي الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا
ــ
الحديث الثاني عن أبي الدرداء: قوله: ((يقول: اللهم)) اسم ((كان حذف ((أن)) كما في قوله: احضر الوغى، وإنما قال: ((اجعل حبك أحب إلي من نفسي)) بدل اجعل نفسك، مراعاة للأدب حيث لم يرد أن يقابل بنفسه نفسه ، فإذا قيل: لعله إنما عدل؛ لأن النفس لا تطلق علي الله تعالي، قلت: بل إطلاقه صحيح، وقد ورد في التنزيل مشاكلة؛ قال تعالي: ﴿تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك﴾. وقوله: ((ومن الماء البارد)) أعاد ((من)) هنا ليدل بذلك علي استقلال الماء البارد في كونه محبوباً، وذلك في بعض الأحيان، فإنه يعدل بالروح، وعن بعض الفضلاء: ليس للماء قيمة؛ لأنه لا يباع إذا وجد، ولا يباع إذا فقد.
قوله: ((يحدث)) يروى مرفوعاً جزاء للشرط؛ لأن الشرط إذا كان ماضياً والجزاء مضارعاً، يسوغ فيه الوجهان، و ((يقول)) بدل من الجزاء. قوله: ((كان أعبد البشر)) يحتمل أن يراد به في عصره وزمانه، وأن يراد أنه كان أشكر الناس، قال تعالي له: ﴿اعملوا آل داود شكراً﴾ أي بالغ في شكري، وابذل وسعك فيه. قيل: إن داود جزأ ساعات الليل والنهار علي أهله، فلم يكن تأتي ساعة من ساعات الليل والنهار إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي.
الحديث الثالث عن عطاء ﵁: قوله: ((أما علي ذلك)) الهمزة في ((أما)) يحتمل أن
تكون للإنكار أي أنكر، وما علي ضرر من ذلك، أو للنداء؟ والمنادى بعض القوم، أي يا
فلان ليس علي من ذلك ضرر، ويحتمل التنبيه أي علي بيان ذلك. قوله: ((فلما قام تبعه رجل
стр. 1427
علمت الوفاة خيراً لي، اللهم وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الرضي والغضب، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيماً لا ينفد، وأسألك قرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضي بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلي وجهك، والشوق إلي لقائك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهديين)). رواه النسائي. [٢٤٩٧]
ــ
من القوم)) إلي هاهنا قول السائل، وقوله: ((هو أي)) إلي آخره قول عطاء، أي قال السائب: لما قام عمار تبعه رجل، والرجل هو السائب، كنى عن نفسه بالرجل، وهذا الرجل هو المراد من قول عطاء ((هو أبي)) وتقدير الاستثناء أنه لم يصرح السائب باسمه إلا أنه كنى عن نفسه بالرجل. وقوله: ((فسأله)) أي فسأل عماراً، ثم جاء الرجل وهو السائب، فأخبر بالدعاء القوم.
قوله: ((بعلمك)) الباء للاستعطاف، أي أنشدك بحق علمك. وقوله: ((وأسألك خشيتك)) عطف علي هذا المحذوف، و ((اللهم)) معترضة. والمراد بـ ((الخشية)) في الغيب والشهادة إظهارها في السر والعلإنية، وكذلك معنى الرضي، أي في حالة رضي الخلق وغضبهم. قوله: ((قرة عين لا تنقطع)) يحتمل أنه طلب نسلاً لا ينقطع بعده، قال تعالي: ﴿هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين﴾ أو طلب محافظة الصلوات والإدامة عليها، كما ورد ((وجعلت قرة عيني في الصلاة)). قوله ((لذة النظر)) قيد ((النظر)) باللذة؛ لأن النظر إلي الله إما هيبة وجلال في عرصات القيامة، وإما نظر لطف وجمال في الجنة؛ ليؤذن بأن المطلوب هذا. قوله ((في غير ضراء مضرة)) متعلق الظرف مشكل، ولعله متصل بالقرينة الأخيرة، وهي قوله: ((والشوق إلي لقائك)) سأل شوقاً إلي الله تعالي في الدنيا بحيث يكون ضراء غير مضرة أي شوقاً لا يؤثر في سيري وسلوكي وإن ضرني مضرة ما، قال:
إذا قلت: أهدي الهجر لي حلل البلاء ... تقولين: لولا الهجر لم يطلب الحب
وإن قلت: كربي دائم، قلت: إنما ... يعد محباً من يدوم له كرب
ويجوز أن يتصل بقوله ((أحيني ما علمت الحياة خيراً لي)). ومعنى ((ضراء مضرة)) الضر الذي لم يصبر عليه، كما ورد في قوله ﷺ : ((عجباً لأمر المؤمن -إلي قوله- إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيراً له)). قوله: ((هداة مهديين)) وصف الهداة بالمهديين؛ لأن الهادي إذا لم يكن مهتدياً في نفسه لم يصلح أن يكون هادياً لغيره؛ لأنه يوقع الخلق في الضلال من حيث لا يشعر.
стр. 1428
٢٤٩٨ - وعن أم سلمة، أن النبي ﷺ كان يقول في دبر صلاة الفجر: ((اللهم إني أسألك علماً نافعاً، وعملاً متقبلاً، ورزقاً طيباً)). رواه أحمد، وابن ماجه، والبيهقي في ((الدعوات الكبير)).
