← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122257

شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن

الطيبي

Полный текст (3 308 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

٢٥٦٤ - وعن ابن عمر ﵄، قال: كان رسول الله ﷺ إذا طاف في الحج أو العمرة أول ما يقدم سعى ثلاثة أطواف ومشى أربعة، ثم سجد سجدتين، ثم يطوف بين الصفا والمروة. متفق عليه. ٢٥٦٥ - وعنه، قال: رمل رسول الله ﷺ من الحجر إلي الحجر ثلاثاً، ومشى أربعاً، وكان يسعى ببطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة. رواه مسلم. ــ دليل إثبات الوضوء للطواف، وفد أجمعت الأمة علي شرعيته، لكن اختلفوا في أنه واجب وشرط لصحته أم لا؛ فقال الجمهور من الفقهاء: هو شرط لصحته، وقال أبو حنيفة: مستحب، وليس بشرط، واحتج الجمهور بهذا الحديث؛ لأن النبي ﷺ فعله، ثم قال ﷺ : ((لتأخذوا عني مناسككم))، وفي حديث ابن عباس في الترمذي وغيره، أن النبي ﷺ قال: ((الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام))، ولكن الحديث في رفعه ضعف، ويحصل به الدلالة مع أنه موقوف؛ لأنه قول صحابي انتشر بلا مخالفة، فهو حجة علي الصحيح. ((مظ)): قال أبو حنيفة: إن طاف محدثاً، أو مكشوف العورة، أو متنجساً لزمه الإعادة، فإن لم يعد حتى خرج من مكة لزمه دم، وصح طوافه. قوله: ((ثم لم تكن عمرة)) ((كان)) تامة، أي ثم لم توجد بعد الطواف عمرة. ((مح)): قال القاضي عياض: في جميع النسخ ((لم يكن غيره)) بالغين المعجمة والياء، وهو تصحيف، وصوابه ((لم تكن عمرة))، كأن هذا رد لمن يأل عن فسخ الحج إلي العمرة، واحتج بأمر النبي ﷺ أصحابه في حجة الوداع، فأعلمه أن البي ﷺ لم يفعل ذلك بنفسه، ولا من جاء بعده. قلت: وفي قوله: ((تصحيف)) نظر، بل هو صحيح رواية ومعنى؛ لأن الكلام إذا كان رداً، ورد العام بتناول الخاص، يعني ثم لم يكن بعد الطواف غيره، أي لم يغير الحج ولم ينقله ويفسخه إلي غيره، لا عمرة ولا قران- انتهي كلامه. فظهر من هذا أن قوله: ((ثم لم تكن عمرة)) إلي آخره من كلام عروة بن الزبير. الحديث الرابع عن ابن عمر ﵄: قوله: ((إذا طاف)) ((إذا)) شرطية خبر ((كان))، وجزاؤه ((سعى)) و ((أول)) ظرف سعى قدم عليه، و ((ثلاثة)) منصوب صفة لمصدر محذوف، وقوله: ((ثم يطوف)) أتى بالفعل المضارع استحضاراً لتلك الحالة، المعنى أنه ﷺ إذا طاف سعى أول قدومه ثلاث أطواف. وقوله: ((ثم سجد سجدتين)) أي صلي ركعتين. ((شف)): فيه دلالة علي استحباب الرمل في الأشواط الثلاثة الأول من طواف القدوم، والهينة في الأربعة الأخيرة.

стр. 1472

٢٥٦٦ - وعن جابر، قال: إن رسول الله ﷺ لما قدم مكة أتى الحجر فاستلمه، ثم مشى علي يمينه، فرمل ثلاثاً، ومشى أربعاً. رواه مسلم. ٢٥٦٧ - وعن الزبير بن عربي، قال: سأل رجل ابن عمر عن استلام الحجر. فقال: رأيت رسول الله ﷺ يستلمه ويقبله. رواه البخاري. ٢٥٦٨ - وعن ابن عمر، قال: لم أر النبي ﷺ يستلم من البيت إلا الركنين اليمإنيين. متفق عليه. ٢٥٦٩ - وعن ابن عباس، قال: طاف النبي ﷺ في حجة الوداع علي بعير، يستلم الركن بمحجن. متفق عليه. ٢٥٧٠ - وعنه، أن رسول الله ﷺ طاف بالبيت علي بعير، كلما أتى علي الركن أشار إليه بشيء في يده وكبر. رواه البخاري. ــ الحديث الخامس إلي السابع عن الزبير ﵁: قوله: ((يستلمه ويقبله)) ((فا)): هو افتعل من السلمة بكسر اللام، وهي الحجر، وهو أن يتناوله بلمس أو تقبيل، أو إدراك بعصا. أقول: فقوله: ((يقبله)) قرينة دالة علي حصول هذا النوع من الاستلام، أو جمع بين النوعين منه. الحديث الثامن عن ابن عمر ﵄: قوله: ((إلا الركنين اليمإنيين)) ((مح)): واللغة الفصيحة المشهورة تخفيف الياء، وفيه لغة أخرى بالتشديد، فمن خفف قال: هذه نسبة إلي اليمن، والألف عوض من إحدى يائي النسب، فتبقى الياء الأخرى مخففة، ولو شددت لجمع بين العوض والمعوض، والركنان اليمإنيان هما الركن الأسود والركن اليمإني، وإنما قيل لهما: اليمإنيان للتغليب، كما قيل: الأبوان، والعمران، والقمران، والركنان الآخران يقال لهما: الشاميان، والركنان الأسود واليمإني فيهما فضيلتان، إحداهما: كونهما من بناء إبراهيم، والثانية: كون الحجر في أحدهما، وليس في الآخرين ذلك، فلا يقبلان ولا يستلمان. والقادر علي تقبيل الحجر الأسود لا يقتصر علي تقبيل اليد، وإذا عجز جاز الاقتصار، ويستحب عندنا أن يستلمه ثم يقبله، ثم يضع جبهته عليه، وبه قال الجمهور من الصحابة والتابعين، وانفرد مالك، فقال: السجود عليه بدعة. ((شف)): وإنما لم يستلم النبي ﷺ من الأركان الأربعة إلا الركنين اليمإنيين؛ لأنهما بقيا إلي الآن علي بناء إبراهيم ﵇، دون الشاميين، فإنهما ما بقيا علي بنائه ﵇، وكذا عن المظهر. الحديث التاسع إلي الحادي عشر عن ابن عباس ﵄: قوله: ((بمحجن)) ((نه)):

стр. 1473

٢٥٧١ - وعن أبي الطفيل، قال: رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالبيت ويستلم الركن بمحجن معه، ويقبل المحجن. رواه مسلم. ٢٥٧٢ - وعن عائشة، قالت: خرجنا مع النبي ﷺ لا نذكر إلا الحج. فلما كنا بسرف طمثت، فدخل النبي ﷺ وأنا أبكي، فقال: ((لعلك نفست؟)) قلت: نعم. قال: ((فإن ذلك شيء كتبه الله علي بنات آدم، فافعلي ما يفعل الحاج؛ غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري)) متفق عليه. ــ هو عصا معقفة الرأس كالصولجان، والميم زائدة. ((قض)) فيه دليل علي جواز الطواف راكباً، والمشي فيه أفضل، وإنما ركب رسول الله ﷺ في حجة الوداع؛ لأن الناس غشوه، وازدحموا عليه، فركب ليشرف لهم ويراه القريب والبعيد، وأن الطائف إذا عسر عليه الاستلام باليد، فله الاستلام بسوط ونحوه. ((تو)): لما كان من حق الملوك علي من ينتابهم من الوفود، أن يقبلوا أيمانهم، وكان الحجر للبيت بمثابة اليد اليمنى، شرع التقبيل للوافدين إليه إقامة لشرط التعظيم، فإن منع مانع فالسنة فيه أن يشير إليه بيده، ثم يقبل يده، والمعنى: إني رمت التقبيل فحجزني عنه حاجز، فها أنا أقبل اليد التي تشرفت بالإشارة إليك مكان ما قد فاتني، وقد وجد في تقبيل النبي ﷺ المحجن من التعظيم ما لا يوجد في تقبيل اليد نفسها؛ لأنه أبلغ في بيان القصد. الحديث الثاني عشر عن عائشة: قوله: ((لا نذكر)) أي لم يخطر ببالنا غير الحج. وقوله: ((غير أن لا تطوفي)) استثناء من المفعول به، و ((لا)) زائدة لتأكيد النفي. قوله: ((بسرف)) ((مح)): هو- بفتح السين المهملة وكسر الراء- ما بين مكة والمدينة بقرب مكة علي أميال منها، قيل: ستة أميا أو أكثر إلي اثني عشر ميلاً، وقوله: ((طمثت)) هو بفتح الطاء وكسر الميم، أي حضت و ((نفست))، أي حضت- بفتح النون وضمها- والفتح أفصح، وأما الولادة فيقال فيه: نفست بالضم لا غير. وقوله: ((هذا شيء كتبه الله علي بنات آدم)) تسلية لها وتخفيف، أي ليست مختصة به، بل كل بنات آدم مبتلاة به. وفي قوله: ((فافعلي ما يفعل الحاج)) دليل علي أن الحائض والنفساء والمحدث والجنب يصح منهم جميع أفعال الحج، وأقواله وهيئاته، إلا الطواف. واختلفوا في علة المنع من الطواف، فمن شرط الطهارة للطواف، كمالك والشافعي وأحمد، قال: العلة في بطلان طواف الحائض عدم الطهارة، ومن لم يشترطها كأبي حنيفة قال: العلة فيه كونها ممنوعة من اللبث في المسجد.

стр. 1474

٢٥٧٣ - وعن أبي هريرة، قال: بعثني أبو بكر في الحجة التي أمره النبي ﷺ عليها قبل حجة الوداع يوم النحر في رهط، أمره أن يؤذن في الناس: ((ألا لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان)). متفق عليه. الفصل الثاني ٢٥٧٤ - عن المهاجر المكي، قال: سئل جابر عن الرجل يرى البيت يرفع يديه. فقال قد حججنا مع النبي ﷺ فلم نكن نفعله. رواه الترمذي، وأبو داود. ٢٥٧٥ - وعن أبي هريرة، قال: أقبل رسول الله ﷺ فدخل مكة، فأقبل إلي الحجر، فاستلمه، ثم طاف بالبيت، ثم أتى الصفا فعلاه حتى ينظر إلي البيت، فرفع يديه، فجعل يذكر الله ما شاء ويدعو. رواه أبو داود. [٢٥٧٥] ــ الحديث الثالث عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((أمره أن يؤذن)) الضمير راجع إلي الرهط باعتبار اللفظ، ويجوز أن يكون لأبي هريرة علي الالتفات. قوله: ((يوم النحر)) فيه دليل علي أن المراد بالحج الأكبر في قوله تعالي: ﴿وأذان من الله ورسوله إلي الناس يوم الحج الأكبر﴾ يوم النحر؛ لأن فيه معظم المناسك. قوله: ((ألا لا يحج بعد العام مشرك)) ((مح)): هو من قوله تعالي: ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ والمراد بالمسجد الحرام حرم الله، فلا يمكن مشرك من دخوله ولو جاء في رسالة، أو أمر مهم، بل يخرج إليه من يقضي الأمر المتعلق به، ولو دخل خفية ومات، نبش وأخرج من الحرم. وإنما منع طواف العريان لما كانت الجاهلية عليه، وعن طاوس: كان أحدهم يطوف بالبيت عرياناً، وإن طاف وهي عليه ضرب، وانتزعت منه؛ لأنهم قالوا: لا نعبد الله في ثياب أذنبنا فيها. وقيل: تفاؤلاً ليتعروا من الذنوب، كما تعروا من الثياب. الفصل الثاني الحديث الأول عن المهاجر: قوله: ((عن الرجل)) أي عن حال الرجل، و ((يرى البيت)) حال من ((الرجل)))) ويرفع)) حال أخرى إما مترادفة، أو متداخلة. ((مظ)): وذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة إلي هذا، وقال أحمد وسفيان الثوري: يرفع اليدين من رأي البيت ويدعو.

