← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122257

شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن

الطيبي

Полный текст (3 308 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

فقال: ((اذبح ولا حرج)). فجاء آخر، فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي. فقال: ((ارم ولا حرج)). فما سئل النبي ﷺ عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: ((افعل ولا حرج)). متفق عليه. وفي رواية لمسلم: أتاه رجل، فقال: حلقت قبل أن أرمي. قال: ((أرم ولا حرج)). وأتاه آخر، فلقال: أفضت إلي البيت قبل أن أرمي. قال: ((أرم ولا حرج)). ٢٦٥٦ - وعن ابن عباس، قال: كان النبي ﷺ يسأل يوم النحر بمنى، فيقول: ((لا حرج))، فسأله رجل، فقال: رمين بعد ما أمسيت. فقال: ((لا حرج)). رواه البخاري. ــ فطفق ناس يسألونه)). قوله: ((لم أشعر فحلقت)) الفاء سببية، جعل الحلق مسبباً عن عدم شعوره، كأنه يعتذر لتقصيره. ((مح)): قد تقرر أن أفعال يوم النحر أربعة: رمى جمرة العقبة ثم الذبح ثم الحلق ثم طواف الإفاضة؛ فإن السنة أن تكون مرتبة علي هذا النسق، فلو خولفت وقدم بعضها علي بعض جاز، ولا فدية عليه لهذه الأحاديث، وبهذا قال جماعة من السلف، وهو مذهبنا، وللشافعي قول ضعيف: أنه إذا قدم الحلق علي الرمى والطواف لزمه دم. ((قض)): اختلف في أنه سنة لا شيء في تركه أو واجب يتعلق الدم بتركه؟ وعلي الأول ذهب أكثر علماء الصحابة والتابعين، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق؛ لهذا الحديث وأمثاله، وإلي الثاني مال ابن جبير، وبه قال أبو حنيفة ومالك، وأولوا قوله: ((ولا حرج)) علي رفع الإثم لجهله دون الفدية. ويدل علي هذا أن ابن عباس رضي اله عنهما روى مثل هذا الحديث، وأوجب الدم، فلولا أنه فهم ذلك وعلم أنه المراد لما أمر بخلافه. قوله: ((قدم ولا أخر)) لابد من تقدير لا في الأول؛ لأن الكلام الفصيح قلما تقع لا الداخلة علي الماضي فيه إلا مكررة، وشاع ذلك لأن الكلام في سياق النفي، ونظيره قوله تعالي:﴾ ما أدري ما يفعل بي ولا بكم ﴿. الحديث الثاني عن ابن عباس ﵄: قوله: ((كان يسأل يوم النحر)) أي لم يزل يسأل، يدل عليه قوله في الحديث السابق: ((فما سئل النبي ﷺ عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: افعل ولا حرج)). قوله: ((بعدما أمسيت)) أي بعد العصر. ((مظ)): آخر وقت الرمى يوم النحر

стр. 1507

الفصل الثاني ٢٦٥٧ - عن علي، قال: أتاه رجل، فقال: يا رسول الله! إني أفضت قبل أن أحلق: فقال: ((احلق أو قصر ولا حرج)). وجاء آخر، فقال: ذبحت قبل أن أرمي قال: ((ارم ولا حرج)) رواه الترمذي. [٢٦٥٧] الفصل الثالث ٢٦٥٨ - عن أسامة بن شريك، قال: خرجت مع رسول الله ﷺ حاجاً، فكان الناس يأتونه، فمن قائل: يا رسول الله! سعيت قبل أن أطوف، أو أخرت شيئاً أو قدمت شيئاً، فكان يقول: ((لا حرج إلا علي رجل اقترض عرض مسلم وهو ظالم، فذلك الذي حرج وهلك)) رواه أبو داود. [٢٦٥٨] (١٠) باب خطبة يوم النحر ورمي أيام التشريق والتوديع ــ غروب الشمس من يومه، فإذا غربت فات، ولزمه دم في قول، وأول وقت رمي هذا اليوم بعد نصف ليلة النحر عند الشافعي، وبعد طلوع فجر يوم النحر عند أبي حنيفة ومالك وأحمد. الفصل الثاني والفصل الثالث الحديث الأول عن أسامة: قوله: ((فكان الناس)) الفاء تقتضي مقتدرات شتى، أي خرجت حاجا مع رسول الله ﷺ فكان كيت وكيت، وقضينا مناسكنا فكان الناس يأتونه فيسألونه، فالفاء في ((فمن قائل)) تفصيلية، والأولي فصيحة، و ((من)) تبعيضيه. قوله: ((إلا علي رجل)) استثناء منقطع بمعنى لكن. قوله: ((اقترض)) ((نه)): أي نال منه وقطعه بالغيبة، وهو افتعال من القرض القطع. أقول: انظر أيها المتأمل في تشديد أمر الغيبة واختصاصه في هذا المقام دون سائر الآثام. وتقييده بقوله: ((وهو ظالم)) إشارة إلي ما أبيح فيه من الذنب بالجرح، عما روى من الأحاديث ومن الشهادات في القضايا وغير ذلك. وقوله: ((وهو ظالم)) يحتمل وجهين أن يكون حالا مؤكدة، وأن تكون مستقلة. وذلك علي تقدير أن يكون بعض المقترضين غير ظالم، مثل جرح غير المعدلين، و ((فذلك)) فذلكة للتفصيل السابق. باب خطبة يوم النحر، ورمي أيام التشريق، والتوديع قوله: ((التوديع)) عطف علي التشريق، أي أيام النفر التي تستتبع طواف الوداع وأنشد:

стр. 1508

الفصل الأول ٢٦٥٩ - عن أبي بكرة [﵁] قال: خطبنا النبي ﷺ يوم النحر، قال: ((إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات، ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان)). وقال: ((أي شهر هذا؟)) قلنا: الله ورسوله أعلم. ــ فلما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ماسح أخدنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطي الأباطح الفصل الأول الحديث الأول عن أبي بكرة: قوله: ((خطبنا)) ((غب)): الخطب والمخاطبة والتخاطب، المراجعة في الكلام، ومنه الخطبة والخطبة، لكن الخطبة مختصة بالموعظة، والخطبة بطلب المرأة. ((تو)): والزمان اسم لقليل الوقت وكثيره، وأراد به هاهنا السنة- انتهي كلامه. وذلك أن قوله: ((السنة اثنا عشر شهرا ً)) إلي آخرة جملة مستأنفة مبينة للجملة الأولي، فالمعنى: أن الزمان في انقسامه إلي الأعوام، والأعوام إلي الأشعر عاد إلي أصل الحساب والوضع. الذي اختاره الله ووضعه يوم خلق السموات والأرض. والهيئة صورة الشيء وشكله وحالته، والكاف صفة مصدر محذوف، أي استدار استدارة مثل حالته يوم خلق الله. ((نه)): يقال: دار يدور واستدار يستدير، بمعنى إذا طاف حول الشيء، وإذا عاد إلي الموضع الذي ابتدأ منه. ومعنى الحديث أن العرب كانوا يؤخرون المحرم إلي صفر، وهو النسيء المذكور في القرآن في قوله تعالي:﴾ إنما النسيء زيادة في الكفر ﴿ليقاتلوا فيه، ويفعلون ذلك كل سنة بعد سنة، فينتقل المحرم من شهر إلي شهر حتى جعلوه في جميع شهور السنة، فلما كانت تلك السنة قد عاد إلي زمنه المخصوص به قبل، ودارت السنة كهيئتها الأولي. ((حس)): قال بعضهم: إنما أخر النبي ﷺ الحج مع الإمكان ليوافق أهل الحساب، فحج معه حجة الوداع. قوله: ((ثلاث متواليات)) إنما حذف التاء من العدد باعتبار أن الشهر الذي هو واحد الأشهر بمعنى الليالي، فاعتبر لذلك تإنيثه. قوله: ((ووجب مضر)) عطف علي قوله ((ثلاث)) ((حس)): إنما أضافه إلي مضر؛ لأنها كانت تحافظ علي تحريمه أسد من محافظة سائر العرب، ولم يكن يستحله أحد من العرب. وقوله: ((الذي بين جمادى وشعبان)) ذكره تأكيداً وإزاحة للريب الحادث فيه من النسيء، وهذا معنى كلام الخطابي. قوله: ((أي شهر هذا)) ((قض)): يريد به تذكارهم حرمة الشهر وتقريرها في نفوسهم ليبنى

стр. 1509

فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. فقال: ((أليس ذا الحجة؟)) قلنا: بلي. قال: ((أي بلد هذا؟)) قلنا: الله ورسوله أعلم، فكست حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: ((أليس البلدة؟)) قلنا: بلي! قال: ((فأي يوم هذا؟)) قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: ((أليس يوم النحر؟)) قلنا: بلي. قال: ((فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في ــ عليه ما أراد تقريره، وقولهم في الجواب: ((الله ورسوله أعلم)) مراعاة للأدب وتحرزاً عن التقدم بين يدي الله ورسوله، وتوقفاً فيما لا يعلم الغرض من السؤال عنه. أقول: في قولهم: ((سيسميه)) إشارة إلي تفويق الأمور بالكلية إلي الشارع، وعزل لما ألفوه من المتعارف المشهور. قوله: ((أليس ذا الحجة؟)) بالنصب، وفي أصل المالكي بالرفع، وقال: الأصل أليسه ذو الحجة؟، ومن حذف الضمير المتصل خبرا لكان وأخواته قول الشاعر: فأطعنا من لحمها وسديفها شواء وخير الخير ما كان عاجله أراد خير الخير الذي كأنه عاجله وقال: شهدت دلائل جمة لم أحصها أن المفضل لن يزال عتيق أراد لن يزاله. ((مح)): في هذا التمثيل دليل علي استحباب ضرب الأمثال وإلحاق النظير بالنظير قياساً. وفي قوله: ((فليبلع الشاهد الغائب)) تصريح بوجوب نقل العلم وإشاعة السنن والأحكام. ((تو)): وإنما شبهها في الحرمة بهذه الأشياء؛ لأنهم كانوا لا يرون استباحة تلك الأشياء وانتهاك حرمتها بحال. قوله: ((البلدة)) ((تو)): وجه تسميتها بالبلدة- وهي تقع علي سائر البلدان- أنها البلدة الجامعة للخير المستحقة أن تسمى بهذا الاسم؛ لتفوقها سائر مسميات أجناسها تفوق الكعبة في تسميتها بالبيت سائر مسميات أجناسها، حتى كأنها هي المحل المستحق للإقامة بها. قال ابن جنى: من عادة العرب أن يوقعوا علي الشيء الذي يختصونه بالمدح اسم الجنس، ألا تراهم كيف سموا الكعبة بالبيت، وكتاب سيبويه بالكتاب! قوله: ((وأعراضكم)) ((تو)): أي أنفسكم وأحسابكم، فإن العرض يقال للنفس وللحسب، يقال: فلان نقى العرض، أي بريء أن يشتم أو يعاب. والعرض رائحة الجسد وغيره طيبة كانت أو خبيثة. ((حس)): لو كان المراد من الأعراض النفوس لكان تكراراً، لأن ذكر الدماء كاف، إذ المراد به النفوس. أقول: الظاهر أن يراد بالأعراض الأخلاق النفسإنية، والكلام فيه يحتاج إلي فضل تأمل، فالمراد بالعرض هنا الخلق، كما سبق، وفي قول الحماسي: إذا المرء

стр. 1510

بلدكم هذا، في شهركم هذا، وستلقون ربكم. فيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي ضلالا، يضرب بعضكم رقاب بعض، ألاهل بلغت؟)) قالوا: نعم. قال: ((اللهم اشهد؛ فليبلع الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامح)) متفق عليه. ٢٦٦٠ - وعن وبرة، قال: سألت ابن عمر: متى أرمي الجمار؟ قال: إذا رمى إمامك فارمه، فأعدت عليه المسألة. فقال: كنا نتحين، فإذا زالت الشمس رمينا. رواه البخاري. ٢٦٦١ - وعن سالم، عن ابن عمر: أنه كان يرمي جمرة الدنيا بسبع حصيات، ــ لم يدنس من اللوم عرضه*. وفي قول أبي ضمضم: اللهم إني تصدقت بعرضي علي عبادك، ما يرجع عليه عيبه. والتحقيق ما ذكره صاحب النهاية: العرض موضع المدح والذم من الإنسان سواء كان في نفسه أو في سلفه، ولما كان موضع العرض النفس قال من قال: العرض النفس إطلاقاً للمحل علي الحال، وحين كان المدح نسبة الشخص إلي الأخلاق الحميدة، والذم نسبته إلي الذميمة، سواء كانت فيه أو لا، قال من قال: العرض الخلق؛ إطلاقاً لاسم اللازم علي الملزوم. قوله: ((ضلالا)) ((حس)): ويروى ((كفاراً)) أي لا تكن أفعالكم شبيهة أعمال الكفار في ضرب رقاب المسلمين. ((مظ)): يعني إذا فارقت الدنيا، فاثبتوا بعدي علي ما أنتم عليه من الإيمان والتقوى، ولا تظلموا أحداً، ولا تحاربوا المسلمين، ولا تأخذوا أموالهم بالباطل؛ فإن هذه الأفعال من الضلالة والعدول من الحق إلي الباطل. قال النمالكى: ((رجع)) هنا استعمل كصار معنى وعملا، أي لا تصيروا بعدي كفارا ومنه قول الشاعر: قد يرجع المرء بعد المقت ذا مقة بالحلم فادرأ به بغضا ذا ** إحن ويجوز في ((يضرب)) الرفع والجزم. أقول: علي الرفع جملة مستأنفة مبينة لقوله: ((فلا ترجعوا بعدي ضلالا)) فينبغي أن يحمل علي العموم، وأن يقال: لا يظلم بعضكم بعضا ً فلا تسفكوا دماءكم ولا تهتكوا أعراضكم ولا تستبيحوا أموالكم، ونحوه – أي في إطلاق الخاص وإرادة العموم – قوله تعالي:﴾ الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ﴿. الحديث الثاني عن وبرة: قوله: ((إذا رمى إمامك)) أي اقتد في الرمي بمن هو أعلم منك بوقت الرمي. و ((نتحين)) أي نطلب الوقت، أي ننتظر دخول وقت الرمي.

