Полный текст (3 308 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
٢٧٢٥ - وعن عبد الله بن عدي بن حمراء [﵁]، قال: رأيت رسول الله ﷺ واقفاً علي الحزورة. فقال: ((والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلي الله، ولولا إني أخرجت منك ما خرجت)). رواه الترمذي وابن ماجه. [٢٧٢٥]
ــ
الحديث الثاني والثالث عن عبد الله: قوله: ((الحزورة)) ((نه)): هو موضع بمكة عند باب الحناطين، وهو بوزن قسورة، قال الشافعي: الناس يشددون الحزورة والحديبية وهما مخففتان.
((تو)): في مجمع الأمثال للميدإني أن وكيع بن سلمة بن زهير بن إياد – وكان ولي أمر البيت بعد جرهم- بني صرحاً بأسفل مكة، وجعل فيه سلما يرقى فيه، ويزعم أنه يناجي الله فوق الصرح، وكان علماء العرب يرون أنه صديق من الصديقين. وكان قد جعل في صرحه ذلك أمة يقال لها: حزورة، وبها سمين حزورة مكة. أقول: قال في الحديث السابق: ((وأحبك إلي)) وفي هذا ((أحب أرض الله إلي الله)) نسب المحبة إلي نفسه أولا؛ لأنه مسقط رأسه، وموضع حل تمائمه. قال الأسدي:
أحب بلاد الله ما بين منعج ... إلي وسلمى أن يصوب سحابها
بلاد بها حل الشباب تمائمي وأول أرض مس جلدي ترابها
ومن ثم من الله تعالي عليه بقوله: ﴿إن الذي فرض عليك القرآن لرآدك إلي معاد﴾.
قيل: نزلت عليه ﷺ حين بلغ الجحفة في مهاجرته، وقد اشتاق رسول الله ﷺ إلي مولده ومولد آبائه وحرم إبراهيم، فنزل جبريل، فقال له: أتشتاق إلي مكة؟ قال: ((نعم))، فأوحاها إليه. وأما نسبته إلي الله تعالي ثإنيا؛ فلأنه حرم الله تعالي المعظم ﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً﴾.
قوله: ((ما سكنت غيرك)) ((مظ)): قاله يوم فتح مكة. قال الشيخ أبو حامد في الإحياء: فلما عاد ﷺ إلي مكة استقبل الكعبة وقال: ((إنك لخير أرض الله- الحديث)) وقيل: أراد بقوله: ﴿لرآدك إلي معاد﴾ رده إليها يوم فتح مكة. ووجه تنكيره أنها كانت في ذلك اليوم معادا له شأن، ومرجعاً له اعتداد؛ لغلبة رسول الله ﷺ وقهره لأهلها، ولظهور عز الإسلام وأهله، وذل الشرك وحزبه.
стр. 1542
الفصل الثالث
٢٧٢٦ - عن أبي شريح العدوي، أنه قال لعمرو بن سعيد، وهو يبعث البعوث إلي مكة: ائذن لي أيها الأمير! أحدثك قولاً به رسول الله ﷺ الغد من يوم الفتح، سمعته أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي حين تكلم به: حمد لله وأثنى عليه، ثم قال: ((إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماُ، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول
ــ
الفصل الثالث
الحديث الأول عن أبي شريح: قوله: ((يبعث البعوث)) وهي جمع بعث بمعني مبعوث الجماعة من الجند الذي يرسله الأمير إلي قتال وفتح بلاد. قوله: ((قام به رسول الله ﷺ ) صفة للمصدر الذي هو بمعنى التحديث، و ((قام)) بمعنى القول، وإنما يقال: قام به إذا كان لذلك القول شأن وتفخيم.
((غب)): كثير من الأفعال التي حث الله علي توفية حقه ذكره بلفظ الإقامة كقوله تعالي: ﴿يقيمون الصلاة﴾، ﴿ولو أنهم أقاموا التوراة﴾ ﴿وأقيموا الوزن بالقسط﴾ وكذا قوله: ((سمعته أذناي)) صفة أخرى. ((مح)): أراد بهذا كله المبالغة في تحقيق حفظه إياه. أقول: وإنما يقال هذا في أمر يعظم مناله ويعثر الوصول إليه. فيؤكد السمع بالأذن والحفظ بالقلب والإبصار بالعين؛ ليؤذن بنيله وتحققه. و ((حمد لله)) بيان لقوله: ((تكلم)).
قوله: ((ولم يحرمها الناس)) ((مح)): أي إن تحريمها بوحي الله، لاباصطلاح الناس عليه بغير أمر الله. أقول: إنما وصف قوله: ((لامرئ)) بالإيمان؛ ليشعر بالعلية، يعني من شأن المؤمن بالله أن لا يخالف أمر الله، ولا يحل ما حرمه الله.
قوله: ((فإن أحد ترخص)) ((ترخص)) مفسر لرافع ((أحد))، كقوله تعالي: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك﴾. وقوله: ((فقولوا)) جواب الشرط، والجملة من الجواب العتيد الذي هيئ قبل مساس الحاجة إليه، فهو أقطع للخصم وأرد لشغبة؛ ولهذا أدرج النظار في أثناء مناظرتهم العمل بالمقتضى الذي هو كذا السالم عن معارضة كذا، فيسلقون دار المعارض قبل الخصم له، فلما سمع عمرو ذلك، رده بقوله: أنا أعلم بذلك منك، يعني صح سماعك وحفظك، وإيرادك المعارضة علي الخصم، لكن ما فهمت المعنى المراد من المقاتلة، فإن ذلك
стр. 1543
الله ﷺ فيها، فقولوا له: إن الله قد أذن لرسوله، ولم يأذن لكم. وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلغ الشاهد الغائب)) فقيل لأبي شريح: ما قال لك عمرو؟ قال: قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح! إن الحرم لا يعيذ عاصياً ولا فارا بدم، ولا فارا بخربة. متفق عليه، وفي البخاري: الخربة: الجناية.
٢٧٢٧ - وعن عياش بن أبي ربيعة المخزومي، قال رسول الله ﷺ : ((لا تزال هذه الأمة بخير ما عظموا هذه الحرمة حق تعظيمها، فإذا ضيعوا ذلك هلكوا)) رواه ابن ماجه. [٢٧٢٧]
ــ
الترخص كان بسبب الفتح عنوة، وليس بسبب قتل من استحقه خارج الحرم، والذي أنا بصدده من القبيل الثاني لا من الأول، فكيف تنكر علي؟ فهو من القول بالموجب. ((مح)): كان ذلك البعث من عمرو بن سعيد إلي مكة لقتال ابن الزبير، وفيه دلالة لمن يقول: فتحت مكة عنوة، وتأويله عند من قول: فتحت صلحا، أنه ﷺ دخلها متهيئاً للقتال لو احتاج إليه. وقد سبق بيانه في حديث ابن عباس ﵄.
و ((الخربة)) تروى بفتح الخاء وإسكان الراء، هذا هو المشهور. ويقال: بالضم، وأصلها سرقة الإبل، وتطلق علي كل جناية. وفي صحيح البخاري أنها البلية. وقال الخليل: هي الفساد في الدين، من الخارب وهو اللص المفسد في الأرض. وقيل: هي العيب انتهي كلامه.
فإن قلت: قوله: ((لي)) علي التكلم في قوله: ((وإنما أذن لي)) بعد قوله: ((بقتال رسول الله)) هل يسمى التفاتا؟ قلت: لا؛ لأن السياق في قوله: ((بقتال رسول الله)) حكاية قول المترخص، وسياق هذا البيان الأول الذي تضمنه جواب المترخص، وقضية الالتفات والانتقال من صيغة إلي أخرى تقتضي اتحاد السياق. ويجوز أن يكون التفاتا إذا قدر: فإن ترخص أحد بقتالي، فوضع ((رسول الله)) موضعه تجريدا.
الحديث الثاني عن عياش: قوله: ((هذه الحرمة)) إن كان المشار إليه قد سبق من ذكر حرم الله تعالي، إما بقرينة المقام أو الكلام فلا مقال فيه، وإن كان ما في ذهن المتكلم، فيجب بيانه بعد ذلك، كما في قوله تعالي: ﴿هذا فراق بيني وبينك﴾ وقولك: هذا أخوك. اللهم إلا أن يقال: إن الحرمة المعظمة المعهودة عند العرب قاطبة هي حرمة بيت الله وبلده الحرام؛ ولذلك جعل مقيسا عليه ومشبها به، كما مر مراراً.
стр. 1544
(١٥) باب حرم المدينة حرسها الله تعالي
الفصل الأول
٢٧٢٨ - عن علي ﵁، قال: ما كتبنا عن رسول الله ﷺ إلا القرآن وما في هذه الصحيفة. قال: قال رسول الله ﷺ : ((المدينة حرام ما بين عير إلي ثور فمن أحدث فيها حدثًا أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين،
ــ
باب حرم المدينة حرسها الله تعالي
الفصل الأول
الحديث الأول عن علي ﵁: قوله: ((ما كتبنا عن رسول الله إلا القرآن وما في هذه الصحيفة)) فإن قلت: قد تقرر عند علماء المعإني أن ما وإلا يفيدان الحصر، وهما أصل في الباب؛ فيفيد التركيب أن عليًا ﵁ ما كتب شيئًا غير القرآن وما في هذه الصحيفة. وقد يوهم خلاف ذلك الجواب ما روينا في مسند الإمام أحمد عن أبي حسان، أن عليًا كان يأمر بالأمر فيؤتى، فيقال: قد فعلنا كذا وكذا، فيقول: صدق الله ورسوله، قال: فقال له الأشتر: إن هذا الذي تقول قد [تفشغ] في الناس، أهو شيء عهده إليك رسول الله ﷺ ؟ قال: ما عهد إلي رسول الله ﷺ شيئًا خاصة دون الناس، إلا شيء، سمعته منه فهو في صحيفة في قراب سيفي. قال: فلم يزالوا به حتى أخرج الصحيفة؛ فإذا فيها ((من أحدث حدثًا)). الحديث
((مح)): هذا تصريح منه ﵁ بإبطال ما تزعمه الشيعة ويفترونه من قولهم: إن عليًا ﵁ أوصى إليه النبي ﷺ بأمور كثيرة من أسرار العلم وقواعد الدين، وأنه ﷺ خص أهل البيت بما لم يطلع عليه غيرهم. فهذه دعاوى باطلة واختراعات فاسدة، لا أصل لها. ويكفي في إبطالها قول علي ﵁ هذا. وفيه دليل علي جواز كتابة العلم. ومعنى تفشغ بالتا، المثناة من فوق والفاء والشين والغين المعجمتين - الظهور والانتشار، كذا في النهاية.
قوله: ((ما بين عير إلي ثور)) ((نه)): هما جبلان، أما عير فجبل معروف بالمدينة، وأما ثور فالمعروف أنه بمكة، وفيه الغار الذي بات به النبي ﷺ لما هاجر. وفي رواية قليلة ((بل بين عير واحدًا)) وأحد بالمدينة، فيكون ((ثور)) غلطًا من الراوي، وإن كان هو الأشهر في الرواية والأكثر. وقيل: إن عيرًا جبل بمكة، ويكون المراد منه أنه حرم من المدينة قدر ما بين عير وثور من مكة، وحرم المدينة تحريمًا مثل تحريم ما بين عير وثور بمكة، علي حذف المضاف، ووصف المصدر المحذوف. و ((الحدث)) الأمر الحادث المنكر الذي ليس بمعتاد ولا معروف في السنة.
وقوله: ((محدثًا)) بكسر الدال وفتحها علي الفاعل والمفعول، فمعنى الكسر من نصر جإنيا
стр. 1545
لا يقبل منه صرف ولا عدل، ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرفٌ ولا عدلٌ، ومن والي قوما بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل)). متفق عليه.
وفي رواية لهما: همن ادعى إلي غير أبيه، أو تولي غير مواليه؛ فعلمه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل)).
ــ
قول: ((ذمة المسلمين)) ((قض)): الذمة العهد، سمي بها؛ لأنها تذم متعاطيها علي إضاعتها، ((يسعى بها)) يتولاها ويذهب بها، والمعنى أن ذمة المسلمين واحدة، سواء صدرت من واحد أو أكثر، شريف أو وضيع، فإذا أمن أحد من المسلمين كافرًا وأعطاه ذمته، لم يكن لأحد نقضه. ((لا يقبل منه صرف ولا عدل)) أي شفاعة ولا فدية؛ لأنها تعادل المفدي. وقيل: توبة ولا فدية، وقيل: فريضة ولا نافلة.
وقوله: ((من والي قومًا بغير إذن مواليه)) قيل: أراد به ولاء الموالاة لا ولاء العتق، والظاهر أنه أراد به ولاء العتق؛ لعطفه علي قوله: ((من ادعى إلي غير أبيه)) والجمع بينهما بالوعيد في الرواية الأخرى، فإن العتق من حيث إن له لحمة كلحمة النسب، فإذا نسب إلي غير من هو له، كان كالدعي الذي تبرأ عمن هو منه، وألحق نفسه بغيره، فيستحق به الدعاء عليه بالطرد والإبعاد عن الرحمة. وقوله: ((بغير إذن مواليه)) ليس لتقييد الحكم بعدم الإذن وقصره عليه، وإنما هو للتنبيه علي ما هو المانع، وهو إبطال حق مواليه والإهانة بهم، وإيراد الكلام علي ما هو الغالب.
((حس)): إذا أعطى واحد من المسلمين أمان أهل الحرب، فإن أمانه ماضٍ، وإن كان المجير عبدًا أو امرأة، وهو أدناهم وأقلهم، وإن لم يكن العبد مأذونًا من القتال ولم يجوز أبو حنيفة. وإنما يصح الأمان من آحاد المسلمين إذا أمن واحدًا أو اثنين، فأما عقد الأمان لأهل ناحية فلا يصح إلا من الإمام.
قوله: ((فمن أخفر)) ((نه)): خفرت الرجل أجرته وحفظته، وخفرته إذا كنت له خفيرًا، أي حاميًا وكفيلًا، وتخفرت به إذا استجرت به، والخفارة بالكسر والضم الذمام، وأخفرت الرجل إذا انقضت عهد وذمامه، والهمزة فيه للإزالة، أي أزلت خفارته، كأشكيته إذا أزلت شكواه. والدعوة في النسب بالكسر، هو أن ينتسب الإنسان إلي غير أبيه وعشيرته، وقد كانوا يفعلونه
стр. 1546
٢٧٢٩ - وعن سعد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إني أحرم ما بين لابتي المدينة: أن يقطع عضاهها، أو يقتل صيدها)). وقال: ((المدينة خيرٌ لهم لوكانوا يعلمون، لايدعها أحدٌ رغبةٌ عنها إلا أبدل الله فيها من هو خيرٌ منه، ولا يثبت أحد علي لأوائها، وجهدها إلا كنت له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة)) رواه مسلم.