стр. 1475

٢٥٧٦ - وعن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: ((الطواف حول البيت مثل الصلاة؛ إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فيه فلا يتكلمن إلا بخير)). رواه الترمذي، والنسائي، والدارمي، وذكر الترمذي جماعة وقفوه علي ابن عباس [٢٥٧٦]. ٢٥٧٧ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((نزل الحجر الأسود من الجنة، وهو أشد بياضاً من اللبن، فسودته خطايا بني آدم)). رواه أحمد، والترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح. [٢٥٧٧] ــ الحديث الثاني والثالث عن ابن عباس ﵄: قوله: ((إلا أنكم)) يجوز أن يكون الاستثناء متصلاً، أي الطواف كالصلاة، في الشرائط من الطهارة وستر العورة ونحوهما إلا في التكلم ويجوز أن يكون منقطعاً أي الطواف مثل الصلاة لكن رخص لكم التكلم فيه؛ لأن عادتكم التكلم. ودليل الترخيص قوله ﷺ : ((فلا يتكلمن إلا بخير)) أي إذا كان لابد من الكلام، فلا يتكلمن إلا بخير. الحديث الرابع عن ابن عباس ﵄: قوله: ((الحجر الأسود)) ((قض)): لعل هذا الحديث جار مجرى التمثيل، والمبالغة في تعظيم شأن الحجر، وتفظيع أمر الخطايا والذنوب، والمعنى أن الحجر لما فيه من الشرف والكرامة، وما فيه من اليمن والبركة، يشارك جواهر الجنة، فكأنه نزل منها، وإن خطايا بني آدم تكاد تؤثر في الجماد، فتجعل المبيض منها مسوداً، فكيف بقلوبهم؟ أو لأنه من حيث أنه مكفر للخطايا، محاء للذنوب، لما روي عن ابن عمر ﵄: أنه كان يزاحم علي الركنين، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن مسحهما كفارة للخطايا))، كأنه من الجنة، ومن كثرة تحمله أوزار بني آدم، صار كأنه كان ذا بياض شديد فسودته الخطايا. هذا، واحتمال إرادة الظاهر غير مدفوع عقلاً، ولا سمعاً. والله أعلم بالحقائق. ((مظ)): في الحديث فوائد، منها امتحان إيمان الرجل، فإن كان كامل الإيمان يقبل هذا فلا يتردد، وضعيف الإيمان يتردد، والكافر ينكر، ومنها التخويف، فإن الرجل إذا علم أن الذنوب تسود مسح الحجر يحترز من الذنب، كيلا يسود بدنه بشؤمه. ومنها التحريض علي التوبة، ومنها الترغيب في مسح الحجر لينالوا بركته، فتنتقل ذنوبهم من أبدانهم إليه. الحديث الخامس عن ابن عباس ﵄: قوله: ((ليبعثنه الله)) ((قض)): شبه خلق

стр. 1476

٢٥٧٨ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ في الحجر: ((والله ليبعثنه الله يوم القيامة، له عينان يبصر بهما ولسان ينطق به، يشهد علي من استلمه بحق)). رواه الترمذي، وابن ماجه والدارمي. [٢٥٧٨] ٢٥٧٩ - وعن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة، طمس الله نورهما، ولو لم يطمس نورهما لأضاءا ما بين المشرق والمغرب)). رواه الترمذي [٢٥٧٩] ــ الحياة والنطق فيه بعد أن كان جماداً لا حياة فيه، بنشر الموتى وبعثها، وذلك لا امتناع فيه، فإن الأجسام متساوية في الجسمية، وقبول الأعراض التي منها الحياة والنطق، والله سبحانه قادر علي جميع الممكنات، لكن الأغلب علي الظن أن المراد منه تحقيق ثواب المستلم، وأن سعيه لا يضيع، وأن أجره لا يفوت عنه. ونظيره قوله ﷺ لأبي سعيد الخدري ﵁: ((أذن وارفع صوتك؛ فإنه لا يسمع صوتك حجر ولا مدر إلا شهد ل كبه يوم القيامة)). والمراد من المستلم الحق، من استلم اقتفاء لأثره وامتثالاً لأمره. أقول: يشهد للوجه الأول شهادة لا ترد تصدير الكلام بالقسم، وتأكيد الجواب بالنون، لئلا يظن خلاف الظاهر. و ((علي)) في ((يشهد علي من استلمه)) مثلها في قوله تعالي: ﴿ويكون الرسول عليكم شهيداً﴾ أي رقيباً حفيظاً عليكم، يزكيكم في شهادتكم علي الناس؛ فالمعنى يحفظ علي من استلم أحواله شاهداً ومزكياً له، ويجوز أن يتعلق بقوله: ((يشهد)) أي يشهد بحق علي من استلمه بغير حق، كالكافر والمستهزئ، ويكون خصمه يوم القيامة، ويشهد بحق لمن استلمه بحق كالمؤمن المعظم حرمته. الحديث السادس عن ابن عمر ﵄: قوله: ((ياقوتتان)) ((مظ)): لما كان الياقوت من أشرف الأحجار، ثم كان بعد ما بين ياقوت هذه الدار الفإنية وياقوت الجنة أكثر ما بين الياقوت وغيره من الأحجار، أعلمنا أنهما من ياقوت الجنة؛ لنعلم أن المناسبة الواقعة بينهما وبين الأجزاء الأرضية في الشرف والكرامة، والخاصية المجعولة بينهما، كما بين ياقوت الجنة وسائر الأحجار. وذلك مما لا يدرك بالقياس. أقول: قد سبق مراراً أن هذا النوع من الكلام ليس بتشبيه، ولا استعارة، وإنما هو من وادي قولهم: القلم أحد اللسإنين، فـ ((من)) في ((من ياقوت الجنة)) بيإنية، فإذن الياقوت نوعان:

стр. 1477

٢٥٨٠ - وعن عبيد بن عمير: أن ابن عمر كان يزاحم علي الركنين زحاماً ما رأيت أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ يزاحم عليه. قال: إن أفعل فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن مسحهما كفارة للخطايا)) وسمعته يقول: ((من طاف بهذا البيت أسبوعا فأحصاه كان كعتق رقبة)). وسمعته يقول: ((لا يضع قدماً ولا يرفع أخرى إلا حط الله عنه بها خطيئة وكتب له بها حسنة)). رواه الترمذي [٢٥٨٠]. ٢٥٨١ - وعن عبد الله بن السائب، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما بين الركنين: ((ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار)) رواه أبو داود. [٢٥٨١] ٢٥٨٢ - وعن صفية بنت شيبة، قالت: أخبرتني بنت أبي تجراة، قالت: دخلت مع نسوة من قريش دار آل أبي حسين، ننظر إلي رسول الله ﷺ وهو يسعى بين الصفا والمروة، فرأيته يسعى وإن مئزره ليدور من شدة السعي وسمعته يقول: ((اسعوا، فإن الله كتب عليكم السعي)). رواه في ((شرح السنة)) ورواه أحمد مع اختلاف. ــ متعارف وغير متعارف، وهذا من غير المتعارف، ولذلك أثبت له ما ليس للمتعارف، من إضاءة ما بين المشرق والمغرب. وبهذا ظهر أن قول من قال: إن الحجر الأسود ليس من الجنة ضعيف. قوله: ((طمس الله نورهما)) ((مظ)): أي أذهب الله نورهما؛ ليكون إيمان الناس بكونهما حقاً ومعظماً عند الله إيماناً بالغيب، ولو لم يطمس نزرهما، لكان الإيمان بهما إيماناً بالشهادة، والإيمان الموجب للثواب هو الإيمان بالغيب. الحديث السابع عن عبيد الله بن عمير. قوله: ((يزاحم علي الركنين)) عدى بـ ((علي)) تضميناً لمعنى الغلبة، أي كان يغالب الناس علي الركنين زحاماً عظيماً. قوله: ((إن أفعل فإني سمعت)) قال معتذراً، أي إنكاركم علي سبب إخباري إياكم إني سمعت رسول الله ﷺ ، ويدل علي الإنكار قوله: ((ما رأيت أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ يزاحم عليه)). قوله: ((فأحصاه)) أي من طاف بهذا البيت حق طوافه، بأن يوفي سننه، وآدابه، وواجباته، من الطهارة، وستر العورة، والصلاة، ويستمر عليه أسبوعاً، أي سبع مرات كان كذا. الحديث الثامن والتاسع عن صفية: قوله: ((كتب عليكم السعي)) أي فرض عليكم السعى،

стр. 1478

٢٥٨٣ - وعن قدامة بن عبد الله بن عمار، قال: رأيت رسول الله ﷺ يسعى بين الصفا والمروة علي بعير، لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك. رواه في ((شرح السنة)). [٢٥٨٣] ٢٥٨٤ - وعن يعلي بن أمية، قال: إن رسول الله ﷺ طاف بالبيت مضطبعاً ببرد أخضر. رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه، والدارمي. [٢٥٨٤] ٢٥٨٥ - وعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ وأصحابه اعتمروا من الجعرانة، فرملوا بالبيت ثلاثاً، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم، ثم قذفوها علي عواتقهم اليسرى. رواه أبو داود. [٢٥٨٥] ــ ومن لم يسع لم يصح حجه عند الشافعي ومالك وأحمد ﵃، وقال أبو حنيفة ﵁: هو تطوع. الكشاف: اختلف في السعي، فمن قائل: هو تطوع بدليل رفح الجناح، ويروى ذلك عن أنس وابن عباس وابن الزبير، وعن أبي حنيفة أنه واجب، وليس بركن، وعلي تاركه دم، وعند مالك والشافعي هو ركن لهذا الحديث. الحديث العاشر عن قدامة: قوله: ((لا ضرب)) أي لا ضرب هناك، ولا طرد، ولا قول ((إليك إليك))، كما هو من عادة الملوك والجبابرة، و ((إليك)) هنا من أسماء الأفعال، معناه تنح عني. أقول: في هذا الكلام رائحة تعريض بمن كان يفعل بين يديه هذه الأفعال، وإلا كان الراوي مستغنياً عن هذا الإخبار، لأنه كان من المعلوم أن نبي الله ﷺ كان مبرأ من هذا. الحديث الحادي عشر والثاني عشر عن يعلي: قوله: ((مضطبعاً)) ((نه)): الضبع بسكون الباء وسط العضد، وقيل: هو ما تحت الإبط، والاضطباع أن يأخذ الإزار أو البرد، فيجعل وسطه تحت إبطه الأيمن، ويلقي طرفيه علي كتفه الأيسر من جهتي صدره وظهره، وسمي بذلك، لإبداء الضبعين ويقال: للإبط الضبع للمجاورة. قيل: إنما فعل ذلك إظهاراً للتشجيع كالرمل في الطواف.

стр. 1479

الفصل الثالث ٢٥٨٦ - عن ابن عمر، قال: ما تركنا استلام هذين الركنين: اليمإني والحجر في شدة ولا رخاء منذ رأيت رسول الله ﷺ يستلمهما. متفق عليه. ٢٥٨٧ - وفي رواية لهما: قال نافع: رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيده ثم قبل يده وقال: ما تركته منذ رأيت رسول الله ﷺ يفعله. ٢٥٨٨ - وعن أم سلمة، قالت: شكوت إلي رسول الله ﷺ إني أشتكي. فقال: ((طوفي من وراء الناس وأنت راكبة)) فطفت ورسول الله ﷺ يصلي إلي جنب البيت يقرأ بـ ﴿والطور وكتاب مسطور﴾ متفق عليه. ٢٥٨٩ - وعن عابس بن ربيعة قال: رأيت عمر يقبل الحجر ويقول: إني لأعلم أنك حجر ما تنفع ولا تضر، ولولا إني رأيت رسول الله ﷺ يقبل ما قبلتك. متفق عليه. ــ الفصل الثالث الحديث الأول والثاني عن أم سلمة ﵂: قوله: ((إني أشتكي)) مفعول شكوت أي شكوت مرضي. ((نه)): الشكو، والشكوى، والشكاة، والشكاية المرض. قوله: ((يصلي إلي جنب البيت)) أي مستقبلاً إلي جنبه. ((مح)): كانت هذه الصلاة صلاة الصبح. الحديث الثالث عن عابس: قوله: ((إنك حجر)) اعلم أتهم ينزلون نوعاً من أنواع الجنس بمنزلة جنس آخر باعتبار اتصافه بصفة مختصة به؛ لأن تغاير الصفات بمنزلة التغاير في الذات، فقوله: ((أعلم أنك حجر)) شهادة له بأنه من هذا الجنس، وقوله: ((ما تنفع ولا تضر)) تقرير وتأكيد بأنه حجر كسائر الأحجار. وقوله: ((لولا إني رأيت)) إلي آخره إخراج له من الجنس باعتبار تقبيله ﷺ . ((مح)): إنما قال ذلك؛ لئلا يغتر بعض قريبي العهد بالإسلام الذين ألفوا عبادة الأحجار وتعظيمها، ورجاء نفعها وخوف الضرر بالتقصير في تعظيمها، فخاف ﵁ أن يراه بعضهم يقبله فيفتتن به، فبين أنه لا يضر ولا ينفع بذاته، وإنما كان امتثال ما شرع فيه ينفع باعتبار الجزاء والثواب، وليشيع في الموسم فيشتهر في البلدان المختلفة. وفيه الحث علي الاقتداء

стр. 1480

٢٥٩٠ - وعن أبي هريرة [﵁] أن النبي ﷺ قال: ((وكل به سبعون ملكاً)) يعني الركن اليمإني ((فمن قال: اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار قالوا: آمين)). رواه ابن ماجه [٢٥٩٠]. ٢٥٩١ - وعنه أن النبي ﷺ قال: " من طاف بالبيت سبعاً ولا يتكلم إلا بـ: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ محيت عنه عشر سيئات وكتب له عشر حسنات ورفع له عشر درجات. ومن طاف فتكلم وهو في تلك الحال؛ خاض في الرحمة برجليه كخائض الماء برجليه)). رواه ابن ماجه. [٢٥٩١] (٤) باب الوقوف بعرفة الفصل الأول ٢٥٩٢ - عن محمد بن أبي بكر الثقفي، أنه سأل أنس بن مالك وهما غاديان ــ برسول الله ﷺ في تقبيله، ونبه أنه لولا الاقتداء لما فعله، وقد سبق سنن بيان الاستلام والتقبيل وآدابهما. الحديث الرابع والخامس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((ومن تكلم)) أي بتلك الكلمات وهو في حالة الطواف، وإنما كرر ((طاف)) ليناط به غير ما نيط به أولاً، وليبرز المعنى المعقول في صورة المشاهد المحسوس، فشبه الرحمة المعني بها الثواب بالماء، وسعيه في حالة الذكر بالخائض فيه، فترك المشبه به وهو الماء، وجعل القرينة الدالة عليه كلمة ((خاض))، ثم شبه هذا التمثيل بما يزيد التصوير من قوله: ((كخائض الماء برجليه)). باب الوقوف بعرفة ((غب)): هو اسم لبقعة مخصوصة، وقيل: سميت بذلك لوقوع المعرفة فيها بين آدم وحواء، وقيل: بل لتعرف العباد إلي الله تعالي بالعبادات والأدعية.