٢٤٩٩ - وعن أبي هريرة، قال: دعاء حفظته من رسول الله ﷺ لا أدعه: ((اللهم اجعلني أعظم شكرك، وأكثر ذكرك، وأتبع نصحك، وأحفظ وصيتك)). رواه الترمذي. [٢٤٩٩]
٢٥٠٠ - وعن عبد الله بن عمرو، قال: كان رسول الله ﷺ يقول: ((اللهم إني أسألك الصحة، والعفة، والأمانة، وحسن الخلق، والرضي بالقدر)). [٢٥٠٠]
٢٥٠١ - وعن أم معبد. قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((اللهم طهر قلبي من النفاق، وعملي من الرياء، ولسإني من الكذب، وعيني من الخيانة، فإنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور)). رواهما البيهقي في ((الدعوات الكبير)). [٢٥٠١]
ــ
الحديث الرابع عن أم سلمة ﵂: قوله: ((علماً نافعاً)) كان من الظاهر أن يقدم الرزق الحلال علي العلم؛ لأن الرزق إا لم يكن حلالاً لم يكن العلم نافعاً، والعمل إذا لم يكن من علم نافع لم يكن متقبلاً. قلت: أخره ليؤذن بأن العلم والعمل إنما يعتد بهما ويقعان موقعهما، إذا كانا مؤسسين علي الرزق الحلال، وهي المرتبة العليا والمطلوب الأسنى، ولو قدم لم يكن بذلك، كما إذا سألت عن رجل قيل لك: هو عالم عامل، فقلت: من أين معاشه؟ فقيل لك: من إدرار السلطان، استنكفت منه، ولم تعتبر علمه وعمله، وجعلتهما هباء منثوراً.
الحديث الخامس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((دعاء)) مبتدأ موصوف، خبره ((لا أدعه)) وفي هذا التركيب من اللطف ما لا يخفي علي الذكي. قوله: ((اجعلني)) بمعنى صيرني، ولذلك أتى بالمفعول الثاني فعلاً؛ لأنه صار من دواخل المبتدأ والخبر، نحوه قوله تعالي: ﴿وتركهم في ظلمات﴾ إذا جعل ((ترك)) بمعنى صار، و ((النصح)) يجري في فعل أو قول فيه صلاح صاحبه، قال تعالي: ﴿لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم﴾ والنصح والوصية في الحديث متقاربان.
الحديث السادس والسابع عن أم معبد: قوله: ((خائنة الأعين)) -الكشاف-: (الخائنة)) صفة
стр. 1429
٢٥٠٢ - وعن أنس: أن رسول الله ﷺ عاد رجلاً من المسلمين قد خفت، فصار مثل الفرخ. فقال له رسول الله ﷺ : ((هل كنت تدعو الله بشيء أو تسأله إياه؟)). قال: نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا. فقال رسول الله ﷺ : ((سبحان الله! لا تطيقه ولا تستطيعه؛ أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار؟)). قال: فدعا الله به، فشفاه الله. رواه مسلم.
٢٥٠٣ - وعن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه)). قالوا: وكيف يذل نفسه؟ قال: ((يتعرض من البلاء لما لا يطيق)). رواه الترمذي، وابن ماجه، والبيهقي في ((شعب الإيمان)). وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. [٢٥٠٣]
ــ
لـ ((النظرة))، أو مصدر بمعنى الخيانة كالعافية بمعنى المعافاة، والمراد استراق النظر إلي مت لا يحل كما يفعل أهل الريب، ولا يحسن أن يراد الخائنة من الأعين؛ لأن قوله: ((وما تخفي الصدور)) لا يساعد عليه. أقول: يريد أنه لا يجوز أن يجعل الإضافة محضة، بل يكون إضافة محضة، بل يكون إضافة العامل إلي معموله؛ ليناسب قرينته في العمل، كأنه قيل: تعلم نظرة الأعين وخيانتها، وما تخفي الصدور. وفيه بحث؛ لأن تقلب القلب أكثر تجدداً واستمراراً من خيانة العين، فوجب الاختلاف، نحوه قوله تعالي: ﴿الله يستهزئ بهم﴾ رداً لقولهم: ﴿إنما نحن مستهزؤن﴾ حيث قوبلت الجملة الاسمية المحضة بما يشتمل علي الفعل المضارع.
الحديث الثامن عن أنس ﵁: قوله: ((قد خفت)) أي ضعف، خفت الصوت إذا ضعف وسكن. قوله: ((أو تسأله إياه)) الظاهر أن ((أو)) ليس من شك الراوي، بل هو من قوله ﷺ ، سأله أولاً هل دعوت الله بشيء من الأدعية التي تسأل فيها مكروه؟ أو هل سألت الله البلاء الذي أنت فيه؟ وعلي هذا تعين عود الضمير المنصوب إلي البلاء المفهوم من قوله: ((قد خفت)) فيكون قد عم أولاً وخص ثإنياً. قوله: ((ما كنت)) ((ما)) يجوز أن تكون شرطية، و ((فجعله)) جزاؤه، أو موصولة. وقوله: ((فعجله)) خبره و ((الفاء)) لتضمنها معنى الشرط. وقوله: ((لا تطيقه)) بعد ما صار الرجل كالفرج، وبعد قوله ((كنت أقول)) لحكاية الحال الماضية المستمرة إلي الحال والاستقبال.
الحديث التاسع عن حذيفة ﵁: قوله: ((لما يطيق)) متعلق بقوله: ((يتعرض)) و ((من البلاء)) بيان ((ما)).