ــ
فنهي عنه. وقوله: ((ومن وإلي قومًا بغير إذن مواليه)) أي اتخذهم أولياء له، ظاهره يوهم أنه شرط وليس شرطًا؛ لأنه لايجوز له إذا أذنوا له أن يوالي غيرهم، إنما هو بمعنى التوكيد؛ لتحريمه والتنبيه علي بطلانه، والإرشاد إلي السبب فيه؛ لأنه إذا استأذن أولياءه في موالاة غيرهم منعوه، والمعنى إن سولت له نفسه ذلك فليستأذنهم؛ فإنهم يمنعونه.
الحديث الثاني عن سعد ﵁: قوله: ((أن يقطع عضاهها)) هو بدل اشتمال من ((ما بين لابتي المدينة)). وأنث الضمير في ((عضاهها)) بتأويل الأمكنة. ((نه)): اللابة الحرة، وهي الأرض ذات الحجارة السود التي قد ألبستها لكثرتها، وجمعها لابات، فإذا كثرت فهي اللاب واللوب، مثل قارة وقار وقور، وألفها منقلبة عن واو. ((فا)): اللابة الحرة وجمعها لاب ولوب. والإبل إذا اجتمعت وكانت سوداء سميت لابة، وهي من اللوبان وهي شدة الحر كما أن الحرة من الحر.
قوله: ((وقال: المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون)) ((لو)) إن كانت امتناعية فجوابها محذوف دل عليه ما قبله، هذا إذا كان يجري ((يعلمون)) مجرى اللازم، أي لو كانوا من أهل العلم والمعرفة لعرفوا ذلك وما فارقوا المدينة. وإذا قدر مفعوله، كان المعنى: لو علموا ذلك لما فارقوا المدينة. وإن كانت بمعنى ليت فلا جواب لها. وعلي التقديرين ففيه تجهيل لمن فارقها وآثر غيرها عليها؛ لتفويته علي نفسه خيرًا عظيمًا؛ ولذلك قال: ((إلا أبدل الله فيها من هو خير منه)) كما قال تعالي: ﴿وإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم﴾ أي يخلق قومًا سواكم علي خلاف صفتكم راغبين في الإيمان والتقوى غير متولين عنهما.
قوله: ((عضاهها)) ((نه)): العضاه شجر أم غيلان، وهو شجر عظيم له شوك، الواحد عضة بالتاء وأصلها عضهة، وقيل: واحدتها عضاهة. قوله: ((شفيعًا أو شهيدًا)) ((مح)): قيل: ((أو)) للشك، والأظهر أنها للتقسيم؛ لأن الحديث رواه جابر وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وأبو سعيد وأبو هريرة وغيرهم بهذا اللفظ، ويبعد اتفاقهم علي الشك، فمعناه يكون شهيدًا للمطيعين منهم وشفيعًا للعاصين، أو شهيدًا لمن مات في حياته وشفيعًا لمن مات بعده. قال القاضي
стр. 1547
٢٧٣٠ - وعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: ((لايصبر علي لأواء المدينة وشدتها أحدٌ من أمتي إلا كنت له شفيعًا يوم القيامة)) رواه مسلم.
٢٧٣١ - وعنه، قال: كان الناس إذا رأوا أول الثمرة جاءوا به إلي النبي ﷺ فإذا أخذه قال: ((اللهم بارك لنا في ثمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مدنا، اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك، وإني عبدك ونبيك، وإنه دعاك لمكة وأنا أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه)). ثم قال: يدعو
أصغر وليدٍ له، فيعطيه ذلك الثمر. رواه مسلم.
ــ
عياض: وهذه خصوصية زائدة علي الشفاعة للمذنبين، وللعاملين في القيامة، وعلي شهادته علي جميع الأمة. وقد قال ﷺ في شهداء أحد: ((أنا شهيد علي هؤلاء)) فيكون تخصيصهم بذلك مزية ورفعة منزلة وحظوة.
قوله: ((إلا أبدل الله)) ((مح)): قال القاضي: اختلفوا في هذا فقيل: هو مختص بمدة حياته ﷺ ، وقال آخرون: هو عام أبدًا. واللاواء بالمد الشدة والجوع. والجهد - بالفتح - المشقة، و- بالضم- الوسع والطاقة.
الحديث الثالث والرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((جاءوا به إلي النبي ﷺ ) ((تو)): إنما كانوا يؤثرونه بذلك علي أنفسهم حبًا له وكرامة لوجهه المكرم؛ وطلبًا للبركة فيما جدد الله عليهم من نعمة، ويرونه أولي الناس بما سيق إليهم من رزق ربهم. وأما إعطاؤه ﷺ أصغر وليد يراه، فإنه من تمام المناسبة الواقعة بين الولدان وبين الباكورة، وذلك حدتان عهدهما بالإبداع، فخص به أصغر وليد يراه. أقول: قول الشيخ: أصغر وليد يراه، يؤذن بأن الوليد مطلق، وعليه الرواية الأخرى لمسلم، ((ثم يعطيه أصغر من يحضر من الولدان)) وهذه الرواية وهي قوله: ((ثم يدعو أصغر وليد له)) صريحة بأنه مقيد بأن الوليد له. فإما أن يتأول هذه الرواية وهو الأنسب، أو يحمل المطلق علي المقيد. ((مح)): في إعطائه الوليد الثمر، بيان مكارم أخلاقه ﷺ ، وكمال الشفقة والرحمة وملاطفة الكبار والصغار. وخص به الصغير؛ لكونه أرغب وأكتر تطلعًا إليه وحرصًا عليه. ((شف)): وفي ايثاره علي الغير قمع الشره الموجب لتناوله، وكسر الشهوة المقتضية لذوقه، ومن أن النفوس الزكية لا تركن إلي تناول شيء من أنواع الباكورة، إلا بعد ما عم وجوده، فيقدر كل علي أكله.
وإنما لم يذكر الخلة لنفسه - مع أنه أيضًا خليل الله تعالي، علي ما دل عليه قوله ﷺ في باب مناقب أبي بكر ﵁: ((وقد اتخذ الله صاحبكم خليلًا)) - رعاية للأدب في ترك
стр. 1548
المساواة بين نفسه وبين آبائه وأجداده الكرام. أقول: لو صرح به لقيل: عبدك وحبيبك، وفي عدم تصريحه به مع رعاية الأدب تنبيه علي تنويهه وجلالة شأنه، وأنه أرفع درجة وأعظم قدرًا. ونحوه قوله تعالي: ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم علي بعض- إلي قوله – درجات﴾
الكشاف: الظاهر أنه أراد محمدًا ﷺ ، وفي هذا الإبهام من تفخيم فضله وإعلاء قدره ما لا يخفي؛ لما فيه من الشهادة علي أنه العلم الذي لا يشتبه، والمتميز الذي لا يلتبس. وسئل الحطيئة عن أشعر الناس، فذكر زهيرًا والنابغة، تم قال: ولو شئت لذكرت التالت، أراد نفسه، ولو صرح به لم يفخم أمره.
قوله: ((بارك لنا في مدينتنا)): ((مح)): قال القاضي عياض: البركة تكون بمعنى النماء والزيادة، وبمعنى الثبات واللزوم، ويحتمل أن تكون هذه البركة دينية، وهي ما يتعلق بهذه المقادير من حقوق الله تعالي في الزكوات والكفارات، فتكون بمعنى الثبات والبقاء لها لبقاء الحكم بها ببقاء الشريعة وإثباتها، وأن تكون دنيوية من تكثير المكيال والقدر بها، حتى يكفي منه ما لا يكفي من غيره في غير المدينة، أو ترجع البركة إلي التصرف بها في التجارة وأرباحها وإلي كثرة ما يكال بها من غلاتها وأثمارها، أو لا تساع عيش أهلها بعد ضيقه، لما فتح الله عليهم ووسع من فضله لهم؛ بتمليك البلاد الخصب والريف بالتام والعراق وغيرهما، حتى كثر الحمل إلي المدينة ووسع عيشهم. وفي هذه كلها ظهور إجابة دعوته ﷺ وقبولها. قال الشيخ محيي الدين: والظاهر من هذا كله أن المراد البركة في نفس المكيل بالمدينة بحيت يكفي المد فيها لمن لا يكفيه في غيرها.
أقول: ولعل الظاهر هو قوله: أو لاتساع عيش أهلها – إلي آخره؛ لأنه ﷺ قال: ((وأنا أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة))، ودعاء إبراهيم ﵇ هو قوله: ﴿فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وأرزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون﴾، يعني وارزقهم من الثمرات بأن تجلب إليهم من البلاد؛ لعلهم يشكرون النعمة في أن يرزقوا أنواع الثمرات حاضرة في واد يباب، ليس فيه نجم ولا شجر ولا ماء. لا جرم أن الله أجاب دعوته، فجعله حرمًا آمنًا تجبى إليه ثمرات كل شيء رزقًا من لدنه. ولعمري! إن دعاء حبيب الله ﷺ استجيب لها، وضاعف خيرها علي خيرها، بأن جلب إليها في زمن الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم من
стр. 1549
٢٧٣٢ - وعن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: ((إن إبراهيم حرم مكة فجعلها حرامًا، وإني حرمت المدينة حرامًا ما بين مأزميها أن لا يهراق فيها دمٌ، ولا يحمل فيها سلاحٌ لقتال، ولا تخبط فيها شجرةٌ إلا لعلف)). رواه مسلم.
٢٧٣٣ - وعن عامر بن سعيد: أن سعدًا ركب إلي قصره بالعقيق، فوجد عبدًا يقطع شجرًا، أو يخبطه، فسلبه، فلما رجع سعدٌ جاءه أهل العبد فكلموه أن يرد علي غلامهم أو عليهم ما أخذ من غلامهم. فقال: معاذ الله أن أرد شيئًا نفلنيه رسول الله ﷺ ، وأبي أن يرد عليهم. رواه مسلم.
ــ
مشارق الأرض ومغاربها، من كنوز كسرى وقيصر وخاقان ما لا يحصى ولا يحصر. وفي آخر الأمر بادر الدين إليها من أقاصي الأرض وشاسع البلاد، وهذا معنى قوله ﷺ : ((مثله معه))، وينصر هذا الحديث حديث أبي هريرة ﵁ بعد هذا ((أمرت بقرية تأكل القرى)) ومكة أيضًا من مأكولها كما سنقرر. والله أعلم.
الحديث الخامس والسادس عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((حرمت المدينة)) ((تو)): أراد بذلك تحريم التعظيم دون ما عداه من الأحكام المتعلقة بالحرم. ومن الدليل عليه قوله في هذا الحديث: ((لا يخبط شجرها إلا لعلف))، وأشجار حرم مكة لا يجوز خبطها بحال وصيدها، وإن رأي تحريمه نفر يسير من الصحابة؛ فإن الجمهور منهم لم ينكروا اصطياد الطيور بالمدينة. ولم يبلغنا فيه عن النبي ﷺ نهي من طريق يعتمد عليه. وقد قال لأبي عمير: ((ما فعل النغير؟))، ولو كان حرامًا لم يسكت عنه في موضع الحاجة. و ((حرامًا)) نصب علي المصدر، أي حرمت المدينة فحرمت حرامًا، كقوله تعالي: ﴿أنبتكم من الأرض نباتًا﴾. و ((مأزميها)) بدل من ((المدينة))، ويحتمل آن يكون ((حراما)) مفعول فعل محذوف، أي جعلت حرامًا ما بين مأزميها، و ((ما بين مأزميها)) مفعولًا ثإنيا. والمأزم كل طريق بين جبلين.
وقوله: ((أن لا يهراق فيها دم)) وقع موقع التفسير لما حرم، كأنه قال: وذلك أن لا يهراق فيها دم، وليس من المفعولية في شيء، ولو كان مفعولًا به لقيل: إني حرمت أن يهراق بها دم، والمراد من النهي عن إراقة الدم هو النهي عن القتال فيها. وذلك أن إراقة الدم الحرام ممنوع عنها علي الإطلاق، والمباح منه لم نجد فيه اختلافًا يعتد به إلا في حرم مكة.
((مح)): في الأحاديت الصحيحة حجة ظاهرة للشافعى ومالك وموافقيهما في تحريم صيد المدينة وشجرها. وأباح أبو حنيفة ذلك، [واحتج عليه] بحديت أبي عمير، وأجاب أصحابنا
стр. 1550
٢٧٣٤ - وعن عائشة [﵂] قالت: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة وعك أبو بكر وبلالٌ، فجئت رسول الله ﷺ فأخبرته، فقال: ((اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، وصححها، وبارك لنا في صاعها، ومدها، وانقل حماها فاجعلها بالجحفة)) متفق عليه.
ــ
بأنه يحتمل أن حديت النغير كان قبل تحريم المدينة، أو أنه صاده من الحل لا من الحرم. وهذا الجواب لا يلزمهم علي أصولهم؛ لأن مذهبهم أن صيد الحل إذا أدخله الحلال إلي الحرم ثبت له حكم ما بالحرم. ولكن أصلهم هذا ضعيف؛ فرد عليهم. والمشهور من مذهب مالك والشافعي والجمهور أنه لا ضمان في صيد المدينة وقطع شجرها، بل حرام بلا ضمان، وقال بعض العلماء: يجب فيه الجزاء كحرم مكة، وللشافعي فيه قول قديم: إنه يسلب القاتل؛ لحديت سعد بن أبي وقاص، وقد ذكر مسلم في صحيحه تحريمها مرفوعًا عن النبي ﷺ ، من رواية علي بن أبي طالب ﵁ وسعد بن أبي وقاص وأنس بن مالك وجابر وأبي سعيد وأبي هريرة وغيرهم، فلا يلتفت إلي ما خالف هذه الأحاديت الصحيحة.
وقال الشيخ: ولا يضر الشافعي مخالفة أئمة الأمصار في قوله القديم، إذا كانت السنة معه وعمل الصحابة به، ولم يثبت له دفع، فعلي هذا في كيفية الضمان وجهان أحدهما: يضمن كما يضمن في حرم مكة، وأصحهما أنه يسلب الصائد وقاطع الشجر والكلأ، وفي السلب وجهان أحدهما: ثيابه فقط، وأصحهما ثيابه وفرسه وسلاحه وغير ذلك مما يدخل في سلب القتيل. وفي مصرفه أقوال: أحدها: أنه لمساكين الحرم أو لبيت المال أو للسالب، وهو الأصح لحديث سعد. و ((العلف)) - بإسكان اللام - مصدر علفت علفًا، وبالفتح اسم للحشيش والتبن والشعير ونحوها، وفيه جواز أخذ أوراق الشجر للعلف.
قوله: و ((لا تخبط)) ((نه)): الخبط ضرب الشجر بالعصا ليتناثر ورقها، واسم الورق الساقط خبط - بالتحريك - فعل بمعنى مفعول، وهو من علف الإبل. ((مظ)): ((نفلنيه)) بالتشديد أي جعله لي نفلًا أي غنيمة.