стр. 1511

يكبر علي إثر كل حصاة، ثم. يتقدم حتى يسهل فيقوم مستقبل القبلة طويلاً، ويدعوا، ويرفع يديه، ثم يرمي الوسطى بسبع حصيات، يكبر كلما رمى بحصاة، ثم يأخذ بذات الشمال فيهل ويقوم مستقبل القبلة، ثم يدعو ويرفع يديه، ويقوم طويلاً، ثم يرمى جمرة ذات العقبة من بطن الوادي بسبع حصيات، يكبر عند كل حصاة، ولا يقف عندها، ثم ينصرف، فيقول: هكذا رأيت النبي ﷺ يفعله. رواه البخاري. ٢٦٦٢ - وعن ابن عمر، قال استأذن العباس بن عبد المطلب رسول الله ﷺ أن يبين بمكة ليالي منى، من أجل سقايته، فأذن له. متفق عليه. ــ الحديث الثالث عن سالم: قوله: ((جمرة الدنيا)) أ] جمرة العقبة الدنيا، ووصفها بالدنيا؛ لدنوها من منازل النازلين عند مسجد الخيف. قوله: ((حتى يسهل)) ((نه)): أسهل يسهل إذا صار إلي السهل من الأرض وهو ضد الحزن، أراد أنه صار إلي بطن الوادي. [((حس))] *: ((مستقبل القبلة)) حال و ((طويلا)) صفة مصدر محذوف، أي قياماً طويلا. ((حس)): علي الحاج أن يبين بمنى الليلة الأولي والثانية من ليالي أيام التشريف ويرمى كل يوم بعد الزوال إحدى وعشرين حصاة عند كل جمرة بسبع حصيات علي الترتيب، أخرها جمرة العقبة. فمن رمى اليوم الثاني وأراد أن ينفر قبل غروب الشمس ويترك بيتوتة الليلة الثالثة ورمى يومها، فله ذلك، ومن لم ينفر حتى غربت الشمس، فعليه أن يبيت ويرمى اليوم الثالث بعد الزوال إحدى وعشرين حصاة، ومن ترك مبيت هذه الليالي ممن لم يرخص له فيه فعلية دم، ومن ترك مبيت ليلة فعلية ثلث دم وفي ليلتين ثلثا دم، علي أقيس قولي الشافعي ﵁. ولو ترك رمى يوم من أيام التشريق قضاه في اليوم الثاني والثالث أي وقت شاء من ليل أو نهار، فإن لم يقض حتى مضت أيام التشريق فلا قضاء عليه، وعليه لرمى كل يوم دم. وكذا من ترك ثلاث حصيات فعلية دم، وفي حصاة ثلث وفي حصاتين ثلثان. ((مح)): وفي قدر الواجب من هذا المبيت قولان للشافعي، أصحهما الواجب معظم الليل، والثانية ساعة. الحديث الرابع عن ابن عمر ﵄: قوله: ((من أجل سقايته)) أي بسبب ذلك وبعلية. وقيل: أصله ((من أجل شرا)) إذا جناه يأجله أجلا، كأنك إذا قلت: من أجلك فعلت كذا، أردت من أن جنيت فعله وأوجبته، ويدل عليه قولهم: من جراك فعلته، أي من جررته بمعنى جنيته. ((مح)): يجوز لأهل السقاية أن يتركوا المبيت ويذهبوا إلي مكة ليستسقوا بالليل الماء، ويجعلوه في الحياة مسلاً للسائرين وغيرهم ولا يختص ذلك عند الشافعي بآل عباس، بل كل من تولي السقاية كان له هذا، وكذا لو نشأ سقاية أخرى كان للقائم بشأنها ترك المبين. واعلم أن السقاية حق لآل عباس، وكانت للعباس في الجاهلية؛ فأقرها النبي ﷺ له وهي لآل العباس أبداً.

стр. 1512

٢٦٦٣ - وعن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ ، جاء إلي السقاية فاستسقى. فقال العباس: يافضل! اذهب إلي أمك فأت رسول الله ﷺ بشراب من عندها. فقال: ((اسقني)) فقال يارسول الله! إنهم يجعلون أيديهم فيه. قال: ((اسقني)). فشرب منه، ثم أتى زمزم وهم يسقون ويعملون فيها. فقال: ((اعملوا فإنكم علي عمل صالح)). ثم قال ((لولا أن تغلبوا؛ لنزلت حتى أضح الحبل علي هذه)). وأشار إلي عاتقه. رواه البخاري. ٢٦٦٤ - وعن أنس [﵁] أن النبي ﷺ صلي الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، ثم رقد رقدة بالمحصب، ثم ركب إلي البيت، فطاف به. رواه البخاري. ٢٦٦٥ - وعن عبد العزيز بن ريع، قال: سألت أنس بن مالك. قلت: أخبرني بشيء عقلته عن رسول الله ﷺ : أين صلي الظهر يوم التروية؟ قال: بمنى. قلت: فأين ــ الحديث الخامس عن ابن عباس ﵄: قوله: ((يسقون ويعملون)) أي يسعون ويكدحون فيه. قوله: ((لولا أن تغلبوا)) ((تو)): أعلمهم أن الذي يكدحون فيه بمكان من العمل الصالح، يحب نبي الله ﷺ أن يشاركهم فيه، غير أنه لا يأمن عليهم إن فعل ذلك غائلة الولاة، وتنافسهم وتنازعهم فيه حرصا علي حيازة هذه المأثرة، فيغلبوا عليها وينتزعوا [عنهم]. الحديث السادس عن أنس ﵁: قوله: ((بالمحصب)) بفتح الصاد والتشديد، وقد تنازع فيه الفعلان، أي ((صل)) و ((رقد)). والمحصب في الأصل كل موضع كثر حصباؤه، والمراد به الشعب الذي أحد طرفه منى ويتصل الآخر بالأبطح. قيل: فعبر به عن المحصب المعروف إطلاقا لاسم المجاور علي المجاور. ((حس)): التحصيب هو أنه إذا نفر من منى إلي مكة للتوديع بعد الفراغ من الرمي، أن يقيم بالشعب الذي يخرج به إلي الأبطح حتى يرقد ساعة من الليل ثم دخل مكة. وكان ابن عمر يراه سنة/ وقال: كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر ﵄ ينزلون بالأبطح. وقال ابن عباس: التحصيب ليس بشيء، وإنما هو منزل نزله النبي ﷺ . قوله: ((ليس بشيء)) يريد به ليس بنسك من مناسك الحج؛ إنما نزله للاستراحة. الحديث السابع عن عبد العزيز: قوله: ((عقلته)) أي علمته وحفظته. قوله ((افعل كما يفعل أمراؤك)) يريد إنما ذكرته عن رسول الله ﷺ ليس بنسك من المناسك وجب عليك فعله؛ فافعل ما يفعله أمراؤك.

стр. 1513

صلي العصر يوم النفر؟ قال: بالأبطح. ثم قال: افعل كما يفعل أمراؤك. متفق عليه. ٢٦٦٦ - وعن عائشة [﵂]، قالت: ((نزول الأبطح ليس بسنة، إنما نزله رسول الله ﷺ لأنه كان أسمح لخروجه إذا خرج)). متفق عليه. ٢٦٦٧ - وعنها، قالت: ((أحرمت من التنعيم بعمرة، فدخلت فقضيت عمرتي، وانتظرني رسول الله ﷺ بالأبطح حتى فرغت، فأمر الناس بالرحيل، فخرج فمر بالبيت فطاف به قبل صلاة الصبح، ثم خرج إلي المدينة)). هذا الحديث ما وجدته برواية الشيخين، بل برواية أبي داود مع اختلاف يسير في آخره. [٢٦٦٧]. ٢٦٦٨ - وعن ابن عباس، قال: كان الناس ينصرفون في كل وجه. فقال رسول الله ﷺ : ((لا ينفرن أحدكم، حتى يكون آخر عهده بالبيت، إلا أنه خفف عن الحائض)). متفق عليه. ٢٦٦٩ - وعن عائشة، قالت: حاضت صفية ليلة النفر، فقالت: ما أرإني إلا حابستكم. قال النبي ﷺ : ((عقرى حلقى، أطافت يوم النحر؟)) قيل: نعم. قال ((فانفري)). متفق عليه. ــ الحديث الثامن عن عائشة ﵂: قوله: ((أسمح)) أي أسهل [((حس))] *: معناه أنه ﷺ كان ينزل بالأبطح فيترك به ثقله ومتاعه، ثم يدخل مكة؛ ليكون خروجه منها إلي المدينة أسهل. الحديث التاسع والعاشر عن ابن عباس ﵄: قوله: ((آخر عهده بالبيت ** هذا عبارة عن وجوب طواف الوداع. ((حس)): الطواف ثلاث: طواف القدوم، وهو سنة لا شيء علي تاركه. وطواف الإفاضة ويسمى طواف الزيارة، وهو من أركان الحج لا يحصل التحلل دونه ولا يقوم الدم مقامه. وطواف الوداع، ولا رخصة في تركه لمن أراد مفارقة مكة إلي مسافة القصر مكيا كان أو آفاقيا، حج أو لم يحج، فإن خرج ولم يطف عاد إن كان قريبا، ومن مضى ولم يرجع فلا دم عليه عند مالك. وقال الشافعي: من ترك فعلية دم إلا الحائض والنفساء، وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد وأصحاب أبي حنيفة ﵃. والاستثناء فيه منقطع، أي لكنه خفف. الحديث الحادي عشر عن عائشة ﵂: قوله: ((ليلة النفر)) أي ليلة يوم النفر؛ لأن

стр. 1514

الفصل الثاني ٢٦٧٠ - عن عمرو بن الأحوص، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في حجة الوداع: ((أي يوم هذا؟)) قالوا: يوم الحج الأكبر. قال: ((فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمه يومكم هذا في بلدكم هذا، إلا لا يجني جان علي ــ النفر لم يشرع في تلك الليلة. قوله: ((ما أرإني إلا حابستكم)) ((فا)): مفعولا ((أرى)) الضمير والمستثنى و ((إلا)) لغو. ((شف)): يحكى علي أن لا يجعل الاستثناء لغواً، والمعنى ما أرإني علي حالة أو صفة كوني حابستكم. أقول: لم يرد باللغو أن ((إلا)) زائدة، بل أن المستثنى معمول الفعل المذكور؛ ولذلك سمى مفرغاً. ((قض)): ظنت صفية أن طواف الوداع كطواف الزيارة في تمام الحج، وأنه لا يجوز تركها بالأعذار، فقالت: ((ما أرإني)) أي ما أظنني (إلا حابستكم)) أي عن الرحلة إلي المدينة، فتوهم رسول الله، أنها قالت قولها؛ لأنها قصرت فلم تطف للزيارة، ولذلك دعا عليا، فسأل أنها هل طافت يوم النحر؟ فلما علم أنها طافت للزيارة أمرها بالنفار. ((شف)): عدل عن خطابها إلي غيرها، فقال: ((أطافت)) فلما: ((فأنفرى)). قوله: ((عقري حلقي)) ((خط)): هكذا روي علي وزن فعلي بفتح الفاء مقصور الألف، وحقها أن يكون منوناً، ليكون مصدراً، أي عقرها الله عقراً، وحلقها حلقاً، ومعنى العقر التجريح والقتل، وقطع عقب الرجل، والحلق إصابة وجع في الحلق، أو ضرب شيئ علي الحلق. وهذا دعاء لا يراد وقوعه، بل عادة العرب التكلم بمثل هذا في سبيل التلطف. ((فا)): هما صفتان للمرأة إذا وصفت بالشؤم، يعني أنها تحلق قومها وتقرهم أي تستأصلهم من شؤمها عليهم، ومحلها رفع أي هي عقري حلقي. قال أبو عبيدة: الصواب ((عقري حلقي)) أي عقر جسدها وأصيبت بداء في حلقها. قال سيبويه: عقرته إذا قلت له عقراً، وهذا نحو فديته. الفصل الثاني الحديث الأول عن عمرو بن الأحوص: قوله: ((ألا لا يجني جان إلا علي نفسه)) ((قض)): ((لا يجني)) خبر في معنى النهي، وفيه مزيد تأكيد؛ لأنه كأنه نهاه فقصد أن ينتهي فأخبر عنه، وهو الداعي إلي العدول عن صيغة النهي إلي صيغة الخبر. ونظيره إطلاق لفظ الماضي في الدعاء، ولمزيد التأكيد والحث علي الانتهاء، أضاف الجناية إلي نفسه، والمراد به الجناية علي الغير، بيانه أن الجناية علي الغير لما كانت سبباً للجناية عليه اقتصاصاً ومجازاة، كانت كالجناية علي نفلسه، فأبرزها علي ذلك ليكون أدعى إلي الكف وأمكن في النفس؛ لتضمنه ما يدل علي المعنى الموجب للنهي. ودليل هذا التأويل: أنه روى في بعض طرق هذا الحديث: ((ألا لا يجني جان إلا علي نفسه)). أقول: يمكن أن ينزل علي حقيقته من الإخبار؛ كأنه صلى الله عليه وسلم

стр. 1515

نفسه، ولا يجني جان علي ولده، ولا مولود علي والده، ألا وإن الشيطان قد أيس أن يعبد في بلدكم هذا أبداً، ولكن ستكون له طاعة فيما تحتقرون من أعمالكم فسيرضي به)). رواه ابن ماجه، والترمذي وصححه. [٢٦٧٠] بعد ما قال: ((فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام)) مخاطباً لسائر الأمة، وله مزيد اختصاص بالأئمة والولاة والحكام، أتبع قوله: ((ألا لا يجني جان إلا علي نفسه)) فأتى بنكرة في سياق النفي؛ ليفيد العموم، يعني من ارتكب هذا المحظور وجنى علي الغير بتمزيق عرضه وأخذ ماله وسفك دمه من حق ذلك أن لا يتجاوز بالاقتصاص إلي الغير، ولا يؤخذ غيره بتلك الجريمة كفعل الجاهلية، نحو قوله تعالي:﴾ الزإني لا ينكح إلا زإنية ﴿((الكشاف)): يجوز أن يكون خبراً محضاً علي معنى أن عادتهم جارية علي ذلك، وعلي المؤمن أن لا يدخل نفسه تحت هذه العادة ويتصون عنها، وقال أيضاً في قوله تعالي:﴾ ولكم في القصاص حيوة ﴿: وهو خطاب له فضل اختصاص بالأئمة. قوله: ((ولا مولود علي والده)) ((قض)): يحتمل أن يكون المراد النهي عن الجناية عليهما، وإنما أوردهما بالتصريح، والتنصيص لاختصاص الجناية عليهما بمزيد قبح وشناعة، وأن يكون المراد به تأكيد قوله: ((لا يجني جان علي نفسه))؛ فإن العرب في جاهليتهم بأخذون بالجناية من يجدونه من الجإني وأقاربه الأقرب فالأقرب، ولعلهم سنوا القتل فيهم، فالمعنى علي هذا لا يجنى أحد علي غيره فيؤخذ به هو ووالده وولده، ويكون في الحقيقة جنايته علي الغير جنايته علي نفسه ووالده وولده. قوله: ((أن يعبد في بلادكم)))) يعنى أنتم أيها العرب لن تعبدوا الطاغوت وغير الله من الأصنام بعد هذا، ولكن ستكون للشيطان طاعة فيما تحتقرون من أعمالكم، وما يتجهن في خواطركم، وما تتفوهون به من هناتكم وصغائر ذنوبكم، فيؤدي ذلك إلي الفتن وهيج الحروب والفساد في الأرض من إهلاك الحرث والنسل، كما قال نصر بن سيار: فإن النار بالعودين تزكى وإن الحرب أولها كلام هذا معنى قوله ﷺ : ((إن الشيطان قد أيس من أن يعبده المصلون في جزيزة العرب، ولكن في التحريش بينهم)) أي إيقاع الفتنة والعداوة والخصومة والقتل. وقوله: ((أبداً)) إذا كان بمعنى خالداً يكون ظرفا ً لـ ((أيس))، وإذا كان بمعنى قط يكون الكلام راجعاً إلي النفي، أي لا يعبد قط.