стр. 1430
٢٥٠٤ - وعن عمر ﵁، قال: علمني رسول الله ﷺ قال: ((قل: اللهم اجعل سريرتي خيراً من علإنيتي، واجعل علإنيتي صالحةً، اللهم إني أسألك من صالح ما تؤتي الناس من الأهل والمال والولد غير الضال ولا المضل)). رواه الترمذي. [٢٥٠٤]
كتاب المناسك
الفصل الأول
٢٥٠٥ - عن أبي هريرة، قال: ((خطبنا رسول الله ﷺ فقال: ((يا أيها الناس! قد
فرض عليكم الحج فحجوا)) فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها
ــ
الحديث العاشر عن عمر ﵁ قوله: ((قل: اللهم)) بيان لقوله: ((علمني)). قوله: ((سريرتي خيراً)) الجوهري: السر الذي يكتم، والجمع الأسرار، والسريرة مثله، طلب أولاً سريرة خيراً من العلإنية، ثم عقبه بطلب علإنية صالحة؛ لدفع توهم أن السريرة ربما تكون خيراً من علإنية غير صالحة. قوله: ((من صالح)) ((من)) زائدة علي مذهب الأخفش، و ((من)) الثانية بيان ((ما)) ويجوز أن يكون بمعنى البعض. وقوله: ((غير الضال)) مجرور بدل من كل واحد من الأهل، والمال، والولد علي سبيل البدل، والضال ها هنا يحتمل أن يكون للنسبة، أي غير ذي ضلال. والله أعلم بالصواب.
كتاب المناسك
النسك العبادة، والناسك العابد، واختص بأعمال الحج والمناسك مواقف النسك وأعمالها، والنسيكة مختصة بالذبيحة.
الفصل الأول
الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((عليكم الحج)) ((قض)): الحج في اللغة القصد، وفي
الشرع قصد البيت علي الوجه المخصوص في الزمان المخصوص، وهو شوال وذو القعدة وعشر ليال من
ذي الحجة. ((فقال رجل)) يعني الأقرع بن حابس: ((أكل عام)) أي أتأمرنا أن نحج كل عام؟ وهذا يدل
علي أن مجرد الأمر لا يفيد التكرار، ولا المرة، وإلا لما صح الاستفهام. وإنما سكت ﷺ
حتى قالها ثلاثاً زجراً له عن السؤال، فإن التقدم بين يدي رسول الله ﷺ منهي عنه لقوله تعالي:
﴿لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾؛ لأنه ﷺ مبعوث لبيان
стр. 1431
ثلاثاً. فقال: ((لو قلتُ: نعم لوجبت ولما استطعتم)) ثم قال: ذروني ما تركتكم، فإنما
ــ
الشرائع، وتبليغ الأحكام، فلو وجب الحج كل سنة لبينه الرسول صلوات الله عليه لا محالة، ولا يقتصر علي الأمر به مطلقاً، سواء سئل عنه أو لم يسأل، فيكون السؤال استعجالاً ضائعاً. ثم لما رأي أنه لا ينزجر به ولا يقنع إلا بالجواب الصريح، أجاب عنه بقوله: ((ولو قلت نعم لوجبت كل عام حجة)) فأفاد به أنه لا يجب كل عام، لما في ((لو)) من الدلالة علي نتفاء الشيء لانتفاء غيره، وأنه إنما لم يتكرر؛ لما فيه من الحرج، والكلفة الشاقة. ونبه علي أن العاقل ينبغي له أن لا يستقبل الكلف الخارجة عن سمعه، وأن لا يسأل عن شيء إن يبد له أساءه.
واحتج بهذا الحديث من جوز تفويض الحكم إلي رأي النبي ﷺ ، فيقول الله له: احكم بما شئت، فإنك لا تحكم إلا بالصواب، فإن قوله ﷺ : ((لو قلت نعم لوجبت)) يدل علي أنه كان إليه إيجاب ما شاء. وهو ضعيف؛ لأن قوله: ((لو قلت)) أعم من أن يكون قولاً من تلقاء نفسه أو من وحي نازل، أو رأي يراه إن جوزنا له الاجتهاد، والدال علي الأعم لا يدل علي الأخص، لكنه يدل علي أن الأمر للوجوب؛ لأن قوله: ((لو قلت نعم لوجبت)) تقديره: لو قلت: نعم حجوا كل سنة، لوجبت كل عام حجة. وذلك إنما يصح إذا كان الأمر مقتضياً للوجوب.
أقول: والاستدلال بسؤال الرجل علي أن الأمر لا يفيد التكرار ولا المرة ضعيف؛ لأن الإنكار وارد علي السؤال الذي لم يقع موقعه، ولهذا زجره، وقال: ((ذروني ما تركتكم)) فعم الخطاب يعني اقتصروا علي ما أمرتكم، فأتوا به علي قدر استطاعتكم. وكذا قوله تعالي: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ نازل في هذا الشأن، فقد علم أن الرجل لو لم يسأل لم يفد الأمر غير المرة، وأن التكرار مفتقر إلي دليل خارجي. وفي قوله ((لو قلت نعم))، أيضاً بحث؛ لأن القول إذا صرح به يجب أن يجري علي حقيقته إلا إذا منع مانع، فيجري علي المجاز. لنا قوله ﷺ : ((أيحسب أحدكم أن يكون متكئاً علي أريكته، يظن أن الله تعالي لم يحرم شيئاً إلا ما في هذا القرآن، ألا إني والله قد أمرت، ووعظت، ونهيت عن أشياء، إنها لمثل القرآن أو أكثر)) رواه عرباض. وفي حديث مقدام ((إنما حرم رسول الله كما حرم الله)) وفي تسميته ﷺ نفسه رسول الله إشعار باستقلاله في الأمر والنهي، وكذلك القسم في الحديث الأول مؤذن بالغضب الشديد علي المنكر ووصفه بالاتكاء علي الأريكة شبعان من هذا القبيل. وفي قوله: ((لما استطعتم)) إشارة إلي أن بناء الأمر علي اليسر والسهولة، لا العسر والصعوبة، كما ظن السائل.