الحديث السابع عن عائشة ﵂: قوله: ((وعك)) ((نه)): الوعك الحمى، وقيل: ألمها وقد وعكه المرض وعكًا فهو موعوك. قوله: ((حبب إلينا المدينة)) سببه أنه ﷺ لما قدم المدينة، وعك أبو بكر وبلال ﵄، قالت عائشة: دخلت عليهما، فقلت: يأبت! كيف تجدك؟ ويا بلال! كيف تجدك؟ وكان أبو بكر إذا أخذته الحمى، يقول:
كل امريء مصبح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله
وكان بلال إذا أقلع عنه الحمى يرفع عقيرته، فيقول:
стр. 1551
٢٧٣٥ - وعن عبد الله بن عمر في رؤيا النبي ﷺ في المدينة: ((رأيت امرأة سوداء، ثائرة الرأس، خرجت من المدينة حتى نزلت مهيعة، فتأولتها: أن وباء المدينة نقل إلي مهيعة وهي الجحفة)) رواه البخاري.
٢٧٣٦ - وعن سفيان بن أبي زهير [﵁] قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((يفتح اليمن فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لوكانوا يعلمون. ويفتح الشام فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خيرٌ لهم لوكانوا يعلمون .. ويفتح العراق فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون)) متفق عليه.
ــ
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد وعندي إذخر وجليل
وهل أردن يومًا مياه مجنة وله يبدون لي شامة وطفيل
فجئت رسول الله ﷺ فأخبرته، فقال: ((اللهم حبب إلينا المدينة)).
قوله: ((فاجعلها بالجحفة)) ((مح)): قال الخطابي وغيره: كان ساكنو الجحفة في ذلك الوقت يهودًا. وفيه دليل علي جواز الدعاء علي الكفار بالأمراض والأسقام والهلاك، والدعاء للمسلمين بالصحة وطيب بلادهم والبركة فيها وكشف الضر والشدائد عنهم، وفيه إظهار معجزة رسول الله ﷺ ؛ فإن الجحفة من يومئذ محمةٌ، فمن شرب من مائها حم.
الحديث الثامن عن عبد الله بن عمر ﵄: قوله: ((في رؤيا النبي ﷺ ) أي قال لي حديث رؤيا النبي في شان المدينة ((رأيت امرأة سوداء)) فيكون قوله: ((رأيت امرأة سوداء)) حكاية حكاها ابن عمر عن رسول الله ﷺ . قوله: ((مهيعة)) ((تو)): مهيعة هي الجحفة، وأرض مهيعة أي مبسوطة، وبها كانت تعرف، فلما ذهب السيل بأهلها سميت جحفة. والوباء مرض عام، وأرض موبوءة إذا كثر مرضها، والوباء يمد ويقصر، وكانت الجحفة بعد رؤياه هذه أكثر أرض الله وباء، ومنها غدير خم أو خم البلاد ماء وهواء، وقد ذكر عن الأصمعي أنه قال: لم يولد بغديرخم أحد فعاش إلي أن يحتلم إلا أن يتحول منها.
((مح)): الوباء الموت الذريع، ويطلق أيضًا علي الأرض الوخمة التي تكثر بها الأمراض، لا سيما للغرباء. فإن قيل: كيف قدموا علي الوباء، وفي الحديث الصحيح النهي عن القدوم إلي الوباء؟ أجاب القاضي أن هذا القدوم كان قبل النهي، أو أن النهي عنه إنما هو في القدوم علي الوباء الذريع والطاعون، وما كان في المدينة إنما هو من القبيل الثاني، يدل عليه قوله: ((وانقل حماها)) في الحديث السابق.
الحديث التاسع عن سفيان: قوله: ((يبسون)) ((نه)): يقال: بست الناقة وأبستها، إذا سقتها
стр. 1552
٦٧٣٧ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أمرت بقرية تأكل القرى يقولون: يثرب، وهي المدينة تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد)). متفق عليه.
ــ
وزجرتها، وقلت لها: بس بكسر الباء وفتحها. ((تو)) و ((قض)): المعنى أنه يفتح اليمن فأعجب قومًا بلادها وبلهنية أهلها، فيحملهم علي المهاجرة إليها بأنفسهم وأموالهم حتى يخرجوا منها، والحال أن المدينة خير لهم؛ لأنها حرم الرسول ﷺ وجواره ومهبط الوحي ومنزل البركات، لو كانوا يعلمون ما فيها والإقامة بها من الفوائد الدينية والعواتد الأخروية، التي يستحقر دونها ما يجدونه من الحظوظ الفإنية العاجلة بسبب المهاجرة عنها والإقامة في غيرها. ((مظ)): أخبر ﷺ في أول الهجرة إلي المدينة بأن سيفتح اليمن فيأتي من اليمن قوم إلي المدينة، حتى يكثر أهل المدينة، والمدينة خير لهم من غيرها.
أقول: الوجه هو الأول؛ لأن تنكير ((قوم)) ووصفه بقوله: ((يبسون)) ثم توكيده بقوله: ((لوكانوا يعلمون)) لا يساعد الثاني. بيانه أن تنكير ((قوم)) لتحقيرهم وتوهين أمرهم، ثم الوصف بـ ((يبسون)) - وهو سوق الدواب - يشعر بركاكة عقولهم، وأنهم ممن ركنوا إلي الحظوظ البهيمية، وحطام الدنيا الفإنية العاجلة، وأعرضوا عن الإقامة في جوار رسول الله ﷺ ومهبط الوحي ومنزل البركات؛ ولذلك كرر قومًا ووصفه في كل قرينة بـ ((يبسون)) استحضارًا لتلك الهيئة القبيحة. ومعنى ((لو كانو يعلمون)) قد سبق في الحديث الثالث، والذي يقتضي هذا المقام أن ينزل ((يعلمون)) منزلة اللازم؛ لينتفي عنهم العلم والمعرفة بالكلية، ولو ذهب مع ذلك إلي معنى التمني لكان أبلغ؛ لأن معنى التمني طلب ما لا يمكن حصوله، أي ليتهم كانوا من أهل العلم تغليظًا وتشديدًا.
الحديث العاشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((بقرية)) ((تو)) و ((قض)): أي بنزولها واستيطانها، ((تأكل القرى)) أي تغلبها وتظهر عليها، بمعنى أن أهلها تغلب أهل سائر البلاد فتفتح منها، يقال: أكلنا بني فلان أي غلبناهم وظهرنا عليهم؛ فإن الغالب المستولي علي الشيء كالمغني له إفناء الأكل إياه، و ((يثرب)) من أسماء المدينة، سميت باسم واحد من العمالقة نزل بها، وكانت تدعى به قبل الإسلام، فلما هاجر الرسول ﷺ كره ذلك؛ لما فيه من إيهام معنى التثريب أو غيره، فبدله بطابة والمدينة؛ ولذلك قال: يقولون ذلك، والاسم الحقيق بأن تدعى به هي المدينة، وهي فعيلة من مدن بالمكان إذا قام به، وإنما قلنا: إنه الحقيق بأن يدعى بها؛ لأن التركيب يدل علي التفخيم، كقول الشاعر:
هم القوم كل القوم يا أم خالد!
أي هي المستحقة لأن تتخذ دار إقامة. ((مح)):حكي عن عيسى بن دينار: أن من سماها يثرب
стр. 1553
٢٧٣٨ - وعن جابر بن سمرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن الله سمى المدينة طابة)). رواه مسلم.
٢٧٣٩ - وعن جابر بن عبد الله: أن أعرابيًا بايع رسول الله ﷺ ، فأصاب الأعرابي وعك بالمدينة، فأتى النبي ﷺ فقال: ((يا محمد! أقلني بيعتي، فأبي رسول الله صلي الله عليه، ثم جاءه فقال: أقلني يعتي، فأبي، ثم جاءه فقال: أقلني بيعتي. فأبي، فخرج الأعرابي. فقال رسول الله ﷺ : ((إنما المدينة كالكير تنفي خبثها وتنصع طيبها)) متفق عليه.
ــ
كتبت عليه خطيئة، وذلك لأن التثريب هو التوبيخ والملامة، وكان ﷺ يحب الاسم الحسن ويكره القبيح، وأما تسميتها في القرآن بيثرب، فهي حكاية قول المنافقين والذين في قلوبهم مرض.
أقول: وتحقيق ذلك إنما يتبين ببيان النظم؛ فنقول - وبالله التوفيق -: إن الله تعالي سمى المدينة؛ لكونها دار الهجرة ومكان ظهور الإيمان، في قوله: ﴿والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم﴾ وأمر رسوله ﷺ بالاستيطان والإقامة بها في هذا الحديث، ووصفها بأنها تأكل القرى، بمعنى أن الذين تبوءوها دارًا وإيمانًا من الأنصار ينصرون رسول الله ونبيه ﷺ علي أعدائه، ويفتحون سائر ما حولها من القرى والمدن حتى مشارق الأرض ومغاربها ثم استأنف قول الحساد من اليهود والمنافقين، بأنهم يقولون: إنها يثرب توبيخًا وتعييرًا، وأنها ليست موضع إقامة واستيطان للمؤمنين، والحال بخلافه؛ إذ هي موضع استقرار واستيطان لمثلي ومثل أنصار ديني، لكي نجلي مثل أولئك الخبثة الأشرار من اليهود إلي أقاصى الشام، ونستأصل شأفة المنافقين من أصلها، كما ينفي الكير خبث الحديد. فظهو من هذا أن من يحقر شأن ما عظمها، ومن وصف ما سماه الله تعالي بالإيمان بما لايليق به، يستحق أن يسمى عاصيًا بل هو كافر. والله أعلم.
الحديث الحادي عشر عن جابر ﵁: قوله: ((طابة)) ((نه)): إنه ﷺ أمر أن تسمى بها، وسماها طيبة وطابة، وهما تإنيث طيب، وطاب بمعنى الطيب، وقيل: هو من الطيب الطاهر؛ لخلوصها من الشرك وتطهيرها منه.
الحديث الثاني عشر عن جابر ﵁: قوله: ((بايع رسول الله ﷺ ) ((مح)) قالوا: إن هذا الأعرابي كان ممن هاجر وبايع النبي ﷺ علي المقام معه في المدينة، وقيل: يحتمل أن
стр. 1554
٢٧٤٠ - وعن أي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تقوم الساعة حتى تفي المدينة شرارها كما ينفي الكير حبث الحديد)). رواه مسلم.
٢٧٤١ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((علي أنقاب المدينة ملائكةٌ، لا يدخلها الطاعون، ولا الدجال)) متفق عليه.
ــ
تكون بيعته بعد فتح مكة وسقوط الهجرة، وإنما بايع للإسلام، والصحيح الأول. وقالوا: إنما لم تقبل بيعته؛ لأنه لا يجوز لمن أسلم أن يترك الإسلام، ولا لمن هاجر إلي النبي ﷺ للمقام عنده أن يترك الإقامة معه ويذهب إلي وطنه. وقوله: ((تنصع)) بفتح التاء والصاد المهملة، أي تصفو وتخلص وتميز، والناصع الصافي الخالص، ولفظ جامع الأصول ((تصنع)) بالصاد المهملة والنون، وقال: هكذا هو الرواية.
قوله: ((كالكير)) ((تو)): كير الحداد هو المبني من الطين، وقيل: الكير الزق، والكور ما بني من الطين، وأصل الكلمة من الكور الزيادة، وضموا الكاف علي الأصل في أحدهما، وكسروها في الآخر؛ للفرق بين البنائين. و ((خبثها)) - مفتوحة الخاء والباء - ما تبرزه النار من الجواهر المعدنية فيخلصها بما يميزه عنها من ذلك، وتروى مضمومة الخاء ساكنة الباء، أي الشيء الخبيث، والأول أشبه لمناسبته الكير، وأنت ضمير الخبث؛ لأنه نزل المدينة بمنزلة الكير، فأعاد الضمير إليها، ويروى ((طيبها)) - بكسر الطاء وضم الباء - ويروى بفتح الطاء وكسر الياء المشددة، وهي الرواية الصحيحة، وهو أقوم معنى؛ لأنه ذكر في مقابلة الخبيث، وأية مناسبة بين الكير والطيب! شبه رسول الله ﷺ المدينة وما يصيب ساكنها من الجهد والبلاء بالكير، وما يوقد عليه في النار، فيميز به الخبيث من الطيب فيذهب الخبيث ويبقى الطيب فيه أزكى ما كان وأخلص، وكذلك المدينة تنفي شرارها بالحمى والوصب والجوع، وتطهر خيارهم وتزكيهم.
الحديث الثالث عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((حتى تنفي المدينة شرارها)) يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون ذلك في زمن النبي ﷺ ؛ لأن بعثته من أشراط الساعة وعلاماتها، وثإنيهما: أن يكون في آخر الزمان وخروج الدجال، وذلك أنه يقصد المدينة فترجف المدينة ثلاث رجفات، فيخرج إليه كل كافر ومنافق. ((مح)): يحتمل أن يكون مختصًا بزمن الدجال، وأن يكون في أزمنة متفرقة.
الحديث الرابع عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((علي أنقاب المدينة)) ((نه)): هي جمع قلة للنقب، وهو الطريق بين الجبلين. قوله: ((لا يدخلها)) جملة مستأنفة بيان لموجب استقرار الملائكة علي الأنقاب، واستقرارهم عليها إما علي التمثيل، يعني أن الله تعالي منعها أن يصيب أهلها، أو الحقيقة فيكون منع الطاعون عن دخول الأنقاب علي سبيل التغليب.
стр. 1555
٢٧٤٢ - وعن أنس: قال رسول الله ﷺ : ((ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة ليس نقبٌ من أنقابها إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها، فينزل السبخة فتربحف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فيخرج إليه كل كافر ومنافق) متفق عليه.
٢٧٤٣ - وعن سعد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يكيد أهل المدينة أحدٌ إلا انماع كما ينماع الملح في الماء)) متفق عليه.
٢٧٤٤ - وعن أنس: أن النبي ﷺ كان إذا قام من سفرٍ فنظر إلي جدرات المدينة، أوضع راحلته، وإن كان علي دابة حركها من حبها. رواه البخاري.
الحديث الخامس عشر عن أنس ﵁: قوله: ((إلا سيطؤه الدجال)) خبر ((ليس))، أي ليس بلد من البلاد يسكن الناس فيه وله شأن، إلا سيدخله الدجال، وقوله: ((إلا مكة)) مستثنى من المستثنى. قوله: ((السبخة)) ((نه)): هي الأرض التي تعلوها الملوحة، ولا تكاد تنبت إلا بعض الشجر، وجمعها السباخ. قوله: ((بأهلها)) الباء يحتمل أن تكون سببية، أي تتزلزل وتضطرب بسبب أهلها؛ لينفض إلي الدجال الكافر والمنافق، وأن يكون حالًا، أي ترجف ملتبسة بأهلها. ((مظ)): ((ترجف المدينة بأهلها)) أي تحركهم وتلقي ميل الدجال في قلب من ليس بمؤمن خالص، فعلي هذا الباء صلة الفعل.