стр. 1481

من منى إلي عرفة: كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله ﷺ ؟ فقال: كان يهل منا المهل فلا ينكر عليه، ويكبر المكبر منا فلا ينكر عليه. متفق عليه. ٢٥٩٣ - وعن جابر، أن رسول الله ﷺ قال: ((نحرت هاهنا، ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم. ووقفت هاهنا، وعرفة كلها موقف. ووقفت هاهنا وجمع كلها موقف)). رواه مسلم. ٢٥٩٤ - وعن عائشة، قالت: إن رسول الله ﷺ قال: ((ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار؛ من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء)). رواه مسلم. ــ الفصل الأول الحديث الأول عن محمد: قوله: ((ويكبر منا المكبر فلا ينكر عليه)) ((مظ)): هذا رخصة يعني لا حرج في التكبير، بل يجوز كسائر الأذكار، ولكن ليس التكبير في يوم عرفة سنة للحاج، بل السنة التلبية إلي رمي جمرة العقبة يوم النحر؛ وأما لغير الحاج في سائر البلاد، فالتكبير يوم عرفة سنة عقيب الصلوات من صبح يوم عرفة إلي صلاة العصر من آخر أيام التشريق. الحديث الثاني عن جابر ﵁: قوله: ((ومنى كلها منحر)) حال، وبيان أن منحره ﷺ حينئذ غير مختص بالمنحر، بل منى كلها منحر، قوله: ((نحرت هاهنا)) أولاً إشارة إلي منى، وثإنياً ((ووقفت هاهنا)) إشارة إلي عرفة. فإن قلت: إنما يشار بـ ((هاهنا)) إلي المكان القريب الذي يكون المشير حالة الإشارة فيه، فكيف تصح هاتان الإشارتان في حالة واحدة، إذ لا شك أن النبي ﷺ لم يكن إذ ذاك في ذينك المكإنين؟ قلت: الجواب من وجهين، أحدهما: أنه يجوز أن يكون كل من الإشارتين صدرت عنه في الموضع المشار إليه، والآخر: أ، يكون مستحضراً لصورة المكان الذي لم يكن فيه في خيال المخاطب، فأشار بذلك الاعتبار. قوله: ((وجمع)) ((نه)): هو علم للمزدلفة، وسمي به لاجتماع آدم وحواء ﵉ فيه، كذا جاء عن ابن عباس ﵄. الحديث الثالث عن عائشة ﵂: قوله: ((ما من يوم أكثر)) ((ما)) بمعنى ليس، واسمه ((يوم)) و ((من)) زائدة و ((أكثر)) خبره و ((من)) الثانية أيضاً زائدة، و ((من يوم عرفة)) متعلق بـ ((أكثر)) أي ليس يوم أكثر إعتاقاً فيه من يوم عرفة. قوله: ((ليدنو)) ((قض)): لما كان الحج عرفة، والحج يهدم ما قبله، كان ما في يوم عرفة من الخلاص عن العذاب، والعتق من النار

стр. 1482

الفصل الثاني ٢٥٩٥ - عن عمرو بن عبد الله بن صفوان، عن خال له يقال له يزيد بن شيبان، قال: كنا في موقف لنا بعرفة يباعده عمرو من موقف الإمام جداً، فأتانا ابن مربع الأنصاري فقال: إني رسول رسول الله ﷺ إليكم يقول لكم: ((قفوا علي مشاعركم، فإنكم علي إرث من إرث أبيكم إبراهيم ﵇). رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه [٢٥٩٥] ــ أكثر ما يكون في سائر الأيام، ولما كان الناس يتقربون إلي الله تعالي في ذلك اليوم بأعظم القربات، والله سبحانه أبر بهم، وألطف منه في سائر الأيام عبر عن هذا المعنى بالدنو منهم في الموقف، أي ليدنوا منهم بفضله ورحمته. ((ثم يباهي بهم)) أي يفاخر، والمعنى أنه يحلهم من قربه وكرامته محل الشيء المباهي به. الفصل الثاني الحديث الأول عن عمرو: قوله: ((كنا في موقف لنا)) ((تو)) و ((قض)): أي في موقف كان لنا في قديم الزمان يقف أسلافنا فيه قبل الإسلام. قوله: ((يباعده عمرو)) أي يجعله بعيداً بوصفه إياه بالبعد، و ((جداً)) نصب علي المصدر، أي يجد في التبعيد جداً، والتباعد يجيء في كلامهم بمعنى التبعيد، وبه ورد التنزيل ﴿ربنا باعد بين أسفارنا﴾ وقوله: ((فأتانا ابن مربع)) بكسر الميم، يريد زيد بن مربع الأنصاري من بني حارثة، والمشاعر جمع مشعر، يريد بها مواضع النسك، سميت بذلك، لأنها معالم العبادات. وقوله: ((فإنكم علي إرث من إرث أبيكم)) علة للأمر بالاستقرار والتثبيت علي الوقوف في مواقفهم القديمة، علل ذلك بأن موقفهم موقف إبراهيم، متبع لطريقته وإن بعد موقفه عن موقف النبي ﷺ . أراد بذلك إعلامهم أن عرفة كله موقف حتى لا يتوهموا أن الموقف ما اختاره النبي ﷺ لا غير، ولا يتنازعوا في المواقف، ولا يتشاجروا عليها. أقول: إنما قيل: ((علي إرث من إرث أبيكم)) وقطع من الإضافة ابتداء، ولم يقل: ((علي إرث أبيكم)) فنكر ثم بين، ليفيد ضرباً من التفخيم والتعظيم، كأنهم حقروا شأن موقفهم، لبعده من موقف انبي الله ﷺ فعظمه ﷺ ذلك التعظيم، ونسبه إلي خليل الله ﵇ تسلية لقلوبهم، واغتباطاً بما كانوا عليه.

стр. 1483

٢٥٩٦ - وعن جابر أن رسول الله ﷺ قال: ((كل عرفة موقف وكل منى منحر. وكل المزدلفة موقف. وكل فجاج مكة طريق ومنحر)). رواه أبو داود والدارمي. [٢٥٩٦] ٢٥٩٧ - وعن خالد بن هوذة قال: رأيت النبي ﷺ يخطب الناس يوم عرفة علي بعير قائما في الركابين. رواه أبو داود. [٢٥٩٧] ٢٥٩٨ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: ((خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو علي كل شيء قدير)). رواه الترمذي. [٢٥٩٨] ــ الحديث الثاني عن جابر ﵁: قوله: ((وكل فجاج مكة)) ((نه)) الفجاج جمع فج وهو الطريق الواسع. ((مظ)): يعني من أي طريق مكة يدخ الرجل مكة جاز، وفي أي موضع من حوالي مكة ينحر الهدي جاز، لأنها من أرض الحرم. أقول: أراد به التوسعة، ونفي الحرج، وأنشد في المعنى: خذا بطن هرشي أو قفاها فإنما ... كلا جانبي هرشي لهن طريق الحديث الثالث والرابع عن عمرو: قوله: ((دعاء يوم عرفة)) الإضافة فيه يجوز أن تكون بمعنى اللام، أي دعاء خص بذلك اليوم. وقوله: ((وخير ما قلت)) بمعنى خير ما دعوت، بيان له، فالدعاء له قوله: ((لا إله إلا الله)) إلي آخره. فإن قيل: هو ذكر وليس دعاء؟ أجيب بوجهين، أحدهما أنه علي سبيل التعريض تجنباً عن التصريح مراعاة للأدب، وقد قيل لسفيان بن سعيد الثوري: هذا هو الثناء، فأين الدعاء؟ فأنشد قول أمية بن الصلت في ابن جدعان: أأذكر حاجتي أم قد كفإني ... حياؤك؟ إن شيمتك الحياء إذا أثنى عليك المرء يوماً ... كفاه من تعرضه الثناء وثإنيهما: الاشتغال بخدمة المولي، والإعراض عن الطلب اعتماداً علي كرمه، فإنه لا يضيع أجر المحسنين. قال: ((من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين)). فالفرق

стр. 1484

٢٥٩٩ - وروى مالك عن طلحة بن عبيد الله إلي قوله: ((لا شريك له)). ٢٦٠٠ - وعن طلحة بن عبيد الله بن كريز، أن رسول الله ﷺ قال: ((ما رئي الشيطان يوماً هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة؛ وما ذاك إلا لما يرى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما رئي يوم بدر)) فقيل: ما رئي يوم بدر؟ قال: ((فإنه قد رأي جبريل يزع الملائكة)) رواه مالك مرسلاً وفي ((شرح السنة)) بلفظ ((المصابيح)). [٢٦٠٠] ٢٦٠١ - وعن جابر [﵁] قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا كان يوم عرفة، إن الله ينزل إلي السماء الدنيا فيباهي بهم الملائكة، فيقول: انظروا إلي عبادي، أتوني شعثاً غبراً ضاجين من كل فج عميق، أشهدكم إني قد غفرت لهم، ــ بين الوجهين أن الذاكر في الأول وإن لم يصرح بالطلبة فهو طالب بما هو أبلغ من التصريح بخلاف الثاني، قال: وكلت إلي المحبوب أمري كله ... فإن شاء أحيإني وإن شاء أتلفا وأن تكون بمعنى ((في)) فعلي هذا يعم الدعاء بأي شيء دعا، فيكون قوله: ((خير ما قلت)) عطفاً علي قوله: ((خير الدعاء)) لا علي البيان، بلي يجري علي المغايرة، والعموم في القول، فيتناول الذكر والدعاء. الحديث الخامس عن طلحة ﵁: قوله: ((ولا أدحر)) ((فا)): الدحر الدفع بعنف علي سبيل الإهانة والإذلال. ((يزع الملائكة)) أي يتقدمهم فيكف ريعانهم من قوله تعالي: ﴿فهم يوزعون﴾ ((نه)): أي يرتبهم ويسويهم، ويصفهم للحرب، فكأنه يكفهم عن الانتشار. وأفعل التفضيل في ((أدحر)) كما في أشهر وأجن من شهر وجن. قوله: ((هو فيه أصغر)) الجملة صفة ((يوما)) و ((منه)) متعلق بأفعل، والضمير للشيطان، أي الشيطان في يوم عرفة أبعد من مراده من نفسه في سائر الأيام. وقوله: ((إلا ما رئي يوم بدر)) مستثنى من هذه الجملة. وقوله: ((إلا لما يرى)) مستثنى من قوله: ((وما ذاك)) وهذه الجملة معترضة بين المستثنى والمستثنى منه، مؤكدة لمضمون الجملة، وليست مختصة بالسابقة. و ((كريز)) بفتح وكسر الراء. الحديث السادس عن جابر: قوله: ((بهم)) إما ضمير مبهم فسر بما بعده من قوله: ((عبادي)) أو راجع إلي المفهوم من قوله: ((إذا كان يوم عرفة)) لما يعرف منه اجتماع العباد فيها. قوله: ((ضاجين)) أي رافعين أصواتهم بالتلبية. قوله: ((يرهق) ٩ ((تو)): أي يتهم بسوء، والهاء مشددة،

стр. 1485

فيقول الملائكة: يا رب! فلان كان يرهق، وفلان، وفلانة، قال: يقول الله : قد غفرت لهم)). قال رسول الله ﷺ : ((فما من يوم أكثر عتيقاً من النار من يوم عرفة)). رواه في شرح السنة. [٢٦٠١] الفصل الثالث ٢٦٠٢ - عن عائشة قالت: كان قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الحمس، فكان سائر العرب يقفون بعرفة. فلما جاء الإسلام أمر الله تعالي نبيه ﷺ أن يأتي عرفات، فيقف بها، ثم يفيض منها، فذلك قوله : ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ متفق عليه. ــ ويقال: فيه رهق أي غشيان للمحارم، ويقال للفاعل: المرهق بتشديد الهاء، وتخفيفها أيضاً، وبلي مفتوحة في الصيغتين. وقول الملائكة هذا علي سبيل الاستعلام، ليعلموا: هل دخل ذلك المرهق في جملتهم ببركة ذلك اليوم أم لا؟ وسألوه عن طريق التعجب- انتهي كلامه-. قالوه تعجباً منهم؛ لعظم الجريمة، ولم يعرفوا أن الحج يهدم ما كان قبله من الذنوب. ((قض)): في تعبيرهم الفواحش بالترهيق أدب من آداب أرباب الكمال بأن لا يصرحوا بمعايب أرباب العيوب، ولا يبثوا بفجور أصحاب الذنوب وإن كانوا واقفين مطلعين عليها. قوله: ((فما من يوم)) الفاء جواب شرط محذوف، و ((أكثر)) خبر ((ما))، والضمير المستتر عائد إلي ((يوم))، و ((عتيقاً)) تمييز، إما بمعنى الفاعل أو المفعول علي الإسناد المجازي؛ لأن العتق واقع فيه مبالغة في تعظيم اليوم كما في قوله تعالي: ﴿يوماً يجعل الولدان شيباً﴾. الفصل الثالث الحديث الأول عن عائشة ﵂: قوله: ((ومن دان دينها)) ((نه)): أي اتبعهم في دينهم، ووافقهم عليه، واتخذ دينهم له ديناً وعبادة. و ((الحمس)) جمع أحمس وهو قريش، وأصلها الشجاعة والشدة. والإفاضة الزحف، والدفع في السير بكثرة، ولا يكون إلا عن تفرق وجمع، وأصلها الصب، فاستعيرت للدفع في السير، وأصله أفاض نفسه وراحلته، فرفضوا ذكر المفعول حتى أسبه غير المتعدى. قوله: ((فذلك)) الفاء تعقيب للتفصيل بالمجمل، أي المذكور تفصيل وتفسير لقوله تعالي: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ أي فلتكن إفاضتكم من حيث أفاض الناس، ولا تكن من المزدلفة، بل عرفة.