قوله ((ذروني ما تركتكم)) ((مح)): فيه دليل علي أن الأصل عدم الوجوب، وأنه لا تكليف قبل ورود الشرع؛ لقوله تعالي: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾.
стр. 1432
هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم علي أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه)). رواه مسلم.
٢٥٠٦ - وعنه، قال: سئل رسول الله ﷺ ،: أي العمل أفضل؟ قال: ((إيمان بالله ورسوله)). قيل: ثم ماذا؟ قال: ((الجهاد في سبيل الله)). قيل: ثم ماذا؟ قال: ((حج مبرور)). متفق عليه.
٢٥٠٧ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه)). متفق عليه.
ــ
وقوله: ((فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم)) من أجل قواعد الإسلام، ومن جوامع الكلم؛ لما يدخل فيه ما لا يحصى من الأحكام، كالصلاة بأنواعها، فإنه إذا عجز عن بعض أركانها، أو شروطها أتى بالباقي، وإذا عجز عن غسل بعض أعضاء الوضوء أو الغسل، أو غسل الممكن، وإذا وجد بعض ما يكفيه من الماء لطهارته أو لغسل النجاسة، فعل ما يمكن، وإذا وجد ما يستر بعض عورته أو حفظ بعض الفاتحة أتى بالممكن، وأشباهها غير محصور.
الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((أي العمل أفضل)) قد ورد كثير من أحاديث المفاضلة بين الأعمال علي منوال يشكل التوفيق بينها، والوجه في أول كتاب الصلاة. قوله: ((حج مبرور)) يقال: بره أحسن إليه، فهو مبرور، ثم قيل: بر الله عمله إذا قبله، كأنه أحسن إلي عمله بأن قبله ولم يرده، وعلامة كونه مقبولاً الإتيان بجميع أركانه وواجباته، مع إخلاص النية واجتناب ما نهي عنه.
قوله: ((إيمان بالله، والجهاد، وحج مبرور)) أخبار مبتدأ محذوف، نكر الإيمان؛ ليشعر بالتعظيم والتفخيم، أي التصديق المقارن بالإخلاص المستتبع للأعمال الصالحة. وعرف ((الجهاد)) ليدل علي الكمال، لأن الخبر المعرف باللام يدل علي الاختصاص، كما قال: ((فذلكم الرباط، فذلكم الرباط)) ووصف ((الحج)) بـ ((المبرور)) ليدلي بما يدلي التنكير في الإيمان، والتعريف في الجهاد. فإن قلت: لم لا يحملها علي الابتداء محذوفة الأخبار؟ قلت: يأبي التنكير في الإيمان ذلك، علي أن المقدر في الكل أفضل الأعمال، وهو أعرف من ((حج مبرور)) زمن ((إيمان بالله))، فأجرى الجهاد مجراهما مراعاة للتناسب.
الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((فلم يرفث)) ((نه)): الرفث التصريح
بذكر الجماع، والإعراب به. وقال الأزهري: هو كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة.
стр. 1433
٢٥٠٨ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((العمرة إلي العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة)). متفق عليه.
٢٥٠٩ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن عمرة في رمضان تعدل حجة)). متفق عليه.
٢٥١٠ - وعنه، قال: إن النبي ﷺ لقي ركباً بالروحاء، فقال: ((من القوم؟)) قالوا: المسلمون. فقالوا: من أنت؟ قال: ((رسول الله)) فرفعت إليه امرأة صبياً فقالت: ألهذا حج؟ قال: ((نعم، ولك أجر)) رواه مسلم.
ــ
وقال سعيد بن جبير في قوله تعالي: ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾: الرفث إتيان النساء، والفسوق السباب، والجدال المراء، يعني مع الرفقاء والخدم والمكارين. وإنما لم يذكر الجدال في الحديث اعتماداً علي الآية. ((والفاء)) في ((فلم يرفث)) معطوف علي الشرط، وجوابه ((رجع)) أي صار، والجار والمجرور خبر، ويجوز أن يكون حالاً، أي رجع مشابهاً لنفسه في البراءة عن الذنوب في يوم ولدته أمه.
الحديث الرابع والخامس عن ابن عباس ﵄: قوله: ((تعدل حجة)) ((مظ)): أي تقابل وتماثل في الثواب؛ لأن الثواب يفضل بفضيلة الوقت. أقول: هذا من باب المبالغة، وإلحاق الناقص بالكامل ترغيباً وبعثاً عليه، وإلا كيف يعدل ثواب العمرة ثواب الحج؟.
الحديث السادس عن ابن عباس ﵄ قوله: ((ركباً)) ((تو)) هو جمع راكب، كصاحب وصحب، وهم العشرة فما فوقها من أصحاب الإبل في السفر دون الدواب، و ((الروحاء)) بفتح الراء من أعمال الفرع علي نحو من أربعين ميلاً من المدينة، وفي كتاب مسلم: أنها علي ستة وثلاثين ميلاً منها.
