← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122257

شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن

الطيبي

Полный текст (3 308 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

٢٨٤٩ - وعن ابن عمر [﵄] قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تلقوا السلع حتى يهبط بها إلي السوق)). متفق عليه. ٢٨٥٠ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يبع الرجل علي بيع أخيه، ولا يخطب علي خطبة أخيه إلا أن يأذن له)). رواه مسلم. ٢٨٥١ - وعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يسم الرجل علي سوم أخيه المسلم)). رواه مسلم. ٢١٥٢ - وعن جابر [﵁]، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لايبع حاضر لبادٍ، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعضٍ)). رواه مسلم. ــ للبائع قبل أن يقدم ويعلم السعر، فإذا قدم، فإن كان سعره أرخص من سعر البلد ثبت له الخيار، سواء أخبر المشتري بالسعر كاذباً أم لم يخبر، وإن كان السعر أغلي أو كسعر البلد فوجهان: الأصح لا خيار له لعدم الغبن، والثاني: ثبوته لإطلاق الحديث. الحديث الخامس عشر إلي السابع عشر عن ابن عمر ﵄: قوله: ((لا يبع)) ((مح)): الرواية برفعه، ورفع ((يخطب)) علي سبيل الخبر الذي يراد به النهي فإنه أبلغ. قوله: ((علي خطبة أخيه)) ((نه)): هو أن يخطب الرجل المرأة، يقال منه: خطب يخطب خطبة - بالكسر فهو خاطب، فتركن إليه، ويتفقا علي صداق معلوم ويتراضيا، ولم يبق إلا العقد، فأما إذا لم يتراضيا ولم يتفقا ولم يركن أحدهما إلي الآخر، فلا منع من خطبتهما وهو خارج عن النهي. ((حس)): عن فاطمة بنت قيس أنها قالت: يا رسول الله! إن معاوية وأبا جهم خطبإني، فقال: ((انكحي أسامة)). الحديث الثامن عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((علي سوم أخيه)) ((نه)): المساومة المحادثة بين البائع والمشتري علي السلعة وفصل ثمنها، يقال: سام يسوم سومًا وساوم واستام، والمنهي عنه أن يتساوم المتبايعان في السلعة ويتقارب الانعقاد فيجىء رجل آخر يريد أن يشتري تلك السلعة، ويخرجها من يد المشتري الأول بزيادة علي ما استقر الأمر عليه، ورضيا به قبل الانعقاد. ولعل تخصيص ذكر الأخ ووصفه بالمسلم للتعطف والإيذان بأنه لا يليق بحال المسلم أن يستأثر نفسه علي أخيه المسلم. الحديث التاسع عشر عن جابر ﵁: قوله: ((حاضر)) جنس، ومن ثمة أعاد ضمير الجمع في ((دعوا)) إليه، وفيه التفات، وفائدة الالتفات هنا الزجر والتوبيخ، كما إذا قلت

стр. 1612

٢٨٥٣ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: نهي رسول الله ﷺ عن لبستين وعن بيعتين: نهي عن الملامسة والمنابذة في البيع. والملامسة: لمس الرجل ثوب الآخر بيده بالليل أو النهار، ولا يقلبه إلا بذلك. والمنابذة: أن ينبذ الرجل إلي الرجل ــ لصاحبك حاكيا عن ثالث لكما: إن فلانا من قصته كيت وكيت، ثم عدلت إلي الثالث مخاطبا: يا فلان من حقك أن تلزم الطريقة الحميدة في مجاري أمورك، نبهته بالتفاتك نحوه فضل تنبيه، فكذا نهي السمسار أن يقول لأهل البادية: احفظ متاعك حتى أبيعه قليلاً قليلاً بزيادة تمنه، ولاشك أن أهل السوق ينتظرون الجالب ليشتروا منه، فيبيعوا من أهل البلد قليلاً قليلاً فيرزقوا من فضل الله، فإذا فعل السمسار هذا فقد قطع رزقهم، فيستحق الزجر والتوبيخ لذلك. والله أعلم. الحديث العشرون عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((لبستين)) الجوهري: اللباس ما يلبس، وكذلك الملبس، واللبس بالكسر مثله. ((مظ)): أي نهي عن أن يلبس الرجل علي صورة الصماء، وعلي صورة الاحتباء، ونهي أن يبيع علي صورة الملامسة وعلي صورة المنابذة. ((حس)): معناه أن يجعلا لمس الشيء أو النبذ إليه بيعاً بينهما من غير رؤية وتأمل، ثم لا يكون فيه خيار، وكان ذلك من بيوع الجاهلية، فنهي عنه ﷺ . ((نه)): ((الملامسة)) هي أن يقول: إذا لمست ثوبي أو لمست ثوبك فقد وجب البيع، وقيل: هو أن يلمس المتاع من وراء ثوب، ولا ينظر إليه تم يوقع البيع عليه. نهي عنه؛ لأنه غرر، ولأنه تعليق أو عدول عن الصيغة الشرعية. وقيل: معناه أن يجعل اللمس بالليل قاطعًا للخيار، ويرجع ذلك إلي تعلق اللزوم وهو غير نافذ. و ((المنابذة)) في البيع هو أن يقول الرجل لصاحبه: انبذ إلي الثوب أو أنبذه إليك ليجب البيع. وقيل: هو أن يقول: إذا نبذت إليك الحصاة فقد وجب البيع، فيكون البيع معاطاة من غير عقد، ولا يصح أن يقال: نبذت الشيء أنبذه نبذًا فهو منبوذ، إذا رميته أو أبعدته. قوله: ((لا يقلبه إلا بذلك)) ((مظ)): يعني لا يلمس ذلك المتاع إلا للبيع، أي لم ير المشتري ذلك المتاع، ولم يجر بينهما إيجاب وقبول. أقول: جعل الملامسة قلباً وليس بذلك، وجعل المشار إليه البيع، ولم يسبق له ذكر. قال في المغرب: قلب الشيء حوله عن وجهه، وروي عن سنن أبي داود: الملامسة أن يمسه بيده ولا ينشره ولا يقلبه، الوجه أن يكون المشار إليه ((بذلك)) اللمس، والاستثناء، من باب قول الشاعر: وبلدة ليس بها إنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس وكان يجب عليه أن يقلب الثوب ظهراً لبطن، وينظر فيه ويتأمل فما فعل غير اللمس، وفي الحديث لف ونشر بغير ترتيب.

стр. 1613

بثوبه، وينبذ الآخر ثوبه ويكون ذلك بيعهما عن غير نظرٍ ولا تراضٍ. واللبستين: اشتمال الصماء. والصماء: أن يجعل ثوبه علي أحد عاتقيه، فيبدو أحد شقيه ليس عليه ثوبٌ. واللبسة الأخرى: احتباؤه بثوبه، وهو جالسٌ ليس علي فرجه منه شيءٌ. متفق عليه. ٢٨٥٤ - وعن أبي هريرة، قال: نهي رسول الله ﷺ عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر. رواه مسلم. ــ ((مح)): لأصحابنا في تفسير حديث الملامسة ثلاثة أوجه، أحدها: ما قال الشافعي ﵁: هو أن يأتي بثوب مطوي أو في ظلمة فيلمسه المستام، فيقول صاحبه: بعتكه بكذا، بشرط أن يقوم لمسك مقام نظرك، ولا خيار لك إذا رأيته. والثاني: أن يجعل نفس اللمس بيعًا، فيقول: إذا لمسته فهو مبيع لك. والثالث: أن يبيعه شيئًا علي أنه متى يمسه انقطع خيار المجلس وغيره، وهو باطل علي التأويلات. ومعنى قوله: ((عن غير نظر ولا تراض)) أي بلا تأمل ورضي بعد التأمل. قوله: ((واللبستين)) كذا في الجمع بين الصحيحين، وشرح السنة، ونسخ المصابيح، علي الحكاية من قوله: ((نهي عن لبستين)) وفي جامح الأصول ((اللبستان))، علي الظاهر. قوله: ((الصماء)) ((نه)) هو أن يتجلل الرجل بثوبه ولا يرفع منه جانبًا، وإنما قيل له صماء؛ لأنه يسد علي يديه ورجليه المنافذ كلها، كالصخرة الصماء التي ليس فيها خرق ولا صدع، والفقهاء يقولون: هو أن يتغطى بثوب واحد ليس عليه غيره، ثم يرفعه من جانبيه فيضعه علي منكبيه فتكشف عورته، و ((الاحتباء)) هو أن يضم الإنسان رجليه إلي بطنه بثوب، ويجمعهما مع ظهره ويشده عليهما، وقد يكون الاحتباء باليدين عوض الثوب، وإنما نهي عنه؛ لأنه إذا لم يكن عليه إلا ثوب واحد، ربما تحرك أو زال فتبدو عورته. الحديث الحادي والعشرون عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((عن بيح الحصاة)) ((قض)): بيع الحصاة من البياعات التي كان يفعلها أهل الجاهلية؛ واختلف في تفسيره، فقيل: هو أن يقول البائع للمشتري في العقد: إذا نبذت إليك الحصاة فقد وجب البيع، والخلل فيه إثبات الخيار وشرطه إلي أمد مجهول، وقيل: هو أن يعقد بأن يرمي بحصاة في قطع غنم، فأي شاة أصابتها كانت المبيعة، والخلل فيه جهالة المعقود عليه. وقيل: هو أن يجعل الرمي بيعًا، والخلل في نفس العقد وصورته، والغرر ما خفي عليك أمره من الغرور، وبيع الغرر كل بيع كان المعقود عليه فيه مجهولاً أو معجوزًا عنه، ومن ذلك بيع ما لم تره، وبيع تراب المعدن، وتراب الصاغة؛ لأن المقصود بالعقد ما فيه من النقد وهو مجهول.

стр. 1614

٢٨٥٥ - وعن ابن عمر، قال: نهي رسول الله ﷺ عن بيع حبل الحبلة، وكان بيعًا يتبايعه أهل الجاهلية، كان الرجل يبتاع الجزور إلي أن تنتج الناقة، ثم تنتج التي في بطنها. متفق عليه. ــ ((مح)): النهي عن بيع الغرر أصل عظيم من أصول كتاب البيوع، ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة، كبيع المعدوم والمجهول، وما لا يقدر علي التسليم، وما لم يتم ملك البائع عليه، وأشباه ذلك مما يلزم منه الغرر من غير حاجة. وقد يحتمل بعض الغرر بيعًا إذا دعت إليه الحاجة، كالجهل بأساس الدار [وكما إذا باع الشاة] مع حملها، ومع اللبن في ضرعها؛ لأن الأساس تابع للظاهر من الدار، والحمل واللبن تابعان للشاة، والحاجة تدعو إليه. وأجمعوا علي جواز غررٍ حقيرٍ كالجبة المحشوة بالقطن، ولو بيع حشوها بانفراده لم يجز، وأجمعوا أيضًا علي جواز إجارة الدار والدابة والثوب، ونحو ذلك شهرًا مع أن الشهر قد يكون ثلاثين يومًا، وقد يكون تسعة وعشرين يوماً، وعلي جواز دخول الحمام بالأجرة مع اختلاف الناس في صب الماء وفي قدر مكثهم، وعلي جواز الشرب من السقاء بالعوض مع جهالة قدر المشروب واختلاف عادة الشاربين، وتحريره أن مدار البطلان بسبب الغرر بغير حاجة، وإن دعت حاجة إلي ارتكابه، ولا يمكن الاحتراز عنه إلا بمشقة، أو كان الغرر حقيراً جاز البيع. وأعلم أن بيع الملامسة والمنابذة، وحبل الحبلة، والحصاة، وعسب الفحل، وأشباهها من البيوع التي جاء فيها نصوص داخلة في الغرر، ولكن أفردت بالذكر لكونها من بياعات الجاهلية المشهورة .. والله أعلم. الحديث الثاني والعشرون عن ابن عمر ﵄: قوله: ((حبل الحبلة)) ((فا)): الحبلة مصدر سمي به المحمول، كما سمى بالحمل وإنما أدخلت عليه التاء للإشعار بمعنى الأنوثة؛ لأن معناه أن يبيع ما سوف يحمله الجنين الذي في بطن الناقة، وقال ابن الأنباري: هو نتاج النتاج، فالحبل يراد به ما في بطون النوق، أدخلت فيها الهاء للمبالغة. ((مح)): ((حبل الحبلة)) بفتح الحاء والباء فيهما، قيل: الحبلة جمع حابل كظالم وظلمة، وفاجر وفجرة، قال الأخفش: حبلت المرأة فهي حابل والجمع حبلة، وقيل: الحبل مختص بالإنسان، والحمل بغيره، قال أبو عبيد: لا يقال لشيء من الحيوان: حبل، إلا ما جاء في هذا الحديث. واختلفوا في المراد بالنهي في هذا الحديث، فقال جماعة: هو البيع بثمن مؤجل إلي أن تلد الناقة ويلد ولدها، وقد ذكر مسلم هذا التفسير عن ابن عمر في هذا الحديث، وبه قال مالك والشافعي ومن تابعهم، وقال آخرون: هو بيع ولد ولد الناقة في الحال، وهذا تفسير أهل اللغة، وبه قال أحمد وإسحاق بن راهويه، وهذا أقرب إلي اللغة، لكن الراوي وهو ابن عمر قد