стр. 1486

٢٦٠٣ - وعن عباس بن مرداس، أن رسول الله ﷺ دعا لأمته عشية عرفة بالمغفرة، فأجيب: ((إني قد غفرت لهم ما خلا المظالم، فإني آخذ للمظلوم منه)). قال: ((أي رب! إن شئت أعطيت المظلوم من الجنة، وغفرت للظالم)) فلم يجب عشيته. فلما أصبح بالمزدلفة أعاد الدعاء، فأجيب إلي ما سأل قال: فضحك رسول الله ﷺ أو قال تبسم - فقال له أبو بكر وعمر: بأبي أنت وأمي، إن هذه لساعة ما كنت تضحك فيها، فما الذي أضحكك، أضحك الله سنك؟ قال: ((إن عدو الله إبليس لما علم أن الله قد استجاب دعائي، وغفر لأمتي. أخذ التراب، فجعل يحثوه علي رأسه، ويدعو بالويل والثبور، فأضحكني ما رأيت من جزعه)). رواه ابن ماجه، وروى البيهقي في ((كتاب البعث والنشور)) نحوه. ــ الحديث الثاني عن عباس بن مرداس: قوله: ((فأجيب إلي ما سأل)) أي لما سأل، وقد سبق أن الأغراض نهاية المطالب، و ((إلي)) للغاية، فيلتقيان في معنى واحد. قوله: ((يحثوه علي رأسه)) يلمح إلي قوله ﷺ : ((ما رئي الشيطان يوماًً هو فيه أصغر ولا أدحر)). قوله: ((ويدعو بالويل)) أي يقول: يا ويلاه يا ثبوراه! ((نه)): الويل الحزن والهلاك، والمشقة من العذاب، وكل من وقع في هلكة دعا بالويل، ومعنى النداء فيه، يا حزني يا هلاكي يا عذابي احضر، فهذا وقتك وأوانك، فكأنه نادى الويل أن يحضره لما عرض له من الأمر الفظيع، والثبور الهلاك، ونداؤه كنداء الويل. قال الإمام أحمد البيهقي ﵀: يحتمل أن تكون الإجابة إلي المغفرة بعد أن يذيقهم شيئاً من العذاب دون الاستحقاق، فيكون الخبر خاصاً في وقت دون وقت، ويحتمل أن تكون الإجابة إلي المغفرة ليعضهم، فيكون الخبر خاصاً في قوم دون قوم، ثم من لا يغفر له يذيقه من العذاب بما كسب وافياً، ويحتمل أن يكون عاماً، ونص الكتاب يدل علي أنه مفوض إلي مشيئة الله تعالي حيث قال: ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ فلا ينبغي لمسلم أن [يغر] نفسه، فإن المعصية شؤم، وخلاف الجبار في أوامره ونهيه عظيم، وأحدنا لا يصبر علي حمى يوم، أو وجع ساعة، فكيف يصبر علي عذاب أليم، وعقاب شديد، لا يعلم وقت نهايته إلا الله تعالي، وإن كان قد ورد خبر الصادق بنهايته دون بيان وقته، متى ما كان مؤمناً، وبالله التوفيق.

стр. 1487

(٥) باب الدفع من عرفة والمزدلفة الفصل الأول ٢٦٠٤ - عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: سئل أسامة بن زيد: كيف كان رسول الله ﷺ يسير في حجة الوداع حين دفع؟ قال: كان يسير العنق، فإذا وجد فجوة نص. متفق عليه. ٢٦٠٥ - وعن ابن عباس، أنه دفع مع النبي ﷺ يوم عرفة فسمع النبي ﷺ وراءه زجراً شديداً، وضرباً للإبل، فأشار بسوطه إليهم وقال: ((يا أيها الناس! عليكم بالسكينة، فإن البر ليس بالإيضاع)). رواه البخاري. ٢٦٠٦ - وعنه، أن أسامة بن زيد كان ردف النبي ﷺ من عرفة إلي المزدلفة، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلي منى؛ فكلاهما قال: لم يزل النبي ﷺ يلبي حتى رمى جمرة العقبة. متفق عليه. ٢٦٠٧ - وعن ابن عمر، قال: جمع النبي ﷺ المغرب والعشاء بجمع، كل واحدة منهما بإقامة، ولم يسبح بينهما، ولا علي إثر كل واحدة منهما. رواه البخاري. ــ باب الدفع من عرفة الفصل الأول الحديث الأول عن هشام ﵁: قوله: ((حين دفع)) ((قض)):أي انصرف من عرفة إلي مزدلفة، سمى ذلك دفعاً لازدحامهم إذا انصرفوا، فيدفع بعضهم بعضاً، أو لأنهم كانوا يدفعون به أنفسهم إلي مزدلفة، و ((العنق)) السير السريع، وانتصابه علي المصدر انتصاب القهقرى في قولهم: رجع القهقرى، أو التقدير يسير السير العنق. و ((الفجوة)) الفرجة يريد بها المكان الخالي عن المارة. و ((النص)) السير الشديد، وأصله الاستقصاء والبلوغ غاية الشيء. وقيل: النص فوق العنق. الحديث الثاني عن ابن عباس ﵄: قوله: ((فإن البر ليس بالإيضاع)) ((تو)): أي ليس البر في الحج، وهو أن يوفق صاحبه في قضاء نسكه بالإصابة، واجتناب الرفث والفسوق، ويتداركه الله بالقبول بالإيضاع، وهو حمل الدابة علي إسراعها في السير، يقال: وضع البعير وغيره، أي أسرع في سيره، وأوضعه راكبه. الحديث الثالث والرابع مضى شرحه في باب حجة الوداع مستقصى.

стр. 1488

٢٦٠٨ - وعن عبد الله بن مسعود قال: ما رأيت رسول الله ﷺ صلي صلاة إلا لميقاتها، إلا صلاتين: صلاة المغرب والعشاء بجمع، وصلي الفجر يومئذ قبل ميقاتها. متفق عليه. ٢٦٠٩ - وعن ابن عباس، قال: أنا ممن قدم النبي ﷺ ليلة المزدلفة في ضعفة أهله. متفق عليه. ٢٦١٠ - وعن الفضل بن عباس، وكان رديف النبي ﷺ ، أنه قال في عشية عرفة وغداة جمع للناس حين دفعوا: ((عليكم بالسكينة)) وهو كاف ناقته حتى دخل محسراً، وهو من منى، قال: ((عليكم بحصى الخذف الذي يرمى به الجمرة)). وقال لم يزل رسول الله ﷺ يلبي حتى رمى الجمرة. رواه مسلم. ٢٦١١ - وعن جابر قال: أفاض النبي ﷺ من جمع وعليه السكينة، وأمرهم بالسكينة وأوضع في وادي محسر، وأمرهم أن يرموا بمثل حصى الخذف. وقال: ــ الحديث الخامس عن عبد الله بن مسعود ﵁: قوله: ((إلا لميقاتها))، كقوله تعالي: ﴿لا يجليها إلا لوقتها﴾ ((مح)): معناه أنه ﷺ صلي المغرب في وقت العشاء بجمع التي هي المزدلفة، وصلي الفجر يومئذ قبل ميقاتها المعتاد، ولكن بعد تحقق طلوع الفجر؛ لأن ذلك ليس جائز بإجماع المسلمين، فيتعين تأويله علي ما ذكرته، وقد ثبت في صحيح البخاري في هذا الحديث في بعض رواياته أن ابن مسعود: صلي الفجر حين طلع الفجر بالمزدلفة، ثم قال: إن رسول الله ﷺ صلي الفجر هذه الساعة. الحديث السادس عن ابن عباس ﵄: قوله: ((أنا ممن قدم)) الراجع إلي الموصول محذوف، أي ممن قدمه. قوله: ((في ضعفة)) أي بعثني في زمرة ضعفاء أهله من النساء والصبيان، فيه دليل علي استحباب تقديم الضعفة حتى لا يتخلفوا، ولا يتأذوا بالاستعجال والازدحام. الجديث السابع والثامن عن جابر ﵁: قوله: (٠بمثل حصى الخذف)) أي صغاراً ((نه)): الخذف هو رميك حصاة أو نواة، تأخذها بين سبابتيك، وترمي بها. قوله: ((لعلي لا أراكم)) (٠لعل)) كلمة الترجي، لكن من مثله ﷺ وارد علي التحقيق. ((مح)) فيه إشارة إلي

стр. 1489

((لعلي لا أراكم بعد عامي هذا)). لم أجد هذا الحديث في الصحيحين إلا في ((جامع الترمذي)) مع تقديم وتأخير. [٢٦١١] الفصل الثاني ٢٦١٢ - وعن محمد بن قيس بن مخرمة، قال: خطب رسول الله ﷺ فقال: ((إن أهل الجاهلية كانوا يدفعون من عرفة حين تكون الشمس كأنها عمائم الرجال في وجوههم قبل أن تغرب، ومن المزدلفة بعد أن تطلع الشمس حين تكون كأنها عمائم الرجال في وجوههم. وإنا لا ندفع من عرفة حتى تغرب الشمس، وندفع من المزدلفة قبل أن تطلع الشمس، هدينا مخالف لهدي عبدة الأوثان والشرك)). [رواه البيهقي في شعب الإيمان وقال فيه: خطبنا وساقه بنحوه]. [٢٦١٢] ٢٦١٣ - وعن ابن عباس، قال: قدمنا رسول الله ﷺ ليلة المزدلفة أغيلمة بني عبد المطلب علي حمرات فجعل يلطح أفخاذنا ويقول: ((أبيني! لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس)). رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه. [٢٦١٣] ــ توديعه وإعلامهم بقرب وفاته ﷺ ، وحثهم علي الاعتناء بالأخذ عنه، وانتهاز الفرصة من ملازمته، وتعلم أمور الدين، ولهذا سميت حجة الوداع. الفصل الثاني الحديث الأول عن محمد بن قيس: قوله: ((كأنها عمائم الرجال)) (٠قض)) شبه ما يقع من الضوء علي الوجه طرفي النهار حينما دنت الشمس من الأفق بالعمامة، لأنه يلمع في وجهه لمعان بياض العمامة، والناظر إذا نظر إليه يجد الضوء في وجهه كنور العمامة فوق الجبين، والمعنى: إنا نخالف الجاهليين بتأخير الدفع من عرفة، وتقديمه من مزدلفة، لأن هدينا أي طريقتنا مخالف لطريقتهم، فأخرج العلة مخرج الاستئناف للمبالغة، ووضع المظهر موضوع المضمر للدلالة علي ما هو المقتضى للمخالفة، والداعي إليها – انتهي كلامه-. والإضافة في ((عمائم الرجال)) لمزيد التوضيح، وكذا قوله: ((قبل أن تغرب)) في المرة الثانية زيادة للبيان، والمعنى بوضع المظهر موضوع المضمر قوله: ((عبدة الأوثان)) مقام هديهم، لما يبق من قوله: ((إن أهل الجاهلية)).

стр. 1490

٢٦١٤ - وعن عائشة، قالت: أرسل النبي ﷺ بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت، وكان ذلك اليوم اليوم الذي يكون رسول الله ﷺ عندها. رواه أبو داود. [٢٦١٤] ٢٦١٥ - وعن ابن عباس، قال: يلبي المقيم أو المعتمر حتى يستلم الحجر. رواه أبوداود وقال: وروي موقوفاً علي ابن عباس. [٢٦١٥] الفصل الثالث ٢٦١٦ - عن يعقوب بن عاصم بن عروة، أنه سمع الشريد يقول: أفضت مع رسول الله ﷺ فما مست قدماه الأرض حتى أتى جمعاً. رواه أبو داود. ــ الحديث الثاني عن ابن عباس ﵄: قوله: ((أغيلمة)) بدل من الضمير في ((قدمنا)) أو تفسير له. ((فا)): الأغيلمة تصغير لغلمة قياساًن ولم يجيئ كما أن أصبية تصغير صبية، ولم يستعمل، وإنما المستعمل صبية وغليمة. قوله: ((علي حمرات)) هي جمع حمار، ويجمع الحمار علي حمير، وحمر، وحمرات، واحمرة. وهي حال من المفعول، أي راكبين علي حمرات. قوله: ((يلطح)) هو بالحاء المهملة، الضرب بالكف ليس بالشديد. قوله: ((أبيني)) ((نه)): قد اختلف في صيغتها ومعناها، فقيل: إنه تصغير ابني، كأعمى وأعيمي، وهو اسم مفرد يدل علي الجمع، وقيل: إن ابناً يجمع علي أبناء مقصوراً، وممدوداً، وقيل: هو تصغير ابن، وفيه نظر. وقال أبو عبيد: هو تصغير بني جمع ابن مضافاً إلي النفس، فهذا يوجب أن تكون صيغة اللفظ في الحديث أبيني بوزن شريحي، وهذه التقديرات علي اختلاف الروايات. ((حس)): فيه دليل علي أنه يجوز للنسوان والصبيان أن يدفعوا من المزدلفة إلي منى قبل طلوع الفجر يوم النحر بعد انتصاف الليل. الحديث الثالث عن عائشة ﵂: قوله: ((فرمت الجمرة)) ((خط)): اختلفوا في رمي الجمرة قبل طلوع الفجر، فأجازه الشافعي ما دام بعد نصف الليل الأول، واحتج بحديث أم سلمة، وقال غيره: إنما هذه رخصة خاصة لها، فلا يجوز أن يرمى بعد الفجر قبل طلوع الشمس، ولا يجوز قبل ذلك. ((خط)): الأفضل أن لا يرمي إلا بعد طلوع الشمس، كما جاء في حديث ابن عباس. وقوله: ((فأفاضت)) أي مضت لطواف الإفاضة. الحديث الرابع ظاهر. الفصل الثالث الحديث الأول عن يعقوب: قوله: ((فما مست قدماه الأرض)) عبارة عن الركوب من عرفة إلي الجمع.

стр. 1491

٢٦١٧ - وعن ابن شهاب، قال: أخبرني سالم أن الحجاج بن يوسف عام نزل بابن الزبير، سأل عبد الله: كيف نصنع في الموقف يوم عرفة؟ فقال سالم: إن كنت تريد السنة فهجر بالصلاة يوم عرفة. فقال عبد الله بن عمر: صدقن إنهم كانوا يجمعون بين الظهر والعصر في السنة. فقلت لسالم: أفعل ذلك رسول الله ﷺ ؟ فقال سالم: وهل يتبعون في ذلك إلا سنته؟! رواه البخاري. (٦) باب رمي الجمار الفصل الأول ٢٦١٨ - عن جابر، قال: رأيت النبي ﷺ يرمي علي راحلته يوم النحر، ويقول: ((لتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه)). رواه مسلم. ــ الحديث الثاني عن ابن شهاب: قوله: ((نزل)) أي بارز، وقاتل ابن الزبير، و ((سأل عبد الله))، أراد به عبد الله بن عمر، وهو أبو سالم الراوي. قوله: ((فهجر بالصلاة)) أي صلها وقت الهجير. ((نه)) الهجير والهاجرة اشتداد الحر نصف النهار، والتهجر، والتهجير، والإهجار السير في الهاجرة. قوله: ((في السنة)) حال من فاعل ((يجمعون)) أي متوغلين في السنة، ومتمسكين بها بضرس قاطع، قاله تعريضاً بالحجاج، ومن ثم قال سالم: ((وهل يتبعون في ذلك إلا سنته)) علي سبيل الحصر بعد الاستفهام، أي ما يتبعون التهجير والجمع، لشيء من الأشياء إلا لسنته، فـ (٠سنته)) منصوبة بنزع الخافض، ويجوز أن يكون التقدير لا يتبعون في ذلك إلا سنته. باب رمي الجمار الفصل الأول الحديث الأول عن جابر ﵁: قوله: ((لتأخذوا)) ((مح)): هذه اللام هي لام الأمر، ومعناه خذوا مناسككم، وتقديره: هذه الأمور التي أتيت بها في حجتي من الأقوال والأفعال، والهيئات هي أمور الحج، وهي مناسككم، فخذوا عني واقبلوها، واحفظوها واعملوا بها، وعلموها الناس. وفيه دلالة علي ما قاله الشافعي وموافقوه: إنه يستحب لمن وصل منى راكباً أن يرمي جمرة العقبة يوم النحر راكباً، ولو رماها ماشياً جاز، وأما من وصلها ماشياً، فيرميها ماشياً، وهذا في يوم النحر، وأما اليومان الأولان من أيام التشريق، فالسنة أن يرمي فيها جميع الجمرات ماشياً، وفي اليوم الثالث يرمي راكباً. وقال أحمد وإسحاق: يستحب يوم النحر أن يرمي ماشياً.