قوله: ((ألهذا حج؟)) ((حج)) فاعل الظرف لاعتماده علي الهمزة، يعني أيحصل لهذا ثواب حج؟ وما قالت: أعلي هذا؛ لأنه لا يجب علي الأطفال. ((مظ)): هذا تصريح بصحة حج الصبي، وحصول الثواب له، ولمن حج به، فإذا بلغ ووجد الاستطاعة وجب عليه الحج، وكانت تلك الحجة نافلة.
الحديث السابع عن ابن عباس ﵄: قوله: ((شيخاً)) حال. وقوله: ((لا يثبت))
يجوز أن يكون صفة بعد صفة، وأن يكون من الأحوال المتداخلة، ويجوز أن يكون ((شيخاً))
стр. 1434
٢٥١١ - وعنه، قال: إن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله! إن فريضة الله علي عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت علي الراحلة، أفأحج عنه، قال: ((نعم)) وذلك حجة الوداع. متفق عليه.
٢٥١٢ - وعنه قال: أتى رجل النبي ﷺ فقال: إن أختي نذرت أن تحج، وإنها ماتت. فقال النبي ﷺ : ((لو كان عليها دين أكنت قاضيه؟)) قال: نعم قال: ((فاقض دين الله؛ فهو أحق بالقضاء)). متفق عليه.
٢٥١٣ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يخلون رجل بامرأةٍ، ولا تسافرن
ــ
بدلاً؛ لكونه موصوفاً أي وجب عليه الحج بأن أسلم وهو شيخ كبير، أو حصل له المال في هذه الحالة. والأول أوجه. قوله: ((أفأحج عنه)) الفاء الداخلة عليها الهمزة معطوفة علي محذوف، أي: أيصح مني أن أكون نائبة له فأحج عنه؟ ((حس)): فيه دليل علي أن حج المرأة عن الرجل يجوز، وزعم بعضهم أنه لا يجوز؛ لأن المرأة تلبس في الإحرام ما لا يلبسه الرجل، فلا يحج عنه إلا رجل مثله. وفيه دليل علي أن من مات، وفي ذمته حق الله تعالي من حج، أو كفارة، أو نذر صدقة، أو زكاة فإنه يجب قضاؤها من رأس ماله مقدماً علي الوصايا والميراث، سواء أوصى به أو لم يوص، كما يقضي عنه ديون العباد.
قوله: ((وذلك في حجة الوداع)) أي جرى في حجة الوداع. ((مح)): سميت بذلك، لأن النبي ﷺ ودع الناس فيها، ولم يحج بعد الهجرة غيرها، وكانت سنة عشرة من الهجرة. وفي صدر الحديث ((كان الفضل بن عباس رديف رسول الله ﷺ ، فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل رسول الله ﷺ يصرف وجه الفضل إلي الشق الآخر، فقالت: يا رسول الله! إن فريضة الله)) الحديث وفيه فوائد منها، جواز الإرداف علي الدابة إذا كانت مطيقة، وجواز سماع صوت الأجنبية عند الحاجة، ومنها تحريم النظر إلي الأجنبية. ومنها إزالة المنكر باليد لمن أمكنه.
الحديث الثامن عن ابن عباس ﵄: قوله: ((لو كان عليها دين)) في الحديث دليل علي أن السائل ورث منها مالاً، فسأل ما سأل، فقاس رسول الله ﷺ حق الله تعالي علي حق العباد، وأوجب الحج عليه، والجامع علة المالية.
الحديث التاسع عن ابن عباس ﵄: قوله: ((اكتتبت)) ((تو)): أي أثبت اسمي
стр. 1435
امرأة إلا ومعها محرم)). فقال رجل: يا رسول الله! اكتتبت في غزوة كذا وكذا، وخرجت امرأتي حاجة. قال: ((اذهب فاحجج مع امرأتك)) متفق عليه.
٢٥١٤ - وعن عائشة، قالت: استأذنت النبي ﷺ في الجهاد. فقال: ((جهادكن الحج)). متفق عليه.
٢٥١٥ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تسافر امرأة مسيرة يوم وليلة إلا ومعها ذو محرم)) متفق عليه.
ــ
في جملة من يخرج فيها، من قولهم: اكتتب الرجل، إذا كتب نفسه في ديوان السلطان، ويستعمل أيضاً في موضع كتب. وهو في الأكثر متعارف في المختلق، ومنه قوله تعالي: ﴿وقالوا أساطير الأولين اكتتبها﴾. وقيل: اكتتب أي أمر بأن يكتب له، كقولهم: اصطنع خاتماً، أي أمر بأن يصنع له، وفي الغريبين يقال: اكتتب فلان، أي سأل أن يكتب في جملة الزمني، ولا يندب للجهاد، وإذا أخذ الرجل من أمير جنده خطاً بزمانته ليتخلف عن الغزو، ولا زمانة به، بل فعل ذلك اعتلالاً، فقد اكتتبه.
أقول: الوجه هو الأول، فإن الصحابي جاء مستفتياً سائلاً عن أحد الأمرين اللازمين عليه فأفتاه النبي ﷺ بما هو أولي. ((مح)): في الجواب تقديم الأهم من الأمور المتعارضة؛ لأنه لما عرض له الغزو والحج رجح ﷺ الحج معها؛ لأن الغزو يقوم غيره في مقامه، بخلاف الحج معها، وليس لها محرم غيره.