стр. 1615

٢٨٥٦ - وعنه، قال: نهي رسول الله ﷺ مية عن عسب الفحل. رواه البخاري. ٢٨٥٧ - وعن جابرٍ: قال: نهي رسول الله ﷺ عن بيع ضراب الجمل، وعن بيع الماء والأرض لتحرث. رواه مسلم. ٢٨٥٨ - وعنه، قال: نهي رسول الله ﷺ عن بيع فضل الماء. رواه مسلم. ــ فسره بالتفسير الأول وهو أعرف، ومذهب الشافعي ومحققي الأصوليين أن تفسير الراوي مقدم إذا لم يخالفه الظاهر. اقول: فإن قلت: تفسيره مخالف لظاهر الحديث، فكيف يقال إذا لم يخالف الظاهر؟ قلت: لعل المراد بالظاهر الواقع، فإن هذا البيع في الجاهلية كان لضرب الأجل وتعيينه، وابن عمر كان أعرف بهذا من غيره، كأنه قال: نهي رسول الله ﷺ عن هذا البيع المخصوص، ثم فسره بما فسره، وليس التفسير حل اللفظ بل بيان للواقع. الحديت الثالث والعشرون عن ابن عمر ﵄: قوله: ((عن عسب الفحل)) ((نه)): عسب الفحل ماؤه، فرسًا كان أو بعيرًا أو غيرهما، وعسبه أيضًا ضرابه، يقال: عسب الفحل الناقة يعسبها عسبًا، ولم ينه عن واحد منهما، وإنما أراد النهي عن الكراء الذي يؤخذ عليه؛ فإن إعارة الفحل مندوب إليها، وقد جاء في الحديث ((ومن حقها إطراق فحلها)) ووجه الحديث أنه نهي عن كراء عسب الفحل، فحذف المضاف. وقيل: يقال لكراء الفحل: عسب، وعسب فحله يعسبه، أي أكراه، وعسبت الرجل إذا أعطيته كراء ضراب فحله، فلا يحتاج إلي حذف مضاف، وإنما نهي عنه للجهالة التي فيه، ولابد في الإجارة من تعيين العمل ومعرفة مقداره. ((حس)): فيه أنه لا يجوز استئجار الفحل للإنزاء؛ لما فيه من الغرر؛ لأن الفحل قد يضرب وقد لا يضرب، وقد تلقح الأنثى وقد لا تلقح، وذهب إلي تحريمه أكثر الصحابة والفقهاء، ورخص فيه جماعة لكراهة انقطاع النسل، وشبهوه بالاستئجار للإرضاع وتأبير النخل، وما نهت السنة عنه فلا يجوز المصير إليه بطريق القياس، وأما إعارة الفحل للإنزاء فلا بأس به، تم لو أكرمه المستعير بشيء، يجوز له قبول كرامته. أقول: قد سبق عن الشيخ محي الدين جواز الغرر فيما تمس الحاجة إليه، ولما كان بقاء النسل مطلوبا بالذات رخص في العسب. الحديث الرابع والخامس والسادس والعشرون عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((ضراب الجمل)) ((قض)): ضرب الفحل الناقة ضرابا نزا عليها، وبيع ضرابه أن يأخذ به مالا ويقرر عليه. قوله: ((وعن بيع الماء والأرض لتحرث)) هو محمول علي المخابرة كما مر، قوله: ((لا يباع فضل الماء)) ((قض)): اختلفت الروايات في هذا الحديث، فروى البخاري رحمه الله

стр. 1616

٢٨٥٩ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يباع فضل الماء ليباع به الكلأ)). متفق عليه. ــ ((لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا فضل الكلأ)) ومعناه: من كان له بئر في موات من الأرض، لا يمنع ماشية غيره أن ترد فضل مائه الذي زاد علي ما احتاجت إليه ماشيته ليمنعها بذلك عن فضل الكلأ، فإنه إذا منعهم عن فضل مائه في أرض لا ماء بها سواه، لم يكن لهم الرعي بها فيصير الكلأ ممنوعًا بمنع الماء، وروى السجستإني ((لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ)) والمعنى: لا يباع فضل الماء ليصير الكلأ ممنوعًا بسبب الضنة علي الماء والمضايقة عليه، وفي المصابيح ((لا يباع فضل الماء ليباع به الكلأ)) والمعنى: لا يباع فضل الماء ليصير البائع له كالبائع للكلأ، فإن من أراد الرعي في حومات مائه وحواليه، إذا منعه من الورود علي مائه إلا بعوض اضطر إلي شرائه، فيكون بيعه للماء بيعًا للكلأ. واختلف العلماء في أن هذا النهي للتحريم أو للتنزيه، وبنوا ذلك علي أن الماء يملك أم لا؟، والأولي حمله علي الكراهة. ((تو)): الكلأ في موضعه هذا من فصيح الكلام الذي تهتز له أعطاف البليغ، لأن العشب يستعمل في الرطب من النبات، والحشيش في اليابس منه، والكلأ يعم النوعين. أقول: التركيب من باب نهي الفعل المعلل، فيلزم بالمفهوم جواز بيع الماء لا لتلك العلة، كما يبيع فضل الماء لسقي زرع الغير. ((مح)): لا يجب علي صاحب البئر بذل الفاضل عن حاجته لزرع غيره فيما يملكه من الماء، ويجب بذله للماشية، وللوجوب شروط: أحدها: أن لا يجد صاحب الماشية ماء مباحا، والثاني: أن يكون البذل لحاجة الماشية، والثالث: أن يكون هناك مرعى، وأن يكون الماء في مستقره، فالماء الموجود في إناء لا يجب بذل فضله علي الصحيح، ثم عابرو السبيل يبذل لهم ولمواشيهم، وفيمن أراد الإقامة في الموضع وجهان؛ لأنه لا ضرورة إلي الإقامة، والأصح الوجوب، وإذا أوجبنا البذل، هل يجوز أن تأخذ عليه عوضًا كإطعام المضطر؟ فيه وجهان، والصحيح أنه ﷺ نهي عن بيع فضل الماء. اعلم أن البئر يتصور حفرها علي أوجه: أحدها: الحفر في المنازل للمارة، والثاني: في الموات علي قصد الارتفاق، كمن ينزل في الموات فيحفر للشرب وسقي الدواب، والثالث: الحفر بنية الملك، فالمحفورة للمار ماؤها مشترك بينهم، والحافر كأحدهم، والمحفورة للارتفاق الحافر أولي بمائها إلي أن يرتحل، لكن ليس له منع ما فضل منه للشرب لا الزرع، فإذا ارتحل صارت البئر كالمحفورة للمارة، فإن عاد فهو كغيره، وأما المحفورة للتملك فهل يكون ماؤها ملكًا؟ فيه وجهان: أصحهما نعم، وبه قال ابن أبي هريرة، وهو المنصوص في القديم. ويجري الخلاف فيما إذا انفجرت عين في ملكه، فإن قلنا: لا يملك فنبع وخرج منه ملكه من أخذه، وإن قلنا بالأصح لا يملكه الآخذ، أقول: بعض هذه المسائل ملحق بالتعليل، وبعضها بالمعلل في المنع وعدم المنع.

стр. 1617

٢٨٦٠ - وعنه، أن رسول الله ﷺ مر علي صبرة طعام، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللاً. فقال: ((ما هذا يا صاحب الطعام؟)) قال: أصابته السماء يا رسول الله! قال: ((أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس؟ من غش فليس مني)). رواه مسلم. الفصل الثاني ٢٨٦١ - عن جابر، قال: إن رسول الله ﷺ نهي عن الثنيا إلا أن يعلم. رواه الترمذي. [٢٨٦١] ٢٨٦٢ - وعن أنس [﵁]، قال: نهي رسول الله ﷺ عن بيع العنب حتى يسود، وعن بيع الحب حتى يشتد. هكذا رواه الترمذي، وأبو داود، عن أنس. ــ الحديث السابع والعشرون عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((أصابته السماء)) أي المطر؛ لأنها مكانه، وهو نازل منها، قال: إذا نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا قوله: ((من غش فليس مني)) ((من)) اتصالية، كقوله تعالي: ﴿المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض﴾. ((حس)): الغش نقيض النصح مأخوذ من الغشش، وهو المشرب الكدر، ولم يرد به نفيه عن دين الإسلام، إنما أراد أنه ترك متابعتنا، هذا كما يقول الرجل لصاحبه: أنا منك، يريد به الموافقة والمتابعة، قال الله تعالي إخبارا عن إبراهيم ﵇: ﴿فمن تبعني فإنه مني﴾. الفصل الثاني الحديث الأول عن جابر ﵁ قوله: ((عن الثنيا إلا أن يعلم)) قد سبق في الحديث الثالث من الفصل الأول معناه. الحديث الثاني عن أنس ﵁: قوله: ((نهي عن بيع النخل حتى يزهو)) أي عن بيع ثمر النخل حتى يزهو، فلما حذف المضاف أسند الفعل إلي المضاف إليه، فأنث و ((حتى)) غاية للنهي المخصوص.

стр. 1618

والزيادة التي في ((المصابيح)) وهو قوله: نهي عن بيع التمر حتى تزهو؛ إنما ثبت في روايتهما: عن ابن عمر، قال: نهي عن بيع النخل حتى تزهو، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. [٢٨٦٢] ٢٨٦٣ - وعن ابن عمر: أن النبي ﷺ نهي عن بيع الكالئ بالكالئ. رواه الدارقطني. [٢٨٦٣] ٢٨٦٤ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: نهي رسول الله ﷺ عن بيع العربان. رواه مالك، وأبو داود، وابن ماجه. [٢٨٦٤] ٢٨٦٥ - وعن علي [﵁]، قال: نهي رسول الله ﷺ عن بيع ــ الحديث الثالث عن ابن عمر ﵄: قوله: ((عن بيع الكالئ بالكالئ)) ((فا)): كلأ الدين كلاء إذا تأخر، ومنه بلغ الله بك أكلأ العمر أي أطوله وأشده تأخرا. قال ابن الأعرابي: تعففت عنها في القرون التي خلت ... فكيف النسا في بعد ما كلأ العمر وكلأته أنسأته، وكلأت الطعام أسلفت، وهو أن يكون لك علي رجل دين، فإذا حل أجله استباعك ما عليه إلي أجل [وارد عليه في النهاية، والمراد به بيع النسيئة بالنسيئة: وذلك أن يشتري الرجل شيئاً إلي أجل]، فإذا حل الأجل لم يجد ما يقضي، فيقول: بعنيه إلي أجل آخر بزيادة شيء، فيبيعه منه ولا يجري بينهما تقابض، وبعض الرواة لا يهمز ((الكالئ)) تخفيفا. الحديث الرابع عن عمرو: قوله: ((عن بيع العربان)) أي عن البيع الذي يكون فيه عربان. ((نه)): هو أن يشتري السلعة ويدفع إلي صاحبها شيئاً، علي أنه إن أمضى البيع حسب من الثمن، وإن لم يمض البيع كان لصاحب السلعة، ولم يرجعه المشتري. يقال: أعرب في كذا وعرب وعربن وهو عربان وعربون، وعربون كحمدون، قيل: سمي بذلك لأن فيه إعرابا لعقد البيع أي إصلاحا وإزالة فساد؛ لئلا يملكه غيره باشترائه، وهو بيع باطل عند الفقهاء؛ لما فيه من الشرط والغرر، وأجازه أحمد، وروي عن ابن عمر إجازته، وحديث النهي منقطع. الحديث الخامس عن علي رضي الله عه: قوله: ((عن بيع المضطر)) ((نه)): هذا يكون من وجهين، أحدهما: أن يضطر إلي العقد من طريق الإكراه، وهذا بيع فاسد لا ينعقد،

стр. 1619

المضطر، وعن بيع الغرر، وعن بيع الثمرة قبل أن تدرك. رواه أبو داود. [٢٨٦٥] ٢٨٦٦ - وعن أنس: أن رجلاً من كلاب، سأل النبي ﷺ عن عسب الفحل، فنهاه، فقال: يا رسول الله! إنا نطرق الفحل فنكرم. فرخص له في الكرامة. رواه الترمذي. [٢٨٦٦] ٢٨٦٧ - وعن حكيم بن حزام، قال: نهإني رسول الله ﷺ أن أبيع ما ليس عندي. رواه الترمذي في رواية له، ولأبي داود، والنسائي: قال: قلت: يا رسول الله! يأتيني الرجل فيريد مني البيع وليس عندي، فأبتاع له من السوق. قال: ((لا تبع ما ليس عندك)). [٢٨٦٧] ــ والثاني: أن يضطر إلي البيع لدين ركبه، أو مؤونة ترهقه فيبيع ما في يديه بالوكس للضرورة، وهذا سبيله في حق الدين فالمروءة أن لا يباع علي هذا الوجه، ولكن يعار ويقرض إلي الميسرة، أو يشتري إلي الميسرة، أو يشتري السلعة بقيمتها، فإن عقد البيع مع الضرورة علي هذا الوجه، صح مع كراهة أهل العلم له. ومعنى البيع هاهنا الشرى أو المبايعة أو قبول البيع. والمضطر مفتعل من الضر، وأصله مضترر، فأدغمت الراء وقلبت التاء طاءً؛ لأجل الضاد. والغرر هو ما كان له ظاهر يغري المشتري وباطن مجهول، وقال الأزهري: الغرر ما كان علي غير عهدة وثقة، وتدخل فيه البيوع التي لا يحيط بكنهها المتبايعان من كل مجهول. الحديث السادس عن أنس: قوله: ((إنا نطرق الفحل)) ((نه)): وفي الحديث ((ومن حقها إطراق فحلها)) أي إعارته للضراب، فاستطراق الفحل استعارته لذلك، وكل ناقة طروقة فحلها، وكل امرأة طروقة زوجها، والطرق في الأصل ماء الفحل. وقيل: هو الضراب ثم سمي به الماء. ((شف)): فيه دليل علي أنه لو أعاره الفحل للإنزاء، فأكرمه المستعير بشيء جاز، وله قبوله، وإن لم يجز أخذ الكراء. الحديث السابع عن حكيم: قوله: ((فيزيد مني البيع)) أي المبيع كالصيد بمعنى المصيد؛ لقوله تعالي: ﴿أحل لكم صيد البحر﴾ أي مصيدة، وقوله: ((ليس عندي)) حال منه، وفي شرح السنة، وفي بعض نسخ المصابيح ثبت بالواو. ((حس)): هذا في بيوع الأعيان دون بيوع الصفات، فلو قبل السلم في شيء موصوف عام الوجود عند المحل المشروط يجوز، وإن لم