стр. 1516

٢٦٧١ - وعن رافع بن عمرو المزني، قال: رأيت رسول الله ﷺ يخطب الناس بمنى حين ارتفع الضحى علي بغلة شهباء، وعلي يعبر عنه، والناس بين قائم وقاعد. رواه أبو داود. [٢٦٧١] ٢٦٧٢ - وعن عائشة وابن عباس [﵃] أن رسول الله ﷺ أخر طواف الزيارة يوم النحر إلي الليل. رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه. ٢٦٧٣ - وعن ابن عباس: أن النبي ﷺ لم يرمل في السبع الذي أفاض فيه. رواه أبو داود، وابن ماجه. ٢٦٧٤ - وعن عائشة، أن النبي ﷺ قال: ((إذا رمي أحدكم جمرة العقبة فقد حل له كل شيء إلا النساء]] رواه في ((شرح السنة)) وقال: إسناده ضعيف. [٢٦٧٤] ــ الحديث الثاني عن رافع: قوله: ((شهباء)) ((نه)): الشهبة البياض، وفي حديث حليمة: ((خرجت في سنة شهباء)) أي ذات قحط وجدب، والشهباء الأرض التي لا خضرة فيها، لقلة المطر، فسميت سنة الجدب بها. ((تو)): الشهباء البيضاء التي تخالط لون سواد. قوله: ((يعبر عنه)) ((غب)): أصل العبر التجاوز من حال إلي حال، عبر القوم إذا ماتوا، كأنهم عبروا قنطرة الدنيا، وأما العبارة فهي مختصة بالكلام العابر للهواء من لسان المتكلم إلي سمع السامع. ((تو)): عبرت عن فلان إذا تكلمت عنه، واللسان يعبر عما في الضمير، والصحيح في الحديث أن يحمل علي معنى التبليغ، وذلك أن النبي ﷺ كان في ذلك الموسم بين أمة من الناس وجم غفير منهم بحيث لا يسعهم المكان، فمنهم قيام ومنهم قعود لا [يسمعهم] * الداعي؛ فأقيم له في كل جانب مبلغ يسمع صوته فيؤديه إلي من ع دمنه، ويحتمل أن يكون علي ﵁ وقف موقفاً يبلغه صوت النبي ﷺ ، فإذا فهم الخطاب عبره لأخريات الناس بزيادة بيان., قوله: ((يخط)) و ((علي بغلة)) و ((علي ﵁) و ((الناس)) أحوال متداخلات. الحديث الثالث عن عائشة ﵂: قوله: ((طواف الزيارة)) أي الإفاضة. [أقول] **: أول وقته عند الشافعي بعد نصف ليلة العيد، وعند أبي حنيفة ومالك وأحمد بعد طلوع الفجر. وأما آخره فأي وقت طاف جاز. الحديث الرابع والخامس عن عائشة ﵂: قوله: ((حين صلي الظهر)) لابد من تقدير؛ ليستقيم معنى قوله: ((من آخر يومه)) فالمعنى، حين صلي الظهر والعصر معاً في يوم عرفة، ووقف ثم أفاض من آخر يومه، يدل عليه حديث حجة الوداع كما سبق.

стр. 1517

٢٦٧٥ - وفي رواية أحمد، والنسائي عن ابن عباس قال: ((إذا رمي الجمرة فقد حل له كل شيء إلا النساء)). [٢٦٧٥] ٢٦٧٦ - وعنها، قالت: أفاض رسول الله ﷺ من آخر يومه حين صلي الظهر، ثم رجع إلي منى، فمكث بها ليالي أيام التشريق، يرمي الجمرة إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ويفق عند الأولي والثانية فيطيل القيام ويتضرع، ويرمي الثالثة فلا يقف عندها. رواه أبو داود. [٢٦٧٦] ٢٦٧٧ - وعن أبي البداح بن عاصم بن عدي، عن أبيه، قال: رخص رسول الله ﷺ لرعاء الإبل في البيتوتة: أن يرموا يوم النحر، ثم يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر فيرموه في أحدهما. رواه مالك، والترمذي، والنسائي، وقال الترمذي: هذا حديث صحيح.٢٦٧٧] (١١) باب ما يجتنبه المحرم الفصل الأول ٢٦٧٨ - عن عبد الله بن عمر: أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ : ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال: ((لا تلبسوا القمص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ــ الحديث السادس عن أبي البداح: قوله: ((رخص)) ((مظ)): رخص لهم أن يتركوا المبيت بمنى في ليالي أيام التشريق لاشتغالهم بالرعي، يعنى رخص لهم أن يرموا يوم النحر جمرة العقبة، ثم لم يرموا اليوم الأول من أيام التشريق، ثم يرموا في الثاني منها رمي يوم القضاء والأداء. وإن قدموا رمي اليوم الثاني إلي الأول هل يجوز أم لا؟ فلا يجوزه الشافعي ومالك؛ لأن ما لم يجب لم يجز، لأنه لا يجوز أداء الفرض قبل وجوبه، وأجازه بعضهم. باب ما يجتنبه المحرم الفصل الأول الحديث الأول عن عبد الله بن عمر ﵄: قوله: ((سأل)) يتعدى بنفسه إلي المفعول الأول، وبعن إلي الثاني، وقد يجوز تعديته إلي الأول بعن وإلي الثاني بنفسه، فيكون تقديره: سأل رسول الله عن هذه المسألة أو عنه إياها، و ((ما)) استفهامية، وكونه مفعولا علي التأويل. ويجوز أن لا تكون استفهامية أي: سئل رسول الله ﷺ عن الشيء الذي يلبسه المحرم.

стр. 1518

ولا الخفاف إلا أحد لا يجد نعلين فيلبس خفين ولقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب شيئاً مسه زعفران ولا ورس)) متفق عليه. وزاد البخاري في رواية ((ولا تنتقب المرأة المحرمة، وال تلبس القفازين)). قوله: ((فقال: لا تلبسوا)) ((قض)): سأل الرجل عما يجوز لبسه، فأجاب عنه بعد ما لا يجوز له لبسه؛ ليدل بالالتزام من طريق المفهوم علي ما يجوز. وإنما عدل عن الجواب المطابق إلي هذا الجواب؛ لأنه أخصر وأحضر؛ فإن ما يحرم أقل وأضبط مما يحل؛ أو لأنه لو قال: يلبس كذا وكذا، فربما أوهم أن لبس شيء مما عدده من المناسك، وليس كذلك؛ فعدل إلي ما لا يوهم ذلك؛ أو لأن السؤال كان من حقه أن يكون عما لا يلبس؛ لأن الحكم العارض المحتاج إلي البيان هو الحرمة، وأما جواز ما يلبس فئابت بالأصل معلوم بالاستصحاب؛ فلذلك أتى بالجواب علي وفقه تنبيها علي ذلك. وفي عطف البرانس علي العمامة دليل علي أن المحرم ينبغي أن لا يغطي رأسه بمعتاد اللباس وغيره. وحاصل الحديث أنه يحرم علي الرجل المحرم لبس المخيط والمطيب وستر الرأس بالعمائم ونحوها. والدليل علي اختصاص الحكم بالرجال توجيه الخطاب نحوهم، فإن واو الضمير وإن استعمل متناولا للقبيلين علي التغليب، فإن الظاهر فيه اختصاصه بالمذكرين. وعطف قوله: ((ولا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين)) عليه. ((نه)): البرنس كل ثوب رأسه منه يلتزق من ذراعه أو جبة. وقال الجوهري: هو قلنسوة طويلة كان النساء يلبسونها في صدر الإسلام، وهو من البرس- بكسر الباء- القطن، والنون زائدة، و ((الورس)) نبت أصفر يصبغ به. و ((القفاز)) - بالضم والتشديد- شيء تلبسه نساء العرب في أيديهن؛ يغطي الأصابع والكف والساعد من البرد. ويكون فيه قطن محشو. ((مح)): الجواب من بديع الكلام وجزيله؛ فإنه ﷺ سئل عما يلبسه المحرم فقال: لا يلبس كذا وكذا، وكان التصريح بما لا يلبس أولي؛ لأنه منحصر، ودليله أنه نبه بالقميص والسراويل علي جميع ما في معناهما، وهو ما كان مخيطاً أو معمولا علي قدر البدن أو العضو كالجوشن والران والبتان وغيرها. ونبه صلي الله عليه والسلام بالعمائم والبرإنيس علي كل ساتر للرأس مخيطاً كان أو غيره، حتى العصابة فإنها حرام. ونبه ﷺ بالخفاف علي كل سائر للرجل من مداس وجمجم وجورب وغيرها. وهذا كله حكم الرجال. وأما المرأة فيباح لها ستر جميع بدنها بكل ساتر إلا وجهها؛ فإنه حرام. وفي ستر يديها بالقفازين خلاف، والأصح عند الشافعي تحريمه. ونبه، بالورس والزعفران علي ما في معناهما مما يقصد به الطيب فهو حرام علي القبيلين، فيكره للمحرم لبس الثواب المصبوغ بغير طيب. وأما الفواكه كالأترج والتفاح وأزهار البراري كالشيح

стр. 1519

٢٦٧٩ - وعن ابن عباس، قال: سمعت رسول الله ﷺ يخطب وهو يقول: ((إذا لم يجد المحرم نعلين لبس خفين، وإذا لم يجد إزاراً لبس سراويل)). متفق عليه. ــ والقيصوم ونحوهما فليس بحرام. ولا يجوز أكل طعام فيه طيب، فإن فعل فعليه فدية، وللمحرم أن يكتحل بكحل لا طيب فيه إذا احتاج إليه ولا فدية. والاكتحال للزينة مكروه، ومنه أحمد وإسحاق، وفي مذهب مالك قولان. واعلم أن محرمات الإحرام ستة: اللباس بالتفصيل، والطيب، وإزالة الشعر والظفر، وحلق الرأس، وعقد النكاح، والجماع وسائر الاستمتاع، والسابع إتلاف الصيد. وإذا تطيب أو لبس ما نهي عنه وجبت الفدية، إن كان عامداً بالإجماع، وإن كان ناسياً فلا يلزمه عند الشافعي والثوري وأحمد وإسحاق، وأوجبها أبو حنيفة ومالك. والحكمة في تحريم اللباس المذكور وإباحة الإزار والرداء هي أن يبعد عن الترفيه ويتصف بصفة الخاشع الذليل؛ وليكون علي ذكره دائماً أنه محرم؛ فيكثر من الدعاء ولا يفتر عن الأذكار، ويصون نفسه عن ارتكاب المحظورات؛ وليتذكر به الموت ولبس الأكفان والبعث يوم القيامة حفاة عراة مهطعين إلي الداعي. والحكمة في تحريم الطيب والنساء أن يبعد عن التنعم وزينة الدنيا وملاذها؛ ولأنه ينافي تذلل الحاج؛ فإن حقه أن يكون أشعث أغبر وأن يجمع همه لمقاصد الآخرة. والحكمة في تحريم الصيد تعظيم بيت الله وحرمه من قتل صيده وقطع شجره. واختلف العلماء في هذا الحديث والحديث الآتي. فقال أحمد: يجوز لبس الخفين بحالهما ولا يجب قطعهما لحديث ابن عباس، وكان أصحابه يزعمون نسخ حديث ابن عمر المصرح بقطعهما، وزعموا أن قطعهما إضاعة مال. وقال جماهير العلماء: لا يجوز لبسهما إلا بعد قطعهما أسفل من الكعبين؛ لحديث ابن عمر. قالوا: وحديث ابن عباس مطلق وحديث ابن عمر مقيد، والمطلق محمول علي المقيد، والزيادة من الثقة مقبولة. وولهم: إنه إضاعة مال لبس بشيء؛ لأن الإضاعة إنما تكون فيما نهي عنه، وأما ما أمر به فليس بإضاعة بل حق يجب الإذعان له. ثم اختلفوا في لابس الخفين لعدم النعلين هل يجب عليه فدية أم لا؟ فقال مالك والشافعي ومن وافقهما: لا شيء عليه؛ لأنه لو وجب فدية بينها ﷺ . وقال أبو حنيفة وأصحابه: عليه الفدية، كما إذا احتاج إلي حلق الرأس يحلقه ويفدي، والله أعلم. الحديث الثاني: عن ابن عباس ﵄: قوله: ((لأبس سراويل)) ((حس)): لا يجوز للحرم لبس السراويل مع وجود الإزار، فإن فعل فعليه الفدية، فإن لم يجد الإزار جاز له لبس السراويل عند أكثرهم ولا فدية عليه. وهو قول الشافعي وأحمد؛ لأن مطلق الإذن في السراويل بوجب الإباحة بلا فدية. وقال مالك وأبو حنيفة: ليس له لبس السراويل، ويحكى عن أبي حنيفة أنه قال: يفتقه ويزر به، ورد بأن مطلق السراويل محمول علي اللباس المعهود.

