Полный текст (3 308 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
٢٧٧٦ - وعن أنسٍ، قال: لعن رسول الله ﷺ في الخمر عشرةً: عاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها، وبائعها وآكل ثمنها، والمشتري لها، والمشترى له. رواه الترمذي، وابن ماجه [٢٧٧٦].
٢٧٧٧ - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لعن الله الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه)). رواه أبو داود، وابن ماجه. [٢٧٧٧]
٢٧٧٨ - وعن محيصة، أنه استأذن رسول الله ﷺ في أجرة الحجام، فنهاه، فلم يزل يستأذنه، حتى قال: ((اعلفه ناضحك، وأطعمه رقيقك)). رواه مالك، والترمذي، وأبو داود، وابن ماجه. [٢٧٧٨]
٢٧٧٩ - وعن أبي هريرة، قال: نهي رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب، وكسب الزمارة. رواه في ((شرح السنة)). [٢٧٧٩]
ــ
الحديث السابع والثامن عن أنس ﵁: قوله: ((ومعتصرها)) الجوهري: عصرت العنب واعتصرته وانعصر، وقد اعتصرت عصيرًا أي اتخذته. ((شف)): العاصر قد يكون عصره لغيره، والمعتصر الذي يعصر الخمر لنفسه، كقولك: كال واكتال وقصد واقتصد.
أقول: قوله: ((لعن في الخمر)) معناه في شأنها وبسببها، لعن من سعى فيها سعيًا ما علي ما عدد من العاصر والمعتصر وما أردفهما، وإنما أطنب فيه ليستوعب من زاولها مزاولة بأي وجه كان، ومن باع العنب من العاصر وأخذ ثمنه، فهو أحق باللعن، وهؤلاء لما حرمت عليهم الخمر، وباعوا ما هو أصل لها ممن علموا أنه يتخذها خمرًا، لا يبعد أن يكونوا ممن قيل فيه: ((قاتل الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها)).
الحديث التاسع عن محيصة: قوله: ((ناضحك)) الناضح الجمل الذي يستقى به الماء قوله: ((فنهاه)) ((مح)): هذا نهي تنزيه للارتفاع عن دني الاكتساب، وللحث علي مكارم الأخلاق ومعالي الأمور، ولو كان حرامًا لم يفرق بين الحر والعبد؛ فإنه لا يجوز للسيد أن يطعم عبده ما لا يحل.
الحديث العاشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((الزمارة)) قال أبو عبيد: تفسيره في الحديث أنها الزإنية ولم أسمع هذا الحرف إلا فيه، ولا أدري من أي شيء أخذ، وقد نقل
стр. 1577
٢٧٨٠ - وعن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تبيعوا القينات، ولا تشتروهن، ولا تعلموهن، وثمنهن حرام، وفي مثل هذا نزلت: ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث﴾)). رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه. وقال الترمذي:
هذا حديث غريب، وعلي بن يزيد الراوي يضعف في الحديث. [٢٧٨٠]
وسنذكر حديث جابر: نهي عن أكل الهر في باب ((ما يحل أكله)) إن شاء الله تعالي.
ــ
الهروي عن الأزهري أنه قال: يحتمل أن يكون نهي عن كسب المرأة المغنية، يقال: غناء زمير أي حسن، ويقال: زمر إذا غنى، وزمر الرجل إذا ضرب المزمار فهو زمار، ويقال للمرأة: زامرة قيل: ويحتمل أن يكون تسمية الزامرة زمارة؛ لأن الغالب علي الزوإني اللاتي اشتهرن بذلك العمل الفاحش واتخذنه حرفة، كونهن مغنيات، وذهب بعضهم إلي أن الصواب فيه تقديم الراء علي الزاي، وهي التي تومئ بشفتيها وعينيها، والزاوني يفعلن ذلك، قال الشاعر:
رمزت إلي مخافة من بعلها من غير أن يبدو هناك كلام
الحديث الحادي عشر عن أبي أمامة: قوله: ((القينات)) الجوهري: القينة الأمة مغنية كانت أو غيرها من التقيين وهو التزيين، وسميت بذلك لأنها تصلح البيت وتزينه.
((تو)): وفي الحديث يراد بها المغنية؛ لأنها إذا لم تكن مغنية، فلا وجه للنهي عن بيعها وشرائها. ((قض)): النهي مقصور علي البيع والشرى لأجل التغني، وحرمة ثمنها دليل علي فساد بيعها، والجمهور صححوا بيعها، والحديث مع ما فيه من الضعف للطعن في رواية مؤول بأن أخذ الثمن عليهن حرام، كأخذ ثمن العنب من النباذ؛ لأنه إعانة وتوسل إلي حصول محرم، لا لأن البيع غير صحيح.
قوله: ((لهو الحديث)) الإضافة فيه بمعنى ((من)) للبيان، نحو جبة خز، وباب ساج، أي يشتري اللهو من الحديث؛ لأن اللهو يكون من الحديث ومن غيره، والمراد بـ ((لحديث)) الحديث المنكر، فيدخل فيه نحو التسمر بالأساطير، والأحاديث التي لا أصل لها، والتحدث بالخرافات والمضاحيك والغناء وتعلم الموسيقى وما أشبه ذلك، نزلت في النضر بن الحارث كان يشترى المغنيات ليضل عن سبيل الله.
стр. 1578
الفصل الثالث
٢٧٨١ - عن عبد الله [بن مسعود]، قال: قال رسول الله ﷺ : ((طلب كسب الحلال فريضة بعد الفريضة)) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) [٢٧٨١].
٢٧٨٢ - وعن ابن عباس [﵄]، أنه سئل عن أجرة كتابة المصحف. فقال: لا بأس، إنما هم مصورون، وإنهم إنما يأكلون من عمل أيديهم.
رواه رزين.
٢٧٨٣ - وعن رافع بن خديجٍ، قال: قيل: يا رسول الله! أي الكسب أطيب؟ قال: ((عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرورٍ)) رواه أحمد. [٢٧٨٧]
ــ
الفصل الثالث
الحديث الأول عن عبد الله: قوله: ((فريضة بعد الفريضة)) يحتمل معنيين: أحدهما: بعد الفريضة المعلومة عند أهل الشرع، وثإنيهما: فريضة متعاقبة بعضها يتلو البعض، أي لا غاية لها؛ لأن طلب كسب الحلال أصل الورع وأساس التقوى.
الحديث الثاني عن ابن عباس ﵄: قوله: ((مصورون)) الصورة الهيئة والنقش، والمراد هاهنا النقش، وفي ((إنما)) إشعار بالمجموع، لأنه أثبت النقش ونفي المنقوش، والقرآن لما كان عبارة عن المجموع من القراءة والمقروء، والكتابة، والمكتوب، فالمقروء، والمكتوب هو القديم، والكتابة والقراءة ليستا من القديم؛ لأنهما من أفعال القارئ والكاتب، فلما نظر السائل إلي معنى المقروء والمكتوب، وأنهما من صفات القديم، عظم شأنه بأن يأخذ الأجرة، وحبث نظر ابن عباس ﵄ إلي الكتابة والقراءة، وأنهما من صفات الإنسان جوزها.
((حس)): قال الله تعالي: ﴿ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث﴾ يريد ذكر القرآن لهم وتلاوته عليهم، وعلمهم به كل ذلك محدث، والمذكور المتلو المعلوم غير محدث، كما أن ذكر العبد لله محدث، والمذكور غير محدث. وروى عن ابن عباس في قوله : ﴿قرآنًا
عربيًا غير ذي عوج﴾ قال: غير مخلوق.
الحديث الثالث عن رافع: قوله: ((مبرور)) أي مقبول في الشرع بأن لا يكون فاسدًا، أو عند الله بأن يكون مثابًا به.
стр. 1579
٢٧٨٤ - وعن أبي بكر بن أبي مريم، قال: كانت لمقدام [بن] معدي كرب جاريةٌ تبيع اللبن. ويقبض المقدام ثمنه، فقيل له: سبحان الله! أتبيع اللبن؟ وتقبض الثمن؟ فقال: نعم! وما بأسٌ بذلك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ليأتين علي الناس زمانٌ لاينفع فيه إلا الدينار والدرهم)) رواه أحمد. [٢٧٨٤]
٢٧٨٥ - وعن نافعٍ، قال: كنت أجهز إلي الشام، وإلي مصر، فجهزت إلي العراق، فأتيت إلي أم المؤمنين عائشة، فقلت لها: يا أم المؤمنين! كنت أجهز إلي الشام فجهزت إلي العراق. فقالت: لاتفعل! مالك ولمتجرك؟ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إذا سبب الله لأحدكم رزقًا من وجهٍ فلا يدعه حتى يتغير له، أو يتنكر له)) رواه أحمد، وابن ماجه.
ــ
الحديث الرابع عن أبي بكر ﵁: قوله: ((أتبيع اللبن)) يجوز أن يكون ((تبيع)) مسندًا إلي الجارية علي الحقيقة، أنكر بيع الجارية اللبن وقبض المقدام ثمنه، فالإنكار متوجه إلي معنى الدناءة، أي أترضي بفعل الجارية الدنيئة شيئًا دنيئًا فتقبضه؟ وأن يكون مسندًا إلي المقدام علي المجاز، فالإنكار متوجه إلي البيع والقبض معًا، وقوله: ((نعم)) جواب عن معنى الإنكار، أي أترضي بهذا الفعل الدنىء؟ فقال: ((نعم))، وتنزيل الجواب علي الوجه الأول أولي، ويؤيده تأكيده بقوله: ((وما بأس بذلك)) و ((ما)) في قوله: ((ما بأس)) بمعنى ((ليس)) وهو يقتضى أن يكون ((بأس)) مرفوعًا به، ولم تجىء ((ما)) بمعنى ((لا)) التي لنفي الجنس، اللهم إلا علي الاستعارة؛ فإنها غير متوقفة علي السماع.
قوله: ((لا ينفع فيه إلا الدينار والدرهم)) معناه لا ينفع الناس شيء، إلا الكسب، إذ لو تركوه لوقعوا في الحرام، كما روي عن بعضهم، وقيل له: إن التكسب يدنيك من الدنيا، قال: لئن أدنانى من الدنيا لقد صانني عنها، وكان السلف يقولون: اتجروا واكتسبوا؛ فإنكم في زمان إذا احتاج أحدكم كان أول ما يأكل دينه. وروى عن سفيان وكانت له بضاعة يقلبها: لولاها لتمندل بى بنو العباس، أي لجعلوني كالمنديل يمسحون بى أوساخهم.
الحديث الخامس عن نافع: قوله: ((أجهز)) ((نه)): في الحديث ((من لم يغز ولم يجهز غازيًا)) تجهيز الغازى تحميله وإعداد ما يحتاج إليه في الغزو - انتهي كلامه- وفي هذا الحديث مفعوله محذوف، أي كنت أجهز وكلائي ببضاعتي ومتاعي إلي الشام. قوله: ((ولمتجرك)) عطف تفسيري لقوله: ((لك)) علي طريقة قوله: أعجبنى زيد وكرمه، والمعنى ما تصنع بمتجرك الذي تركته وكانت البركة فيه. و ((أو)) في قوله: ((أو يتنكر)) يجوز أن يكون من شك الراوى أو
стр. 1580
٢٧٨٦ - وعن عائشة، قالت: كان لأبي بكر [﵁] غلامٌ يخرج له الخراج، فكان أبو بكر يأكل من خراجه، فجاء يومًا بشيٍء، فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام: تدري ماهذا؟ فقال أبو بكر: وماهو؟ قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية، وما أحسن الكهانة إلا أنى خدعته، فلقينى فأعطإني بذلك، فهذا الذي أكلت منه. قالت: فأدخل أبو بكرٍ يده، فقاء كل شيء في بطنه. رواه البخاري.
٢٧٨٧ - وعن أبي بكر [﵁]، أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يدخل الجنة جسد غذي بالحرام)) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [٢٧٨٧]
٢٧٨٨ - [وعن زيد بن أسلم، أنه قال: شرب عمر بن الخطاب لبنًا، وأعجبه، وقال للذي سقاه: من أين لك هذا اللبن؟ فأخبره أنه ورد علي ماءٍ قد سماه، فإذا
نعم من نعمِ الصدقة وهم يسقون، فحلبوا لي من ألبانها، فجعلته في سقائي، وهو هذا. فأدخل عمر يده فاستقاءه. رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [٢٧٨٨]
٢٧٨٩ - وعن ابن عمر، قال: من اشترى ثوبًا بعشرة دراهم وفيه درهمٌ حرامٌ، لم يقبل الله له صلاةً مادام عليه، ثم أدخل أصبعيه في أذنيه وقال: صمتا إن
ــ
للتنويع، والمراد بالتغيير حينئذ عدم الربح، وبالتنكير خسران رأس المال بسبب الحوادث، وفيه أن من أصاب من أمر مباح خيرًا، وجب عليه ملازمته، ولا يعدل منه إلي غيره إلا لصارف قوى، لأن كلا ميسر لما خلق له.
الحديث السادس عن عائشة ﵂: قوله: ((الخراج)) علي تقدير مضاف، أي يكسب له مال الخراج، والخراج هو الضريبة علي العبد بما يكسبه، فيجعل لسيده شطرًا من ذلك، والاستثناء في قوله: ((إلا إني خدعته)) منقطع، يعنى لم أكن أجيد الكهانة، لكني خدعته، وإنما قاء أبو بكر ﵁؛ لكونه حلوانا للكاهن لا للخادع.
الحديث السابع والثامن عن ابن عمر ﵄: قوله: ((لم يقبل الله تعالي له صلاة)) كان الظاهر أن يقال: منه، لكن المعنى لم يكتب الله له صلاة مقبولة، مع كونها مجزئة مسقطة للقضاء كالصلاة في الدار المغصوبة. قوله: ((صمتا)) الأظهر أن تكون مفتوحة الصاد، وإذا صح ضمها، فعلي معنى سد تا من قولهم: صممت القارورة أي سددتها، وهو دعاء علي أذنيه تأكيدًا وتقريرًا لإثبات السماع علي منوال قولهم: سمعته بأذني، واسم ((كان)) النبي صلي الله وخبره
стр. 1581
لم يكن النبي ﷺ سمعته يقوله. رواه أحمد، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) وقال: إسناده ضعيف. [٢٧٨٩]
(٢) باب المساهلة في المعاملات
الفصل الأول
٢٧٩٠ - عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((رحم الله رجلاً سمحًا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى)) رواه البخاري.
٢٧٩١ - وعن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن رجلاً كان فيمن قبلكم أتاه الملك ليقبض روحه، فقيل له: هل عملت من خير؟ قال: ما أعلم. قيل له: انظر. قال: ما أعلم شيئًا، غير إني كنت أبايع الناس ئي الدنيا وأجازيهم فأنظر الموسر، وأتجاوز عن المعسر؛ فأدخله الله الجنة)) متفق عليه.
