← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122257

شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن

الطيبي

Полный текст (3 308 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

٢٥١٦ - وعن ابن عباس، قال: وقت رسول الله ﷺ لأهل المدينة: ذا الحليفة، ولأهل الشام: الجحفة، ولأهل نجد: قرن المنازل، ولأهل اليمن: يلملم؛ فهن لهن، ولمن أتي عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة، فمن كان دونهن فمهله من أهله، وكذاك وكذاك، حتى أهل مكة يهلون منها. متفق عليه. ــ معها، هذا هو الصحيح. قال القاضي عياض: اتفق العلماء علي أنه ليس لها أن تخرج في غير الحج والعمرة إلا مع ذي محرم إلا الهجرة من دار الحرب؛ لأن إقامتها في دار الكفر حرام إذا لم تستطع إظهار الدين، سواء فيما ذكرنا من الأحكام الشابة والكبيرة؛ لأن المرأة مظنة للشهوة، والطمع فيها؛ لأن لكل ساقطة لاقطة. الحديث الثاني عشر عن ابن عباس ﵄: قوله: ((وقت)) ((قض)): الوقت في الأصل حد الشيء والتأقيت التحديد والتعيين، غير أن التركيب شاع في الزمان، وها هنا جاء علي أصله. والمعنى حد رسول الله ﷺ وعين لأهل المدينة ذا الحليفة، وهو ماء من مياه بني جثم، وحليفة تصغير حلفة كقضية، وهي بيت في الماء، وجمعها حلفاء. و ((جحفة)) موضع بين مكة والمدينة من الجانب الشامي، تحاذي ذي الحليفة، وكان اسمه مهيعة، فأجحف السيل بأهلها، فسميت جخفة، يقال: أجحف به إذا ذهب به. وسيل جُحاف -بالضم- إذا جرف الأرض وذهب به. و ((قرن)) -بسكون الراء- جبل مدور أملس، كأنه بيضة مطل علي عرفات. و ((يلملم)) جبل من جبال تهامة علي ليلتين من مكة. و ((المهل)) موضع الإهلال يريد به الموضع الذي يحرم منه؛ فيرفع في صوته بالتلبية للإحرام. وقوله: ((حتى أهل مكة يهلون منها)) يدل علي أن المكي ميقاته نفس مكة، سواء أحرم بحج أو عمرة، والمذهب أن المعتمر يخرج إلي أدنى الحل، فيعتمر منه؛ لأن النبي ﷺ أمر عائشة لما أرادت أن تعتمر بعد التحلل من الحج بأن تخرج إلي الحل فتحرم، والحديث مخصوص بالحج. قوله: ((فهن لهن)) أي هذه المواقيت لأهلهن علي حذف المضاف، يدل علي خصوصية المضاف المحذوف، قوله بعده: ((ولمن أتى عليهن من غير أهلهن)). ((مح)): وقع عند بعض رواة البخاري ومسلم ((فهن لهم))، وكذا عند أبي داو وغيره. وقوله: ((من أتى عليهن من غير أهلهن)) معناه أن الشامي مثلاً إذا مر بميقات أهل المدينة في ذهابه، لزمه أن يحرم من ميقات المدينة، ولا يجوز له التأخير إلي ميقات الشام. وفي قوله: ((من أراد الحج والعمرة)) دلالة علي المذهب الصحيح أي من مر بالميقات لا يريد حجاً ولا عمرة لا يلزمه الإحرام لدخول مكة. وفيه دلالة علي أن الحج علي التراخي لا علي الفور. وقال أصحابنا: يجوز للمكي ومن ورد من الآفاق أن يحرم من جميع نواحي مكة بحيث لا يخرج عن نفس المدينة وسورها، وفي الأفضل قولان، أصحهما من باب داره، والثاني من المسجد الحرام تحت الميزاب.

стр. 1437

٢٥١٧ - وعن جابر، عن رسول الله ﷺ قال: ((مهل أهل المدينة من ذي الحليفة، والطريق الآخر الجحفة، ومهل أهل العراق من ذات عرق، ومهل أهل نجد قرن، ومهل أهل اليمن يلملم)). رواه مسلم. ٢٥١٨ - وعن أنس، قال: اعتمر رسول الله ﷺ أربع عمر كلهن في ذي القعدة، إلا التي كانت مع حجته: عمرة من الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة، وعمرة من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة مع حجته)) متفق عليه. ٢٥١٩ - وعن البراء بن عازب، قال: اعتمر رسول الله ﷺ في ذي القعدة قبل أن يحج مرتين. رواه البخاري. الفصل الثاني ٢٥٢٠ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يا أيها الناس! إن الله كتب عليكم الحج)). فقام الأقرع بن حابس فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ قال: ــ الحديث الثالث عسر عن جابر رضي الله: قوله: ((والطريق الآخر)) مرفوع علي حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، أي مهل الطريق الآخر الجحفة. ((تو)): ((مهل)) -بضم الميم وفتح الهاء- الموضع الذي وقت للإهلال منه، و ((ذات عرق)) موضع سمي بذلك؛ لأن هناك عرقاً، وهو الجبل الصغير، والعراق بلاد تذكر وتؤنث. قيل: إنما يقال لها: العراق؛ لوقوعها علي شاطئ دجلة والفرات، والعراق شاطئ البحر والنهر. ((مح)): اختلفوا في أن ذات العرق هل صار ميقاتاً بتوقيت النبي ﷺ ، أو باجتهاد عمر ﵁؟ والصحيح الثاني، نص الشافعي عليه في الأم. الحديث الرابع والخامس عشر عن أنس ﵁: قوله: ((اعتمر)) ((غب)): العمرة الزيارة التي فيها عمارة الود، وجعل في الشريعة للقصد المخصوص. قوله: ((من الحديبية)) ((مح)) الحديبية: فيها لغتان، تخفيف الياء وتشديدها، والتخفيف هو الصحيح المختار، وهو قول الشافعي، وأهل اللغة، وبعض المحدثين، والتشديد قول الكسائي، وابن وهب، وجماهير المحدثين. الفصل الثاني الحديث الأول عن ابن عباس ﵄: قوله: ((الحج مرة)) ((مرة)) خبر المبتدأ أي واحدة، فإن زاد فهو تطوع.

стр. 1438

((لو قلتها: نعم لوجبت، ولو وجبت لم تعملوا بها، ولم تستطيعوا، والحج مرة، فمن زاد فتطوع)). رواه أحمد، والنسائي، والدارمي. [٢٥٢٠] ٢٥٢١ - وعن علي [﵁]، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من ملك زاداً وراحلةً تبلغه إلي بيت الله ولم يحج؛ فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرإنياً، وذلك أن الله تبارك وتعالي يقول: ﴿ولله علي الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾. رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب، وفي إسناده مقال، وهلال بن عبد الله مجهول، والحارث يضعف في الحديث. [٢٥٢١] ٢٥٢٢ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا صرورة في الإسلام)). رواه أبو داود. [٢٥٢٢] ــ الحديث الثاني عن علي ﵁: قوله: ((تبلغه)) ((قض)): إنما وحد الضمير الذي في ((تبلغه)) والمرجع إليه شيئان؛ لأنهما في معنى الاستطاعة، والمعتبر هو المجموع. ويجوز أن يكون الضمير للراحلة، ويكون تقييدها غنية عن تقييد الزاد. وقوله: ((فلا عليه)) أي لا تفاوت عليه أن يموت يهودياً أو نصرإنياً. والمعنى: أن وفاته علي هذه الحالة، ووفاته علي اليهودية والنصرإنية سواء فيما فعله من كفران نعم الله، وترك ما أمر به والانهماك في معصيته، وهو من باب المبالغة والتشديد، والإيذان بعظمة شأن الحج. ونظيره قوله تعالي: ﴿ومن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾ فإنه وضع فيه ((ومن كفر)) موضع ((ومن لم يحج)) تعظيماً للحج، وتغليظاً علي تاركه. قوله: ((وفي إسناده مقال)) ((تو)): وقد روى أيضاً معناه عن أبي أمامة، والحديث إذا روي من غير وجه وإن كن ضعيفاً غلب علي الظنون كونه حقاً. والله أعلم. أقول: قوله: ((علي اليهودية والنصرإنية)) إشارة إلي أن ((أو)) في قوله: ((أو نصرإنياً)) بمعنى الواو، كما في قوله تعالي: ﴿عذراً أو نذراً﴾ فيكون التخيير واقعاً بين كونه مؤمناً، وبين كونه كافراً، ليكون علي وزان قوله تعالي: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ في التهديد والتغليظ، لأن التخيير في مثل هذا ينبغي أن يكون بين الضدين. وعلي هذا يكون أصل التركيب: فلا بأس عليه أن يموت مؤمناً أو كافراً. الحديث الثالث عن ابن عباس ﵄: قوله: ((لا صرورة)): -بالصاد المهملة- ((نه)):

стр. 1439

٢٥٢٣ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أراد الحج فليعجل)). رواه أبو داود، والدارمي. [٢٥٢٣] ٢٥٢٤ - وعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ((تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة)). رواه الترمذي، والنسائي. [٢٥٢٤] ٢٥٢٥ - ورواه أحمد، وابن ماجه عن عمر إلي قوله: ((خبث الحديد)). ــ قال أبو عبيدة: هو في الحديث التبتل وترك النكاح، أي ليس ينبغي لأحد أن يقول: لا أتزوج؛ لأنه ليس من أخلاق المؤمنين، وهو فعل الرهبان، والصرورة أيضاً الذي لم يحج قط، وأصله من الحبس والمنع. ((قض)): وظاهر هذا الكلام أيضاً يدل علي أن تارك الحج ليس بمسلم، والمراد منه أنه لا ينبغي أن يكون في الإسلام أحد يستطيع الحج ولا يحج، فعبر عنه بهذه العبارة للتشديد والتغليظ. الحديث الرابع عن ابن عباس ﵄: قوله: ((من أراد)) أي قدر علي أداء الحج؛ لأن الإرادة مبدأ الفعل، والفعل مسبوق بالقدرة، فأطلق أحد سببي الفعل، وأراد الآخر، والعلاقة هي الملابسة، لأ، معنى ((فليتعجل)) فليغتنم الفرصة إذا وجد الاستطاعة من القوت والزاد والراحلة، قبل أن يمنع مانع لم يقدر عليه. وروي: ((حجوا قبل أن لا تحجوا، حجوا قبل أن يمنع البر جانبه)). ((مظ)): وهذا أمر استحباب، لأن تأخير الحج جائز من وقت وجوبه إلي آخر العمر. الحديث الخامس عن ابن مسعود ﵁ قوله: ((تابعوا)) أي إذا حججتم فاعتمروا، أو إذا اعتمرتم فحجوا. وإزالته الفقر كزيادة الصدقة بالمال، ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل﴾ الآية، مثل متابعة الحج والعمرة في إزالة الذنوب بإزالة النار خبث الذهب الإبريز الذي استصحبه من معدنه؛ لأن الإنسان مركوز في جبلته القوة الشهوإنية والغضبية، يحتاج إلي رياضة تزيلها عنه، هذا إذا كان معصوماً، فكيف بمن تابع هوى النفس، خليع العذار، منهمكاً في المعاصي؟ والحج جامع لأنواع الرياضات من إنفاق المال، وجهد النفس بالجوع والعطش والسهر، وقطع المهامه واقتحام المهالك، ومفارقة الأوطان، ومهاجرة الإخوان والأخدان.

стр. 1440

٢٥٢٦ - وعن ابن عمر، قال: جاء رجل إلي النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! ما يوجب الحج؟ قال: ((الزاد والراحلة)). رواه الترمذي، وابن ماجه. [٢٥٢٦] ٢٥٢٧ - وعنه، قال: سأل رجل رسول الله ﷺ فقال: ما الحاج؟ فقال: ((الشعث النفل)). فقام آخر، فقال: يا رسول الله! أي الحج أفضل؟ قال: ((العج والثج)). فقام آخر، فقال: يا رسول الله! ما السبيل؟ قال: ((زاد وراحلة)). رواه في ((شرح السنة)). وروى ابن ماجه في ((سننه)) إلا أنه لم يذكر الفصل الأخير. [٢٥٢٧]. ــ الحديث السادس والسابع عن ابن عمر ﵄: قوله: ((ما الحاج)) ((ما)) يسأل بها عن الجنس، أو عن الوصف، والمراد الثاني لجوابه ﷺ : ((الشعث التفل)) الشعث: هو المغبر الرأس الذي لم يمتشط، و ((التفل)) أن لا يتطيب من تفل الشيء من فيه، إذا رمى به متكرهاً له. وإنما ذكر هذين الوصفين لما فيهما من المعنى البالغ في سمت المحرم وهديه، ثم إنه ﷺ كان يجيب السائل علي ما يعرفه من حاله، ويتوسم فيه من الأمارات الدالة علي مقصده؛ فلعله أجاب بذلك بناءً علي ما تبين له من مغزاه. ((مظ)): إذا أحرم الرجل لا يمتشط رأسه ولحيته، لئلا ينتف الشعر، فإن امتشط ولم ينتف الشعر فلا بأس، وإن نتف لزمه دم بثلاث شعرات أو أكثر. وفي شعره مد أو درهم علي الخلاف، وكذا الشعرتان. وأما استعمال الطيب فحرام، ويجب فيه دم شا’. قوله ((أي الحج)) ((تو)): يعني أي أعمال الحج أفضل؟ حذف المضاف وأقام إليه مقامه، وأراد بالحج رفع الصوت بالتلبية، وبالثج سيلان دم الهدي، ويحتمل أن يكون السؤال عن الحج نفسه، ويكون قوله: ((العج والثج)) أي الذي فيه العج والثج. أقول: يمكن أن يراد بهما الاستيعاب، فابتدأ بالإحرام الذي هو الإهلال، وانتهي بالتحليل الذي هو إهراق دم الهدي، فاختصر اقتصاراً بالمبدأ والمنتهي عن سائر الأعمال، ونحوه قوله تعالي ﴿كما أرسلنا إلي فرعون رسولاً- إلي قوله- فأخذناه أخذاً وبيلاً﴾ فينطبق علي هذا الجواب علي السؤال، أي أفضل الحج ما استوعب فيه جميع أعماله من الأركان، والمندوبات وغيرهما. والتعريف في ((السبيل)) للعهد، والمعهود المنكر في قوله تعالي: ﴿من استطاع إليه سبيلاً﴾ والفصل الأخير قوله: ((فقام آخر قائلاً: ما السبيل؟)).

