← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122257

شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن

الطيبي

Полный текст (3 308 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

رهان أخيك المسلم. ليس من عبد مسلم يقضي عن أخيه دينه إلا فك الله رهانه يوم القيامة)). رواه في شرح السنة)). [٢٩٢٠] ٢٩٢١ - وعن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : ((من مات وهو بريء من الكبر والغلول والدين دخل الجنة)). رواه الترمذي، وابن ماجه، والدارمي. [٢٩٢١] ٢٩٢٢ - وعن أبي موسى، عن النبي ﷺ ، قال: ((إن أعظم الذنوب عند الله أن يلقاه بها عبد بعد الكبائر التي نهي الله عنها أن يموت رجل وعليه دين لا يدع له قضاء)). رواه أحمد، وأبو داود. [٢٩٢٢] ــ قوله: ((فك الله رهانك)) ((تو)): فك الرهن تخليصه، وفك الإنسان نفسه أن يسعى فيما يعتقها من عذاب الله، والرهان جمع رهن، يريد أن نفس المديون مرهونة بعد الموت بدينه، كما هي في الدنيا محبوسة، والإنسان مرهونة بعمله، قال الله تعالي: ﴿كل نفس بما كسبت رهينة﴾ أي مقيم في جزاء ما قدم من عمله، فلما سعى في تخليص أخيه المؤمن عما كان مأسوراً به من الدين، دعا له بتخليص الله نفسه عما تكون مرهونة به من الأعمال، ولعله ذكر الرهان بلفظ الجمع، تنبيهاً علي أن كل جزء من الإنسان رهين بما كسب، أو لأنه اجترح الآثام شيئاً بعد شيء، فرهن بها نفسه رهناً بعد رهن. الحديث السابع عن ثوبان: قوله ((والغلول)) ((تو)): هي الخيانة في المغنم والسرقة من الغنيمة قبل القسمة، وسميت غلولاً؛ لأن الأيدي فيها مغلولة، أي ممنوعة مجعول فيها غل، ضم الدين مع أقبح الجنايات وأشنع الأخلاق؛ دلالة علي أنه منهما، وهو دين لزمه باختياره ولم ينو أداءه. والله أعلم. الحديث الثامن والتاسع عن أبي موسى ﵁: قوله: ((أن يلقاه)) خبر ((إن)) و ((أن يموت)) بدل منه؛ لأنك إذا قلت: إن أعظم الذنوب عند الله موت الرجل وعليه دين استقام؛ ولأن لقاء العبد ربه إنما هو بعد الموت، و ((رجل)) مظهر أقيم مقام ضمير العبد، وفائدة ذكر العبد أولاً استبعاد ملاقاته مالكه وربه بهذا الشين، ثم إعادته بلفظ ((رجل))، وتنككيره تحقيراً لشأنه وتوهيناً لأمره. فإن قلت: قد سبق أن حقوق الله مبناها علي المساهلة، وليس كذلك

стр. 1647

٢٩٢٣ - وعن عمرو بن عوف المزني، عن النبي ﷺ قال: ((الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرم حلالاً، أو أحل حراماً، والمسلمون علي شروطهم إلا شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراماً)) رواه الترمذي، وابن ماجه، وأبو داود. وانتهت روايته عند قوله: ((شروطهم)). [٢٩٢٣] الفصل الثالث ٢٩٢٤ - عن سويد بن قيس، قال: جلبت أنا ومخرفة العبدي بزاً من هجر، فأتينا به مكة، فجاءنا رسول الله ﷺ يمشي، فساومنا بسراويل، فبعناه، وثم رجل يزن بالأجر، فقال له رسول الله: ((زن وأرجح)). رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والدارمي. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. [٢٩٢٤] ــ حقوق الآدميين في قوله ﷺ : ((يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين)) وهاهنا جعله دون الكبائر، فما وجه التوفيق؟ قلت: قد وجهناه أنه علي سبيل المبالغة، تحذيراً وتوقياً عن الدين، وهذا مجرى علي ظاهره. ((مظ)): فعل الكبائر عصيان الله تعالي، وأخذ الدين ليس بعصيان، بل الاقتراض والتزام الديون جائز، وإنما شدد ﷺ علي من مات وعليه دين، ولم يترك ما يقضي دينه؛ كيلا تضيع حقوق الناس- انتهي كلامه. يريد أن نفس الدين ليس بمنهي عنه، بل هو مندوب إليه، كما ورد في بعض الأحاديث، وإنما هو سبب عارض من تضييع حقوق الناس، بخلاف الكبائر فإنها منهية لذاتها. الفصل الثالث الحديث الأول عن سويد: قوله: ((بزا)) الجوهري: البز من الثياب أمتعة البزاز. وقوله: ((يمشي)) حال أي جاءنا ماشياً، وفيه بيان تواضع رسول الله ﷺ حيث جاء إليهم ماشياً لا راكباً، وساومهم في مثل السراويل، وبيان خلقه وكرمه، حيث زاد علي القيمة، وفيه جواز أجرة الوزان علي وزنه.