ــ
((سمعته)) نحو زيد ضربته، وزيد انطلق أبوه، وهو من الإسناد السيء؛ لأن الخبر مسند إلي متعلق المبتدأ، وجواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله، وهو قوله: ((صمتا)) وهو أبلغ من لو قيل: إن لم أكن سمعت النبي ﷺ يقول. قال ابن جني: قالوا: زيد ضربته أبلغ من ضربت زيدا؛ فإنهم قدموا المفعول؛ لأن الغرض هنا ليس ذكر الفاعل، وإنما هو ذكر المفعول فقدم عناية بذكره، ثم لم يقنع بذلك حتى أزالوه عن لفظ الفضلة، وجعلوه رب الجملة لفظًا، فرفعوه بالابتداء، وصار قوله: ضربته ذيلاً له وفضلة ملحقة به- انتهي كلامه - وكذلك في الحديث القصد صدور هذا القول من النبي ﷺ وهو المهتم بشأنه، وسماعه منه تابع له، وعلي عكس هذا لو قيل: سمعت النبي ﷺ يقول.
باب المساهلة في المعاملة
الفصل الأول
الحديث الأول عن جابر ﵁: قوله: ((سمحًا)) أي سهلاً، وهو صفة مشبهة تدل علي الثبوث؛ فلذلك كرر أحوال البيع والشرى والتقاضي. الجوهري: سمح به أي جاد به، وسمح بالضم فهو سمح وامرأة سمحة، والمسامحة المساهلة. ((قض)): رتب الدعاء عليه؛ ليدل علي أن السهولة والتسامح في المعاملة سبب لاستحقاق الدعاء؛ ولكونه أهلا للرحمة. و ((الاقتضاء)) التقاضي وهو طلب قضاء الحق.
الحديث الثاني عن حذيفة ﵁: قوله: ((فقيل له)) ((مظ)): هذا السؤال منه كان في القبر. أقول: يحتمل أن يكون ((فقيل)) مسنداً إلي الله تعالي، وأن يكون في القيامة لقوله بعد
стр. 1582
١٧٩١ - وفي رواية لمسلم نحوه عن عقبة بن عامرٍ وأبي مسعودٍ الأنصاري ((فقال الله: أنا أحق بذا منك، تجاوزوا عن عبدي)).
٢٧٩٣ - وعن أبي قتادة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إياكم وكثرة الحلف في البيع فإنه ينفق ثم يمحق)) رواه مسلم.
٢٧٩٤ - وعن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للبركة)) متفق عليه.
ــ
ذلك: ((أبايع الناس في الدنيا)). وقوله: ((فأدخله الله الجنة)) والفاء في ((فقيل)) عاطفة علي مقدر، أي أتاه الملك ليقبض فقبضه فبعثه الله تعالي، فقال له فأجابه، فأدخله الله الجنة. وعلي التقدير الأول فقبض وأدخل القبر، فتنازع ملائكة الرحمة والعذاب فيه، فقيل له ذلك، وينصر هذا الوجه الرواية الأخرى ((تجاوزوا عن عبدي)). قوله: ((وأجازيهم)) الجوهري: جزي عني هذا الأمر أي قضى، وتجازيت ديني علي فلان إذا تقاضيته، والمتجازي المتقاضي. ((مح)): فيه فضل إنظار المعسر والوضع عنه قليلاً أو كثيراً، وفضل المسامحة في الاقتضاء من الموسر، وفيه عدم احتقار أفعال الخير، فلعله يكون سبباً للسعادة والرحمة.
الحديث الثالث عن أبي قتادة ﵁: قوله: ((إياكم وكثرة الحلف)) ((إياكم)) منصوب علي التحذير أي اتقوا أنفسكم عن إكثار الحلف، وإيثار الحلف عن أنفسكم، كرره للتأكيد والتنفير، والنهي عن كثرة الحلف فيه لا يقتضي جواز قلتها؛ لأن النهي وارد علي أهل السوق، وعادتهم كثرة الحلف، كقوله تعالي: ﴿لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة﴾.
و ((ثم)) في ((يمحق)) يجوز أن تكون للتراخي في الزمان، يعني وأن أنفق اليمين السلعة حالاً فإنه يذهب بالبركة مآلا، كقول ابن مسعود: الربا وإن كثر إلي قل، وأن تكون للتراخي في الرتبة، يعني أن محقه البركة حينئذ أبلغ من الإنفاق، والمراد من محق البركة عدم انتفاعه به ديناً ودنيا.
الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((منفقة للسلعة ممحقة)) ((مح)): بفتح أولهما وثالثهما، وتسكين ثإنيهما. ((نه)): ((منفقة للسلعة)) أي مظنة لنفاقها وموضع له، والمحق النقص والمحو والإبطال، ((وممحقة)) مفعلة منه أي مظنة له أو مجزاة به.
стр. 1583
٢٧٩٥ - وعن أبي ذر [﵁]، عن النبي ﷺ ، قال: ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم)) قال أبو ذر: خابوا وخسروا من هم؟ يا رسول الله! قال: ((المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب)) رواه مسلم.
الفصل الثاني
٢٧٩٦ - عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء)) رواه الترمذي، والدارقطني. [٢٧٩٦]
ــ
الحديث الخامس عن أبي ذر ﵁: قوله: ((المسبل)) هو الذي يطول ثوبه ويرسله إلي الأرض إذا مشى، وإنما يفعل ذلك كبراً واختيالا. قوله: ((والمنان)) ((نه)): ((المنان)) يؤول علي وجهين، أحدهما: من المنة التي هي الاعتداد بالصنيعة، وهي إن وقعت في الصدقة أبطلت الأجر، وإن وقعت في المعروف كدرت الصنيعة، وقيل: هو من المن وهو النقص، يريد النقص من الحق والخيانة، ومنه قوله تعالي: ﴿وإن لك لأجراً غير ممنون﴾ أي غير منقوص، ومنه سمى الموت منونا؛ لأنه ينقص الأعداد، والمنفق بالتخفيف.
أقول: إنما جمع الثلاثة في قرن واحد؛ لان مسبل الإزار وهو المتكبر الذي يترفع بنفسه علي الناس، ويحط من منزلتهم ويحقر شأنهم، والمنان إنما يمن بعطائه السائل لما رأي من فضله وعلوه علي المعطى له، والحالف البائع يراعى غبطة نفسه، والهضم من حق صاحبه، والحاصل من المجموع عدم المبالاة بالغير وإيثار نفسه عليه، ولذلك يجازيه الله تعالي بعدم المبالاة والالتفات إليه، كنما لوح ﷺ بقوله: ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة)) إلي آخره. فإن قلت: مرتبة الجزاء أن يؤخر عن الفعل، فلم قدم ذكره في الحديث؟ قلت: ليفخم شأنه ويهول أمر مرتكبيه في خلد السامع، فيذهب بنفسه كل مذهب، ومن ثم قال أبو ذر: ((خابوا وخسروا من هم))، ولو قيل: المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف لا يكلمهم الله، لم يقع هذا الموقع، ونظيره قول الشاعر:
ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها ... شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر
الفصل الثاني
الحديث الأول عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((مع النبيين والصديقين)) بعد قوله:
стр. 1584
٢٧٩٧ - ورواه ابن ماجه عن ابن عمر.
وقال الترمذي: هذا حديث غريب [٢٧٩٧].
٢٧٩٨ - وعن قيس بن أبي غرزة، قال: كنا نسمى في عهد رسول الله ﷺ السماصرة، فمر بنا رسول الله ﷺ فسمانا باسم هو أحسن منه، فقال: ((يا معشر التجار! إن البيع يحضره اللغو والحلف فشوبوه بالصدقة))، رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه [٢٧٩٨].
ــ
((التاجر الصدوق الأمين)) حكم مرتب علي الوصف المناسب، وهو من قوله تعالي: ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين﴾ وذلك أن اسم الإشارة يشعر أن ما بعده جدير بمن قبله؛ لاتصافه بصفة إطاعة الله ورسوله. وإنما قلنا: إن الوصف مناسب للحكم؛ لأن ((الصدوق)) بناء مبالغة من الصدق كالصديق، وإنما يستحق التاجر هذا الوصف إذا كثر تعاطيه الصدق قولاً وفعلاً، وهذا أخص أوصاف النبيين، وكذلك ((الأمين)) بناء مبالغة فحكمه حكم الصدوق؛ لأن الأنبياء ليسوا غير أمناء الله علي عباده، فلا غرو ولا عجب لمن اتصف بهذين الوصفين أن ينخرط في زمرة النبيين والصديقين والشهداء، وقليل ما هم، وقد سبق فضل الكسب الحلال ونفعه لصاحبه، وسرايته إلي عموم الخلق في أول باب الكسب.
الحديث الثاني عن قيس: قوله: ((السماسرة)) ((نه)): هي جمع سمسار وهو القيم بالأمر الحافظ له، وهو في البيع اسم للذي يدخل بين البائع والمشتري متوسطا لإمضاء البيع، والسمسرة البيع والشرى، قوله: ((باسم هو أحسن)) وذلك أن التجارة عبارة عن التصرف في رأس المال طلبًا للربح، والسمسار كذلك، لكن الله تعالي ذكر التجارة في كتابه غير مرة علي سبيل المدح، كما قال تعالي: ﴿هل أدلكم علي تجارة تنجيكم من عذاب﴾ وقوله: ﴿تجارة لن تبور﴾ و ﴿تجارة عن تراض﴾. قوله: ((اللغو)) هو من الكلام مالا يعتد به، وهو الذي يورد لا عن روية وفكر، فيجري مجرى [اللغا]، وهو صوت العصافير. قوله: ((فشوبوه)) ((نه)):
стр. 1585
٢٧٩٩ - وعن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: ((التجار يحشرون يوم القيامة فجاراً، إلا من اتقى وبر وصدق)) رواه الترمذي، وابن ماجه، والدارمي. [٢٧٩٩]
٢٨٠٠ - وروى البيهقي في ((شعب الإيمان)) عن البراء.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح [٢٨٠٠].
[وهذا الباب خالد من الفصل الثالث]
ــ
في الحديث ((لا شوب ولا روب)) أي لا غش ولا تخليط في شرى أو بيع، وأصل الشوب الخلط، والروب من اللبن الرائب لخلطه بالماء، أقول: ربما يحصل من الكلام الساقط وكثرة الحلف كدورة في النفس، فيحتاج إلي إزالتها وصفائها، أمر بالصدقة ليزيل تلك الكدورة ويصفيها، وفيه أشار بكثرة الصدق؛ فإن الماء القليل الصافي لا يكتسب من الكدر إلا كدورة. وقيل: إن اللغو والحلف يوجبان سخط الله تعالي، والصدقة تطفئ غضب الرب، ولفظ الشوب لا يساعد علي هذا المعنى.
الحديث الثالث عن عبيد: قوله: ((التجار)) ((قض)): لما كان من ديدن التجار التدليس في المعاملات، والتهالك علي ترويج السلع بما تيسير لهم من الإيمان الكاذبة ونحوها، حكم عليهم بالفجور، واستثنى منهم إلا من اتقى المحارم وبر في يمينه وصدق في حديثه، وإلي هذا ذهب الشارحون، وحملوا هذا الحديث علي ما قبله، وعللوا الفجور باللغو والحلف، فهلا حملوه علي حديث أبي سعيد ((التاجر الصدوق الأمين مع النبيين)) لأن الفجار قوبل بالأبرار في قوله تعالي: ﴿إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم﴾ وقوله: ﴿إن كتاب الفجار لفي سجين﴾ وقوله: ﴿إن كتاب الأبرار لفي عليين﴾ فمن تحرى الصدق والأمانة في تجارته، كان في زمرة الأبرار من النبيين والصديقين، ومن توخي خلافهما، كان في قرن الفجار من الفسقة والعاصين. ((غب)): أصل الفجر شق الشيء، شقاً واسعًا، قال تعالي: ﴿وفجرنا خلالهما نهراً﴾ والفجور شق ستر الديانة، يقال: فجر فجوراً فهو فاجر وجمعه فجار وفجرة.
стр. 1586
(٣) باب الخيار
الفصل الأول
٢٨٠١ - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ ((المتبايعان كل واحد منهما بالخيار علي صاحبه مالم يتفرقا إلا بيع الخيار)) متفق عليه.
وفي رواية لمسلم: ((إذا تبايع المتبايعان فكل واحدٍ منهما بالخيار من بيعه ما لم يتفرقا أو يكون بيعهما عن خيارٍ، فإذا كان بيعهما عن خيار فقد وجب)).
ــ
باب الخيار
الفصل الأول
الحديث الأول عن ابن عمر ﵄: قوله: ((بالخيار)) خبر لقوله: ((كل واحد)) أي محكوم بالخيار، والجملة خبر لقوله: ((المتبايعان)). ((نه)): هو الاسم من الاختيار، وهو طلب خير الأمرين إما إمضاء البيع أو فسخه. ((تو)): اختلف العلماء في معنى قوله: ((ما لم يتفرقا)) فذهب جمع إلي أن معناه التفرق بالأبدان، فأثبتوا لهما خيار المجلس، وقالوا: سماهما المتبايعين وهما المتعاقدان؛ لأن البيع من الأسماء المشتقة من أفعال الفاعلين، وهي لا تقع في الحقيقة إلا بعد حصول الفعل منهم، وليس بعد العقد تفريق إلا التميز بالأبدان. وذهب آخرون إلي أنهما إذا تعاقدا صح البيع، ولا خيار لهما إلا أن يشترطا، وقالوا: المراد من التفرق هو التفرق بالأقوال، ونظيره قوله تعالي: ﴿وإن يتفرقا يغن الله كلا من سمعته﴾ وأما تسميتهما بالمتبايعين، فيصح أن يكون بمعنى المتساومين، وهو من باب تسمية الشيء بما يؤول إليه أو يقرب منه.
((قض)): المفهوم من التفرق هو التفرق بالأبدان وعليه إطباق أهل اللغة. وإنما سمي الطلاق تفرقًا في قوله تعالي: ﴿وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته﴾ لأنه يوجب تفرقهما بالأبدان. ومن نفي خيار المجلس، أول التفرق بالتفرق بالأقوال، وهو الفراغ من العقد، وحمل المتبايعين علي المتساومين؛ لأنهما علي صدد البيع، فارتكب مخالفة الظاهر من وجهين بلا مانع يعوق عنه، مع أن هذا الحديث [رواي] البخاري وغيره من أئمة الحديث، وأوردوه بعبارة تأبي قبول هذا التأويل، ومن ذلك ما أورده في الحسان ((وإلا بيع الخيار)) استثناء عن مفهوم الغاية، والمعنى المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإذا تفرقا سقط الخيار ولزم العقد إلا بيع الخيار أي بيعًا شرط فيه الخيار، فإن الخيار بعد باق إلي أن يمضي الأمد المضروب للخيار
стр. 1587
وفي رواية للترمذي: ((البيعان بالخيار مالم يتفرقا أو يختارا)) وفي المتفق عليه: ((أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر)) بدل ((أو يختارا)).