стр. 1520

٢٦٨٠ - وعن يعلي بن أمية، قال: كنا عند النبي ﷺ بالجعرانة، إذا جاءه رجل أعرابي عليه جبة، وهو متضمخ بالخلوق، فقال: يا رسول الله! إني أحرمت بالعمرة، وهذه علي. فقال: ((أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات، وأما الجبة فانزعها، ثم اصنع في عمرتك كما تصنع في حجك)). متفق عليه. ٢٦٨١ - وعن عثمان قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا ينكح المحرم ولا ينكح، ولا يخطب)). رواه مسلم. ٢٦٨٢ - وعن ابن عباس: أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم. متفق عليه. ــ الحديث الثالث عن يعلي: قوله: ((متضمخ)) التضمح التلطخ بالطيب والإكثار منه حتى يكاد يقطر. و ((الخلوق)) ضرب من الطيب يتخذونه من الزعفران وغيره. ((حس)): فيه دليل علي أن من أحرم في قميص أو جبة لا يمزق عليه، كما يقول الشعبي، بل إن نزعه في الحال فلا شيء عليه، وعلي أن المحرم إذا لبس أو تطيب ناسيا أو جاهلا فلا فديه عليه؛ لأن السائل كان قريب العهد بالإسلام، ولم يأمره بالفدية، والناسي في معنى الجاهل، وبه قال الشافعي. وأما ما كان من باب الإتلافات من محظورات الإحرام كالحلق والقلم وقتل الصيد، فلا فرق فيها بين العامد والناسي والجاهل في لزوم الفدية. وقد احتج بهذا الحديث من لم يجوز للمحرم أن يتطيب قبل إحرامه بما يبقى أثره بعد الإحرام؛ لأنه أمره بغسل الطيب ثلاث مرات للمبالغة. وأجيب عنه بأنه إنما أمره بالغسل؛ لأن التضمخ بالزعفران ونحوه مما له صبغ حرام علي الرجال حالتي إحرامه وحله. قوله: ((ثم اصنع في عمرك)) ((مح)): أي اصنع فيها ما تصنع في الحج من اجتناب المحرمات، ويحتمل أنه ﷺ أراد مع ذلك الطواف والسعي والحلق بصفاتها وهيأتها، وإظهار التلبية وغير ذلك مما يشترك فيه الحج والعمرة. ويخص بعمومه ما لا يدخل في العمرة من أفعال الحج، كالوقوف والرمي والمبيت بمنى والمزدلفة وغير ذلك. وفي الحديث إشعار بأن الرجل كان عالما بصفة الحج دون العمرة. الحديث الرابع إلي السادس عن عثمان ﵁: قوله: ((لا ينكح)) ((تو)): يروى من وجهين علي صيغة الخبر وتكون ((لا)) للنفي، وعلي صيغة النهي و ((لا)) هي الجازمة، والكلمات الثلاثة مجزومة بها، وذكر الخطابي أنها علي صيغة النهي أصح. قلت: قد أخرج هذا الحديث مسلم وأبو داود وأبو عيسى وأبو عبد الرحمن في كتبهم،

стр. 1521

٢٦٨٣ - وعن يزيد بن الأصم، ابن أخت ميمونة، عن ميمونة، أن رسول الله ﷺ تزوجها وهو حلال. رواه المسلم. قال الشيخ الإمام محيي السنة ﵀: والأكثرون علي أنه تزوجها حلالاً. وظهر أمر تزويجها وهو محرم، ثم بنى بها وهو حلال بسرف في طريق مكة. ــ والذي وجدناه الأكثر فيما يعتمد عليه من روايات الأثبات هو الرفع في تلك الكلمات، وقد ذهب الأكثرون من فقهاء الأمصار لاسيما من أصحاب الحديث إلي أن المراد منه النهي، وإن روى علي صيغة الخبر. ((مح)): اختلف العلماء لحديث عثمان ﵁ هذا وحديث ابن عباس الذي يليه في نكاح المحرم، فقال مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء من الصحابة ومن بعدهم: لا يصح نكاح المحرم، واعتمدوا علي أحاديث, وقال أبو حنيفة والكوفيون: يصح نكاحه، لحديث ميمونة. ((تو)): وأصحاب أبي حنيفة رأوا حديث ابن عباس أقوى الحديثين؛ لما بين راويية أعنى ابن عباس ويزيد بن الأصم من الفضل والعلم. ثم إن القوم يرون حديث عثمان ﵁ محتملا للتأويل، لاسيما وقد روي علي صيغة الإخبار؛ فيكون المراد منه أن النكاح والإنكاح ليسا من شأن المحرم؛ فإنه في شغل شاغل عن ذلك، وقصد النبي ﷺ بذلك كف المحرم، وتقتير رغبته عن النكاح والإنكاح والخطبة؛ لكونها مدعاة إلي هيجان الشهوة، ولم يقصد تحريمه، وعلي هذا الوجه يخرج أيضاً معناه في صيغة النهي. وإذ قد بينا أن حديث يزيد ابن الأصم لا يقاوم حديث ابن عباس؛ لتفاوت ما بين الراويين من الفضل والعلم، فنقول: إن الصحة بل يزيد عليه، ثم إن حديث ابن عباس ليس للتأويل فيه مجال، وحديث عثمان محتمل للتأويل علي ما ذكرنا؛ فليس لنا أن نعدل عن التوفيق بين الحديثين إلي غير ذلك. ولسنا نسعى في نصرة المذهب والقيام بحكم العصبية، بل نجتهد في نفي التضاد عن سنن الرسول ما أمكننا؛ فإن التوفيق بين المختلف أحق وأولي من أن يرد أحدهما بالآخر، والذي ذكرناه من أحسن ما يتوصل به إلي ذلك، والله أعلم. أقول: كما أنه- ﵀ رجع حديث ابن عباس علي حديث يزيد؛ لفضله عليه، كذلك نرجع عثمان ﵁ علي ابن عباس؛ لما لا ينكر تفضيله عليه، وكما رجع حديث ابن عباس، وقال: لأنه لا يقصر عنه في درجة الصحة، كذلك نرجح حديث عثمان لاعتضاده بحديث يزيد وبحديث أبي رافع في آخر الفصل الثالث، وحسنه الترمذي. وأما قوله: حديث عثمان محتمل للتأويل، فتقول به لكن علي غير ما أوله؛ لأن استعمال

стр. 1522

٢٦٨٤ - وعن أبي أيوب: أن النبي ﷺ ، كان يغسل رأسه وهو محرم. متفق عليه. ــ الإخباري في موضع الإنشائي إنما يكون للمبالغة والتأكيد، فيكون المعنى: لا يصح ولا يستقيم نكاح المحرم ولا إنكاحه؛ لأنه مناف لحال المحرم الذي من حقه الاتصاف بصفة الذلة والخشوع والتجانف عن الملاذ وقضاء الشهوات، بل شأنه بذكر الموت ولبس الأكفان والوقوف بالمحشر بين يدي الملك الديان، فإني يليق بحالة التزوج والتزويج! ومن ثم كرر صل الله عليه وسلم المنهيات بقول: ((لا ينكح ولا ينكح ولا يخطب)). وأما قوله: حديث ابن عباس ليس للتأويل فيه مجال؛ فليس بذاك. ((مح)): فيه وجوه: أحدهما: أنه مر أن جمهور العلماء من الصحابة ومن بعدهم قالوا: لا يصح نكاح المحرم؛ فيكون قد رأوا أنه ﷺ إنما تزوجها حلالا وهم أعرف بالقضية لتعلقهم بها، وثإنيها: أن قوله: ((وهو محرم)) محمول علي أنه في الحرم وهو حلال، وهي لغة شائعة، ومنه البيت المشهور: قتلوا ابن عفان الخليفة محرماً. أي في حرم المدينة. وثالثها: أنه إذا تعارض القول والفعل، فالصحيح عن الأصوليين ترجيح القول؛ لأنه يتعدى إلي الغير والفعل قد يكون مقصورا عليه، يريد أن عثمان رضي لله عنه ينقل قول الرسول وابن عباس يبين حاله، ويستدل بالفعل علي ما يدعيه، والقول راجح. ورابعها: قول أصحابنا: إن النبي ﷺ كان له أن يتزوج في حال الإحرام، وهو مما خص به دون الأمة، وهذا أصح الوجوه. أقول: ويمكن وجه آخر وهو أن يقال إن قوله: ((وهو محرم)) حال يجوز حمله علي الحال المقدرة، أي تزوج وهو مقدر الإحرام، وعليه ينزل قول الأكثرين، وهو أنه ﷺ تزوجها حلالا، وظهر أمر تزويجها وهو محرم، كما في المتن. والله أعلم. قوله: ((لا ينكح)) ((مح)) معناه [لا يتزوج] امرأة بولاية ولا وكالة، قال العلماء: سببه أنه لما منع في مدة الإحرام من العقد لنفسه صار كالمرأة؛ فلا يعقد لغيره. وظاهر هذا العموم أنه لا فرق بين أن يزوج بولاية خاصة كالأب والأخ، أو عامة كالسلطان والقاضي ونائبه، هذا هو الصحيح عندنا. وقال بعض أصحابنا: يجوز أن يزوج المحرم بالولاية العامة؛ لأنها يستفاد بها ما لايستفاد بالخاصة. واعلم أن النهي عن النكاح والإنكاح للمحرم نهي تحريم، فلو فعل لم ينعقد. وأما قوله ﷺ : ((ولا يخطب)) فهو نهي تنزيه. وكذا لا يكره للمحرم أن يكون شاهدا في نكاح عقد الحلال. وقال بعض أصحابنا: لا ينقعد بشهادته، لأن الشاهد ركن في عقد النكاح كالولي. الحديث السابع عن أبي أيوب: قوله: ((يغسل رأسه)) ((مح)): يجوز للمحرم غسل رأسه، وإمرار اليد علي شعره بحيث لا ينتف شعراً، واتفق العلماء علي جواز غسل المحرم رأسه وحده.

стр. 1523

٢٦٨٥ - وعن ابن عباس قال: احتجم النبي ﷺ وهو محرم. متفق عليه. ٢٦٨٦ - وعن عثمان، حدث عن رسول الله ﷺ في الرجل إذا اشتكى عينيه وهو محرم ضمدهما بالصبر. رواه مسلم ٢٦٨٧ - وعن أم الحصين، قالت: رأيت أسامة وبلالاً، وأحدهما آخذ بخطام ناقة رسول الله ﷺ ، والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة. رواه مسلم. ٢٦٨٨ - وعن كعب بن عجرة [﵁] أن النبي ﷺ ، مر به وهو بالحديبية قبل أن يدخل مكة، وهو محرم، وهو يوقد تحت قدري، والقمل تتهافت ــ وعن الجنابة واجب عليه، وأما غسله تبرداً فمذهبنا جوازه بلا كراهة. ويجوز عندنا غسل رأسه بالسدر و [الخطمى]، ولا فدية عليه مالم ينتف شعراً، وقال أبو حنيفة ومالك: هو حرام، فوجب الفدية. الحديث الثامن عن ابن عباس ﵄: قوله: ((احتجم)) ((حس)): قد رخص عامة العلماء في الحجامة للمحرم من غير أن يقطع شعراً، فإن قطع فعليه دم، ولا بأس بأن [ينفط] الجروح ويفقاً الدمل ويقطع العروق إذا احتجا إليه. وسئلت عائشة ﵂ عن المحرم، أيحك جسده؟ قالت: ((ليحك وليسدد)). الحديث التاسع عن عثمان ﵁: قوله: ((في الرجل)) أي في حق الرجل أو في فتيا الرجل. وقوله: ((إذ اشتكى)) شرط ((وضمدها)) جوابه، وهو المحدث به، يعني إذا اشتكى الرجل من عينيه ضمد. قوله: ((ضمدها)) ((نه)): أصل الضمد الشد، يقال: ضمد رأسه وجرحه، إذا شدهما بالضماء، وهي خرقة يشد بها العضو [المؤوف]، ثم قيل لوضع الدواء علي الجرح وغيره وإن لم يشد. الحديث العاشر عن أم الحصين: قوله: ((رافع ثوبه يستره)) ((حس)): فيه دليل علي أنه لا بأس للمحرم أن يستظل، وهو قول عامة أهل العلم، وكرهه مالك وأحمد. الحديث الحادي عشر عن كعب: قوله: ((تتهافت)) ((حس)): أي يتساقط من الهفت، وهو السقوط قطعة قطعة، وأكثر ما يستعمل التهافت في الشر. و ((الفرق)) بالتحريك مكيال يسع ستة عشر رطلا، وهو اثنا عشر مداً، وهي ثلاثة أصوع. وقيلأ: الفرق خمسة أقساط، والقط نصف صاع. قوله: ((ثلاث آصع)) كذا في صحيح مسلم وكتاب الحميدى وجامع الأصوال وشرح السنة،

стр. 1524

علي وجهه، فقال: ((أتؤذيك هوامك؟)) قال: نعم. قال: ((فاحلق رأسك وأطعم فرقا بين ستة مساكين)) والفرق: ثلاثة آصع ((أو صم ثلاثة أيام أو انسك نسيكة)). متفق عليه. الفصل الثاني ٢٦٨٩ - عن ابن عمر: أنه سمع رسول الله ﷺ ينهي النساء في إحرامهن عن القفازين، والنقاب ومامس الورس والزعفران من الثياب، ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب معصفر أو خز أو حلي أو سراويل أو قميص أو خف. رواه أبو داود. [٢٦٨٩] ــ وفي نسخ المصابيح: ((أصوع)). ((مح)): الأصوع جمع صاع يذكر ويؤنث، وهو مكيال يسع خمسة أرطال وثلثاً بالبغدادي. وقد ثبت استعمال الآصع في الحديث الصحيح من رسول الله ﷺ والصحابة والتابعين. وأما ما ذكره ابن المكي في كتابة المسمى بـ ((تثقيف اللسان)) أن هذا الجمع لحن وهو من خطأ العوام، وصوابه أصوع. فغلط منه؛ لأنه من باب المقلوب، قالوا: يجوز في جمع صاع آصع وفي دار آدر؛ لأن فاء آصع صاد وعينها واو قلبت الواو همزة ونقلت إلي موضع الفاء، ثم قلبت الهمزة ألفاً فصار آصعاً، ووزنه أعفل. قوله: ((نسيكه)) ((مح)): هي شاة تجزئ في الأضحية، ((حس)): أراد بالهوام القمل، وسماها هوام؛ لأنها تهم في الرأس وتدب. وفيه دليل علي أن فدية الأذى بتخيير الرجل بين الهدى والإطعام والصيام علي ما نطق به القرآن، ولا فرق في التخيير بين أن يحلق رأسه بعذر أو بغير عذر عند أكثر أهل العلم. وذهب قوم إلي أنه حلق بغير عذر فعليه دم إن قدر عليه لا غير، وفي أنه إذا اختار الإطعام يطعم كل مسكين نصف صاع/ سواء أطعم حنطة أو شعيراً أو تمراً أو زبيباً. الفصل الثاني الحديث الأول عن ابن عمر ﵄: قوله: ((ولتلبس)) أمر عطف علي قوله: ((نهي)) من حيث المعنى، كأنه قيل: لا تلبس المرأة القفازين، ولتلبس بعد ذلك ما أحبت. والأوجه أن يؤول الثاني بأن يقال: نهي عن كذا وأمر بكذا؛ لأن ((ينهي)) حال من مفعول ((سمع)). والمراد من ألوان الثياب أصنافها، لا اللون المعروف، لأن ((معصفر)) أو ما عطف عليه بيان للألوان. قوله: ((أوحلي)) جعل الحلي من جنس الثياب تغليباً، وفسره المظهر بالحلل، وقال: هي جمع حلة وهي إزار أو رداء من قطن.