стр. 1620

٢٨٦٨ - وعن أبي هريرة، قال: نهي رسول الله ﷺ عن بيعتين في بيعة. رواه مالك، والترمذي، والنسائي. [٢٨٦٨] ٢٨٦٩ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: نهي رسول الله ﷺ عن بيعتين في صفقة واحدة. رواه في ((شرح السنة)). [٢٨٦٩] ٢٨٧٠ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك)). رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي، وقال الترمذي: هذا حديث صحيح. [٢٨٧٠] ــ يكن في ملكه حالة العقد، وفي معنى بيع ما ليس عنده في الفساد بيع العبد الآبق، وبيع المبيع قبل القبض، وفي معناه بيع مال غيره بغير إذنه؛ لأنه لا يدري هل يجيز مالكه أم لا، وبيع المبيع قبل القبض، وفي معناه بيع مال غيره بغير إذنه؛ لأنه لا يدري هل يجيز مالكه أم لا، وبه قال الشافعي. وقال جماعة: يكون العقد موقوفاً علي إجازة المالك، وهو قول مالك وأصحاب أبي حنيفة وأحمد. الحديث الثامن عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((عن بيعتين)) ((حس)) و ((مظ)): فسروا البيعتين في بيعة علي وجهين، أحدهما: أن يقول: بعتك هذا الثوب بعشرة نقداً أو بعشرين نسيئة إلي شهر، فهو فاسد عند أكثر أهل العلم؛ لأنه لا يدري أيهما الثمن حين يوجب البيع، وجهالة الثمن تمنع صحة البيع. وثإنيهما: أن يقول: بعتك عبدي بعشرة علي أن تبيعني جارية بكذا، فهو فاسد؛ لأنه جعل ثمن العبد عشرة دنإنير، وشرط بيع الجارية وذلك شرط لا يلزم، وإذا لم يلزم ذلك بطل بعض الثمن، فيصير ما يبقى من المبيع في مقابلة الثاني مجهولاً. الحديث التاسع والعاشر عن عمرو: قوله: ((لا يحل سلف وبيع)) ((قض)): السلف يطلق علي السلم والقرض، والمراد به هاهنا شرط القرض علي حذف المضاف، أي لا يحل بيع مع شرط سلف، مثل أن يقول: بعتك هذا الثوب بعشرة علي أن تقرضني عشرة، نفي الحل اللازم للصحة؛ ليدل علي الفساد من طريق الملازمة، والعلة فيه وفي كل عقد تضمن شرطاً لا يثبت ويتعلق به غرض ما مر في حديث السالف. وقيل: هو أ، يقرضه قرضاً ويبيع منه شيئاً بأكثر من قيمته، فإنه حرام لأن قرضه روج متاعه بهذا الثمن، وكل قرض جر نفعاً فهو حرام. وقوله: ((ولا شرطان في بيع)) فسر بالمعنى الذي ذكرناه أولا للبيعتين في بيعة، وقيل: معناه

стр. 1621

٢٨٧١ - وعن ابن عمر، قال: كنت أبيع الإبل بالنقيع بالدنإنير، فآخذ مكانها الدراهم، وأبيع بالدراهم فآخذ مكانها الدنإنير، فأتيت النبي ﷺ ، فذكرت ذلك له. فقال: ((لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء)). رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي، والدارمي. [٢٨٧١] ــ أن يبيع شيئاً بشرطين، مثل أن يقول: بعت منك هذا الثوب بكذا علي أن أقصره وأخيطه، وإليه ذهب أحمد، وبنى علي مفهومه جواز الشرط الواحد وهو ضعيف؛ إذ لا فرق بين الشرط الواحد والشرطين في المعنى؛ ولأنه روي أن النبي ﷺ ((نهي عن بيع وشرط)) ولعل تخصيص الشرطين للعادة التي كانت لهم. ((وربح ما لم يضمن)) يريد به الحاصل من بيع ما اشتراه قبل أن يقبضه، وينتقل من ضمان البائع إلي ضمانه، فإن بيعه فاسد، وقول القاضي: وقيل: هو أن يقرضه قرضاً ويبيع منه شيئاً بأكثر من قيمته ثمناً، وأحمد علي ما في شرح السنة. وقال أحمد: هو أن يقرضه قرضاً ثم يبايعه عليه بيعاً يزداد عليه، وقال الخطابي: وهذا فاسد؛ لأن كل قرض جر منفعة فهو ربا. ((حس)): قيل: معناه أن الربح في الشيء إنما يحل إن كان الخسران عليه، فإن لم يكن الخسران عليه، كالمبيع قبل القبض إذا تلف، فإن ضمانه علي البائع، فلا يحل للمشتري أن يسترد منافعه التي انتفع بها البائع قبل القبض؛ لأن المبيع لم يدخل بالقبض في ضمان المشتري، فلا يحل له ربح المبيع قبل القبض. الحديث الحادي عشر عن ابن عمر رضي الله عهما: قوله: ((بالنقيع)) ((نه)) ز ((تو)): هو بالنون موضع قريب من المدينة كان يستنقع فيه الماء أي يجتمع. قوله: ((أن تأخذها)) الضمير المنصوب راجع إلي أحد النقدين من الدراهم والدنإنير علي البدلية، ((وشيء)) عبارة عن التقابض، وإنما نكره وأبهمه للعلم بالمراد، فإن تقابض النقدين في المجلس مما هو مشهور ولا يلتبس علي كل أحد، وقوله ﷺ : ((لا بأس)) في الجواب ثم تقييده بقوله: ((أن تأخذها)) إلي آخره من باب القول بالموجب، كأنه قال: لا بأس أن تأخذ بدل الدنإنير الدراهم وبالعكس، بشرط التقابض في المجلس، والتقييد بقوله: ((بسعر اليوم)) علي طريقة الاستحباب عند الشافعي. ((حس)): يشترط قبض ما يستدل في المجلس، سواء استبدل عنه ما يوافقه في علة الربا أو غيره، وكذلك في القرض وبدل الإتلاف؛ لقوله: ((ما لم تتفرقا وبينكما شيء)). وقيل: لا يشترط ذلك إلا إذا كانا موافقين في علة الربا، وإنما شرطه النبي ﷺ ؛ لأنهما- أعني الدراهم والدنإنير- مما يوافقان في علة الربا، والتقابض في أحد النقدين بالآخر شرط، ولو استبدل عن الدين شيئاً مؤجلاً لا يجوز؛ لأنه بيع كالئ بكالئ، وقد نهي عنه.

стр. 1622

٢٨٧٢ - وعن العداء بن خالد بن هوذة، أخرج كتابا: هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله ﷺ ، اشترى منه عبدا أو أمة، لا داء، ولا غائلة، ولا خبثة، بيع المسلم المسلم. رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب. [٢٨٧٢] ٢٨٧٣ - وعن أنس: أن رسول الله ﷺ باع حلسا وقدحا، فقال: ((من يشتري هذا الحلس والقدح؟)) فقال رجل: آخذهما بدرهم. فقال النبي ﷺ : ((من يزيد علي درهم؟)) فأعطاه رجل درهمين، فباعهما منه. رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه. [٢٨٧٣] ــ الحديث الثاني عشر عن العداء قوله: العداء ((قض)): هذا العداء من بني ربيعة بن عمرو بن عامر بن صعصعة من أعراب البصرة. و ((عبدا أو أمة)) شك بعض الرواة، والمراد بالداء العيب الموجب للخيار، وبالغائلة ما فيه اغتيال مال المشتري، مثل أن يكون العبد سارقاً أو آبقا، وبالخبثة أن يكون خبيث الأصل، لا يطيب للملاك، أو محرماً كالمسبي من أولاد المعاهدين ومن لا يجوز سبيهم، فعبر عن الحرمة بالخبث، كما عبر عن الحل بالطيب. ((بيع المسلم المسلم)) نصب علي المصدر أي باعه بيع المسلم من المسلم، وأضاف إلي الفاعل ونصب به المفعول. ((تو)): ليس في ذلك ما يدل علي أن المسلم إذا بايع غير أهل ملته، جاز له أن يعامله بما يتضمن غبنا أو غشا، وإنما قال ذلك علي سبيل المبالغة في النظر له، فإن المسلم إذا بايع المسلم يرى له من النصح أكثر مما يرى لغيره، أو أراد بذلك بيان حال المسلمين إذا تعاقدا، فإن من حق الدين وواجب النصيحة أن يصدق كل واحد منهما صاحبه، ويبين له ما خفي عليه، ويكون التقدير باعه بيع المسلم المسلم، واشتراه شرى المسلم المسلم، فاكتفي بذكر أحد طرفي العقد عن الآخر. الحديث الثالث عشر عن أنس ﵁: قوله: ((باع)) أي أراد أن يبيع، كقوله تعالي: ﴿وإذا قرأت القرآن﴾. قوله: ((حلساً)) ((نه)): الحلس الكساء الذي علي ظهر البعير تحت القتب لا يفارقه. قوله: ((من يزيد علي درهم)) ((مح)): هذا ليس بسوم؛ لأن السوم هو أن يتفق الراغب والبائع علي البيع ولم يعقداه، فيقول الآخر للبائع: أنا أشتريه، وهذا حرام بعد استقرار الثمن، وأما السوم في السلعة التي تباع فيمن يزيد فليس حرام. أقول: في قوله: ((فأعطاه)) أي النبي ﷺ ، وقوله: ((فباعهما)) إيهام أن المعاطاة كافية.

стр. 1623

الفصل الثالث ٢٨٧٤ - عن واثلة بن الأسقع، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من باع عيبا لم ينبه، لم يزل في مقت الله، أو لم تزل الملائكة تلعنه)). رواه ابن ماجه. [٢٨٧٤] (٦) باب الفصل الأول ٢٨٧٥ - عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر، فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع. ومن ابتاع عبدا وله مال، فماله للبائع، إلا أن يشترط المبتاع)). رواه مسلم. وروى البخاري المعنى الأول وحده. ــ الفصل الثالث الحديث الأول عن واثلة: قوله: ((عيبا)) أي معيبا، وقد تقرر في علم المعإني أن المصدر إذا وضع موضع الفاعل أو المفعول كان للمبالغة، نحو رجل عدل أي هو مجسم من العدل، وجعل المعيب نفس العيب دلالة علي شناعة هذا البيع، وأنه عين العيب، وذلك ليس من شيم المسلمين، كما قال ﷺ : ((من غش فليس مني)) أو يقدر ذا عيب، والتنكير للتقليل. والله أعلم. وفي قوله: ((في مقت الله)) مبالغتان، فإن المقت أشد الغضب، وجعله ظرفاً له. باب الفصل الأول الحديث الأول عن ابن عمر ﵄: قوله: ((بعد أن تؤبر)) ((قض)): التأبير تلقيح النخل، وهو أن يوضع شيء من طلع فحل النخل في طلع الأنثى إذا انشق، والمعنى أن من باع نخلا مثمرا قد أبرت، فثمرتها تبقى له إلا إذا شرط دخولها في العقد، وعليه أكثر أهل العلم، وكذا إن انشق ولم تؤبر بعد؛ لأن الموجب للأفراد هو الظهور المماثل لانفصال الجنين، ولعله عبر عن الظهور بالتأبير؛ لأنه لا يخلو عنه غالباً، أما لو باع قبل أوان الظهور تبع الأصل، وانتقل إلي المشتري، قياسا علي الجنين وأخذا من مفهوم الحديث، وقال أبو حنيفة: تبقى الثمرة للبائع بكل حال، وقال أبي ليلي: الثمرة تتبع الأصل وتنتقل إلي المشتري بكل حال. قوله: ((وله مال)) ((حس)): فيه بيان أن العبد لا ملك له بحال، فإن السيد لو ملكه لا يملك لأنه مملوك، فلا يجوز أن يكون مالكا كالبهائم. قوله: ((وله مال)) إضافة مجاز لا إضافة ملك، كما يضاف السرج إلي الفرس، والإكاف إلي الحمار، والغنم إلي الراعي، يدل عليه أنه

стр. 1624

٢٨٧٦ - وعن جابر: أنه كان يسير علي جمل له قد أعيي، فمر النبي ﷺ به، فضربه، فسار سيرا ليس يسير مثله، ثم قال: ((بعنيه بوقية)) قال: فبعته، فاستثنيت حملانه إلي أهلي، فلما قدمت المدينة أتيته بالجمل ونقدني ثمنه وفي رواية: فأعطإني ثمنه ورده علي. متفق عليه. وفي رواية للبخاري أنه قال لبلال: ((اقضه وزده)) فأعطاه، وزاده قيراطا. ــ قال: ((فماله للبائع))، أضاف الملك إليه وإلي البائع في حالة واحدة، ولا يجوز أن يكون الشيء الواحد كله ملكاً لاثنين في حالة واحدة، فثبت إضافة المال إلي العبد مجاز، أي للاختصاص وإلي المولي حقيقة، أي للملك. ((مح)): مذهب مالك والشافعي في القديم أن العبد إذا ملكه سيده مالا ملكه، لكنه إذا باعه بعد ذلك كان ماله للبائع، إلا أن يشترط لظاهر الحديث. وقال الشافعي: إن كان المال دراهم لم يجز بيع العبد، وتلك الدراهم بدراهم، وكذا إن كان الدنإنير أو الحنطة لم يجز بيعهما بذهب أو حنطة. وقال مالك: يجوز إن اشترطه المشتري، وإن كان دراهم والثمن دراهم، ولإطلاق الحديث. وفي الحديث دليل علي أن ثياب العبد التي عليه تدخل في البيع، إلا أن يشترطها؛ لأنه مال في الجملة. وقال بعض أصحابنا: تدخل. وقال بعضهم: ساتر العورة فحسب، والأصح أنه لا يدخل شيء؛ لظاهر الحديث، ولأن اسم العبد لا يتناول الثياب. الحديث الثاني عن جابر ﵁: قوله: ((قد أعيي)) أعيي أي أصابه العياء وصار ذا عياء. قوله: ((بوقية)) ((نه)): هي بغير ألف لغة عامرية، وغير العامرية أوقية بضم الهمزة وتشديد الياء، وهي أربعون درهما، ووزنها أفعولة، والألف زائدة، والجمع الأواقي مشدداً وقد يخفف. و ((الحملان)) مصدر حمل يحمل حملانا. ((مح)): احتج به أحمد ومن وافقه علي جواز بيع دابة، يشترط البائع لنفسه ركوبها. وقال مالك: يجوز ذلك إذا كانت المسافة ريبة. وقال الشافعي وأبو حنيفة وآخرون: لا يجوز ذلك، سواء بعدت المسافة أو قربت، واحتجوا بالحديث السابق في النهي عن بيع الثنيا، وبالحديث في النهي عن بيع وشرط. وأجابوا عن حديث جابر بأنها قضية تتطرق إليها احتمالات؛ لأن النبي ﷺ أراد أن يعطيه الثمن ولم يرد حقيقة البيع، ويحتمل أن الشرط لم يكن في نفس العقد، وإنما يضر الشرط إذا كان في نفس العقد، فلعل الشرط كان سابقاً فلم يؤثر، ثم تبرع ﷺ بإركابه، وفيه أنه لا بأس بطلب البيع من مالك السلعة وإن لم يعرضها للبيع. قوله: ((وزده)) ((مح)): فيه دليل علي جواز الوكالة في قضاء الدين وأداء الحقوق، واستحباب أداء الدين وإرجاح الوزن. ((حس)): فيه جواز هبة المشاع؛ لأن زيادة القيراط هبة غير متميزة من جملة الثمن. أقول: وفيه بحث؛ لأن قوله: ((فأعطاه وزاده قيراطاً)) لا يساعد عليه. وكذا ما روي