стр. 1441

٢٥٢٨ - وعن أبي رزين العقيلي، أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن. قال: ((حج عن أبيك واعتمر)). رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. [٢٥٢٨] ٢٥٢٩ - وعن ابن عباس، قال: إن رسول الله ﷺ سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة. قال: ((من شبرمة؟)) قال: أخ لي أو قريب لي. قال: ((أحججت عن نفسك؟)) قال: لا. قال: ((حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة)). رواه الشافعي، وأبو داود، وابن ماجه. [٢٥٢٩]. ٢٥٣٠ - وعنه، قال: وقت رسول الله ﷺ لأهل المشرق العقيق. رواه الترمذي، وأبو داود. ــ الحديث الثامن والتاسع عن أبي رزين: قوله: ((ولا الظعن)) ((تو)): ((الظعن)) - بفتح الظاء وسكون العين- الرحلة، وكذلك بالتحريك. وذكر ذلك علي وجه البيان للحال التي انتهي إليها من كبر السن، أي لا يقوى علي السير، ولا علي الركوب. أقول: يمكن أن يكنى به عن القوة، ويراد بنفي الاستطاعة عدم الزاد والراحلة، كأنه قال: ليس له زاد ولا راحلة ولا قوة، بعد أن وجب عليه الحج. ((مظ)): يحتمل أن يريد بقوله: ((لا يستطيع الحج والعمرة)) الذهاب إليهما راجلاً، وبالظعن ركوب الدابة. ((شف)): فيه دليل علي جواز النيابة في الحج، وفي الحديث الآتي دليل علي أ، النيابة إنما تجوز بعد فرض الحج. ((حس)): سئل عبد الله بن أبي أوفي عن الرجل لم يحج يستعرض الحج؟ فقال: لا. وهو قول الأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق؛ لأن إحرام الصرورة عن غيره ينقلب عن فرض نفسه. وذهب قوم إلي أنه يجوز، وهو قول الحسن، وعطاء، ومالك، والثوري، وأصحاب أبي حنيفة. ومن تطوع أو نذر وعليه فرض الحج، فحج، يقع عن فرضه عند الشافعي ﵁، ثم بعده لو أحرم عن التطوع يقع عن النذر، وقال مالك وأصحاب أبي حنيفة: يقع عن التطوع، والفرض في ذمته، فإن حجه علي ما نوى.

стр. 1442

٢٥٣١ - وعن عائشة، أن رسول الله ﷺ وقت لأهل العراق ذات عرق. رواه أبو داود، والنسائي. [٢٥٣١] ٢٥٣٢ - وعن أم سلمة، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلي المسجد الحرام؛ غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أو وجبت له الجنة)). رواه أبو داود، وابن ماجه. [٢٥٣٢] الفصل الثالث ٢٥٣٣ - عن ابن عباس، قال: كان أهل اليمن يحجون فلا يتزودون ويقولون: ــ الحديث العاشر والحادي عشر عن عائشة ﵂: قوله: ((ذات عرق)) ((قض)): هي موضع من شرقي مكة بينهما مرحلتان، يوازي قرن نجد، سمي بذلك؛ لأن هناك عرقاً، وهو الجبل الصغير. و ((العقيق)) موضع يقال: إنه قبيل ذات عرق، ويقال: إنه في حد ذات عرق من الطرف الأقصى، ولا اختلاف بين الحديثين، وفي صحة الحديثين مقال، والأصح عند الجمهور أن النبي ﷺ ما بين لأهل المشرق ميقاتاً، وإنما حد لهم عمر ﵁ حين فتح العراق، وهي بلاد من المشرق، إذ المراد منه ما يكون من شرقي مكة إلي آخر العمارات، وكان الشافعي يستحب للمشرقي عراقياً كان أو غيره أن يحرم من العقيق جمعاً بين الحديثين، وتفصياً عن الخلاف، فإن تحديد المواقيت وتعيينها للمنع عن مجاوزتها بلا إحرام لا عن الإحرام قبل ورودها. الحديث الثاني عشر عن أم سلمة ﵂: قوله: ((غفر له))؛ لأنه لا إهلال أفضل وأعلي من ذلك؛ لأنه أهل من أفضل البقاع ثم مر بالأفضل، ثم انتهي إلي الأفضل، فلا غرو أن يعامل معاملة أفضل البشر ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾. الفصل الثالث الحديث الأول عن ابن عباس ﵄: قوله: ((فلا يتزودون)) كان من الظاهر أن يقال: ((ولا يتزودون)) علي الحال، فجيء بالفاء إرادة يقصدون الحج، ويجوز أن يكون ((الفاء)) للسببية علي التعكيس، لأن قصد الحج سبب للتزود، فعكسوا كقوله تعالي: ﴿وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون﴾. قوله: ﴿فإن خير الزاد التقوى﴾ أي تزودوا واتقوا الاستطعام، وإبرام الناس، والتثقيل عليهم، فإن خير الزاد التقوى.

стр. 1443

نحن المتوكلون، فإذا قدموا مكة سألوا الناس. فأنزل الله تعالي: ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾. رواه البخاري. ٢٥٣٤ - وعن عائشة، قالت: قلت: يا رسول الله! علي النساء جهاد؟ قال: ((نعم، عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة)). رواه ابن ماجه. [٢٥٣٤] ٢٥٣٥ - وعن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من لم يمنعه من الحج حاجة ظاهرة أو سلطان جائر أو مرض حابس، فمات ولم يحج، فليمت إن شاء يهودياً وإن شاء نصرإنياً)). رواه الدارمي. [٢٥٣٥] ٢٥٣٦ - وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، أنه قال: ((الحاج والعمار وفد الله؛ إن دعوه أجابهم، وإن استغفروه غفر لهم)). رواه ابن ماجه. [٢٥٣٦] ٢٥٣٧ - وعنه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((وفد الله ثلاثة: الغازي، والحاج، والمعتمر)). رواه النسائي، والبيهقي في ((شعب الإيمان)). [٢٥٣٧] ــ الحديث الثاني عن عائشة ﵂: قوله: ((لا قتال فيه)) صفة ((جهاد)) وهو من أسلوب الرجوع، قرر أولاً ما سألت، وهو ((الجهاد)) ثم رجع عنه بقوله: ((لا قتال فيه)) نحو قوله تعالي: ﴿قل أذن خير لكم﴾ في جوابهم ﴿هو أذن﴾ أي نعم هو أذن، لكن أذن خير لكم، لا كما تزعمونه. و ((الحج)) يجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أو بدلاً من ((جهاد)). الحديث الثالث عن أبي أمامة ﵁: قوله: ((حاجة ظاهرة)) وهي فقد الزاد والراحلة. وقوله: ((فليمت)) جواب الشرط، وبقية الحديث مضى شرحه مستقصى. الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((الحاج)) ((نه)): الحاج والحاجة واحد الحجاج، وربما أطلقت الحاج علي الجماعة مجازاً، وقوله: ((عماراً)) أي معتمرين، قال الزمخشري: لم يجئ فيما أعلم عمر بمعنى اعتمر، ولكن عمر الله إذا عبده، فيحتمل أن يكون العمار جمع عامر من عمر بمعنى اعتمر، وإن لم نسمعه، ولعل غيرنا سمعه، وأن يكون مما استعمل منه بعض التصاريف دون بعض، كما قيل: يذر ويدع، و ((الوفد)) الذين يقصدون الأمراء لزيارة، واسترفاد، وانتجاع، وغير ذلك.

стр. 1444

٢٥٣٨ - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا لقيت الحاج فسلم عليه، وصافحه، ومره أن يستغفر لك قبل أن يدخل بيته، فإنه مغفور له)). رواه أحمد. [٢٥٣٨] ٢٥٣٩ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من خرج حاجاً أو معتمراً أو غازياً ثم مات في طريقه؛ كتب الله له أجر الغازي والحاج والمعتمر)). رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [٢٥٣٩] (١) باب الإحرام والتلبية الفصل الأول ٢٥٤٠ - عن عائشة [﵂]، قالت: كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك، كإني أنظر إلي وبيص الطيب في مفارق رسول الله ﷺ وهو محرم. متفق عليه. ــ الحديث الخامس والسادس عن ابن عمر ﵄: قوله: ((قبل أن يدخل بيته)) وذلك أنه وفد الله قدم إلي أهله، ولم يشتغل بخويصة نفسه. قال: تضوع أرواح نجد من ثيابهم ... عند القدوم لقرب العهد بالدار الحديث السابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((من خرج حاجاً)) الحديث من قوله تعالي: ﴿ومن يخرج من بيته مهاجراً إلي الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره علي الله﴾. ومن قال: إن من أجر الحج بعد أن وجب عليه، ثم قصد الحج بعد زمان فمات في الطريق فقد عصى، خالف هذا النص. والله أعلم. باب الإحرام التلبية الفصل الأول الحديث الأول عن عائشة ﵂: قوله: ((ولحله)) ((نه)): وفي حديث آخر ((لإحلاله، حين أحل)) يقال: حل المحرم يحل به حلالاً، وأحل يحل به إحلالاً، إذا حل له ما حرم عليه من محظورات الحج، ورجل حل من الإجرام أي حلال، ورجل حلال، أي غير محرم.

стр. 1445

٢٥٤١ - وعن ابن عمر [﵄]، قال: سمعت رسول الله ﷺ يهل ملبدًا يقول: ((لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك)). لا يزيد علي هؤلاء الكلمات. متفق عليه. ــ و ((الوبيص)): -بالصاد المهملة- البريق، وقد وبص الشيء وبيصاً. ((خط)): وفيه من الفقه أن المحرم إذا تطيب قبل إحرامه بطيب يبقى أثره عليه بعد الإحرام وإن بقى عليه بعد الإحرام لا يضره، ولا يوجب فدية، وهو مذهب أكثر الصحابة. ((قض)): ((المفارق)) جمع مفرق، وهو وسط الرأس. وإنما ذكرت بلفظ الجمع تعميماً لجوانب الرأس التي يفرق فيها. والمراد بوبيص الطيب فيها وهو محرم، أن فتات الطيب كان يبقى عليها بعد الإحرام بحيث تلمح فيها. وفي هذا الحديث: أن التطيب للإحرام والإحلال سنة لمداومة الرسول ﷺ ، وأن لا كراهية، ولا فدية في التطيب قبل الإحرام عند الشافعي، وكرهه مالك، وأوجب أبو حنيفة الفدية بما يبقى من أثره بعد الإحرام قياساً علي ما لو استدام لبس المخيط، وهو ضعيف؛ لأن استدامة اللبس لبس، واستدامة الطيب ليس بتطيب، ولذلك لو حلف أن لا يلبس وعليه ثوب، فاستدام لبسه حنث، ولو حلف لا يتطيب وعليه طيب فاستدامه لم يحنث. ثم إنه إن سلم عن القدح فلا يعارض الحديث المتفق علي صحته، وتأويل الحديث بأن المعنى بالطيب الدهن المطيب، أو الطيب الذي يبقى جرمه، ولا تبقى رائحته تعسف، لا يخفي ضعفه. ((مح)): ثبت في رواية مسلم أن ذلك الطيب كان ذريرة، وهو مما يذهبه الغسل، والمراد بالطواف طواف الإفاضة، ففيه دلالة لاستحبابة الطيب بعد رمي جمرة العقبة، والحلق قبل الطواف. الحديث الثاني عن ابن عمر ﵄: قوله: ((ملبداً)) ((مح)): التلبيد ضفر الرأس بالصمغ، والخطمي؛ ليضم الشعر ويلزقه بعضه ببعض، لئلا يشعث، ولا يقع فيه الهوام. والتلبية مثناة للتكثير والمبالغة، أي إجابة بعد إجابة، ولزوماً لطاعتك. قال سيبويه: ودليل قوله مثنى قلب الألف ياء مع المظهر، قال القاضي عياض: قيل: هذه الإجابة لقوله تعالي لإبراهيم: ﴿وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً﴾. و ((إن الحمد)) يروى بكسر الهمزة وفتحها، وهما مشهوران عند أهل الحديث. قال الخطابي: الفتح رواية العامة. وقال: ثعلب: الكسر أجود؛ لأن معناه أن الحمد والنعمة لك علي كل حال. ومعنى الفتح لبيك؛ لذلك السبب. قال الشافعي: التلبية سنة، وليست بشرط لصحة الحج، ولا واجبة، ولو تركها لا دم، ولكن فاتته الفضيلة، وقال بعض أصحابنا: هي واجبة تجبر بالدم، وقال بعضهم: هي شرط لصحة الإحرام، وقال مالك: ليست بواجبة، ومن تركها لزمه دم. قال الشافعي ومالك: ينعقد

стр. 1446

٢٥٤٢ - وعنه، قال: كان رسول الله ﷺ إذا أدخل رجله في الغرز، واستوت به ناقته قائمة، أهل من عند مسجد ذي الحليفة. متفق عليه. ٢٥٤٣ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ نصرخ بالحج صراخاً. رواه مسلم. ٢٥٤٤ - وعن أنس [﵁]، قال: كنت رديف أبي طلحة وإنهم ليصرخون بهما جميعاً: الحج والعمرة. رواه البخاري. ٢٥٤٥ - وعن عائشة، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع، فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل بالحج، وأهل رسول ــ الحج بالنية بالقلب من غير لفظ، وقال أبو حنيفة: لا ينعقد إلا بانضمام التلبية، أو سوق الهدي إلي النية وقال: ويجزئ عن التلبية ما في معناها. وقال أصحابنا: يستحب رفع الصوت بالتلبية بحيث لا يشق عليه إلا المرة، والإكثار منها، لاسيما عند تغير الأحوال، كإقبال الليل والنهار، والصعود والهبوط، واجتماع الرفقاء، والقيام والقعود، والركوب والنزول، وأدبار الصلوات، والتوالي فيها، فلا يقطعها بكلام، وإن سلم عليه رد، ويكره السلام عليه في هذا الحال، والصلاة علي النبي ﷺ بعدها، وسؤال الرضوان والجنة، والاستعاذة من النار لجميع المسلمين. ويلبي إلي أن يشرع في جمرة العقبة أو في طواف الإفاضة إن قدم عليها. ويستحب للمحرم مطلقاً، سواء كان محدثاً أو جنباً أو حائضاً، لقوله ﷺ : ((اصنعي ما نصنع غير أن لا تطوفي)). الحديث الثالث عن ابن عمر ﵄: قوله: ((في الغرز)) ((نه)): الغرز ركاب كور الحمل إذا كان من جلد أو خشب. وقيل: هو للكور مطلقاً مثل الركاب للسرج. قوله: ((واستوت به ناقته)) ((تو)): أي استوت ناقته قائمة ملتبسة برسول الله ﷺ ، نحوه قوله تعالي: ﴿وإذ فرقنا بكم البحر﴾ ((الكشاف)): ((بكم)) في موضع الحال بمعنى فرقناه ملتبساً بكم، كقوله: ((تدوس بنا الجماجم والتريبا. ((مح)): فيه دليل لمالك والشافعي علي أن الأفضل أن يهل إذا انبعث به راحلته، وأبو حنيفة: عقيب الصلاة وهو جالس، وهو قول ضعيف للشافعي. وفيه حديث ضعيف، وفيه أن التلبية لا تقدم علي الإحرام. الحديث الرابع إلي الحديث السادس عن عائشة ﵂: قوله: ((ومنا من أهل بالحج)) فإن