стр. 1648

٢٩٢٥ - وعن جابر، قال: كان لي علي النبي ﷺ دين، فقضإني، وزادني. رواه أبو داود. [٢٩٢٥] ٢٩٢٦ - وعن عبد الله بن أبي ربيعة، قال: استقرض مني النبي ﷺ أربعين ألفا، فجاء مال، فدفعه إلي، وقال: ((بارك الله تعالي في أهلك ومالك، إنما جزاء السلف الحمد والأداء)). رواه النسائي. [٢٩٢٦] ٢٩٢٧ - وعن عمران بن حصين، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من كان له علي رجل حق، فمن أخره كان له بكل يوم صدقة)). رواه أحمد. [٢٩٢٧] ٢٩٢٨ - وعن سعد بن الأطول قال: مات أخي وترك ثلاثمائة دينار، وترك ولداً صغاراً، فأردت أن أنفق عليهم. فقال لي رسول الله ﷺ : ((إن أخلك محبوس بدينه، فاقض عنه)). قال: فذهبت فقضيت عنه، ولم تبق إلا امرأة تدعي دينارين، وليست لها بينة. قال: ((أعطها فإنها صدقة)). رواه أحمد. [٢٩٢٨] ٢٩٢٩ - وعن محمد بن عبد الله بن جحش، قال: كنا جلوساً بفناء المسجد حيث يوضع الجنائز، ورسول الله ﷺ جالس بين ظهرينا، فرفع رسول الله ﷺ بصره ــ الحديث الثاني والثالث عن عبد الله: قوله: ((إنما جزاء السلف)) فإن قلت: هذا يوهم أن الزيادة علي الدين غير جائزة؛ لأن ((إنما)) تثبت الحكم للمذكور وتنفيه عما سواه قلت: هو علي سبيل الوجوب؛ لأن شكر المنعم وأداء حقه واجبان، والزيادة فضل. الحديث الرابع والخامس عن سعد ﵁: قوله: ((ولداً صغاراً)): الولد قد يكون واحداً وجمعاً، وكذلك الولد بالضم. قوله: ((أعطها)) هذا إما أن يكون معلوماً عند رسول الله ﷺ بغير وحي، فأمره بالإعطاء؛ لأنه يجوز للحاكم أن يحكم بعلمه، وأن يكون بوحي فهو من خواصه. وقوله: ((ولم تبق)) عطف من حيث المعنى علي قوله: ((قضيت)) أي قضيت ديون من كانت له بينة، ولم أقض لهذه المرأة، ويجوز أن يكون حالاً من فاعل ((قضيت)).