الحديث السادس عشر عن سعد ﵁: قوله: ((كما ينماع)) ((نه)): أي يذوب ويجري، ماع الشيء يميع وإنما ينماع إذا ذاب وسال. أقول: وفيه معنى قوله تعالي: ﴿ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله﴾ شبه أهل المدينة مع وفور علمهم وصفاء قريحتهم بالماء، وشبه من يريد المكيد بهم بالملح؛ لأن نكاية كيدهم لما كانت راجعة إليهم شبهوا بالملح الذي يريد إفساد الماء، فيذوب هو بنفسه.
فإذ قلت: يلزم علي هذا كدورة أهل المدينة بسبب فنائهم. قلت: المراد مجرد الإفناء، ولا يلزم في وجه التشبيه أن يكون شاملًا لجميع أوصاف المشبه به، نحو قولهم: النحو في الكلام كالملح في الطعام.
((مح)): يعني من أراد المكر بهم لا يمهله الله تعالي، ولم يمكن له سلطانًا بل يذهبه عن قريب، كما انقضى شأن من حاربها أيام بني أمية مثل مسلم بن عقبة؛ فإنه هلك في منصرفه عنها، ثم هلال بن يزيد بن معاوية وغيرهما ممن صنع صنيعهما. وقيل: المراد من كادها اغتيالًا وطلبًا لغرتها في غفلة، فلايتم له أمر، بخلاف من أتاها جهارًا.
стр. 1556
٢٧٤٥ - وعنه، أن النبي ﷺ طلع له أحدٌ، فقال: ((هذا جبل يحبنا ونحبه، اللهم إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم ما بين لا بتيها)) متفق عليه.
٢٧٤٦ - وعن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أحد جبلٌ يحبنا ونحبه)) رواه البخاري.
الفصل الثاني
٢٧٤٧ - عن سليمان بن أبي عبد الله، قال: رأيت سعد بن أبي وقاص أخذ رجلًا يصيد في حرم المدينة الذي حرم رسول الله ﷺ ، فسلبه ثيابه، فجاء مواليه،
ــ
الحديث السابع عشر عن أنس ﵁: قوله: ((حركها)) خص الحركة بالدابة نحو الفرس والبغل والحمار، والوضع بالراحلة أي البعير؛ لأن الوضع مختص به. ((نه)): يقال: وضع البعير يضع وضعًا وأوضعه راكبه إيضاعًا، إذا حمله علي سرعة السير. أقول: قوله: ((من حبها)) تنازع فيه ((أوضع)) و ((حرك)) وأنشد في معناه:
إذا دنت المنازل زاد شوقي ولا سيما إذا بدت الخيام
فلمح العين دون الحي شهر ورجع الطرف دون السير عام
الحديث الثامن عشر والتاسع عشر عن أنس ﵁: قوله: ((هذا جبل يحبنا ونحبه)) ((نه)): هذا محمول علي المجاز، أراد أنه جبل يحبنا أهله ونحب أهله وهم الأنصار، ويجوز أن يكون من باب المجاز الصريح، أي إننا نحب الجبل بأهله؛ لأنه في أرض من نحب. ((مظ)): أراد به المدينة وسكانها، كما قال تعالي: ﴿وسئل القرية﴾ أي أهلها. ((حس)): الأولي إجراؤه علي ظاهره، ولا ننكر وصف الجمادات بحب الأنبياء والأولياء وأهل الطاعة، كما حنت الإسطوانة علي مفارقته، حتى سمع القوم حنينها إلي أن سكنها النبي ﷺ ، وكما أخبر ﷺ أن حجرًا كان يسلم عليه قبل الوحي، فلا ينكر أن يكون جبل أحد وجميع أجزاء المدينة كانت تحبه، وتحن إلي لقائه حال مفارقته. أقول: هذا هو المختار الذي لا محيد عنه؛ وإن كان ما قاله الشيخ التوربشتى، ولعله أراد بالجبل أرض المدينة كلها؛ وإنما خص الجبل بالذكر؛ لأنه أول ما يبدو من أعلامها؛ له وجه مناسبة بالحال؛ لقوله في الحايث أولًا: ((طلع له أحد)) وثإنيا: ((اللهم إن إبراهيم حرم مكة)) إلي آخره. وإلي المعنى الأول تلميح قول بلال: وهل يبدون لي شامة وطفيل؟ وليس المتمني ظهور هذين الجبلين، بل لأنهما من أعلام مكة.
الفصل الثاني
الحايث الأول عن سليمان: قوله: ((ثيابه)) بدل اشتمال من الضمير في ((سلبه)) وتكريره
стр. 1557
فكلموه فيه. فقال: إن رسول الله ﷺ حرم هذا الحرم وقال: ((من أخذ أحدًا يصيد فيه فليسلبه)) فلا أرد عليكم طعمة أطعمنيها رسول الله ﷺ ، ولكن إن شئتم دفعت إليكم ثمنه. رواه أبو داود. [٢٧٤٧]
٢٨٤٨ - وعن صالح مولي لسعد، أن سعدًا وجد عبيدًا من عبيد المدينة يقطعون من شجر المدينة، فأخذ متاعهم وقال- يعني لمواليهم-: سمعت رسول الله ﷺ ينهي أن يقطع من شجر المدينة شيءٌ، وقال: ((من قطع منه شيئًا فلمن أخذه سلبه)) رواه أبو داود. [٢٧٤٨].
٢٧٤٩ - وعن الزبير، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن صيد وج وعضاهه حرمٌ محرمٌ لله)) رواه أبو داود. وقال محيي السنة: ((وج)) ذكروا أنها من ناحية الطائف وقال الخطأبي: ((نه)) بدل ((أنها)). [٢٧٤٩]
٢٧٥٠ - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من استطاع أن يموت
ــ
وصف الحرم تارة بقوله: ((في حرم المدينة الذي حرم رسول الله ﷺ ) وتارة بقوله: ((حرم هذا الحرم)) دليل علي أنه اعتقد أن تحريمها كتحريم مكة. قوله: ((دفعت إليكم)) ((مظ)): دفع الثمن إليهم تبرع منه عليهم؛ لأن السلب لو لم يكن جاظزًا للزمه أن يرد ما أخذه، وإذا لم يلزمه رد ما أخذ لم يلزمه قيمته أيضًا.
الحديث الثاني والثالث عن الزبير: قوله: ((إن صيد وج)) قيل: إنها من ناحية الطائف. ((خط)): لست أعلم لتحريمه ﷺ وجا معنى إلا أن يكون علي سبيل الحمى لنوع من منافع المسلمين، وقد يحتمل أن يكون ذلك التحريم في وقت معلوم وفي مدة محصورة، ثم نسخ كسائر بلاد الحل. ذكر الشافعي أنه لا يصاد فيه، ولا يعضد شجره، ولم يذكر فيه ضمانًا، وفي هذا المعنى النقيع. ((حس)): حماه رسول الله ﷺ نظرًا لعامة المسلمين لإبل الصدقة ونعم الجزية، فيجوز الاصطياد فيه؛ لأن المقصود منه منع الكلأ من العامة، ولا يجوز بيع النقيع، ولا بيع شيء من أشجاره كالموقوف. قوله: ((حرم)) أي حرام، وهما لغتان كحل وحلال، و ((محرم)) جيء به علي وجه التأكيد لقوله: ((حرم)) وقوله: ((لله)) متعلق بالتحريم، أي حرم الله ذلك. قوله: وقال الخطابي: ((أنه)) التإنيث بحسب البقعة، والتذكير بحسب البلد.
الحديث الرابع عن ابن عمر ﵄: قوله: ((فليمت بها)) أمر له بالموت بها، وليس ذلك من استطاعته بل هو إلي الله تعالي، لكنه أمر بلزومها والإقامة بها بحيث لا يفارقها،
стр. 1558
بالمدينة فليمت بها، فإني أشفع لمن يموت بها)). رواه أحمد، والترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيحٌ، غريبٌ، إسنادًا. [٢٧٥٠]
٢٧٥١ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((آخر قرية من قرى الإسلام خرابًا المدينة)). رواه الترمذي وقال: هذا حديثٌ محسنٌ غريبٌ.
٢٧٥٢ - وعن جرير بن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: ((إن الله أوحى إلي: أي هؤلاء الثلاثة نزلت فهي دار هجرتك المدينة، أو البحرين، أو قنسرين)). رواه الترمذي. [٢٧٥٢]
الفصل الثالث
٢٧٥٣ - عن أبي بكرة، عن النبي ﷺ قال: ((لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال، لها يومئذ سبعة أبواب، علي كل باب ملكان)) رواه البخاري.
٢٧٥٤ - وعن أنس، عن النبي ﷺ قال: ((اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة)) متفق عليه.
ــ
فيكون ذلك سببًا لأن يموت فيها، فأطلق المسبب وأراد السبب، كقوله تعالي: ﴿فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾.
الحديث الخامس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((المدينة)) لأنها دار الهجرة للنبي ﷺ ، وبها أقام وفيها دفن.
الحديث السادس عن جرير ﵁: قوله: ((أي هؤلاء)) ((شف)): ((أي)) ظرف لـ ((نزلت)) مقدم عليه للاستفهام، و ((القنسرين)) بلد بالشام و ((البحرين)) جزيرة ببحر عمان.
الفصل الثالث
الحديث الأول والثاني عن أنس ﵁: قوله: ((رعب المسيح)) مبالغة؛ لأن خوفه إذا لم يكن يدخلها فهي بالطريق الأولي أن لا يدخلها المخذول، ويغتالها، نحوه قوله ﷺ : ((نصرت بالرعب مسيرة شهر)). قوله: ((ضعفي ما جعلت بمكة)) معناه ما سبق في الحديث الثالث من الفصل الأول في قوله: ((بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه)).
стр. 1559
٢٧٥٥ - وعن رجل من آل الخطاب، عن النبي ﷺ قال: ((من زارني متعمدًا كان في جواري يوم القيامة، ومن سكن المدينة وصبر علي بلائها كنت له شهيدًا وشفيعًا يوم القيامة، ومن مات في أحد الحرمين بعثه الله من الآمنين يوم القيامة)). [٢٧٥٥].
٢٧٥٦ - وعن ابن عمر مرفوعًا: ((من حج، فزار قبري بعد موتي؛ كان كمن زارني في حياتي)). رواهما البيهقي في ((شعب الإيمان)) [٢٧٥٦].
٢٧٥٧ - وعن يحيى بن سعيد، أن رسول الله ﷺ كان جالسًا وقبرٌ يحفر بالمدينة، فاطلع رجلٌ في القبر، فقال: بئس مضجع المؤمن! فقال رسول الله ﷺ : ((بئس ما قلت!)) قال الرجل: إني لم أرد هذا، إنما أردت القتل في سبيل الله. فقال رسول الله ﷺ : ((لا مثل القتل في سبيل الله، ما علي الأرض بقعةٌ أحب إلي أن يكون قبري بها منها)) ثلاث مرات. رواه مالك مرسلًا [٢٧٥٧].
ــ
الحديث الثالث عن رجل: قوله: ((من زارني متعمدًا)) فيه وجهان: أحدهما: أن لا يقصد غيرها، وسمعت أن بعض العارفين حين قصد حجة الإسلام، لم يزر النبي ﷺ ، فقيل له في ذلك، فقال: أتجرد للزيارة نية أخرى فأزوره. وثإنيهما: أن يقعدهما معًا، وينوي الحجة والزيارة بحيث لا تشوبه شائبة من أغراض الدنيا، ولو قصد مكة فحسب، فهجم علي الزيارة اتفاقًا لا يكون متعمدًا.
الحديث الرابع عن ابن عمر ﵄: قوله: ((فزار)) الفاء ليست للتعقيب؛ لأن من لم يعقب الزيارة بالحج لا يخرج من هذا الوعد، بل هو للتفاوت في رتبتها كقولك: خذ الأفضل فالأفضل واعمل الأحسن فالأجمل. وهذا التفسير يؤيد الوجه الثاني في الحديث السابق.
الحديث الخامس عن يحيى: قوله: ((وقبر يحفر)) حال من الضمير في ((جالسًا)) لا من اسم ((كان))؛ لأنه مختلف فيه، والمخصوص بالذم في قوله: ((بئس مضجع المؤمن)) محذوف، أي هذا، وقوله: ((لم أرد هذا)) يعني ما أردت أن القبر بئس مضجع المؤمن مطلقًا، بل أردت أن
стр. 1560
٢٧٥٨ - وعن ابن عباس، قال: قال عمر بن الخطاب: سمعت رسول الله ﷺ وهو بوادي العقيق يقول: ((أتإني الليلة آت من ربي، فقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرةٌ في حجة)). وفي رواية: ((قل: عمرةٌ وحجةٌ)) رواه البخاري.
موت المؤمن في الغربة شهيدًا خير من موته في فراشه وبلده، فأجاب رسول الله ﷺ بقوله: ((لا مثل القتل)) أي ليس الموت بالمدينة مثل القتل في سبيل الله أي في الغربة بل هو أفضل وأكمل فوضع قوله: ((ما علي الأرض بقعة)) إلي آخره موضع قوله: ((بل هو أفضل وكمل)) فإذن ((لا)) بمعنى ((ليس)) واسمه محذوف، و ((مثل القتل)) خبره.
الحديث السادس عن ابن عباس ﵄: قوله: ((وقل: عمرة في حجة)) أي احسب صلاتك في هذا الوادي المبارك واعتدها بعمرة داخلة في حجة، ((نه)): العرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال، وقد سبق بحثه. والله أعلم بالصواب.
стр. 1561
كتاب البيوع
(١) باب الكسب وطلب الحلال
الفصل الأول
٢٧٥٩ - عن المقداد بن معدي كرب، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يديه، وإن نبي الله داود ﵇ كان يأكل من عمل يديه)). رواه البخاري.
٢٧٦٠ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله طيب لا يقبل إلا
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة علي خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين.
كتاب البيوع
قال الأزهري: تقول العرب: بعت بمعنى بعت ما كنت ملكته، وبعت بمعنى اشتريت، قال: وكذلك شريت بالمعنيين؛ لأن الثمن والمثمن كل منهما مبيع، ويقال: بعته أبيعه وهو مبيع ومبيوع. قال الخليل: المحذوف من ((مبيع)) واو مفعول؛ لأنها زائدة فهي أولي بالحذف، وقال الأخفش: المحذوف عين الكلمة، قال المازرى: كلاهما حسن، وقول الأخفش أقيس.
باب الكسب وطلب الحلال
الفصل الأول
الحديث الأول عن المقداد: قوله: ((ما أكل أحد)) ((مظ)): فيه تحريض علي الكسب الحلال، فإنه متضمن فوائد كثيرة، منها: إيصال النفع إلي المكتسب بأخذ الأجرة إن كان العمل لغيره، وبحصول الزيادة علي رأس المال إن كان العمل تجارة. ومنها: إيصال النفع إلي الناس بتهيئة أسبابهم، من نحو ثيابهم وخياطتهم ونحوهما مما يحصل بالسعي، كغرس الأشجار وزرع الأقوات والثمار. ومنها: أن يشتغل الكاتب به فيسلم عن البطالة واللهو. ومنها: كسر النفس به، فيقتل طغيانها ومرحها. ومنها: أن يتعفف عن ذلة السؤال والاحتياج إلي الغير. وشرط المكتسب أن لا يعتقد الرزق من الكسب، بل من الله الكريم الرزاق ذي القوة المتين. ثم قوله: ((إن نبي الله داود)) إلي آخره توكيد للتحريض وتقرير له، يعني الاكتساب من سننن الأنبياء؛ فإن نبي الله داود كان يعمل السرد ويبيعه لقوته، فاستنوا به.
الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لا يقبل إلا طيبًا)) ((قض)): الطيب ضد
стр. 1562
طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحًا﴾، وقال: ﴿يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾، ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث، أغبر، يمد يديه إلي السماء: يارب! يارب ومطعمه حرامٌ، ومشربه حرامٌ، وملبسه حرامٌ، وغذي بالحرام، فإني يستجاب لذلك؟!. رواه مسلم.
الخبيث، فإذا وصف به الله تعالي أراد به أنه منزه عن النقائص، مقدس عن الآفات والعيوب، وإذا وصف به العبد مطلقًا أريد به أنه المتعري عن رذائل الأخلاق وقبائح الأعمال والمتحلي بأضداد ذلك، وإذا وصف به الأموال أريد به كونه حلالًا من خيار المال. ومعنى الحديث أنه تعالي منزه عن العيوب فلا يقبل ولا ينبغي أن يتقرب إليه إلا بما يناسبه في هذا المعنى، وهو خيار أموالكم الحلال كما قال تعالي: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾. قوله: ((ثم ذكر الرجل يطيل السفر)) ((شف)): ((يطيل)) محله نصب صفة لـ ((الرجل))؛ لأن الجنس المعروف بمنزلة النكرة، كقوله:
ولقد أمر علي اللثيم يسبني
أقول: قوله: ((ثم ذكر الرجل)) يريد الراوي أن رسول الله ﷺ عقب كلامه بذكر الرجل الموصوف، استبعادًا أن الله تعالي يقبل دعاء آكل الحرام لبغضه الحرام، وبعد مناسبته عن جنابه الأقدس، فأوقع فعله علي ((الرجل)) ونصبه، ولو حكى لفظ رسول الله ﷺ رفع ((الرجل)) بالابتداء، والخبر ((يطيل)) نحوه أنشد في الكشاف:
وجدنا في كتاب بني تميم ... أحق الخيل بالركض المعار
فإن قوله: أحق الخيل إن رفع كان علي الحكاية، وإن نصب كان مفعولًا لـ ((وجد)).
وقوله: ((أشعث وأغبر)) حالان مترادفان من فاعل ((يطيل)) وما يتلوهما من الأحوال كلها متداخلات، فقوله: ((يمد يديه)) حال من ضمير ((أشعث))، وقوله: ((يارب)) حال من فاعل ((يمد)) أي يمد يديه قائلًا: يارب، وقوله: ((مطعمه وملبسه وغذى)) حال من فاعل ((قائلًا))، وكل هذه الحالات دالة علي غاية الاستحقاق الداعي للإجابة، ودلت تلك الخيبة علي أن الصارف قوي والحاجز مانع شديد.
((تو)): أراد بالرجل الحاج الذي أثر فيه السفر وأخذ منه الجهد، وأصابه الشعث وعلاه
стр. 1563
٢٧٦١ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يأتي علي الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ منه، أمن الحلال أم من الحرام)). رواه البخاري.
الغبر، فطفق يدعو الله علي هذه الحالة، وعنده أنها من مظان الإجابة، فلا يستجاب له ولا يعبأ ببؤسه وشقائه؛ لأنه ملتبس بالحرام، صارف النفقة من غير حلها. أقول: فإذا كان حال الحاج الذي هو في سبيل الله هذا فما بال غيره؟ وفي معناه أمر المجاهد في سبيل الله؛ لقوله ﷺ : ((طوبي لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه)).
قوله: ((وغذى)) ((مح)): هو بضم الغين وكسر الذال المعجمة المخففة، وفي نسخ المصابيح وقعت مقيدة بالتشديد. ((شف)): ذكر قوله: ((وغذى بالحرام)) بعد قوله: ((ومطعمه حرام)) إما لأنه لا يلزم من كون المطعم حرامًا التغذية بها، وإما تنبيهًا به علي استواء حاليه، أعني كونه منفقًا في حال كبره، ومنفقًا عليه في حال صغره في وصول الحرام إلي باطنه، فأشار بقوله: ((ومطعمه حرام)) إلي حال كبره، وبقوله: ((وغذى بالحرام)) إلي حال صغره، وهذا دال علي أن لا ترتيب في الواو، وذهب المظهر إلي الوجه الثاني.
أقول: ولعل العكس أولي؛ لأن قوله: ((وغذى)) وقع حالًا، وهو فعل ماض؛ فلابد من تقدير ((قد)) ليقرب التعدية إلي قول المقدر في ((يا رب)) كما سبق. وكذا قوله: ((ومطعمه وملبسه)) حالان منه، وهما جملتان اسميتان تدلان علي الثبوت والاستمرار، كأنه قيل: يقول: يارب! وقد قرب قوله ذاك بتغذيته بالحرام، وكذا حاله أنه دائم الطعم واللبس من الحرام. وخص من الأزمنة المستمرة زمان حال الدعاء، ومن المذكورين الطعم دون اللبس؛ لأن الطعم أبلغ من اللبس، وفي هذا الزمان أشنع، وإنما قلنا: إنه أبلغ؛ لأنه يصير جزء المغتذي؛ ولذلك عدل عن الطعم إلي التغذية. قوله: ((ولذلك)) يجوز أن تكون الإشارة إلي الرجل، قال الله تعالي: ﴿فاستجبنا له﴾ وأن يكون إلي كون مطعمه ومشربه وملبسه وغذائه حرامًا. ((شف)): فيه إيذان بأن حل المطعم والمشرب مما يتوقف عليه إجابة الدعاء؛ ولهذا قيل: إن للدعاء جناحين، أكل الحلال وصدق المقال.
الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((ما أخذ منه)) ((ما)) يجوز أن تكون موصوفة أو موصولة، والضمير المجرور راجع إليها و ((من)) زائدة علي مذهب الأخفش، و ((ما)) منصوب علي نزع الخافض أي لا يبالي بما أخذ من المال. و ((أم)) متصلة. ومتعلق ((من)) محذوف، والهمزة قد سلب عنها معنى الاستفهام وجردت لمعنى الاستواء، فقوله: ((أمن الحلال أخذ أم من الحرام)) في موضع الابتداء، و ((لا يبالي)) خبر مقدم، يعنى الأخذ ومن الحلال ومن
стр. 1564
٢٧٦٢ - وعن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الحلال بين والحرام بينٌ، وبينهما مشتبهاتٌ لا يعلمهن كثيرٌ من الناس، فمن اتقى الشبهات
الحرام مستو عنده، لا يبالي بأيهما أخذ، ولا يلتفت إلي الفرق بين الحلال والحرام، كقوله تعالي: ﴿سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم﴾ أي سواء عليهم إنذارك وعدمه.
الحديث الرابع عن النعمان: قوله: ((الحلال بين)) ((مح)): اتفق العلماء علي عظم موقع هذا الحديث وكثرة فوائده؛ فإنه أحد الأحاديت التي عليها مدار الإسلام، قيل: هي ثلاثة: أحاديث ((الأعمال بالنية))، وحديث ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه))، وهذا الحديث، وسبب عظم موقعه أنه ﷺ نبه فيه علي صلاح المطعم والمشرب والملبس وغيرها، وأن يكون حلالًا، وأرشد إلي معرفة الحلال بأن أوضح ذلك بضرب المثل بالحمى، وأتم ذلك ببيان منبع الصلاح والفساد ومعدنهما.
فقوله: ((الحلال بين والحرام بين)) معناه أن الأشياء ثلاثة أقسام: حلال بين واضح لا يخفي حله كالخبز والفواكه وغير ذلك من المطعومات، وكذلك الكلام والنظر والنكاح والمشي وغير ذلك من التصرفات، وحرام بين، كالخمر والخنزير والميتة والدم المسفوح، وكذلك الزنا والكذب والغيبة والنميمة والنظر إلي الأمرد وإلي الأجنبية وأشباه ذلك، والمتشابه هو الذي يحتمل الأمرين، فاشتبه علي الناظر بأيهما يلحق، وإليه أشار بقوله ﷺ : ((لا يعلمهن كثير من الناس)) وفيه أنه يعلمها قليل من العلماء الراسخين بنص أو قياس أو استصحاب وغير ذلك، فإذا تردد الشيء بين الحل والحرمة ولم يكن فيه نص أو إجماع، اجتهد فيه المجتهد فألحقه بأحدهما بالدليل الشرعي، فإذا ألحقه به صار حلالًا أو حرامًا، فإذا فقد هذه الدلائل فالورع تركه؛ لأنه داخل في قوله ﷺ : ((فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه)).
وللعلماء في هذا ثلاثة مذاهب، والظاهر أنه مخرجٌ علي الخلاف المعروف في حكم الأشياء قبل ورود الشرع، والأصح أنه لا يحكم بحل ولا حرمة ولا إباحة؛ لأن التكليف عند أهل الحق لا يثبت إلا بالشرع. والثاني أن حكمه التحريم، والثالث الإباحة. ((نه)): جملة الشبهة العارضة في الأمور قسمان: أحدهما ما لا يعرف له أصلٌ في تحليل ولا تحريم، فالورع تركه، والثاني: أن يكون له أصل في التحليل والتحريم، فعليه التمسك بالاصل ولا يترك عنه إلا بيقين وعلم. ((قض)): إن الله تعالي بين الحلال والحرام، بأن مهد لكل منهما أصلًا، يتمكن الناظر المتأمل فيه من استخراج أحكام ما يعن له من الجزئيات، ويعرف أحوالها، لكن قد يقع في الجزئيات ما يقع فيه الاشتباه، لوقوعه بين الأصلين ومشاركته لأفراد كل منهما من وجه، فينبغي أن لا
стр. 1565
استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول
ــ
يجتريء المكلف علي تعاطيه، بل يتوقفه ريثما يتأمل فيه، فيظهر له أنه من أي القبيلين هو، فإن اجتهد ولم يظهر له أثر الرجحان، بل رجع طرف الذهن عن إدراكه حسيرًا تركه في حيز التعارض أسيرًا، وأعرض عما يريبه إلي ما لا يريبه، استبراء لدينه أن يختل بالوقوع في المحارم، وصيانة لعرضه عن أن يتهم بعدم المبالاة بالمعاصي والبعد عن الورع، فإن من هجم علي الشبهات وتخطي خططها، ولم يتوقفه دونها وقع في الحرام؛ إذ الغالب أن ما وقع فيه من الشبهات لا يخلو عن المحارم، كما أن الراعي إذا رعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه.
و ((ألا)) مركبة من همزة الاستفهام، وحرف النفي؛ لإعطاء معنى التنبيه علي تحقق ما بعدها و ((الحمى)) هو المرعى الذي حماه الإمام، ومنع من أن يرعى فيه، شبه المحارم من حيث أنها ممنوعة التبسط فيها والتخطي لحدودها، واجبة التجنب عن جوانبها وأطرافها بحمى السلطان، وكما يحتاط الراعي ويتحرز عن مقاربة الحمى حذرًا عن أن تتخطاه ماشيته، فيتعرض لسخط، ويستوجب تأديبه، ينبغي أن يتورع المكلف عن الشبهات، ويتجنب عن مقارنتها، كيلا يقع في المحارم ويستحق به السخط العظيم والعذاب الأليم. ولما كان التورع والتهتك مما يتبع ميلان القلب إلي الصلاح والفجور، نبه علي ذلك بقوله: ((ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله)) ليقبل المكلف عليه فيصلحه ويمنعه عن الانهماك في الشهوات، والإسراع إلي تحصيل المشتهيات، حتى لا يتبادر إلي الشبهات، ولا يستعمل جوارحه في اقتراف المحرمات. قوله: ((استبرأ)) أي احتاط لنفسه وطلب البراءة. ((مح)): أي حصل البراءة لدينه من الذم الشرعي وصان عرضه من كلام الطاعن. ((حس)) فيه دليل علي جواز الجرح والتعديل، وأن من لم يتوق الشبه في كسبه ومعاشه فقد عرض دينه وعرضه للطعن. قوله: ((ومن وقع في الشبهات)) ((مح)): يحتمل وجهين: أحدهما: أن من يكثر تعاطي الشبهات يصادف الحرام وإن لم يعمده، وقد يأثم بذلك إذا قصر في التحري. والثاني أنه يعتاد التساهل ويتمرن عليه، ويجسر علي شبهة ثم شبهة أغلظ منها ثم أخرى، وهلم جرا إلي أن يقع في الحرام عمدًا، وهذا معنى قولهم: المعاصي تسوق إلي الكفر.
((حس)): هذا الحديث أصل في الورع، وهو أن ما اشتبه علي الرجل أمره في التحليل والتحريم، ولا يعرف له أصل متقدم، فالورع أن يتركه ويجتنبه؛ فإنه إذا لم يتركه واستمر عليه واعتاده، جره ذلك إلي الوقوع في الحرام. ولو وجد في بيته شيئًا، لا يدري هل هو له أو لغيره، فالورع أن يجتنبه، ولا عليه تناوله، لأنه في يده. ويدخل في هذا الباب معاملة من في ماله شبهة أو خالطه ربًا، فالأولي أن يحترز عنها ويتركها، ولا يحكم بفسادها ما لم يتيقن أن عينه حرام؛ فإن النبي ﷺ رهن درعه من يهودي بشعير أخذه لقوت أهله، مع أنهم يربون في معاملاتهم ويستحلون أثمان الخمور. روى عن علي ﵁ أنه قال: لا تسأل السلطان،
стр. 1566
الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل مللك حمى ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)). متفق عليه
ــ
فإن أعطوك من غير مسألة فأقبل منهم؛ فإنهم يصيبون من الحلال أكثر مما يعطونك. وروي عن ابن سيرين أن ابن عمر كان يأخذ جوائز السلطان، وكان القاسم بن محمد وابن سيرين وسعيد بن المسيب لم يقبلوا جوائز السلطان، فقيل لابن المسيب في ذلك، قال: قد ردها من هو خير مني علي من هو خير منه.
قال أبو حامد الغزالي: إن السلاطين في رماننا هذا ظلمة، قلما يأخذون شيئًا علي وجهه بحقه؛ فلا تحل معاملتهم ولا معاملة من يتعلق بهم حتى القاضي، ولا التجارة في الأسواق التي بنوها بغير حق. والورع اجتناب الربط والمدارس والقناطير التي بنوها بالأموال المغصوبة التي لا يعلم مالكها. وروى ابن الأثير في كتاب المناقب عن أبي شهاب قال: كنت ليلة مع سفيان الثوري، فرأي نارًا من بعيد، فقال: ما هذا؟ فقلت: نار صاحب الشرطة، فقال: اذهب بنا في طريق آخر لا نستضىء بنارهم.