стр. 1492

٢٦١٩ - وعنه، قال: رأيت رسول الله ﷺ رمى الجمرة بمثل حصى الخذف. رواه مسلم. ٢٦٢٠ - وعنه، قال: رمى رسول الله ﷺ الجمرة يوم النحر ضحىً، وأما بعد ذلك فإذا زالت الشمس. متفق عليه. ٢٦٢١ - وعن عبد الله بن مسعود: أنه انتهي إلي الجمرة الكبرى، فجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، ورمى بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ثم قال: هكذا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة. متفق عليه. ٢٦٢٢ - وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الاستجمار تو، ورمي الجمار تو، والسعي بين الصفا والمروة تو، والطواف تو، وإذا استجمر أحدكم فليستجمر بتو)). رواه مسلم. ــ أقول: أدخل اللام علي أمر المخاطب كما في قراءة رسول الله ﷺ : ﴿فبذلك فلتفرحوا﴾ – الكشاف-: ((فلتفرحوا)) بالتاء هو الأصل والقياس. وقال: إنما آثر القراءة بالأصل؛ لأنه أدل علي الأمر بالفرح، وأشد تصريحاً به إيذاناً بأن الفرح بفضل الله وبرحمته بليغ التوصية به، وإلي هذا المعنى أشار الشيخ محي الدين بقوله: ((فخذوا عني واقبلوها، واحفظوها واعملوا بها، وعلموها الناس)). قال ابن جني: أصل الأمر أن يكون بحرفه، وهو اللام، فأصل ((اضرب)) لتضرب، كما هو الغالب، لكن لما كثر أمر الحاضر حذفوه تخفيفاً، والذي حسن التاء هاهنا علي الأصل، أنه أمر للحاضرين بالفرح، لأن النفس تقبل الفرح، فذهب به إلي قوة الخطاب، ولا تقل قياساً علي ذلك ((فبذلك فلتحزنوا))؛ لأن الحزن لا تقبله النفس إلا أن براد بها التهكم والصغار. ويجوز أن تكون اللام للتعليل والمعلل محذوف، و ((لعلي)) مستأنف، أي لا أدري ما يفعل بي، أي أظن إني لا أحج، ويحتمل أن يكون للتحقيق، كما يقع في كلام الله تعالي كثيراً. الحديث الثاني إلي الرابع عن عبد الله بن مسعود ﵁: قوله: ((سورة البقرة)) ((حس)): إنما ذكر سورة البقرة؛ لأن معظم المناسك مذكور فيها. أقول: عدوله من التسمية، والوصف برسول الله ونحوه إلي الموصول وصلته، لزيادة التقرير، والاعتناء بشأن الفعل، كما في قوله تعالي: ﴿وراودته التي هو في بيتها﴾.

стр. 1493

الفصل الثاني ٢٦٢٣ - عن قدامة بن عبد الله بن عمار، قال: رأيت النبي ﷺ يرمي الجمرة يوم النحر علي ناقة صهباء، ليس ضرب ولا طرد، وليس قيل: إليك إليك. رواه الشافعي، والترمذي، والنسائي. وابن ماجه والدارمي. [٢٦٢٣] ٢٦٢٤ - وعن عائشة، عن النبي ﷺ قال: ((إنما جعل رمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة لإقامة ذكر الله)). رواه الترمذي، والدارمي، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. [٢٦٢٤] ــ الحديث الخامس عن جابر ﵁: قوله: ((الاستجمار تو)) ((مح)): التو- بفتح التاء المثناة فوق وتشديد الواو- الوتر، والمراد بـ ((الاستجمار)) الاستنجاء. قال القاضي عياض: قوله في آخر الحديث: ((وإذا استجمر أحدكم فليستجمر)) ليس بتكرير، بل المراد بالأول الفعل، وبالثاني عدد الأحجار. والمراد ((بالتو)) في الجمار سبع، وفي الطواف والسعي سبع سبع، وفي الاستنجاء ثلاث. الفصل الثاني الحديث الأول عن قدامة: قوله ((صهباء)) ((نه)): الأصهب الذي يعلو لونه صهبة، وهي كالشقرة. و ((إليك إليك)) أي تنح وابعد، وهذا كما يقال: الطريق الطريق، وتكريره للتأكيد، المعنى لا ضرب هناك، ولا قول: إليك إليك. ((قض)): أي ضم إليك ثوبك، وتنح عن الطريق. الحديث الثاني عن عائشة ﵂: قوله: ((إنما جعل رمي الجمار)) ((فا)): في الحديث أن آدم ﵇ رمى إبليس بمنى، فأجمر بين يديه، فسميت الجمار به الجمار، أي أسرع. أقول: قد مر أن ((إنما)) وضعت للحصر، وإثبات الحكم للمذكور، ونفيه عما سواه، فدل الحديث علي أن شرعية السعي والرمي ليست إلا لإقامة ذكر الله لا غير، فالعاقل الفطن إذا تفكر في السعي والرمي يتحير، ولم يفهم منهما شيئاً إلا التعبد المحض، ويرى عقله وفطنته معزولين مضمحلين عند تلك الحركات، فلا يرى غير الله، ولا يذكر سواه، فيتقرر عند ذلك معنى قوله تعالي: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد﴾ فإذا كان القصد في مثل تلك الحركات، هو ذكر الله تعالي، فما بال غيرها من الحركات المناسبة له؟ والله أعلم.

стр. 1494

٢٦٢٥ - وعنها، قالت: قلنا: يا رسول الله! ألا نبني لك بناء يظلك بمنى؟ قال: ((لا، منى مناخ من سبق)). رواه الترمذي، وابن ماجه، والدارمي. [٢٦٢٥] الفصل الثالث ٢٦٢٦ - عن نافع، قال: إن ابن عمر كان يقف عند الجمرتين الأوليين وقوفا طويلا يكبر الله، ويسبحه، ويحمده، ويدعو الله، ولا يقف عند جمرة العقبة. رواه مالك. [٢٦٢٦] (٧) باب الهدي الفصل الأول ٢٦٢٧ - عن ابن عباس، قال: صلي رسول الله ﷺ الظهر بذي الحليفة، ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن، وسلت الدم عنها، وقلدها نعلين، ثم ركب راحلته، فلما استوت به علي البيداء أهل بالحج. رواه مسلم. ــ الحديث الثالث عن عائشة رضي الله عناه: قوله: ((منى مناخ من سبق)) ((مظ)): المناخ موضع إناخة الإبل، يعني أفتأذن أن نبني لك بيتاً في منى لتسكن فيه؟ فقال ﷺ : ((لا)) لأن منى ليس مختصاً بأحد، إنما هو موضع العبادة من الرمي، وذبح الهدي، والحلق، ونحوها، فلو أجيز البناء فيها، لكثرت الأبنية ويضيق المكان، وهذا مثل الشوارع، ومقاعد الأسواق. وعند أبي حنيفة: أرض الحرم موقوفة، لأن رسول الله ﷺ فتح مكة قهراً، وجعل أرض الحرم موقوفة، فلا يجوز أن يتملكها أحد. ((خط)): إنما لم يأذن النبي ﷺ في البناء لنفسه والمهاجرين بمنى، لأنها دار هاجروا منها لله، فلم يختاروا أن يعودوا إليها، أو يقيموا فيها. أقول: قوله: ((منى مناخ من سبق)) جملة مستأنفة لبيان موجب عدم البناء، والمناسب للتعليل قول أبي حنيفة والخطابي. الفصل الثالث: ظاهر. باب الهدي الفصل الأول الحديث الأول عن ابن عباس ﵄: قوله: ((ثم دعا بناقته)) ((تو)): أراد ناقته التي

стр. 1495

٢٦٢٨ - وعن عائشة [﵂ ي قالت: أهدى النبي ﷺ مرة إلي البيت غنماً فقلدها. متفق عليه. ٢٦٢٨ - وعن جابر، قال: ذبح رسول الله ﷺ عن عائشة بقرة يوم النحر. رواه مسلم. ٢٦٣٠ - وعنه، قال: نحر النبي ﷺ عن نسائه بقرة في حجته. رواه مسلم. ٢٦٣١ - وعن عائشة [﵂] قالت: فتلت قلائد بدون النبي ﷺ بيدي، ثم قلدها وأشعرها، وأهداها، فما حرم عليه شيء كان أحل له. متفق عليه. ــ أراد أن يجعلها في هداياه، فاختصر الكلام، أو كانت هذه الناقة من جملة رواحله، فأضافها إليه. وأشعر الهدي إذا طعن في سنامه الأيمن، حتى يسيل منه دم، ليعلم أنه هدي، من قولهم: شعرت كذا، أي علمت. قوله: ((وسلت الدم)) أي أماطه. ((فا)): سلت مسح، وأصل السلت القطع، والقشر، وسلت القصعة لحستها، وسلتت المرأة خضابها، إذا أزالته. ((قض]]: كان من عادة أهل الجاهلية إشعار الهدي، وتقليده بنعل أو عروة، أو لحاء شجرة، أو غير ذلك؛ ليشعر بأنه هدي خارج عن ملك المهدي، فلا يتعرض له السراق، وأصحاب الغارات، فلما جاء الإسلام ورأي غرضهم في ذلك معنى صحيحا، قرر ذلك. ((مح)): إشعار الهدي لكونه علامة له مستحب، ليعلم أنه هدي، فإن ضل رد، وإن اختلط تميز، ولأن فيه إظهار شعار، وفيه تنبيه علي فعل مثل فعله. ((وصفحة السنام)) جانبه، هي مؤنثة، فتذكير الأيمن متأول بأنه وصف للمعنى لا للفظ، فكأنه قيل: جانبها الأيمن، وفيه استحباب الإشعار والتقليد في الهدايا من الإبل، وبهذا قال جماهير العلماء من السلف والخلف. وقال أبو حنيفة: الإشعار بدعة، لأنه مثله، وهذا مخالف للأحاديث الصحيحة المشهورة في الإشعار. وأما قولهم: إنه مثله، فليس كذلك، بل هذا كالقصد، والحجامة، والختان، والكي، والوسم. والسنة أن يشعر في الصفحة اليمنى، وقال مالك: في الصفحة اليسرى، والحديث يرده. واتفقوا علي أن الغنم لا تشعر لضعفها، ولأنه يستر بالصوف، وأما تقليده فسنة خلافاً لمالك، والبقر يستحب عند الشافعي وموافقيه الجمع فيها بين الإشعار والتقليم. الحديث الثاني والثالث والرابع عن جابر ﵁: قوله: ((نحر النبي ﷺ عن نسائه)) و ((عن)) مثلها في قوله تعالي:﴾ وما فعلته عن أمري ﴿أي نحر من جهتهن ﷺ ولأجلهن. ((مح)): هذا محمول علي أنه ﷺ استأذنهن في ذلك، فإن تضحية الإنسان عن غيره لا تجوز إلا بإذنه.