стр. 1649

قبل السماء، فنظر ثم طأطأ بصره، ووضع يده علي جبهته، قال: ((سبحان الله! سبحان الله! ما نزل من التشديد؟)) قال: فسكتنا يومنا وليلتنا، فلم نر إلا خيراً حتى أصبحنا. قال محمد: فسألت رسول الله ﷺ : ما التشديد الذي نزل؟ قال: ((في الدين؛ والذي نفس محمد بيده، لو أن رجلاً قتل في سبيل الله، ثم عاش، ثم قتل في سبيل الله، ثم عاش، ثم قتل في سبيل الله، ثم عاش وعليه دين، ما دخل الجنة حتى يقضى دينه)). رواه أحمد، وفي ((شرح السنة)) نحوه. [٢٩٢٩] (١٠) باب الشركة والوكالة الفصل الأول ٢٩٣٠ - عن زهرة بن معبد: أنه كان يخرج به جده عبد الله بن هشام إلي ــ الحديث السادس عن محمد: قوله: ((فلم نر إلا خيراً)) دل هذا علي أن سكوتهم ذلك لم يكن إلا عن تيقنهم أن النازل هو العذاب. وقوله: ((حتى أصبحنا)) يحتمل أن يكون غاية ((سكتنا))، وأن يكون غاية ((لم نر)). قوله: ((ما التشديد؟)) تقرير السؤال ما التشديد النازل أهو عذاب؟ وقد انتظرنا ولم نر شيئاً، أم هو وحي ففيم نزل؟ فأجاب: ((في الدين)) أي: في شأن الدين، ولعمري، لم نجد نصاً أشد وأغلظ من هذا في باب الدين. قوله: ((حتى يقضي دينه)) يجوز أن يكون علي بناء المفعول وعلي بناء الفاعل؛ وحينئذ يحتمل أن يراد يقضي ورثته، فحذف المضاف وأسند الفعل إلي المضاف إليه، وأن المراد يقضي المديون يوم الحساب دينه. باب الشراكة والوكالة ((حس)): الشركة علي وجوه: شركة في العين والمنفعة جميعاً، بأن ورث جماعة مالاً أو ملكوه بشراء، أو اتهاب أو وصية، أو خلطوا مالاً لا يتميز، وشركة في الأعيان دون المنافع، بأن أوصى لرجل منفعة داره والعين للورثة، والمنفعة للموصى له، وعكسه بأن استأجر جماعة داراً أو وقف [شيئاً] علي جماعة، فالمنفعة لهم دون العين. وشركة في الحقوق في الأبدان، كحد القذف والقصاص يرثه جماعة، وشركة في حقوق الأموال كالشفعة تثبت للجماعة. وأما الشركة بحسب الاختلاط، فإذا أذن كل واحد لصاحبه في التصرف، فما حصل من الربح يكون بينهما علي قدر المالين، فسمى شركة العنان. الفصل الأول الحديث الأول عن زهرة: قوله: ((أصاب الراحلة)) ((نه)): الراحلة من الإبل البعير القوي علي

стр. 1650

السوق، فيشتري الطعام، فيلقاه ابن عمر وابن الزبير، فيقولان له: أشركنا فإن النبي ﷺ قد دعا لك بالبركة، فيشركهم، فربما أصاب الراحلة كما هي، فيبعث بها إلي المنزل، وكان عبد الله بن هشام ذهبت به أمه إلي النبي ﷺ ، فمسح رأسه ودعا له بالبركة. رواه البخاري. ٢٩٣١ - وعن أبي هريرة، قال: قالت الأنصار للنبي ﷺ : اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل. قال: ((لا، تكفوننا المؤونة، ونشرككم في الثمرة)). قالوا: سمعنا وأطعنا. رواه البخاري. ٢٩٣٢ - وعن عروة بن أبي الجعد البارقي: أن رسول الله ﷺ أعطاه ديناراً ــ الأسفار والأحمال، والذكر والأنثى فيه سواء، والهاء فيه للمبالغة، وهي التي يختارها الرجل لمركبه. أقول: وهذا يحتمل أن يراد به المحمول من الطعام يصيبه ربحاً، كما يقال للبعير: الخفض بالحاء المهملة والضاد المعجمة، وهو أثاث البيت؛ لأنه حامله، وأن يراد به الحامل، والأول أولي؛ لأن سياق الكلام وارد في الطعام، وقد ذهب المظهر إلي المجموع في قوله، يعني ربما يجد دابة مع متاع علي ظهرها فيشتريها من الربح ببركة دعاء النبي ﷺ . الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((اقسم بيننا)) ((قض)): لما قدم رسول الله ﷺ وأصحابه المهاجرون المدينة، بوأهم الأنصار في دورهم وشركوهم في ضياعهم، وسألوا رسول الله ﷺ أن يقسم النخيل بينهم وبين إخوانهم يعني المهاجرين، فأبي رسول الله ﷺ ذلك استبقاء عليهم رقبة نخيلهم التي عليها قوام أمرهم، وأخرج الكلام علي وجه يخيل لهم أنه يريد به التخفيف عن نفسه وأصحابه، لا الشفقة والإرفاق بهم تلطفاً وكرماً وحسن مخالقة، واختار التشريك في الثمار؛ لأنه أيسر وأرفق بالقبيلين. قوله: ((تكفوننا)) خبر في معنى الأمر، و ((المؤونة)) فعولة، ويدل عليه قوله: مأنتهم أمأنهم، مأناً إذا احتملت مؤونتهم وقيل: مفعلة بالضم من الأين وهو التعب والشدة. وقيل: من الأون وهو الحرج؛ لأنه ثقل علي الإنسان؛ والمعنى: اكفونا تعب القيام بتأبير النخل وسقيها، وما يتوقف عليه صلاحها. أقول: تكفوننا استئناف في غاية الجزالة؛ حيث رد ما التمسوه بقوله ((لا)) ثم جبر ذلك بأن لم يخرجه مخرج الأمر؛ ليفيد الوجوب، وأتى بصيغة الإخبار ليقابل التماسهم ذلك، وإن كان في صيغة الأمر لارتفاع منزلته ﷺ عليهم مع رعاية غبطتهم؛ لئلا ينخلعوا عن أموالهم، وإذا قضى المهاجرون أوطارهم ووسع الله عليهم بما وسع، يكون لهم الأصل والثمر. الحديث الثالث عن عروة ﵁: قوله: ((أعطاه ديناراً)) ((حس)): في هذا الحديث دليل