стр. 1525

٢٧٩٠ - وعن عائشة [﵂] قالت: كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فإذا جاوزوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها علي وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه. رواه أبو داود، ولابن ماجه معناه [٢٦٩٠]. ٢٦٩١ - وعن ابن عمر [﵄] أن النبي ﷺ كان يدهن بالزيت وهو محرم غير المقتت يعني غير المطيب. رواه الترمذي. [٢٦٩١] الفصل الثالث ٢٦٩٢ - عن نافع، أن ابن عمر وجد القر، فقال: ألف علي ثوباً يا نافع! فألقيت عليه برنسا. فقال: تلقي علي هذا وقد نهي رسول الله ﷺ أن يلبسه المحرم؟. رواه أبو داود [٢٦٩٢]. ٢٦٩٣ - وعن عبد الله بن مالك بن بحينة، قال: احتجم رسول الله ﷺ وهو محرم بلحي جمل. من طريق مكة في وسط رأسه. متفق عليه. ــ الحديث الثاني عن عائشة ﵂: قوله: ((فإذا جاوزوا بنا سدلت)) وبعده ((فإذا جاوزونا كشفناه)). وقال المؤلف: هذا لفظ أبي داود وكذا في جامع الأصول عنه، وفي المصابيح ((فإذا حاذونا سدلت)) وليس عند ابن ماجه بهذا اللفظ ولا بلفظ أبي داود. أقول قوله: ((محرمات)) خبر بعد خبر، أي نحن مصاحبات محرمات، والفاء في ((فإذا جاوزوا بنا)) تفصيل لقوله: ((الركبان يمرون بنا)) فالأولي أن يكون التفصيل مطابقاً للمفصل، فمعنى قوله: ((إذا جازوا بنا)) جاوزوا مارين بنا. ((حس)): ممن قال بالسدل مالك والشافعي وأحمد. فلو وضع المحرم يده علي رأسه أو المحرمة علي وجهها لاشيء عليهما؛ إذ لا بد لهما منه في الوضوء. الحديث الثالث عن ابن عمر ﵄: قوله: ((غير المقتت)) بالقاف والتائين المنقوطتين من فوق بنقطتين. ((نه)): المقتت هو ما يطبخ فيه الرياحين حتى يطيب ريحه. الفصل الثالث الحديث الأول عن نافع: قوله: ((وجد القر)) أي البرد. ((نه)): يقال: قر يومنا يقر قرة ويوم قر بالفتح أي بارد، وليلة قرة. الحديث الثاني عن عبد الله: قوله: ((بلحي جمل)) ((نه)): هو- بفتح اللام- موضع بين مكة

стр. 1526

٢٦٩٤ - وعن أنس [﵁] قال: احتجم رسول الله ﷺ وهو محرم علي ظهر القدم من وجع كان به. رواه أبو داود، والنسائي. [٢٦٩٤] ٢٦٩٥ - وعن أبي رافع، قال: تزوج رسول الله ﷺ ميمونة وهو حلال وبنى بها وهو حلال، وكنت أنا الرسول بينهما. رواه أحمد، والترمذي وقال: هذا حديث حسن. [٢٦٩٥] (١٢) باب المحرم يجتنب الصيد الفصل الأول ٢٦٩٦ - عن الصعب بن جثامة أنه أهدى لرسول الله ﷺ حماراً وحشياً وهو بالأبواء أو بودان، فرد عليه، فلما رأي ما في وجهه قال: ((إنا لم نره عليك إلا أنا حرم)) متفق عليه. ــ والمدينة، وقيل: عقبة، وقيل: ماء. قوله: ((في وسط رأسه)) ((مح)): بفتح السين قال أهل اللغة: كل ما كان مبينا بعضه من بعض كوسط الصف والقلادة وحلقة الناس ونحو ذلك، فهو وسط بالإسكان، وما كان منضما غير مبين بعضه من بعض كالدار والساحة فهو وسط بفتح السين. وهذا محمول علي أنه ﷺ كان معذوراً؛ لأنه لا ينفك عن قطع شعر. والمحرم إذا أراد الحجامة لغير حاجة، فإن تضمنت قلع شعر فهي حرام، وإن لم تتضمن بأن كان في موضع لا شيء فيه فهي جائزة، ولا فدية فيها، وعن ابن عمر ومالك كراهتها، وعن الحسن البصري فيها الفدية. باب المحرم يجتنب الصيد الفصل الأول الحديث الأول عن الصعب: قوله: ((بالأبواء)) ((مح)):- بفتح الهمزة والمد- و ((ودان)) - بفتح الواو وتشديد الدال المهملة- مكانان بين مكة والمدينة. ((نه)): ودان قرية جامعة قريبة من الجحفة. قوله: ((أنا حرم)) ((مح)) هو بفتح الهمزة و ((حرم)) بضم الحاء والراء، أي محرمون، أقول: لام التعليل محذوف والمستثنى منه مقدر، أي إنا لا نرده لعلة منا لعلل إلا لأنا حرم. ((قض)) بهذا تشبث من رأي تحريم لحم الصيد علي المحرم مطلقاً، سواء صيد له أو لغيره، كابن عباس وطاووس والثوري. وأوله من فرق بين ما صاده أو صيد له حلال، لا له وهم أكثر علماء الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة- بأنه ﷺ إنما رده عليه؛ لما ظن أنه صيد من أجله، ويدل عليه ما رواه في الحسان عن جابر: أن رسول الله ﷺ قال: ((لحم الصيد لكم في الإحرام

стр. 1527

٢٦٩٧ - وعن أبي قتادة، أنه خرج مع رسول الله ﷺ فتخلف مع بعض أصحابه وهم محرمون، وهو غير محرم، فرأوا حماراً وحشياً قبل أن يراه، فلما رأوه تركوه حتى رآه أبو قتادة فركب فرساً له، فسألهم أن يناولوه سوطه، فأبوا، فتناوله فحمل عليه، فعقرة، ثم أكل فأكلوا، فندموا، فلما أدركوا رسول الله ﷺ سألوه. قال: ((هل معكم منه شيء؟)) قالوا: معنا رجله. فأخذها النبي ﷺ فأكلها. متفق عليه. وفي رواية لهما: فلما أتوا رسول الله ﷺ قال: ((أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها؟ أو أشار إليها؟)) قالوا: لا. قال: ((فكلوا ما بقي من لحمها)). ــ حلال ما لم تصيدوه أو يصاد لكم))، وحديث أبي قتادة التالي لهذا الحديث نحن فيه. لا يقال: إنه منسوخ بهذا؛ لأن حديث أبي قتادة كان عام الحديبية، وحديث الصعب كان في حجة الوداع؛ لأن النسخ إنما يصار إليه إذا تعذر الجمع، كيف والحديث المتأخر محتمل، لا دلالة له علي الحرمة العامة صريحاً ولا ظاهراً حتى يعارض الأول فينسخه؟. قوله: ((أهدى لرسول الله ﷺ حماراً)) ((مح)) لابد في قوله: ((أهدى لرسول الله ﷺ حماراً)) من تقدير مضاف؛ لأنه جاء في رواية لمسلم ((لحم حمار وحش)) وفي أخرى ((رجل حمار وحش)) وأخرى ((عجز حمار وحش)) وأخرى ((شق حمار وحش)) وفي أخرى ((عضو من لحم صيد)) فهذه الطرق التي ذكرها مسلم صريحة في أنه مذبوح، وأنه إنما أهدى بعض لحم صيد ليأكله. وفيه جواز قبول الهدية للنبي ﷺ بخلاف الصدقة. وفيه أنه يستحب لمن أمتنح من قبول الهدية، أن يعتذر بذلك إلي المهدي تطييباً لقلبه، والله أعلم. الحديث الثاني عن أبي قتادة: قوله: ((وهم محرمون)) حال وذو الحال ((بعض أصحابه)) وقوله: ((وهو غير محرم)) يجوز أن يكون عطفاً علي ((وهم محرمون))، وأن يكون حالا من الضمير في ((محرمون)) فيكون حالا متداخلة. وفي أصل المالكي ((أحرموا كلهم إلا أبو قتادة لم يحرم)). قال: ((أبو قتادة)) مبتدأ و ((لم يحرم)) خبره و ((إلا)) بمعنى لكن، ونظيره من كتاب الله تعالي قراءة ابن كثير وأبي عمرو:﴾ ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم ﴿. فـ ((امرأتك)) مبتدأ والجملة بعده خبره، ولا يصح أن يجعل ((امرأتك)) بدلا من ((أحد))؛ لأنها لم تسر معه فيتضمنها ضمير المخاطبين. ودل علي أنها لم تسر معه قراءة النصب؛ فإنها أخرجتها من أهله الذين أمر أن يسري بهم. وإذا لم تكن في الذين سرى بهم لم يصح أن تبدل من فاعل ((يلتفت))؛ لأنه بعض

стр. 1528

٢٦٩٨ - وعن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: ((خمس لاجناح علي من قتلهن في الحرم والإحرام: الفأرة، والغراب، والحدأة، والعقرب، والكلب العقور)). متفق عليه. ٢٦٩٩ - وعن عائشة، عن النبي صل الله عليه وسلم، قال: ((خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الحية، والغراب الأبقع، والفأرة، والكلب العقور، والحديا)) متفق عليه. ــ ما دل عليه الضمير المجرور بـ ((من)). وتكلف بعض النحويين الإجابة عن هذا، بأن قال: لم يسر بها، ولكن شعرت بالعذاب فتبعتهم، ثم التفتت وهلكت. وعلي تقدير صحة هذا فلا يوجب ذلك دخولها في المخاطبين، بقوله: ﴿لا يلتفت منكم أحد﴾ وهذا والحمد لله بين، والاعتراف بصحته متعين. ويجوز أن يحذف في هذا النوع من الاستثناء خبر المبتدأ، كما ورد: ((كل أمتي معافي إلا المجاهرون))، أي لكن المجاهرون بالمعاصي لا يعافون. ومنه قوله تعالي: ﴿فشربوا منه إلا قليل منهم﴾ أي لكن قليل منهم لم يشربوا. الحديث لثإني عن أبي قتادة: قوله: ((فعقره)) أي فقتله، وأصل العقر ضرب قوائم البعير أو الشاة بالسيف وهو قائم. الحديث الثالث والرابع عن عائشة ﵂: قوله: ((خمس)) ((مح)): روى بالتنوين وبالإضافة. أقول: إن روى منونا و ((فواسق)) مرفوعاً يكون مبتدأ موصوفاً و ((يقتلن)) خبره، وإن روى منصوباً يكون ((خمس)) صفة موصوف محذوف، و ((يقتلن)) خبره، و ((فواسق)) معترضة نصباً علي الذم. ((نه)): أصل الفسوق الخروج عن الاستقامة والجور، وبه سمى العاصي فاسقاً، وإنما سميت فواسق علي الاستعارة؛ لخبثهن، وقيل: لخروجهن من الحرمة في الحل والحرم، أي لا حرمة لهن بحال. و ((الأبقع)) ما خالط بياضه لون آخر، و ((العقور)) من أبنية المبالغة، وهو كل سبع يعقر أي يجرح ويقتل ويفترس كالأسد والنمر والذئب، سماها كلباً لاشتراكها في السبعية، و ((الحديا)) هي تصغير الحدأة واحد الحدأ، وهو الطائر المعروف من الجوارح. ((مح)): اتفق العلماء علي أنه يجوز للمحرم قتلهن وما في معناهن، ثم اختلفوا فيما يكون في معناهن، فقال الشافعي: المعنى في جواز قتلهن كونهن مؤذيات، فكل مؤذ يجوز للمحرم قتله وما لا فلا، ويجوز أن يقتل في الحرم كل من وجب عليه قتل بقصاص، أو رجم بالزنا أو قتل بالمحاربة، ويجوز إقامة كل الحدود فيه، سواء [أحرم في الحج] أو خارجه ثم ألجئ إليه، وهو مذهب مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: ما ارتكبه في الحرم يقام عليه، وما فعله خارجه ثم لجأ إليه إن كان إتلاف نفس لم يقم عليه في الحرم، بل يضيق عليه ولا يكلم ولا يجالس ولا يبايع، حتى يضطر إلي الخروج منه، وما كان دون النفس يقام فيه.

стр. 1529

الفصل الثاني ٢٧٠٠ - عن جابر [﵁]، أن رسول الله ﷺ قال: ((لحم الصيد لكم في الإحرام حلال، مالم تصيدوه أو يصاد لكم)). رواه أبو داود، والترمذي والنسائي. [٢٧٠٠] ٢٧٠١ - وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: ((الجراد من صيد البحر)) رواه أبو داود، والترمذي. [٢٧٠١] ٢٧٠٢ - وعن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ ، قال: ((يقتل المحرم السبع العادي)). رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه. [٢٧٠٢] ٢٧٠٣ - وعن عبد الرحمن بن أبي عمار، قال: سألت جابر بن عبد الله عن الضبع أصيد هي؟ فقال: نعم. فقلت: أيؤكل؟ فقال: نعم. فقلت: سمعته من ــ ((حس)): قاس الشافعي ﵁ عليها كل حيوان لا يؤكل لحمه فقال: لا فدية علي من قتلها في الإحرام والحرم؛ لأن الحديث يشتمل علي أعيان، بعضها سباع ضارية وبضعها هوام قاتلة، وبعضها طير لا يدخل في معنى السباع ولا هي من جملة الهوام، وإنما هي حيوان مستخبث اللحم، وتحريم الأكل يجمع الكل، فاعتبره ورتب الحكم عليه، إلا المتولد من المأكول من الصيد، وغير المأكول لا يحل أكله ويجب الجزاء بقتله؛ لأن فيه جزاء من المأكول. الفصل الثاني الحديث الأول عن جابر ﵁: قوله: ((أو يصاد لكم)) بعد قوله ((ما لم تصيدوه)) فيه إشكال؛ لأن الظاهر يقتضي الجزم. وغاية ما يتكلف فيه أن يقال: إنه عطف علي المعنى؛ فإنه لو قيل: ما لا تصيدونه أو يصاد لكم لكان ظاهراً، فيقدر هذا المعنى. الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((الجراد من صيد البحر)) ((قض)): إنما عده من صيد البحر؛ إما لأنه يشبه صيد البحر من حيث إنه تحل ميتته ولا يفتقر إلي التذكية؛ أو لما قيل من أن الجراد متولد من الحيتان كالديدان. الحديث الثالث والرابع: عن عبد الرحمن: قوله: ((عن الضبع)) ((حس)): اختلفوا في إباحة لحم الضبع، فروي عن سعد بن أبي وقاص ﵁: أنه كان يأكله، وروى عن ابن عباس إباحته. وذهب إليه الشافعي وأحمد، وكرهه جماعة، منهم مالك وأصحاب أبي حنيفة، واحتجوا بأنه ﷺ نهي عن أكل كل ذي ناب من السباع. قلنا: هو عام خصصه حديث جابر. ورووا حديثاً في كراهة لحم الضبع. قلنا: إسناده ليس بالقوى.