٢٨٠٢ - وعن حكيم بن حزام، قال: قال رسول الله ﷺ : ((البيعان بالخيار))
ــ
المشروط. وقيل: الاستثناء من أصل الحكم؛ والمعنى أنهما بالخيار إلا في بيع إسقاط الخيار ونفيه، أي في بيع شرط فيه نفي الخيار، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
ومن هذين الوجهين نشأ الخلاف في صحة شرط نفي خيار المجلس فيما بين القائلين به، والأول أظهر لقلة الإضمار وإيلاء الاستثناء بالمتعلق به. وقيل: معناه إلا بيعًا جرى التخاير فيه، وهو أن يقول أحدهما لصاحبه: اختر، فيقول: اخترت، فإن العقد يلزم به ويسقط الخيار فيه وإن لم يتفرقا بعد. أقول: وظهر من هذا أن ((أو)) في قوله: ((أو يختارا)) مثلها في قولك: لزمتك أو تعطيني حقي إلا أن تختار.
((تو)): قوله ﷺ : ((إلا بيع الخيار)) المراد منه عند من لا يرى خيار المجلس خيار الشرط، وقد أنكر الخطأبي علي هذا التأويل، وصرح القول بفساده، وقال: الاستثناء من الإثبات نفي ومن النفي إثبات، والأول إثبات الخيار، فلا يجوز أن يكون ما استثني عنه إثباتًا مثله. وكأن هذا القول صدر منه من غير روية؛ لأن في قوله: ((ما لم يتفرقا)) دليلاً ظاهراً علي نفي الخيار بعد وجوب البيع، فوقع الاستثناء عن المعنى المنفي.
أقول: أجاب القاضي عنه للخطابي، وبين المستثنى منه المثبت بقوله: ولزم العقد، وهو المعني بقوله: ((إلا بيع الخيار)) استثناء عن مفهوم الغاية، وهو الحق؛ لأن الكلام إنما يتم بآخره. هذا من حيت الاجتهاد، وأما النص فلا يساعد إلا وجوب البيع، ونفي الاختيار إما بالشرط أو بلفظ اختر؛ لأن الروايات التالية بيان له، ولا يجوز العدول عن بيان الرسول لمراده من كلامه إلي الاحتمال.
((مح)): اتفق أصحابنا علي أن المراد من الحديث التخيير بعد تمام العقد قبل مفارقة المجلس، وتقديره: يثبت لهما الخيار ما لم يتفرقا، إلا أن يتخايرا في المجلس ويختارا إمضاء البيع، فيلزم البيع بنفس التخاير، ولا يدوم إلي المفارقة، وهو المنصوص للشافعي ونقلوه عنه، وأبطل كثير منهم ما سواه وغلطوا قائله، وممن رجحه من المحدثين البيهقي، تم بسط دلائله وبين ضعف ما يعارضها. والله أعلم.
الحديث الثاني عن حكيم: قوله: ((فإن صدقا وبينا)) ((مح)) و ((مظ)): يعني فإن صدق البائع في صفة المبيع، وبين ما فيه من عيب ونقص، وكذا المشتري فيما يعطي في عوض المبيع ((بورك)) أي كثر نفع البائع من الثمن ونفع المشتري في المبيع، ((وإن كتما)) عيب متاعهما وكذا
стр. 1588
ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما)) متفق عليه.
٢٨٠٣ - وعن ابن عمر، قال: قال رجل للنبي ﷺ : إني أخدع في البيوع. فقال: ((إذا بايعت فقل: لا خلابة)) فكان الرجل يقوله. متفق عليه.
ــ
في صفات ذلك، ((محقت)) أي نفيت وأزيلت بركة بيعهما.
أقول: قوله: ((فإن صدقا)) هذا القيد فيه إشعار بأن علة شرعية خيار المجلس تحري المتبايعين في المبيع من الوقوف علي عيبه، أو أن له غرضًا ما فيه، أو أنه يغبن فيه ولا يعلم، وليس له في المبيع ما قصده من الغرض، فعلي كل من المتبايعين نصح صاحبه من بيان العيب، وعدم حصول الغرض منه، فإن كتم ذلك ولم يبين خانه، ومن نفي خيار المجلس أبطل هذا الغرض.
الحديث الثالث عن ابن عمر ﵄: قوله: ((إني أخدع في البيوع)) ((قض)): ذلك الرجل حبان بن منقذ بن عمرو الأنصاري المازني، وقد صرح به في بعض الروايات و ((الخلابة)) الخداع، يقال: خلبت الرجل خلابة إذا خدعته، والحديث يدل علي أن الغبن لا يفسد البيع ولا يثبت الخيار؛ لأنه لو أفسد البيع أو أثبت الخيار لنبه الرسول ﷺ عليه ولم يأمره بالشرط، وقال مالك: إذا لم يكن المشتري ذا بصيرة فله الخيار، وقال أبو ثور: إذا كان الغبن فاحشًا لا يتغابن الناس بمثله فسد البيع، وأنه إذا ذكرت هذه الكلمة في العقد، ثم ظهرت فيه غبينة كان له الخيار، وكأنه شرط أن يكون الثمن غير زائد عن ثمن المثل، فيضاهي ما إذا شرط وصفاً مقصوداً في المبيع فبان خلافه، وهو قول أحمد. وذهب أكثر العلماء، إلي أن مجرد هذا اللفظ لا يوجب الخيار بالغبن، فمنهم من خصص الحديث بحبان، ومنهم من قال: إنه ﷺ أمره بشرط الخيار وتصدير الشرط بهذه الكلمة، تحريضًا للمعامل علي حفظ الأمانة والتحرز عن الخلابة، فإنه روي أنه ﷺ قال: له: ((قل لا خلابة، واشترط الخيار ثلاثة أيام)) وعلي هذا لم يختص الخيار بظهور الغبن، بل للشارط فسخه في المدة المضروبة، سواء كان فيه غبن أولم يكن، وليس له الفسخ بعد مضيها وإن ظهر الغبن.
((تو)): لقنه النبي ﷺ هذا القول؛ ليتلفظ به عند البيع، فيطلع به صاحبه علي أنه ليس من ذوي البصائر في معرفة السلع ومقادير القيمة فيها، فيمتنع بذلك عن مظان الغبن، ويرى له كما يرى لنفسه، وكان الناس في ذلك الزمان أحقاء بأن يعينوا أخاهم المسلم، وينظروا له أكثر مما ينظرون لأنفسهم. أقول: هذا هو الوجه، لما مر في الحديث السابق من قوله: ((إن صدقا وبينا، بورك لهما في بيعهما)) وتفسيرنا له: فعلي كل من المتبايعين نصح صاحبه، وكان ذلك من توارد الخواطر: و ((لا)) في ((لا خلابة)) لنفي الجنس، وخبره محذوف علي الحجازي، أي لا خداع في الدين؛ لأن الدين النصيحة.
стр. 1589
الفصل الثاني
٢٨٠٤ - عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ قال: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، إلا أن يكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله)) رواه الترمذي، وأبو داود، والنيائي. [٢٨٠٤]
٢٨٠٥ - وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: ((لا يتفرقن اثنان إلا عن تراضٍ)) رواه أبو داود. [٢٨٠٥]
الفصل الثالث
٢٨٠٦ - عن جابر [﵁] أن رسول الله ﷺ خير أعرابياً بعد البيع.
رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.
ــ
الفصل الثاني
الحديث الأول عن عمرو: قوله: ((صفقة خيار)) أي بيعة خيار، والإضافة للبيان؛ لأن الصفقة يجوز أن تكون للبيع أو للعهد. ((نه)): هو أن يعطي الرجل الرجل عهده وميثاقه، ويضع أحدهما يده في يد الأخر، كما يفعل المتبايعان، وهي المرة من التصقيق باليدين، والمعنى أن المتبايعين ينقطع خيارهما بالتفرق، إلا أن يكون البيع بيعًا شرط فيه الخيار كما مر.
قوله: ((خشية أن يستقيله)) مفعول له. ((مظ)): الإقالة إبطال البيع بعد انعقاده أي الفسخ، والمستعمل في الإقالة أن يرفع العاقدان البيع بعد لزومه بتراضيهما، والفسخ يستعمل في رفع العقد في زمان الخيار، أو لا ينبغي للمتقي أن يقوم من المجلس بعد العقد، ويخرج من خوف أن يفسخ العاقد الآخر البيع بخيار المجلس؛ لأن هذا يشبه الخديعة، وروي أن ابن عمر كان إذا بايع رجلا، فأراد أن لا يقيله قام يمشي هنيهة. هذا يدل علي أن المفارقة بالأبدان هو المعتبر.
الحديث الثاني عن أبي هريرة: قوله: ((عن تراض)) صفة مصدر محذوف، والاستثناء متصل، أي لا يتفرقن اثنان إلا تفرقًا صادرًا عن تراض. ((شف)): فيه دليل علي أنه لا يجوز التفريق بين العاقدين لا نقاطع خيار المجلس إلا برضاهما، وفيه دليل علي ثبوت خيار المجلس لهما، وإلا فلا معنى لهذا القول حينئذ.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن جابر ﵁: قوله: ((خير)) ظاهره يدل علي مذهب أبي حنيفة؛ لأنه لو كان خيار المجلس ثابتًا بالعقد كان التخيير عبثاً، والجواب أن هذا مطلق يحمل علي المقيد، كما سبق في الحديث الأول من الباب.
стр. 1590
(٤) باب الربا
الفصل الأول
٢٨٠٧ - عن جابر [﵁]، قال: لعن رسول الله ﷺ آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: ((هم سواءٌ)) رواه مسلم.
ــ
باب الربا
الربا الزيادة علي رأس المال، لكن خص في الشريعة بالزيادة علي وجه دون وجه، وباعتبار الزيادة قال: ﴿وما ءاتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عنه الله﴾ ونبه بقوله: ﴿يمحق الله الربا ويربي الصدقات﴾ علي أن الزيادة المعقولة المعبر عنها بالبركة مرتفعة عن الربا. ((مح)): الربا مقصور، وهو من ربا يربو فيكتب بالألف، وتثنيته بالواو، وأجاز الكوفيون كتابته وتثنيته بالياء لكسر أوله، قال العلماء: كتبوه في المصحف بالواو، وقال الفراء: لأن أهل الحجاز تعلموا الخط من أهل الحيرة ولغتهم الربوا، فعملوا صورة الخط علي لغتهم، قال: وكذا قرأها أبو سليمان العدوي، وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة لكسرة الراء، والباقون بالتفخيم لفتحة الباء. وقال: فيجوز كتابته بالألف والواو والياء. ((حس)): قال عبد الله بن سلام: للربا اثنان وسبعون حوبًا، أصغرها حوبًا كمن أتى أمه في الإسلام، ودرهم من الربا أشد من بضع وثلاثين زنية، قال: ويأذن الله بالقيام للبر والفاجر يوم القيامة إلا لآكل الربا؛ فإنه لا يقوم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس.
الفصل الأول
الحديث الأول عن جابر ﵁: قوله: ((آكل الربا)) أي الآخذ، وإنما خص بالأكل؛ لأنه أعظم الانتفاع، كما قال تعالي: ﴿الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما﴾. ((شف)): سوى رسول الله ﷺ بين آكل الربا وموكله؛ [إذا] كان لا يتوصل إلي أكله إلا بمعاونته ومشاركته إياه، فهما شريكان في الإثم كما كانا شريكين في الفعل، وإن كان أحدهما مغتبطاً بفعله لما يستفضله من التبع، والآخر منهما لما يلحقه من النقص، ولله حدود، فلا تتجاوز في وقت الوجود من الربح والعدم، وعند العسر واليسر، والضرورة لا تلحقه بوجه في أن يؤكله الربا؛ لأنه قد يجد السبيل إلي أن يتوصل إلي حاجته بوجه من وجوه المعاملة والمبايعة ونحوها.
أقول: لعل هذا الإضرار إنما يلحق بالمؤكل، فينبغي أن يتحرز عن صريح الربا، فيتشبث
стр. 1591
٢٨٠٨ - وعن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثلٍ، سواءً بسواءٍ، يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد)) رواه مسلم.
ــ ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
بوجه من وجوه المبايعة نحو العينة؛ لقوله تعالي: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ لكن مع وجلٍ وخوفٍ شديد، عسى الله أن يتجاوز عنه، ولا كذلك الآكل. والله أعلم.
((مح)): فيه تصريح بتحريم كتابة المتبايعين المترابيين والشهادة عليهما، وبتحريم الإعانة علي الباطل كناية.
الحديث الثاني عن عبادة ﵁: قوله: ((الذهب بالذهب)) ((شف)): هذا الحديث هو العمدة في هذا الباب، عد النبي ﷺ أصولاً، وصرح بأحكامها وشروطها التي تعتبر في بيع بعضها ببعضها جنسًا واحداً أو أجناسًا، وبين ما هو العلة في كل واحد منها ليتوصل المجتهد بالشاهد إلي الغائب، فإنه ﷺ ذكر النقدين والمطعومات الأربع؛ إيذانًا بأن علة الربا هي النقدية أو الطعم، وإشعاراً بأن الربا إنما يكون في النوعين المذكورين، وهما النقد أو المطعوم، وذكر من المطعومات الحبوب وهي البر والشعير والتمر والثمار وهو الثمر، وما يقصد مطعومًا لنفسه وهو البر والشعير والتمر، أو لغيره وهو الملح؛ ليعلم أن الكل سواء في هذا الحكم.
وقسم التعامل في أموال الربا علي ثلاثة أقسام، أحدها: أن يباع شيء منها بجنسه المشارك له في علة الربا كبيع الحنطة بالحنطة، فشرط ﷺ في هذا القسم ثلاثة أشياء، الأول: التماثل في القدر بقوله: ((مثلاً بمثل)) وأكده بقوله: ((سواء بسواء)) لأن المماثلة أعم من أن تكون في القدر بخلاف المساواة، الثاني والثالث: الحلول والتقابض، بقوله ﷺ ((يداً بيد)) فإنه دال علي الشرطين جميعاً. وثإنيها: أن يباع شيء منها بما ليس من جنسه، لكن يشاركه في العلة كبيع الحنطة بالشعير، فجوز ﷺ في هذا القسم التفاضل، بقوله: ((فإذا اختلف الجنس فبيعوا كيف شئتم)) وشرط في هذا النوع أيضاً الشرطين الآخرين بقوله: ((إذا كان يداً بيد)). وثالثها: أن يباع شيء منها بما ليس من جنسه، ولا يشرك العوضان في علة الربا كبيع البر بالذهب أو الفضة، وصرح ﷺ بالقسمين؛ لأنهما المقصود بالبيان لمخالفتهما سائر العقود في الشروط الثلاثة المذكورة، وسكت ﷺ عن النوع الثالث؛ إما لأنه جار علي قياس سائر البياعات، فلا حاجة إلي البيان، وإما لأن أمره مدلول عليه علي طريق المفهوم، فإن تقييد اعتبار الحلول والتقابض بالمشاركة في علة الربا بين العوضين، وسواء كان مع اتحاد الجنس أو مع عدم اتحاده، بقوله:
стр. 1592
٢٨٠٩ - وعن أبي سعيد الخدري [﵁]، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثلٍ، يداً بيدٍ، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواءٌ)) رواه مسلم.