стр. 1447

الله ﷺ بالحج؛ فأما من أهل بعمرة فحل، وأما من أهل بالحج أو جمع الحج والعمرة فلم يحلوا حتى كان يوم النحر. متفق عليه. ــ قلت: ما فائدة التعرف فيه والتنكير في قرينته؟ قلت: التعرف فيه للعهد، والمعهود هو الحج الواقع في عهد النبي ﷺ ، والمتعارف فيما بين الصحابة من كونه مفرداً، وهو دليل قاطع للشافعي. ((خط)) و ((تو)): في حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان مفرداً، وفي حديث أنس أنه كان قارناً، وذلك قوله: ((وإنه ليصرخون بهما جميعاً الحج والعمرة)) وأراد بذلك النبي ﷺ ، ومن أهل معه بما هو به، وقد بين ذلك في حديث آخر، وهو حديث صحيح قال: سمعت رسول اله ﷺ يقول: ((لبيك عمرة وحجاً معاً)). وفي الصحاح أن بكر بن عبد الله المزني- وهو الراوي عن أنس- حدث بهذا الحديث ابن عمر فقال: ((لبى بالحج وحده)) قال: فلقيت أنساً، فحدثته بقول ابن عمر، فقال: ما يعدونا إلا صبيانا، سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لبيك عمرة وحجاً معاً)). والتوفيق بين هذه الروايات مشكل، ولابد منه، فإن ترك هذه الروايات علي حالها من الاختلاف من غير بيان جامع بينها مجلبة للشك في أخبار الصادق، وقد طعن فيها طائفة من الفئة الزائغة عن منهج الحق، فقالوا: اتفقتم أيتها الرواة علي أن نبيكم لم يحج من المدينة غير حجة واحدة، ثم رويتم أنه كان مفرداً، ورويتم أنه كان قارناً، ورويتم أنه كان متمتعاً، وصيغة هذه الأنساك متباينة، وأحكامها مختلفة، وتزعمون أن كل هذه الروايات مقبولة لصحة أسإنيدها، وعدالة رواتها. فأجاب بذلك جمع من العلماء- شكر الله سعيهم- وقد اخترنا من ذلك جواباً نقل عن الشافعي- رحمة الله عليه- وزبدته: أن من المعلوم في لغة العرب جواز إضافة الفعل إلي الأمر كجواز إضافته إلي الفاعل له، كقولك: بنى فلان داراً، إذا أمر ببنائها، وضرب الأمير فلاناً إذا أمر بضربه. ومن هذا الباب رجم رسول الله ﷺ ماعزاً، وقطع يد سارق رداء صفوان ابن أمية. وكان أصحاب رسول الله ﷺ منهم المفرد، ومنهم القارن، ومنهم المتمتع، وكل منهم يصدر عن أمره وتعليمه، فجاز أن يضاف كل ذلك إليه. وقولاً ذكره الخطابي، فقال بعضهم: يحتمل أن يكون بعضهم سمعه يقول: ((لبيك بحجة)). وخفي عليه قوله: ((وعمرة)) فحكى أنه كان مفرداً، ولم يحك إلا ما سمع، وسمعه آخر يول: ((لبيك بحجة وعمرة)) فقال: كان قارناً، ولا ينكر الزيادات في الأخبار كما لا ينكر في الشهادات. قال النواوي في شرح مسلم: اعلم أن أحاديث هذا الباب متظاهرة علي جواز إفراد الحج عن العمرة، وجواز التمتع والقرآن، وقد أجمع العلماء علي جواز الأنواع الثلاثة، فالإفراد: أن يحرم بالحج في أشهره، يفرغ منه، ثم يعتمر. والتمتع: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، ويفرغ

стр. 1448

ــ منها، ثم يحج من عامه. والقران: أن يحرم بهما جميعاً، وكذا لو أحرم بالعمرة، ثم أحرم بالحج قبل طوافها صح قارناً. فلو أحرم بالحج، ثم أحرم بالعمرة، فقولان للشافعي، أصحهما لا يصح إحرامه بالعمرة، والثاني يصح ويصير قارناً، بشرط أن يكون قبل الشروع في أسباب التحلل من الحج. واختلف العلماء في هذه الأنواع الثلاثة أيها أفضل؟ فقال الشافعي، ومالك، وكثيرون: أفضلها الإفراد، ثم التمتع، ثم القران. وقال أحمد، وآخرون: أفضلها التمتع. وقال أبو حنيفة، وآخرون: أفضلها القران. وأما حجة النبي ﷺ فاختلفوا فيها، هل كان مفرداً، أو متمتعاً، أو قارناً؟ وهي ثلاثة أقوال للعلماء بحسب مذاهبهم السابقة، فكل طائفة رجحت نوعاً، وادعت أن حجة النبي ﷺ كانت كذلك. والصحيح أنه كان أولاً مفرداً، ثم أحرم بالعمرة بعد ذلك، وأدخلها علي الحج، فصار قارناً. وقد اختلفت روايات الصحابة في صفة حجة النبي ﷺ حجة الوداع، هل كان قارناً، أو مفرداً، أو متمتعاً؟ وقد ذكر البخاري ومسلم روايتهم لذلك، وطريق الجمع بينها ما ذكرته أنه ﷺ كان أولاً مفرداً، ثم صار قارناً. فمن روى القران اعتبر آخر الأمر، ومن روى التمتع أراد التمتع اللغوي، وهو الانتفاع والارتفاق، وقد ارتفق بالقران كارتفاق التمتع وزيادة، وهي الاقتصار علي فعل واحد، وبهذا الجمع تنتظم الأحاديث فيها. وقد جمع بينها أبو محمد بن حزم الظاهري في كتاب صنفه في حجة الوداع خاصة، وادعى أنه ﷺ كان قارناً، وتأول باقي الأحاديث، والصحيح ما سبق، وقد أوضحت ذلك في شرح المهذب بأدلته، وجمع طرق الأحاديث، وكلام العلماء المتعلق بها. واحتج الشافعي وأصحابه في ترجيح الإفراد بأنه صح ذلك من رواية جابر، وابن عمر، وابن عباس، وعائشة، وهؤلاء لهم مزية في حجة الوداع علي غيرهم؛ فأما جابر فإنه كان أحسن الصحابة سياقة لرواية حديث حجة الوداع، فإنه ذكرها من حين خروج النبي ﷺ من المدينة إلي آخرها، فهو أضب لها من غيره. وأما ابن عمر ﵄ فصح عنه أنه كان آخذاً بخطام ناقة رسول الله ﷺ ، يمسني لعابها، أسمعه يلبي بالحج. وأما عائشة فقربها من رسول الله ﷺ معروف، وكذلك اطلاعها علي باطن أمره، وظاهر فعله في خلوته وعلإنيته مع كثرة فقهها وفطنتها؛ وأما ابن عباس فمحله في العلم، والفهم، والفقه في الدين معروف. ومن دلائل ترجيح الإفراد، أن الخلفاء الراشدين ﵃ بعد النبي ﷺ أفردوا الحج، وواظبوا علي إفراده، كذلك فعل أبو بكر، وعمر، وعثمان. واختلف فعل علي ﵁، ولو لم يكن الإفراد أفضل، وعلموا أن النبي ﷺ حج مفرداً، لم يواظبوا عليه مع أنهم الأئمة الأعلام، وقادة الإسلام، ويقتدى بهم في عصرهم وبعدهم، فكيف يظن بهم المواظبة علي خلاف فعل رسول الله ﷺ ؟ وأما الخلاف عن علي ﵁ وغيره، فإنما فعلوه لبيان

стр. 1449

٢٥٤٦ - وعن ابن عمر [﵄]، قال: تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلي الحج، بدأ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج. متفق عليه. الفصل الثاني ٢٥٤٧ - عن زيد بن ثابت، أنه رأي النبي ﷺ تجرد لإهلاله واغتسل. رواه الترمذي، والدارمي. [٢٥٤٧] ٢٥٤٨ - وعن ابن عمر، أن النبي ﷺ لبد رأسه بالغسل. رواه أبو داود. ٢٥٤٩ - وعن خلاد بن السائب، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أتإني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال أو التلبية)). رواه مالك، والترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي. [٢٥٤٩] ــ الجواز، وقد ثبت في الصحيحين ما يوضح ذلك. ومنها أن الإفراد لا يجب فيه دم بالإجماع وذلك لكماله، ويجب الدم في التمتع والقران، فكان الإفراد أفضل. والله أعلم. الحديث السابع عن ابن عمر ﵄: قوله: ((إلي الحج)) حال من ((العمرة))، أي استمتع بالعمرة منضمة إلي الحج فإن الاستمتاع بالعمرة إلي وقت الحج انتفاعه بالتقرب بها إلي الله تعالي قبل الانتفاع بتقربه بالحج. وقيل: إذا حل من عمرته، انتفع باستباحة ما كان محرماً عليه إلي أن يحرم بالحج. ((حس)): كان عمر وعثمان ينهيان عن التمتع نهي تنزيه، وإنما نهيا؛ لأن الإفراد أفضل. وقال علي ﵁: إنا قد تمتعنا مع رسول الله ﷺ ، ولكن كنا خالفين. الفصل الثاني: الحديث الأول عن زيد ﵁: قوله: ((تجرد لإهلاله)) هكذا رواه الترمذي، والدارمي، وفي جميع نسخ المصابيح ((لإحرامه)) الحديث الثاني عن ابن عمر ﵄: قوله: ((بالغسل)) ((نه)) الغسل- بالكسر- ما يغسل به من خطمى وغيره. الحديث الثالث عن خلاد: قوله: ((بالإهلال)) هكذا في السنن كلها. ((تو)): قد وجدنا لفظاً من هذا الحديث في كتاب المصابيح محرفاً من وجهه، وهو ((بالإحرم، والتلبية)) ولفظ الحديث

стр. 1450

٢٥٥٠ - وعن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من مسلم يلبي إلا لبى من عن يمينه وشماله: من حجر، أو شجر، أو مدر، حتى تنقطع الأرض من ها هنا وها هنا)). رواه الترمذي، وابن ماجه [٢٥٥٠]. ٢٥٥١ - وعن ابن عمر، قال: كان رسول الله ﷺ يركع بذي الحليفة ركعتين، ثم إذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهل بهؤلاء الكلمات ويقول: ((لبيك اللهم لبيك، لبيك وسعديك، والخير في يديك، لبيك والرغباء إليك والعمل)). متفق عليه. ولفظه لمسلم. ٢٥٥٢ - وعن عمارة بن خزيمة بن ثابت، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، أنه كان إذا فرغ من تلبيته سأل الله رضوانه والجنة، واستعفاه برحمته من النار. رواه الشافعي. ــ ((بالإهلال أو التلبية)) الحديث الرابع عن سهل ﵁: قوله: ((من عن يمينه)) ((تو)): لما أضاف التلبية إلي تلك الأعيان، والتلبية إنما توجد ممن يعقل، ذكرها بلفظ ((من)) دون ((ما)) ذهاباً بها من حيز المجاهدات إلي جملة ذويي العقول؛ ليكون أدل علي المعنى الذي أراده. قوله: ((تنقطع الأرض من ها هنا وها هنا)) ((مظ)): يعني إلي منتهي الأرض من جانب الشرق، وإلي منتهي الغرب، أي يوافقه في التلبية كل شيء في الأرض كلها. الحديث الخامس عن ابن عمر ﵄: قوله: ((وسعديك)) هو من الألفاظ المقرونة بلبيك، ومعناه: أي إسعاداً بعد إسعاد، والمعنى ساعدت علي طاعتك مساعدة بعد مساعدة، وهما منصوبان علي المصدر. قوله: ((والرغباء إليك)) ((مح)): قال القاضي عياض: قال المازري: يروى بفتح الراء والمد، وبضم الراء مع القصر، ونظيره العلي والعلياء، والنعمى والنعماء. وعن أبي علي: الفتح مع القصر مثل سكرى. ومعناه هنا الطلب والمسألة إلي من بيده الخير، وهو المقصود بالعمل المستحق للعبادة. أقول: يريد أن ((العمل)) عطف علي ((الرغباء))، وخبره محذوف يدل عليه المذكور، معناه العمل منتهي إليك، وأنت المقصود في العمل. وفيه معنى قوله تعالي: ﴿إياك نعبد﴾ كما أن ((الرغباء إليك)) معناه إياك نستعين. الحديث السادس ظاهر.