стр. 1496

٢٦٣٢ - وعنها، قالت: فتلت قلائدها من عهن كان عندي، ثم بعث بها مع أبي. متفق عليه. ٢٦٣٣ - وعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ رأي رجلاً يسوق بدنة، فقال: ((اركبها)). فقال: إنها بدنة. قال: ((اركبها)). فقال: إنها بدنة. قال: ((اركبها ويلك)) في الثانية أو الثالثة. متفق عليه. ٢٦٣٤ - وعن أبي الزبير، قال: سمعت جابر بن عبد الله سئل عن ركوب الهدي. فقال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهراً)) رواه مسلم. ــ الحديث الخامس والسادس عن عائشة ﵂: قوله: ((من عهن)) ((نه)): العهن الصوف الملون، الواحدة عهنة. ((مح)): في الحديث دليل علي استحباب الهدي إلي الحرم- وإن لم يذهب إليه- واستحباب تقليده وإشعاره، وأن الباعث لا يصير محرماً، فلا يحرم عليه شيء مما يحرم علي المحرم. وهذا مذهب الجمهور إلا ما حكي عن ابن عبار، وابن عمر، وعطاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وحكي الخطابي أيضاً عن أهل الرأي: أنه إذا فعله لزمه اجتناب ما يجتنبه المحرم، ولا يصير محرما، والصحيح ما قاله الجمهور؛ للأحاديث الصحيحة. قوله: ((ثم بعث بها مع أبي)) ((قض)): تريد بالبدن البدن التي أهداها، وبعث بها مع أبي بكر في العام السابق علي العام الذي حج فيه بنفسه، وقولها: ((فما حرم عليه شيء)) إنما قالته ردا لما بلغها من فتيا ابن عباس فيمن بعث هدايا إلي مكة أنه يحرم عليه ما يحرم علي المحرم، حتى يبلغ الهدي محله وينحر. الحديث السابع والثامن عن أبي هريرة ﵁: قوله ((سئل)) حال عن ((جابر)) وأصل الكلام: سمعت سؤال سائل عن جابر، ونظيره قوله تعالي:﴾ سمعنا مناديا ينادي ﴿، والأصل سمعت نداء مناد، فأوقع الفعل علي المنادي، وجعل المسموع حالا. قوله: ((اركبها)) ((حس)): فيه دليل علي أن من ساق بدنة هديا جاز له ركوبها غير مضر بها، وله الحمل عليها، وهو قول مالك والشافعي وأحمد، وذهب قوم إلي أنه لا يركبها إلا أن يضطر إليه؛ لقوله ﷺ : ((اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها)). ويجوز شرب لبنها بعد الفضل عن ري الولد، أقول:

стр. 1497

٢٦٣٥ - وعن ابن عباس [﵄]، قال: بعث رسول الله ﷺ ستة عشر بدنة مع رجل وأمره فيها. فقال: يارسول الله كيف أصنع بما أبدع علي منها؟ قال: ((انحرها، ثم اصبغ نعليها في دمها، ثم اجعلها علي صفحتها، ولا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل رفقتك)) رواه مسلم. ((حتى تجد)) غاية، ومتعلقها جواب الشرط المحذوف الدال عليه قوله: ((اركبها بالمعروف)). ويجوز أن تكون ((إذا)) ظرفا، والحديث الأول مطلق، والثاني مقيد، والمطلق محمول علي المقيد. ((مح)): مذهب الشافعي أنه يركبها إذا احتاج، ولا يركبها من عير حاجة، وإنما يركبها بالمعروف من غير إضرار، وبهذا قال ابن المنذر وجماعة، وهو رواية عن مالك، وقال عروة بن الزبير ومالك في الرواية الأخرى وأحمد وإسحاق: له ركوبها من غير حاجة بحيث لا يضر بها، وبه قال أهل الظاهر، وقال أبو حنيفة: لا يركبها إلا أن لا يجد منه بدا. وأما قوله: ((ويلك اركبها)) فهي كلمة تقال فيمن وقع في هلكة، وقيل: هي كلمة تجري علي اللسان من غير قصد إلي ما وضعت له أولا من الدعاء عليه، كقولهم: لا أبا له، وتربت يداه، وما أشبه ذلك. الحديث التاسع عن ابن عباس ﵄: قوله ((ستة عشر بدنة)) وفي المصابح ((ستة عشرة)) وجاز الأمران؛ لأن البدنة يستوي فيها الذكر والأنثى. قوله: ((مع رجل)) (قض) قيل: إنه ناجية بن جندب الأسلمي، ((وأمره فيها)) أي جعله أميرا فيها، ((بما أبدع علي)) أي عطب، من قولهم: أبدعت الراحلة، إذا انقطعت عن السير بكلال أو ضلع، كأنها بانقطاعها عما كانت مستمرة عليه من عادة السير أمرا خارجا عما اعتيد منها وألف، وحذف الراجع إلي الموصول الذي هو فاعل ((أبدع)) وبنى الفعل للمفعول، وأسند إلي الجار والمجرور الأول، كما أسند في نحو سير بزيد. وإنما جاز وقوع هذه الجملة صلة، وهي خالية عن الراجع؛ لأنها في معنى عطب المتضمن له، وقد جاءت الرواية به، ونظيرة: هذا حلو حامض، فإن كل واحد منهما حال عن الراجع، لعدم استقلاله، وإنما صح وقوع المجموع خبراً؛ لأنه في معنى [المر] * المتضمن له. وإنما قال: ((علي)) والمستعمل أبدع لي؛ لأن عطب كل عليه، وللفرق بين انقطاع الراحلة وانقطاع ما يسوقه. وقوله: ((اصبغ نعليها)) وقد ضمن معنى اغمس، وعداه بـ ((في)) أي اغمس النعلين المقلد بهما، ونهي السائق ورفقته عن الأكل منها، قطعا ُ لأطماعهم حتى لا يحملهم القرم** علي اللحم علي الاستعجال في النحر، ودفعاً للتهمة عنهم، ولهذا إذا أبدع علي المالك في الطريق ويذبحه ليس له، ولا لأحد من أهل رفقته أن يأكلوا منه، سواء كانوا فقراء أو أغنياء، إذا كان هدياً أوجبه علي نفسه، فإن كان تطوعاً فله أن يتموله ويأكل منه ولا شيء عليه.

стр. 1498

٢٦٣٦ - وعن جابر، قال: نحرنا مع رسول الله ﷺ عام الديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة. رواه مسلم. ٢٦٣٧ - وعن ابن عمر: أنه أتى علي رجل قد أناخ بدنته ينحرها، قال: ابعثها قياما مقيدة سنة محمد ﷺ . متفق عليه. ــ وهو مذهب الشافعي وغيره من أهل العلم؛ فإن مجرد التقليد لا يخرجه عن ملكه وتصرفه إلي أن ينحر. وعن بعض المالكية أن التقليد كالإيجاب، فيذبحه ولا يحل له ولا لرفقته أكل شيء منه، إن أكله هو أو واحد من رفقته حيث لم يجز له لزمه الغرم. ((مح)) المراد من الرفقة جميع القافلة؛ لأن السبب الذي منعت به الرفقة هو خوف تعطيهم إياه. فإن قيل: إذا لم يجز للرفقة أكله وترك في البادية، كان طعمة للسباع، وهو إضاعة المال. قلنا: ليس كذلك؛ لأن العادة الغالبة أن سكان البوادي وغيرهم يتبعون منازل الحجيج ومسالكهم؛ لالتقاط ساقط ونحوه، وقد تأتي قافلة في إثر قافلة فيحل لهم أكله. الحديث العاشر عن جابر ﵁: قوله: ((البدنة)) ((مح)): البدنة تطلع علي البعير والبقرة والشاة، لكن غالب استعمالها في البعير، وفي دليل علي جواز الاشتراك في الهدي، وفيه اختلاف، فمذهب الشافعي جواز الاشتراك، سواء كان تطوعاً أو واجباً، وسواء تقربوا كلهم، أو بعضهم يريد القربة وبعضهم يريد اللحم، وبهذا قال أحمد وجمهور العلماء. وقال داود وبعض المالكية: يجوز الاشتراك في التطوع دون الواجب، وقال مالك: لا يجوز مطلقاً. وقال أبو حنيفة: يجوز إن كانوا كلهم متقربين وإلا فلا. وأجمعوا علي أنه لا يجوز الاشتراك في الغنم. الحديث الحادي عشر عن ابن عمر ﵄: قوله: ((قياما ً)) ((قض)) قياماً بمعنى قائمة، وقد صحت الرواية بها أيضاً، وانتصابه علي الحال، والعامل فعل محذوف دل عليه قرينة الحال، أي انحرها قائمة مقيدة. و ((سنة)) نصب بمعامل مضمر علي أنه مفعول به، والتقدير فاعلا بها أو مقتفيا ً في نحرها سنة محمد ﷺ ، أو مصدر دل علي فعله مضمون الجملة السابقة. ((تو)) ولا يصح أن يجعل العامل في ((قياماً)) ((ابعثها))؛ لأن البعث إنما يكون قبل القيام، واجتماع الأمرين في حالة واحدة غير ممكن. أقول: يحتمل أن يكون حالا مقدرة، فيجوز تأخره عن العامل، كما في التنزيل:﴾ فبشرناه بإحساق نبيا من الصالحين ﴿، أي ابعثها مقدراً قيامها وتقييدها ثم انحرها. ((مح)): يستحب أن تنحر الإبل وهي قائمة معقولة اليد اليسرى، والبقر والغنم مضطجعة علي جنبها الأيسر، وتترك رجلها.

стр. 1499

٢٦٣٨ - وعن علي [﵁]، قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم علي بدنه، وأن أتصدق بلحمها وجلودها وأجلتها، وأن لا أعطي الجزار منها قال: ((نحن نعطيه من عندنا)) متفق عليه. ٢٦٣٩ - وعن جابر، قال: كنا لا نأكل من لحوم بدننا فوق ثلاث، فرخص لنا رسول الله ﷺ فقال: ((كلوا وتزودوا))، فأكلنا وتزودنا. متفق عليه. الفصل الثاني ٢٦٤٠ - عن ابن عباس: أن النبي ﷺ أهدى عام الحديبية في هدايا رسول الله ﷺ جملاً كان لأبي جهل، في رأسه برة من فضة- وفي رواية: من ذهب_ يعيظ بذلك المشركين رواه أبو داود. [٢٦٤٠] ــ الحديث الثاني عشر عن علي ﵁: قوله: ((أمرني)) ((مح)): في الحديث فوائد كثيرة: منها: استحباب سوق الهدي، وجواز النيابة في نحره وتفرقته، وأنه يتصدق بلحومها وجلودها وجلالها، وأنها تجلل، ويستحب أن يكون جلالها حسنة، وأنه لا يعطى الجزار منها؛ لأن عطيته عوض عن عمله، فيكون في معنى بيع جزء منها، وذلك لا يجوز، وفيه جواز الاستئجار علي النحر ونحوه. ومذهبنا أنه لا يجوز بيع جلد الهدي والأضحية، ولا شيء من أجزائها، ولكن إذا كان تطوعا ً فله الانتفاع بالجلد وغيره باللبس. وحكى ابن المنذر عن ابن عمر وأحمد وإسحاق: أنه لا بأس ببيع جلد هدية والتصدق بثمنه. وقال. النخعي والأوزاعي: لا بأس أن يشتري به الغربال والمنخل والفأس والميزان ونحوها. ((حس)): إذا أعطى الجزاء من اللحظ للأجرة لم يجز، وإما إذا تصدق عليه بشيء منه فلا بأس به. وقال الحسن البصري: لا بأس أن يعطى الجزار الجلد. الحديث الثالث عشر عن جبار ﵁: قوله: ((فوق ثلاث)) ((مظ)): نهي أولا أن يؤكل من لحم الهدي والأضحية فوق ثلاثة أيام، ثم رخص لهم أن يأكلوا من التطوع، وأما الواجب بالشرع من الهدي كدم التمتع والقران والواجب بإفساد الحج وفواته، وجزاء الصيد، فلا يجوز للمهدي أن يأكل منها شيئاً، بل عليه التصدق عند بعض أهل العلم، وبه قال الشافعي ﵁. الفصل الثاني الحديث الأول عن ابن عباس ﵄: قوله: ((عام الحديبية)) ((قض)): هي السنة السادسة من الهجرة، توجه فيها رسول الله ﷺ مكة للعمرة؛ فأحصره المشركون بالحديبية،

стр. 1500

٢٦٤١ - وعن ناجية الخزاعي، قال: قلت: يا رسول الله! كيف أصنع بما عطب من البدن؟ قال: ((انحرها، ثم اغمس نعلها في دمها، ثم خل بين الناس وبينها فيأكلونها)) رواه مالك، والترمذي، وابن ماجه. [٢٦٤١] ٢٦٤٢ - ورواه أبو داود، والدرامي، عن ناجية الأسلمي. [٢٦٤٢] ٢٦٤٣ - وعن عبد الله بن قرط [﵁]، عن النبي ﷺ ، قال: ((إن أعظم الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القر)). قال ثور: وهو اليوم الثاني. قال: وقرب لرسول الله ﷺ بدنات خمس أو ست، فطفقن يزدلفن إليه، بأيتهن يبدأ قال: فلما وجبت جنوبها. قال: فتكلم بكلمة خفية لم أفهمها. فقلت: ما قال؟ قال: ((من شاء اقتطع)). رواه أبو داود. [٢٦٤٣] وذكر حديثاً ابن عباس، وجابر في ((باب الأضحية)). ــ وهي من أطراف الحل. و ((جملا)) نصب بـ ((أهدى))، و ((في هدايا)) صلة له، وكان حقه أن يقول: في هداياه، فوضع المظهر موضع المضمر، وكان ذلك مع أبي جهل يوم بدر، فاغتنم. ((وفي رأسه برة فضة)) أي في أنفه حلقة فضة، فإن البرة هي الحلقة التي تجعل في أنف البعير، لكن لما كان الأنف من الرأس، قال: ((في رأسه)) علي الاتساع. قوله: ((برة)) ((نه)): هي حلقة تجعل في لحم الأنف، وربما كانت من شعر، وأصلها بروة كفروة، ويجمع علي برى وبرات وبرين بضم الباء. أقول: لعل قوله: ((في هدايا رسول الله)) حال من جملا أي ((جملا)) كائنا في جملة هداياه، قدم اهتماماً، ولذلك وضع المظهر موضع المضمر تعظيما للهدايا وتفخيما لشأنها، وأن المهدي من هو رسول الله وحبيبه من الله تعالي بمكان، والمقام اقتضى ذلك لغيظ الكفار، وتصديقاً لوعد الله من الفتح والظفر في العام القابل، قال تعالي:﴾ ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل – إلي قوله- فاستغلظ فاستوى علي سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعدالله الذين آمنوا ﴿. الحديث الثاني عن ناجية: قوله: ((بين الناس)) التعريف فيه للعهد، والمراد بهم الذين يتبعون القافلة ويلتمسون الساقطة، أو جماعة غيرهم من قافلة أخرى. قوله: ((فيأكلونها)) الظاهر إسقاط النون بإضمار ((أن)) في جواب الأمر لكن التقدير: فهم يأكلونها علي المبتدأ أو الخبر. الحديث الثالث عن عبد الله: قوله: ((إن أعظم الأيام عند الله يوم النحر)) ((تو)): فإن قيل: قد ورد من الأحاديث الصحاح في فضل يوم عرفة ما قد دل علي أنه أفضل الأيام؛ فكيف التوفيق