ــ
((إذا كان يداً بيد)) وتقييد اعتبار المماثلة مع الشرطين المذكورين بالمشاركة في علة الربا مع اتحاد الجنس بقوله: ((مثلاً بمثل يداً بيد)) يدل علي عدم اعتبار شيء من الشرائط الثلاثة فيما ليس كذلك. وانتصاب ((مثلاً بمثل، يداً بيد)) علي الحال، والعامل متعلق الجار الذي هو قوله: ((بالذهب)) وصاحبها الضمير المستكن فيه، أي الذهب يباع بالذهب متماثلين مقبوضين يداً بيد، ونظيره مررت بزيد راكبين، هذا توضيح كلام القاضي.
((مح)): اختلفوا في العلة التي هي سبب تحريم الربا في الستة، قال الشافعي: العلة في الذهب والفضة كونهما جنسا الأثمان، فلا يتعدى الربا منهما إلي غيرهما من الموزونات، كالحديد والنحاس وغيرهما؛ لعدم المشاركة في المعنى، والعلة في الأربعة الباقية كونها مطعومة، فيتعدى الربا منها إلي كل مطعوم سواء كان قوتاً أو تفكها أو تداويا، كالإهليلج والسقمونيا وغيرهما، وما أكل وحده أو مع غيره، فيجري الربا في الزعفران علي الأصح.
وأما مالك فقال في الذهب والفضة كقول الشافعي، وفي الأربعة العلة فيها كونها تدخر للقوت، فعداه إلي الزبيب لأنه كالتمر، وإلي [السلت] لأنها كالبر والشعير، وأما أبو حنيفة فقال: العلة في الذهب والفضة الوزن، فيتعدى إلي كل موزون من نحاس وحديد وغيرهما، وفي الأربعة الكيل، فيتعدى إلي كل مكيل كالجص والأشنان وغيرهما. قال أحمد والشافعي في القديم: العلة في الأربعة الطعم والوزن أو الكيل، فعلي هذا لا ربا في البطيخ والسفرجل ونحوهما. أقول: ويؤيد قول الشافعي ﵁: أن العلة الطعم فحسب، ما روي في الحديث الخامس عن معمر.
قوله: ((هذه الأصناف)) ((تو)): وجدنا في كثير من نسخ المصابيح قد ضرب علي ((الأصناف))، وأثبت مكانها ((االأجناس))، والحديث أخرجه مسلم، ولفظه ((الأصناف)) لا غير، وأرى ذلك تصرفا عن ظن منه أن الصواب هو ((الأجناس))؛ لأن كل واحد من الأشياء المذكورة علي حدته جنس، والصنف أخص منه، ولم يدر أن ((الأصناف)) أقوم في هذا الموضع؛ لأنه أراد بيان الجنس الذي يجري فيه الربا، فعد أصنافه مع أن العرب تستعمل بعض الألفاظ المتقاربة في المعنى مكان بعضها.
الحديث الثالث عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((فقد أربى)) ((تو)): أي أتى الربا
стр. 1593
٢٨١٠ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثلٍ، ولا تشفوا بعضها علي بعضٍ، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها علي بعض ولا تبيعوا منها غائباً بناجز)). متفق عليه.
وفي رواية: ((لا تبيعوا الذهب [بالذهب]، ولا الورق بالورق، إلا وزنًا بوزنٍ)).
٢٨١١ - وعن معمر بن عبد الله، قال: كنت أسمع رسول الله ﷺ يقول: ((الطعام بالطعام مثلاً بمثل)) رواه مسلم.
٢٨١٢ - وعن عمر [﵁]، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الذهب بالذهب رباً إلا هاء وهاء، والورق بالورق رباً إلا هاء وهاء، والبر بالبر رباً إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير رباً إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر رباً إلا هاء وهاء)) متفق عليه.
ــ
وتعاطاه، ومعنى اللفظ أخذ أكثر مما أعطى، من ربا الشيء يربو إذا زاد. أقول: لعل الوجه أن يقال: أتى الفعل المحرم، لأن من اشترى الفضة عشرة مثاقيل بمثقال من ذهب فالمشتري آخذ الزيادة وليس بربا.
الحديث الرابع عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((ولا تشفوا)) ((تو)): أي لا تفضلوا، والشف بالكسر الفضل والربح، والشف أيضاً النقصان، وكلمة ((علي)) هي الفارقة في هذا الحديث بين الزيادة والنقصان. ((حس)): قوله: ((بعضها)) الضمير للذهب، الجوهري: الذهب معروف، وربما أنث. ((حس)): في الحديث دليل علي أنه لو باع حلياً من ذهب بذهب، لا يجوز إلا متساويين في الوزن، ولا يجوز طلب الفضل للصنعة؛ لأنه يكون بيع ذهب بذهب مع الفضل. قوله: ((بناجز)) ((نه)): أي بحاضر، يقال: نجز ينجز نجزاً إذا حضر وحصل، وأنجز الوعد أحضره.
الحديث الخامس والسادس عن عمر ﵁: قوله: ((إلا هاء وهاء)) ((فا)): ((هاء)) صوت بمعنى خذ، ومنه قوله تعالي: ﴿هاؤم اقرءوا كتأبيه﴾ أي كل واحد من متولي عقد الصرف يقول لصاحبه: هاء، فيتقابضان قبل التفرق عن المجلس. ((مح)): فيه لغتان، المد والقصر، والأول أفصح وأشهر، وأصله هاك فأبدلت من الكاف، ومعناه خذ هذا، فيقول صاحبه مثله، والهمزة مفتوحة، ويقال بالكسر، ومعناه التقابض. قال المالكي: وحق ((هاء)) أن لا تقع بعد إلا، كما لا يقع بعدها ((خذ)) وبعد أن وقع يجب تقدير قول قبله يكون به محكيا، فكأنه قيل: ولا الذهب بالذهب إلا مقولا عنده من المتبايعين هاء وهاء. أقول: فإذن محله
стр. 1594
٢٨١٣ - وعن أبي سعيد، وأبي هريرة: أن رسول الله ﷺ استعمل رجلاً علي خيبر، فجاءه بتمرٍ جنيبٍ، فقال: ((أكل تمر خيبر هكذا؟)) قال: لا والله يا رسول الله! إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاث فقال: ((لا تفعل! بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبًا)) وقال: ((في الميزان مثل ذلك)) متفق عليه.
ــ
النصب علي الحال، المستثنى منه مقدر، يعني بيع الذهب بالذهب ربا في جميع الحالات إلا حال الحضور والتقابض، فكني عن التقابض بـ ((هاء)) لأنه لازمه.
الحديث السابع عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((جنيب)) ((نه)): الجنيب نوع جيد معروف من أنواع التمر، وكل نوع من التمر لا يعرف اسمه فهو جمع، وقيل: الجمع تمر مختلط من أنواع متفرقة وليس مرغوبا فيه، وما يختلط إلا لرداءته. ((حس)): اتفقوا علي أن من أراد أن يبدل شيئاً من مال الربا بجنسه ويأخذ فضلاً فلا يجوز حتى يغير جنسه ويقبض ما اشتراه تم يبيعه منه بأكثر مما دفعه إليه. قال الشافعي: لا بأس أن يبيع الرجل السلعة إلي أجل، ويشتريها من المشتري بأقل بنقد وعوض إلي أجل.
((مح)): احتج أصحابنا بهذا الحديث، أن الحيلة التي يعملها بعض الناس توصلا إلي مقصود الربا ليس بحرام؛ وذلك أن من أراد أن يعطي صاحبه مائة درهم بمائتين، فيبيعه ثوباً بمائتين ثم يشتريه منه بمائة، لأنه ﷺ قال: ((بع هذا، واشتر بثمنه من هذا)) وهو ليس بحرام عند الشافعي، وقال مالك وأحمد: هو حرام.
أقول: وينصره ما رواه رزين في كتابه، عن أم يونس أنها قالت: جاءت أم ولد زيد بن أرقم إلي عائشة ﵂، فقالت: بعت جارية من زيد بثمانمائة درهم إلي العطاء، ثم اشتريتها منه قبل حلول الأجل بستمائة، وكنت شرطت عليه إنك إن بعتها فأنا أشتريها منك. فقالت لها عائشة ﵂: بئس ما شريت وبئس ما اشتريت، أبلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إن لم يتب منه. قالت: فما نصنع؟ قالت: فتلت عائشة ﵂: ﴿فمن جاءه موعظة من ربه فانتهي فله ما سلف وأمره إلي الله﴾ الآية. فلم ينكر أحد علي عائشة، والصحابة متوفرون.
((حس)): قال الشافعي: لو كان هذا ثابتًا، فقد تكون عائشة عابت البيع إلي العطاء؛ لأنه أجل غير معلوم، ثم قال: وزيد صحابي، وإذا اختلفوا فمذهبنا القياس، وهو مع زيد، ويمكن أن يمنع تجهيل الأجل؛ فإن العطاء هو ما يخرج للجندي من بيت المال في السنة مرة أو مرتين، وأكثر ما يكون في أجل مسمى يدل عليه قولها في هذا الحديث: ((قبل حلول الأجل)) وما وضع عمر ﵁ التاريخ إلا لهذا، وأما ترجيح فعل زيد بالقياس فمشكل لبعد الجامع، مع أن قول عائشة راجح علي فعله.
стр. 1595
٢٨١٤ - وعن أبي سعيد، قال: جاء بلال إلي النبي ﷺ بتمر برني، فقال له النبي ﷺ : ((من أين هذا؟)) قال: كان عندنا تمرٌ رديءٌ، فبعت منه صاعين بصاعٍ. فقال: ((أوه، عين الربا، عين الربا، لا تفعل؛ ولكن إذا أردت أن تشتري، فبع التمر ببيع آخر ثم اشتر به)) متفق عليه.
ــ
ولما روى أحمد وأبو داود عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: ((إذا تبايعتم العينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً، لا ينزعه حتى ترجعوا إلي دينكم)). [و ((العينة)) -بفتح العين] المهملة وبسكون الياء تحتها نقطتان وفتح النون- هو أن يبيع من رجل سلعة بثمن معلوم إلي أجل مسمى، ثم يشتريها منه بأقل من الثمن الذي باعها، فإن اشترى بحضرة طالب العينة سلعة من آخر بثمن معلوم، وقبضها ثم باعها المشتري من البائع الأول بالنقد بأقل من الثمن، فهذه أيضًا عينة، وهي أهون من الأولي، وسميت عينة لحصول النقد لصاحب العينة؛ لأن العين هو المال الحاضر من النقد، والمشتري إنما يشتري ليبيعها بعين حاضرة تصل إليه معجلة، كذا في النهاية. وفي المغرب: العينة السلف، ويقال: باعه بعينة أي بنسيئة من عين الميزان وهي ميله كذا من الخليل لأنها زيادة، وقيل: لأنها بيع العين بالربح، وقيل: هي شراء ما باع بأقل مما باع. وما تجاسرنا علي ما أوردناه إلا بقول الإمام الشافعي ﵁: إذا صح حديث النبي ﷺ خلاف قولي، فاعملوا بالحديث ودعوا قولي، وهو مذهبي، ذكره الشيخ محي الدين في شرح صحيح مسلم، وأمثاله كثيرة.
قوله: ((مثل ذلك)) مبتدأ، و ((في الميزان)) خبره، ويحتمل النصب علي المصدر، أي قال في شأن الميزان قولاً مثل ما قال في شأن الصاع أي المكيال. ((مح)): يستدل به الحنفية علي مذهبهم؛ لأنه ذكر في هذا الحديث الكيل والميزان. أقول: توجيه استدلالهم أن علة الربا في الأصناف المذكورة في حديث عبادة الكيل والوزن لا الطعم والنقد؛ لأن النبي ﷺ لما بين حكم التمر وهو المكيل، ألحق به حكم الميزان، ولو كانت العلة النقدية والمطعومية لقال في النقد مثل ذلك. والجواب أن هذا إرشاد لمن ضل السبيل ووقع في الربا، فهداه إلي التخلص منه بطريق العمل، فالمفهوم فيه مسدود وفاقاً، وذلك الحديث أصل تؤسس عليه الفروع.
الحديث الثامن عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((برني)) هو من أجود التمر، قوله: ((أوه)) ((نه)): هي كلمة يقولها الرجل عند الشكاية والتوجع، وهي ساكنة الواو مكسورة الهاء، وربما قلبوا الواو ألفاً، فقالوا: آه من كذا، وربما شددوا الواو وكسروها وسكنوا الهاء، وبعضهم بفتح الواو والتشديد، فقالوا: آوه. وقوله: ((عين الربا)) أي هذا حقيقة الربا المحرم.
стр. 1596
~
٢٨١٥ - وعن جابر، قال: جاء عبدٌ فبايع النبي ﷺ علي الهجرة، ولم يشعر أنه عبدٌ، فجاء سيده يريده، فقال له النبي ﷺ : ((بعنيه)). فاشتراه بعبدين أسودين، ولم يبايع أحداً بعده حتى يسأله أعبدٌ هو أو حرٌ. رواه مسلم.
٢٨١٦ - وعنه، قال: نهي رسول الله ﷺ عن بيع الصبرة من التمر لا يعلم مكيالتها بالكيل المسمى من التمر. رواه مسلم.
ــ
الحديث التاسع عن جابر ﵁: قوله: ((فبايع النبي ﷺ علي الهجرة)) ضمن بايع معنى عاهد، وعداه بعلي. ((نه)). في الحديث ((ألا تبايعوني علي الإسلام)) هو عبارة عن المعاقدة عليه والمعاهدة. قوله: ((فاشتراه بعبدين أسودين)) ((مح)): فيه ما كان عليه النبي ﷺ من مكارم الأخلاق والإحسان العام؛ فإنه كره أن يرد العبد خائباً مما قصد من الهجرة وملازمة الصحبة.
((حس)): العمل علي هذا عند أهل العلم كلهم، أنه يجوز بيع حيوان بحيوإنين نقداً، سواء كان الجنس واحداً أو مختلفاً. اشترى رافع بن خديج بعيراً ببعيرين، فأعطاه أحدهما وقال: آتيك بالآخر غدا إن شاء الله. وعند سعيد بن المسيب: إن كانا مأكولي اللحم لا يجوز إذا كان الشراء للذبح، وإن كان الجنس مختلفا. واختلفوا في بيع الحيوان بالحيوان أو بالحيوإنين نسيئة، فمنعه جماعة من أصحاب النبي ﷺ ، روي فيه عن ابن عباس وهو قول عطاء بن أبي رباح وأصحاب أبي حنيفة؛ لما روي أنه ﷺ ((نهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة). قال الخطابي: وجهه عندي أنه إنما نهي عما كان نسيئة في الطرفين، فيكون من باب الكالئ بالكالئ، بدليل قول عبد الله بن عمرو بن العاص الذي في آخر الباب، وهذا يبين لك أن النهي عن بيع الحيوان نسيئة، إنما هو أن يكون نساء في الطرفين جمعًا بين الحديثين.