الحديث العاشر والحادي عشر عن أبي هريرة ﵁ قوله: ((ذو محرم)) ((مح)): حقيقة المحرم من النساء التي يجوز النظر إليها والخلوة بها والمسافرة معها، كل من حرم نكاحها علي التأبيد بسبب مباح لحرمتها، فقولنا: ((علي التأبيد)) احتراز من أخت المرأة، وعمتها، وخالتها، ونحوهن. وقولنا: ((بسبب مباح)) احتراز من أم الموطوءة بشبهة وبنتها، فإنهما محرمتان علي التأبيد وليستا محرمين؛ لأن وطء الشبهة لا يوصف بالإباحة؛ لأنه ليس بفعل المكلف. وقولنا: ((لحرمتها)) احتراز من الملاعنة؛ فإنها محرمة علي التأبيد بسبب مباح، وليست محرمة؛ لأن تحريمها ليس لحرمتها بل عقوبة وتغليظاً.
وليس المراد من قوله: ((مسيرة يوم وليلة)) التحديد؛ لأن كل ما يسمى سفراً نهي المرأة أن تسافر فيه
بغير محرم؛ لرواية ابن عباس المطلقة: ((لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم)) وإنما كان ذلك عن
أمر واقع، فلا يعمل بالمفهوم. وقال: لا يشترط الأمن علي نفسها، ويشترط الأمن بزوج، أو
محرم، أو نسوة ثقات، فلو وجدت امرأة واحدة ثقة لم تلزمها، لكن يجوز لا الحج
стр. 1436
٢٥١٦ - وعن ابن عباس، قال: وقت رسول الله ﷺ لأهل المدينة: ذا الحليفة، ولأهل الشام: الجحفة، ولأهل نجد: قرن المنازل، ولأهل اليمن: يلملم؛ فهن لهن، ولمن أتي عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة، فمن كان دونهن فمهله من أهله، وكذاك وكذاك، حتى أهل مكة يهلون منها. متفق عليه.
ــ
معها، هذا هو الصحيح. قال القاضي عياض: اتفق العلماء علي أنه ليس لها أن تخرج في غير الحج والعمرة إلا مع ذي محرم إلا الهجرة من دار الحرب؛ لأن إقامتها في دار الكفر حرام إذا لم تستطع إظهار الدين، سواء فيما ذكرنا من الأحكام الشابة والكبيرة؛ لأن المرأة مظنة للشهوة، والطمع فيها؛ لأن لكل ساقطة لاقطة.
الحديث الثاني عشر عن ابن عباس ﵄: قوله: ((وقت)) ((قض)): الوقت في الأصل حد الشيء والتأقيت التحديد والتعيين، غير أن التركيب شاع في الزمان، وها هنا جاء علي أصله. والمعنى حد رسول الله ﷺ وعين لأهل المدينة ذا الحليفة، وهو ماء من مياه بني جثم، وحليفة تصغير حلفة كقضية، وهي بيت في الماء، وجمعها حلفاء. و ((جحفة)) موضع بين مكة والمدينة من الجانب الشامي، تحاذي ذي الحليفة، وكان اسمه مهيعة، فأجحف السيل بأهلها، فسميت جخفة، يقال: أجحف به إذا ذهب به. وسيل جُحاف -بالضم- إذا جرف الأرض وذهب به. و ((قرن)) -بسكون الراء- جبل مدور أملس، كأنه بيضة مطل علي عرفات. و ((يلملم)) جبل من جبال تهامة علي ليلتين من مكة. و ((المهل)) موضع الإهلال يريد به الموضع الذي يحرم منه؛ فيرفع في صوته بالتلبية للإحرام. وقوله: ((حتى أهل مكة يهلون منها)) يدل علي أن المكي ميقاته نفس مكة، سواء أحرم بحج أو عمرة، والمذهب أن المعتمر يخرج إلي أدنى الحل، فيعتمر منه؛ لأن النبي ﷺ أمر عائشة لما أرادت أن تعتمر بعد التحلل من الحج بأن تخرج إلي الحل فتحرم، والحديث مخصوص بالحج.
قوله: ((فهن لهن)) أي هذه المواقيت لأهلهن علي حذف المضاف، يدل علي خصوصية المضاف المحذوف، قوله بعده: ((ولمن أتى عليهن من غير أهلهن)). ((مح)): وقع عند بعض رواة البخاري ومسلم ((فهن لهم))، وكذا عند أبي داو وغيره. وقوله: ((من أتى عليهن من غير أهلهن)) معناه أن الشامي مثلاً إذا مر بميقات أهل المدينة في ذهابه، لزمه أن يحرم من ميقات المدينة، ولا يجوز له التأخير إلي ميقات الشام. وفي قوله: ((من أراد الحج والعمرة)) دلالة علي المذهب الصحيح أي من مر بالميقات لا يريد حجاً ولا عمرة لا يلزمه الإحرام لدخول مكة. وفيه دلالة علي أن الحج علي التراخي لا علي الفور. وقال أصحابنا: يجوز للمكي ومن ورد من الآفاق أن يحرم من جميع نواحي مكة بحيث لا يخرج عن نفس المدينة وسورها، وفي الأفضل قولان، أصحهما من باب داره، والثاني من المسجد الحرام تحت الميزاب.