стр. 1651

ليشتري به شاة، فاشترى له شاتين، فباع إحداهما بدينار، وأتاه بشاة ودينار، فدعا له رسول الله ﷺ في بيعة بالبركة، فكان لو اشترى تراباً لربح فيه. رواه البخاري. الفصل الثاني ٢٩٣٣ - عن أبي هريرة، رفعه، قال: ((إن الله يقول: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن صاحبه، فإذا خانه خرجت من بينهما)). رواه أبو داود، وزاد رزين: ((وجاء الشيطان)). [٢٩٣٣] ٢٩٣٤ - وعنه، عن النبي ﷺ ، قال: ((أد الأمانة إلي من ائتمنك، ولا تخن من خانك)). رواه الترمذي، وأبو داود، والدارمي. [٢٩٣٤] ــ علي جواز التوكيل في المعاملات، وفي كل ما تجري فيه النيابة. واختلفوا في تأويله، وفي بيع عروة الشاة من غير إذن له في البيع، فذهب بعض أهل العلم إلي أن من باع مال الغير دون إذنه، يكون العقد موقوفاً علي إجازة المالك، فإن أجاز صح ويحتج بهذا الحديث. ومنهم من لم يجوزه، ويؤول الحديث علي أن وكالته كانت وكالة تفويض وإطلاق. والوكيل المطلق يملك البيع والشرى، ويكون تصرفه صادراً عن إذن المالك. الفصل الثاني الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((أنا ثالث الشريكين)) الشركة عبارة عن اختلاط أموال بعضهم ببعض بحيث لا تتميز، وشركة الله تعالي إياهم علي الاستعارة، وكأنه تعالي جعل البركة والفضل والربح بمنزلة المال المخلوط، فسمى ذاته تعالي ثالثاً لهما، وجعل خيانة الشيطان ومحقه البركة بمنزلة المال المخلوط وجعله ثالثاً لهما. وقوله: ((خرجت من بينهما)) ترشيح للاستعارة. وفيه استحباب الشركة، وأن البركة منصبة من الله تعالي فيها بخلاف ما إذا كان منفرداً؛ لأن كل واحد من الشريكين يسعى في غبطة صاحبه؛ فإن الله تعالي في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه المسلم. الحديث الثاني والثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((ولا تخن من خانك)) ((قض)): أي لا تعامل الخائن بمعاملته، ولا تقابل خيانته بالخيانة فتكون مثله. ولا يدخل فيه أن يأخذ