ورخص فيه بعض أصحاب النبي ﷺ ، روي ذلك عن علي ﵁ وابن عمر، وهو قول الشافعي، واحتجوا بما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص: ((أن النبي ﷺ أمره أن يجهز جيشاً، فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذ علي قلائص الصدقة، وكان يأخذ البعير بالبعيرين إلي إبل الصدقة)) وفيه دليل علي جواز السلم في الحيوان. قوله: ((أو حر)) هذه الزيادة ليست في نسخ مسلم والحميدي وجامع الأصول، لكن في شرح السنة ((او حر)) وفي بعض نسخ المصابيح ((أم حر). أقول: و ((أو)) هنا أوقع؛ لأن ((أم)) يؤتى بها إذا ثبت أحد الأمرين، فيحصل التردد في التعيين، و ((أو)) سؤال عن نفس الثبوت، يعني عبديته ثابتة أو حريته.
الحديث العاشر عن جابر ﵁: قوله: ((عن بيع الصبرة)) ((نه)): الصبرة الطعام المجتمع كالكومة، وجمعها صبر. أقول: قوله: ((المسمى)) أي المعلوم وهو صفة الكيل، و ((من التمر)) حال منه، أي نهي عن بيع الصبرة. المجهولة مكيلتها بالصبرة المعلومة مكيلتها من جنس ~م م ي
стр. 1597
٢٨١٧ - وعن فضالة بن أبي عبيد، قال: اشتريت يوم خيبر قلادة بأثني عشر ديناراً، فيها ذهبٌ وخرزٌ، ففصلتها، فوجدت فيها أكثر من اثني عشر ديناراً. فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: ((لا تباع حتى تفصل)). رواه مسلم.
الفصل الثاني
٢٨١٨ - عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ ، قال: ((ليأتين علي الناس زمانٌ لا يبقى أحدٌ إلا أكل الربا، فإن لم يأكله أصابه من بخاره))، ويروى: ((من غباره)). رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. [٢٨١٨]
ــ
واحد. ((حس)): لا يجوز بيع مال الربا بجنسه جزافا للجهل بالتماثل حالة العقد، فلو قال بعتك صبرتي هذه من الحنطة بما يقابلها من صبرتك، أو ديناري بما يوازيه من دينارك، جاز إذا تقابضا في المجلس، والفضل من الدينار الكبير والصبرة الكبيرة لبائعها، فإذا اختلف الجنس يجوز بيع بعضه ببعض جزافاً؛ لأن الفضل بينهما غير حرام.
الحديث الحادي عشر عن فضالة: قوله: ((لا تباع حتى تفصل)) ((حس)): ويروى ((حتى تميز)) أراد به التمييز بين الخرز والذهب في العقد لا تمييز عين المبيع بعضه عن بعض، وفيه دليل علي أنه لو باع مال الربا بجنسه، ومعهما أو مع أحدهما شيء أخر، مثل أن باع درهماً وثوباً بدرهمين أو بدينارين، أو باع درهماً وثوباً بدرهمين وثوب، لا يجوز؛ لأن اختلاف الجنس في أحد شقي الصفقة يوجب توزيع ما في مقابلتهما عليهما باعتبار القيمة، والتقويم تقدير وجهل لا يفيد معرفة في الربا- انتهي كلامه. وذهب مالك إلي جواز بيع الدرهم بنصفه أو فلوس أو طعام للضرورة، ومنع ما فوق ذلك.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((فإن لم يأكله أصابه من بخاره)) ((قض)): أي يحيق به ويصل إليه من أثره، بأن يكون مؤكله أو متوسطاً فيه أو كاتباً أو شهيدًا، أو يعامل المربي أو من عامل معه وخلط ماله بماله. قوله: ((إلا أكل)) المستثنى صفة لـ ((أحد)) والمستثنى منه أعم عام الأوصاف، نفي جميع الأوصاف إلا الأكل، ونحن نرى كثيرًا من الناس لم يأكله حقيقة، فينبغي أن يجري علي عموم المجاز، فيشمل الحقيقة والمجاز، ولذلك أتبعه بالفاء التفصيلية بقوله: ((فان لم يأكله)) أي فإن لم يأكله حقيقة يأكله مجازا، فالبخار أو الغبار مستعاران مما شبه الربا به من النار أو التراب.
стр. 1598
٢٨١٩ - وعن عبادة بن الصامت، أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورق بالورق، ولا البر بالبر، ولا الشعير بالشعير، ولا التمر بالتمر، ولا الملح بالملح إلا سواءً بسواءٍ، عيناً بعينٍ، يداً بيدٍ؛ ولكن بيعوا الذهب بالورق، والورق بالذهب، والبر بالشعير، والشعير بالبر، والتمر بالملح،،والملح بالتمر، يداً بيدٍ، كيف شئتم)). رواه الشافعي. [٢٨١٩]
٢٨٢٠ - وعن سعد بن أبي وقاص، قال: سمعت رسول الله ﷺ سئل عن شراء التمر بالرطب. فقال: ((أينقص الرطب إذا يبس؟)) فقال: نعم، فنهاه عن ذلك.
رواه مالك، والترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة. [٢٨٢٠]
ــ
الحديث الثاني عن عبادة ﵁: قوله: ((لكن بيعوا)) ((لكن)) حقه أن يقع بين كلامين متغايرين نفيا وإثباتا، أي لا تبيعوا النقدين ولا المطعومات إذا كانا متفقين، ولكن بيعوهما إذا اختلفا، والاستثناء في قوله: ((إلا سواء بسواء)) كالاستطراد لبيان الترخيص، وقوله: ((يداً بيد)) تأكيد لقوله: ((عينا بعين)) من حيث المعنى، كما كان ((سواء بسواء))، تأكيداً لـ ((مثلا بمثل)) في الحديث السابق.
الحديث الثالث عن سعد ﵁: قوله: ((أينقص الرطب؟)) ((قض)): ليس المراد من الاستفهام استعلام القضية؛ فإنها جلية مستغنية عن الاستكشاف، بل التنبيه علي أن الشرط تحقق المماثلة حال اليبوسة، فلا يكفي تماثل الرطب والتمر علي رطوبته، ولا علي فرض اليبوسة؛ لأنه تخمين وخرص لا تعيين فيه، فلا يجوز بيع أحدهما بالآخر، وبه قال كثر أهل العلم، وجوز أبو حنيفة بيع الرطب بالتمر إذا تساويا كيلا، وحمل الحديث علي البيع نسيئة؛ لما روي عن هذا الراوي أنه ﷺ نهي عن بيع الرطب بالتمر نسيئة، هكذا ذكره بعض الشارحين. وضعفه بين؛ لأن النهي عن بيعه نسيئة، لا يستدعي الإذن في بيعه يداً بيد إلا من طريق المفهوم، وهو عنده غير منظور إليه، فضلاً من أن يسلط علي المنطوق ليبطل إطلاقه، ثم إن هذا التقييد يفسد السؤال والجواب وترتيب النهي ويلغيها بالكلية، فإن بيع الرطب بالتمر نسيئة غير صحيح؟ لأنه جرى نسيئة لا لأن الرطب ينقص بالجفاف ولا ينقص. والضمير المستكن في ((فقال)) والبارز في ((نهاه)) للسائل المدلول عليه بقوله: ((سألت)).
((حس)): هذا الحديث أصل في أنه لا يجوز بيع شيء من المطعوم بجنسه، وأحدهما رطب والآخر يابس، مثل بيع الرطب بالتمر، وبيع العنب بالزبيب، واللحم الرطب بالقديد، وهو قول أكثر أهل العلم، وإليه ذهب مالك والشافعي ﵄.
стр. 1599
٢٨٢١ - وعن سعيد بن المسيب مرسلاً: أن رسول الله ﷺ نهي عن بيع اللحم بالحيوان. قال سعيدٌ: كان من ميسر أهل الجاهلية. رواه في ((شرح السنة)). [٢٨٢١]
٢٨٢٢ - وعن سمرة بن جندب: أن النبي ﷺ نهي عن بيع الحيوان بالحيون نسيئةً. رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. والدارمي. [٢٨٢٢]
٢٨٢٧ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن النبي ﷺ أمره أن يجهز جيشاً، فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذ علي قلائص الصدقة، فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلي إبل الصدقة. رواه أبو داود. [٢٨٣٣]
ــ
أقول: لاشك أن رسول الله ﷺ كان عالماً بهذا الخبر، وعالماً بلازمه؛ لأن المخاطب أيضًا عالم، فإن فائدة الاستخبار راجعة إلي أمر آخر، وهو إلزام السائل بما هو ثابت عنده ومقرر لديه، إفحاماً وتبكيتاً، فينبغي أن يكون مقرراً عنده أن الزيادة في الربويات إذا كانت من جنس واحد غير جائز مطلقاً، ولذلك أجاب بقوله: ((نعم)) ثم رتب النهي عليه بالفاء، أي إذا أذعنت واعترفت فلا تفعل، فإن لا وجه لتقيده بالنسيئة.
الحديث الرابع عن سعيد ﵁: قوله: ((من ميسر)) الميسر القمار، مصدر من يسر، كالموعد والمرجع من فعلهما، يقال: يسرته إذا قمرته، واشتقاقه من اليسر؛ لأنه أخذ مال الرجل بيسر وسهولة من غير كد ولا تعب، أو من اليسار؛ لأنه سلب يساره، قالوا: فيه دليل علي حرمة بيع اللحم بالحيوان، سواء كان ذلك اللحم من جنس ذلك الحيوان أو من غير جنسه، وسواء كان الحيوان مما يؤكل لحمه أو مما لايؤكل لحمه، وهذا قول الشافعي ﵁.
الحديث الخامس عن سمرة: مضى شرحه في الحديث التاسع من الفصل الأول.
الحديث السادس عن عبد الله: قوله: ((أن يأخذ علي قلائص)) أي يأخذ من ليس له ظهر إبلا دينًا علي قلائص الصدقة مؤجلاً إلي أوان حصول قلائص الصدقة، والقلائص جمع قلوص، وهو الفتي من الإبل. وفيه إشكالان: أحدهما: بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، وثإنيهما: عدم توقيت الأجل المسمى، وفيه اختلاف سبق في حديث جابر.
стр. 1600
الفصل الثالث
٢٨٢٤ - عن أسامة بن زيد، أن النبي ﷺ قال: ((الربا في النسيئة)). وفي رواية قال: ((لا ربًا فيما كان يدًا بيد)). متفق عليه.
٢٨٢٥ - وعن عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة قال: قال رسول الله ﷺ ((درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم؛ أشد من ستةٍ وثلاثين زنيةً)). رواه أحمد، والدارقطني. [٢٨٢٥]
وروى البيهقي في ((شعب الإيمان)) عن ابن عباس وزاد: وقال: ((من نبت لحمه من السحت فالنار أولي به)). [٢٨٢٥]
٢٨٢٦ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الربا سبعون جزءًا؛ أيسرها أن ينكح الرجل أمه)). [٢٨٢٦]
ــ
الفصل الثالث
الحديث الأول عن أسامة ﵁: قوله: ((الربا)) التعريف فيه للعهد، أي الربا الذي عرف من كونه في النقدين والمطعوم، أو المكيل والموزون علي اختلاف ثابت في النسيئة. وقوله: ((لا ربا فيما كان يدًا بيد)) يعني بشرط المساواة في المتفق، واختلاف الجنسين في التفاضل.
الحديث الثاني عن عبد الله: ((قوله: ((غسيل الملائكة)) فعيل بمعنى مفعول قد مضت قصته، وإنما كان الربا أشد من الزنا؛ لأن من ارتكب أكل الربا، فقد حاول مخالفة الله ورسوله ومحاربتهما بعقله الزائغ، قال الله تعالي: ﴿فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾ أي بحرب عظمى، فتحريمه محض تعبد، ولذلك رد قولهم: ﴿إنما البيع مثل الربا﴾ بقوله: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ وأما قبح الربا فظاهر شرعًا وعقلا، وله روادع وزواجر سوى الشرع، فآكل الربا يهتك حرمة الله تعالي، والزإني يخرق جلباب الحياء عن نفسه.
الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((الربا)) أي إثم الربا، ولابد من هذا التقدير؛ ليطابق قوله: ((أن ينكح الرجل أمه)).
стр. 1601
٢٨٢٧ - وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير إلي قلٍ: رواهما ابن ماجه، والبيهقي في ((شعب الإيمان))، وروى أحمد الأخير.
٢٨٢٨ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : أتيت ليلة أسري بي علي قوم، بطونهم كالبيوت، فيها الحيات، ترى من خارج بطونهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء آكلة الربا)). رواه أحمد، وابن ماجه. [٢٨٢٨]
٢٨٢٩ - وعن علي [﵁]، أنه سمع رسول الله، لعن آكل الربا، وموكله، وكاتبه، ومانع الصدقة، وكان ينهي عن النوح. رواه النسائي. [٢٨٢٩]
٢٨٣٠ - وعن عمر بن الخطاب [﵁] إن آخر ما نزلت آية الربا، وإن رسول الله ﷺ قبض ولم يفسرها لنا، فدعوا الربا والريبة. رواه ابن ماجه، والدارمي.
ــ
الحديث الرابع عن ابن مسعود: قوله: ((إلي قل)) ((فا)) القل والقلة كالذل والذلة، يعني أنه ممحوق البركة. أقول: أوقع قوله: ممحوق البركة موضع الشرط والجزاء، فيكون من باب سد الجملة الشرطية مسد الخبر، فيلزم أن يؤول المبتدأ بالمصدر، ولاشك أن الكثرة والقلة صفتان للمال لا للربا، فيجب أن يقدر: مال الربا ممحوق؛ لأن مال الربا ربًا، وأنشد ابن مالك:
خير اقترابي من المولي حليف رضي ... وشر بعدي منه وهو غضبان
وقال: لأن خير الاقتراب اقتراب. ولابد من هذا التمحل؛ لأن الواو مانع من حمله علي الخبر، ولولاه كانت الجملة الشرطية خبراً لا محالة.
الحديث الخامس والسادس والسابع عن عمر بن الخطاب: قوله: ((آية الربا)) أي الآية التي نزلت في تحريم الربا، وهو قوله تعالي: ﴿الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس - إلي قوله - وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون﴾ ثابتة غير منسوخة، صريحة غير مشتبهة، فلذلك لم يفسرها النبي ﷺ فأجروها
стр. 1602
٢٨٣١ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أقرض أحدكم قرضًا فأهدى إليه، أو حمله علي الدابة، فلا يركبه ولا يقبلها إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك)). رواه ابن ماجه، والبيهقي في ((شعب الإيمان)). [٢٨٣١]
٢٨٣٢ - وعنه، عن النبي ﷺ قال: ((إذا أقرض الرجل الرجل فلا يأخذ هدية)). رواه البخاري في ((تاريخه)) هكذا في ((المنتقى)).