стр. 1451

الفصل الثالث ٢٥٥٣ - عن جابر، أن رسول الله ﷺ لما أراد الحج، أذن في الناس، فاجتمعوا، فلما أتى البيداء أحرم. رواه البخاري. ٢٥٥٤ - وعن ابن عباس، قال: كان المشركون يقولون: لبيك لا شريك لك. فيقول رسول الله ﷺ : ((ويلكم قد قد)) إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك. يقولون هذا وهم يطوفون بالبيت. رواه مسلم. (٢) باب قصة حجة الوداع الفصل الأول ٢٥٥٥ - عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ مكث بالمدينة تسع سنين لم ــ الفصل الثالث الحديث الأول عن جابر: قوله: ((البيداء)) ((نه)): البيداء المفازة التي لا شيء فيها، وهي هنا اسم موضع مخصوص بين مكة والمدينة، وأكثر ما ترد يراد بها هذه. الحديث الثاني عن ابن عباس ﵄: قوله: ((قد قد)) هو بإسكان الدال وكسرها مع التنوين، ومعناه كفاكم هذا الكلام فاقتصروا عليه، يعني كان المشركون يقولون: لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك، فإذا انتهي كلامهم إلي ((لا شريك لك)) قال رسول الله ﷺ : ((قد قد)) أي اقتصروا عليه، ولا تجاوزوا عنه إلي ما بعده. وقوله: ((إلا شريكاً)) الظاهر فيه الرفع علي البدلية من المحل، كما في كلمة التوحيد، فاختير في كلمة السفلي اللغة السافلة، كما اختير في الكلمة العليا اللغة العالية. باب قصة الوداع ((مح)): سميت ذلك؛ لأن النبي ﷺ ودع الناس فيها، وعلمهم في خطبة فيها أمر دينهم، وأوصاهم بتبليغ الشرع إلي من غاب. الفصل الأول الحديث الأول عن جابر ﵁: قوله: ((مكث بالمدينة)) ((مح)): هو حديث عظيم مشتمل علي جمل من الفوائد، ونفائس من مهمات القواعد، وهو من أفراد مسلم، قال القاضي عياض: قد تكلم الناس علي ما فيه من الفقه، وأكثروا فيه، وصنف أبو بكر بن المنذر كراساً

стр. 1452

يحج ثم أذن في الناس بالحج في العاشرة: أن رسول الله ﷺ حاج، فقدم المدينة بشر كثير، فخرجنا معه، حتى إذا أتينا ذا الحليفة. فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلي رسول الله ﷺ : كيف أصنع؟ قال: ((اغتسلي واستثفري بثوب، وأحرمي)). فصلي رسول الله ﷺ في المسجد، ثم ركب القصواء، ــ كبيراً، وخرج فيه من الفقه مائة ونيفاً وخمسين نوعاً، ولو تقصى لزيد علي هذا العدد. قوله: ((مكث)) ((تو)): إنما ترك الحج في الأعوام التي قبل الفتح؛ لأن الحج لم يكن فرضاً حينئذ؛ لأنه فرض سنة ست من الهجرة، ثم إنه كان معنياً بحرب أعداء الله، مأموراً بإعلاء كلمة الله وإظهار دينه، فلم يكن ليتفرغ من هذا القصد الكلي، والأمر الجامع إلي الحج الذي لم يفرض. وأما اعتماره ﷺ في تلك السنين؛ فلأنه لم يكن له موسم معين فيتألب الأعداء لمناوأته وصده عن البيت، والإتيان علي أفعال العمرة كان ممكناً في بعض يوم مع أنه كان عبداً مأموراً، يراقب الأمر في تصاريف أحواله، فأمر بها ولم يؤمر بالحج. وأما بعد الفتح، وهو في سنة ثمان، فإن هوازن وثقيفاً وكثيراً من العرب، كانوا حرباً لرسول الله ﷺ متأهبين لقتاله. وقد ذهب قوم إلي أن تأخير الحج بعد الفتح إنما كان للنسيء المذكور في كتاب الله، حتى عاد الحساب في الأشهر إلي أصله الموضوع الذي بدأ الله به في أمر الزمان يوم خلق السموات والأرض. قوله: ((ثم أذن)) ((مح)): إنما أعلمهم بذلك؛ ليتأهبوا للحج معه، فيتعلموا المناسك والأحكام، ويشاهدوا أفعاله وأقواله، وليوصيهم بأن يبلغ الشاهد الغائب، فتشيع دعوة الإسلام، وتبليغ الرسالة القريب والبعيد. وفيه أنه يستحب للإمام بأن يأذن للناس بالأمور المهمة ليتأهبوا لها. قوله: ((أسماء بنت عميس)): ((مح)): فيه استحباب غسل الإحرام للنفساء. والاستثفار: أن تشد في وسطها شيئاً وتأخذ خرقة عريضة تجعلها علي محل الدم، وتشد طرفها من قدامها ومن ورائها، في ذلك المشدود في وسطها، وهو شبيه بثفر الدابة- بفتح الفاء-. وفيه صحة إحرام النفساء، وهو مجمع عليه. ((والقصواء)) هي بفتح القاف وبالمد، قال ابن الأعرابي: القصواء التي قطع طرف أذنها، وكذا الأصمعي. وقال أبو عبيدة: هي المقطوعة الأذن عرضاً. وقال محمد ابن إبراهيم التيمي التابعي: إن القصواء، والعضباء، والجذعاء اسم لناقة واحدة كانت لرسول الله ﷺ . قوله: ((أهل بالتوحيد لبيك)) إلي آخره بيان ((التوحيد))، وفيه تعريض لما كان يفعله الجاهلية من انضمام قولهم: ((إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك)). قوله: ((لسنا نعرف العمرة)) تأكيد وتقرير لمعنى الحصر في قوله: ((لسنا ننوي إلا الحخ))، أي لسنا ننوي شيئاً من النيات إلا نية الحج، وكان محتملاً فأكده به. ((قض)): أي لا نرى العمرة في أشهر الحج؛ استصحاباً لما كان

стр. 1453

حتى إذا استوت به ناقته علي البيداء، أهل بالتوحيد: ((لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك)). قال جابر: لسنا ننوي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة، حتى إذا أتينا البيت معه، استلم الركن، فطاف سبعاً، فرمل ثلاثاً، ومشى أربعاً، ثم تقدم إلي مقام إبراهيم فقرأ: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلي﴾، فصلي ركعتين فجعل المقام بينه وبين البيت. وفي رواية: أنه قرأ في الركعتين: ﴿قل هو الله أحد﴾ و ﴿قل يا أيها الكافرون﴾، ثم رجع إلي الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلي الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿إن الصفا والمروة ــ من معتقد أهل الجاهلية؛ فإنهم كانوا يرون العمرة محظورة في أشهر الحج، ويعتمرون بعد مضيها. وقيل: معناه ما قصدناها ولم تكن في ذكرنا. قوله: ((استلم)) ((نه)): هو افتعل من السلام التحية، وأهل اليمن يسمون الركن الأسود ((المحيا)) أي الناس يحيونه بالسلام، قيل: هو افتعل من السلام، وهي الحجارة، واحدتها سلمة بكسر اللام، يقال: استلم الحجر إذا لمسه وتناوله، ويقال: رمل يرمل ورملاناً، إذا أسرع في المشي، وهز منكبه. قال: وأمر النبي ﷺ أصحابه في عمرة القضاء؛ ليري المشركين قوتهم، حيث قالوا: وهنتهم حمى يثرب، وهو مسنون في بعض الأطواف دون بعض. ((مح)): فيه قولان للشافعي، أصحهما طواف يعقبه سعي، ويتصور ذلك في طواف القدوم، سواء أراد السعي بعده أم لا، ويسرع في طواف العمرة؛ إذ ليس فيها إلا طواف واحد. قوله: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلي﴾ ((مح)): هذا دليل لما أجمع عليه العلماء أنه ينبغي لكل طائف إذا فرغ من الطواف أن يصلي خلف المقام ركعتين للطواف، واختلفوا هل هما واجبتان أو سنتان؟ وفيه أقوال، أصحها أنها سنة، وثالثها إن وجب الطواف وجبتا، وإلا فسنتان. وعلي التقادير لو تركهما لم يبطل طوافه. قوله: ﴿قل هو الله أحد﴾ ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ كذا في صحيح مسلم، وشرح السنة في إحدى الروايتين، وكان من الظاهر أن يقدن سورة الكافرين علي سورة الإخلاص ترتيباً، كما في رواية المصابيح، ولأن البراءة عن الشرك مقدمة علي إثبات التوحيد، كما في كلمة التوحيد. ولعل السر في ذلك أن سورة الإخلاص

стр. 1454

من شعائر الله﴾ أبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا، فرقي عليه حتى رأي البيت، فاستقبل القبلة، فوحد الله وكبره، وقال: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو علي كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ــ مقدمتها مسوقة لإثبات التوحيد، وساقتها لنفي الأنداد، والأضداد، والشركاء، فقدم الإثبات علي النفي فيها للاهتمام بشأنه حينئذ، لاضمحلال الكفر واندراس آثاره يوم الفتح. والله أعلم. قوله: ((فاستلمه)) ((مح)): يستحب لمن طاف القدوم إذا فرغ من صلاته خلف المقام أن يعود إلي الحجر فيستلمه ثم يخرج من باب الصفا، ولو خرج لو يلزمه دم، قوله: ((من الصفا)) ((مح)): قال أصحابنا: يستحب أن يرقى علي الصفا والمروة، حتى يرى البيت إن أمكنه، وأن يقف علي الصفا مستقبل الكعبة، ويذكر الله تعالي بهذا الدعاء ثلاث مرات. قوله: ﴿إن الصفا والمروة﴾ هما علمان للجبلين، و ((الشعائر)) جمع شعيرة، وهي العلامة، أي من أعلام مناسكه، ومتعبداته. ولما كان الصفا مقدماً في التنزيل علي المروة، قال: ((أبدأ بما بدأ الله به)). ((مح)): الابتداء بالصفا شرط، وعليه الجمهور، وعن بعضهم: به احتج من أوجب الترتيب في الوضوء علي أنه لو بدأ بالمروة لكان ذلك الشوط غير محسوب له. وفيه دليل علي وجوب الطواف بين الصفا والمروة، كما يجب الطواف بالبيت. وقال بعضهم: ليس بواجب، بل هو تطوع؛ لقوله تعالي: ﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ ورفع الجناح يدل علي الإباحة، ويجب علي تاركه الدم. ورد بأن الآية إنما أنزلت في الأنصار، كانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فقيل لهم: ((فلا جناح عليه أن يطوف بهما))، ودلائل الوجوب موجودة. قوله: ((وقال: لا إله إلا الله)) يحتمل أن يكون قولاً آخر غير ما سبق من التوحيد والتكبير، وأن يكون كالتفسير له والبيان، والتكبير وإن لم يكن ملفوظاً، لكن معناه مستفاد من هذا القول، و ((وحده)) حال مؤكدة من ((الله)) لقوله تعالي: ﴿هو الحق مصدقاً﴾ وقوله تعالي: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وألوا العلم قائماً بالقسط﴾ في أحد الوجهين. ويجوز أن يكون مفعولاً مطلقاً، و ((لا شريك له)) كذلك حال، أو مصدر. قوله: ((وهزم الأحزاب وحده)) ((مح)): هم الذين تحزبوا علي رسول الله ﷺ يوم الخندق، فهزمهم الله وحده من غير قتال المسلمين، ولا سبب منهم.

стр. 1455

ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده)). ثم دعا بين ذلك قال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل ومشى إلي المروة حتى انصبت قدماه في بطن الوادي، ثم سعى، حتى إذا صعدنا مشى حتى أتى المروة، ففعل علي المروة كما فعل علي الصفا، حتى إذا كان ــ قوله: ((ثم دعا بين ذلك)) ((ثم)) تقتضي التراخي، وأن يكون الدعاء بعد الذكر، و ((بين)) تقتضي التعدد، والتوسط بين الذكر بأن يدعو بعد قوله: ((علي كل شيء قدير)) ثم الدعاء، فتمحل المظهر بأن قال: لما فرغ من قوله: ((وهزم الأحزاب وحده)) دعا بما شاء، ثم قال مرة أخرى هذا الذكر، حتى فعل ثلاث مرات. أقول: وهذا أنى يستتب علي التقديم والتأخير، بأن يذكر قوله: ((ثم دعا بين ذلك)) بعد قوله: ((قال مثل هذا ثلاث مرات)) و ((ثم)) تكون للتراخي في الإخبار لا تأخر زمان الدعاء عن الذكر، ويدعو ثلاث مرات، هذا هو المشهور عند أصحابنا، [وقال: منهم] تكرار الذكر ثلاثاً، والدعاء مرتين، والصواب الأول. قوله: ((انصبت قدماه)) ((نه)) أي انحدرت في المسعى، وهذا مجاز من قولهم: صب الماء فانصب، ((مح)): قال القاضي عياض: في هذا الحديث إسقاط لفظة لابد منها، وهي ((رمل)) بعد قوله: ((في بطن الوادي)) كما جاء في رواية مسلم، وكذا ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين، وفي الموطأ ((حتى انصبت قدماه في بطن الوادي، سعى حتى خرج منه)) وهو بمعنى ((رمل)). قال الشيخ: وجدت في بعض نسخ مسلم كما في الموطأ. قوله: ((إذا صعدنا)) ((تو)): الإصعاد الذهاب في الأرض، والإبعاد، سواء ذلك في صعود أو حدور، قال تعالي: ﴿إذ تصعدون ولا تلون علي أحد﴾ ومعناه في الحديث ارتفاع القدمين من بطن المسيل إلي المكان العالي؛ لأنه ذكر في مقابلة الانصباب. قوله: ((إذا كان)) ((كان)) هي التامة. وقوله: ((فقال)) جواب ((إذا)). قوله: ((لو إني استقبلت)) ((نه)): أي لو عن لي هذا الرأي الذي رأيته آخراً، وأمرتكم به في أول أمري، لما سقت الهدي، أي لما جعلت علي هدياً، وأشعرته، وقلدته، وسقته بين يدي؛ فإنه إذا ساق الهدي لا ينحل حتى ينحره، ولا ينحر إلا يوم النحر، فلا يصح له فسخ الحج بعمرة، فمن لم يكن معه هدي لا يلتزم هذا، ويجوز له فسخ الحج. ((خط)): إنما أراد رسول الله ﷺ بهذا القول لأصحابه تطييباً لقلوبهم، وذلك أنه كان يشق عليهم أن يحلوا ورسول الله ﷺ محرم، ولم يعجبهم أن يرغبوا بأنفسهم عن نفسه، يتركوا الاقتداء به، فقال عند ذلك القول؛ لئلا يجدوا في أنفسهم، وليعلموا أن الأفضل لهم ما دعاهم

стр. 1456

آخر طواف علي المروة، نادى وهو علي المروة والناس تحته فقال: ((لو إني استقبلت من أمري ما استدبرت، لم أسق الهدي، وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي، فليحل وليجعلها عمرة)). فقام سراقة بن مالك بن جعشم، فقال: يا رسول الله! ألعامنا هذا أم لأبد؟ فشبك رسول الله ﷺ أصابعه، واحدة في ــ إليه. قال: وقد يستدل بهذا من يروي أن التمتع بالعمرة إلي الحج أفضل من الإفراد والقران. أقول: وعلهم إنما شق عليهم لإفضائهم إلي النساء قبل انقضاء المناسك، كما ورد في حديث جابر قالوا: ((فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المني)) وأشاروا إلي مذاكيرهم. ((قض)): إنما قال ذلك تأسيساً للتمتع، وتقريراً لجواز العمرة في أشهر الحج، وإماطة لما ألفوا من التحرج عنها. ((مح)): فيه تصريح بأنه ﷺ لم يكن متمتعاً. قوله: ((فمن كان منكم)) ((الفاء)) فيه جواب شرط محذوف، يعني إذا تقرر ما ذكرت من إني أفردت الحج، وسقت الهدي، ولم أتمكن من الإحلال إلا بعد النحر، فمن كان منكم ليس معه إلي آخره، وفي هذا المقام كلام سيأتي في حديث عائشة، قال: ((خرجنا)) الحديث. قوله: ((ألعامنا هذا؟)) ((مح)): اختلف العلماء في معناه علي أقوال، أصحها وبه قال جمهورهم، معناه: أن العمرة يجوز فعلها في أشهر الحج إلي يوم القيامة، والمقصود به بيان إبطال ما كانت الجاهلية تزعمه من امتناع العمرة في أشهر الحج. والثاني: معناه جواز القران، وتقدير الكلام: دخلت أفعال العمرة في أفعال الحج إلي يوم القيامة. والثالث: تأويل بعض القائلين بأن العمرة ليست واجبة، قالوا: معناه سقوط العمرة، قالوا: ودخولها في الحج سقوط وجوبها، وهذا ضعيف، أو باطل، وسياق الحديث يقتضي بطلانه. والرابع: تأويل بعض أهل الظاهر أن معناه: جواز فسخ الحج إلي العمرة، وهذا أيضاً ضعيف. أقول: الوجه الثاني هو الوجه وإن جاز: دخل وقت أحد النسكين في وقت الآخر علي البعد؛ لأن إدخال الأصابع بعضها في بعض، وتكريرها مرتين إما بالقول أو بالفعل، يستدعي إدخال أحد النسكين في الآخر. ويؤيده حديث ابن عباس في آخر هذا الفصل، فإن العمرة قد دخلت في الحج إلي يوم القيامة، فإن قوله: ((ألعامنا هذا)) وارد علي قوله: ((فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل)) محتمل لأن يكون مفرداً ومعتمراً وقارناً، ولم يسق الهدي في كل ذلك، فالسؤال إذن ورد علي القارن، فصح معنى التشبيك. وقوله: ((واحدة في الأخرى)) ((واحدة)) منصوب بعامل مضمر، أي جاعلاً واحدة منهما في الأخرى، والحال مؤكدة. وأما قوله: ((لا)) فهو جواب عن السؤال؛ وهو مشكل؛ لأن السؤال بـ ((أم)) المعادلة إنما يتلقى في الجواب بأحد المعتدلين المستويين علي التعيين، فالوجه أن يحمل علي التشديد، وأن يقدر: ليس لعامك هذا، بل لأبد أبد، وتكرير ((أبد)) ينصر ما ذكرنا من