стр. 1625

٢٨٧٧ - وعن عائشة، قالت: جاءت بريرة، فقالت: إني كاتبت علي تسع أواق، في كل عام وقية، فأعينيني فقالت عائشة: إن أحب أهلك أن أعدها لهم عدة، واحدة وأعتقك؛ فعلت، ويكون ولاؤك لي، فذهبت إلي أهلها فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم. فقال رسول الله ﷺ : ((خذيها وأعتقيها)) ثم قام رسول الله ﷺ في الناس، فحمد الله ــ عن جابر أنه قال: قلت: هذا القيراط الذي زادني رسول الله ﷺ لا يفارقني أبدا فجعلته في كيس، فلم يزل عندي حتى جاء أهل الشام يوم الحرة فأخذوه فيما أخذوا. الحديث الثالث عن عائشة ﵂: قوله: ((قالت: جاءت بريرة)) ((قض)): ظاهر مقدمة هذا الحديث يدل علي جواز بيع رقبة المكاتب، وإليه ذهب النخعي ومالك وأحمد، وقالوا: يصح بيعه، ولكن لا تنفسخ كتابته، حتى لو أدى النجوم إلي المشتري عتق، وولاؤه للبائع الذي كاتبه. وأول الشافعي الحديث بأنه جرى برضاها، وكان ذلك فسخاً للكتابة منها، ويحتمل أن يقال: إنها كانت عاجزة عن الأداء، فلعل السادة عجزوها وباعوها. واختلف في جواز بيع نجوم الكتابة فمنعه أبو حنيفة والشافعي، وجوزه مالك وأول قوم حديث بريرة عليه، بقول عائشة ﵂: ((أعدها لهم)) والضمير لـ ((تسع أواق)) التي وقعت عليها الكتابة، وبما جاء في بعض الروايات ((فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك)) ويرده عتق عائشة إياها، وما روى ابن شهاب عن عروة عن عائشة أنه ﷺ قال: ((ابتاعي وأعتقي)) وفي رواية أخرى أنه قال: ((اشتريها وأعتقيها)) وأما ما احتجوا به فدليل عليهم؛ لأن مشتري النجوم لا يعدها ولا يؤديها، وإنما يعطى بدلها. وأما مشتري الرقبة إذا اشتراها بمثل ما انعقدت به الكتابة فإنه يعده، وفحوى الحديث يدل علي جواز بيع الرقبة بشرط العتق؛ لأنه يدل علي أنهم شرطوا الولاء لأنفسهم، وشرط الولاء لا يتصور إلا بشرط العتق، وأن النبي صلي الله عليه وسلن أذن لعائشة في إجابتهم بالشرى بهذا الشرط، ولو كان العقد فاسداً لم يأذن فيه ولم يقرر العقد، وإليه ذهب النخعي والشافعي وابن أبي ليلي وأبو ثور، وذهب أصحاب أبي حنيفة إلي فساده. والقائلون بصحة العقد اختلفوا في الشرط، فمنهم من صححه، وبه قال الشافعي في الجديد؛ لأنه ﷺ أذن فيه؛ ولأنه لو فسد لأفسد العقد؛ لأنه شرط يتعلق به غرض ولم يثبت، ففسد العقد للنص والمعنى المذكورين قبل، ومنهم من ألغاه كابن أبي ليلي وأبي ثور. ويدل أيضا علي صحة البيع بشرط الولاء وفساد الشرط؛ لأنه ﷺ قرر العقد وأنفذه وحكم ببطلان الشرط، وقال: ((إنما الولاء لمن أعتق)) وبه قال ابن أبي ليلي وأبو ثور والشافعي في القديم. والأكثرون علي فساد العقد لما سبق من النص والمعنى، وقالوا: ما جرى الشرط في بيع بريرة، ولكن القوم ذكروا ذلك طمعاً في ولائها جاهلين بأن الولاء لا يكون إلا للمعتق. وما روى هشام بن عروة

стр. 1626

وأثنى عليه. ثم قال: ((أما أبعد، فما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله. ــ عن أبيه عن عائشة أنه ﷺ قال: ((خذيها واشترطيها)) زيادة تفرد بها، والتاركون لها كابن شهاب عن عروة وعمرة عن عائشة والقاسم بن محمد عنها أكثر عدداً وأشد اعتباراً فلا يسمع؛ لأن السهو علي واحد أجوز منه علي جماعة. قال الشافعي ﵁: كيف يجوز في صفة الرسول ومكانه من الله أن ينكر علي الناس شرطا باطلا، ويأمر أهله بإجابتهم إلي الباطل، وهو علي أهله في الله أشد وأغلظ. أقول: وعلي هذا التقدير والاحتمال ينهدم ما ذكرنا من الاستدلال، ولا يكون فيه ما يدل علي جواز شرط العتق في العقد وصحته. قوله: ((ما بال رجال يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله؟)) كذا في البخاري بلا فاء، قال المالكي: ((أما)) حرف قائم مقام أداة الشرط والفعل الذي يليها؛ فلذلك يقدرها النحويون بمهما يكن من شيء، وحق المتصل بالمتصل بها أن تصحبه الفاء، نحو قوله تعالي: ﴿فأما عاد فاستكبروا في الأرض﴾ ولا تحذف هذه الفاء غالبا إلا في شعر أو مع قول أغنى عنه مقوله، نحو ﴿فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم﴾ أي فيقال لهم: أكفرتم، وقوله ﷺ : ((أما موسى كإني أنظر إليه)) وقول عائشة ﵂: ((وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة طافوا طوافاً واحداً)) وقد خولفت القاعدة في هذه الأحاديث، فعلم بالتحقيق عدم التضييق، وأن من خصه بالشعر أو بالصورة المعينة من النثر مقصر في فتواه وعاجز عن نصرة دعواه- انتهي كلامه. أراد ﷺ بما قال أن هذه الشروط ليست في حكم الله، أو ليست علي مقتضى حكم كتاب الله، ولم يرد أنها منصوصة في كتاب الله؛ فإن كون الولاء للمعتق أيضا غير منصوص في القرآن، ولكن الكتاب أمر بطاعة الرسول واتباع حكمه، وهو قد حكم بأن الولاء لمن أعتق، وغلي هذا يكون قوله: ((وإنما الولاء لمن أعتق)) حالا من قوله: ((يشترطون)) مقررة لجهة الإشكال كقوله تعالي: ﴿ونحن نسبح بحمدك﴾ حيث وقعت مقررة لإنكار ما سبق من قوله: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها﴾. ((مح)): وفي هذا الشرط إشكال؛ لأنه يفسد البيع، وكيف وهو متضمن للخداع والتغرير؟ أم كيف أذن لأهله ما لا يصح؟ ولهذا الإشكال أنكر بعض العلماء هذا الحديث بجملته، وما في معناه في الرواية الأخرى من قوله: ((واشترطي لهم الولاء فإن الولاء لمن أعتق)) وقال الجمهور: هذه اللفظة صحيحة، واختلفوا في تأويلها، قيل ((لهم)) بمعنى ((عليهم)) كما قال تعالي: ﴿ولهم اللعنة﴾ أي عليهم ﴿وإن أسأتم فلها﴾ أي فعليها وهو ضعيف؛ لأنه ﷺ أنكر عليهم

стр. 1627

ما كان من شرط ليس في كتاب الله؛ فهو باطل، وإن كان مائة شرط. فقضاء الله أحق، وشرط الله أوثق وإنما الولاء لمن أعتق)). متفق عليه. ٢٨٧٨ - وعن ابن عمر، قال: نهي رسول الله ﷺ عن بيع الولاء وعن هبته. متفق عليه. ــ الاشتراط، ولو كان كما قال القائل لم ينكره، وقد يجاب عنه أنه ﷺ إنما أنكر ما أرادوا اشتراطه في أول الأمر، والأصح في تأويله ما قاله أصحابنا في كتب الفقه: إن هذا الشرط خاص في قضية عائشة ﵂، واحتمل هذا الإذن وإبطاله هذه القضية الخاصة، وهي قضية عين لا عموم لها، قالوا: والحكمة في إذنه ثم إبطاله المبالغة في قطع عادتهم في ذلك وزجرهم علي مثله، كما أذن لهم ﷺ في الإحرام بالحج، ثم أمرهم بفسخه وجعله عمرة؛ ليكون أبلغ في زجرهم وقطعهم عما اعتادوه من منع العمرة في أشهر الحج، وقد يحتمل المفسدة اليسيرة لتحصيل مصلحة عظيمة. قال العلماء: الشرط في البيع ونحوه أقسام: منها: شرط يقتضيه إطلاق العقد بأن شرط تسليمه إلي المشتري، أو تبقية الثمرة علي الشجرة إلي أوان الجذاذ. ومنها: شرط فيه مصلحة وتدعو إليه الحاجة، كاشتراط الرهن والتضمين والخيار ونحو ذلك، فهذان الشرطان جائزان، ولا يؤثران في صحة العقد بلا خلاف. ومنها: اشتراط العتق في العبد أو الأمة ترغيباً في العتق لقوته وسرايته- انتهي كلامه. قوله: ((فأبوا إلا أن يكون)) الاستثناء مفرغ؛ لأن في ((أبي)) معنى النفي، الكشاف في قوله تعالي: ﴿ويأبي الله إلا أن يتم نوره﴾: قد أجرى ((أبي)) مجرى لم يرد، ألا ترى كيف قوبل ﴿يريدون أن يطفئوا نور الله﴾ بقوله: ﴿ويأبي الله﴾ وأوقعه موقع لم يرد! وقوله: ((ما كان من شرط)) ((ما)) شرطية و ((من)) زائدة؛ لأن الكلام غير موجب، ومعنى ((وإن كان مائة شرط)) هو أنه لو شرطه مائة مرة وهو من الشرط الذي يتبع به الكلام السابق بلا جزاء مبالغة وتقريرا. وقوله: ((فقضاء الله)) الفاء فيه جواب شرط محذوف، ولفظ القضاء يؤذن بأن المراد من ((كتاب الله)) في قوله: ((ليست في كتاب الله)) قضاؤه وحكمه. الحديث الرابع عن ابن عمر ﵄: قوله: ((عن بيع الولاء)) ((مح)): بيع الولاء وهبته لا يصحان، وأنه لا ينتقل الولاء عن مستحقه؛ فإن لحمه كلحمة النسب، وعليه جمهور العلماء من السلف والخلف، وأجاز بعض السلف نقله، ولعلهم لم يبلغهم الحديث.

стр. 1628

الفصل الثاني ٢٨٧٩ - عن مخلد بن خفاف، قال: ابتعت غلاما فاستغللته، ثم ظهرت منه علي عيب، فخاصمت فيه إلي عمر بن عبد العزيز فقضى لي برده، وقضى علي برد غلته، فأتيت عروة فأخبرته. فقال: أروح إليه العشية فأخبره أن عائشة أخبرتني أن رسول الله ﷺ قضى في مثل هذا: أن الخراج بالضمان. فراح إليه عروة فقضى لي أن آخذ الخراج من الذي قضى به علي له. رواه في ((شرح السنة)). [٢٨٧٩] ٢٨٨٠ - وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا اختلف البيعان؛ فالقول قول البائع، والمبتاع بالخيار)). رواه الترمذي. وفي رواية ابن ماجه، ــ الفصل الثاني الحديث الأول عن مخلد: قوله: ((فاستغللته)) ((نه)): الغلة الدخل الذي يحصل من الزرع والثمر واللبن والإجارة والنتاج ونحو ذلك، والمراد بالخراج ما يحصل من غلة العين المبتاعة عبدا كان أو أمة أو ملكا، وذلك أن يشتريه فيستغله زمانا، ثم يعثر منه علي عيب قديم، لم يطلعه البائع عليه أو لم يعرفه، فله رد العين المبيعة وأخذ الثمن، ويكون للمشتري ما استغله؛ لأن المبيع لو تلف في يده لكان من ضمانه ولم يكن له علي البائع شيء. والباء في ((بالضمان)) متعلقة بمحذوف، تقديره الخراج مستحق بالضمان أي بسببه. وقيل: الباء للمقابلة، والمضاف محذوف، أي منافع المبيع بعد القبض تبقى للمشتري في مقابلة الضمان اللازم عليه بتلف المبيع، ومنه قولهم: من عليه غرمه فله غنمه. ((حس)): قال الشافعي: فيما يحدث في يد المشتري من نتاج الدابة وولد الأمة ولبن الماشية وصوفها وثمرة الشجرة، أن الكل يبقى للمشتري، وله رد الأصل بالعيب. وذهب أصحاب أبي حنيفة إلي أن حدوث الولد والثمرة في يدي المشتري يمنع رد الأصل بالعيب، بل يرجع [بالأرش]. وقال مالك: يرد الولد مع الأصل ولا يرد الصوف، ولو اشترى جارية فوطئت في يد المشتري بالشبهة أو وطئها، ثم وجد بها عيباً، فإن كانت ثيبا ردها والمهر للمشتري، ولا شيء عليه إن كان هو الواطئ، وإن كانت بكرا فافتضت فلا رد له؛ لأن زوال البكارة نقص حدث في يده، بل يسترد من الثمن بقدر ما نقص العيب من قيمتها. وهو قول مالك والشافعي. الحديث الثاني عن عبد الله بن مسعود: قوله: ((إذا اختلف البيعان)) ((مظ)): يعني إذا اختلف البائع والمشتري في قدر الثمن أو في شرط الخيار أو الأجل أو غيرها من الشروط، فمذهب

стр. 1629

والدارمي قال: ((البيعان إذا اختلفا والمبيع قائم بعينه، وليس بينهما بينة؛ فالقول ما قال البائع أو يترادان البيع)). [٢٨٨٠] ٢٨٨١ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أقال مسلما أقاله الله عثرته يوم القيامة)). رواه أبو داود، وابن ماجه. وفي ((شرح السنة)) بلفظ ((المصابيح)) عن شريح الشامي مرسلاً. [٢٨٨١] الفصل الثالث ٢٨٨٢ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((اشترى رجل ممن كان ــ الشافعي أن البائع يحلف، أي ما بعته بكذا بل بكذا، ثم المشتري يتخير بين أن يرضي بما حلف عليه البائع، وبين أن يحلف إني ما اشتريت إلا بكذا، فإذا تحالفا فإن رضي أحدهما بقول الآخر فهو المراد، وإن لم يرضيا فسخ القاضي بينهما العقد سواء كان المبيع باقيا أو لم يكن. وعند مالك وأبي حنيفة لا يتحالفان عند هلاك المبيع، بل القول قول المشتري مع يمينه، وقوله في الرواية الأخرى: ((والمبيع قائم)) أي باق، فالقول قول البائع بحلف، فإذا حلف فالمشتري مخير كما سبق، وإن لم يكن باقيا عند النزاع، فالقول قول المشتري مع يمينه، ولم يحلف البائع، وإلي هذا ذهب أبو حنيفة ومالك. قوله: ((وفي شرح السنة- إلي قوله- مرسلا)) فيه أن المصنف ترك الأولي حيث ذكر المرسل ولم يذكر المتصل. الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((من أقال مسلما)) ((حس)): الإقالة في البيع والسلم جائزة قبل القبض وبعده، وهي فسخ للبيع. الفصل الثالث الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((اشترى رجل)) ((مح)): العقار هو الأرض وما يتصل بها، وحقيقته الأصل، وعقر الدار- بالضم والفتح- أصله، وفي الحديث دليل علي فضل الإصلاح بين المتبايعين، وأن القاضي يستحب له الإصلاح بينهما كما يستحب لغيره. أقول: قوله: ((الذي اشترى العقار)) في الموضعين مظهر في موضع المضمر.