٢٨٣٣ - وعن أبي بردة بن أبي موسى، قال: قدمت المدينة، فلقيت عبد الله ابن سلامٍ، فقال: إنك بأرضٍ فيها الربا فاشٍ، فإذا كان لك علي رجلٍ حق، فأهدى إليك حمل تبن، أو حمل شعيرٍ، أو حبل قت فلا تأخذه فإنه رباً. رواه البخاري.
ــ
علي ماهي عليه، فلا ترتابوا فيها، واتركوا الحيلة في حلها، وهو المراد من قوله: ((فدعوا الربا والريبة)).
الحديث الثامن عن أنس ﵁: قوله: ((قرضًا)) هو اسم للمصدر، والمصدر في الحقيقة الإقراض، ويجوز أن يكون هاهنا بمعنى المقروض، فيكون مفعولا ثإنيا: لـ ((أقرض)) والأول مقدر كقوله تعالي: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضًا حسنا﴾ والضمير الفاعل في ((فأهدى)) عائد إلي المفعول المقدر، والضمير في ((لا يقبلها)) راجع إلي مصدر ((أهدى)) وقوله: ((فأهدى)) عطف علي الشرط، وجوابه ((فلا يركبه)). قوله: ((إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك)) قال مالك: لا تقبل هدية المديون ما لم يكن مثلها قبل، أو حدث موجب لها.
الحديث التاسع عن أنس ﵁: قوله: ((في المنتقى)) هو بالميم والنون والتاء المنقوطة من فوق بنقطتين والقاف، كتاب ألفه بعض أصحاب أحمد في الأحاديث علي ترتيب الفقه.
الحديث العاشر عن أبي بردة: قوله: ((أو حبل قت)) فعل بمعنى مفعول، أي مشدود بالحبل، ((الحبل)) - بالتحريك - مصدر يسمى به المحمول، كما سمى بالحمل، وألقت الرطبة من علف الدواب، وإنما خص الهدية بما يعلف الدواب مبالغة في الامتناع من قبول الهدية، لما يجوز أن تعلف الدواب بالحرام.
стр. 1603
(٥) باب المنهي عنها من البيوع
الفصل الأول
٢٨٣٤ - وعن ابن عمر، قال: نهي رسول الله ﷺ عن المزابنة: أن يبيع ثمر حائطه إن كان نخلاً بتمرٍ كيلاً، وإن كان كرمًا أن يبيعه بزبيبٍ كيلاً، أو كان - وعند مسلمٍ وإن كان - زرعًا، أن يبيعه بكيل طعامٍ، نهي عن ذلك كله. متفق عليه.
وفي رواية لهما: نهي عن المزابنة، قال: ((والمزابنة: أن يباع ما رءوس النخل بتمرٍ بكيلٍ مسمى، إن زاد فلي، وإن نقص فعلي)).
٢٨٣٥ - وعن جابر، قال: نهي رسول الله ﷺ عن المخابرة، والمحاقلة،
ــ
باب المنهي عنها من البيوع
الفصل الأول
الحديث الأول عن ابن عمر ﵄: قوله: ((عن المزابنة)) ((حس)): المزابنة بيع الثمر علي الشجر بجنسه موضوعًا علي الأرض، من الزبن وهو الدفع، وذلك لأن أحد المتبايعين إذا وقف علي غبن فيما اشتراه أراد فسخ العقد وأراد الآخر إمضاءه، فتزابنا أي تدافعا، وكل واحد يدفع صاحبه عن حقه. وخص بيع التمر علي رءوس النخل بجنسه بهذا الاسم؛ لأن المساواة بينهما شرط، وما علي الشجر لا يحصر بكيل ولا وزن، وإنما يكون مقدراً بالخرص، وهو حدس وظن لا يؤمن فيه من التفاوت.
[((نه))]: بيع الرطب بالتمر، والعنب بالزبيب جائز عند أبي حنيفة، ولا يجوز عند الشافعي ومالك وأحمد لا بالكيل ولا بالوزن، إذا لم يكن الرطب علي رأس النخلة، أما إذا كان الرطب علي رأس النخل، ويبيعه بالتمر فهو العرايا، ويأتي بحثه - انتهي كلامه.
قوله: ((أن يبيع)) بدل أو بيان لقوله: ((عن المزابنة)) والشروط كلها تفصيل للبيان، ويقدر جزاء الشرط الثاني ((نهي)) لقرينة السياق؛ لعدم استقامة المذكور أن يكون جزاء، وكذا في الشرط الأول يقدر ((نهي أن يبيعه)) لقرينة الشرط الثاني. وقوله: ((مسمى)) صفة لـ ((كيل)) و ((إن زاد فلي)) حال بتقدير القول من البائع الذي يفهم من ((يباع)) أي يبيع قائلاً: إن زاد فلي وإن نقص فعلي.
الحديث الثاني عن جابر ﵁: قوله: ((عن المخابرة)) ((حس)) و ((نه)): قيل: هي المزارعة علي نصيب معين كالثلث والربع، وقيل: إن أصل المخابرة من خيبر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 1604
والمزابنة. والمحاقلة: أن يبيع الرجل الزرع بمائة فرق حنطة، والمزابنة: أن يبيع التمر في رءوس النخل بمائة فرقٍ، والمخابرة: كراء الأرض بالثلث والربع. رواه مسلم.
٢٨٣٦ - وعنه، قال: نهي رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمزابنة، والمخابرة، والمعاومة، وعن الثنيا، ورخص في العرايا. رواه مسلم.
ــ
أقرها في أيدي أهلها علي النصف من محصولها فقيل: خابرهم أي عاملهم في خيبر، وقيل: من الخبار وهي الأرض اللينة. قوله: ((والمحاقلة)) ((فا)): الحقل القراح من الأرض، وهي الطيبة التربة الخالصة من شائب السبخ الصالحة للزرع، ومنه حقل يحقل إذا زرع، والمحاقلة مفاعلة من ذلك. قوله: ((بمائة فرق)) ((نه)): الفرق - بالتحريك - مكيال يسع ستة عشر رطلا، وهي اثنا عشر مدًا وثلاثة أصع عند أهل الحجاز، وقيل: الفرق خمسة أقسط، والقسط نصف صاع، فأما الفرق بالسكون فمائة وعشرون رطلاً. ((تو)): لا أدري من المفسر غير أن قوله: ((بمائة فرق حنطة)) كلام ساقط، وكذلك في بقية التفسير، وكان من حق البلاغة أن يأتي بالمثال من غير تعيين في العدد؛ فإن قوله: ((بمائة فرق)) موهم بأنه إذا زاد أو نقص عن المقدار المنصوص عليه، لم يكن ذلك محاقلة. أقول: ربما يأتون في المثال بما يصوره عند السامع زيادة توضيح، نعم، لو قال: ((بمائة)) مثلا لم يكن فيه مقال، وهذا القدر مما لا بأس به عند البلغاء.
الحديث الثالث عن جابر ﵁: قوله: ((والمعاومة)) ((نه)): هي بيع ثمر النخل أو الشجر سنتين أو ثلاثا فصاعداً، يقال: عاومت النخلة إذا حملت سنة ولم تحمل أخرى، وهي مفاعلة من العام: السنة. قوله: ((وعن الثنيا)) المغرب: يقال: ثناه عن وجهه إذا كفه وصرفه، ومنه استثنيت الشيء إذا زويته لنفسي، والاسم الثنيا بوزن الدنيا، وفي الحديث ((من استثنى فله ثنياه)) أي ما استثناه، وفي اصطلاح النحويين إخراج الشيء مما دخل فيه غيره؛ لأن فيه كفا وردا عن الدخول. ((قض)): المقتضي للنهي فيه إفضاؤه إلي جهالة قدر المبيع، ولهذا قال الفقهاء: لو قال: بعت منك هذه الصبرة إلا صاعًا، وكانت مجهولة الصيعان، فسد العقد؛ لأنه خرج المبيع عن كونه معلوم القدر عياناً وتقديرا، أما لو باعها واستثنى [شيئًا] شائعًا معينًا كالثلث أو الربع صح؛ لحصول العلم بقدره علي الإشاعة.
قوله: ((في العرايا)) ((فا)): العرية النخلة التي يعريها الرجل محتاجًا، أي يجعل له ثمرتها، فرخص للمعرى أن يبتاع ثمرتها لموضع حاجته من المعري، سميت عرية؛ لأنه إذا ذهب ثمرها، فكأنه جردها من الثمرة وعراها منها، ثم اشتق منها الاعراء. ((مح)): العرية أن يخرص الخارص نخلات، فيقول: هذا الرطب إذا يبس يحصل منه ثلاثة أوسق من التمر مثلا، فيبيعه لقيره بثلاثة أوسق تمرًا ويتقابضان في المجلس، فيسلم المشتري التمر ويسلم البائع النخل، وهذا فيما دون خمسة أوسق، ولا يجوز فيما زاد عليه، وفي جوازه في خمسة أوسق قولان
стр. 1605
٢٨٣٧ - وعن سهل بن أبي حثمة، قال: نهي رسول الله ﷺ عن بيع التمر بالتمر؛ إلا أنه رخص في العرية أن تباع بخرصها تمراً، يأكلها أهلها رطبًا. متفق عليه.
٢٨٣٨ - وعن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ أرخص في بيع العرايا بخرصها من التمر فيما دون خمسة أوسق، أو في خمسة أوسقٍ. شك داود بن الحصين. متفق عليه.
٢٨٣٩ - وعن عبد الله بن عمر: نهي رسول الله ﷺ عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهي البائع والمشتري. متفق عليه.
ــ
للشافعي، أصحهما لايجوز؛ لأن الأصل تحريم بيع التمر بالرطب، وجاء في العرايا رخصة، والأصح جوازه للأغنياء والفقراء، وأنه لا يجوز في غير الرطب والعنب من الثمار، وفي قول ضعيف أنه مختص بالفقراء.
الحديث الرابع عن سهل: قوله: ((إلا أنه رخص في العرية)) هذا يشعر بأن العرايا مستثناة من المزابنة؛ لأن قوله: ((بيع التمر بالتمر)) هو المزابنة. ((قض)): العرية فعلية بمعنى مفعولة، والتاء فيها لنقل اللفظ من الوصفية إلي الاسمية، فنقل منها إلي العقد الوارد عليها المتضمن لإعرائها. ((حس)): سميت عرية؛ لأنها عريت من جملة التحريم، أي خرجت فهي فعيلة بمعنى فاعلة، وقيل: لأنها عريت من جملة الحائط بالخرص والبيع فعريت عنها أي خرجت.
وسببها أن رجالاً محتاجين من الأنصار شكوا إلي النبي ﷺ أن الرطب يأتي ولا نقد بأيديهم يبتاعون به رطبًا يأكلونه مع الناس، وعندهم فضول من قوتهم من التمر، فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها، من التمر الذي في أيديهم يأكلونها رطبًا. قوله: ((بخرصها تمراً)) يحتمل أن يكون تمييزًا، ويجوز أن يكون حالاً مقدرة، ويؤيده قوله: ((يأكلها أهلها رطباً)) فإن ((رطبًا)) حال، وهذا ينصر مذهب من قال: الحال يجب أن يكون مشتقًا، إما حقيقة أو مؤولاً؛ لأن المطلوب هنا هو الوصف لا الذات، وإلا كان الإبدال عبثاً.
الحديث الخامس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((من التمر)) ((من)) متعلق بـ ((بيع العرايا)) والباء في ((بخرصها)) للسببية، أي أرخص في بيع رطبها من التمر بواسطة خرصها. قوله: ((أوسق)) جمع وسق، بفتح الواو وهو ستون صاعًا، والصاع خمسة أرطال وثلث بالبغدادي. قوله: ((أو في خمسة أوسق)) ((مح)): شك من الراوي فوجب الأخذ بالأقل، وهو دون خمسة أوسق فتبقى الخمسة علي التحريم احتياطًا كما سبق.
الحديث السادس والسابع عن أنس ﵁: قوله: ((حتى يبدو صلاحها)) ((حس)):
стр. 1606
وفي رواية لمسلم: نهي عن بيع النخل حتى تزهو. وعن السنبل حتى يبيض. ويأمن العاهة.
٢٨٤٠ - وعن أنسٍ، قال: نهي رسول الله ﷺ عن بيع الثمار حتى تزهي.
قيل: وما تزهي؟ قال: ((حتى تحمر))، وقال: ((أرأيت إذا منع الله الثمرة، بم يأخذ أحدكم مال أخيه؟)). متفق عليه.
ــ
العمل علي هذا عند أهل العلم أن بيع الثمرة علي الشجرة قبل بدو الصلاح مطلقاً لا يجوز، يروى عن ابن عباس وجابر وأبي هريرة وزيد بن ثابت وأبي سعيد الخدري وعائشة، وهو قول الشافعي ﵃؛ لأنه لا يؤمن من هلاك الثمار بورود العاهة عليها؛ لصغرها وضعفها، وإذا تلفت لا يبقى للمشتري في مقابلة ما دفع من الثمن شيء، وهذا معنى قوله: ((نهي عن بيع النخل حتى تزهو، وعن السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة)) ومعنى قوله: ((حتى يحمر ويصفر)). وإنما نهي المشتري من أجل هذه المخاطرة المذكورة والتغرير بماله، ونهي البائع لئلا يكون أخذ مال المشتري لا بمقابلة شىء، سلم له، وهذا معنى قوله ﷺ : ((أرأيت إذا منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم؟)) أي أخبرني إذا منع الله الثمرة وفي الحديث ((حتى يحمر وحتى يسود)) وفي رواية ابن عمر ((حتى يبيض)) دليل علي أن الاعتبار بحدوث هذه الصفة في الثمرة، لا بإتيان الوقت الذي يكون فيه بدو الصلاح في الثمار غالباً. وذهب بعض أهل العلم إلي أن الاعتبار بالزمان، فإذا جاء ذلك الوقت جاز بيعه.
قوله: ((حتى تزهو)) ((مح)): قال ابن الأعرابي: يقال: زها النخل يزهو إذا ظهرت ثمرته، وأزهي يزهي إذا احمر أو اصفر. وقال الأصمعي: لا يقال في النخل: أزهي، وإنما يقال: زها، وحكاهما أبوزيد لغتين. وذلك علامة الصلاح فيها ودليل خلاصها من الآفة. قوله: ((قيل: وما تزهي)) يجوز أن يكون ((تزهي)) حكاية قول الرسول ﷺ ، أي ما معنى قولك: تزهي؟ أو وضع الفعل موضع المصدر، أي قيل: ما الزهو؟ نحوه قول الشاعر:
وقالوا: ما تشاء؟ فقلت: ألهو ... إلا الإصباح آثر ذي أثير
أي قلت: أريد اللهو، وفي المثل: تسمع بالمعيدي خيراً من أن تراه، أي سماعك خير من رؤيته. وقوله: ((بم يأخذ))؟ مثل قولهم: فيم وعلام وختام في حذف الألف عند دخول حرف الجر علي ((ما)) الاستفهامية، ولما كانت ((ما)) الاستفهامية متضمنة للهمزة ولها صدر الكلام، ينبغي أن يقدر أبم تأخذ؟ والهمزة للإنكار، فالمعنى: لا ينبغي أن يأخذ أحدكم مال أخيه عفواً.