стр. 1457

الأخرى، وقال: ((دخلت العمرة في الحج مرتين، لا بل لأبد أبد))، وقدم علي من اليمن ببدن النبي ﷺ . فقال له: ((ماذا قلت حين فرضت الحج؟)): قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسولك. قال: ((فإن معي الهدي، فلا تحل)). قال: فكان جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن والذي أتى به النبي ﷺ مائة. قال: فحل الناس كلهم، وقصروا، إلا النبي ﷺ ومن كان معه هدي، فلما كان يوم التروية، توجهوا إلي منى، فأهلوا بالحج، وركب النبي ﷺ ، فصلي بها الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر، ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة، فسار رسول الله ﷺ ، ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام، كما ــ التشديد، كما إذا سأل سائل عن الأمر الثابت بـ ((أم)) المتصلة، فيكون الرد بإيراد أم في غير موقعه، وقد سبق مثله في قوله ﷺ : ((كل ذلك لم يكن)) جواباً عن سؤال ذي اليدين ((أقصرت الصلاة أم نسيتها؟)). قوله: ((ببدن)) البدن جمع بدنة، سميت لعظم بدنها، وهي الإبل خاصة. قوله: ((ماذا قلت حين فرضت الحج)) ((قض)): أي حين ألزمته نفسك بالإحرام، سأله عن كيفية إحرامه. وقوله: ((قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسولك)) يدل علي جواز الإحرام بإحرام غيره. قوله: ((فحل الناي كلهم)) ((مح)): هذا من العام الذي خص؛ لأن عائشة ﵂ لم تحل، ولم تكن ممن ساق الهدي. والهدي بإسكان الدال وكسرها، وتشديد الياء مع الكسر، والتخفيف مع الإسكان. وأما تقصيرهم مع أن الحلق أفضل؛ فلإرادة أن يبقى لهم بقية من الشعر حتى تحلق في الحج. قوله: ((يوم التروية)) قيل: هو اليوم الثامن من ذي الحجة، سمي بذلك؛ لأن إبراهيم ﵇ تروى فيه، أي تفكر في ذبح ولده. وقيل: لأنهم يرتوون فيه من الماء لما بعده. ((مح)): الأفضل عند الشافعي وأصحابه أن من كان بمكة، وأراد الإحرام بالحج أحرم يوم التروية. وفيه أن السنة أن لا يتقدم أحد إلي منى قبل يوم التروية، وقد كرهه مالك، وقيل: لا بأس به. قوله: ((وركب النبي ﷺ فصلي بها)) أي بمنى. ((مح)): فيه أن الركوب في تلك المواطن أفضل من المشي، كما أنه في جملة الطريق، وهذا هو الصحيح. وقال بعض أصحابنا: الأفضل في جملة الحج الركوب إلا في مواطن المناسك، والسنة: أن يبيت الليلة التاسعة بمنى، حتى تطلع الشمس، ولو تركه لا دم عليه. قوله: ((بنمرة)) هي بفتح النون وكسر الميم، جبل عن يمين الخارج من مأزمي عرفة، إذا أراد الموقف. وقوله: ((تضرب)) صفة لـ ((قبة)) أو حال، والتقدير: أمر بضرب قبة بنمرة قبل قدومه إليها، فحذف المضاف، وجعل الصفة دليلاً عليه. ((مح)): فيه دليل جواز استظلال المحرم، ولا خلاف من النازل، وإنما الخلاف في الراكب، فمذهبنا جوازه، وكره مالك وأحمد.

стр. 1458

كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول الله صلي حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء، فرحلت له، فأتى بطن الوادي، فخطب الناس، وقال: ((إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية ــ قوله: ((إلا أنه واقف)) أي أنه في وقوفه، وفي الاستثناء دقة، يعني أن قريشاً لم يشكوا في أنه ﷺ خالفهم في سائر مناسك الحج إلا الوقوف عند المشعر الحرام، فإنهم لم يشكوا في المخالفة، بل تحققوا أنه ﷺ يقف عند المشعر الحرام؛ لأنه من المواقف الخمس، وأهل حرم الله. ((مح)): هو جبل في المزدلفة، يقال له: قزح، وقيل: هو كل المزدلفة، وكان سائر العرب يجاوزون المزدلفة، ويقفون بعرفات، وظنت قريش أن النبي ﷺ يقف في المشعر الحرام علي عادتهم، ولا يجاوز عنه، فتجاوز إلي عرفات، لأن الله تعالي أمره بذلك في قوله تعالي: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ أي سائر العرب، وكانت قريش يقولون: نحن أهل حرم الله، ولا نخرج منه. وقوله: ((فأجاز)) أي جاوز المزدلفة. وقوله: ((أتى عرفة)) أي قارب عرفات؛ لقوله: ((فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها)): لأن نمرة ليست من عرفات. قوله: ((فرحلت له)) أي أمر بوضع الرحل علي القصواء، ففعل، تقول: رحلت البعير أرحله رحلاً، إذا شددت علي ظهره الرحل. قال الأعشى: رحلت سمية غدوة أجمالها ... غضبى عليك، فما تقول بدالها قوله: ((بطن الوادي)) ((مح)): هو عرنة- بضم العين وفتح الراء وبعدها نون- وليست من أرض عرفات عند الشافعي، ومنها عند مالك. قوله: ((إن دماءكم وأموالكم)) ((تو)): أراد أموال بعضكم علي بعض، إنما ذكره مختصراً اكتفاء بعلم المخاطبين، حيث جعل ((أموالكم)) قرينة ((دماءكم))، وإنما سبه ذلك في التحريم بيوم عرفة، وبذي الحجة، وبالبلد؛ لأنهم كانوا يعتقدون أنها محرمة أشد التحريم لا يستباح منها شيء، وفي تشبيهه هذا مع بيان حرمة الدماء والأموال تأكيد لحرمة تلك الأشياء التي شبه بتحريمها الدماء والأموال. أقول: هذا من تشبيه ما لم تجر به العادة بما جرت به العادة، كما في قوله تعالي: ﴿وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة﴾ كانوا يستبيحون دماءهم وأموالهم في الجاهلية في غير الأشهر الحرم، ويحرمونها فيها، كأنه قيل: إن دماءكم وأموالكم محرمة عليكم أبداً كحرمة يومكم

стр. 1459

تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث -وكان مسترضعاً في بني سعد فقتله هذيل- وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع من ربانا، ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ــ وشهركم وبلدكم. ثم أتبعه بما يؤكده تعميماً من قوله: ((ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع)) ((تو)): أي أبطلت ذلك وتجافيت عنه، حتى صار كالشيء الموضوع تحت قدمي، قوله: ((دم ابن ربيعة)) ((مح)): الجمهور: اسمه إياس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، قالوا: وكان هذا الابن المقتول طفلاً صغيراً يحبو بين البيوت، فأصابه حجر في حرب كانت بين بني سعد وبني ليث بن بكر. ((تو)): وربيعة بن الحارث صحب رسول الله ﷺ ، وروى عنه، وكان أسن من العباس، توفي في خلافة عمر ﵁. وإنما بدأ في وضع دماء الجاهلية ورباها بين أهل الإسلام بأهل بيته، ليكون أمكن في قلوب السامعين، وأسد لأبواب الطمع في الترخيص. وقوله: ((من دمائنا)) أراد به أهل الإسلام لا ذوي القرابة منه، أي أبدأ في وضع الدماء التي يستحق أهل الإسلام ولايتها بأهل بيتي. قوله: ((فاتقوا الله في النساء)) عطف من حيث المعنى علي قوله: ((إن دماءكم وأموالكم)) يعني فاتقوا الله في استباحة الدماء، وفي نهب الأموال، وفي النساء، وهي من عطف الإنشائي علي الإخباري بالتأويل، كما عطف ﴿وامتازوا اليوم أيها المجرمون﴾ علي قوله: ﴿إن أصحاب الجنة اليوم﴾ وفي رواية المصابيح: ((واتقوا)) بالواو، وكلاهما جائزان. قوله: ((بأمان الله)) أي بعهده، وهو ما عهد إليهم من الرفق بهن، والشفقة عليهن. قوله: ((بكلمة الله)) ((مح)): قيل: هي قوله تعالي: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ وقيل: هي الإيجاب والقبول؛ لأن الله تعالي أمر بها، وقيل: هي قوله تعالي: ﴿فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ وهو قول الخطابي، وقيل: كلمة التوحيد؛ إذ لا تحل مسلمة لغير مسلم، والأول هو الأوجه. ((تو)): المعنى أن استحلالكم فروجهن وكونهن تحت أيديكم إنما كان بعهد الله وحكمه، فإن نقضتم عهده وأبطلتم حكمه انتقم منكم لهن. قوله: ((أن لا يوطئن فرشكم)) ((نه)): أي لا يأذن لأحد من الرجال أن يتحدث إليهن، وكان الحديث من الرجال إلي النساء من عادات العرب، لا يرون ذلك عيباً، ولا يعدونه ريبة، إلي أن نزلت آية

стр. 1460

ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله، وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟)) قالوا: نشهد ــ الحجاب. وليس المراد بوطء الفراش نفس الزنا؛ لأن ذلك محرم علي الوجوه كلها، فلا معنى لاشتراط الكراهة فيه، ولو كان ذلك لم يكن الضرب فيه ضرباً غير مبرح، وإنما كان فيه الحد والضرب المبرح هو الشديد. : ((مح)) النهي يتناول الرجال والنساء جميعاً، وهكذا المسألة عند الفقهاء؛ لأنها لا يحل لها أن تأذن لرجل ولا امرأة، محرم وغيرها في دخول منزل الزوج، إلا من علمت أو ظنت أن الزوج لا يكرهه؛ لأن الأصل تحريم دخول منزل الإنسان حتى يوجد الإذن في ذلك منه، أو ممن أذن له في الإذن، أو عرف رضاه بالظن، أو العرف، ومتى حصل الشك في الرضا لا يحل الدخول ولا الإذن. أقول: ظاهر قوله: ((أن لا يوطئن فرشكم أحداً)) مشعر بالكناية عن الجماع، فعبر به عن عدم الإذن مطلقاً تغليظاً وتشديداً. قوله: ((غير مبرح)) هو من برح به السوق تبريحاً، إذا اشتد عليه بحيث جهده، وبرحاء الوحي شدته. ((مح)): فيه إباحة ضربها للتأديب، فلو ضربها الضرب المأذون فيه فماتت منه، وجبت الدية علي العاقلة والكفارة علة الضارب. قوله: ((لن تضلوا بعده)) أي بعد التمسك به، والعمل بما فيه، و ((كتاب)) بدل أو بيان لـ ((ما)) وفي التفسير بعد الإبهام تفخيم لشأن القرآن، وفي تعقيب هذا الكلام أعني ((وقد تركت فيكم)) الكلام السابق تعميم بعد التخصيص. قوله: ((وأنتم تسألون عني)) عطف علي مقدر، أي قد بلغت ما أرسلن به إليكم جميعاً، غير تارك لشيء مما بعثني الله به، وأنتم تسألون عن ذلك يوم القيامة، هل بلغكم محمد جميع ما أمر به أن يبلغ إليكم؟ كما قال الله تعالي: ﴿يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل﴾ أي إن لم تبلغ الجميع ﴿فما بلغت رسالته﴾؛ لأنك كتمت شيئاً ما أنزل إليك، فما بلغت جميع ما أنزل إليك. و ((الفاء)) في قوله: ((فما أنتم قائلون)) يدل علي هذا المحذوف، أي إذا كان الأمر علي هذا، فبأي شيء تجيبونه؟ ومن ثم طبق جوابهم السؤال، فأتوا بالألفاظ الجامعة، أي بلغت ما أنزل إليك، وأديت ما كان عليك، وزدت علي ذلك بما نصحتنا من السنن، والآداب، وغير ذلك.