قوله: ((وقع في الحرام)) ((تو)): الوقوع في الشيء السقوط فيه، وكل سقوط شديد يعبر عنه بذلك، وإنما قال: ((وقع في الحرام)) تحقيقًا لمداناته الوقوع، كما يقال: من أتبع نفسه هواها فقد هلك. ((شف)): إنما قال: ((وقع في الحرام)) ولم يقل: يوشك أن يقع تحقيقًا لمداناة الوقوع، كما يقال من أتبع نفسه هواها فقد هلك. أقول: ولعل السر فيه أن حمى الأملاك حدوده محسوسة، يدركها كل ذي بصر، فيحترز أن يقع فيه اللهم إلا أن يغفل أو تغلبه الدابة الجموح، وأما حمى ملك الأملاك وهو محارمه، فمعقول صرف، لا يدركه إلا الألباء من ذوي البصائر، كما قال ﷺ : ((لا يعلمهن كثير من الناس)) يحسب أحد منهم أنه يرتع حول الحمى، يعني الشبهات، إذ هو في وسط محارمه، ومن ثمة ورد النهي في التنزيل عن القربان منها في قوله: ﴿تلك حدود الله فلا تقربوها﴾ لأن قربانها هو الوقوع فيها. والله أعلم.
قوله: ((مضغة)) ((نه)): المضغة القطعة من اللحم قدر ما يمضغ، وجمعها مضغ، وسمي القلب بها؛ لأنه قطعة من الجسد. ((مح)): قالوا: المراد تصغير القلب بالنسبة إلي باقي الجسد، مع أن صلاح الجسد وفساده تابعان لها. أقول: إنما سماه مضغة؛ لأن فيها معنى التحقير، والتكبير فيها أيضًا للتحقير تعظيمًا لشأنها، نحو قولهم: المرء بأصغريه، قال الميدإني: يعني بهما القلب واللسان، وقيل لهما الأصغران ذهابًا إلي أنهما أكتر ما في الإنسان معنى وفضلًا، كما قيل: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب. والجالب للباء معنى القيام، كأنه قال: المرء يقوم معإنيه بهما ويكمل بهما، وأنشد لزهير:
стр. 1567
٢٧٦٣ - وعن رافع بن خديج، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثمن الكلب خبيث، ومهر البغي خبيث، وكسب الحجام خبيث)). رواه مسلم.
٢٧٦٤ - وعن أبي مسعود الأنصاري: أن رسول الله ﷺ نهي عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن. متفق عليه.
ــ
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم ببن إلا صورة اللحم والدم
أقول: إعادة حرف التنبيه في قوله: ((ألا وهي القلب)) بعد الإبهام في قوله: ((ألا وإن في الجسد مضغة)) تنبيه علي فخامة شأنها وعظم موقعها، فمنزلة حرفه التنبيه في الحديث منزلة الباء في المثل، وكذا تكررها كل مرة بين الكلاميين المتصلين إشعار بفخامة مدخولها.
نبه أولا أن لكل ملك من ملوك الدنيا حمى يحميه من الأغيار، ونبه ثإنياً أن الله تعالي حمى يحميه من أن يقرب منه عباده، ونبه ثالثاً أن قلب كل ملك وأن جسده حماه، فهو يحميه من إفساد الشيطان والنفس الأمارة، وكما أن صلاح الجسد بصلاحه وفساده بفساده، كذلك العكس، وصلاح الجسد إنما هو بأن يتغذى بالحلال فيصفو ويتأثر القلب بصفائه ويتنور، فينعكس نوره إلي الجسد فيصدر منه الأعمال الصالحة، وهو المعني بصلاحهما، وإذا تغذى بالحرام يصير مرتعاً للشيطان والنفس، فيتكدر ويتكدر القلب فيظلم، وتنعكس ظلمته إلي البدن فلا يصدر منه إلا المعاصي، وهو المراد بفسادهما. ثم إذا ساس القلب الجسد وهداه رشده استحق أن يكون وارث الأنبياء وخليفة الله في حماه علي عباده، يسوسهم ويكمل الناقصين منهم، ويوصلهم إلي جناب الله الأقدس، فحينئذ ترى الحديث بحراً لا ساحل له. والله أعلم.
الحديث الخامس والسادس عن رافع: قوله: ((ثمن الكلب خبيث)) ((قض)): الخبيث في الأصل ما يكره لرداءته وخسته، ويستعمل للحرام من حيث كرهه الشارع فاسترذله، كما يستعمل الطيب للحلال، قال تعالي: ﴿ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب﴾ أي الحرام بالحلال، ولما كان مهر الزإنية - وهو ما تأخذه عوضاً للزنا-- حراماً كان الخبيث المسند إليه بمعنى الحرام. وكسب الحجام لما لم يكن حراماً؛ لأنه ﷺ احتجم وأعطى الحجام أجره كان المراد من المسند إليه هو الثاني. وأما نهي بيع الكلب، فمن صححه كالحنفية، فسره بالدناءة، ومن لم يصححه كأصحابنا فسره بأنه حرام. ((نه)): بغت المرأة تبغي بغاء - بالكسر- إذا زنت فهي بغي، جعلوا البغاء علي زنة العيوب كالجران والشراد؛ لأن الزنا عيب. ((فا)): بغى فعول بمعنى فاعلة.
قوله: ((وحلوان الكاهن)) ((مح)): هو ما يعطاه علي كهانته، يقال: حلوته حلوانا إذا أعطيته، قال الهروى: أصله من الحلاوة، شبه المعطى بالشيء الحلو من حيث أنه يأخذه سهلاً بلا كلفة
стр. 1568
٢٧٦٥ - وعن لأبي حجيفة، أن النبي نهي ﷺ [عن] ثمن الدم، وثمن الكلب، وكسب البغي، ولعن آكل الربا، وموكله، والواشمة، والمستوشمة، والمصور. رواه البخاري.
ــ
ومشقة. والكاهن هو الذي يتعاطى الأخبار الكائنات في مستقبل الزمان، ويدعى معرفة الأسرار. وكانت في العرب كهنة يدعون أنهم يعرفون كثيرا من الأمور الكائنة، ويزعمون أن لهم تابعة من الجن تلقى إليهم الأخبار، ومنهم من يدعى انه يستدرك الأمور بفهم أعطيه، ومنهم من زعم انه يعرف الأمور بمقدمات وأسباب يستدل بها علي مواقعها كالشيء، يسرق فيعرف المظنون به السرقة فيهم، وتتهم المرأة بالزنية فيعرف من صاحبها ونحو ذلك. ومنهم من يسمى المنجم كاهنا، وحديت النهي عن إتيان الكهان يشتمل علي النهي عن هؤلاء إتيان كلهم، وعلي النهي عن تصديقهم والرجوع إلي قولهم.
قال الماوردي من أصحابنا في الأحكام السلطإنية: يمنع المحتسب من يكتسب بالكهانة، ويؤدب الآخذ والمعطي. وأما النهي عن ثمن الكلب، فقال جماهير العلماء: إنه محمول علي تحريم ثمنه وبطلان بيعه، وأن لا قيمة علي متلفه، سواء كان معلماً أو لا، وسواء كان يجوز اقتناؤه أم لا، وقال أبو حنيفة: يصح بيع الكلاب التي فيها منفعة، وتجب القيمة علي متلفها. وعن مالك روايات، إحداها: أنه لا يجوز بيعه، ولكن تجب القيمة علي متلفه، وثإنيتها: كقول أبي حنيفة، وثالثتها: كقول الجماهير.
الحديث السابع عن أبي حجيفة: قوله: ((عن ثمن الدم)) ((حس)): بيع الدم لا يجوز؛ لأنه نجس، وحمل بعضهم نهيه عن تمن الدم علي أجرة الحجام، وجعله نهي تنزيه.
قوله: ((آكل الربا)) آخذه ((وموكله)) معطيه. ((حس)) الأنهما اشتركا في الفعل، وإن كان أحدهما مغتبطا والأخر مهتضما.
قوله: ((والواشمة)) ((نه)): الوشم أن يغرز الجلد بإبرة تم يحشي بكحل أو نيل، فيزرق أو يخضر، وقد وشمت تشم وشما فهي واشمة. ((والمستوشمة)) هي التي تفعل ذلك بها. ((مظ)): إنما نهي عنه؛ لأنه من فعل الفساق والجهال، ولأنه تغيير خلق الله. ((مح)): قال في الروضة: لو شق موضعاً من بدنه، وجعل فيه دماً، أو وشم يده أو غيرها، فإنه ينجس عند الغرز. وفي تعليق الفراء أنه يزال الوشم بالعلاج، فإن لم يمكن إلا بالجراح لا يجرح ولا إثم عليه بعد التوبة.
قوله: ((والمصور)) ((حس)): أراد به الذي يصور الحيوان دون من يصور صور الأشجار
стр. 1569
٢٧٦٦ - وعن جابر، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح، وهو بمكة: ((إن الله ورسوله حرم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام)). فقيل: يا رسول الله! أرأيت شحوم الميتة؟ فإنه تطلي بها السفن، ويدهن بها الجلود، يستصبح [بها] الناس؟ فقال: ((لا، هو حرام)). ثم قال عند ذلك: قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم شحومها أجملوه، ثم باعوه فأكلوا ثمنه)). متفق عليه.
ــ
والنبات؛ لأن الأصنام التي كانت تعبد كانت علي صور الحيوانات. ((مظ)): يدخل في النهي كل صورة مصورة في رق أو قرطاس مما يكون المقصود منه الصورة وكان الرق تبعاً له، فأما الصور المصورة في الأوإني والقصاع فإنها تبع لتلك الظروف، بمنزلة الصور المصورة علي جدر البيوت والسقوف وفي الأنماط والستور، فبيعها صحيح.
الحديث الثامن عن جابر ﵁: قوله: ((وهو بمكة)). بعد قوله: ((يوم الفتح)) نحو قولهم: رأيته بعيني وأخذته بيدي، والمقصود منهما تحقيق السماع وتقريره كما مر. وذكر الله تعالي قبل ذكر رسول ﷺ توطئة لذكره إيذانا بأن تحريم الرسول بيع المذكورات كتحريم الله تعالي. لأنه رسوله وخليفته. قوله: ((ويستصبح بها)) المغرب: استصبح بالمصباح، واستصبح بالدهن، ومنه قوله: ويستصبح به أي ينور به المصباح. قوله: ((فقال: لا، هو حرام)) الضمير المرفوع راجع إلي مقدر بعد كلمة الاستخبار، وكلمة ((لا)) رد لذلك المقدر، وهو يحتمل أمرين: أحدهما: أخبرني، أحل انتفاع شحوم الميتة؟ وثإنيهما: أحل بيعها؟ والثاني هو المراد.
((مح)): معنى قوله: ((لا، هو حرام)) لا تبيعوها؛ فإن بيعها حرام، فالضمير في ((هو)) يعود إلي البيع لا إلي الانتفاع، هذا هو الصحيح عند الشافعي وأصحابه، وعند الجمهور لا يجوز الانتفاع به في شيء من ذلك أصلاً؛ لعموم النهي إلا ما خص، وهو الجلد المدبوغ، فالصحيح من مذهبنا جواز الانتفاع بالأدهان المتنجسة من الخارج، كالزيت والسمن وغيرهما بالاستصباح ونحوه، بأن يجعل الزيت صابونا، أو يطعم العسل المتنجس النحل، والميتة الكلاب، والطعام الدواب. وأجاز أبو حنيفة وأصحابه بيع الزيت النجس، إذا بينه. قال العلماء: وفي عموم تحريم بيع الميتة أنه يحرم بيع جثة الكافر المقتول وفي الحديث أن نوفلا المخزومي قتل يوم الخندق، فبذل الكفار في جسده عشرة آلاف درهم، فلم يقبلها النبي ﷺ .
وقال أصحابنا: العلة في منع بيع الميتة والخمر والخنزير النجاسة، فيتعدى إلي كل نجاسة، والعلة في منع بيع الأصنام كونها ليس فيها منفعة مباحة. فإن كانت بحيث إذا كسرت ينتفع برضاضها، ففي صحة بيعها خلاف مشهور لأصحابنا، منهم من منعه لظاهر النهي، ومنهم من جوزه اعتماداً علي الانتفاع برضاضها، وتأول الحديث علي مالا ينتفع برضاضه، أو علي كراهة التنزيه في الأصنام خاصة.
стр. 1570
٢٧٦٧ - وعن عمر [﵁]، أن رسول الله ﷺ قال: ((قاتل الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم، فجملوها فباعوها)). متفق عليه.
٢٧٦٨ - وعن جابر، أن رسول الله ﷺ نهي عن ثمن الكلب والسنور. رواه مسلم.
٢٧٦٩ - وعن أنس [﵁]، قال: حجم أبو طيبه رسول الله ﷺ ، فأمر له بصاعٍ من تمرٍ، وأمر أهله أن يخففوا عنه من خراجه. متفق عليه.
ــ
((حس)): في الحديث دليل علي أن من أراق خمر النصرإني، أو قتل خنزيراً له، أنه لا غرامة عليه؛ لأنه لا ثمن لها في حق الدين، وفي تحريم بيع الخمر والميتة، دليل علي تحريم بيع الأعيان النجسة، وإن كانت منتفعاً بها في الضرورة، كالسرقين، وفي تحريم بيع الأصنام، دليل علي تحريم بيع جميع الصور المتخذة من الخشب والحديد وغيرهما، وعلي تحريم بيع جميع آلات اللهو كالطنبور والمزمار والمعازف، فإذا طمست الصور وغيرت آلات اللهو عن حالتها
يجوز بيع جواهرها وأصولها.
قوله: ((قاتل الله اليهود)) ((قض)): أي عاداهم، وقيل: قتلهم فأخرج في صورة المغالبة للمبالغة، أو عبر عنه بما هو مسبب عنه؛ فإنهم بما اخترعوا من الحيلة، انتصبوا لمحاربة الله ومقاتلته، ومن قاتله قتله. قوله: ((أجملوه)) الضمير راجع إلي الشحوم علي تأويل المذكور، وأنشد ابن جنى:
كالفراخ نتفت حواصله
ويجوز أن يرجع إلي ما هو في معنى الشحوم وهو الشحم، إذ لو قيل: حرم شحمها لم يخل بالمعنى، فهو نحو قوله تعالي: ((فأصدق وأكن)). ((نه)): جملت الشحم وأجملته، إذا أذبته واستخرجت دهنه، وجملت أفصح من أجملت. ((حس)): فيه دليل علي بطلان كل حيلة تحتال للتوصل إلي محرم، وأنه لا يتغير حكمه بتغيير هيئته وتبديل اسمه.