стр. 1652

٢٥٣٥ - وعن جابر، قال: أردت الخروج إلي خيبر، فأتيت النبي ﷺ ، فسلمت عليه، وقلت: إني أردت الخروج إلي خيبر. فقال: ((إذا أتيت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقاً، فإن ابتغى منك آية فضع يدك علي ترقوته)). رواه أبو داود. [٢٩٣٥] الفصل الثالث ٢٩٣٦ - عن صهيب، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثلاث فيهن البركة: البيع إلي أجل، والمقارضة، وإخلاط البر بالشعير للبيت لا للبيع)). رواه ابن ماجه. [٢٩٣٦] ٢٩٣٧ - وعن حكيم بن حزام: أن رسول الله ﷺ بعث معه بدينار ليشتري له به أضحية، فاشترى كبشاً بدينار، وباعه بدينارين، فرجع فاشترى أضحية بدينار، فجاء بها وبالدينار الذي استفضل من الأخرى، فتصدق رسول الله صلي بالدينار، فدعا له أن يبارك له في تجارته. رواه الترمذي. [٢٩٣٧] ــ الرجل مثل حقه من مال الجاحد؛ وأنه استيفاء وليس بعدوان والخيانة عدوان. أقول: الأولي أن ينزل هذا الحديث علي معنى قوله تعالي: ﴿ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن﴾ يعني إذا خانك صاحبك فلا تقابله بجزاء خيانته، وإن كان ذاك حسناً، بل قابله بالأحسن الذي هو عدم المكافأة والإحسان إليه. ويجوز أن يكون من باب الكناية، أي لا تعامل من خانك فتجازيه. الفصل الثالث الحديث الأول عن صهيب: قوله: ((المقارضة)) قطع الرجل من أمواله دافعاً إلي الغير ليعامل فيه ويقسم الربح، وفي الخلال الثلاث هضم من حقه. والأولان منهما يسري نفعهما إلي الغير، وفي الثالث إلي نفسه قمعاً لشهوته. الحديث الثاني عن حكيم: قوله: ((بدينار)) الباء زائدة في المفعول، قوله تعالي: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلي التهلكة﴾.

стр. 1653

(١١) باب الغصب والعارية الفصل الأول ٢٩٣٨ - عن سعيد بن زيد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أخذ شبراً من الأرض ظلماً؛ فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين)). متفق عليه. ٢٩٣٩ - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يحلبن أحد ماشية امرئ بغير أذنه؛ أيحب أحدكم أن يؤتى مشربته فتكسر خزانته فينتقل طعامه؟ وإنما يخزن لهم ضروع مواشيهم أطعماتهم)). رواه مسلم. ــ باب الغصب والعارية ((مح)): هي بتشديد الياء، وقال الخطابي في الغريب: وقد يخفف. ((تو)): قيل: إنها منسوبة إلي العار؛ لأنهم رأوا طلبها عاراً وعيباً، قال الشاعر: إنما أنفسنا عارية ... والعواري قصارها أن ترد والعارة مثل العارية، وقيل: إنها من التعاور وهو التداول ولم يبعد. الفصل الأول الحديث الأول عن سعيد ﵁: قوله: ((سبع أرضين)) ((مح)): قال العلماء: هذا تصريح بأن الأرض سبع طباق، وهو موافق لقوله تعالي: ﴿سبع سموات ومن الأرض مثلهن﴾ وقول من قال: إن المراد بالسبع الأقاليم خلاف للظاهر؛ إذ لم يطوق من غصب شبراً من الأرض شبراً من كل إقليم، بخلاف طبقات الأرض فإنها تابعة لهذا الشبر في الملك. أقول: ويعضده الحديث الثالث من الفصل الثالث: ((كلفه الله أن يحفره حتى يبلغ سبع أرضين. ((حس)): ومعنى التطويق أن يخسف الله به الأرض فتصير البقعة المغصوبة منها في عنقه كالطوق. وقيل: هو أن يطوق حملها يوم القيامة، أي يكلف فيكون في طوق التكليف لا من طوق التقليد؛ لما روي عن سالم عن أبيه أن النبي ﷺ قال: ((من أخذ من الأرض شيئاً بغير حقه، خسف به يوم القيامة إلي سبع أرضين)) الحديث الثاني عن ابن عمر ﵄: قوله: ((مشربته)) ((نه)): المشربة- بضم الراء