стр. 1461

أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلي السماء وينكتها إلي الناس: ((اللهم اشهد، اللهم اشهد)) ثلاث مرات، ثم أذن بلال، ثم أقام فصلي الظهر، ثم أقام فصلي العصر، ولم يصل بينهما شيئاً، ثم ركب حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلي الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل ــ قوله: ((فقال)) أي أشار. وقوله: ((يرفعها إلي السماء)) حال إما من فاعل ((قال)) أو من ((السبابة)) أي رافعاً إياها، أو مرفوعة. قوله: ((وينكبها)) ((نه)): هي بالباء الموحدة من تحت، أي يميلها إليهم من نكبت الإناء نكباً ونكبتها تنكيباً، إذا أماله كبه. ((مح)): ضبطناه بالتاء المثناة من فوق. قال القاضي عياض: كذا الرواية، وقال: وهو بعيد المعنى، وقيل: صوابه بالباء الموحدة، وروينا في سنن إبن داود بالتاء المثناة من طريق ابن الأعرابي، وبالموحدة من طريق أبي بكر التمار، ومعناه يردها، ويقلبها إلي الناس مشيراً إليهم. أقول: أراد بقوله: ((بعيد المعنى)) أنه غير موافق للغة. ((الجوهري)): نكت في الأرض بالقضيب، إذا ضرب في الأرض فيؤثر فيها. ((المغرب)): في الحديث ((نكتت خدرها بإصبعها)) أي نقرت وضربت، هذا إذا استعمل بفي أو بالباء، وفي الحديث مستعمل بإلي، فيكون النكت مجازاً عن الإشارة بقرينة إلي، وتقديره ما ذكر من قوله: ((يقلبها إلي الناس مشيراً إليهم)). قوله: ((ولم يصل بينهما شيئاً)) ((مح)): فيه أنه يشرع الجمع بين الظهر والعصر هناك حينئذ، وقد أجمعت الأمة عليه، واختلفوا في سببه، فقيل: بسبب النسك، وهو مذهب أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي، وقال أكثر أصحابنا: بسبب السفر، فمن كان حاضراً، أو مسافراً دون مرحلتين لم يجز له الجمع، كما لا يجوز القصر. وفيه أن الجامع بين الصلاتين يصلي الأولي أولاً، وأنه يؤذن للأولي، ويقيم لكل واحدة، ولا يفرق بينهما. قوله: ((إلي الصخرات)) أي جعل بطن ناقته منتهياً إلي الصخرات بحيث يكون جبل المشاة قدامها. ((نه)): الجبل المستطيل من الرمل، وقيل: الجبال في الرمل كالجبال في غير الرمل، فالمعنى جعل جبل المشاة أي طريقهم الذي يسلكون في الرمل، وقيل: أراد صفهم ومجتمعهم، ومشيهم بسببها بجبل الرمل. ((مح)): في هذا الفصل مسائل وآداب للوقوف: منها أنه إذا فرغ من الصلاتين عجل الذهاب إلي الموقف، ومنها أن الوقوف راكباً أفضل وفيه خلاف، ومنها استحباب الوقوف عند الصخرات، وهن مفترشات في أسفل جبل الرحمة، وأما ما اشتهر بين العوام من الاعتناء بصعود الجبل، وتوهمهم أنه لا يصح الوقوف إلا به فغلط، بل الصواب جواز الوقوف في كل

стр. 1462

القبلة، فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلاً، حتى غاب القرص، وأردف أسامة، ودفع حتى أتى المزدلفة. فصلي بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئاً، ثم اضطجع حتى طلع الفجر، فصلي الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، ــ جزء من أرض عرفات، والفضيلة الوقوف علي موقف رسول الله ﷺ ، فإن عجز فالأقرب والأقرب، ومنها استحباب استقبال الكعبة، ومنها الوقوف عليها حتى الغروب الكامل، فلو أفاض قبل الغروب صح الوقوف، ويجبر بدم، والأصح أنه سنة. وأما وقت الوقوف فمن وقت الزوال في يوم عرفة، وطلوع الفجر الثاني من يوم النحر، ومن فاته فاته الحج. قوله: ((حتى غاب القرص)) ((مح)): قال القاضي عياض: لعل صوابه حين غاب القرص، قال: ويحتمل أن يكون الكلام علي ظاهره، وقوله: ((حتى غاب القرص)) بياناً لقوله: ((غربت الشمس، وذهبت الصفرة)) فإن ذلك قد يطلق مجازاً علي مغيب معظم القرص، فأزال ذلك الاحتمال بقوله: ((حتى غاب القرص)). قوله: ((ودفع)) ((نه)): أب ابتدأ السير، ودفع نفسه ونحاها، أو دفع ناقته وحملها علي السير، و ((المزدلفة)) هي منزل بين عرفات ومنى، سمي مزدلفة؛ لأنه يتقرب فيها. ((مح)): قيل: سميت بها؛ لمجيء الناس إليها في زلف الليل، وسميت أيضاً بجمع، لاجتماع الناس فيها، والمزدلفة كلها من الحرم. وقال جمع من العلماء: حد مزدلفة ما بين مأزمي عرفة ووادي محسر، وليس الحدان منها، ويدخل في المزدلفة جميع تلك الشعاب، والجبال الداخلة في الحد المذكور. وفي هذا الفصل فوائد: منها أن السنة للداخل من عرفات أن يؤخر المغرب إلي وقت العشاء بنية الجمع، وقال أصحابنا: ولو جمع بينهما في وقت المغرب في أرض عرفات، أو في موضع آخر، أو صلي كل واحدة في وقتها جاز، لكنه خلاف الأفضل. وللأئمة في المسألة خلاف. وأما قوله: ((فلم يسبح بينهما)) فمعناه لم يصل بينهما النافلة والنافلة تسمى سبحة، واختلفوا قي أن الموالاة بين الصلاتين شرط أم لا، لكن لم يختلفوا في اشتراطها إذا جمع بينهما في الوقت الأول. قوله: ((ثم اضطجع)) ((مح)): لم يختلفوا في أن المبيت بمزدلفة ليلة النحر نسك، لكن اختلفوا هل هو واجب أم ركن أم سنة؟ والصحيح من قول الشافعي ﵁: أنه واجب ولو تركه أثم ولزمه دم، وصح حجه. وقال جماعة من أصحابنا: أنه ركن لا يصح الحج إلا به. قوله: ((أسفر)) ضمير الفاعل للفجر، و ((جداً)) حال، أي مبالغاً، أو صفة مصدر محذوف أي إسفاراً بليغاً.

стр. 1463

فاستقبل القبلة، فدعاه، وكبره، وهلله، ووحده، فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً، فدفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن عباس، حتى أتى بطن محسر، فحرك قليلاً، ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج علي الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلي المنحر، فنحر ثلاثاً وستين بدنةً بيده، ثم أعطى علياً، فنحر ما غبر، وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قدر، فطبخت، فأكلا من لحمها وشربا من مرقها. ثم ركب ــ قوله: ((بطن محسر)) ((مح)): هو بضم الميم وفتح الحاء وكسر السين المشددة المهملتين، سمي بذلك؛ لأن فيل أصحاب الفيل حسر فيه، أي أعيى وكل. قوله: ((الطريق الوسطى)) ((مح)): هو غير الطريق الذي ذهب فيه إلي عرفات، وهذا معنى قول أصحابنا: يذهب إلي عرفات في طريق ضب، ويرجع في طريق المأزمين. قوله: ((حصى الخذف)) بدل من ((حصيات)) وهو نحو حبة الباقلاء، ينبغي أن لا تكون أصغر ولا أكبر منها. أقول: يريد أن الإضافة فيه للبيان بمعنى من. ((تو)): ((الخذف)) بالخاء والذال المعجمتين، الرمي بالأصابع، يريد أن كل حصاة كانت كالتي يجعلها الإنسان علي إصبعه فرمى بها. ((مح)): فيه أن يكون المرمي به حجراً، وفيه أن التكبير بينهما سنة، ويجب التفريق بينهما، فإن رماها رمية واحدة حسبت واحدة، ومذهبنا أن الرمي واجب وليس بركن، فإن تركه حتى فاتت أيام الرمي عصى، ولزمه دم. قوله: ((ما غبر)) أي ما بقي، والغبور البقاء والمضي، وهو من الأضداد. ((مح)): فيه استحباب ذبح هديه بنفسه، وجواز الاستنابة فيه، واستحباب تعجيل ذبح الهدايا يوم النحر وإن كانت كثيرة. وأما قوله: ((وأشركه في هديه)) فظاهره أنه شاركه في نفس الهدي. وقال القاضي عياض: وعندي أنه لم يكن تشريكاً حقيقياً، بل أعطاه قدراً يذبحه. و ((البضعة)) بفتح الباء، القطعة من اللحم. وفيه استحباب الأكل من هدي التطوع وأضحيته. قوله: ((فأكلا من لحمها وشربا من مرقها)) ((مظ)): الضمير المؤنث يعود إلي القدر؛ لأنها مؤنث سماعي. أقول: ويحتمل أن يعود الضمير إلي الهدايا. ((مح)): قالوا: لما كان الأكل من كل واحدة سنة، وفي الجمع بينها كلفة، جعلت في قدر ليكون الشرب مع مرق الجميع الذي فيه جزء من كل واحدة، والأكل من اللحوم المجتمعة متيسر. قوله: ((فأفاض)) أي أسرع إلي الكعبة للطواف الفرض، ((وطاف فصلي)) ففيه إضمار. ((مح)): هو ركن من أركان الحج بالإجماع، ويجوز الطواف في جميع يوم النحر بلا كراهة، ويكره تأخيره عنه بلا عذر، وتأخيره عن أيام التشريق أشد كراهة، ولا يحرم تأخيره سنين متطاولة، ولا

стр. 1464

رسول الله ﷺ ، فأفاض إلي البيت، فصلي بمكة الظهر، فأتى علي بني عبد المطلب يسقون علي زمزم، فقال: ((انزعوا بني عبد المطلب! فلولا أن يغلبكم الناس علي سقايتكم لنزعت معكم)). فناولوه دلواً فشرب منه. رواه مسلم. ٢٥٥٦ - وعن عائشة [﵂] قالت: خرجنا مع النبي ﷺ في حجة الوداع، فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج، فلما قدمنا مكة قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ((من أهل بعمرة ولم يهد فليحلل، ومن أحرم بعمرة وأهدى فليهل بالحج مع ــ آخر لوقته، بل يصح ما دام الإنسان حياً، وشرط أن يكون بعد الوقوف بعرفات، ولا يشترط فيه الرمل، ولا الاضطباع، إذا كان قد رمل واضطبع في طواف القدوم، ولو طاف للوداع أو التطوع، وعليه طواف الإفاضة، وضع عنه طواف الإفاضة بلا خلاف عندنا بنص الشافعي ﵁، وقال أبو حنيفة وأكثر العلماء: لا يجزئ طواف الإفاضة بنية غيره. قوله: ((انزعوا)) ((مح)): أي استقوا بالدلاء، وانزعوها بالرشاء. لولا خوفي أن يعتقد الناس أن النزع والاستقاء مناسك من الحج، ويزدحمون عليه بحيث يغلبونكم، لاستقيت معكم لكثرة فضيلته، وفيه استحباب شرب ماء زمزم، وسميت به لكثرة مائها، يقال: ماء زمزم وزموم وزمام، إذا كان كثيراً. وقيل: إنها غير مشتقة. الحديث الثاني عن عائشة ﵂: قوله: ((ولا بين الصفا والمروة)) عطف علي النفي علي تقدير ((ولم أسع)) وهو من باب ((علفتها تبناً وماءً بارداً))، ويجوز أن يقدر ((ولم أطف)) علي المنفي قبله علي طريق المجاز، لما سيجيء في الحديث الذي يتلوه ((فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف)). وإنما ذهبنا إلي التقدير دون الانسحاب لئلا يلزم استعمال اللفظ الواحد حقيقة ومجازاً في حالة واحدة. وقوله: ((فلم أزل)) عطف علي ((حضت)) أي حضت فاستمر حيضي. قوله: ((ومن أحرم بعمرة وأهدى فلا يحل حتى يحل بنحر يهديه)) ((مح)): هذا ظاهره الدلالة علي مذهب أبي حنيفة وأحمد وموافقيهما، ومذهب مالك والشافعي وموافقيهما: أن المعتمر إذا طاف وسعى وحلق، حل وحل له كل شيء في الحال، سواء ساق هدياً أم لا، واحتجوا بالقياس علي من لم يسق الهدي، وبأنه تحلل من نسكه فوجب أن يحل له كل شيء .. قالوا: إن هذه الرواية مختصرة من الرواية التي ذكرها مسلم بعدها، والتي قبلها عن عائشة قالت: ((قال رسول الله ﷺ : من كان معه هدي فليهلل بالحج والعمر، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعاً، فهذه الرواية مفسرة للمحذوف من الرواية التي احتج بها أبو حنيفة، وتقديرها: ومن أحرم بعمرة وأهدى، فليهلل بالحج، ولا يحل حتى ينحر هديه. ولابد من هذا التأويل؛ لأن القضية واحدة، والراوي واحد، فيتعين الجمع بين الروايتين علي ما ذكرناه.

стр. 1465

العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما)). وفي رواية: ((فلا يحل حتى يحل بنحر هديه، ومن أهل بحج فليتم حجه)). قالت: فحضت، ولم أطف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة، فلم أزل حائضاً حتى كان يوم عرفة، ولم أهلل إلا بعمرةٍ، فأمرني النبي ﷺ أن أنقض رأسي وأمتشط وأهل بالحج، وأترك العمرة، ففعلت، حتى قضيت حجي بعث معي عبد الرحمن بن أبي بكر، وأمرني أن أعتمر مكان عمرتي من التنعيم. قالت: فطاف الذين كانوا أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافاً بعد أن رجعوا من منى. وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافاً واحداً. متفق عليه. ٢٥٥٧ - وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلي الحج، فساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ فأهل ــ قوله: ((واترك العمرة)) ((مظ)): أي أخرج من إحرامي العمرة، وأستبيح محذورات الإحرام، وأحرم بعد ذلك بالحج، وأتم الحج، فإذا أرغ منه أحرم بالعمرة. وبهذا قال أبو حنيفة. وقال الشافعي: ليس معناه أنه أمرها بترك العمرة، بل معناه أنه أمرها بترك أعمال العمرة، وأمرها أن تدخل الحج في العمرة، لتكون قارنة، وأما عمرتها بعد فراغ الحج، فكانت تطوعاً لتطيب نفسها، كيلا تظن لحوق نقصان عليها بتركها أعمال عمرتها الأولي. قوله: ((بعث)) جملة استئنافية علي تقدير السؤال كأنها لما أخبرت عن الكلام السابق سئلت: ثم ماذا حدث بعد؟ فأجابت ((بعث)) إلي آخره، وقوله: ((مكان عمرتي)) أي بدلها، وهو نصب علي المصدر. و ((من التنعيم)) متعلق بـ ((اعتمر)) وهو موضع قريب من مكة عند مسجد عائشة ﵂. قوله: ((ثم طافوا طوافاً واحداً)) ((مظ)): يعني طاف الذين أفردوا العمرة عن الحج طوافين، طوافاً للعمرة وطوافاً بعد أن رجعوا للحج في يوم النحر بعد أن رجعوا من منى إلي مكة، وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة، فإنهم طافوا طوافاً واحداً يوم النحر للحج والعمرة جميعاً. الحديث الثالث عن عبد الله بن عمر ﵄: قوله: ((تمتع رسول الله ﷺ ) ((مح)): قال القاضي عياض: هو محمول علي التمتع اللغوي، وهو القران آخراً، معناه أنه ﷺ أحرم أولاً بالحج مفرداً، ثم أحرم بالعمرة، فصار قارناً في آخر أمره، والقارن هو متمتع من حيث اللغة، ومن حيث المعنى؛ لأنه ترفه باتحاد الميقات والإحرام والفعل، ويتعين هذا التأويل هنا؛ لمل قدمناه في الأبواب السابقة من الجمع بين الأحاديث في ذلك.