стр. 1530

رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. رواه الترمذي، والنسائي، والشافعي، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ٢٧٠٤ - وعن جابر، قال: سألت رسول الله ﷺ عن الضبع، قال: ((هو صيد، ويجعل فيه كبشاً إذا أصابه المحرم)). رواه أبو داود، وابن ماجه، والدرامي. [٢٧٠٤] ٢٧٠٥ - وعن خزيمة بن جزي، قال: سألت رسول الله ﷺ عن أكل الضبع. قال: ((أو يأكل الضبع أحد؟)). وسألته عن أكل الذئب. قال: ((أو يأكل الذئب أحد فيه خير؟)). رواه الترمذي، وقال: ليس إسناده بالقوى. [٢٧٠٥] الفصل الثالث ٢٧٠٦ - عن عبد الرحمن بن عثمان التيمى، قال: كنا مع طلحة بن عبيد لله ونحن حرم، فأهدى له طير وطلحة راقد، فمنا من أكل، ومنا من تورع، فلما استيقظ طلحة وافق من أكله، قال: فأكلناه مع رسول الله ﷺ . رواه مسلم. (١٣) باب الإحصار وفوت الحج الفصل الأول ٢٧٠٧ - وعن ابن عباس، قال: قد أحصر رسول الله ﷺ فحلق رأسه، وجامع نساءه، ونحر هديه، حتى اعتمر عاماً قابلاً. رواه البخاري. ــ الحديث الخامس والسادس عن خزيمة: قوله: ((فيه خير؟)) همزة الإنكار فيه محذوفة، يعني أفي الذئب خير، وهو من الضواري والسباع؟. الفصل الثالث عن عبد الرحمن: قوله: ((طير)) نكره للشيوع، وقد علم أنه مما لا يصاد لهم، وفي قوله: ((وافق من أكله)) إشعار بأنه صوبهم، والله أعلم. باب الإحصار وفوات الحج ((نه)): الإحصار المنع والحبس عن الوجه الذي يقصده. يقال: ((أحصره المرض أو السلطان إذا منعه عن مقصده فهو محصر، وحصره إذا حبسه فهو محصور. الفصل الأول الحديث الأول عن ابن عباس ﵄: قوله: ((ونحر هديه)) ((حس)): اتفقوا علي أن

стр. 1531

٢٧٠٨ - وعن عبد الله بن عمر، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ ، فحال كفار قريش دون البيت، فنحر النبي ﷺ هداياه وحلق، وقصر أصحابه. رواه البخاري. ٢٧٠٩ - وعن المسور بن مخرمة، قال: إن رسول الله ﷺ نحر قبل أن يحلق، وأمر أصحابه بذلك. رواه البخاري. ٢٧١٠ - وعن ابن عمر، أنه قال: أليس حسبكم سنة رسول الله ﷺ ؟ إن حبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت وبالصفا والمروة، ثم حل من كل شيء حتى يحج عاماً قابلاً، فيهدي، أو يصوم إن لم يجد هدياً. رواه البخاري. ٢٧١١ - وعن عائشة، قالت: دخل رسول الله ﷺ علي ضباعة بنت الزبير، ــ المحرم إذا أحصر عن الحج بعدو أنه يتحلل وعليه هدى، وهو دم شاة يذبحه حيث أحصر، ثم يحلق كما فعل رسول الله ﷺ عام الحديبية. والهدايا كلها يختص ذبحها بالحرم إلا هدي المحصر؛ فإن محل ذبحه حيث أحصر. وقال أصحاب أبي حنيفة: لا يراق أيضاً إلا في الحرم. ثم المحصر إن كان حجة فرضا قد استقر عليه فهو في ذمته، وإن كان تطوعا أو كان هذا أول [سنة الوجوب]، فهل يجب عليه القضاء؟ اختلفوا فيه، فذهب جماعة إلي أنه لا قضاء عليه، وهو قول مالك والشافعي، وذهب قوم إلي أن عليه القضاء، وبه قال أصحاب أبي حنيفة. قوله: ((حتى اعتمر)) غاية المجموع من قوله: ((فحلق وجامع ونحر)) أي تحلل ﷺ حتى اعتمر عاما قابلاً. الحديث الثاني إلي الرابع عن ابن عمر ﵄: قوله: ((أليس حسبكم؟)) أي محسبكم وكافيكم. ((حس)) حبس المحرم بالحج إذا حبسه مرض أو عذر غير حبس العدو، فهل له التجلل؟ اختلفوا فيه، فذهب جماعة إلي أنه لا يباح له التحلل، بل يقيم علي إحرامه، فإن زال العذر- وقد فاته الحج- يتحلل بعمل العمرة. وهو قول ابن عباس؛ قال: لا حصر إلا حصر العدو، وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد. وذهب قوم إلي أن له التحلل، وهو قول أصحاب أبي حنيفة. واحتجوا بقوله ﷺ : ((من كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل)). وضعف هذا الحديث؛ لما ثبت عن ابن عباس أنه قال: لا حصر إلا حصر العدو. الحديث الخامس عن عائشة ﵂: قوله: ((والله ما أجدني إلا وجعة)) أي أجد في نفس ضعفا من المرض، ولا أدري أأقدر علي إتمام الحج أم لا؟ والمحل – بفتح الميم وكسر

стр. 1532

فقال لها: ((لعلك أردت الحج؟)) قال: والله ما أجدني إلا وجعة. فقال لها: ((حجي واشترطي، وقولي: اللهم محلي حيث حبستني). متفق عليه. الفصل الثاني ٢٧١٢ - عن ابن عباس [﵄]، أن رسول الله ﷺ أمر أصحابه أن يبدلوا الهدي الذي نحروا عام الحديبية في عمرة القضاء. رواه [أبو داود. وفيه قصة، وفي سنده محمد بن إسحاق]. [٢٧١٢] ٢٧١٣ - وعن الحجاج بن عمرو الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من ــ الحاء- زمان أو مكان، من حل إذا خرج من الإحرام. فإن قلت: كيف طابق قولها: ((والله)) جوابا عن قوله ﷺ ((لعلك أردت))؟ قلت: تضمن في ((لعل)) معنى الاستقصار علي سبيل التلطف؛ ومن ثمة أظهرت العذر وأقسمت عليه. ((مح)): هي ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب بنت عم النبي ﷺ . ((حس)): اختلفوا في الاشتراط في الحج، فذهب بعضهم إلي الرخصة فيه وأنه ينعقد إحرامه لظاهر الحديث، وله الخروج بالعذر الذي سمي، وهو قول أحمد وأحد قولي الشافعي، قالا: لا يباح له التحلل بعذر سوى الإحصار من عدو من غير شرط؛ لأن التحلل لو كان مباحا من غير شرط لما احتاجت ضباعة إلي الشرط. وذهب آخرون إلي أن إحرامه منعقد، ولا يباح له التحلل بالشرط، كمن أحرم مطلقاً، وجعلوا ذلك رخصة خاصة لضباعة كما أذن ﷺ لأصحابه في رفض الحج، وليس ذلك لغيرهم. وفي قوله: ((محلي حيث حبستني)) دليل علي أن المحصر يحل حيث يحبس من حل أو حرم. الفصل الثاني الحديث الأول عن ابن عباس ﵄: قوله: ((أن يبدلوا)) أي يذبحوا مكان ما ذبحوه هديا أحر. ((حس)): يحتج بهذا من يوجب القضاء علي المحصر، ومن يذهب إلي أن دم الإحصار لا يذبح إلا في الحرم، ويقول: إنما أمرهم النبي ﷺ بإبدال الهدى؛ لأنهم نحروا هداياهم عام الحديبية خارج الحرم، والله تعالي يقول: ﴿هدايا بالغ الكعبة﴾ فلم تقع تلك الهدايا محسوبة؛ فأمرهم بالإبدال. الحديث الثاني عن الحجاج: قوله: ((من كسر)) ((حس)): يحتج بهذا الحديث من يرى

стр. 1533

كسر، أو عرج فقد حل، وعليه الحج من قابل)). رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والدرامي. وزاد أبو داود في رواية أخرى: ((أو مرض)). وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وفي ((المصابيح)): ضعيف. [٢٧١٣] ٢٧١٤ - وعن عبد الرحمن بن يعمر الديلي، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((ألحج عرفة، من أدرك عرفة ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج. أيام منى ــ القضاء علي المحصر، ومن ضعف هذا الحديث؛ لما ثبت عن ابن عباس أنه قال: ((لا حصر إلا حصد العدو)). وتأوله بعضهم علي أنه إنما يحل بالكسر والعرج، إذا كان قد شرط ذلك عند الإحرام علي معنى حديث ضباعة، إذ قال لها النبي ﷺ : ((حجي واشترطي)). ((قض)): وفيهما نظر، أما الأول: فلأن قول ابن عباس لا يعارض الحديث المرفوع، فكيف يوجب وهنه؟ اللهم إلا إذا ثبت رفعه فيرجع بفضل الراوي وشهرته وأما الثاني: فلأنه تقييد لا دليل. أقول: ولئن سلم أن حديث ابن عباس يكون موقوفا عليه، فإذا كان تفسيراً لقوله تعالي: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى﴾، والمخاطبون بقوله: ﴿فإن أحصرتم﴾ هم الصحابة يوم الحديبية، ولم يكن ذلك الإحصار إلا عن عدو؛ فتقييده بالمرض تقييد بلا دليل. وقوله: وأما الثاني فلأنه تقييد بلا دليل، فتقييده بحديث ضباعة كاف، فعلي هذا نكون قد عملنا بمقتضى النصوص الظاهرة كلها. وإذا تعرجنا عن ذلك بطل حديث ضباعة. وأما تضعيف الحديث فقد رده المؤلف بقوله: وقال الترمذي: هذا حديث حسن. الحديث الثالث عن عبد الرحمن: قوله: ((الحج عرفة)) ((قض)): مبتدأ وخبر علي تقدير حذف المضاف من الطرفين، أي ملاك الحج أو معظم أركانه وقوف عرفة؛ لأن الحج لا يفوت بفوات غيره. أقول: التعريف في ((الحج)) للجنس، وخبره معرفة؛ فيفيد الحصر، كقوله تعالي: ﴿ذلك الكتاب﴾، وقولهم: حاتم الجود. ((تو)): وذلك مثل قولهم: المال الإبل، وإنما كان ذلك ملاكه وأصله؛ لأنه يفوت بفواته، ويفوت الوقوف لا إلي بدل. قوله: ((فقد أدرك الحج)). [((قض))]: اتفق أهل العلم علي أن الحاج إذا فاته الوقوف بعرفة في وقته فاته الحج، ووقته ما بين زوال يوم عرفة إلي أن يطلع الفجر من يوم النحر؛ فمن فاته الوقوف في هذا الوقت يجب عليه التحلل بعمل العمرة، من غير أن يكون [محسوبا] عن العمرة، وعليه قضاء الحج من قابل، وعليه دم شاة، فإن لم يجد فصوم ثلاثة أيام في الحجة وسبعة إذا رجع كالمتمتع.

стр. 1534

ثلاثة [أيام]، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه)) رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والدرامي، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح [٢٧١٤] [وهذا الباب خال عن الفصل الثالث]. (١٤) باب حرم مكة حرسها الله تعالي الفصل الأول ٢٧١٥ - عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: ((لا هجرة؛ ــ قوله: ((فمن تعجل)) ((قض)): ((تعجل)) جاء لازما ومتعديا، فإن عديته فمفعوله محذوف، والمعنى فمن تعجل النفر في يومين، أي في آخر اليومين الأولين من أيام التشريق، فلا إثم عليه ولا حرج، ومن تأخر إلي اليوم الثالث فلا إثم عليه، أي التقديم والتأخير سواء في الجواز وعدم الحرج، ليس في التعجيل ترك واجب، ولا في التوقف والتأخير ارتكاب بدعة وزيادة علي المشروع، مع أن التأخير أفضل. ((تو)): ذكر أهل التفسير أن أهل الجاهلية كانوا فئتين: إحداهما: ترى المتعجل آثما، والأخرى: ترى المتأخر آثما؛ فورد التنزيل بنفي الحجر عنهما. باب حرم مكة حرسها الله تعالي الحرم الممنوع نه: إما بتسخير إلهي، وإما بمنع شرعي، وإما بمنع من جهة العقل، وإما من جهة من يرتسم أمره. والحرم سمي حرما لتحريم الله تعالي فيه كثيرا مما ليس بمحرم في غيره من المواضع، وكذلك الشهر الحرام. الفصل الأول الحديث الأول عن ابن عباس ﵄: قوله: ((لا هجرة)) ((تو)): كانت الهجرة إلي المدينة بعد أن هاجر إليها رسول الله ﷺ فرضا علي المؤمن المستطيع؛ ليكون في سعة من أمر دينه فلا يمنعه عنه مانع، ولينصر رسول الله ﷺ في إعلاء كلمة الله وإظهار دينه، فينحاز إلي حزب الحق وأنصار دعوته، ويفارق الفريق الباطل؛ فلا يكثر سوادهم، إلي غير ذلك من المعإني الموجبة لكمال الدين. فلما فتح مكة وأظهره الله علي الدين كله، أعلمهم بأن الهجرة المفروضة قد انقطعت، وأن السابقة بالهجرة بعد الفتح قد انتهت، وأن ليس لأحد بعد ذلك أن ينال فضيلة الهجرة إليه، ولا أن ينازع المهاجرين في مراتبهم وحقوقهم. وقوله: ((لا هجرة)) أي لم تبق هجرة، ولكن بقي الجهاد، فينالون بذلك الأجر والفضل

стр. 1535

ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا)). وقال يوم فتح مكة: ((إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلي يوم القيامة، وإنها لم يحل ــ والغنيمة. وفيه تنبيه علي أنهم إذا حرصوا علي الجهاد وأحسنوا النية، أدركوا الكثير مما فاتهم بفوات الهجرة. وفي قوله: ((لا هجرة)) تنبيه علي الرخصة في ترك الهجرة، يعني إلي المدينة لنصرة الرسول ﷺ . فأما الهجرة التي تكون من المسلم لصلاح دينه فإنها باقية مدى الدهر. ((مح)): فيه إظهار معجزة لرسول الله ﷺ بأن مكة تبقى دار الإسلام بعد الفتح، لا يتصور منها الهجرة. وقال أصحابنا: معناه أن الهجرة الفاضلة المهمة المطلوبة التي يمتاز بها أهلها امتيازاً ظاهراً، انقطعت [بفتحه] * ومضت؛ لأن الإسلام قوي وعز عزاً ظاهراً بخلاف ما قبله، لكن لكم طريق إلي تحصيل الفضائل التي في معنى الهجرة، وذلك بالجهاد ونية الخير في كل شيء. أقول: قوله: ((ولكن جهاد ونية)) عطف علي محل مدخول ((لا)) والمعنى أن الهجرة من الأوطان إما هجرة إلي المدينة للفرار من الكفار ونصرة الرسول ﷺ ، وإما إلي الجهاد في سبيل الله، وإما إلي غير ذلك من تحصيل الفضائل، كطلب العلم وابتغاء فضل الله من التجارة وما شاكلهما؛ فانقطعت الأولي وبقيت الأخريان، فاغتنموهما ولا تقاعدوا عنهما، فإذا استنفرتم فانفروا. ((نه)): الجهاد محاربة الكفار، وهو المبالغة واستفراغ ما في الوسع من قول أو فعل. يقال: جهد الرجل في الشيء، إذا جد فيه وبالغ، وجاهد في الحرب مجاهدة وجهادا. والاستنفار الاستنجاد والاستنصار، أي طلب منكم النصرة فأجيبوا وانصروا خارجين إلي الإعانة. قوله: ((حرمه الله يوم خلق السموات)) ((قض)): معناه أن تحريمه أمر قديم وشريعة سالفة مستمرة، ليس مما أحدثه أو اختص بشرعه. ويحتمل أن يراد به التأقيت، أي إنما خلف هذه الأرض حين خلقها محرمة، والتوفيق بينه وبين ما أورده في الباب التالي له عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: ((إن إبراهيم حرم مكنة فجعلها حراماً، وإني حرمت المدينة حراما ًما بين مأزميها، أن لا يهراق فيها دم، ولا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا تخبط فيها شجرة إلا لعلف)) أن يقال: إسناد التحريم إلي إبراهيم ﵇ من حيث إنه مبلغه ومنهيه؛ فإن الحاكم بالشرائع والأحكام كلها هو الله تعالي، والأنبياء يبلغونها، ثم إنها كما تضاف إلي الله تعالي من حيث إنه الحاكم بها، تضاف إلي الرسل؛ لأنها تسمع منهم وتبين علي لسانهم. فلعله لما رفع البيت المعمور إلي السماء وقت الطوفان، أو انطمست العمارة التي بناها آدم ﵇، والكعبة الآن في محلها علي اختلاف الروايات اندرست حرمتها وصارت شريعة متروكة منسية إلي أن أحياها إبراهيم ﵇، فرفع قواعد البيت ودعا الناس إلي الحج، وحد الحرم وبين حرمته. ((مح)): قيل: معناه أنه تعالي كتب في اللوح المحفوظ يوم خلق السموات الأرض، أن إبراهيم سيحرم مكة بأمر الله تعالي.