стр. 1607
٢٨٤١ - وعن جابر، قال: نهي رسول الله ﷺ عن بيع السنين، وامر بوضع الجوائح. رواه مسلم.
٢٨٤٢ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لو بعت من أخيك ثمرًا، فأصابته جائحة؛ فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا. بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟)). رواه مسلم.
ــ
الحديث الثامن عن جابر ﵁: قوله: ((بيع السنين)) يريد به بيع ثمارها وهي المعاومة، وقد سبق الكلام فيها. ((والجوائح)) جمع جائحة، وهي الآفة التي تصيب الثمرة من الجوح وهو الاستئصال، ووضعها أن يحط البائع من الثمن ما يوازي نقصان الجائحة بعد القبض، والأمر به أمر استحباب لا وجوب؛ لأن المبيع قد خرج عن عهدة البائع بالتسليم إلي المشتري، فلا يلزمه ضمان ما يعتريه بعده؛ ولما روى أبو سعيد الخدري: أن رجلا أصيب في ثمار ابتاعها فكثر دينه، فقال النبي ﷺ : ((تصدقوا عليه)) ولو كانت الجوائح موضوعة لم يصر مديونًا بسببها، ولما أمر بالتصدق عليه لأدائه. ومنهم من قال: إنه للوجوب، والبيع ينفسخ فيما يتلف بالجائحة، كما لو تلف قبل القبض؛ لأن التسليم لم يتم بالتخلية، ولذلك يجب علي البائع سقيها إلي أن تدرك، ويدل عليه قوله في حديث جابر المذكور عقيب هذا: ((فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟)) وهو مذهب أحمد وقول قديم للشافعي ﵄. ومنهم من خصص الحديثين بما إذا كان المبيع لم يقبض بعد. ومنهم من قال: إن ذلك في الأراضي الخراجية التي أمرها إلي الإمام، أمره بوضع الخراج عنها إذا أصابتها الجوائح.
الحديث التاسع عن جابر ﵁: قوله: ((فلا يحل)) وقع جواب ((لو)) فإما أن يتمحل، ويقال: إن ((لو)) بمعنى ((إن))، وإما أن يقدر الجواب، و ((فلا يحل)) عطف عليه، أي لو بعت من أخيك ثمرًا فهلك لا تأخذ منه شيئًا فلا يحل لك، والتكرار للتقرير، كما في قوله تعالي: ﴿كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا﴾. ولما كان هذا النهي نهي تنزيه لا تحريم، حث البائع علي أن يسلك مع المشتري طريق المروعة وتخصيص ذكر ((أخيك)) للتعطف والرحمة عليه، كما في قوله تعالي: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء﴾. ((مظ)): إن كان التلف قبل تسليم الثمار إلي المشتري يكون من ضمان البائع، فلا يحل له أن يأخذ الثمن بلا خلاف، وإن كان بعد التسليم فالكلام محمول علي التهديد عند الشافعي وأحمد، أو معناه فلا يحل لك في الورع والتقوى أن تأخذ الثمن إذا تلف الثمار.
стр. 1608
٢٨٤٣ - وعن ابن عمر، قال: كانوا يبتاعون الطعام في أعلي السوق، فيبيعونه في مكانه، فنهاهم رسول الله ﷺ عن بيعه في مكانه حتى ينقلوه. رواه أبو داود، ولم أجده في ((الصحيحين)).
٢٨٤٤ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه)).
٢٨٤٥ - وفي رواية ابن عباس: ((حتى يكتاله)). متفق عليه.
٢٨٤٦ - وعن ابن عباس، قال: أما الذي نهي عنه النبي ﷺ فهو الطعام أن يباع حتى يقبض. قال ابن عباس: ولا أحسب كل شيء إلا مثله. متفق عليه.
٢٨٤٧ - وعن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تلقوا الركبان لبيع، ولا
ــ
الحديث العاشر عن ابن عمر ﵄: قوله: ((فيبيعونه في مكانه)) الفاء للتعقيب، فدل علي أنهم يعقبون البيع الابتياع بلا مهلة، فيفيد أنهم يبيعونه قبل النقل؛ لأن القبض في مثله عبارة عن النقل، فلذلك نهوا عن ذلك، ويدل علي هذا التأويل الحديث الآتي.
الحديث الحادي عشر والثاني عشر عن ابن عباس ﵄: قوله: ((ولا أحسب كل شىء)) أي لا أظن كل شىء إلا مثل الطعام، في أنه لا يجوز للمشتري أن يبيعه حتى يقبضه من البائع الذي اشتراه منه. ((مح)): اختلفوا في بيع المبيع قبل القبض، فقال الشافعي: لا يصح سواء كان طعامًا أو عقارًا، أو منقولا غير الطعام أو نقدًا. وقال عثمان البتي: يجوز في كل بيع. وقال أبو حنيفة: يجوز في العقار. وقال مالك: لا يجوز في الطعام ويجوز فيما سواه.
الحديث الثالث عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لا تلقوا الركبان)) ((قض)): نهي عن استقبال الركبان لابتياع ما يحملونه إلي البلد قبل أن يقدموا الأسواق ويعرفوا الأسعار، لما يتوقع فيه من التغرير وارتفاع الأسعار. قوله: ((ولا يبع بعضكم علي بيع بعض)) ضمن البيع معنى الغلبة والاستعلاء، وعداه بعلي، قال في المغرب: باع عليه إذا كان علي كره منه، وباع له الشيء إذا اشتراه له، ومنه الحديث ((لا يبع بعضكم علي بيع أخيه)) أي لا يشتر بدليل رواية البخاري ((لا يبتاع الرجل علي بيع أخيه)).
((حس)): وهو أن يشتري رجل شيئاً، وهما في مجلس العقد وخيارهما باق، فيأتي الرجل ويعرض علي المشتري سلعة مثل ما اشتراه أو أجود بمثل ثمنها أو أرخص، أو إلي البائع فيطلب ما باعه بأكثر من ثمنه الذي باعه في الأول، حتى يندم فيفسخ العقد فيكون البيع بمعنى الاشتراء، كما قال ﷺ : ((لا يخطب الرجل علي خطبة أخيه))، والمراد منه ما طلبه أخوه، كذلك هذا، ثم هذا الطالب إن كان قصده رد عقدهما، ولا يريد شراه يكون عاصيًا، سواء كان عالمًا بالحديث أو لم يكن، وإن قصد غبطة أحدهما فلا يعصي إلا أن يكون عالمًا بالحديث.
стр. 1609
يبع بعضكم علي بيع بعضٍ، ولا تناجشوا. ولا يبع حاضر لبادٍ، ولا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها: إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعا من تمر)). متفق عليه.
ــ
قوله: ((ولا تناجشوا)) [((نه))]: النجش الإثارة يقال: نجش الصيد أثاره. ((قض)): هو تفاعل من النجش، وهو أن يزيد الرجل في ثمن السلعة وهو لا يريد شراءها، ليغتر به الراغب فيشتري بما ذكره، وأصله الإغراء والتحريض، وإنما نهي عنه لما فيه من التغرير، وإنما ذكر بصيغة التفاعل؛ لأن التجار يتعارضون في ذلك، فيفعل هذا لصاحبه علي أن يكافئه بمثله. وعن بيع الحاضر للبادي: وهو أن يأخذ البلدي من البدوي ما حمله إلي البلد؛ ليبيعه بسعر اليوم حتى يبيع له علي التدريج بثمن أرفع، والعلة فيه تفويت الربح وتضييق الرزق علي الناس، فعلي هذا لو كان المتاع كاسداً في البلد، إما لكثرته أو لندور الحاجة إليه لم يحرم ذلك لفقد المعنى، فإن الحكم المنصوص كما يعم بعموم العلة يخص بخصوصها.
وعن التصرية: وهي أن تشد أخلاف اللبون، ويترك حلابها أياماً؛ ليجتمع اللبن في ضرعها، فيتخيل المشتري غزارة لبنه، من قولهم: صريت الماء في الحوض إذا جمعته وحبسته، وأصل الصر الجمع ومنه الصرة، وأثبت بها الخيار للمشتري إذا اطلع عليها بقوله: ((فهو بخير النظرين)). وقال أبو حنيفة: لا خيار له بسبب التصرية، ولا الرد بعيب آخر بعدما حلبها، وفي الحديث حجة عليه في المسألتين. ولا يختص ثبوت الخيار بما بعد الحلب، بل لو اطلع عليها قبله كان له الرد. وإنما قيد به لأن الغالب أنه لا يحصل العلم بها إلا بعد حلبها، وإنما أوجب رد صاع تمر معها بدلاً عن الحليب الموجود في الضرع حالة العقد، وكان القياس رد عينه لو مثله، لكنه لما تعذر اختلاط ما حدت بعد البيع في ملك المشتري بالموجود حال العقد وإفضاؤه إلي الجهل بقدره، عين الشارع له بدلاً يناسبه قطعًا للخصومة، ودفعاً للتنازع في القدر الموجود عند العقد، وهذا الخيار كسائر خيار النقيصة علي الفور عند الأكثر. وما روى أنه قال: ((من اشترى شاة مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام، فإن ردها رد معها صاعًا من طعام لا سمراء)) إنما قاله بناءً علي الغالب؛ لأن الوقوف عليها قلما يكون في أقل من ثلاثة أيام، فأنه لا يظهر قبله نقصان بين؛ ولأن الذي يجده المشتري في المدة لعله يحمله علي اختلاف اليد وتبدل المحل، لا أن الخيار يمتد ثلاثة أيام، وإن اطلع عليه المشتري.
قوله: ((لا سمراء)) أي لا حنطة، قيل: أراد به أن التمر متعين للبدلية، ولا يجوز أن يعطي غيره إلا برضي البائع، فإن غالب طعام العرب التمر فيكون المراد منه إذا أطلق. وقيل: أراد به أن يرد مع المصراة صاعًا من الطعام أي طعام كان، وأن الحنطة غير واجبة علي التعيين، بل
стр. 1610
وفي رواية لمسلم: ((من اشترى شاة مصراةً، فهو بالخيار ثلاثة أيام: فإن ردها رد معها صاعًا من طعامٍ لا سمراء)).
٢٨٤٨ - وعنه. قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تلقوا الجلب، فمن تلقاه فاشترى منه، فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار)). رواه مسلم.
ــ
لو رد معها صاعًا من تمر أو شعير أو غيرهما جاز، ولذلك اختلف العلماء في تعيين التمر، ولعل الأظهر تعيينه للتنصيص به فيما رواه الشيخان، وغيرهما من الأئمة ﵏ تعالي.
قال في المغرب: الطعام اسم لما يؤكل ثم غلب علي البر، ومنه حديث أبي سعيد ((كنا نخرج في صدقة الفطر علي عهد رسول الله ﷺ صاعا من طعام أو صاعا من شعير)). أقول: لما قال ﷺ : ((صاعا من طعام)) تبادر الذهن إلي ما غلب عليه اسم الطعام من البر، ولما لم يكن المراد بينة بقوله: ((لا سمراء)) لإزالة ذلك التوهم، فتعين أن يقيد بما نص عليه في الرواية الأولي.
و ((صاعا من تمر)). ((مح)): الواجب أن يرد مع المصراة بعد أن حلبها صاعا من تمر سواء كان اللبن قليلاً أو كثيراً، والمصراة ناقة أو شاة أو بقرة، به قال الشافعي ومالك والليث وابن أبي ليلي وأبو يوسف، ووافقهم المحدثون، وقال بعض أصحابنا: يرد صاعا من قوت البلد ولا يختص بالتمر، وقال أبو حنيفة وطائفة من أهل العراق ومالك في رواية أخرى: يردها ولا يرد صاعا من تمر، لأن الأصل أنه إذا أتلف شيئًا لغيره، رد مثله إذا كان مثليا، والا فقيمته، وأما جنس آخر من العروض فخلاف الأصول. وأجاب الجمهور بأن السنة إذا وردت لا يعترض عليها بالمعقول، ونظيره الدية، فإنها مائة بعير، ولا تختلف باختلاف حال القتيل قطعا للنزاع، والغرة في الجناية علي الجنين، سواء كان ذكرا أو أنثى تام الخلقة أو ناقصها جميلاً أو قبيحاً وغير ذلك.
((حس)): في حديث المصراة دليل علي أنه لا يجور بيع شاة لبون بلبن شاة ولا بشاة لبون في ضرعها لبن؛ لأن الشرع جعل اللبن في الضرع قسطا من الثمن، فهو كبيع مال الربا بجنسه ومعهما أو مع أحدهما شيء آخر، بخلاف ما لوباع السمسم بالسمسم يجوز، وإن أمكن استخراج الدهن من كل واحد منهما؛ لأن عين الدهن غير موجود فيهما، واللبن هاهنا موجود في الضرع، حتى لو حلب اللبن ثم باعها في الحال قبل اجتماع اللبن في ضرعها باللبن يجوز.
الحديث الرابع عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لا تلقوا الجلب)) جلب الشيء، جاء به من بلد إلي بلد للتجارة جلبا، والجلب المجلوب وعبد جليب، جلب إلي دار الإسلام، كذا في المغرب. وذكر السيد إما لتغليب الإنسان المجلوب علي غيره من السلع، أو استعار للمالك السيد مبالغة في استحقاقة للمجلوب. قوله: ((فهو بالخيار)) ((مح)): قال أصحابنا: لا خيار
стр. 1611
٢٨٤٩ - وعن ابن عمر [﵄] قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تلقوا السلع حتى يهبط بها إلي السوق)). متفق عليه.
٢٨٥٠ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يبع الرجل علي بيع أخيه، ولا يخطب علي خطبة أخيه إلا أن يأذن له)). رواه مسلم.
٢٨٥١ - وعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يسم الرجل علي سوم أخيه المسلم)). رواه مسلم.
٢١٥٢ - وعن جابر [﵁]، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لايبع حاضر لبادٍ، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعضٍ)). رواه مسلم.
ــ
للبائع قبل أن يقدم ويعلم السعر، فإذا قدم، فإن كان سعره أرخص من سعر البلد ثبت له الخيار، سواء أخبر المشتري بالسعر كاذباً أم لم يخبر، وإن كان السعر أغلي أو كسعر البلد فوجهان: الأصح لا خيار له لعدم الغبن، والثاني: ثبوته لإطلاق الحديث.
الحديث الخامس عشر إلي السابع عشر عن ابن عمر ﵄: قوله: ((لا يبع)) ((مح)): الرواية برفعه، ورفع ((يخطب)) علي سبيل الخبر الذي يراد به النهي فإنه أبلغ. قوله: ((علي خطبة أخيه)) ((نه)): هو أن يخطب الرجل المرأة، يقال منه: خطب يخطب خطبة - بالكسر فهو خاطب، فتركن إليه، ويتفقا علي صداق معلوم ويتراضيا، ولم يبق إلا العقد، فأما إذا لم يتراضيا ولم يتفقا ولم يركن أحدهما إلي الآخر، فلا منع من خطبتهما وهو خارج عن النهي. ((حس)): عن فاطمة بنت قيس أنها قالت: يا رسول الله! إن معاوية وأبا جهم خطبإني، فقال: ((انكحي أسامة)).