стр. 1437
٢٥١٧ - وعن جابر، عن رسول الله ﷺ قال: ((مهل أهل المدينة من ذي الحليفة، والطريق الآخر الجحفة، ومهل أهل العراق من ذات عرق، ومهل أهل نجد قرن، ومهل أهل اليمن يلملم)). رواه مسلم.
٢٥١٨ - وعن أنس، قال: اعتمر رسول الله ﷺ أربع عمر كلهن في ذي القعدة، إلا التي كانت مع حجته: عمرة من الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة، وعمرة من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة مع حجته)) متفق عليه.
٢٥١٩ - وعن البراء بن عازب، قال: اعتمر رسول الله ﷺ في ذي القعدة قبل أن يحج مرتين. رواه البخاري.
الفصل الثاني
٢٥٢٠ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يا أيها الناس! إن الله
كتب عليكم الحج)). فقام الأقرع بن حابس فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ قال:
ــ
الحديث الثالث عسر عن جابر رضي الله: قوله: ((والطريق الآخر)) مرفوع علي حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، أي مهل الطريق الآخر الجحفة. ((تو)): ((مهل)) -بضم الميم وفتح الهاء- الموضع الذي وقت للإهلال منه، و ((ذات عرق)) موضع سمي بذلك؛ لأن هناك عرقاً، وهو الجبل الصغير، والعراق بلاد تذكر وتؤنث. قيل: إنما يقال لها: العراق؛ لوقوعها علي شاطئ دجلة والفرات، والعراق شاطئ البحر والنهر. ((مح)): اختلفوا في أن ذات العرق هل صار ميقاتاً بتوقيت النبي ﷺ ، أو باجتهاد عمر ﵁؟ والصحيح الثاني، نص الشافعي عليه في الأم.
الحديث الرابع والخامس عشر عن أنس ﵁: قوله: ((اعتمر)) ((غب)): العمرة الزيارة التي فيها عمارة الود، وجعل في الشريعة للقصد المخصوص. قوله: ((من الحديبية)) ((مح)) الحديبية: فيها لغتان، تخفيف الياء وتشديدها، والتخفيف هو الصحيح المختار، وهو قول الشافعي، وأهل اللغة، وبعض المحدثين، والتشديد قول الكسائي، وابن وهب، وجماهير المحدثين.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن ابن عباس ﵄: قوله: ((الحج مرة)) ((مرة)) خبر المبتدأ أي واحدة، فإن زاد فهو تطوع.
стр. 1438
((لو قلتها: نعم لوجبت، ولو وجبت لم تعملوا بها، ولم تستطيعوا، والحج مرة، فمن زاد فتطوع)). رواه أحمد، والنسائي، والدارمي. [٢٥٢٠]
٢٥٢١ - وعن علي [﵁]، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من ملك زاداً وراحلةً تبلغه إلي بيت الله ولم يحج؛ فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرإنياً، وذلك أن الله تبارك وتعالي يقول: ﴿ولله علي الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾. رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب، وفي إسناده مقال، وهلال بن عبد الله مجهول، والحارث يضعف في الحديث. [٢٥٢١]
٢٥٢٢ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا صرورة في الإسلام)). رواه أبو داود. [٢٥٢٢]
ــ
الحديث الثاني عن علي ﵁: قوله: ((تبلغه)) ((قض)): إنما وحد الضمير الذي في ((تبلغه)) والمرجع إليه شيئان؛ لأنهما في معنى الاستطاعة، والمعتبر هو المجموع. ويجوز أن يكون الضمير للراحلة، ويكون تقييدها غنية عن تقييد الزاد. وقوله: ((فلا عليه)) أي لا تفاوت عليه أن يموت يهودياً أو نصرإنياً. والمعنى: أن وفاته علي هذه الحالة، ووفاته علي اليهودية والنصرإنية سواء فيما فعله من كفران نعم الله، وترك ما أمر به والانهماك في معصيته، وهو من باب المبالغة والتشديد، والإيذان بعظمة شأن الحج. ونظيره قوله تعالي: ﴿ومن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾ فإنه وضع فيه ((ومن كفر)) موضع ((ومن لم يحج)) تعظيماً للحج، وتغليظاً علي تاركه.
قوله: ((وفي إسناده مقال)) ((تو)): وقد روى أيضاً معناه عن أبي أمامة، والحديث إذا روي من غير وجه وإن كن ضعيفاً غلب علي الظنون كونه حقاً. والله أعلم. أقول: قوله: ((علي اليهودية والنصرإنية)) إشارة إلي أن ((أو)) في قوله: ((أو نصرإنياً)) بمعنى الواو، كما في قوله تعالي: ﴿عذراً أو نذراً﴾ فيكون التخيير واقعاً بين كونه مؤمناً، وبين كونه كافراً، ليكون علي وزان قوله تعالي: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ في التهديد والتغليظ، لأن التخيير في مثل هذا ينبغي أن يكون بين الضدين. وعلي هذا يكون أصل التركيب: فلا بأس عليه أن يموت مؤمناً أو كافراً.
الحديث الثالث عن ابن عباس ﵄: قوله: ((لا صرورة)): -بالصاد المهملة- ((نه)):
стр. 1439
٢٥٢٣ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أراد الحج فليعجل)). رواه أبو داود، والدارمي. [٢٥٢٣]
٢٥٢٤ - وعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ((تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة)). رواه الترمذي، والنسائي. [٢٥٢٤]
٢٥٢٥ - ورواه أحمد، وابن ماجه عن عمر إلي قوله: ((خبث الحديد)).