стр. 1501

الفصل الثالث ٢٦٤٤ - عن سلمة بن الأكوع، قال: قال النبي ﷺ : ((من ضحى منكم، فلا يصبحن بعد ثالثة وفي بيته منه شيء)). فلما كان العام المقبل قالوا: يارسول الله! نفعل كما فعلنا العام الماضي؟ قال: ((كلوا، وأطعموا، وادخروا؛ فإن ذلك العام كان بالناس جهد، فأردت أن تعينوا فيهم)) متفق عليه. ــ بينهما؟ قلنا: إنا قد وجدنا في الحديث الصحيح ما قد دل علي أن الأيام العشر أفضل الأيام؛ لأنها أحب الأيام إلي الله، فيكون معنى قوله: ((أفضل الأيام يوم النحر)) أي من أفضل الأيام. كما يقال: فلان أعقل الناس وأعلمهم أي من أعقل الناس وأعلمهم. قوله: ((يوم القر)) ((نه)): هو الغد من يوم النحر؛ لأن الناس يقرون فيه بمنى، أي يسكنون ويقيمون. ((حس)): سمي به لأن أهل الموسم يوم التروية وعرفة والنحر في تعب من الحج؛ فإذا كان الغد من يوم النحر قروا بمنى. ((قال ثور)) هو أحد من الرواة. قوله: ((يزدلفن)) أي يقربن منه يفتعلن من القرب، فأبدلت التاء دالا لأجل الزاي. ((مظ)): أي تسعى كل واحدة من تلك البدن إلي رسول الله ﷺ ، لينحرها قيل: استلذاذاً واعتداداً ببركة يد رسول الله ﷺ . قوله: ((بأيتهن يبدأ)) الباء في ((بأيتهن)) صلة ((يبدأ)) والاستفهام متأول بجوابه أي تتوخى كل واحدة قربه لي الله عليه وسلم وأنه بأشرفها وأكملها أو بأتوقها إلي إزهاق نفسها، وأنزعها إلي الفداء يبدأ، والجملة حال مؤكدة من ((يزدلفن)) أي يزدلفن متقربات به. قوله: ((فلما وجبت)) ((تو)): الوجوب السقوط، من وجب الحائط إذا سقط، ووجبت الشمس وجبة، إذا غربت، وهو مقتبس من قوله تعالي:﴾ فإذا وجبت جنوبها ﴿وفيه من البلاغة ما لا يخفي، وذلك أنه تعالي ذكر البدن وعظم شأنها، ثم أشار بمقتضى اللفظ إلي أنها تنحر قياما، فإن وجوب الجنوب منها إنما يتصور إذا كانت قائمة، وتلك السنة فيها. قوله: ((فتكلم)) عطف علي ((وجبت))، و" قال " كلام الراوي. وقوله: ((فقلت: ما قال)) أي قال الراوي: سألت الذي يليه: ما قال؟ فقال ﷺ : ((من شاء اقتطع)) أي هدى المهدي – للمحتاجين، ((ومن شاء اقتطع)) ((حس)): فيه دليل علي جواز هبة المشاع؛ وعلي جواز أخذ النثار في عقد الأملاك؛ وأنه ليس من النهب الذي نهي عنه. وكرهه بعض العلماء خوفاً من أن يدخل فيما نهي عنه من النهبى. الفصل الثالث الحديث الأول عن سلمة: قوله: ((جهد)) ((نه)): بالضم الوسع والطاقة، وبالفتح المشقة، وقيل: المبالغة والغاية، وقيل: هما لغتان في الوسع والطاقة؛ فأما في المشقة والغاية فالفتح لا غير. قوله: ((أن تعينوا فيهم)) أي تعينوهم؛ فجعل المتعدي منزلة اللازم، وعداه بقي مبالغة، أي أردت أن توقعوا الإعانة فيهم، وتجعلوهم مكانا لها لشدة احتياجهم وافتقارهم، نحو قوله

стр. 1502

٢٦٤٥ - وعن نبيشة [﵁]، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنا كنا نهيناكم عن لحومها أن تأكلوها فوق ثلاث لكي تسعكم. جاء الله بالسعة، فكلوا، وادخروا، وأتجروا. ألا وإن هذه الأيام، أيام أكل وشرب، وذكر الله)). رواه أبو داود. [٢٦٤٥] (٨) باب الحلق الفصل الأول ٢٦٤٦ - عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ حلق رأسه في حجة الوداع وأناس من أصحابه، وقصر بعضهم. متفق عليه. ــ تعالي:﴾ وأصلح لي في ذريتي ﴿. ولعل هذا ليس بنسخ؛ لإمكان الجميع بين الأمرين، فيكون الثاني رخصة. الحديث الثاني عن نبيشة: قوله: ((أن تأكلوها)) بدل اشتمال من ((لحومها)). قوله: ((لكي تسعكم)) ((نه)): وسعه الشيء يسعه سعة فهو واسع، والوسع والسعة الجدة والطاقة، ومنه الحديث ((إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم)) أي لا تتسع أموالكم لعطائهم فوسعوا أخلاقكم لصحبتهم. أقول: فالضمير المرفوع في ((تسعكم)) للحوم، أي نهيتكم عن أكلها ليتسع عليكم فتؤتوها المحتاجين، يدل عليه قوله: ((جاء الله بالسعة)) أي علي المحتاجين، فوافق هذا التأويل معنى الحديث السابق. قوله: ((وأتجروا)) أمر من الأجر، أي اطلبوا به الأجر والثواب، ولو كان من التجارة لكان بتشديد التاء، والتجارة في الضحايا لا تصح؛ لأن بيعها فاسد، إنما تؤكل ويتصدق منها. قوله: ((أيام أكل وشرب وذكر الله)) التنكير فيهما للنوع، أي سعة وإباحة فيهما، ثم أتبعهما بذكر الله صيانة عن التلهي والتشهي كالبهائم، بل يكونان إعانة علي ذكر الله وطاعته، والله أعلم بالصواب. باب الحلق الفصل الأول الحديث الأول عن ابن عباس ﵄: قوله: ((قصرت من رأس النبي ﷺ ) ((قض)): كان هذا في عمرة؛ لأن الحاج يحلق بمنى، فلا يعارض ما روى ابن عمر أنه ﷺ حلق رأسه في حجة الوداع، ولعل ذلك كان في عمرة الجعرانة، اعتمرها رسول الله ﷺ لما فتح

стр. 1503

٢٦٤٧ - وعن ابن عباس، قال: قال لي معاوية: إني قصرت من رأس النبي ﷺ عند المروة بمشقص. متفق عليه ٢٦٤٨ - وعن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ ، قال في حجة الوداع: ((اللهم ارحم المحلقين)). قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟! قال: ((اللهم ارحم المحلقين)). قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟! قال: ((والمقصرين)). متفق عليه. ــ مكة، وأراد الرجوع منها في السنة الثامنة من الهجرة، أو عمرة القضاء، إن صح ما روى عنه: إنى أسلمت عام القضية، والأصح أنه أسلم عام الفتح. قوله: ((المشقص)) ((نه)): المشقص نصل طويل ليس بالعريض، وقيل: هو سهم له نصل عريض وقيل: أراد هاهنا به الحلم، وهو الذي يجز به الشعر والصوف، وهو أشبه بهذا الحديث. ((مح)): يستحب للمتمتع أن يقصر في العمرة، ويحلق في الحج؛ ليقع الحلق في أكمل العبادتين. الحديث الثاني والثالث والرابع عن ابن عمر ﵄: قوله: ((قالوا: والمقصرين)) هو من العطف التلقيني، يعني يا رسول الله! ضم المقصرين إليهم، وقل اللهم ارحم المحلقين والمقصرين، نحو قوله تعالي:﴾ إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي ﴿((الكشاف)): ((ومن ذريتي)) عطف علي الكاف، كأنه قال: وجاعل بعض ذريتي كما يقال لك: سأكرمك فتقول: وزيداً. ((نه)): إنما خص المحلقين أولاً بالدعاء دون المقصرين، وهم الذين أخذوا من أطراف شعورهم ولم يحلقوا-؛ لأن أكثر من أحرم مع النبي ﷺ لم يكن معهم هدى؛- وكان النبي ﷺ قد ساق الهدى، ومن معه هدى فإنه لا يحلق حتى ينحر هديه، فلما أمر النبي ﷺ من ليس معه هدى أن يحلق ويحل، ووجدوا في أنفسهم من ذلك، وأحبوا أن يأذن لهم في المقام علي إحرامهم حتى يكملوا الحج،- وكانت طاعة النبي ﷺ أولي بهم-، فلما لم يكن لهم بد من الإحلال كان التقصير في نفوسهم أخف من الحلق، فمال أكثرهم، وكان فيهم من بادر إلي الطاعة، وحلق ولم يراجع؛ فلذلك قدم المحلقين وأخر المقصرين. ((مح)): هذا في حجة الوداع، وهو الصحيح المشهور، وحكى القاضي عياض عن بعضهم: أن هذا كان يوم الحديبية حين أمرهم بالحلق، فلم يفعلوا طمعاً دخول مكة يومئذ. وعن ابن عباس قال: حلق رجال يوم الحديبية وقصر آخرون، فدعا رسول الله ﷺ بالدعاء. قيل:

стр. 1504

٢٦٤٩ - وعن يحى بن الحصين، عن جدته، أنها سمعت النبي ﷺ في حجة الوداع دعا للمحلقين ثلاثاً، وللمقصرين مرة واحدة. رواه مسلم. ٢٦٥٠ - وعن أنس: أن النبي ﷺ أتى منى، فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى، ونحر نسكه، ثم دعا بالحلاق، وناول الحالق شقه الأيمن، ثم دعا أبا طلحة الأنصاري، فأعطاه إياه، ثم ناول الشق الأيسر، فقال: ((احلق)) فحلقه، فأعطاه أبا طلحة، فقال: ((اقسمه بين الناس)). متفق علية. ــ يا رسول الله! ما بال المحلقين، ظاهرت لهم بالترحم؟ قال: ((لأنهم لم يشكوا)). ووجه فضيلة الحلق علي التقصير أن المقصر مبق علي نفسه الزينة من الشعر، والحاج مأمور بترك الزينة؛ ولأنه أدل علي صدق النية في التذلل لله تعالي. والمذهب المشهور أن الحلق أو التقصير نسك من مناسك الحج والعمرة، وركن من أركانهما لا يحصل واحد منهما إلا به، وعليه اتفقت الجمهور. وللشافعي قول شاذ ضعيف: أنه استباحة محظور كالطيب واللباس وليس بنسك، والصواب الأول، والمشروع في حق النساء التقصير، وأقله ثلاث شعرات، ويكره لهن الحلق والأفضل في الحلق والتقصير أن يكون بعد رمي جمرة العقبة، وقد ذبح الهدي عن كان معه سواء كان قارناً أو مفرداً. الحديث الخامس عن أنس ﵁: قوله: ((نحر نسكه)) ((تو)): نسك جميع نسيكة، وقيل: مصدر، والمصادر تقام مقام الأسماء المشتقة منها، فتطلق علي الواحد والجمع، وأكثر ما نجده في الحديث بتخفيف السين، وفي الحديث يجوز أن يحمل علي الواحد؛ لأنه كان ينحر الواحد بعد الواحد، ويجوز أن يحمل علي الجمع؛ لأنه تحر يومئذ بيده ثلاثاً وستين بدنة، وكأنه راعي بهذه العدة سني عمره ﷺ . وإنما قسم الشعر في أصحابه؛ ليكون بركة باقية بين أظهرهم وتذكره لهم، وكأنه أشار بذلك إلي اقتراب الأجل وانقضاء زمان الصحبة، وأرى أنه خص أبا طلحة بالقسمة التفاتاً إلي هذا المعنى؛ لأنه هو الذي حفر قبره ولحد له وبنى فيه اللبن. ((مح)): اختلفوا في اسم الحلاق، والصحيح المشهور أنه معمر بن عبد الله العدوى. وقيل: اسمه فراس بن أمية بن ربيعة الكلبي بضم الكاف. وفيه استحباب بدئه الحلق بالجانب الأيمن، وقال أبو حنيفة: يبدأ بالجانب الأيسر. وفيه أن شعر الآدمي طاهر، وهو الصحيح. وفيه جواز التبرك بشعره واقتنائه، ومواساة الإمام والكبير بين أصحابه وأتباعه فيما يفرقه عليهم من عطائه. قوله: ((شقه الأيمن [فحلقة] *)) أي قال: احلق فحلقه، تدل علي المحذوف القرينة الآتية. فإن قلت: لم حذف في الأولي وذكر في الثانية؟ قلت: ليدل علي سرعة امتثال الحالق،

стр. 1505

٢٦٥١ - وعن عائشة [﵂)، قالت: كنت أطيب رسول الله ﷺ قبل أن يحرم، ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك. متفق عليه. ٢٦٥٢ - وعن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ أفاض يوم النحر. ثم رجع، فصلي الظهر بمنى. رواه مسلم. الفصل الثاني ٢٦٥٣ - عن علي وعائشة [﵄]. قالا: نهي رسول الله ﷺ أن تحلق المرأة رأسها. رواه الترمذي. [٢٦٥٣] ٢٦٥٤ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليس علي النساء الحلق؛ إنما علي النساء التقصير)) رواه أبو داود، والدرامي. [٢٦٥٤] (٩) باب [في التحلل ونقلهم بعض الأعمال علي بعض] الفصل الأول ٢٦٥٥ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن رسول الله ﷺ وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه، فجاءه رجل، فقال: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح. ــ وأنه كما أمر امتثل، نحوه قوله تعالي:﴾ قلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت ﴿كأنه طمع أن يعطى المحلوق، فلما آثر عليه أبا طلحة تقاعد عن سرعة الامتثال في المرة الثانية، والله أعلم. والحديث السادس إلي آخر الفصل الثاني غنى عن الشرح. باب الفصل الأول الحديث الأول عن عبد الله: قوله: ((يسألونه)) يحتمل أن يكون حالا ً من فاعل ((وقف)) أي وقف ﷺ ، مسئولا، وأن يكون من ((الناس)) أي وقف لهم سائلين عنه، ويجوز أن يكون استئنافاً بياناً لعله الوقوف، وينصره الرواية الأخرى لمسلم: ((وقف رسول الله ﷺ علي راحلته