الحديث الثامن عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((علي سوم أخيه)) ((نه)): المساومة المحادثة بين البائع والمشتري علي السلعة وفصل ثمنها، يقال: سام يسوم سومًا وساوم واستام، والمنهي عنه أن يتساوم المتبايعان في السلعة ويتقارب الانعقاد فيجىء رجل آخر يريد أن يشتري تلك السلعة، ويخرجها من يد المشتري الأول بزيادة علي ما استقر الأمر عليه، ورضيا به قبل الانعقاد. ولعل تخصيص ذكر الأخ ووصفه بالمسلم للتعطف والإيذان بأنه لا يليق بحال المسلم أن يستأثر نفسه علي أخيه المسلم.
الحديث التاسع عشر عن جابر ﵁: قوله: ((حاضر)) جنس، ومن ثمة أعاد ضمير الجمع في ((دعوا)) إليه، وفيه التفات، وفائدة الالتفات هنا الزجر والتوبيخ، كما إذا قلت
стр. 1612
٢٨٥٣ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: نهي رسول الله ﷺ عن لبستين وعن بيعتين: نهي عن الملامسة والمنابذة في البيع. والملامسة: لمس الرجل ثوب الآخر بيده بالليل أو النهار، ولا يقلبه إلا بذلك. والمنابذة: أن ينبذ الرجل إلي الرجل
ــ
لصاحبك حاكيا عن ثالث لكما: إن فلانا من قصته كيت وكيت، ثم عدلت إلي الثالث مخاطبا: يا فلان من حقك أن تلزم الطريقة الحميدة في مجاري أمورك، نبهته بالتفاتك نحوه فضل تنبيه، فكذا نهي السمسار أن يقول لأهل البادية: احفظ متاعك حتى أبيعه قليلاً قليلاً بزيادة تمنه، ولاشك أن أهل السوق ينتظرون الجالب ليشتروا منه، فيبيعوا من أهل البلد قليلاً قليلاً فيرزقوا من فضل الله، فإذا فعل السمسار هذا فقد قطع رزقهم، فيستحق الزجر والتوبيخ لذلك. والله أعلم.
الحديث العشرون عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((لبستين)) الجوهري: اللباس ما يلبس، وكذلك الملبس، واللبس بالكسر مثله. ((مظ)): أي نهي عن أن يلبس الرجل علي صورة الصماء، وعلي صورة الاحتباء، ونهي أن يبيع علي صورة الملامسة وعلي صورة المنابذة. ((حس)): معناه أن يجعلا لمس الشيء أو النبذ إليه بيعاً بينهما من غير رؤية وتأمل، ثم لا يكون فيه خيار، وكان ذلك من بيوع الجاهلية، فنهي عنه ﷺ .
((نه)): ((الملامسة)) هي أن يقول: إذا لمست ثوبي أو لمست ثوبك فقد وجب البيع، وقيل: هو أن يلمس المتاع من وراء ثوب، ولا ينظر إليه تم يوقع البيع عليه. نهي عنه؛ لأنه غرر، ولأنه تعليق أو عدول عن الصيغة الشرعية. وقيل: معناه أن يجعل اللمس بالليل قاطعًا للخيار، ويرجع ذلك إلي تعلق اللزوم وهو غير نافذ. و ((المنابذة)) في البيع هو أن يقول الرجل لصاحبه: انبذ إلي الثوب أو أنبذه إليك ليجب البيع. وقيل: هو أن يقول: إذا نبذت إليك الحصاة فقد وجب البيع، فيكون البيع معاطاة من غير عقد، ولا يصح أن يقال: نبذت الشيء أنبذه نبذًا فهو منبوذ، إذا رميته أو أبعدته.
قوله: ((لا يقلبه إلا بذلك)) ((مظ)): يعني لا يلمس ذلك المتاع إلا للبيع، أي لم ير المشتري ذلك المتاع، ولم يجر بينهما إيجاب وقبول. أقول: جعل الملامسة قلباً وليس بذلك، وجعل المشار إليه البيع، ولم يسبق له ذكر. قال في المغرب: قلب الشيء حوله عن وجهه، وروي عن سنن أبي داود: الملامسة أن يمسه بيده ولا ينشره ولا يقلبه، الوجه أن يكون المشار إليه ((بذلك)) اللمس، والاستثناء، من باب قول الشاعر:
وبلدة ليس بها إنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس
وكان يجب عليه أن يقلب الثوب ظهراً لبطن، وينظر فيه ويتأمل فما فعل غير اللمس، وفي الحديث لف ونشر بغير ترتيب.
стр. 1613
بثوبه، وينبذ الآخر ثوبه ويكون ذلك بيعهما عن غير نظرٍ ولا تراضٍ. واللبستين: اشتمال الصماء. والصماء: أن يجعل ثوبه علي أحد عاتقيه، فيبدو أحد شقيه ليس عليه ثوبٌ. واللبسة الأخرى: احتباؤه بثوبه، وهو جالسٌ ليس علي فرجه منه شيءٌ. متفق عليه.
٢٨٥٤ - وعن أبي هريرة، قال: نهي رسول الله ﷺ عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر. رواه مسلم.
ــ
((مح)): لأصحابنا في تفسير حديث الملامسة ثلاثة أوجه، أحدها: ما قال الشافعي ﵁: هو أن يأتي بثوب مطوي أو في ظلمة فيلمسه المستام، فيقول صاحبه: بعتكه بكذا، بشرط أن يقوم لمسك مقام نظرك، ولا خيار لك إذا رأيته. والثاني: أن يجعل نفس اللمس بيعًا، فيقول: إذا لمسته فهو مبيع لك. والثالث: أن يبيعه شيئًا علي أنه متى يمسه انقطع خيار المجلس وغيره، وهو باطل علي التأويلات. ومعنى قوله: ((عن غير نظر ولا تراض)) أي بلا تأمل ورضي بعد التأمل.
قوله: ((واللبستين)) كذا في الجمع بين الصحيحين، وشرح السنة، ونسخ المصابيح، علي الحكاية من قوله: ((نهي عن لبستين)) وفي جامح الأصول ((اللبستان))، علي الظاهر. قوله: ((الصماء)) ((نه)) هو أن يتجلل الرجل بثوبه ولا يرفع منه جانبًا، وإنما قيل له صماء؛ لأنه يسد علي يديه ورجليه المنافذ كلها، كالصخرة الصماء التي ليس فيها خرق ولا صدع، والفقهاء يقولون: هو أن يتغطى بثوب واحد ليس عليه غيره، ثم يرفعه من جانبيه فيضعه علي منكبيه فتكشف عورته، و ((الاحتباء)) هو أن يضم الإنسان رجليه إلي بطنه بثوب، ويجمعهما مع ظهره ويشده عليهما، وقد يكون الاحتباء باليدين عوض الثوب، وإنما نهي عنه؛ لأنه إذا لم يكن عليه إلا ثوب واحد، ربما تحرك أو زال فتبدو عورته.
الحديث الحادي والعشرون عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((عن بيح الحصاة)) ((قض)): بيع الحصاة من البياعات التي كان يفعلها أهل الجاهلية؛ واختلف في تفسيره، فقيل: هو أن يقول البائع للمشتري في العقد: إذا نبذت إليك الحصاة فقد وجب البيع، والخلل فيه إثبات الخيار وشرطه إلي أمد مجهول، وقيل: هو أن يعقد بأن يرمي بحصاة في قطع غنم، فأي شاة أصابتها كانت المبيعة، والخلل فيه جهالة المعقود عليه. وقيل: هو أن يجعل الرمي بيعًا، والخلل في نفس العقد وصورته، والغرر ما خفي عليك أمره من الغرور، وبيع الغرر كل بيع كان المعقود عليه فيه مجهولاً أو معجوزًا عنه، ومن ذلك بيع ما لم تره، وبيع تراب المعدن، وتراب الصاغة؛ لأن المقصود بالعقد ما فيه من النقد وهو مجهول.
стр. 1614
٢٨٥٥ - وعن ابن عمر، قال: نهي رسول الله ﷺ عن بيع حبل الحبلة، وكان بيعًا يتبايعه أهل الجاهلية، كان الرجل يبتاع الجزور إلي أن تنتج الناقة، ثم تنتج التي في بطنها. متفق عليه.
ــ
((مح)): النهي عن بيع الغرر أصل عظيم من أصول كتاب البيوع، ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة، كبيع المعدوم والمجهول، وما لا يقدر علي التسليم، وما لم يتم ملك البائع عليه، وأشباه ذلك مما يلزم منه الغرر من غير حاجة. وقد يحتمل بعض الغرر بيعًا إذا دعت إليه الحاجة، كالجهل بأساس الدار [وكما إذا باع الشاة] مع حملها، ومع اللبن في ضرعها؛ لأن الأساس تابع للظاهر من الدار، والحمل واللبن تابعان للشاة، والحاجة تدعو إليه. وأجمعوا علي جواز غررٍ حقيرٍ كالجبة المحشوة بالقطن، ولو بيع حشوها بانفراده لم يجز، وأجمعوا أيضًا علي جواز إجارة الدار والدابة والثوب، ونحو ذلك شهرًا مع أن الشهر قد يكون ثلاثين يومًا، وقد يكون تسعة وعشرين يوماً، وعلي جواز دخول الحمام بالأجرة مع اختلاف الناس في صب الماء وفي قدر مكثهم، وعلي جواز الشرب من السقاء بالعوض مع جهالة قدر المشروب واختلاف عادة الشاربين، وتحريره أن مدار البطلان بسبب الغرر بغير حاجة، وإن دعت حاجة إلي ارتكابه، ولا يمكن الاحتراز عنه إلا بمشقة، أو كان الغرر حقيراً جاز البيع. وأعلم أن بيع الملامسة والمنابذة، وحبل الحبلة، والحصاة، وعسب الفحل، وأشباهها من البيوع التي جاء فيها نصوص داخلة في الغرر، ولكن أفردت بالذكر لكونها من بياعات الجاهلية المشهورة .. والله أعلم.
الحديث الثاني والعشرون عن ابن عمر ﵄: قوله: ((حبل الحبلة)) ((فا)): الحبلة مصدر سمي به المحمول، كما سمى بالحمل وإنما أدخلت عليه التاء للإشعار بمعنى الأنوثة؛ لأن معناه أن يبيع ما سوف يحمله الجنين الذي في بطن الناقة، وقال ابن الأنباري: هو نتاج النتاج، فالحبل يراد به ما في بطون النوق، أدخلت فيها الهاء للمبالغة.
((مح)): ((حبل الحبلة)) بفتح الحاء والباء فيهما، قيل: الحبلة جمع حابل كظالم وظلمة، وفاجر وفجرة، قال الأخفش: حبلت المرأة فهي حابل والجمع حبلة، وقيل: الحبل مختص بالإنسان، والحمل بغيره، قال أبو عبيد: لا يقال لشيء من الحيوان: حبل، إلا ما جاء في هذا الحديث. واختلفوا في المراد بالنهي في هذا الحديث، فقال جماعة: هو البيع بثمن مؤجل إلي أن تلد الناقة ويلد ولدها، وقد ذكر مسلم هذا التفسير عن ابن عمر في هذا الحديث، وبه قال مالك والشافعي ومن تابعهم، وقال آخرون: هو بيع ولد ولد الناقة في الحال، وهذا تفسير أهل اللغة، وبه قال أحمد وإسحاق بن راهويه، وهذا أقرب إلي اللغة، لكن الراوي وهو ابن عمر قد
стр. 1615
٢٨٥٦ - وعنه، قال: نهي رسول الله ﷺ مية عن عسب الفحل. رواه البخاري.
٢٨٥٧ - وعن جابرٍ: قال: نهي رسول الله ﷺ عن بيع ضراب الجمل، وعن بيع الماء والأرض لتحرث. رواه مسلم.
٢٨٥٨ - وعنه، قال: نهي رسول الله ﷺ عن بيع فضل الماء. رواه مسلم.
ــ
فسره بالتفسير الأول وهو أعرف، ومذهب الشافعي ومحققي الأصوليين أن تفسير الراوي مقدم إذا لم يخالفه الظاهر.
اقول: فإن قلت: تفسيره مخالف لظاهر الحديث، فكيف يقال إذا لم يخالف الظاهر؟ قلت: لعل المراد بالظاهر الواقع، فإن هذا البيع في الجاهلية كان لضرب الأجل وتعيينه، وابن عمر كان أعرف بهذا من غيره، كأنه قال: نهي رسول الله ﷺ عن هذا البيع المخصوص، ثم فسره بما فسره، وليس التفسير حل اللفظ بل بيان للواقع.
الحديت الثالث والعشرون عن ابن عمر ﵄: قوله: ((عن عسب الفحل)) ((نه)): عسب الفحل ماؤه، فرسًا كان أو بعيرًا أو غيرهما، وعسبه أيضًا ضرابه، يقال: عسب الفحل الناقة يعسبها عسبًا، ولم ينه عن واحد منهما، وإنما أراد النهي عن الكراء الذي يؤخذ عليه؛ فإن إعارة الفحل مندوب إليها، وقد جاء في الحديث ((ومن حقها إطراق فحلها)) ووجه الحديث أنه نهي عن كراء عسب الفحل، فحذف المضاف. وقيل: يقال لكراء الفحل: عسب، وعسب فحله يعسبه، أي أكراه، وعسبت الرجل إذا أعطيته كراء ضراب فحله، فلا يحتاج إلي حذف مضاف، وإنما نهي عنه للجهالة التي فيه، ولابد في الإجارة من تعيين العمل ومعرفة مقداره.
((حس)): فيه أنه لا يجوز استئجار الفحل للإنزاء؛ لما فيه من الغرر؛ لأن الفحل قد يضرب وقد لا يضرب، وقد تلقح الأنثى وقد لا تلقح، وذهب إلي تحريمه أكثر الصحابة والفقهاء، ورخص فيه جماعة لكراهة انقطاع النسل، وشبهوه بالاستئجار للإرضاع وتأبير النخل، وما نهت السنة عنه فلا يجوز المصير إليه بطريق القياس، وأما إعارة الفحل للإنزاء فلا بأس به، تم لو أكرمه المستعير بشيء، يجوز له قبول كرامته.
أقول: قد سبق عن الشيخ محي الدين جواز الغرر فيما تمس الحاجة إليه، ولما كان بقاء النسل مطلوبا بالذات رخص في العسب.
الحديث الرابع والخامس والسادس والعشرون عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((ضراب الجمل)) ((قض)): ضرب الفحل الناقة ضرابا نزا عليها، وبيع ضرابه أن يأخذ به مالا ويقرر عليه. قوله: ((وعن بيع الماء والأرض لتحرث)) هو محمول علي المخابرة كما مر، قوله: ((لا يباع فضل الماء)) ((قض)): اختلفت الروايات في هذا الحديث، فروى البخاري رحمه الله
следующие страницы →