стр. 1466

بالعمرة، ثم أهل بالحج، فتمتع الناس مع النبي ﷺ بالعمرة إلي الحج، فكان من الناس من أهدى، ومنهم من لم يهد، فلما قدم النبي ﷺ مكة، قال للناس: ((من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج وليهد، فمن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعةً إذا رجع إلي أهله)) فطاف حين قدم مكة واستلم الركن أول شيء، ثم خب ثلاثة أطواف، ومشى أربعاً فركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين، ثم سلم فانصرف، فأتى الصفا فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف، ثم لم يحل من شيء حرم منه حتى قضى حجه ونحر هديه يوم النحر وأفاض فطاف بالبيت ثم حل من كل شيء حرم منه، وفعل مثل ما فعل رسول الله ﷺ من ساق الهدي من الناس. متفق عليه. ــ وأما قوله: ((وبدأ رسول الله صلي الله عليه ويلم، فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج)) فهو محمول علي التلبية في أثناء الإحرام، وليس المراد أنه أحرم في أول أمره بعمرة، ثم أحرم بحج؛ لأنه يؤدي إلي مخالفة الأحاديث السابقة، فوجب تأويل هذا علي موافقتها. ويؤيد هذا التأويل قوله: ((فتمتع الناس مع النبي ﷺ بالعمرة إلي الحج)) ومعلوم أن كثيراً منهم، أو أكثرهم أحرموا أولاً بالحج مفردين، وإنما فسخوه إلي العمرة آخراً فصاروا متمتعين. فقوله: ((فتمتع الناس)) يعني في آخر الأمر. وأما قوله: ((ثم ليهل بالحج)) فمعناه يحرم في وقت الخروج إلي عرفات، لا أنه يهل به عقيب تحلل العمرة، ولهذا قال: ((ثم ليهل)) فأتى بـ ((ثم)) التي هي لتراخي المهلة. وأما قوله: ((وليهد)) فالمراد به هدي التمتع وهو واجب. أقول: علي هذا التأويل معناه أن رسول الله ﷺ أراد أن يقارن العمرة بالحج مترفهاً بإيجاد الميقات والإحرام والفعل، فساق الهدي وبدأ فلبى لإحرام العمرة، ثم لبى في أثناء الإحرام للحج، و ((ثم)) ها هنا لتراخي مرتبة الحج من العمرة، ولابد من تقدير الإرادة لئلا يلزم التكرار. ويجوز أن لا يقدر الإرادة فتكون الفاء للتفصيل، فإن التفصيل يعقب الإجمال. وقوله: ((إلي الحج)) حال أي متوجهاً إلي الحج. و ((أول شيء)) حال من المفعول أي مبدوءاً به. قوله: ((ثم خب)) الخب ضرب من العدو، وهو المعنى بالرمل، ووضع قوله: ((فطاف بالصفا والمروة)) موضع السعي بينهما. قوله: ((فليصم ثلاثة أيام)) ((مح)): يجب صومها قبل يوم النحر، ويجوز صوم يوم عرفة منها، لكن الأولي أن يصوم الثلاثة قبله، والأفضل أن لا يصومها حتى يحرم بالحج بعد فراغه

стр. 1467

٢٥٥٨ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((هذه عمرة استمتعنا بها، فمن لم يكن عنده الهدي فليحل الحل كله، فإن العمرة قد دخلت في الحج إلي يوم القيامة)). رواه مسلم. وهذا الباب خال عن الفصل الثاني الفصل الثالث ٢٥٥٩ - عن عطاء، قال: سمعت جابر بن عبد الله في ناس معي قال: أهللنا- أصحاب محمد- بالحج خالصاً وحده. قال عطاء: قال جابر: فقدم النبي ﷺ صبح ــ من العمرة، فإن صامها لذلك أجزأه علي المذهب الصحيح، وإن صامها بعد الإحرام بالعمرة، وقبل فراغها لم يجزئه، فإن صامها في أيام التشريق ففي صحته قولان، أشهرهما أنه لا يجوز، وأصحهما من حيث الدليل جوازه، ولو ترك صيامها حتى مضي التشريق لزمه قضاؤها عندنا. وقال أبو حنيفة ﵁: يفوت صيامها، ويلزمه الهدي إذا استطاعه، وأما صوم السبعة فيجب إذا رجع، وفي المراد بالرجوع خلاف، والصحيح عندنا أنه إذا رجع إلي أهله، وقيل: إذا رجع إلي مكة من منى، ومذهب أبي حنيفة الثاني. الحديث الرابع عن ابن عباس ﵄: قوله: ((استمتعنا بها)) هذا ظاهر في أن المراد بالاستمتاع هو الترفه باتحاد الميقات والإحرام. ((مظ)): قد مر اختلاف الروايات في أنه ﷺ كان متمتعاً أو قارناً أو مفرداً، فمن قال بالتمتع تمسك بظاهر هذا الحديث، ومن قال بالقران ذهب إلي أن معناه استمتع من امرأته بتقديم العمرة علي الحج من أصحابي، فأضاف فعلهم إلي نفسه، لأن فعل من فعل شيئاً بأمره كفعله. أقول: هو نحو قوله تعالي: ﴿يأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن﴾ - الكشاف-: خص النبي ﷺ بالنداء وعم الخطاب؛ لأن النبي صلي الله علبه وسلم إمام أمته وقدوتهم، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم: يا فلان افعلوا كيت وكيت، إظهاراً لتقمه، واعتباراً لترؤسه. قوله: ((الحل)) نصب علي المصدر و ((كله)) تأكيد له، أي الحل التام. الفصل الثالث الحديث الأول عن جابر ﵁: قوله: ((أهللنا أصحاب محمد)) ((مح)): اختلفوا في هذا، هل هذا هو خاص للصحابة تلك السنة، أم باق لهم ولغيرهم إلي بيوم القيامة، فقال أحمد

стр. 1468

رابعة مضت من ذي الحجة، فأمرنا أن نحل. قال عطاء: قال: ((حلوا وأصيبوا النساء)). قال عطاء: ولم يعزم عليهم، ولكن أحلهن لهم، فقلنا لما لم يكن بيننا وبين عرفة إلا خمس أمرنا أن نفضي إلي نسائنا، فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المني. قال: ((قد علمتم إني أتقاكم لله وأصدقكم وأبركم، ولولا هديي لحللت كما تحلون، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لم اسق الهدي فحلوا)) فحللنا، وسمعنا وأطعنا. قال ــ وطائفة من أهل الظاهر: ليس خاصاً، بل هو باق إلي يوم القيامة، فيجوز لكل من أحرم بحج وليس معه هدي أن يقلب إحرامه عمرة ويحلل بأعمالها، وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة: هو مختص بهم في تلك السنة، لا يجوز بعدها. وإنما أمروا به؛ ليخالفوا ما كانت عليه الجاهلية من تحريم العمرة في أشهر الحج. واستدل بحديث أبي ذر ((كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد خاصة)) يعني فسخ الحج إلي العمرة، وفي كتاب النسائي عن أب بلال ((قلت: يا رسول الله! فسخ الحج لنا خاصة أم للناس عامة؟ فقال: بل لنا خاصة))، وأما في حديث سراقة: ((ألعامنا هذا أم لأبد؟ فقال: لأبد))، فمعناه يجوز الاعتمار في أشهر الحج والقران. فالحاصل من مجموع طرق الأحاديث أن العمرة في أشهر الحج جائزة إلي يوم القيامة، وكذلك القران، وأن فسخ الحج إلي العمرة مختص بتلك السنة. أقول: في هذا الحديث نفسه دليل علي الاختصاص؛ لأن قول جابر: ((أهللنا أصحاب محمد)) معناه أنا معشر أصحاب محمد مخصوصون بالإهلال بالحج إلي آخره. قال في المفصل: وفي كلامهم ما هو علي طريقة النداء ويقصد به الاختصاص لا النداء، وذلك قولهم: نحن نفعل كذا أيها القوم، واللهم اغفر لنا أيتها العصابة، أي نحن نفعل متخصصين من بين الأقوام، واغفر لنا مخصوصين من بين العصائب. وقوله: ((في الناس معي)) حال من المفعول، أي كائناً في جملة ناس معي. و ((خالصاً)) أيضاً حال من الحج، و ((وحده)) صفة مؤكدة له، فـ ((خالصاً)) حال موطئة، كقوله تعالي: ﴿قرآناً عربياً﴾. قوله: قال عطاء: ((قال: حلوا)) فسر جابر قوله: ((فأمرنا أ، نحل)) بقوله: قال، أي رسول الله ﷺ : ((حلوا))، ثم فسر عطاء تفسير جابر بقوله: ((ولم يعزم عليهم)) أي لم يوجب وطنهن، بدليل قوله: ((ولكن أحلهن)) أي أباح وطئهن. وقوله: ((إلا خمس)) أي خمس ليال. قوله: ((فنأي عرفة)) ليس من تمام أمر رسول الله ﷺ ، بل هو عطف علي مقدر، أي فتنزهنا من ذلك، وقلنا: نأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المني، ومن ثمة أشاروا بمذاكيرهم استهجاناً لذلك الفعل، ولذلك واجههم رسول الله ﷺ بقوله: ((قد علمتم إني أتقاكم لله)). وكذا قوله: ((سمعنا

стр. 1469

عطاء: قال جابر: فقدم علي من سعايته فقال: بم أهللت؟ قال: بما أهل به النبي ﷺ . فقال له رسول الله ﷺ : ((فأهد وامكث حراماً)) قال: وأهدى له علي هدياً، فقال سراقة بن مالك بن جعشم: يا رسول الله! ألعامنا هذا أم لأبد؟ قال: ((لأبد)). رواه مسلم. ٢٥٦٠ - وعن عائشة ﵂ أنها قالت: قدم رسول الله ﷺ لأربع مضين من ذي الحجة. أو خمس، فدخل علي وهو غضبان فقلت: من أغضبك يا رسول الله! أدخله الله النار. قال: ((أو ما شعرت إني أمرت الناس بأمر فإذا هم يترددون، ولو إني استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي معي حتى أشتريه ثم أحل كما حلوا)). رواه مسلم. (٣) باب دخول مكة والطواف الفصل الأول ٢٥٦١ - عن نافع، قال: إن ابن عمر كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى حتى ــ وأطعنا)) بعد التحليل، ويوضحه الحديث الذي بعده. قوله: ((من سعايته)) ((نه)): أي توليه استخراج الصدقات من أربابها، وبه سمي عامل الصدقات الساعي. الحديث الثاني عن عائشة ﵂: قوله: ((من أغضبك)) ((من)) يجوز أن تكون شرطية، وجوابه ((أدخله الله))، وأن تكون استفهامية علي سبيل الإنكار. وقوله: ((أدخله الله)) علي هذا لا يكون إلا الدعاء بخلاف الأول، فإنه يحتمل الدعاء والإخبار. ((مح)): وإنما غضب ﷺ لهتك حرمة الشرع، وترددهم في قبول حكمه، وتوقفهم في أمره، وقد قال الله تعالي: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾. وفيه دلالة علي استحباب الغضب عند هتك حرمة الدين، وجواز الدعاء علي المخالف. ((حتى أشتريه)) هي بمعنى كي، و ((أشتريه)) منصوب به. باب دخول مكة والطواف الفصل الأول الحديث الأول عن نافع: قوله: ((بذي طوى)) اسم بئر في طريق المدينة. ((مح)): هو بفتح

стр. 1470

يصبح ويغتسل ويصلي، فيدخل مكة نهاراً، وإذا نفر منها مر بذي طوى وبات بها حتى يصبح، ويذكر أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك، متفق عليه. ٢٥٦٢ - وعن عائشة ﵂، قالت: إن النبي ﷺ لما جاء إلي مكة دخلها من أعلاها، وخرج من أسفلها متفق عليه. ٢٥٦٣ - وعن عروة بن الزبير، قال: قد حج النبي ﷺ ، فأخبرتني عائشة أن أول شيء بدأ به حين قدم مكة أنه توضأ، ثم طاف بالبيت، ثم لم تكن عمرة ثم حج أبو بكر، فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم تكن عمرة. ثم عمر. ثم عثمان مثل ذلك. متفق عليه. ــ الطاء وضمها وكسرها والفتح أفصح وأشهر، وهي موضع بقرب مكة، وتصرف، وفيه استحباب دخول مكة نهاراً ليرى البيت ويدعو، والاغتسال بذي طوى لدخولها، أو يقدر بقدرها من لم يكن في طريقها. قوله: ((فيدخل)) الرواية بالنصب، ((والفاء)) للتعقيب، ((وحتى)) بمعنى كي، أي بات بها ليجمع بين هذه الأشياء، وإنما أتى بحرف التعقيب ليؤذن بالترتيب في مدخوله. ويجوز فيه الرفع، ((والفاء)) للسببية، ((وحتى)) بمعنى إلي أن، وهذا الوجه وإن كان ظاهراً، ولكن الأول أدق معنىً لاستدعاء الحصر بـ ((ما)) و ((إلا)) تخصيص البيتوتة بذي طوى وأنه لم يكن إلا لتلك الأغراض. وفيه: أن الخصال الثلاث الأول كالمقدمات للأخيرة، ومستتبعات لها. قوله: ((ويذكر)) عطف علي خبر ((كان))، أي كان يذكر، أي كان ابن عمر يجمع بين هذه الأفعال، ويذكر أن النبي ﷺ فعلها. الحديث الثاني عن عائشة ﵂: قوله: ((دخلها من أعلاها)) ((مح)): قيل: إنما فعل ﷺ هذه المخالفة في طريقه داخلاً وخارجاً، للفأل بتغير الحال إلي أكمل منه، كما فعل في العيد، وليشهد له الطريقان، وليتبرك أهلها به. ويستحب عندنا دخول مكة من الثنية العليا، والخروج من السفلي، ولا فرق بين أن تكون هذه الثنية علي طريقه كالمدني، أو لا تكون كاليمني، [وهكذا] يستحب أن يخرج من بلده من طريق ويرجع من أخرى. الحديث الثالث عن عروة ﵁: قوله: ((فأخبرتني)) الفاء فيه كالتفصيل للمجمل، فأخبر عروة أن النبي ﷺ قد حج، ثم فصله بإخبار عائشة ﵂، ونظيره قوله تعالي: ﴿إن فاءوا﴾ بعد قوله تعالي: ﴿للذين يؤلون من نسائهم﴾ قوله: ((إنه توضأ)) ((مح)): فيه