ــ
قال أبو عبيدة: هو في الحديث التبتل وترك النكاح، أي ليس ينبغي لأحد أن يقول: لا أتزوج؛ لأنه ليس من أخلاق المؤمنين، وهو فعل الرهبان، والصرورة أيضاً الذي لم يحج قط، وأصله من الحبس والمنع. ((قض)): وظاهر هذا الكلام أيضاً يدل علي أن تارك الحج ليس بمسلم، والمراد منه أنه لا ينبغي أن يكون في الإسلام أحد يستطيع الحج ولا يحج، فعبر عنه بهذه العبارة للتشديد والتغليظ.
الحديث الرابع عن ابن عباس ﵄: قوله: ((من أراد)) أي قدر علي أداء الحج؛ لأن الإرادة مبدأ الفعل، والفعل مسبوق بالقدرة، فأطلق أحد سببي الفعل، وأراد الآخر، والعلاقة هي الملابسة، لأ، معنى ((فليتعجل)) فليغتنم الفرصة إذا وجد الاستطاعة من القوت والزاد والراحلة، قبل أن يمنع مانع لم يقدر عليه. وروي: ((حجوا قبل أن لا تحجوا، حجوا قبل أن يمنع البر جانبه)). ((مظ)): وهذا أمر استحباب، لأن تأخير الحج جائز من وقت وجوبه إلي آخر العمر.
الحديث الخامس عن ابن مسعود ﵁ قوله: ((تابعوا)) أي إذا حججتم فاعتمروا، أو إذا اعتمرتم فحجوا. وإزالته الفقر كزيادة الصدقة بالمال، ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل﴾ الآية، مثل متابعة الحج والعمرة في إزالة الذنوب بإزالة النار خبث الذهب الإبريز الذي استصحبه من معدنه؛ لأن الإنسان مركوز في جبلته القوة الشهوإنية والغضبية، يحتاج إلي رياضة تزيلها عنه، هذا إذا كان معصوماً، فكيف بمن تابع هوى النفس، خليع العذار، منهمكاً في المعاصي؟ والحج جامع لأنواع الرياضات من إنفاق المال، وجهد النفس بالجوع والعطش والسهر، وقطع المهامه واقتحام المهالك، ومفارقة الأوطان، ومهاجرة الإخوان والأخدان.
стр. 1440
٢٥٢٦ - وعن ابن عمر، قال: جاء رجل إلي النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! ما يوجب الحج؟ قال: ((الزاد والراحلة)). رواه الترمذي، وابن ماجه. [٢٥٢٦]
٢٥٢٧ - وعنه، قال: سأل رجل رسول الله ﷺ فقال: ما الحاج؟ فقال: ((الشعث النفل)). فقام آخر، فقال: يا رسول الله! أي الحج أفضل؟ قال: ((العج والثج)). فقام آخر، فقال: يا رسول الله! ما السبيل؟ قال: ((زاد وراحلة)). رواه في ((شرح السنة)). وروى ابن ماجه في ((سننه)) إلا أنه لم يذكر الفصل الأخير. [٢٥٢٧].
ــ
الحديث السادس والسابع عن ابن عمر ﵄: قوله: ((ما الحاج)) ((ما)) يسأل بها عن الجنس، أو عن الوصف، والمراد الثاني لجوابه ﷺ : ((الشعث التفل)) الشعث: هو المغبر الرأس الذي لم يمتشط، و ((التفل)) أن لا يتطيب من تفل الشيء من فيه، إذا رمى به متكرهاً له. وإنما ذكر هذين الوصفين لما فيهما من المعنى البالغ في سمت المحرم وهديه، ثم إنه ﷺ كان يجيب السائل علي ما يعرفه من حاله، ويتوسم فيه من الأمارات الدالة علي مقصده؛ فلعله أجاب بذلك بناءً علي ما تبين له من مغزاه. ((مظ)): إذا أحرم الرجل لا يمتشط رأسه ولحيته، لئلا ينتف الشعر، فإن امتشط ولم ينتف الشعر فلا بأس، وإن نتف لزمه دم بثلاث شعرات أو أكثر. وفي شعره مد أو درهم علي الخلاف، وكذا الشعرتان. وأما استعمال الطيب فحرام، ويجب فيه دم شا’.
قوله ((أي الحج)) ((تو)): يعني أي أعمال الحج أفضل؟ حذف المضاف وأقام إليه مقامه، وأراد بالحج رفع الصوت بالتلبية، وبالثج سيلان دم الهدي، ويحتمل أن يكون السؤال عن الحج نفسه، ويكون قوله: ((العج والثج)) أي الذي فيه العج والثج.
أقول: يمكن أن يراد بهما الاستيعاب، فابتدأ بالإحرام الذي هو الإهلال، وانتهي بالتحليل الذي هو إهراق دم الهدي، فاختصر اقتصاراً بالمبدأ والمنتهي عن سائر الأعمال، ونحوه قوله تعالي ﴿كما أرسلنا إلي فرعون رسولاً- إلي قوله- فأخذناه أخذاً وبيلاً﴾ فينطبق علي هذا الجواب علي السؤال، أي أفضل الحج ما استوعب فيه جميع أعماله من الأركان، والمندوبات وغيرهما. والتعريف في ((السبيل)) للعهد، والمعهود المنكر في قوله تعالي: ﴿من استطاع إليه سبيلاً﴾ والفصل الأخير قوله: ((فقام آخر قائلاً: ما السبيل؟)).
следующие страницы →