стр. 1506

فقال: ((اذبح ولا حرج)). فجاء آخر، فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي. فقال: ((ارم ولا حرج)). فما سئل النبي ﷺ عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: ((افعل ولا حرج)). متفق عليه. وفي رواية لمسلم: أتاه رجل، فقال: حلقت قبل أن أرمي. قال: ((أرم ولا حرج)). وأتاه آخر، فلقال: أفضت إلي البيت قبل أن أرمي. قال: ((أرم ولا حرج)). ٢٦٥٦ - وعن ابن عباس، قال: كان النبي ﷺ يسأل يوم النحر بمنى، فيقول: ((لا حرج))، فسأله رجل، فقال: رمين بعد ما أمسيت. فقال: ((لا حرج)). رواه البخاري. ــ فطفق ناس يسألونه)). قوله: ((لم أشعر فحلقت)) الفاء سببية، جعل الحلق مسبباً عن عدم شعوره، كأنه يعتذر لتقصيره. ((مح)): قد تقرر أن أفعال يوم النحر أربعة: رمى جمرة العقبة ثم الذبح ثم الحلق ثم طواف الإفاضة؛ فإن السنة أن تكون مرتبة علي هذا النسق، فلو خولفت وقدم بعضها علي بعض جاز، ولا فدية عليه لهذه الأحاديث، وبهذا قال جماعة من السلف، وهو مذهبنا، وللشافعي قول ضعيف: أنه إذا قدم الحلق علي الرمى والطواف لزمه دم. ((قض)): اختلف في أنه سنة لا شيء في تركه أو واجب يتعلق الدم بتركه؟ وعلي الأول ذهب أكثر علماء الصحابة والتابعين، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق؛ لهذا الحديث وأمثاله، وإلي الثاني مال ابن جبير، وبه قال أبو حنيفة ومالك، وأولوا قوله: ((ولا حرج)) علي رفع الإثم لجهله دون الفدية. ويدل علي هذا أن ابن عباس رضي اله عنهما روى مثل هذا الحديث، وأوجب الدم، فلولا أنه فهم ذلك وعلم أنه المراد لما أمر بخلافه. قوله: ((قدم ولا أخر)) لابد من تقدير لا في الأول؛ لأن الكلام الفصيح قلما تقع لا الداخلة علي الماضي فيه إلا مكررة، وشاع ذلك لأن الكلام في سياق النفي، ونظيره قوله تعالي:﴾ ما أدري ما يفعل بي ولا بكم ﴿. الحديث الثاني عن ابن عباس ﵄: قوله: ((كان يسأل يوم النحر)) أي لم يزل يسأل، يدل عليه قوله في الحديث السابق: ((فما سئل النبي ﷺ عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: افعل ولا حرج)). قوله: ((بعدما أمسيت)) أي بعد العصر. ((مظ)): آخر وقت الرمى يوم النحر

стр. 1507

الفصل الثاني ٢٦٥٧ - عن علي، قال: أتاه رجل، فقال: يا رسول الله! إني أفضت قبل أن أحلق: فقال: ((احلق أو قصر ولا حرج)). وجاء آخر، فقال: ذبحت قبل أن أرمي قال: ((ارم ولا حرج)) رواه الترمذي. [٢٦٥٧] الفصل الثالث ٢٦٥٨ - عن أسامة بن شريك، قال: خرجت مع رسول الله ﷺ حاجاً، فكان الناس يأتونه، فمن قائل: يا رسول الله! سعيت قبل أن أطوف، أو أخرت شيئاً أو قدمت شيئاً، فكان يقول: ((لا حرج إلا علي رجل اقترض عرض مسلم وهو ظالم، فذلك الذي حرج وهلك)) رواه أبو داود. [٢٦٥٨] (١٠) باب خطبة يوم النحر ورمي أيام التشريق والتوديع ــ غروب الشمس من يومه، فإذا غربت فات، ولزمه دم في قول، وأول وقت رمي هذا اليوم بعد نصف ليلة النحر عند الشافعي، وبعد طلوع فجر يوم النحر عند أبي حنيفة ومالك وأحمد. الفصل الثاني والفصل الثالث الحديث الأول عن أسامة: قوله: ((فكان الناس)) الفاء تقتضي مقتدرات شتى، أي خرجت حاجا مع رسول الله ﷺ فكان كيت وكيت، وقضينا مناسكنا فكان الناس يأتونه فيسألونه، فالفاء في ((فمن قائل)) تفصيلية، والأولي فصيحة، و ((من)) تبعيضيه. قوله: ((إلا علي رجل)) استثناء منقطع بمعنى لكن. قوله: ((اقترض)) ((نه)): أي نال منه وقطعه بالغيبة، وهو افتعال من القرض القطع. أقول: انظر أيها المتأمل في تشديد أمر الغيبة واختصاصه في هذا المقام دون سائر الآثام. وتقييده بقوله: ((وهو ظالم)) إشارة إلي ما أبيح فيه من الذنب بالجرح، عما روى من الأحاديث ومن الشهادات في القضايا وغير ذلك. وقوله: ((وهو ظالم)) يحتمل وجهين أن يكون حالا مؤكدة، وأن تكون مستقلة. وذلك علي تقدير أن يكون بعض المقترضين غير ظالم، مثل جرح غير المعدلين، و ((فذلك)) فذلكة للتفصيل السابق. باب خطبة يوم النحر، ورمي أيام التشريق، والتوديع قوله: ((التوديع)) عطف علي التشريق، أي أيام النفر التي تستتبع طواف الوداع وأنشد:

стр. 1508

الفصل الأول ٢٦٥٩ - عن أبي بكرة [﵁] قال: خطبنا النبي ﷺ يوم النحر، قال: ((إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات، ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان)). وقال: ((أي شهر هذا؟)) قلنا: الله ورسوله أعلم. ــ فلما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ماسح أخدنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطي الأباطح الفصل الأول الحديث الأول عن أبي بكرة: قوله: ((خطبنا)) ((غب)): الخطب والمخاطبة والتخاطب، المراجعة في الكلام، ومنه الخطبة والخطبة، لكن الخطبة مختصة بالموعظة، والخطبة بطلب المرأة. ((تو)): والزمان اسم لقليل الوقت وكثيره، وأراد به هاهنا السنة- انتهي كلامه. وذلك أن قوله: ((السنة اثنا عشر شهرا ً)) إلي آخرة جملة مستأنفة مبينة للجملة الأولي، فالمعنى: أن الزمان في انقسامه إلي الأعوام، والأعوام إلي الأشعر عاد إلي أصل الحساب والوضع. الذي اختاره الله ووضعه يوم خلق السموات والأرض. والهيئة صورة الشيء وشكله وحالته، والكاف صفة مصدر محذوف، أي استدار استدارة مثل حالته يوم خلق الله. ((نه)): يقال: دار يدور واستدار يستدير، بمعنى إذا طاف حول الشيء، وإذا عاد إلي الموضع الذي ابتدأ منه. ومعنى الحديث أن العرب كانوا يؤخرون المحرم إلي صفر، وهو النسيء المذكور في القرآن في قوله تعالي:﴾ إنما النسيء زيادة في الكفر ﴿ليقاتلوا فيه، ويفعلون ذلك كل سنة بعد سنة، فينتقل المحرم من شهر إلي شهر حتى جعلوه في جميع شهور السنة، فلما كانت تلك السنة قد عاد إلي زمنه المخصوص به قبل، ودارت السنة كهيئتها الأولي. ((حس)): قال بعضهم: إنما أخر النبي ﷺ الحج مع الإمكان ليوافق أهل الحساب، فحج معه حجة الوداع. قوله: ((ثلاث متواليات)) إنما حذف التاء من العدد باعتبار أن الشهر الذي هو واحد الأشهر بمعنى الليالي، فاعتبر لذلك تإنيثه. قوله: ((ووجب مضر)) عطف علي قوله ((ثلاث)) ((حس)): إنما أضافه إلي مضر؛ لأنها كانت تحافظ علي تحريمه أسد من محافظة سائر العرب، ولم يكن يستحله أحد من العرب. وقوله: ((الذي بين جمادى وشعبان)) ذكره تأكيداً وإزاحة للريب الحادث فيه من النسيء، وهذا معنى كلام الخطابي. قوله: ((أي شهر هذا)) ((قض)): يريد به تذكارهم حرمة الشهر وتقريرها في نفوسهم ليبنى

стр. 1509

فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. فقال: ((أليس ذا الحجة؟)) قلنا: بلي. قال: ((أي بلد هذا؟)) قلنا: الله ورسوله أعلم، فكست حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: ((أليس البلدة؟)) قلنا: بلي! قال: ((فأي يوم هذا؟)) قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: ((أليس يوم النحر؟)) قلنا: بلي. قال: ((فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في ــ عليه ما أراد تقريره، وقولهم في الجواب: ((الله ورسوله أعلم)) مراعاة للأدب وتحرزاً عن التقدم بين يدي الله ورسوله، وتوقفاً فيما لا يعلم الغرض من السؤال عنه. أقول: في قولهم: ((سيسميه)) إشارة إلي تفويق الأمور بالكلية إلي الشارع، وعزل لما ألفوه من المتعارف المشهور. قوله: ((أليس ذا الحجة؟)) بالنصب، وفي أصل المالكي بالرفع، وقال: الأصل أليسه ذو الحجة؟، ومن حذف الضمير المتصل خبرا لكان وأخواته قول الشاعر: فأطعنا من لحمها وسديفها شواء وخير الخير ما كان عاجله أراد خير الخير الذي كأنه عاجله وقال: شهدت دلائل جمة لم أحصها أن المفضل لن يزال عتيق أراد لن يزاله. ((مح)): في هذا التمثيل دليل علي استحباب ضرب الأمثال وإلحاق النظير بالنظير قياساً. وفي قوله: ((فليبلع الشاهد الغائب)) تصريح بوجوب نقل العلم وإشاعة السنن والأحكام. ((تو)): وإنما شبهها في الحرمة بهذه الأشياء؛ لأنهم كانوا لا يرون استباحة تلك الأشياء وانتهاك حرمتها بحال. قوله: ((البلدة)) ((تو)): وجه تسميتها بالبلدة- وهي تقع علي سائر البلدان- أنها البلدة الجامعة للخير المستحقة أن تسمى بهذا الاسم؛ لتفوقها سائر مسميات أجناسها تفوق الكعبة في تسميتها بالبيت سائر مسميات أجناسها، حتى كأنها هي المحل المستحق للإقامة بها. قال ابن جنى: من عادة العرب أن يوقعوا علي الشيء الذي يختصونه بالمدح اسم الجنس، ألا تراهم كيف سموا الكعبة بالبيت، وكتاب سيبويه بالكتاب! قوله: ((وأعراضكم)) ((تو)): أي أنفسكم وأحسابكم، فإن العرض يقال للنفس وللحسب، يقال: فلان نقى العرض، أي بريء أن يشتم أو يعاب. والعرض رائحة الجسد وغيره طيبة كانت أو خبيثة. ((حس)): لو كان المراد من الأعراض النفوس لكان تكراراً، لأن ذكر الدماء كاف، إذ المراد به النفوس. أقول: الظاهر أن يراد بالأعراض الأخلاق النفسإنية، والكلام فيه يحتاج إلي فضل تأمل، فالمراد بالعرض هنا الخلق، كما سبق، وفي قول الحماسي: إذا المرء

стр. 1510

بلدكم هذا، في شهركم هذا، وستلقون ربكم. فيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي ضلالا، يضرب بعضكم رقاب بعض، ألاهل بلغت؟)) قالوا: نعم. قال: ((اللهم اشهد؛ فليبلع الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامح)) متفق عليه. ٢٦٦٠ - وعن وبرة، قال: سألت ابن عمر: متى أرمي الجمار؟ قال: إذا رمى إمامك فارمه، فأعدت عليه المسألة. فقال: كنا نتحين، فإذا زالت الشمس رمينا. رواه البخاري. ٢٦٦١ - وعن سالم، عن ابن عمر: أنه كان يرمي جمرة الدنيا بسبع حصيات، ــ لم يدنس من اللوم عرضه*. وفي قول أبي ضمضم: اللهم إني تصدقت بعرضي علي عبادك، ما يرجع عليه عيبه. والتحقيق ما ذكره صاحب النهاية: العرض موضع المدح والذم من الإنسان سواء كان في نفسه أو في سلفه، ولما كان موضع العرض النفس قال من قال: العرض النفس إطلاقاً للمحل علي الحال، وحين كان المدح نسبة الشخص إلي الأخلاق الحميدة، والذم نسبته إلي الذميمة، سواء كانت فيه أو لا، قال من قال: العرض الخلق؛ إطلاقاً لاسم اللازم علي الملزوم. قوله: ((ضلالا)) ((حس)): ويروى ((كفاراً)) أي لا تكن أفعالكم شبيهة أعمال الكفار في ضرب رقاب المسلمين. ((مظ)): يعني إذا فارقت الدنيا، فاثبتوا بعدي علي ما أنتم عليه من الإيمان والتقوى، ولا تظلموا أحداً، ولا تحاربوا المسلمين، ولا تأخذوا أموالهم بالباطل؛ فإن هذه الأفعال من الضلالة والعدول من الحق إلي الباطل. قال النمالكى: ((رجع)) هنا استعمل كصار معنى وعملا، أي لا تصيروا بعدي كفارا ومنه قول الشاعر: قد يرجع المرء بعد المقت ذا مقة بالحلم فادرأ به بغضا ذا ** إحن ويجوز في ((يضرب)) الرفع والجزم. أقول: علي الرفع جملة مستأنفة مبينة لقوله: ((فلا ترجعوا بعدي ضلالا)) فينبغي أن يحمل علي العموم، وأن يقال: لا يظلم بعضكم بعضا ً فلا تسفكوا دماءكم ولا تهتكوا أعراضكم ولا تستبيحوا أموالكم، ونحوه – أي في إطلاق الخاص وإرادة العموم – قوله تعالي:﴾ الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ﴿. الحديث الثاني عن وبرة: قوله: ((إذا رمى إمامك)) أي اقتد في الرمي بمن هو أعلم منك بوقت الرمي. و ((نتحين)) أي نطلب الوقت، أي ننتظر دخول وقت الرمي.
следующие страницы →