стр. 1654

٢٩٤٠ - وعن أنس، قال: كان النبي ﷺ عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصحفة فيها طعام، فضربت التي النبي ﷺ في بيتها يد الخادم، ــ وفتحها- كالغرفة يوضع فيها المتاع. أقول: بولغ في الممثل به مبالغات حيث جعل الحرز غرفة ليصعب الصعود إليها، وجعل فيها خزانة مستوثقة بالأقفال، فلا يظفر بما فيها إلا بالكسر تصويراً لحالة المشبه في الاشتياق. و ((إنما)) عطف علي مقدر وتقدير الكلام: أيحب أحدكم كذا؟ يقال: لا. ثم يجاب فإذن لا تفعلوا. وإنما يخزن لهم ضروع مواشيهم. قوله: ((فينتقل)) وفي شرح السنة والنهاية ((فينثل)) - بالياء المنقوطة تحتها نقطتان والنون والثاء المثلثة-، أي يستخرج ويؤخذ. ((حس)): العمل علي هذا عند أكثر أهل العلم أنه لا يجوز أن يحلب ماشية الغير بغير إذنه، إلا إذا اضطر في مخمصة ويضمن. وقيل: لا ضمان عليه؛ لأن الشرع أباحه له، وذهب أحمد وإسحاق وغيرهما إلي إباحته لغير المضطر، إذا لم يكن المالك حاضراً؛ فإن أبا بكر ﵁ حلب لرسول الله ﷺ لبناً من غنم رجل من قريش، يرعاها عبد له وصاحبها غائب في هجرته إلي المدينة؛ ولما روى الحسن عن سمرة أن النبي ﷺ قال: ((إذا أتى أحدكم علي ماشية، فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه، وإن لم يكن فيها فليصوت ثلاثاً، فإن أجابه أحد فليستأذنه، وإن لم يجب أحد فليحلب وليشرب ولا يحمل)). وقد رخص بعضهم لابن السبيل في أكل ثمار الغير؛ لما روي عن ابن عمر بإسناد غريب عن النبي ﷺ قال: ((من دخل حائطاً فليأكل غير متخذ خينة فلا شيء عليه)). وعند أكثرهم لا يباح إلا بإذن المالك إلا لضرورة مجاعة كما سبق. ((تو)): وحمل بعضهم هذه الأحاديث علي المجاعة والضرورة؛ لأنها لا تقاوم النصوص التي وردت في تحريم مال المسلمين. ((مح)): غير المضطر إذا كان له إدلال علي صاحب الطعام بحيث يعلم أو يظن أن نفسه تطيب بأكله منه بغير إذنه فله الأكل. والمضطر إن وجد ميتة وطعاماً لغيره فيه خلاف، والأصح عندنا أنه يأكل الميتة. الحديث الثالث عن أنس ﵁: قوله: ((بعض نسائه)) ((تو)): قد تبين لنا من غير هذا الطريق أن التي ضربت يد الخادم هي عائشة- ﵂ انتهي كلامه. وقيل: صاحبة القصعة زينب بنت جحش، وقيل: أم سلمة، وقيل: صفية. أقول: إنما أبهم في قوله: ((عند بعض نسائه)) وأراد بها عائشة ﵂ تفخيماً لشأنها، وأنه مما لا يخفي ولا يلتبس أنها هي؛ لأن الهدايا إنما تهدى إلي رسول الله ﷺ إذا كان في بيت عائشة. وإنما وصفت المرسلة بأم المؤمنين إيذاناَ بشفقتها وكسرها وغيرتها وهواها، حيث أهدت إلي بيت ضرتها بالقصعة. والخطاب بقوله: ((غارت أمكم)) عام لكل من سمع بهذه

стр. 1655

فسقطت الصحفة، فانفلقت، فجمع النبي ﷺ فلق الصحفة، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة، ويقول: ((غارت أمكم)) ثم حبس الخادم حتى أتي بصحفة من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة الصحيحة إلي التي كسرت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي كسرت. رواه البخاري. ٢٩٤١ - وعن عبد الله بن يزيد، عن النبي ﷺ : أنه نهي عن النهبة والمثلة. رواه البخاري. ٢٩٤٢ - وعن جابر، قال: انكسفت الشمس في عهد رسول الله ﷺ يوم مات إبراهيم بن رسول الله ﷺ ، فصلي بالناس ست ركعات بأربع سجدات، فانصرف وقد آضت الشمس، وقال: ((ما من شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه، لقد جيء ــ القضية من المؤمنين؛ اعتذاراً منه ﷺ لئلا يحملوا صنيعها علي ما يذم بل يجري علي عادة الضرائر من الغيرة؛ فإنها مركبة في نفس البشر بحيث لا تقدر أن تدفعها عن نفسها. وقيل: هو خطاب لمن حضر من المؤمنين. ((تو)): وهذا الحديث لا تعلق له بالغصب ولا بالعارية، وإنما كان من حقه أن يورد في باب ضمان المتلفات. ((قض)) ووجه إيراد هذا الحديث في هذا الباب أنه ﷺ غرم الضاربة ببدل الصحفة؛ لأنها انكسرت بسبب ضربها يد الخادم عدواناً. ومن أنواع الغصب إتلاف مال الغير مباشرة، أو بسبب علي وجه العدوان. ((نه)): الصحفة إناء كالقصعة المبسوطة ونحوها، وجمعها صحاف. والفلق بالسكون الشق، وفلق الصحفة [كسرها]. الحديث الرابع عن عبد الله: قوله: ((عن النهبة)) ((حس)): يؤول النهي في هذا الحديث علي الجماعة ينتهبون من الغنيمة ولا يدخلونها في القسمة، وعلي القوم يقدم إليهم الطعام وينتهبونه ونحو ذلك، وإلا فنهب أموال المسلمين حرام علي كل أحد. قوله: ((والمثلة)) ((نه)): يقال: مثلت بالحيوان أمثل به مثلاً إذا قطعت أطرافه وشوهت به. وقيل: المراد بها تشويه الخلق بقطع الأنوف والآذان وفقء العيون. الحديث الخامس عن جابر ﵁: قوله: ((آضت)) ((مح)): هو- بهمزة ممدودة- هكذا ضبطه جميع الرواة ببلادنا، أي عادت إلي حالها الأولي ورجعت، ومنه قولهم: أيضاء وهو مصدر من آض يئيض. قوله: ((من لفحها)) ((نه)): لفح النار- بالفاء والحاء- حرها ووهجها. والمحجن عصا في رأسها اعوجاج كالصولجان، والميم زائدة، ويجمع علي محاجن. والقصب المعى وجمعه أقصاب. وقيل: القصب اسم للأمعاء كلها. وقيل: هو كل ما أسفل البطن من الأمعاء. والخشاش- بالخاء المعجمة- هوامها وحشراتها. ((مح)): ست ركعات يعني كان يصلي ركعتين في كل ركعة يركع ثلاثاً ويسجد سجدتين.