стр. 1630

قبلكم عقارا من رجل، فوجد الذي اشترى العقار في عقاره جرة فيها ذهب، فقال له الذي اشترى العقار: خذ ذهبك عني إنما اشتريت العقار ولم ابتع منك الذهب، فقال بائع الأرض: إنما بعتك الأرض وما فيها. فتحاكما إلي رجل، فقال الذي تحاكما إليه: ألكما ولد؟ فقال أحدهما: لي غلام، وقال الآخر: لي جارية. فقال: أنكحوا الغلام الجارية، وأنفقوا عليهما منه، وتصدقوا)) متفق عليه. (٧) باب السلم والرهن الفصل الأول ٢٨٨٣ - عن ابن عباس، قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين والثلاث، فقال: ((من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم إلي أجل معلوم)). متفق عليه. ــ باب السلم والرهن ((نه)): السلم هو أن تعطي ذهبا أو فضة في سلعة معلومة إلي أمد معلوم، فكأنك قد أسلمت الثمن إلي صاحب السلعة وسلمته إليه. ((غب)): الرهن ما يوضع وثيقة للدين، والرهان مثله، لكن يختص بما يوضع في الخطار، وأصلهما مصدر يقال: رهنت الرهن وأرهنته رهانا فهو رهين ومرهون، ويقال في جمع الرهن: رهان ورهن ورهون، وارتهنت أخذت الرهن. الفصل الأول الحديث الأول عن ابن عباس ﵄: قوله: ((السنة)) منصوب إما علي نزع الخافض أي إلي السنة، وإما علي نصب المصدر إي إسلاف السنة. ((مح)): معنى الحديث أنه إن أسلم في مكيل فليكن كيله معلوما، وإن كان في موزون فليكن وزنه معلوما، وإن كان ثوبا فليكن ذرعه معلوما، وإن كان مؤجلا فليكن أجله معلوما. ولا يلزم من هذا اشتراط كون السلم مؤجلا بل يجوز حالا؛ لأنه إذا جاز مؤجلا مع الغرر فجواز الحال أولي؛ لأنه أبعد من الغرر، وليس ذكر الأجل في الحديث لاشتراط الأجل، بل معناه إن كان مؤجلا فليكن معلوما، كما أن الكيل ليس بشرط بل يجوز السلم في غيره كما سبق، وإنما ذكر الكيل تمثيلا، بمعنى أنه إن أسلم في مكيل فليكن كيلا معلوما، واختلفوا في جواز السلم حالا، فجوزه الشافعي وآخرون، ومنعه مالك وأبو حنيفة وآخرون، وأجمعوا علي اشتراط وصفه بما يضبط به.

стр. 1631

٢٨٨٤ - وعن عائشة، قالت: اشترى رسول الله ﷺ طعاما من يهودي إلي أجل، ورهنه درعا له من حديد. متفق عليه. ٢٨٨٥ - وعنها، قالت: توفي رسول الله ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعا من شعير. رواه البخاري. ٢٨٨٦ - وعن أبي هريرة [﵁] قال: قال رسول الله ﷺ : ((الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا، ولبن الذر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا، وعلي الذي يركب ويشرب النفقة)). رواه البخاري. ــ الحديث الثاني عن عائشة ﵂: قوله: ((ورهنه درعا)) ((حس)): فيه دليل علي جواز الشرى بالنسيئة، وعلي جواز الرهن بالديون، وعلي جواز الرهن في الحضر، وإن كان الكتاب قيده بالسفر، وعلي جواز المعاملة مع أهل الذمة، وإن كان مالهم لا يخلو من الربا وثمن الخمر. ((مح)): فيه بيان ما كان عليه ﷺ من التقلل من الدنيا وملازمة الفقر، وفيه جواز رهن آلة الحرب عند أهل الذمة، والحكم بثبوت أملاكهم علي ما في أيديهم، وأن قوله تعالي: ﴿وإن كنتم علي سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة﴾ مبين بهذا الحديث، وأن دليل خطابه متروك به. وأما معاملته مع اليهودي ورهنه عنده دون الصحابة، فقيل: فعله بيانا لجواز ذلك، وقيل: لأنه لم يكن هناك طعام فاضل عن حاجة صاحبه إلا عنده، وقيل: لأن الصحابة لا يأخذون رهنه، ولا يتقاضونه الثمن، فعدل إلي اليهودي لئلا يضيق علي أصحابه، وقد أجمع المسلمون علي جواز معاملة أهل الذمة، والكفار إذا لم يتحقق تحريم ما معهم، لكن لا يجوز للمسلم بيع السلاح وما يستعينون به في إقامة دينهم، ولا بيع المصحف، ولا عبد مسلم لكافر مطلقا. الحديث الثالث والرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((الظهر يركب)) ((قض)): ((الظهر)) يريد به ظهر الدابة، وقيل: ((الظهر)) الإبل القوي، يستوي فيه الواحد والجمع، ولعله سمى بذلك؛ لأنه يقصد لركوب الظهر. وظاهر الحديث أن المرهون لا يهمل ومنافعه لا تعطل، بل ينبغي أن ينتفع به وينفق عليه، وليس فيه دلالة علي أن من له غنمه عليه غرمه، واختلفوا في ذلك، فذهب الأكثرون إلي أن منفعة الرهن للراهن مطلقا ونفقته عليه؛ ولأنه روى ابن المسيب عن أبي هريرة أنه ﷺ قال: ((لا يغلق الرهن الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه)) وقال أحمد وإسحاق: للمرتهن أن ينتفع من المرهون بحلب وركوب دون غيرهما، يقدر بقدر النفقة، واحتجا بهذا الحديث.

стр. 1632

الفصل الثاني ٢٨٨٧ - عن سعيد بن المسيب، أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يغلق الرهن الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه، وعليه غرمه)). رواه الشافعي مرسلاً. [٢٨٨٧] ــ ووجه التمسك به أن يقال: دل الحديث بمنطوقه علي إباحة الانتفاع في مقابلة الإنفاق، وانتفاع الراهن ليس كذلك؛ لأن إباحته مستفادة له من تملك الرقبة لا من الإنفاق، وبمفهومه علي أن جواز الانتفاع مقصور علي هذين النوعين من المنفعة، وجواز انتفاع الراهن غير مقصور عليهما، فإذن المراد به أن للمرتهن أن ينتفع بالركوب والحلب من المرهون بالنفقة، وأنه إذا فعل ذلك لزمه النفقة. وأجيب عن ذلك بأنه منسوخ بآية الربا، فإنه يؤدي إلي انتفاع المرتهن بمنافع المرهون بدينه، وكل قرض جر نفعا فهو ربا، والأولي أن يجاب بأن الباء في ((بنفقته)) ليست للبدلية بل للمعية، والمعنى: أن الظهر يركب وينفق عليه، فلا يمنع الرهن الراهن من الانتفاع بالمرهون، ولا يسقط عنه الإنفاق كما صرح به في الحديث الآخر. الفصل الثاني الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لا يغلق)) بفتح الياء واللام، والرهن الأول مصدر والثاني مفعول، في الغريبين: أي لا يستحقه مرتهنه إذا لم يؤد الراهن ما رهنه به. ((فا)): يقال: غلق الرهن غلوقا، إذا بقى في يد المرتهن لا يقدر علي تخليصه. قال زهير: وفارقتك برهن لا فكاك له ... يوم الوداع فأمسى الرهن قد غلقا وكان من أفاعيل الجاهلية أن الراهن إذا لم يؤد ما عليه في الوقت المؤقت ملك المرتهن الرهن. وعن إبراهيم النخعي أنه سئل عن غلق الرهن، فقال: يقول: إن لم أفتكه إلي غد فهو لك. وزاد في النهاية قال الأزهري: يقال: غلق الباب وانغلق واستغلق، إذا عسر فتحه، والغلق في الرهن ضد الفك، فإذا فك الراهن الرهن فقد أطلقه من وثاقه، وقد أغلقت الرهن فغلق، أي أوجبته فوجب للمرتهن.

стр. 1633

٢٨٨٨ - وروي مثله أو مثل معناه، لا يخالف عنه عن أبي هريرة متصلا. ٢٨٨٩ - وعن ابن عمر، ن النبي ﷺ قال: ((المكيال مكيال أهل المدينة، والميزان ميزان أهل مكة)). رواه أبو داود، والنسائي. [٢٨٨٩] ٢٨٩٠ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ لأصحاب الكيل والميزان: ((إنكم قد وليتم أمرين، هلكت فيهما الأمم السابقة قبلكم)). رواه الترمذي. [٢٨٩٠] ــ قوله: ((له غنمه)) قال الشافعي: غنمه زيادته وغرمه هلاكه ونقصه. ((حس)): فيه دليل علي أن الزوائد التي تحصل منه تكون للراهن، وعلي أنه إذا هلك في يد المرتهن يكون من ضمان الراهن، ولا يسقط بهلاكه شيء من حق المرتهن، وإذا دل الحديث علي أن منافع الرهن للراهن، ففيه دليل علي أن دوام القبض ليس بشرط في الرهن؛ لأن الراهن لا يركبها إلا وهي خارجة عن قبض المرتهن. قال في المغرب: قال أبو عبيدة: معنى الحديث أنه يرجع الرهن إلي ربه فيكون غنمه له، ويرجع رب الحق عليه بحقه فيكون غرمه عليه. قوله: ((من صاحبه)) ((حس)): قيل: أراد لصاحبه، وقيل: من ضمان صاحبه. أقول: ويمكن أن يقال: إنه ضمن غلق معنى منع، أي لا يمنع الرهن المرهون من تصرف مالكه، ثم جيء بما بعده بيانا لذلك، وقدم الخبر علي المبتدأ تخصيصا، يعني لا يمنع من تصرفه فله نفعه لا لغيره، وعليه غرمه لا علي غيره وفيه أن ليس للمرتهن من الرهن إلا توثقة دينه، وإن نقص وهلك فله الرجوع إلي الراهن. الحديث الثاني عن ابن عمر ﵄: قوله: ((مكيال أهل المدينة)) ((قض)): أي المكيال المعتبر مكيال أهل المدينة؛ لأنهم أصحاب زراعات، فهم أعلم بأحوال المكاييل، والميزان المعتبر ميزان أهل مكة؛ لأنهم أهل تجارات فعهدهم للموازين وعلمهم بالأوزان أكثر ((حس)): الحديث فيما يتعلق بالكيل والوزن من حقوق الله تعالي كالزكوات والكفارات ونحوها، حتى لا تجب الزكاة في الدراهم، حتى تبلغ مائتي درهم بوزن مكة، والصاع في صدقة الفطر صاع أهل المدينة، كل صاع خمسة أرطال وثلث. الحديث الثالث عن ابن عباس ﵄: قوله: ((قد وليتم أمرين)) أي جعلتم حكاما

стр. 1634

الفصل الثالث ٢٨٩١ - عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أسلف في شيء فلا يصرفه إلي غيره قبل أن يقبضه)). رواه أبو داود وابن ماجه. [٢٨٩١] (٨) باب الاحتكار الفصل الأول ٢٨٩٢ - عن معمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من احتكر، فهو خاطئ)). رواه مسلم. وسنذكر حديث عمر ﵁ ((كانت أموال بني النضير)) في باب الفيء إن شاء الله تعالي. ــ في أمرين، وإنما قال: ((أمرين)) أبهمه ونكره؛ ليدل علي التفخيم، ومن ثمة قيل في حقهم: ﴿ويل للمطففين﴾ والمراد ((بمن قبلكم)) قوم شعيب. الفصل الثالث الحديث الأول عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((إلي غيره)) يجوز أن يرجع الضمير إلي ((من)) في قوله: ((من أسلف)) يعني لا يبعه من غيره قبل القبض، أو إلي ((شيء)) أي لا تبدل المبيع قبل القبض بشيء آخر. باب الاحتكار الفصل الأول الحديث الأول عن معمر: قوله: ((من احتكر)) ((مح)): الاحتكار المحرم هو في الأقوات خاصة، بأن يشتري الطعام في وقت الغلاء، ولا يبيعه في الحال بل يدخره ليغلو، فأما إذا جاء من قريته، أو اشتراه في وقت الرخص وادخره، وباعه في وقت الغلاء، فليس باحتكار ولا تحريم فيه. وأما غير الأقوات فلا يحرم الاحتكار فيه بكل حال ((والخاطئ)) بالهمز هو العاصي الآثم.