الحديث التاسع والعاشر عن جابر ﵁: قوله: ((والسنور)) ((حس)): هذا محمول علي مالا ينفع، أو علي أنه نهي تنزيه، لكن يعتاد الناس هبته وإعارته والسماحة به، كما هو الغالب، فإن كان نافعاً وباعه، صح البيع وكان ثمنه حلالاً، هذا مذهب الجمهور، إلا ما حكي عن أبي هريرة وجماعة من التابعين واحتجوا بالحديث. وأما ما ذكره الخطأبي، وابن عبد البر أن الحديث ضعيف فليس كما قالا، بل هو صحيح، رواه مسلم وغيره وقول ابن عبد البر: إنه لم يروه عن أبي الزبير غير حماد بن سلمة غلط؛ لأن مسلماً قد رواه في صحيحه عن معقل بن عبد الله عن أبي الزبير وهما ثقتان.
الحديث الحادي عشر عن أنس ﵁: قوله: ((أن يخففوا)) ((مح)): في الحديث جواز
стр. 1571
الفصل الثاني
٢٧٧٠ - عن عائشة، قالت: قال النبي ﷺ : ((إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم)). رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجة. وفي رواية أبي داود، والدارمي: ((إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه)). [٢٧٧٠].
٢٧٧١ - وعن عبد الله بن مسعود، عن رسول الله ﷺ قال: ((لا يكسب عبدٌ مال حرامٍ، فيتصدق منه فيقبل منه؛ ولا ينفق منه، فيبارك له فيه ولا يتركه خلف ظهره
ــ
مخارجة العبد برضاه، وحقيقتها أن يقول السيد لعبده: اكتسب، وأعطني من كسبك كل يوم كذا والباقي لك، فيقول العبد: رضيت به، وفيه إباحة نفس الحجامة، وأنها من أفضل الأدوية، وإباحة التداوي، وإباحة الأجرة علي المعالجة للطبيب. وفيه جواز الشفاعة بالتخفيف إلي أصحاب الحقوق والديون. وأبو طيبه - بهاء مهملة مفتوحة- عبد لبنى بياضة اسمه نافع، وقيل غيره.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن عائشة ﵁: قوله: ((وإن أولادكم من كسبكم)) ((فا)): إنما جعل الولد كسباً؛ لأن الوالد طلبه وسعى في تحصيله، والكسب الطلب والسعي في طلب الرزق والمعيشة، ونفقة الوالدين علي الولد واجبة، إذا كانا محتاجين عاجزين عن السعي عند الشافعي، وغيره لا يشترط ذلك، أقول: قوله: ((من كسبكم)) خبر ((إن)) و ((من)) ابتدائية، يعنى إن أطيب أكلكم أكلكم مبتدأ مما كسبتموه بغير واسطة أو بواسطة من كسب أولادكم، وتسمية الولد بالكسب مجاز.
الحديث الثاني عن عبد الله بن مسعود ﵁: قوله: ((فيتصدق منه)) عطف علي ((يكسب)) وقوله: ((فيقبل)) مرفوع عطفًا علي ((فيتصدق)) يعنى لا يوجد الكسب الحرام المستعقب للتصدق والقبول، ويحتمل النصب جوابًا للنفي، علي تقدير ((أن)) أي فلا يكون اجتماع الكسب والتصدق سببًا للقبول، وقوله: ((ولا ينفق منه)) عطف علي قوله: ((فيتصدق)) علي تقدير المعطوف لا الانسحاب، و ((فيبارك)) نصب علي الجواب، وكذا قوله: ((ولا يتركه)) عطف علي ((فيتصدق)) والحديث من التقسيم الحاصر؛ لأن من اكتسب المال، إما أن يدخر للآخرة فيتصدق منه أو
стр. 1572
إلا كان زاده إلي النار، إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ؛ ولكن يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث)). رواه أحمد، وكذا في ((شرح السنة)) [٢٧٧١].
٢٧٧٢ - وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يدخل الجنة لحم نبت من السحت. وكل لحم نبت من السحت كانت النار أولي به)). رواه أحمد، والدارمي، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) [٢٧٧٢].
ــ
لا، والثاني إما أن ينفق علي نفسه وعياله أو لا، والثاني هو ما أدخره لدنياه وأخذه كنزًا لنفسه، فبين أن الحرام لا يجديه ولا ينفعه فيما قصده. وإنما عدل في القرينة الأخيرة علي ما هو عليه القرينتان؛ ليلوح إلي معنى قوله تعالي: ((والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله- إلي قوله- يوم يحمى عليها في نار جهنم)) وأخرجه مخرج الحصر لا التعليل؛ ليقرره علي سبيل التأكيد، وهو أقوى من التعليل؛ لأن من تصدق من الحرام يمدحه الناس، وإن لم يكن مقبولاً عند الله، وكذا من أنفق فينفعه ظاهرًا، وإن لم يبارك في العاقبة، لكن من مات وترك الحرام لم يكن له إلا النار، وهذا معنى قوله: ((إلا كان زاده إلي النار)) أي كان ذلك الكسب الحرام زوادته منتهية إلي النار)). وقوله: ((إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ)) جملة مستأنفة لتعليل عدم القبول، وهو مقدمة وتوطئة لقوله: ((إن الخبيث لا يمحو الخبيث)) أي المال الحرام لا يجدي ألبتة، عبر عن عدم النفع بالخبيث.
الحديث الثالث عن جابر ﵁: قوله: ((من السحت)) ((نه)) ((السحت)) الحرام الذي لا يحل كسبه؛ لأنه يسحت البركة أي يذهبها، والسحت الرشوة في الحكم. أقول: أسند عدم دخول الجنة إلي اللحم لا إلي صاحبه، إشعارًا بالعلية، وأنه خبيث لا يصلح أن يدخل الطيب؛ ولذلك أتبعه بقوله: ((النار أولي به)) لأن الخبيث للخبيث. وفيه أن من تاب في الدنيا، وبدل الخبيث بالطيب يدخل الجنة، هذا علي ظاهر الاستحقاق، أما إذا تاب الله عليه أو غفر له من غير توبة، وأرضي خصمه أو نالته شفاعة شفيع، فهو خارج من هذا الوعيد.
стр. 1573
٢٧٧٣ - وعن الحسن بن علي [﵄]، قال: حفظت من رسول الله ﷺ : ((دع ما يريبك إلي مالا يريبك، فإن الصدق طمإنينة، وإن الكذب ريبة)). رواه أحمد، والترمذي. والنسائي. وروى الدارمي الفصل الأول [٢٧٧٣].
٢٧٧٤ - وعن وابصة بن معبد، أن رسول الله ﷺ قال: ((يا وابصة! جئت تسأل عن البر والإثم؟)) قلت: نعم. قال: فجمع أصابعه، فضرب صدره، وقال: ((استفت نفسك. استفت قلبك)) ثلاثًا ((البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب.
ــ
الحديث الرابع عن الحسن بن علي ﵄: قوله: ((دع مايريبك)) ((تو)): أي دع ما اعترض لك الشك فيه منقلبًا عنه إلي مالا شك فيه، يقال: دع ذلك أي استبدله به. ((نه)): الريب الشك، وقيل: هو الشك مع التهمة، يقال: رابني الشيء وأرابني بمعنى شككني وأوهمني الريبة فيه، فإذا استيقنته، قلت: ربني بغير ألف، ويروى هذا الحديث بفتح الياء وضمها، والفتح أشهر ((غب)): الريب أن يتوهم في الشيء أمرٌ ما، ثم ينكشف عما يوهم فيه، والإرابة أن يتوهمه، فينكشف خلاف ما توهم، ولذلك قيل: القرآن فيه إرابة وليس فيه ريب.
قوله: ((فإن الصدق طمإنينة)) ((تو)): جاء هذا القول ممهدًا لما تقدمه من الكلام، ومعناه إذا وجدت نفسك ترتاب في الشيء فاتركه؛ فإن نفس المؤمن تطمئن إلي الصدق وترتاب من الكذب، فارتيابك في الشيء منبئ عن كونه باطلا، أو مظنة للباطل فاحذره. واطمئنانك إلي
الشيء مشعر بكونه حقًا، فاستمسك به. والصدق والكذب يستعملان في المقال والفعال، وما يحق أو يبطل من الاعتقاد، وهذا مخصوص بذوي النفوس الشريفة القدسية الطاهرة من أوضار الذنوب وأوساخ الآثام.
الحديث الخامس عن وابصة: قوله: ((عن البر والإثم)) ((نه)): ((البر)) بالكسر الإحسان، يقال بر يبر فهو بار وبر، وجمع البار بررة، وفي الغريبين ((البر)) اسم جامع للخير كله، ومنه قوله تعالي: ((ولكن البر من اتقى)) والبر الزيادة في الإحسان والاتساع فيه، وسميت البرية برية؛ لاتساعها، ((والإثم)) هو الذنب؛ وقد أثم الرجل بالكسر إثمًا ومأثمًا إذا وقع في الذنب. قوله: ((ما حاك)) ((نه)): أي أثر فيها ورسخ، يقال: ما يحيك كلامك في فلان، أي ما يؤثر، والإثم ماحاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس، أي أثر في قلبك وأوهمك أنه ذنب وخطيئة.
стр. 1574
والإثم ماحك في النفس، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس)). رواه أحمد، والدارمي [٢٧٧٤].
ــ
((قض)): هذا الحديث من دلائل النبوة ومعجزات الرسول؛ فإنه ﷺ أخبر عما في ضمير وابصة قبل أن يتكلم به، والمعنى أن الشيء إذا أشكل عليك والتبس ولم تتبين أنه من أي القبيلين هو؟ فليتأمل فيه إن كان من أهل الاجتهاد، وليسأل المجتهدين إن كان من المقلدين، فإن وجد ما تسكن إليه نفسه ويطمئن به قلبه وينشرح به صدره، فليأخذ به وليختر لنفسه، وإلا فليدعه، وليأخذ بما لا شبهة فيه ولا ريبة، هذا طريقة الورع والاحتياط، وحاصله راجع إلي حديث الحسن بن علي ﵄، ولعله إنما عطف اطمئنان القلب علي اطمئنان النفس؛ للتقرير والتأكيد؛ فإن النفس إذا ترددت في أمر وتحيرت فيه وزال عنها القرار، استتبع ذلك العلاقة التي بينها وبين القلب، الذي هو المتعلق الأول لها، فتنقل العلاقة إليه من تلك الهيئة أثرًا فيحدث فيه خفقان واضطراب، ثم ربما يسري هذا الأثر إلي سائر القوى، فيحسن بها الحلال والحرام، فإذا زال ذلك عن النفس، وحدث لها قرار وطمإنينة، انعكس الأثر، وتبدلت الحال علي مالها من الفروع والأعضاء. وقيل: المعني بهذا الأمر أرباب البصائر من أهل النظر والفكرة المستقيمة، وأصحاب الفراسات من ذوي النفوس المرتاضة والقلوب السليمة؛ فإن نفوسهم بالطبع تصبو إلي الخير وتنبو عن الشر، فإن الشيء ينجذب إلي ما يلائمه وينفر عما يخالفه؛ ويكون ملهمة للصواب في أكتر الأحوال. ((تو)): وهذا القول وإن كان غير مستبعد؛ فإن القول يحمله علي العموم فيمن تجمعهم كلمة التقوى، وتحيطهم دائرة الدين أحق وأهدى.
أقول: ولعل هذا الوجه أرجح؛ لأن المراد من النفس هو القلب علي الاستعارة؛ لأن الإنسان كما يتقوم بالنفس كذلك يتقوم بالقلب، ودل تكرير ((استفت استفت)) علي اتحادهما، ثم إذا كرر ثلاث مرات زاد التأكيد أضعافًا، فإذا حصل ذلك بعد ضرب جمع الكف علي صدر وابصة مخاطبًا له ((بنفسك)) وأنه خطاب لمثل وابصة، ومن هو علي صفته من شرف النفس وكرم الخلق، دل علي أنه لا ينبغي له أن يتجاوز نفسه إلي الغير، ولا يستفتى إلا عن نفسه؛ ولذلك جاء بقوله: ((وإن أفتاك الناس)) فإنها شرط قطع عن الجزاء، تتميمًا للكلام السابق وتقريرًا له علي سبيل المبالغة. وقيل: الضمير في ((صدره)) يعود إلي رسول الله ﷺ ، وقد أوهمه قوله: ((قال)) ويجوز أن يكون من كلام الراوي غير وابصة، وهو أولي بسياق المعنى كما مر.
فإن قلت: سياق الحديث الأول في الصدق والكذب، وهذا في البر والإثم، فكيف وردا في باب الكسب؟ وأي مناسبة بينهما؟ قلت: قوله: ((طمإنينة)) كالبيان والتفسير للصدق، فلا يراد به المتعارف بل أعم، فهو حينئذ من باب عموم المجاز، ويشتمل علي الصدق في المقال والفعال، ومن الفعال طلب كسب الحلال، والكذب يقابله الكذب في المعنى.
стр. 1575
٢٧٧٥ - وعن عطية السعدي، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع مالا بأس به حذرًا لما به بأس)). رواه الترمذي، وابن ماجه [٢٧٧٥].
ــ
((غب)): الصدق والكذب أصلهما في القول، وقد يستعملان في كل ما يحق ويحصل في الاعتقاد، نحو صدق ظنى وكذب، وفي أفعال الجوارح، فيقال: صدق في القتال إذا أوفي حقه، وكذب في القتال إذا كان بخلاف ذلك، قال تعالي: ﴿والذي جاء بالصدق وصدق به﴾ أي حقق ما أورده قولًا بما تحراه فعلًا، ويعبر عن كل فعل فاضل ظاهرًا وباطنًا بالصدق - انتهي كلامه- فقس علي هذا قوله: ((البر ما اطمأنت إليه النفس)) فإن ((ما اطمأنت)) تعريف لـ ((البر))، فلا يراد به الإحسان المطلق، بل ما اشتمل عليه وعلي غيره كما مر في الصدق.
الحديث السادس عن عطية: قوله: ((أن يكون من المتقين)) ظرف ((يبلغ)) علي تقدير مضاف أي بلغ درجة المتقين، يقال: بلغت المكان وصلت إليه، والتركيب من باب قوله تعالي: ﴿إني لعملكم من القالين﴾ يعنى ممن له مساهمة مع المتقين في هذه الصفة، وأن الوصف كاللقب المشهود له، وإنما جعل المتقى من يدع ما لا بأس به حذرًا لما به بأس؛ لآن المتقى في اللغة اسم فاعل من قولهم: وقاه فاتقى، والوقاية فرط الصيانة، ومنه فرس واق، وهذه الدابة تقي من وجاها، إذا أصابها ضلع من غلظ الأرض ورقة الحافر، فهي تقي حافرها أن يصيبها أدنى شيء يؤلمه، وهو في الشريعة الذي يقي نفسه تعاطي ما يستحق به العقوبة من فعل أو ترك.