стр. 1656

بالنار، وذلك حين رأيتموني تأخرت مخافة أن يصيبني من لفحها، وحتى رأيت فيها صاحب المحجن يجر قصبه في النار. وكان يسرق الحاج بمحجنه، فإن فطن له قال: إنما تعلق بمحجتي، وإن غفل عنه ذهب به. وحتى رأيت فيها صاحبة الهرة التي ربطتها، فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت جوعاً، ثم جيء بالجنة وذلك حين رأيتموني تقدمت حتى قمت في مقامي، ولقد مددت يدي وأنا أريد أن أتناول من ثمرتها لتنظروا إليه، ثم بدا لي أن لا أفعل)). رواه مسلم. ٢٩٤٣ - وعن قتادة، قال: سمعت أنساً يقول: كان فزع بالمدينة، فاستعار النبي ﷺ فرساً من أبي طلحة يقال له: المندوب، فركب، فلما رجع قال: ((ما رأينا من شيء. وإن وجدناه لبحراً)). متفق عليه. ــ قال العلماء: يحتمل أنه ﷺ رأي الجنة والنار رؤية عين، كشف الله تعالي عنهما وأزال الحجب بينه وبينهما كما فرج له عن المسجد الأقصى، وأن تكون رؤية علم ووحي علي سبيل التفصيل، وتعريف لم يعرفه قبل ذلك فحصلت له من ذلك خشية لم تسبقها. والتأويل الأول أولي وأشبه بألفاظ الحديث؛ لما فيه من الأمور الدالة علي رؤية العين من تأخره؛ لئلا يصيبه لفحها وتقدمه لقطف العنقود. وصاحب المحجن هو عمرو بن لحي- بضم اللام وفتح الحاء وتشديد الياء. وقوله: ((يسرق الحاج)) أي متاع الحاج. وفيه أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان، وأن ثمارها أعيان كثمار الدنيا. وهو مذهب أهل السنة، وأن التأخر عن مواضع الهلاك والعذاب سنة، وأن العمل القليل لا يبطل الصلاة؛ وأن بعض الناس معذب في نفس جهنم اليوم، وفي تعذيب تلك المرأة بالنار بسبب ربط الهرة، دلالة علي أ، فعلها كان كبيرة؛ لأن ربطها وإصرارها عليه، حتى ماتت إصرار علي الصغيرة، والإصرار عليها يجعلها كبيرة. قوله: ((ثم بدا لي)) ((نه)): البداء استصواب شيء علم بعد أن لم يعلم. أقول: لعل الاستصواب في أن لا يظهر لهم ثمرتها لئلا ينقلب الإيمان الغيبي إلي الشهودي، أو لو أراهم ثمار الجنة لزم أن يريهم لفح النار أيضاً. وحينئذ يغلب الخوف علي الرجاء فتبطل أمور معاشهم، ومن ثمة قال: ((لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلاً)) والله أعلم. الحديث السادس عن قتادة ﵁: قوله: ((المندوب)) ((نه))؛ أي المطلوب وهو من الندب: الرهن الذي يجعل في السباق. وقيل: سمي به لندب كان في جسمه وهو أثر الجرح. قوله: ((وإن وجدناه لبحراً)) ((إن)) هي المخففة من الثقيلة، والضمير في ((وجدناه)) للفرس المستعار.