стр. 1635

الفصل الثاني ٢٨٩٣ - عن عمر [﵁]، عن النبي ﷺ قال: ((الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون)). رواه ابن ماجه، والدارمي. [٢٨٩٣] ٢٨٩٤ - وعن أنس، قال: غلا السعر علي عهد النبي ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله! سعر لنا فقال النبي ﷺ : ((إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى ربي وليس أحد منكم يطلبنني بمظلة بدم ولا مال)). رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه، والدارمي. [٢٨٩٤] ــ الفصل الثاني الحديث الأول عن عمر ﵁: قوله: ((الجالب مرزوق)) قوبل الملعون بالمرزوق؛ والمقابل الحقيقي مرحوم أو محروم ليعم؛ فالتقدير التاجر مرحوم ومرزوق لتوسعته علي الناس، والمحتكر محروم ملعون لتضييقه عليهم. الحديث الثاني عن أنس ﵁: قوله: ((غلا السعر)) ((قض)): السعر القيمة التي يشيع البيع بها في الأسواق، قيل: سميت بذلك؛ لأنها ترتفع والتركيب لما له ارتفاع، والتسعير تقديرها. وقوله: ((إني لأرجو)) إلي آخره، إشارة إلي أن المانع له من التسعير مخافة أن يظلم في أموالهم؛ فإن التسعير تصرف فيها بغير إذن أهلها فيكون ظلما. ومن مفاسد التسعير تحريك الرغبات، والحمل علي الامتناع من البيع، وكثيرا ما يؤدي إلي القحط. أقول: قوله: ((إن الله هو المسعر)) جواب علي سبيل التعليل للامتناع عن التسعير، جيء بـ ((إن)) وضمير الفصل بين اسم ((إن)) والخبر معرفا باللام؛ ليدل علي التوكيد والتخصيص، ثم رتب هذا الحكم علي الأخبار الثلاثة المتوالية ترتب الحكم علي الوصف المناسب. وكونه قابضا علة لغلاء السعر، وكونه باسطا لرخصه، وكونه رازقا يقتر الرزق علي العباد ويوسعه، فمن حاول التسعير فقد عارض الله ونازعه فيما يريده، ومنع العباد حقهم مما أولاهم الله تعالي في الغلاء والرخص، وإلي المعنى الأخير أشار بقوله ﷺ : ((وإني لأرجو)) إلي آخره. قوله: ((بمظلمة)) الجوهري: الظلامة والظليمة والمظلمة ما يطلبه عند المظالم، وهو اسم ما أخذ منك. وفي المغرب: المظلمة الظلم، وقول محمد: في هذا مظلمة للمسلمين اسم

стр. 1636

الفصل الثالث ٢٨٩٥ - عن عمر بن الخطاب [﵁]، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من احتكر علي المسلمين طعامهم ضربه الله بالجذام والإفلاس)). رواه ابن ماجه، والبيهقي في ((شعب الإيمان))، ورزين في ((كتابه)). [٢٨٩٥] ٢٨٩٦ - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من احتكر طعاما أربعين يوما يريد به الغلاء، فقد برئ من الله، وبرئ الله منه)). رواه رزين. [٢٨٩٦] ــ للمأخوذ، في قولهم: عند فلان مظلمتي وظلامتي أي حقي الذي أخذ مني ظلما- انتهي كلامه. عطف قوله: ((ولا مال)) وجيء بـ ((لا)) النافية للتوكيد من غير تكرير؛ لأن المعطوف عليه في سياق النفي، المراد بالمال هذا التسعير؛ لأنه غير مأخوذ من المظلوم، وهو كأرش جنابة، وإنما أتى بمظلمة توطئة له. الفصل الثالث الحديث الأول عن عمر ﵁: قوله: ((طعامهم)) أضاف إليهم، وإن كان ملكا للمحتكر؛ إيذانا بأنه قوتهم وما به معاشهم، وبقوله: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾ أضاف الأموال إليهم؛ لأنها من جنس ما يقيم به الناس معايشهم، وقوله: ((ضربه الله)) أي ألصقه الله وألزمه بعذاب الجذام وهو تشقق الجلد وتقطع اللحم وتساقطه، والفعل منه جذم، وفيه أن من أراد أدنى مضرة للمسلمين ابتلاه الله في ماله ونفسه، ومن أراد نفعهم أصابه الله في ماله ونفسه بركة وخيراً. الحديث الثاني عن ابن عمر ﵄: قوله: ((أربعين يوما)) لم يرد بـ ((أربعين)) التوقيت والتحديد، بل بأن يجعل الاحتكار حرفته، يريد به نفع نفسه وضر غيره، وهو المراد بقوله: ((يريد به الغلاء)) لأن أقل ما يتمرن المرء في حرفة هذه المدة. وقوله: ((فقد برئ من الله)) أي نقض ميثاق الله وعهده، وإنما قدم براءته علي براءة الله تعالي؛ لأن إبقاء عهده مقدم علي إبقاء الله تعالي عهده، كقوله تعالي: ﴿أوفوا بعهدي أوف بعهدكم﴾ وهذا تشديد عظيم في الاحتكار.

стр. 1637

٢٨٩٧ - وعن معاذ، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((بئس العبد المحتكر: إن أرخص الله الأسعار حزن؛ وإن أغلاها فرح)). رواه البيهقي في ((شعب الإيمان))، ورزين في ((كتابه)). [٢٨٩٧] ٢٨٩٨ - وعن أبي أمامة: أن رسول الله ﷺ قال: ((من احتكر طعاماً أربعين يوما ثم تصدق به، لم يكن له كفارة)). رواه رزين. [٢٨٩٨] (٩) باب الإفلاس والإنظار الفصل الأول ٢٨٩٩ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أيما رجل أفلس، فأدرك رجل ماله بعينه؛ فهو أحق به من غيره)). متفق عليه. ــ الحديث الثالث والرابع عن أبي أمامة ﵁: قوله: ((ثم تصدق به)) الضمير راجع إلي الطعام، والطعام المحتكر [به] لا يتصدق، فوجب أن تقدر الإرادة فيفيد مبالغة، وأن من نوى الاحتكار هذا شأنه، فكيف بمن فعله؟ وقوله: ((لم يكن له كفارة)) اسم ((لم يكن)) ضمير التصدق، و ((كفارة)) خبر له، و ((له)) ظرف لغوه. باب الإفلاس والإنظار ((نه)): أفلس الرجل إذا لم يبق له مال، ومعناه صارت دراهمه فلوسا، وقيل: صار إلي حال يقال: ليس معه فلس، والإنظار التأخير والإمهال. الفصل الأول الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((فهو أحق به من غيره)) ((حس)): العمل علي هذا عند أكثر أهل العلم، قالوا: إذا أفلس المشتري بالثمن ووجد البائع عين ماله، فله أن يفسخ البيع ويأخذ عين ماله، وإن كان قد أخذ بعض الثمن وأفلس بالباقي، أخذ من عين ماله بقدر ما بقى من الثمن، قضى به عثمان، وروي عن علي ﵄، ولا نعلم لهما مخالفاً من الصحابة، وبه قال مالك والشافعي.

стр. 1638

٢٩٠٠ - وعن أبي سعيد، قال: أصيب رجل في عهد النبي ﷺ في ثمار ابتاعها، فكثر دينه، فقال رسول الله ﷺ : ((تصدقوا عليه))، فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه. فقال رسول الله ﷺ لغرمائه: ((خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك)). رواه مسلم. ٢٩٠١ - وعن أبي هريرة [﵁] أن النبي ﷺ قال: ((كان رجل يدائن الناس، فكان يقول لفتاه: إذا أتيت معسرا تجاوز عنه، لعل الله أن يتجاوز عنا، قال: فلقي الله فتجاوز عنه)). متفق عليه. ٢٩٠٢ - وعن أبي قتادة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة، فلينفس عن معسر أو يضع عنه)). رواه مسلم. ــ الحديث الثاني عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((أصيب رجل)) ((مظ)): أي أصابت جائحة ثمرة اشتراها ولم يقبض ثمن تلك الثمرة- صاحبها- فطالبه وليس له مال يؤديه. وقوله: ((وليس لكم إلا ذلك)) أي ليس لكم زجره وحبسه؛ لأنه ظهر إفلاسه، وإذا ثبت إفلاس الرجل لا يجوز حبسه بالدين، بل يخلي ويمهل إلي أن يحصل له مال فيأخذ الغرماء، وليس معناه أنه ليس لكم إلا ما وجدتم، وبطل ما بقي لكم من ديونكم، قال الله تعالي: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلي ميسرة﴾. الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لفتاه)) ((مح)): أي غلامه، كما صرح به في الرواية الأخرى. والتجاوز والتجوز، المسامحة في الاقتضاء والاستيفاء، وقبول ما فيه نقص يسير. وفي الحديث فضل إنظار المعسر، والوضع عنه إما كل الدين أو بعضه، وفضل المسامحة في الاقتضاء والاستيفاء سواء عن الموسر والمعسر، ولا يحتقر شيء من أفعال الخير، فلعله سبب للسعادة، وفيه جواز توكيل العبيد والإذن لهم في التصرف، وهذا قول من يقول: شرع من قبلنا شرع لنا- انتهي كلامه-. و ((لعل)) هاهنا بمعنى عسى؛ ولذلك أتى بـ ((أن)) أي عسى الله أن يتجاوز عنا؛ لأنه لا يقال: لعل الله أن يتجاوز بل يتجاوز. فإن قلت: كيف قال: ((أن يتجاوز عنا)) ثم قال: ((فتجاوز عنه))؟ قلت: أراد القائل نفسه، ولكن جمع الضمير إرادة أن يتجاوز عمن فعل مثل هذا الفعل؛ ليدخل فيه دخولا أوليا، وكذلك استحب للداعي أن يعم في الدعاء ولا يختص نفسه لعل الله تعالي ببركتهم يستجيب دعاءه. الحديث الرابع عن أبي قتادة ﵁: قوله: ((فلينفس)) ((نه)): أي فليؤخر مطالبته.

стр. 1639

٢٩٠٣ - وعنه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من أنظر معسرا أو وضع عنه؛ أنجاه الله من كرب يوم القيامة)). رواه مسلم. ٢٩٠٤ - وعن أبي اليسر، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((من أنظر معسرا أو وضع عنه؛ أظله الله في ظله)). رواه مسلم. ٢٩٠٥ - وعن أبي رافع، قال: استسلف رسول الله ﷺ بكرا، فجاءته إبل من الصدقة. قال: أبو رافع فأمرني أن أقضي الرجل بكره. فقلت: لا أجد إلا جملا خيارا رباعيا، فقال رسول الله ﷺ : ((أعطه إياه، فإن خير الناس أحسنهم قضاء)). رواه مسلم. ــ الأزهري: نفس ينفس تنفيسا ونفسا، كما يقال: فرج يفرج تفريجا وفرجا، وهو مستعار من نفس الهواء الذي يرده التنفس إلي الجوف، فيبرد من حرارته ويعدلها، أو من نفس الريح الذي ينسمه فيستروح إليه، أو من نفس الروضة وهو طيب روائحها فينفرج به عنه. الحديث الخامس والسادس عن أبي اليسر: قوله: ((أظله الله في ظله)) أي وقاه الله من حر يوم القيامة علي سبيل الكناية، أو وقفه الله في ظل عرشه علي الحقيقة. الحديث السابع عن أبي رافع: قوله: ((استسلف)) استقرض. ((نه)): ((البكر)) - بالفتح- الفتي من الإبل بمنزلة الغلام من الإنسان، والرباعي من الإبل هو الذي أتت عليه ست سنين، ودخل في السنة السابعة، فإذا طلعت رباعيته قيل للذكر: رباع وللأنثى: رباعية- خفيفة الياء-. قوله: ((إلا جملا خيارا)) ((حس)): يقال: جمل خيار وناقة خيارة أي مختارة، وفيه من الفقه جواز استسلاف الإمام للفقراء، إذا رأي بهم خلة وحاجة، ثم يؤديه من مال الصدقة إن كان قد أوصل إلي المساكين. وفيه دليل علي جواز استقراض الحيوان وثبوته في الذمة، وهو قول أكثر أهل العلم، وبه قال الشافعي ﵁. وفي الحديث دليل علي أن من استقرض شيئا يرد مثل ما استقرض، سواء كان ذلك من ذوات القيم أو من ذوات الأمثال؛ لأن الحيوان من ذوات القيم، فأمر النبي ﷺ برد المثل. وفيه دليل علي أن من استقرض شيئا فرد أحسن أو أكثر منه من غير شرط، كان محسنا ويحل ذلك للمقرض. ((مح)): فيه جواز إقراض الحيوان، وهو مذهب مالك، والشافعي، وجماهير العلماء من الخلف والسلف، إلا الجارية لمن يملك وطأها، ومذهب أبي حنيفة أنه لا يجوز، والأحاديث الصحيحة ترد عليه، ولا تقبل دعواهم النسخ بغير دليل.