стр. 1536

القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلي يوم ــ قوله: ((بحرمة الله)) ((نه)): أي بتحريمه، وقيل: الحرمة الحق بالحق المانع من تحليله. أقول: الفاء في قوله: ((فهو)) جزاء شرط محذوف، أي إذا كان الله كتب في اللوح المحفوظ تحريمه، ثم أمر إبراهيم ﵇ بتبليغه وإنهائه؛ فأنا أيضا أبلغ ذلك وأنهيه إليكم، وأقول: فهو حرام بحرمة الله. وقول: فهو حرام بحرمة الله. قوله: ((ولم يحل لي إلا ساعة)) ((حس)): أراد به ساعة الفتح، أبيحت له إراقة الدم فيها دون الصيد وقطع الشجر ونحوهما. ويحتج به من ذهب إلي أن مكة فتحت عنوة لاصلحا، وهم أصحاب أبي حنيفة. وتأوله غيرهم علي معنى أنه أبيح له أن يدخلها من غير إحرام؛ لأنه ﷺ دخلها وعليه عمامة سوداء. وقال أيضاً: لا يجوز أن يباح له إراقة دم حرام في تلك الساعة، بل إنما أبيح له إراقة دم كان مباحاً خارج الحرم، فحرمه دخول الحرم، فصار الحرم في حقه بمنزلة الحل في تلك الساعة. واختلفوا فيمن ارتكب خارج الحرم ما يوجب القتل عليه، ثم دخل الحرم، هل يحل قتله فيه؟ فذهب جماعة إلي أنه يحل ذلك. قالوا: إن الحرم لا يعيذ عاصياً ولا فارا بدم ولا فارا بسرقة. ((قص)): قوله ((لم يحل القتال فيه لأحد قبلي)) لا يدل علي أنه قاتل فيه وأخذه عنوة؛ فإن حل الشيء لا يستلزم وقوعه؛ فلا حجة للأوزاعي وأصحاب أبي حنيفة. أقول: والحاصل أن الفتح عنوة يقتضي نصب الحرب عليهم والقتال بالرمي بالمنجنيق والسهم، والطعن بالرمح وضرب السيف، ولم يقع ذلك، وإن كان حلالا؛ وأما قتل من استحق القتل خارج الحرم في الحرم، فليس من معنى العنوة في شيء. ((مظ)): وفائدة الخلاف أن من قال: فتحت عنوة، أنه لا يجوز بيع دور مكة ولا إجارتها؛ لأن النبي ﷺ جعل وقفاً ما أخذه من الكفار من العقار. ومن قال: فتح صلحاً جوز بيعها وإجارتها؛ لأنها مملوكة لأصحابها. أقول: وكرر قوله: ((فهو حرام بحرمة الله))؛ لينيط به غير ما أناط به أولا من قوله: ((لا يعضد شوكه)) إلي آخره. ((نه)): ((لا يعضد)) لا يقطع، يقال: عضدت الشجر أعضده أي قطعت. والعضد بالتحريك المعضود. وذكر الشوك دال علي منع قطع سائر الأشجار بالطريق الأولي. ((حس)): المؤذي من الشوك كالعوسج؛ فلا بأس بقطعه كالحيوان المؤذي. وظاهر الحديث يوجب تحريم قطع أشجار الحرم علي العموم، سواء غرسها الآدميون أو نبتت من غير غرس، وهو ظاهر مذهب الشافعي، وإذا قطع شيئاً منها فعلية الجزاء عند أكثرهم، وإن كان القاطع حلالا، وإليه ذهب الشافعي، فعلية في الشجرة الكبيرة بقرة وفي الصغيرة شاة. ((مح)): يجوز عند الشافعي ومن وافقه رعي البهائم في كلا الحرم. وقال أبو حنيفة وأحمد ومحمد: لا يجوز.

стр. 1537

القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يختلي خلاها. فقال العباس: يارسول الله! إلا الإذخر، فإنه لقينهم ولبيوتهم؟ فقال: ((إلا الإذخر)) متفق عليه. ٢٧١٦ - وفي رواية لأبي هريرة: ((لا يعضد شجرها، ولا يلتقط ساقطتها إلا منشد)). ــ قوله: ((ولا ينفر صيده)) ((نه)): يقال نفر ينفر نفوراً ونفاراً إذا فر وذهب. ((مح)): هذا تصريح بتحريم الإزعاج وتنحيه الصيد من موضعه؛ فإن نفره عصى سواء تلف أم لا، لكن إن تلف في نفاره قبل السكون ضمن. ونبه بالتنفير علي الإتلاف ونحوه؛ لأنه إذا حرم التنفير فالإتلاف أولي. قوله: ((ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها)) ((حس)): اللقطة- بفتح القاف، والعامة تسكنها- ما يلتقط. اختلفوا في لقطة الحرم، فذهب قوم إلي أنه ليس لواجدها غير التعريف أبدا، ولا يملكها بحال ولا يستنفقها ولا يتصدق بها حتى يظفر بصاحبها. بخلاف لقطة سائر البقاع، وهو أظهر قولي الشافعي. وذهب الأكثرون إلي أنه لا فرق بين لقطتي الحل والحرم، وقالوا: معنى قوله: ((إلا من عرفها)) عرفها كما يعرفها في سائر البقاع حولا كاملا، حتى لا يتوهم متوهم أنه إذا نادى عليها وقت الموسم، فلم يظهر مالكها جاز له أن يتملكها. ((تو)): الوجه هو الأول؛ لأن الكلام ورد مورد بيان الفضائل المختصة بها كتحريم صيدها وقطع شجرها وحصد خلاها. وإذا سوى بين لقطة الحرم ولقطة غيره من البلاد، وجدنا ذكر حكم اللقطة في هذا الحديث خالياً عن الفائدة. قوله: ((ولا يختلي خلاها)) ((نه)) الخلا- مقصوراً- النبات الرقيق ما دام رطبا ً واختلاؤه قطعة، وأخلت الأرض كثر خلاها، وإذا يبس فهو حشيش. ((فا)): حقه أن يكتب بالياء ويثنى خليان. ((حس)): ولا بأس بقطع الحشيش والشجر اليابسين كالصيد الميت [يقطه]. ويكره علي مذهب الشافعي نقل تراب الحرم وإخراج الحجارة عنه لتعلق حرمة الحرم بها، ولا يكره نقل ماء زمزم للتبرك. قوله: ((إلا الإذخر)) ((نه)): هو بكسر الهمزة حشيشة طيبة الرائحة، يسقف بها فوق الخشب، وهمزته زائدة. ((مح)): هذا محمول علي أنه ﷺ أوحي إليه في الحال باستثناء الإذخر وتخصيصه من العموم، أو أوحي إليه قبل ذلك أنه إن طلب أحد استثناء شيء فاستثن، أو أنه اجتهد في الجميع. قوله: ((لقينهم)) ((نه)): القين واحد القيون وهو الحداد والضائغ. قوله: ((إلا منشد)) ((نه)): المنشد هو المعرف، وأما طالبها فهو ناشد، وأصل النشد والإنشاد رفع الصوت.

стр. 1538

٢٧١٧ - وعن جابر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا يحل لأحدكم أن يحمل بكمة السلاح)) رواه مسلم. ٢٧١٨ - وعن أنس، أن النبي ﷺ دخل مكة يوم الفتح وعلي رأسه المغفر، فلما نزعه جاء رجل وقال: إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة. فقال: ((اقتله)) متفق عليه. ــ الحديث الثاني عن جابر ﵁: قوله: ((لا يحل)). ((مح)): قال القاضي عياض: هذا محمول عند أهل العلم علي حمل السلاح لغير ضرورة ولا حاجة، فإذا احتيج إليه جاز. وهو مذهب مالك والشافعي وعطاء. وكرهه الحسن البصري تمسكا بظاهر الحديث. وحجه الجمهور دخول النبي ﷺ عام عمرة القضاء بما شرطه من السلاح في القراب، ودخوله ﷺ عام الفتح متأهبا للقتال. الحديث الثالث عن أنس ﵁: قوله: ((المغفر)) في الغريبين: المغفر والغفارة وقاية للرأس ينتفع بها المتسلح، وأصل الغفر التغطية. قوله: ((جاء رجل)) ((تو)): هو فضلة بن عبيد أبو برزة الأسلمي. قوله: ((إن ابن خطل)) ((مح)): قالوا: إنما أمر بقتله؛ لأنه كان قد ارتد عن الإسلام وقتل ملسما كان يخدمه، وكان يهجو النبي ﷺ ويسبه، وكان له قينتان تغنيان بهجاء المسلمين. فإن قيل: وفي حديث آخر ((من دخل المسجد فهو آمن)) فكيف قتله وهو متعلق بأستار الكعبة؟ فالجواب أنه ﷺ استثناه وابن أبي سرح. وفي هذا الحديث حجة لمالك والشافعي وموافقيهما في جواز إقامة الحدود والقصاص في حرم مكة، وقال أبو حنيفة: لا يجوز، وتأول هذا الحديث بأنه قتله في الساعة التي أبيحت له. وأجاب أصحابنا بأنها إنما أبيحت ساعة الدخول، حتى استولي عليها وأذعن أهلها، وإنما قتل ابن خطل بعد ذلك. وقيل: اسم ابن خطل عبد العزيز، وقيل: عبد الله، وقيل: غالب. قال أهل السير: قتله سعيد بن حريب. الحديث الرابع عن جابر ﵁: قوله: ((عمامة سوداء)) ((مح)): قال القاضي عياض: وجه الجميع بين هذا الحديث والحديث السابق ((وعلي رأسه المغفر)) أنه ﷺ دخل أولا وعلي رأسه المغفر، ثم بعد إزالة المغفر وضع العمامة، يدل عليه قوله: ((خطب للناس وعليه عمامة سوداء))، لأن الخطبة كانت عند باب الكعبة. وفي قوله: ((بغير إحرام)) دليل لمن يجوز الدخول

стр. 1539

٢٧٢٠ - وعن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((] غزوا جيش الكعبة، فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم وأخرهم)). قلت: يا رسول الله! وكيف يخسف بأولهم وأخرهم، وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟ قال: ((يخسف بأولهم وأخرهم، ثم يبعثون علي نياتهم)) متفق عليه. ٢٧٢١ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة)) متفق عليه. ٢٧٢٢ - وعن ابن عباس، عن النبي ﷺ ، قال: ((كإني به أسود أفحج يقلعها حجراً حجراً)) رواه البخاري. ــ بغير إحرام إذا لم يرد نسكا، سواء كان دخوله لحاجة تتكرر كالحطاب والسقاء والصياد وغيرهم، أم لا كالتاجر والزائر وغيرهما. وهذا أصح القولين للشافعي. وفيه جواز لباس الثياب السود في الخطبة، وإن كان البيض أفضل. الحديث الخامس عن عائشة ﵂: قوله: ((فإذا كانوا ببيداء)) ((نه)): البيداء المفازة التي لا شيء فيها، وهي في هذا الحديث اسم موضع مخصوص بين مكة والمدينة. قوله: ((أسواقهم)) ((نه)): السوقة من الناس الرعية، ومن دون الملك، وكثير من الناس يظنون أن السوقة أهل الأسواق. ((مظ)): الأسواق إن كان جمع سوق فتقديره: فيهم أهل أسواقهم، وإن كان جمع سوقه فلا حاجة إلي التقدير. ((ومن ليس منهم)) أي من ليس ممن يقصد تخريب الكعبة، بل هم الضعفاء والأسارى. أقول: فالعطف في ((ومن ليس منهم)) للتفسير والبيان. قوله: ((ثم يبعثون علي نياتهم)) أي يخسف الكل بشؤم الأشرار، ثم إنه تعالي يعامل مع كل منهم في المحشر بحسب نيته وقصده، إن خيرا فخير وإن شرا فشر. الحديث السادس والسابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((ذو السويقتين)) ((نه)): السويقة تصغير الساق، وهي مؤنثة؛ فلذلك ظهرت التاء في تصغيرها، وإنما صغر الساقين؛ لأن الغالب علي سوق الحبشة الدقة [والحموشة]، أي يخربها رجل من الحبشة له ساقان دقيقتان. أقول: لعل السر في التصغير أن مثل هذه الكعبة المعظمة المحرمة، يهتك حرمتها مثل هذا الحقير الدميم الضعيف الخلقة. ينصر هذا التأويل الحديث الذي يتلوه ((كإني به أسود أفحج يقلعها حجرا حجرا))؛ لأنه استحضار لتلك الحالة العجيبة الغريبة في الذهن تعجباً وتعجيبا للغير، نحوه قوله تعالي: ﴿ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم﴾ في وجه.

стр. 1540

الفصل الثاني ٢٧٢٣ - عن يعلي بن أمية، قال: إن رسول الله ﷺ قال: ((احتكار الطعام في الحرم إلحاد فيه)) رواه أبو داود. [٢٧٢٣] ٢٧٢٤ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ لمكة: ((ما أطيبك من بلد، وأحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب إسناداً. [٢٧٢٤] ــ قوله: ((أسود أفحج)) ((نه)) الفحج تباعد ما بين الفخذين، وهو بتقديم الحاء علي الجيم، وفي إعرابه وجوه. ((تو)): حالان عن خبر ((كأن)) وإن لم يكن بفعل فإنه مشبه به، وإذا قيد منصوبة أو مرفوعة بالحال، كان تقييدا باعتبار معناه الذي أشبه الفعل أقول: وفيه نظر؛ لأنهما إذا كان حالين من خبر كأن وذو الحال إما المستقر المرفوع أو المجرور، ولا يجوز الأول لأن المعنى يأباه كل الإباء؛ فتعين الثاني، فالعامل هو متعلق الخبر. ((مظ)): هما بدلان من الضمير المجرور، وفتحا؛ لأنهما غير منصرفين، وعلي التقديرين يلزم إضمار قبل الذكر، اللهم إلا أن يقال: إن الضمير المجرور راجع إلي المذكور في حديث أبي هريرة. والأولي أن يقال: إنه ضمير مبهم يفسره ما بعده كقولك: ربه رجل. وقوله تعالي: ﴿فقضاهن سبع سموات﴾ - الكشاف-: يجوز أن يكون ضميرا مبهما مفسرا بـ ((سبع سموات))، ونصبه علي التمييز. و ((حجرا حجرا)) حال، كقولهم: بوبته بابا بابا. الفصل الثاني الحديث الأول عن يعلي: قوله: ((احتكار الطعام)) هو اشتراء القوت في حالة الغلاء؛ ليبيع إذا اشتد غلاؤه، فهو في سائر البلاد حرام، وفي مكة أشد تحريماً. و ((الإلحاد)) الميل عن الحق إلي الباطل. قال الله تعالي: ﴿ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم﴾. وإنما سماه ظلما؛ لأنه واد غير ذي زرع؛ فالواجب علي الناس أن يجلبوا إليها الأرزاق؛ لتتسع عليهم، كما قال الله تعالي: ﴿وارزقهم من الثمرات﴾، فمن اجتهد في تضييقهم بالاحتكار فقد ظلمهم، ووضع الشيء في غير موضعه.