وقيل: التقوى علي ثلاث مراتب: الأولي: التوقي عن عذاب الخلد بالتبرؤ عن الشرك، كقوله تعالي: ﴿وألزمهم كلمة التقوى﴾. والثانية: التجنب عن كل ما يؤثم من فعل أو ترك، حتى الصغائر عند قوم، وهو المتعارف بالتقوى في الشرع، والمعني بقوله: ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا﴾ والثالثة: أن يتنزه عما يشغل سره عن الحق، ويتبتل بشراشره إلي الله، وهو التقوى الحقيقية المطلوبة بقوله: ﴿اتقوا الله حق تقاته﴾ والحديث وإن استشهد به للمرتبة الثانية، فإنه يجوز أن ينزل علي المرتبة الثالثة. والله أعلم. واللام في ((لما به بأس)) بيان لـ ((حذرًا)) لا صلة؛ لأن صلته ((من)) ونحوه قوله تعالي: ﴿هيت لك﴾ وقوله: ﴿لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ كأنه قيل: حذرًا لماذا؟ فقيل: لما به بأس. وهذا الحديث أبلغ وأجمع من الحديثين السابقين عليه.
стр. 1576
٢٧٧٦ - وعن أنسٍ، قال: لعن رسول الله ﷺ في الخمر عشرةً: عاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها، وبائعها وآكل ثمنها، والمشتري لها، والمشترى له. رواه الترمذي، وابن ماجه [٢٧٧٦].
٢٧٧٧ - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لعن الله الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه)). رواه أبو داود، وابن ماجه. [٢٧٧٧]
٢٧٧٨ - وعن محيصة، أنه استأذن رسول الله ﷺ في أجرة الحجام، فنهاه، فلم يزل يستأذنه، حتى قال: ((اعلفه ناضحك، وأطعمه رقيقك)). رواه مالك، والترمذي، وأبو داود، وابن ماجه. [٢٧٧٨]
٢٧٧٩ - وعن أبي هريرة، قال: نهي رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب، وكسب الزمارة. رواه في ((شرح السنة)). [٢٧٧٩]
ــ
الحديث السابع والثامن عن أنس ﵁: قوله: ((ومعتصرها)) الجوهري: عصرت العنب واعتصرته وانعصر، وقد اعتصرت عصيرًا أي اتخذته. ((شف)): العاصر قد يكون عصره لغيره، والمعتصر الذي يعصر الخمر لنفسه، كقولك: كال واكتال وقصد واقتصد.
أقول: قوله: ((لعن في الخمر)) معناه في شأنها وبسببها، لعن من سعى فيها سعيًا ما علي ما عدد من العاصر والمعتصر وما أردفهما، وإنما أطنب فيه ليستوعب من زاولها مزاولة بأي وجه كان، ومن باع العنب من العاصر وأخذ ثمنه، فهو أحق باللعن، وهؤلاء لما حرمت عليهم الخمر، وباعوا ما هو أصل لها ممن علموا أنه يتخذها خمرًا، لا يبعد أن يكونوا ممن قيل فيه: ((قاتل الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها)).
الحديث التاسع عن محيصة: قوله: ((ناضحك)) الناضح الجمل الذي يستقى به الماء قوله: ((فنهاه)) ((مح)): هذا نهي تنزيه للارتفاع عن دني الاكتساب، وللحث علي مكارم الأخلاق ومعالي الأمور، ولو كان حرامًا لم يفرق بين الحر والعبد؛ فإنه لا يجوز للسيد أن يطعم عبده ما لا يحل.
الحديث العاشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((الزمارة)) قال أبو عبيد: تفسيره في الحديث أنها الزإنية ولم أسمع هذا الحرف إلا فيه، ولا أدري من أي شيء أخذ، وقد نقل
стр. 1577
٢٧٨٠ - وعن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تبيعوا القينات، ولا تشتروهن، ولا تعلموهن، وثمنهن حرام، وفي مثل هذا نزلت: ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث﴾)). رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه. وقال الترمذي:
هذا حديث غريب، وعلي بن يزيد الراوي يضعف في الحديث. [٢٧٨٠]
وسنذكر حديث جابر: نهي عن أكل الهر في باب ((ما يحل أكله)) إن شاء الله تعالي.
ــ
الهروي عن الأزهري أنه قال: يحتمل أن يكون نهي عن كسب المرأة المغنية، يقال: غناء زمير أي حسن، ويقال: زمر إذا غنى، وزمر الرجل إذا ضرب المزمار فهو زمار، ويقال للمرأة: زامرة قيل: ويحتمل أن يكون تسمية الزامرة زمارة؛ لأن الغالب علي الزوإني اللاتي اشتهرن بذلك العمل الفاحش واتخذنه حرفة، كونهن مغنيات، وذهب بعضهم إلي أن الصواب فيه تقديم الراء علي الزاي، وهي التي تومئ بشفتيها وعينيها، والزاوني يفعلن ذلك، قال الشاعر:
رمزت إلي مخافة من بعلها من غير أن يبدو هناك كلام
الحديث الحادي عشر عن أبي أمامة: قوله: ((القينات)) الجوهري: القينة الأمة مغنية كانت أو غيرها من التقيين وهو التزيين، وسميت بذلك لأنها تصلح البيت وتزينه.
((تو)): وفي الحديث يراد بها المغنية؛ لأنها إذا لم تكن مغنية، فلا وجه للنهي عن بيعها وشرائها. ((قض)): النهي مقصور علي البيع والشرى لأجل التغني، وحرمة ثمنها دليل علي فساد بيعها، والجمهور صححوا بيعها، والحديث مع ما فيه من الضعف للطعن في رواية مؤول بأن أخذ الثمن عليهن حرام، كأخذ ثمن العنب من النباذ؛ لأنه إعانة وتوسل إلي حصول محرم، لا لأن البيع غير صحيح.
قوله: ((لهو الحديث)) الإضافة فيه بمعنى ((من)) للبيان، نحو جبة خز، وباب ساج، أي يشتري اللهو من الحديث؛ لأن اللهو يكون من الحديث ومن غيره، والمراد بـ ((لحديث)) الحديث المنكر، فيدخل فيه نحو التسمر بالأساطير، والأحاديث التي لا أصل لها، والتحدث بالخرافات والمضاحيك والغناء وتعلم الموسيقى وما أشبه ذلك، نزلت في النضر بن الحارث كان يشترى المغنيات ليضل عن سبيل الله.
стр. 1578
الفصل الثالث
٢٧٨١ - عن عبد الله [بن مسعود]، قال: قال رسول الله ﷺ : ((طلب كسب الحلال فريضة بعد الفريضة)) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) [٢٧٨١].
٢٧٨٢ - وعن ابن عباس [﵄]، أنه سئل عن أجرة كتابة المصحف. فقال: لا بأس، إنما هم مصورون، وإنهم إنما يأكلون من عمل أيديهم.
رواه رزين.
٢٧٨٣ - وعن رافع بن خديجٍ، قال: قيل: يا رسول الله! أي الكسب أطيب؟ قال: ((عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرورٍ)) رواه أحمد. [٢٧٨٧]
ــ
الفصل الثالث
الحديث الأول عن عبد الله: قوله: ((فريضة بعد الفريضة)) يحتمل معنيين: أحدهما: بعد الفريضة المعلومة عند أهل الشرع، وثإنيهما: فريضة متعاقبة بعضها يتلو البعض، أي لا غاية لها؛ لأن طلب كسب الحلال أصل الورع وأساس التقوى.
الحديث الثاني عن ابن عباس ﵄: قوله: ((مصورون)) الصورة الهيئة والنقش، والمراد هاهنا النقش، وفي ((إنما)) إشعار بالمجموع، لأنه أثبت النقش ونفي المنقوش، والقرآن لما كان عبارة عن المجموع من القراءة والمقروء، والكتابة، والمكتوب، فالمقروء، والمكتوب هو القديم، والكتابة والقراءة ليستا من القديم؛ لأنهما من أفعال القارئ والكاتب، فلما نظر السائل إلي معنى المقروء والمكتوب، وأنهما من صفات القديم، عظم شأنه بأن يأخذ الأجرة، وحبث نظر ابن عباس ﵄ إلي الكتابة والقراءة، وأنهما من صفات الإنسان جوزها.
((حس)): قال الله تعالي: ﴿ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث﴾ يريد ذكر القرآن لهم وتلاوته عليهم، وعلمهم به كل ذلك محدث، والمذكور المتلو المعلوم غير محدث، كما أن ذكر العبد لله محدث، والمذكور غير محدث. وروى عن ابن عباس في قوله : ﴿قرآنًا
عربيًا غير ذي عوج﴾ قال: غير مخلوق.
الحديث الثالث عن رافع: قوله: ((مبرور)) أي مقبول في الشرع بأن لا يكون فاسدًا، أو عند الله بأن يكون مثابًا به.
стр. 1579
٢٧٨٤ - وعن أبي بكر بن أبي مريم، قال: كانت لمقدام [بن] معدي كرب جاريةٌ تبيع اللبن. ويقبض المقدام ثمنه، فقيل له: سبحان الله! أتبيع اللبن؟ وتقبض الثمن؟ فقال: نعم! وما بأسٌ بذلك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ليأتين علي الناس زمانٌ لاينفع فيه إلا الدينار والدرهم)) رواه أحمد. [٢٧٨٤]
٢٧٨٥ - وعن نافعٍ، قال: كنت أجهز إلي الشام، وإلي مصر، فجهزت إلي العراق، فأتيت إلي أم المؤمنين عائشة، فقلت لها: يا أم المؤمنين! كنت أجهز إلي الشام فجهزت إلي العراق. فقالت: لاتفعل! مالك ولمتجرك؟ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إذا سبب الله لأحدكم رزقًا من وجهٍ فلا يدعه حتى يتغير له، أو يتنكر له)) رواه أحمد، وابن ماجه.
ــ
الحديث الرابع عن أبي بكر ﵁: قوله: ((أتبيع اللبن)) يجوز أن يكون ((تبيع)) مسندًا إلي الجارية علي الحقيقة، أنكر بيع الجارية اللبن وقبض المقدام ثمنه، فالإنكار متوجه إلي معنى الدناءة، أي أترضي بفعل الجارية الدنيئة شيئًا دنيئًا فتقبضه؟ وأن يكون مسندًا إلي المقدام علي المجاز، فالإنكار متوجه إلي البيع والقبض معًا، وقوله: ((نعم)) جواب عن معنى الإنكار، أي أترضي بهذا الفعل الدنىء؟ فقال: ((نعم))، وتنزيل الجواب علي الوجه الأول أولي، ويؤيده تأكيده بقوله: ((وما بأس بذلك)) و ((ما)) في قوله: ((ما بأس)) بمعنى ((ليس)) وهو يقتضى أن يكون ((بأس)) مرفوعًا به، ولم تجىء ((ما)) بمعنى ((لا)) التي لنفي الجنس، اللهم إلا علي الاستعارة؛ فإنها غير متوقفة علي السماع.
قوله: ((لا ينفع فيه إلا الدينار والدرهم)) معناه لا ينفع الناس شيء، إلا الكسب، إذ لو تركوه لوقعوا في الحرام، كما روي عن بعضهم، وقيل له: إن التكسب يدنيك من الدنيا، قال: لئن أدنانى من الدنيا لقد صانني عنها، وكان السلف يقولون: اتجروا واكتسبوا؛ فإنكم في زمان إذا احتاج أحدكم كان أول ما يأكل دينه. وروى عن سفيان وكانت له بضاعة يقلبها: لولاها لتمندل بى بنو العباس، أي لجعلوني كالمنديل يمسحون بى أوساخهم.
الحديث الخامس عن نافع: قوله: ((أجهز)) ((نه)): في الحديث ((من لم يغز ولم يجهز غازيًا)) تجهيز الغازى تحميله وإعداد ما يحتاج إليه في الغزو - انتهي كلامه- وفي هذا الحديث مفعوله محذوف، أي كنت أجهز وكلائي ببضاعتي ومتاعي إلي الشام. قوله: ((ولمتجرك)) عطف تفسيري لقوله: ((لك)) علي طريقة قوله: أعجبنى زيد وكرمه، والمعنى ما تصنع بمتجرك الذي تركته وكانت البركة فيه. و ((أو)) في قوله: ((أو يتنكر)) يجوز أن يكون من شك الراوى أو
стр. 1580
٢٧٨٦ - وعن عائشة، قالت: كان لأبي بكر [﵁] غلامٌ يخرج له الخراج، فكان أبو بكر يأكل من خراجه، فجاء يومًا بشيٍء، فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام: تدري ماهذا؟ فقال أبو بكر: وماهو؟ قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية، وما أحسن الكهانة إلا أنى خدعته، فلقينى فأعطإني بذلك، فهذا الذي أكلت منه. قالت: فأدخل أبو بكرٍ يده، فقاء كل شيء في بطنه. رواه البخاري.
٢٧٨٧ - وعن أبي بكر [﵁]، أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يدخل الجنة جسد غذي بالحرام)) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [٢٧٨٧]
٢٧٨٨ - [وعن زيد بن أسلم، أنه قال: شرب عمر بن الخطاب لبنًا، وأعجبه، وقال للذي سقاه: من أين لك هذا اللبن؟ فأخبره أنه ورد علي ماءٍ قد سماه، فإذا
نعم من نعمِ الصدقة وهم يسقون، فحلبوا لي من ألبانها، فجعلته في سقائي، وهو هذا. فأدخل عمر يده فاستقاءه. رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [٢٧٨٨]
٢٧٨٩ - وعن ابن عمر، قال: من اشترى ثوبًا بعشرة دراهم وفيه درهمٌ حرامٌ، لم يقبل الله له صلاةً مادام عليه، ثم أدخل أصبعيه في أذنيه وقال: صمتا إن
ــ
للتنويع، والمراد بالتغيير حينئذ عدم الربح، وبالتنكير خسران رأس المال بسبب الحوادث، وفيه أن من أصاب من أمر مباح خيرًا، وجب عليه ملازمته، ولا يعدل منه إلي غيره إلا لصارف قوى، لأن كلا ميسر لما خلق له.
الحديث السادس عن عائشة ﵂: قوله: ((الخراج)) علي تقدير مضاف، أي يكسب له مال الخراج، والخراج هو الضريبة علي العبد بما يكسبه، فيجعل لسيده شطرًا من ذلك، والاستثناء في قوله: ((إلا إني خدعته)) منقطع، يعنى لم أكن أجيد الكهانة، لكني خدعته، وإنما قاء أبو بكر ﵁؛ لكونه حلوانا للكاهن لا للخادع.
الحديث السابع والثامن عن ابن عمر ﵄: قوله: ((لم يقبل الله تعالي له صلاة)) كان الظاهر أن يقال: منه، لكن المعنى لم يكتب الله له صلاة مقبولة، مع كونها مجزئة مسقطة للقضاء كالصلاة في الدار المغصوبة. قوله: ((صمتا)) الأظهر أن تكون مفتوحة الصاد، وإذا صح ضمها، فعلي معنى سد تا من قولهم: صممت القارورة أي سددتها، وهو دعاء علي أذنيه تأكيدًا وتقريرًا لإثبات السماع علي منوال قولهم: سمعته بأذني، واسم ((كان)) النبي صلي الله وخبره
следующие страницы →