стр. 1640

٢٩٠٦ - وعن أبي هريرة، أن رجلا تقاضى رسول الله ﷺ فأغلظ له، فهم أصحابه، فقال: ((دعوه؛ فإن لصاحب الحق مقالا، واشتروا له بعيرا، فأعطوه إياه)) قالوا: لا نجد إلا أفضل من سنه. قال: ((اشتروه فأعطوه إياه؛ فإن خيركم أحسنكم قضاء)). متفق عليه. ٢٩٠٧ - وعنه، أن رسول الله ﷺ قال: ((مطل الغني ظلم، فإذا أتبع أحدكم علي مليء فليتبع)). متفق عليه. ــ وفي الحديث أن رد الأجود في القرض، أو الدين من السنة ومكارم الأخلاق، وليس هو من قرض جر منفعة؛ لأن المنهي عنه ما كان مشروطا في عقد القرض، كذا في شرح مسلم وزاد في الروضة: لا فرق في الرد بين الربوي وغيره، ولا بين الرجل المشهور برد الزيادة أو غيره علي الصحيح، وقال في التتمة: لو قصد إقراض المشهور بالزيادة للزيادة، ففي كراهته وجهان، وقال في الشرح: يجوز للمقرض أخذ الزيادة، سواء زاد في الصفة أو العدد. ومذهب مالك أن الزيادة في العدد منهي عنها، وحجة أصحابنا عموم قوله ﷺ : ((فإن خير الناس أحسنهم قضاء)). وفي الحديث إشكال، وهو أن يقال: كيف قضى من إبل الصدقة أجود من الذي يستحقه الغريم مع أن الناظر في الصدقات لا يجوز تبرعه منها؟ والجواب عنه أنه ﷺ اقترض لنفسه، ثم اشترى في القضاء من إبل الصدقة بعيرا وأداه، ويدل عليه حديث أبي هريرة: ((اشتروا له بعيرا فأعطوه إياه)). وقيل: إن المقترض كان بعض المحتاجين، اقترض لنفسه فأعطاه من الصدقة حين جاءت، وأمره بالقضاء. الحديث الثامن عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((أغلظ له)) قال في المغرب: أي عنف به. قوله: ((فإن لصاحب الحق مقالا)) ((مح)) فيه أنه يحتمل من صاحب الدين الكلام في المطالبة، والإغلاظ المذكور محمول علي تشدد في المطالبة، ويجوز ذلك من غير كلام فيه قدح، أو غيره مما يقتضي الكفر، ويحتمل أن القائل كان كافرا من اليهود أو غيرهم. الحديث التاسع عن أبي هريرة ﵁: قول: ((مطل الغنى ظلم)) ((مح)): المطل منع قضاء ما استحق أداؤه، وهو حرام من المتمكن، ولو كان غنيا لكنه ليس متمكنا جاز له التأخير إلي الإمكان، وقد اختلفوا في أن الماطل المتمكن هل يفسق وترد شهادته بمرة واحدة أم لا؟، حتى يتكرر ذلك منه ويصير عادته، ومقتضى مذهبنا اشتراط التكرر و ((أتبع)) و ((فليتبع)) بإسكان التاء فيهما هذا هو المشهور. ونقل عن بعض المحدثين التشديد في الثانية، ومعناه إذا أحيل بالدين له علي موسر

стр. 1641

٢٩٠٨ - وعن كعب بن مالك: أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينا له عليه في عهد رسول الله ﷺ في المسجد، فارتفعت أصواتهما، حتى سمعها رسول الله ﷺ وهو في بيته، فخرج إليهما رسول الله ﷺ حتى كشف سجف حجرته، ونادى كعب بن مالك قال: ((يا كعب)) قال: لبيك يا رسول الله! فأشار بيده أن ضع الشطر من دينك، قال كعب: قد فعلت يا رسول الله؛ قال: ((قم فاقضه)). متفق عليه. ٢٩٠٩ - وعن سلمة بن الأكوع، قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ إذ أتي بجنازة، فقالوا: صل عليها. فقال: ((هل عليه دين؟)) قالوا: لا. فصلي عليها. ثم أتي بجنازة أخرى، فقال: ((هل عليه دين؟)) قالوا: نعم. فقال: ((فهل ترك شيئا؟)) قالوا: ثلاثة دنإنير. فصلي عليها: ثم أتي بالثالثة، فقال: ((هل عليه دين؟)) قالوا: ثلاثة دنإنير. قال: ((هل ترك شيئا؟)) قالوا: لا. قال: ((صلوا علي صاحبكم)). قال أبو قتادة: صلي عليه يا رسول الله! وعلي دينه. فصلي عليه. رواه البخاري. ــ فليحتل، يقال: تبعت الرجل بحقي أتبعه تباعة إذا طالبته به، قال الله تعالي: ﴿ثم لا تجدوا لكم به علينا تبيعا﴾ ومذهب أصحابنا والجمهور أن هذا الأمر للندب، وقيل: للإباحة، وقيل: للوجوب. ((نه)): المليء بالهمزة الثقة الغني فهو مليء من الملأ والملاءة بالمد، وقد أولع الناس فيه بترك الهمزة وتشديد الياء. الحديث العاشر عن كعب: قوله: ((تقاضى)) ((مح)): تقاضى أي طالبه به وأراد قضاء دينه، وفيه جواز المطالبة بالدين في المسجد، والشفاعة إلي صاحب الحق، والإصلاح بين الخصوم، وحسن التوسط بينهم، وقبول الشفاعة إلي صاحب الحق، وجواز الاعتماد علي الإشارة وإقامتها مقام القول؛ لقوله: ((فأشار بيده أن ضع الشطر)) فـ ((أن)) في الحديث مفسرة؛ لأن في الإشارة معنى القول، و ((السجف)) - بكسر السين وفتحها وإسكان الجيم- لغتان، ((نه)): لعله ﷺ امتنع عن الصلاة علي المديون الذي لم يدع وفاء، تحذيرا عن الدين وزجرا عن المماطلة والتقصير في الأداء؛ أو كراهة أن يقف دعاؤه ويعلق عن الإجابة، بسبب ما عليه من حقوق الناس ومظالمهم. ((حس)): في الحديث دليل علي جواز الضمان عن الميت، سواء ترك وفاء أو لم يترك، وهو قول أكثر أهل العلم، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يصح الضمان عن ميت لم يخلف

стр. 1642

٢٩١٠ - وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ . قال: ((من أخذ أموال الناس يريد أداءها؛ أدى الله عنه. ومن أخذ يريد إتلافها؛ أتلفه الله عليه)). رواه البخاري. ٢٩١١ - وعن أبي قتادة، قال: قال رجل: يا رسول الله! أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر، يكفر الله عني خطاياي؟ فقال رسول الله ﷺ : ((نعم)). فلما أدبر ناداه، فقال: ((نعم، إلا الدين؛ كذلك قال جبريل)). رواه مسلم. ــ وفاء. وبالاتفاق [لو ضمن حر عن معسر دينا]، ثم مات من عليه الدين، كان الضمان بحاله، فلما لم يناف موت المعسر دوام الضمان لا ينافي ابتداءه. أقول: والتمسك بالحديث أولي من هذا القياس. وفي قوله: ((فصلي عليها)) في الكرة الثانية- إيذان بأن الله تعالي ألهمه ﷺ ، بأن ما ترك الميت وهو ثلاثة دنإنير مما يفي بقرضه أو يزيد علي القرض. الحديث الثاني عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((يريد أداءها)) ((مظ)): يعني من استقرض احتياجا وهو يقصد أداءه ويجتهد فيه، أعانه الله علي أدائه، وإن مات ولم يتيسر له أداؤه، فالمرجو من الله الكريم أن يرضي خصمه. ومن استقرض من غير احتياج، ولم يقصد أداءه، لم يعنه ولم يوسع رزقه، بل يتلف ماله؛ لأنه قصد إتلاف إتلاف مال مسلم. الحديث الثالث عشر عن أبي قتادة: قوله: ((غير مدبر)) حال مؤكدة مقررة لما يرادفها، نحوه في الصفة قولك: أمس الدابر لا يعود. و ((إلا الدين)) مستثنى مما يقرره ((نعم)) وهو قوله: ((يكفر الله عني خطاياي)) أي نعم يكفر الله خطاياك إلا الدين، والدين ليس من جنس الخطايا، فكيف يستثنى منه؟ والجواب أنه منقطع، أي لكن الدين لا يكفر؛ لأنه من حقوق الآدميين، فإذا أدى أو أرضي الخصم خرج عن العهدة، ويحتمل أن يكون متصلا علي تقدير حذف المضاف أي خطيئة الدين، أو يجعل من باب قوله تعالي: ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم﴾ فيذهب إلي أن أفراد جنس الخطيئة قسمان: متعارف وغير متعارف، فيخرج بالاستثناء أحد قسميه مبالغة في التحذير عن الدين، والزجر عن المماطلة والتقصير في الأداء. ((شف)): وفيه دليل علي أن حقوق الله تعالي علي المساهلة، وحقوق العباد علي المضايقة، وعلي أن جبريل ﵇ يلقنه أشياء سوى القرآن.

стр. 1643

٢٩١٢ - وعن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ قال: ((يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين)). رواه مسلم. ٢٩١٣ - وعن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ يؤتي بالرجل المتوفي عليه الدين، فيسأل: ((هل ترك لدينه قضاء؟)) فإن حدث أنه ترك وفاء صلي، وإلا قال للمسلمين: ((صلوا علي صاحبكم)). فلما فتح الله عليه الفتوح قام فقال: ((أنا أولي بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي من المؤمنين فترك دينا، فعلي قضاؤه، ومن ترك فهو لورثته)) متفق عليه. الفصل الثاني ٢٩١٤ - عن أبي خلدة الزرقي، قال: جئنا أبا هريرة في صاحب لنا قد أفلس، فقال: هذا الذي قضى فيه رسول الله ﷺ : ((أيما رجل مات أو أفلس، فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه)). رواه الشافعي، وابن ماجه. [٢٩١٤] ــ الحديث الرابع عشر والخامس عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((أنا أولي بالمؤمنين من أنفسهم)) أي النبي ﷺ أولي بالمؤمنين في كل شيء من أمور الدين والدنيا من أنفسهم؛ ولهذا أطلق ولم يقيد، فيجب، عليهم أن يكون أحب إليهم من أنفسهم، وحكمه أنفذ عليهم من حكمها، وحقه آثر لديهم من حقوقها، وشفقتهم عليه أقدم من شفقتهم عليها، وكذلك شفقته ﷺ عليهم أحق وأحرى من شفقتهم علي أنفسهم، فإذا حصلت له الغنيمة يكون هو أولي بقضاء دينهم لهم. فقوله: ((فمن توفي)) مسبب عما قبله، والمعنى من ترك دينا وليس له مال، فعلي قضاء دينه، ومن ترك مالا فلورثته بعد قضاء دينه. الفصل الثاني الحديث الأول عن أبي خلدة: قوله: ((هذا الذي قضى فيه)) ((شف)): لم يرد أنه قضى فيه بعينه، إنما أراد قضى فيمن هو في مثل حاله من الإفلاس. أقول: يمكن أن يكون المشار به الأمر والشأن، ويؤيده قوله: ((أيما رجل)) إلي آخره؛ لأنه بيان للأمر المبهم علي سبيل الاستئناف، ويعضده أيضا قوله: ((جئنا في صاحب لنا)) أي في شأن صاحب لنا، وليس قوله: ((بعينه)) ثإني مفعولي ((وجد)) أي علم، فيكون حالا أي وجده حاضرا بعينه.

стр. 1644

٢٩١٥ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه)). رواه الشافعي، وأحمد، والترمذي، وابن ماجه، والدارمي. وقال الترمذي: هذا حديث غريب. [٢٩١٥] ٢٩١٦ - وعن البراء بن عازب، قال: قال رسول الله ﷺ : ((صاحب الدين مأسور بدينه، يشكو إلي ربه الوحدة يوم القيامة)). رواه في ((شرح السنة)). [٢٩١٦] ٢٩١٧ - وروي أن معاذا كان يدان، فأتى غرماؤه إلي النبي ﷺ ، فباع النبي ﷺ ماله كله في دينه، حتى قام معاذ بغير شيء. مرسل. هذا لفظ ((المصابيح)). ولم أجده في الأصول إلا في ((المنتقى)). [٢٩١٧] ٢٩١٨ - وعن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، قال: كان معاذ بن جبل شابا سخيا، وكان لا يمسك شيئا، فلم يزل يدان حتى أغرق ماله كله في الدين، فأتى ــ الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁، قوله: ((معلقة بدينه)) أي لا يظفر بمقصوده من دخول الجنة أو في زمرة عباد الله الصالحين، ويؤيد المعنى الثاني الحديث الآتي ((يشكو إلي ربه الوحدة يوم القيامة)). الحديث الثالث عن البراء: قوله: ((مأسور)) ((تو)): المأسور من يشد بالإسار أي [القد]، وكانوا يشدونه به، فسمي كل [أخيذ] أسيرا وإن لم يشد بالقد، يقال أسرت الرجل أسرا وإسارا فهو أسير ومأسور. الحديث الرابع عن معاذ ﵁: قوله: ((وعن عبد الرحمن بن كعب)) حكاية لفظ ما في كتاب المنتقى لابن [التيمي]، أورده ليبين أن هذا الحديث وإن لم يكن في السنن التي طالعها، لكن هو موجود في المنتقى، فلو لم يكن في بعض الأصول لم يورده صاحب المنتقى في كتابه. قوله: ((يدان)) ((تو)): هو بتشديد الدال افتعل من دان فلان يدين دينا، إذا استقرض وصار عليه دين فهو دائن. قال الشاعر: ندين ويقضي الله عنا وقد نرى ... مصارع قوم لا يدينون ضيعا

стр. 1645

النبي ﷺ فكلمه ليكلم غرماءه فلو تركوا لأحد لتركوا لمعاذ لأجل رسول الله ﷺ فباع رسول الله ﷺ ماله حتى قام معاذ بغير شيء. رواه سعيد في سننه مرسلا. [٢٩١٨] ٢٩١٩ - وعن الشريد قال: قال رسول الله ﷺ : ((لي الواجد يحل عرضه وعقوبته)) قال ابن المبارك: يحل عرضه: يغلظ له. وعقوبته: يحبس له. رواه أبو داود، والنسائي. [٢٩١٩] ٢٩٢٠ - وعن أبي سعيد الخدري قال: أتي النبي ﷺ بجنازة ليصلي عليها فقال: ((هل علي صاحبكم دين؟)) قالوا: نعم. قال: ((هل ترك له من وفاء؟)) قالوا: لا. قال: ((صلوا علي صاحبكم)). قال علي بن أبي طالب: علي دينه يا رسول الله فتقدم فصلي عليه. وفي رواية معناه وقال: ((فك الله رهانك من النار كما فككت ــ وهذا الحديث مع ما فيه من الإرسال غير مستقيم المعنى؛ لم فيه من ذكر بيع النبي ﷺ مال معاذ، من غير أن حبسه أو كلفه ذلك أو طالبه بالأداء فامتنع، وكان حقه أن يحبس بها حتى يبيع ماله فيها. وليس للحاكم أن يبيع شيئاً من ماله بغير إذنه، وأجاب القاضي عنه: أن الحديث وإن كان مرسلاً لا احتجاج به عندنا، لكنه ملزم به، لأنه يقبل المراسيل. وفيه دليل علي أن للقاضي أن يبيع مال المفلس بعد الحجر عليه بطلب الغرماء. قوله: ((فلو تركوا لأحد)) الفاء فيه مرتب علي محذوف، أي كلم النبي ﷺ غرماءه لأن يتركوا له فلم يتركوا، ولو تركوا لأحد لتركوا لمعاذ؛ لأجل رسول الله ﷺ ، وفيه أن طلب رسول الله ﷺ طلب شفاعة لا طلب إيجاب، إذ لو كان طلب إيجاب لم يسعهم إلا الترك. الحديث الخامس عن الشريد: قوله ((ليُّ الواجد)) ((تو)): اللي المطل من قولك: لويت حقه إذا دفعته، و ((الواجد)) الغني من قولهم: وجد المال وجداً، - بفتح الواو وكسرها وضمها وسكون الجيم- وجدة أي استغنى. قوله: ((يغلظ له)) أي القول. ((تو)): أي يلام وينسب إلي الظلم، ويعير بأكل أموال الناس بالباطل. قوله: ((يحبس له)) الضمير المرفوع لـ ((الواجد)) والمجرور ((للي))، يعني عقوبة الواجد حبسه لمطله. الحديث السادس عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((ليصلي عليها)) الضمير للجنازة إذا أريد بها الميت. ((نه)): هي – بالفتح والكسر- الميت بسريره، وقيل: بالكسر السرير، وبالفتح الميت، و ((هل ترك له من وفاء)) ((من)) زائدة؛ لأنها في سياق الاستفهام، أي هل ترك ما يوفي به دينه ..