стр. 1471

٢٥٦٤ - وعن ابن عمر ﵄، قال: كان رسول الله ﷺ إذا طاف في الحج أو العمرة أول ما يقدم سعى ثلاثة أطواف ومشى أربعة، ثم سجد سجدتين، ثم يطوف بين الصفا والمروة. متفق عليه. ٢٥٦٥ - وعنه، قال: رمل رسول الله ﷺ من الحجر إلي الحجر ثلاثاً، ومشى أربعاً، وكان يسعى ببطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة. رواه مسلم. ــ دليل إثبات الوضوء للطواف، وفد أجمعت الأمة علي شرعيته، لكن اختلفوا في أنه واجب وشرط لصحته أم لا؛ فقال الجمهور من الفقهاء: هو شرط لصحته، وقال أبو حنيفة: مستحب، وليس بشرط، واحتج الجمهور بهذا الحديث؛ لأن النبي ﷺ فعله، ثم قال ﷺ : ((لتأخذوا عني مناسككم))، وفي حديث ابن عباس في الترمذي وغيره، أن النبي ﷺ قال: ((الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام))، ولكن الحديث في رفعه ضعف، ويحصل به الدلالة مع أنه موقوف؛ لأنه قول صحابي انتشر بلا مخالفة، فهو حجة علي الصحيح. ((مظ)): قال أبو حنيفة: إن طاف محدثاً، أو مكشوف العورة، أو متنجساً لزمه الإعادة، فإن لم يعد حتى خرج من مكة لزمه دم، وصح طوافه. قوله: ((ثم لم تكن عمرة)) ((كان)) تامة، أي ثم لم توجد بعد الطواف عمرة. ((مح)): قال القاضي عياض: في جميع النسخ ((لم يكن غيره)) بالغين المعجمة والياء، وهو تصحيف، وصوابه ((لم تكن عمرة))، كأن هذا رد لمن يأل عن فسخ الحج إلي العمرة، واحتج بأمر النبي ﷺ أصحابه في حجة الوداع، فأعلمه أن البي ﷺ لم يفعل ذلك بنفسه، ولا من جاء بعده. قلت: وفي قوله: ((تصحيف)) نظر، بل هو صحيح رواية ومعنى؛ لأن الكلام إذا كان رداً، ورد العام بتناول الخاص، يعني ثم لم يكن بعد الطواف غيره، أي لم يغير الحج ولم ينقله ويفسخه إلي غيره، لا عمرة ولا قران- انتهي كلامه. فظهر من هذا أن قوله: ((ثم لم تكن عمرة)) إلي آخره من كلام عروة بن الزبير. الحديث الرابع عن ابن عمر ﵄: قوله: ((إذا طاف)) ((إذا)) شرطية خبر ((كان))، وجزاؤه ((سعى)) و ((أول)) ظرف سعى قدم عليه، و ((ثلاثة)) منصوب صفة لمصدر محذوف، وقوله: ((ثم يطوف)) أتى بالفعل المضارع استحضاراً لتلك الحالة، المعنى أنه ﷺ إذا طاف سعى أول قدومه ثلاث أطواف. وقوله: ((ثم سجد سجدتين)) أي صلي ركعتين. ((شف)): فيه دلالة علي استحباب الرمل في الأشواط الثلاثة الأول من طواف القدوم، والهينة في الأربعة الأخيرة.

стр. 1472

٢٥٦٦ - وعن جابر، قال: إن رسول الله ﷺ لما قدم مكة أتى الحجر فاستلمه، ثم مشى علي يمينه، فرمل ثلاثاً، ومشى أربعاً. رواه مسلم. ٢٥٦٧ - وعن الزبير بن عربي، قال: سأل رجل ابن عمر عن استلام الحجر. فقال: رأيت رسول الله ﷺ يستلمه ويقبله. رواه البخاري. ٢٥٦٨ - وعن ابن عمر، قال: لم أر النبي ﷺ يستلم من البيت إلا الركنين اليمإنيين. متفق عليه. ٢٥٦٩ - وعن ابن عباس، قال: طاف النبي ﷺ في حجة الوداع علي بعير، يستلم الركن بمحجن. متفق عليه. ٢٥٧٠ - وعنه، أن رسول الله ﷺ طاف بالبيت علي بعير، كلما أتى علي الركن أشار إليه بشيء في يده وكبر. رواه البخاري. ــ الحديث الخامس إلي السابع عن الزبير ﵁: قوله: ((يستلمه ويقبله)) ((فا)): هو افتعل من السلمة بكسر اللام، وهي الحجر، وهو أن يتناوله بلمس أو تقبيل، أو إدراك بعصا. أقول: فقوله: ((يقبله)) قرينة دالة علي حصول هذا النوع من الاستلام، أو جمع بين النوعين منه. الحديث الثامن عن ابن عمر ﵄: قوله: ((إلا الركنين اليمإنيين)) ((مح)): واللغة الفصيحة المشهورة تخفيف الياء، وفيه لغة أخرى بالتشديد، فمن خفف قال: هذه نسبة إلي اليمن، والألف عوض من إحدى يائي النسب، فتبقى الياء الأخرى مخففة، ولو شددت لجمع بين العوض والمعوض، والركنان اليمإنيان هما الركن الأسود والركن اليمإني، وإنما قيل لهما: اليمإنيان للتغليب، كما قيل: الأبوان، والعمران، والقمران، والركنان الآخران يقال لهما: الشاميان، والركنان الأسود واليمإني فيهما فضيلتان، إحداهما: كونهما من بناء إبراهيم، والثانية: كون الحجر في أحدهما، وليس في الآخرين ذلك، فلا يقبلان ولا يستلمان. والقادر علي تقبيل الحجر الأسود لا يقتصر علي تقبيل اليد، وإذا عجز جاز الاقتصار، ويستحب عندنا أن يستلمه ثم يقبله، ثم يضع جبهته عليه، وبه قال الجمهور من الصحابة والتابعين، وانفرد مالك، فقال: السجود عليه بدعة. ((شف)): وإنما لم يستلم النبي ﷺ من الأركان الأربعة إلا الركنين اليمإنيين؛ لأنهما بقيا إلي الآن علي بناء إبراهيم ﵇، دون الشاميين، فإنهما ما بقيا علي بنائه ﵇، وكذا عن المظهر. الحديث التاسع إلي الحادي عشر عن ابن عباس ﵄: قوله: ((بمحجن)) ((نه)):

стр. 1473

٢٥٧١ - وعن أبي الطفيل، قال: رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالبيت ويستلم الركن بمحجن معه، ويقبل المحجن. رواه مسلم. ٢٥٧٢ - وعن عائشة، قالت: خرجنا مع النبي ﷺ لا نذكر إلا الحج. فلما كنا بسرف طمثت، فدخل النبي ﷺ وأنا أبكي، فقال: ((لعلك نفست؟)) قلت: نعم. قال: ((فإن ذلك شيء كتبه الله علي بنات آدم، فافعلي ما يفعل الحاج؛ غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري)) متفق عليه. ــ هو عصا معقفة الرأس كالصولجان، والميم زائدة. ((قض)) فيه دليل علي جواز الطواف راكباً، والمشي فيه أفضل، وإنما ركب رسول الله ﷺ في حجة الوداع؛ لأن الناس غشوه، وازدحموا عليه، فركب ليشرف لهم ويراه القريب والبعيد، وأن الطائف إذا عسر عليه الاستلام باليد، فله الاستلام بسوط ونحوه. ((تو)): لما كان من حق الملوك علي من ينتابهم من الوفود، أن يقبلوا أيمانهم، وكان الحجر للبيت بمثابة اليد اليمنى، شرع التقبيل للوافدين إليه إقامة لشرط التعظيم، فإن منع مانع فالسنة فيه أن يشير إليه بيده، ثم يقبل يده، والمعنى: إني رمت التقبيل فحجزني عنه حاجز، فها أنا أقبل اليد التي تشرفت بالإشارة إليك مكان ما قد فاتني، وقد وجد في تقبيل النبي ﷺ المحجن من التعظيم ما لا يوجد في تقبيل اليد نفسها؛ لأنه أبلغ في بيان القصد. الحديث الثاني عشر عن عائشة: قوله: ((لا نذكر)) أي لم يخطر ببالنا غير الحج. وقوله: ((غير أن لا تطوفي)) استثناء من المفعول به، و ((لا)) زائدة لتأكيد النفي. قوله: ((بسرف)) ((مح)): هو- بفتح السين المهملة وكسر الراء- ما بين مكة والمدينة بقرب مكة علي أميال منها، قيل: ستة أميا أو أكثر إلي اثني عشر ميلاً، وقوله: ((طمثت)) هو بفتح الطاء وكسر الميم، أي حضت و ((نفست))، أي حضت- بفتح النون وضمها- والفتح أفصح، وأما الولادة فيقال فيه: نفست بالضم لا غير. وقوله: ((هذا شيء كتبه الله علي بنات آدم)) تسلية لها وتخفيف، أي ليست مختصة به، بل كل بنات آدم مبتلاة به. وفي قوله: ((فافعلي ما يفعل الحاج)) دليل علي أن الحائض والنفساء والمحدث والجنب يصح منهم جميع أفعال الحج، وأقواله وهيئاته، إلا الطواف. واختلفوا في علة المنع من الطواف، فمن شرط الطهارة للطواف، كمالك والشافعي وأحمد، قال: العلة في بطلان طواف الحائض عدم الطهارة، ومن لم يشترطها كأبي حنيفة قال: العلة فيه كونها ممنوعة من اللبث في المسجد.

стр. 1474

٢٥٧٣ - وعن أبي هريرة، قال: بعثني أبو بكر في الحجة التي أمره النبي ﷺ عليها قبل حجة الوداع يوم النحر في رهط، أمره أن يؤذن في الناس: ((ألا لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان)). متفق عليه. الفصل الثاني ٢٥٧٤ - عن المهاجر المكي، قال: سئل جابر عن الرجل يرى البيت يرفع يديه. فقال قد حججنا مع النبي ﷺ فلم نكن نفعله. رواه الترمذي، وأبو داود. ٢٥٧٥ - وعن أبي هريرة، قال: أقبل رسول الله ﷺ فدخل مكة، فأقبل إلي الحجر، فاستلمه، ثم طاف بالبيت، ثم أتى الصفا فعلاه حتى ينظر إلي البيت، فرفع يديه، فجعل يذكر الله ما شاء ويدعو. رواه أبو داود. [٢٥٧٥] ــ الحديث الثالث عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((أمره أن يؤذن)) الضمير راجع إلي الرهط باعتبار اللفظ، ويجوز أن يكون لأبي هريرة علي الالتفات. قوله: ((يوم النحر)) فيه دليل علي أن المراد بالحج الأكبر في قوله تعالي: ﴿وأذان من الله ورسوله إلي الناس يوم الحج الأكبر﴾ يوم النحر؛ لأن فيه معظم المناسك. قوله: ((ألا لا يحج بعد العام مشرك)) ((مح)): هو من قوله تعالي: ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ والمراد بالمسجد الحرام حرم الله، فلا يمكن مشرك من دخوله ولو جاء في رسالة، أو أمر مهم، بل يخرج إليه من يقضي الأمر المتعلق به، ولو دخل خفية ومات، نبش وأخرج من الحرم. وإنما منع طواف العريان لما كانت الجاهلية عليه، وعن طاوس: كان أحدهم يطوف بالبيت عرياناً، وإن طاف وهي عليه ضرب، وانتزعت منه؛ لأنهم قالوا: لا نعبد الله في ثياب أذنبنا فيها. وقيل: تفاؤلاً ليتعروا من الذنوب، كما تعروا من الثياب. الفصل الثاني الحديث الأول عن المهاجر: قوله: ((عن الرجل)) أي عن حال الرجل، و ((يرى البيت)) حال من ((الرجل)))) ويرفع)) حال أخرى إما مترادفة، أو متداخلة. ((مظ)): وذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة إلي هذا، وقال أحمد وسفيان الثوري: يرفع اليدين من رأي البيت ويدعو.

стр. 1475

٢٥٧٦ - وعن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: ((الطواف حول البيت مثل الصلاة؛ إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فيه فلا يتكلمن إلا بخير)). رواه الترمذي، والنسائي، والدارمي، وذكر الترمذي جماعة وقفوه علي ابن عباس [٢٥٧٦]. ٢٥٧٧ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((نزل الحجر الأسود من الجنة، وهو أشد بياضاً من اللبن، فسودته خطايا بني آدم)). رواه أحمد، والترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح. [٢٥٧٧] ــ الحديث الثاني والثالث عن ابن عباس ﵄: قوله: ((إلا أنكم)) يجوز أن يكون الاستثناء متصلاً، أي الطواف كالصلاة، في الشرائط من الطهارة وستر العورة ونحوهما إلا في التكلم ويجوز أن يكون منقطعاً أي الطواف مثل الصلاة لكن رخص لكم التكلم فيه؛ لأن عادتكم التكلم. ودليل الترخيص قوله ﷺ : ((فلا يتكلمن إلا بخير)) أي إذا كان لابد من الكلام، فلا يتكلمن إلا بخير. الحديث الرابع عن ابن عباس ﵄: قوله: ((الحجر الأسود)) ((قض)): لعل هذا الحديث جار مجرى التمثيل، والمبالغة في تعظيم شأن الحجر، وتفظيع أمر الخطايا والذنوب، والمعنى أن الحجر لما فيه من الشرف والكرامة، وما فيه من اليمن والبركة، يشارك جواهر الجنة، فكأنه نزل منها، وإن خطايا بني آدم تكاد تؤثر في الجماد، فتجعل المبيض منها مسوداً، فكيف بقلوبهم؟ أو لأنه من حيث أنه مكفر للخطايا، محاء للذنوب، لما روي عن ابن عمر ﵄: أنه كان يزاحم علي الركنين، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن مسحهما كفارة للخطايا))، كأنه من الجنة، ومن كثرة تحمله أوزار بني آدم، صار كأنه كان ذا بياض شديد فسودته الخطايا. هذا، واحتمال إرادة الظاهر غير مدفوع عقلاً، ولا سمعاً. والله أعلم بالحقائق. ((مظ)): في الحديث فوائد، منها امتحان إيمان الرجل، فإن كان كامل الإيمان يقبل هذا فلا يتردد، وضعيف الإيمان يتردد، والكافر ينكر، ومنها التخويف، فإن الرجل إذا علم أن الذنوب تسود مسح الحجر يحترز من الذنب، كيلا يسود بدنه بشؤمه. ومنها التحريض علي التوبة، ومنها الترغيب في مسح الحجر لينالوا بركته، فتنتقل ذنوبهم من أبدانهم إليه. الحديث الخامس عن ابن عباس ﵄: قوله: ((ليبعثنه الله)) ((قض)): شبه خلق
следующие страницы →