стр. 1541

٢٧٢٥ - وعن عبد الله بن عدي بن حمراء [﵁]، قال: رأيت رسول الله ﷺ واقفاً علي الحزورة. فقال: ((والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلي الله، ولولا إني أخرجت منك ما خرجت)). رواه الترمذي وابن ماجه. [٢٧٢٥] ــ الحديث الثاني والثالث عن عبد الله: قوله: ((الحزورة)) ((نه)): هو موضع بمكة عند باب الحناطين، وهو بوزن قسورة، قال الشافعي: الناس يشددون الحزورة والحديبية وهما مخففتان. ((تو)): في مجمع الأمثال للميدإني أن وكيع بن سلمة بن زهير بن إياد – وكان ولي أمر البيت بعد جرهم- بني صرحاً بأسفل مكة، وجعل فيه سلما يرقى فيه، ويزعم أنه يناجي الله فوق الصرح، وكان علماء العرب يرون أنه صديق من الصديقين. وكان قد جعل في صرحه ذلك أمة يقال لها: حزورة، وبها سمين حزورة مكة. أقول: قال في الحديث السابق: ((وأحبك إلي)) وفي هذا ((أحب أرض الله إلي الله)) نسب المحبة إلي نفسه أولا؛ لأنه مسقط رأسه، وموضع حل تمائمه. قال الأسدي: أحب بلاد الله ما بين منعج ... إلي وسلمى أن يصوب سحابها بلاد بها حل الشباب تمائمي وأول أرض مس جلدي ترابها ومن ثم من الله تعالي عليه بقوله: ﴿إن الذي فرض عليك القرآن لرآدك إلي معاد﴾. قيل: نزلت عليه ﷺ حين بلغ الجحفة في مهاجرته، وقد اشتاق رسول الله ﷺ إلي مولده ومولد آبائه وحرم إبراهيم، فنزل جبريل، فقال له: أتشتاق إلي مكة؟ قال: ((نعم))، فأوحاها إليه. وأما نسبته إلي الله تعالي ثإنيا؛ فلأنه حرم الله تعالي المعظم ﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً﴾. قوله: ((ما سكنت غيرك)) ((مظ)): قاله يوم فتح مكة. قال الشيخ أبو حامد في الإحياء: فلما عاد ﷺ إلي مكة استقبل الكعبة وقال: ((إنك لخير أرض الله- الحديث)) وقيل: أراد بقوله: ﴿لرآدك إلي معاد﴾ رده إليها يوم فتح مكة. ووجه تنكيره أنها كانت في ذلك اليوم معادا له شأن، ومرجعاً له اعتداد؛ لغلبة رسول الله ﷺ وقهره لأهلها، ولظهور عز الإسلام وأهله، وذل الشرك وحزبه.

стр. 1542

الفصل الثالث ٢٧٢٦ - عن أبي شريح العدوي، أنه قال لعمرو بن سعيد، وهو يبعث البعوث إلي مكة: ائذن لي أيها الأمير! أحدثك قولاً به رسول الله ﷺ الغد من يوم الفتح، سمعته أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي حين تكلم به: حمد لله وأثنى عليه، ثم قال: ((إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماُ، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول ــ الفصل الثالث الحديث الأول عن أبي شريح: قوله: ((يبعث البعوث)) وهي جمع بعث بمعني مبعوث الجماعة من الجند الذي يرسله الأمير إلي قتال وفتح بلاد. قوله: ((قام به رسول الله ﷺ ) صفة للمصدر الذي هو بمعنى التحديث، و ((قام)) بمعنى القول، وإنما يقال: قام به إذا كان لذلك القول شأن وتفخيم. ((غب)): كثير من الأفعال التي حث الله علي توفية حقه ذكره بلفظ الإقامة كقوله تعالي: ﴿يقيمون الصلاة﴾، ﴿ولو أنهم أقاموا التوراة﴾ ﴿وأقيموا الوزن بالقسط﴾ وكذا قوله: ((سمعته أذناي)) صفة أخرى. ((مح)): أراد بهذا كله المبالغة في تحقيق حفظه إياه. أقول: وإنما يقال هذا في أمر يعظم مناله ويعثر الوصول إليه. فيؤكد السمع بالأذن والحفظ بالقلب والإبصار بالعين؛ ليؤذن بنيله وتحققه. و ((حمد لله)) بيان لقوله: ((تكلم)). قوله: ((ولم يحرمها الناس)) ((مح)): أي إن تحريمها بوحي الله، لاباصطلاح الناس عليه بغير أمر الله. أقول: إنما وصف قوله: ((لامرئ)) بالإيمان؛ ليشعر بالعلية، يعني من شأن المؤمن بالله أن لا يخالف أمر الله، ولا يحل ما حرمه الله. قوله: ((فإن أحد ترخص)) ((ترخص)) مفسر لرافع ((أحد))، كقوله تعالي: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك﴾. وقوله: ((فقولوا)) جواب الشرط، والجملة من الجواب العتيد الذي هيئ قبل مساس الحاجة إليه، فهو أقطع للخصم وأرد لشغبة؛ ولهذا أدرج النظار في أثناء مناظرتهم العمل بالمقتضى الذي هو كذا السالم عن معارضة كذا، فيسلقون دار المعارض قبل الخصم له، فلما سمع عمرو ذلك، رده بقوله: أنا أعلم بذلك منك، يعني صح سماعك وحفظك، وإيرادك المعارضة علي الخصم، لكن ما فهمت المعنى المراد من المقاتلة، فإن ذلك

стр. 1543

الله ﷺ فيها، فقولوا له: إن الله قد أذن لرسوله، ولم يأذن لكم. وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلغ الشاهد الغائب)) فقيل لأبي شريح: ما قال لك عمرو؟ قال: قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح! إن الحرم لا يعيذ عاصياً ولا فارا بدم، ولا فارا بخربة. متفق عليه، وفي البخاري: الخربة: الجناية. ٢٧٢٧ - وعن عياش بن أبي ربيعة المخزومي، قال رسول الله ﷺ : ((لا تزال هذه الأمة بخير ما عظموا هذه الحرمة حق تعظيمها، فإذا ضيعوا ذلك هلكوا)) رواه ابن ماجه. [٢٧٢٧] ــ الترخص كان بسبب الفتح عنوة، وليس بسبب قتل من استحقه خارج الحرم، والذي أنا بصدده من القبيل الثاني لا من الأول، فكيف تنكر علي؟ فهو من القول بالموجب. ((مح)): كان ذلك البعث من عمرو بن سعيد إلي مكة لقتال ابن الزبير، وفيه دلالة لمن يقول: فتحت مكة عنوة، وتأويله عند من قول: فتحت صلحا، أنه ﷺ دخلها متهيئاً للقتال لو احتاج إليه. وقد سبق بيانه في حديث ابن عباس ﵄. و ((الخربة)) تروى بفتح الخاء وإسكان الراء، هذا هو المشهور. ويقال: بالضم، وأصلها سرقة الإبل، وتطلق علي كل جناية. وفي صحيح البخاري أنها البلية. وقال الخليل: هي الفساد في الدين، من الخارب وهو اللص المفسد في الأرض. وقيل: هي العيب انتهي كلامه. فإن قلت: قوله: ((لي)) علي التكلم في قوله: ((وإنما أذن لي)) بعد قوله: ((بقتال رسول الله)) هل يسمى التفاتا؟ قلت: لا؛ لأن السياق في قوله: ((بقتال رسول الله)) حكاية قول المترخص، وسياق هذا البيان الأول الذي تضمنه جواب المترخص، وقضية الالتفات والانتقال من صيغة إلي أخرى تقتضي اتحاد السياق. ويجوز أن يكون التفاتا إذا قدر: فإن ترخص أحد بقتالي، فوضع ((رسول الله)) موضعه تجريدا. الحديث الثاني عن عياش: قوله: ((هذه الحرمة)) إن كان المشار إليه قد سبق من ذكر حرم الله تعالي، إما بقرينة المقام أو الكلام فلا مقال فيه، وإن كان ما في ذهن المتكلم، فيجب بيانه بعد ذلك، كما في قوله تعالي: ﴿هذا فراق بيني وبينك﴾ وقولك: هذا أخوك. اللهم إلا أن يقال: إن الحرمة المعظمة المعهودة عند العرب قاطبة هي حرمة بيت الله وبلده الحرام؛ ولذلك جعل مقيسا عليه ومشبها به، كما مر مراراً.

стр. 1544

(١٥) باب حرم المدينة حرسها الله تعالي الفصل الأول ٢٧٢٨ - عن علي ﵁، قال: ما كتبنا عن رسول الله ﷺ إلا القرآن وما في هذه الصحيفة. قال: قال رسول الله ﷺ : ((المدينة حرام ما بين عير إلي ثور فمن أحدث فيها حدثًا أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ــ باب حرم المدينة حرسها الله تعالي الفصل الأول الحديث الأول عن علي ﵁: قوله: ((ما كتبنا عن رسول الله إلا القرآن وما في هذه الصحيفة)) فإن قلت: قد تقرر عند علماء المعإني أن ما وإلا يفيدان الحصر، وهما أصل في الباب؛ فيفيد التركيب أن عليًا ﵁ ما كتب شيئًا غير القرآن وما في هذه الصحيفة. وقد يوهم خلاف ذلك الجواب ما روينا في مسند الإمام أحمد عن أبي حسان، أن عليًا كان يأمر بالأمر فيؤتى، فيقال: قد فعلنا كذا وكذا، فيقول: صدق الله ورسوله، قال: فقال له الأشتر: إن هذا الذي تقول قد [تفشغ] في الناس، أهو شيء عهده إليك رسول الله ﷺ ؟ قال: ما عهد إلي رسول الله ﷺ شيئًا خاصة دون الناس، إلا شيء، سمعته منه فهو في صحيفة في قراب سيفي. قال: فلم يزالوا به حتى أخرج الصحيفة؛ فإذا فيها ((من أحدث حدثًا)). الحديث ((مح)): هذا تصريح منه ﵁ بإبطال ما تزعمه الشيعة ويفترونه من قولهم: إن عليًا ﵁ أوصى إليه النبي ﷺ بأمور كثيرة من أسرار العلم وقواعد الدين، وأنه ﷺ خص أهل البيت بما لم يطلع عليه غيرهم. فهذه دعاوى باطلة واختراعات فاسدة، لا أصل لها. ويكفي في إبطالها قول علي ﵁ هذا. وفيه دليل علي جواز كتابة العلم. ومعنى تفشغ بالتا، المثناة من فوق والفاء والشين والغين المعجمتين - الظهور والانتشار، كذا في النهاية. قوله: ((ما بين عير إلي ثور)) ((نه)): هما جبلان، أما عير فجبل معروف بالمدينة، وأما ثور فالمعروف أنه بمكة، وفيه الغار الذي بات به النبي ﷺ لما هاجر. وفي رواية قليلة ((بل بين عير واحدًا)) وأحد بالمدينة، فيكون ((ثور)) غلطًا من الراوي، وإن كان هو الأشهر في الرواية والأكثر. وقيل: إن عيرًا جبل بمكة، ويكون المراد منه أنه حرم من المدينة قدر ما بين عير وثور من مكة، وحرم المدينة تحريمًا مثل تحريم ما بين عير وثور بمكة، علي حذف المضاف، ووصف المصدر المحذوف. و ((الحدث)) الأمر الحادث المنكر الذي ليس بمعتاد ولا معروف في السنة. وقوله: ((محدثًا)) بكسر الدال وفتحها علي الفاعل والمفعول، فمعنى الكسر من نصر جإنيا

стр. 1545

لا يقبل منه صرف ولا عدل، ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرفٌ ولا عدلٌ، ومن والي قوما بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل)). متفق عليه. وفي رواية لهما: همن ادعى إلي غير أبيه، أو تولي غير مواليه؛ فعلمه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل)). ــ قول: ((ذمة المسلمين)) ((قض)): الذمة العهد، سمي بها؛ لأنها تذم متعاطيها علي إضاعتها، ((يسعى بها)) يتولاها ويذهب بها، والمعنى أن ذمة المسلمين واحدة، سواء صدرت من واحد أو أكثر، شريف أو وضيع، فإذا أمن أحد من المسلمين كافرًا وأعطاه ذمته، لم يكن لأحد نقضه. ((لا يقبل منه صرف ولا عدل)) أي شفاعة ولا فدية؛ لأنها تعادل المفدي. وقيل: توبة ولا فدية، وقيل: فريضة ولا نافلة. وقوله: ((من والي قومًا بغير إذن مواليه)) قيل: أراد به ولاء الموالاة لا ولاء العتق، والظاهر أنه أراد به ولاء العتق؛ لعطفه علي قوله: ((من ادعى إلي غير أبيه)) والجمع بينهما بالوعيد في الرواية الأخرى، فإن العتق من حيث إن له لحمة كلحمة النسب، فإذا نسب إلي غير من هو له، كان كالدعي الذي تبرأ عمن هو منه، وألحق نفسه بغيره، فيستحق به الدعاء عليه بالطرد والإبعاد عن الرحمة. وقوله: ((بغير إذن مواليه)) ليس لتقييد الحكم بعدم الإذن وقصره عليه، وإنما هو للتنبيه علي ما هو المانع، وهو إبطال حق مواليه والإهانة بهم، وإيراد الكلام علي ما هو الغالب. ((حس)): إذا أعطى واحد من المسلمين أمان أهل الحرب، فإن أمانه ماضٍ، وإن كان المجير عبدًا أو امرأة، وهو أدناهم وأقلهم، وإن لم يكن العبد مأذونًا من القتال ولم يجوز أبو حنيفة. وإنما يصح الأمان من آحاد المسلمين إذا أمن واحدًا أو اثنين، فأما عقد الأمان لأهل ناحية فلا يصح إلا من الإمام. قوله: ((فمن أخفر)) ((نه)): خفرت الرجل أجرته وحفظته، وخفرته إذا كنت له خفيرًا، أي حاميًا وكفيلًا، وتخفرت به إذا استجرت به، والخفارة بالكسر والضم الذمام، وأخفرت الرجل إذا انقضت عهد وذمامه، والهمزة فيه للإزالة، أي أزلت خفارته، كأشكيته إذا أزلت شكواه. والدعوة في النسب بالكسر، هو أن ينتسب الإنسان إلي غير أبيه وعشيرته، وقد كانوا يفعلونه
следующие страницы →