стр. 1646

رهان أخيك المسلم. ليس من عبد مسلم يقضي عن أخيه دينه إلا فك الله رهانه يوم القيامة)). رواه في شرح السنة)). [٢٩٢٠] ٢٩٢١ - وعن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : ((من مات وهو بريء من الكبر والغلول والدين دخل الجنة)). رواه الترمذي، وابن ماجه، والدارمي. [٢٩٢١] ٢٩٢٢ - وعن أبي موسى، عن النبي ﷺ ، قال: ((إن أعظم الذنوب عند الله أن يلقاه بها عبد بعد الكبائر التي نهي الله عنها أن يموت رجل وعليه دين لا يدع له قضاء)). رواه أحمد، وأبو داود. [٢٩٢٢] ــ قوله: ((فك الله رهانك)) ((تو)): فك الرهن تخليصه، وفك الإنسان نفسه أن يسعى فيما يعتقها من عذاب الله، والرهان جمع رهن، يريد أن نفس المديون مرهونة بعد الموت بدينه، كما هي في الدنيا محبوسة، والإنسان مرهونة بعمله، قال الله تعالي: ﴿كل نفس بما كسبت رهينة﴾ أي مقيم في جزاء ما قدم من عمله، فلما سعى في تخليص أخيه المؤمن عما كان مأسوراً به من الدين، دعا له بتخليص الله نفسه عما تكون مرهونة به من الأعمال، ولعله ذكر الرهان بلفظ الجمع، تنبيهاً علي أن كل جزء من الإنسان رهين بما كسب، أو لأنه اجترح الآثام شيئاً بعد شيء، فرهن بها نفسه رهناً بعد رهن. الحديث السابع عن ثوبان: قوله ((والغلول)) ((تو)): هي الخيانة في المغنم والسرقة من الغنيمة قبل القسمة، وسميت غلولاً؛ لأن الأيدي فيها مغلولة، أي ممنوعة مجعول فيها غل، ضم الدين مع أقبح الجنايات وأشنع الأخلاق؛ دلالة علي أنه منهما، وهو دين لزمه باختياره ولم ينو أداءه. والله أعلم. الحديث الثامن والتاسع عن أبي موسى ﵁: قوله: ((أن يلقاه)) خبر ((إن)) و ((أن يموت)) بدل منه؛ لأنك إذا قلت: إن أعظم الذنوب عند الله موت الرجل وعليه دين استقام؛ ولأن لقاء العبد ربه إنما هو بعد الموت، و ((رجل)) مظهر أقيم مقام ضمير العبد، وفائدة ذكر العبد أولاً استبعاد ملاقاته مالكه وربه بهذا الشين، ثم إعادته بلفظ ((رجل))، وتنككيره تحقيراً لشأنه وتوهيناً لأمره. فإن قلت: قد سبق أن حقوق الله مبناها علي المساهلة، وليس كذلك

стр. 1647

٢٩٢٣ - وعن عمرو بن عوف المزني، عن النبي ﷺ قال: ((الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرم حلالاً، أو أحل حراماً، والمسلمون علي شروطهم إلا شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراماً)) رواه الترمذي، وابن ماجه، وأبو داود. وانتهت روايته عند قوله: ((شروطهم)). [٢٩٢٣] الفصل الثالث ٢٩٢٤ - عن سويد بن قيس، قال: جلبت أنا ومخرفة العبدي بزاً من هجر، فأتينا به مكة، فجاءنا رسول الله ﷺ يمشي، فساومنا بسراويل، فبعناه، وثم رجل يزن بالأجر، فقال له رسول الله: ((زن وأرجح)). رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والدارمي. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. [٢٩٢٤] ــ حقوق الآدميين في قوله ﷺ : ((يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين)) وهاهنا جعله دون الكبائر، فما وجه التوفيق؟ قلت: قد وجهناه أنه علي سبيل المبالغة، تحذيراً وتوقياً عن الدين، وهذا مجرى علي ظاهره. ((مظ)): فعل الكبائر عصيان الله تعالي، وأخذ الدين ليس بعصيان، بل الاقتراض والتزام الديون جائز، وإنما شدد ﷺ علي من مات وعليه دين، ولم يترك ما يقضي دينه؛ كيلا تضيع حقوق الناس- انتهي كلامه. يريد أن نفس الدين ليس بمنهي عنه، بل هو مندوب إليه، كما ورد في بعض الأحاديث، وإنما هو سبب عارض من تضييع حقوق الناس، بخلاف الكبائر فإنها منهية لذاتها. الفصل الثالث الحديث الأول عن سويد: قوله: ((بزا)) الجوهري: البز من الثياب أمتعة البزاز. وقوله: ((يمشي)) حال أي جاءنا ماشياً، وفيه بيان تواضع رسول الله ﷺ حيث جاء إليهم ماشياً لا راكباً، وساومهم في مثل السراويل، وبيان خلقه وكرمه، حيث زاد علي القيمة، وفيه جواز أجرة الوزان علي وزنه.

стр. 1648

٢٩٢٥ - وعن جابر، قال: كان لي علي النبي ﷺ دين، فقضإني، وزادني. رواه أبو داود. [٢٩٢٥] ٢٩٢٦ - وعن عبد الله بن أبي ربيعة، قال: استقرض مني النبي ﷺ أربعين ألفا، فجاء مال، فدفعه إلي، وقال: ((بارك الله تعالي في أهلك ومالك، إنما جزاء السلف الحمد والأداء)). رواه النسائي. [٢٩٢٦] ٢٩٢٧ - وعن عمران بن حصين، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من كان له علي رجل حق، فمن أخره كان له بكل يوم صدقة)). رواه أحمد. [٢٩٢٧] ٢٩٢٨ - وعن سعد بن الأطول قال: مات أخي وترك ثلاثمائة دينار، وترك ولداً صغاراً، فأردت أن أنفق عليهم. فقال لي رسول الله ﷺ : ((إن أخلك محبوس بدينه، فاقض عنه)). قال: فذهبت فقضيت عنه، ولم تبق إلا امرأة تدعي دينارين، وليست لها بينة. قال: ((أعطها فإنها صدقة)). رواه أحمد. [٢٩٢٨] ٢٩٢٩ - وعن محمد بن عبد الله بن جحش، قال: كنا جلوساً بفناء المسجد حيث يوضع الجنائز، ورسول الله ﷺ جالس بين ظهرينا، فرفع رسول الله ﷺ بصره ــ الحديث الثاني والثالث عن عبد الله: قوله: ((إنما جزاء السلف)) فإن قلت: هذا يوهم أن الزيادة علي الدين غير جائزة؛ لأن ((إنما)) تثبت الحكم للمذكور وتنفيه عما سواه قلت: هو علي سبيل الوجوب؛ لأن شكر المنعم وأداء حقه واجبان، والزيادة فضل. الحديث الرابع والخامس عن سعد ﵁: قوله: ((ولداً صغاراً)): الولد قد يكون واحداً وجمعاً، وكذلك الولد بالضم. قوله: ((أعطها)) هذا إما أن يكون معلوماً عند رسول الله ﷺ بغير وحي، فأمره بالإعطاء؛ لأنه يجوز للحاكم أن يحكم بعلمه، وأن يكون بوحي فهو من خواصه. وقوله: ((ولم تبق)) عطف من حيث المعنى علي قوله: ((قضيت)) أي قضيت ديون من كانت له بينة، ولم أقض لهذه المرأة، ويجوز أن يكون حالاً من فاعل ((قضيت)).

стр. 1649

قبل السماء، فنظر ثم طأطأ بصره، ووضع يده علي جبهته، قال: ((سبحان الله! سبحان الله! ما نزل من التشديد؟)) قال: فسكتنا يومنا وليلتنا، فلم نر إلا خيراً حتى أصبحنا. قال محمد: فسألت رسول الله ﷺ : ما التشديد الذي نزل؟ قال: ((في الدين؛ والذي نفس محمد بيده، لو أن رجلاً قتل في سبيل الله، ثم عاش، ثم قتل في سبيل الله، ثم عاش، ثم قتل في سبيل الله، ثم عاش وعليه دين، ما دخل الجنة حتى يقضى دينه)). رواه أحمد، وفي ((شرح السنة)) نحوه. [٢٩٢٩] (١٠) باب الشركة والوكالة الفصل الأول ٢٩٣٠ - عن زهرة بن معبد: أنه كان يخرج به جده عبد الله بن هشام إلي ــ الحديث السادس عن محمد: قوله: ((فلم نر إلا خيراً)) دل هذا علي أن سكوتهم ذلك لم يكن إلا عن تيقنهم أن النازل هو العذاب. وقوله: ((حتى أصبحنا)) يحتمل أن يكون غاية ((سكتنا))، وأن يكون غاية ((لم نر)). قوله: ((ما التشديد؟)) تقرير السؤال ما التشديد النازل أهو عذاب؟ وقد انتظرنا ولم نر شيئاً، أم هو وحي ففيم نزل؟ فأجاب: ((في الدين)) أي: في شأن الدين، ولعمري، لم نجد نصاً أشد وأغلظ من هذا في باب الدين. قوله: ((حتى يقضي دينه)) يجوز أن يكون علي بناء المفعول وعلي بناء الفاعل؛ وحينئذ يحتمل أن يراد يقضي ورثته، فحذف المضاف وأسند الفعل إلي المضاف إليه، وأن المراد يقضي المديون يوم الحساب دينه. باب الشراكة والوكالة ((حس)): الشركة علي وجوه: شركة في العين والمنفعة جميعاً، بأن ورث جماعة مالاً أو ملكوه بشراء، أو اتهاب أو وصية، أو خلطوا مالاً لا يتميز، وشركة في الأعيان دون المنافع، بأن أوصى لرجل منفعة داره والعين للورثة، والمنفعة للموصى له، وعكسه بأن استأجر جماعة داراً أو وقف [شيئاً] علي جماعة، فالمنفعة لهم دون العين. وشركة في الحقوق في الأبدان، كحد القذف والقصاص يرثه جماعة، وشركة في حقوق الأموال كالشفعة تثبت للجماعة. وأما الشركة بحسب الاختلاط، فإذا أذن كل واحد لصاحبه في التصرف، فما حصل من الربح يكون بينهما علي قدر المالين، فسمى شركة العنان. الفصل الأول الحديث الأول عن زهرة: قوله: ((أصاب الراحلة)) ((نه)): الراحلة من الإبل البعير القوي علي

стр. 1650

السوق، فيشتري الطعام، فيلقاه ابن عمر وابن الزبير، فيقولان له: أشركنا فإن النبي ﷺ قد دعا لك بالبركة، فيشركهم، فربما أصاب الراحلة كما هي، فيبعث بها إلي المنزل، وكان عبد الله بن هشام ذهبت به أمه إلي النبي ﷺ ، فمسح رأسه ودعا له بالبركة. رواه البخاري. ٢٩٣١ - وعن أبي هريرة، قال: قالت الأنصار للنبي ﷺ : اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل. قال: ((لا، تكفوننا المؤونة، ونشرككم في الثمرة)). قالوا: سمعنا وأطعنا. رواه البخاري. ٢٩٣٢ - وعن عروة بن أبي الجعد البارقي: أن رسول الله ﷺ أعطاه ديناراً ــ الأسفار والأحمال، والذكر والأنثى فيه سواء، والهاء فيه للمبالغة، وهي التي يختارها الرجل لمركبه. أقول: وهذا يحتمل أن يراد به المحمول من الطعام يصيبه ربحاً، كما يقال للبعير: الخفض بالحاء المهملة والضاد المعجمة، وهو أثاث البيت؛ لأنه حامله، وأن يراد به الحامل، والأول أولي؛ لأن سياق الكلام وارد في الطعام، وقد ذهب المظهر إلي المجموع في قوله، يعني ربما يجد دابة مع متاع علي ظهرها فيشتريها من الربح ببركة دعاء النبي ﷺ . الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((اقسم بيننا)) ((قض)): لما قدم رسول الله ﷺ وأصحابه المهاجرون المدينة، بوأهم الأنصار في دورهم وشركوهم في ضياعهم، وسألوا رسول الله ﷺ أن يقسم النخيل بينهم وبين إخوانهم يعني المهاجرين، فأبي رسول الله ﷺ ذلك استبقاء عليهم رقبة نخيلهم التي عليها قوام أمرهم، وأخرج الكلام علي وجه يخيل لهم أنه يريد به التخفيف عن نفسه وأصحابه، لا الشفقة والإرفاق بهم تلطفاً وكرماً وحسن مخالقة، واختار التشريك في الثمار؛ لأنه أيسر وأرفق بالقبيلين. قوله: ((تكفوننا)) خبر في معنى الأمر، و ((المؤونة)) فعولة، ويدل عليه قوله: مأنتهم أمأنهم، مأناً إذا احتملت مؤونتهم وقيل: مفعلة بالضم من الأين وهو التعب والشدة. وقيل: من الأون وهو الحرج؛ لأنه ثقل علي الإنسان؛ والمعنى: اكفونا تعب القيام بتأبير النخل وسقيها، وما يتوقف عليه صلاحها. أقول: تكفوننا استئناف في غاية الجزالة؛ حيث رد ما التمسوه بقوله ((لا)) ثم جبر ذلك بأن لم يخرجه مخرج الأمر؛ ليفيد الوجوب، وأتى بصيغة الإخبار ليقابل التماسهم ذلك، وإن كان في صيغة الأمر لارتفاع منزلته ﷺ عليهم مع رعاية غبطتهم؛ لئلا ينخلعوا عن أموالهم، وإذا قضى المهاجرون أوطارهم ووسع الله عليهم بما وسع، يكون لهم الأصل والثمر. الحديث الثالث عن عروة ﵁: قوله: ((أعطاه ديناراً)) ((حس)): في هذا الحديث دليل
следующие страницы →