стр. 1657

الفصل الثاني ٢٩٤٤ - عن سعيد بن زيد، عن النبي ﷺ ، أنه قال: ((من أحيى أرضاً ميتةً فهي له، وليس لعرق ظالم حق)). رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود. [٢٩٤٤] ٢٩٤٥ - ورواه مالك، عن عروة مرسلاً. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. ــ قوله: ((لبحرا)) أي واسع الجري تشبيهاً له بالبحر في سعته. ((مظ)): ((إن)) هاهنا بمعنى ما النافية واللام بمعنى ((إلا)) أي ما وجدناه إلا بحرا. والعرب تقول: إن زيداً لعاقل: يريد ما زيد إلا عاقل. فيه إباحة التوسيع في الكلام وتشبيه الشيء بالشيء بمعنى من معإنيه، وإن لم يستوف جميع أوصافه. وفيه إباحة تسمية الدواب وكانت تلك عادتهم. وكذا أداة الحرب ليحضر سريعاً إذا طلب. ((مح)): فيه جواز سبق الإنسان وحده في كشف أخبار العدو ما لم يتحقق الهلاك، واستحباب تبشير الناس بعد الخوف إذا ذهب، وجواز العارية والغزو علي الفرس المستعار، وفيه إظهار شجاعته وشدة جأشه ﷺ . الفصل الثاني الحديث الأول عن سعيد: قوله: ((أرضاً ميتة)) ((قض)): الأرض الميتة: الخراب الذي لا عمارة به، وإحياؤها عمارتها، شبهت عمارة الأرض بحياة الأبدان، وتعطلها وخلوها عن العمارة بفقد الحياة وزوالها عنها، وترتيب الملك علي مجرد الإحياء كاف في التملك، ولا يشترط فيه إذن السلطان. وقال أبو حنيفة: لابد منه. قوله: ((وليس لعرق ظالم)) روي بالإضافة والوصف، والمعنى أن من غرس أرض غيره أو زرعه بغير إذنه، فليس لغرسه وزرعه حق إبقاء، بل لمالك الأرض أن يقلعه مجاناً. وقيل: معناه أن من غرس أرضاً أحياها غيره أو زرعها لم يستحق به الأرض، وهو أوفق للحكم السابق. و ((ظالم)) إن أضيف إليه فالمراد به الغارس سماه ظالما؛ لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه، وإن وصف به فالمغروس سمي به؛ لأنه الظالم أو لأن الظلم حصل به علي الإسناد المجازي. قوله: ((رواه مالك عن عروة مرسلاً)) يدل علي أن الحديث متصل من وجه ومرسل من وجه. ((قض)): والعجب أن الحديث في المصابيح مسند إلي سعيد بن زيد وهو من العشرة، وجعله مرسلاً ولعله وقع من الناسخ. وأن الشيخ أثبت إحدى الروايتين من المتصل والإرسال

стр. 1658

٢٩٤٦ - وعن أبي حرة الرقاشي، عن عمه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ألا تظلموا، ألا لا يحل مال امرئ إلا بطيب نفس منه)). رواه البيهقي في ((شعب الإيمان))، والدارقطني في ((المجتبى)). [٢٩٤٦] ٢٩٤٧ - وعن عمران ابن حصين، عن النبي ﷺ ، أنه قال: ((لا جلب، ولا جنب، ولا شغار في الإسلام، ومن انتهب نهبة فليس منا)). رواه الترمذي. [٢٩٤٧] ٢٩٤٨ - وعن السائب بن يزيد، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، قال: ((لا يأخذ أحدكم عصا أخيه لاعباً جاداً، فمن أخذ عصا أخيه فليردها إليه)). رواه الترمذي، وأبو داود وروايته إلي قوله: ((جادا)). [٢٩٤٨] ــ في المتن، وأثبت غيره الأخرى في الحاشية فالتبس علي الناسخ، وظن أنهما من المتن فأثبتهما فيه. أقول: يجوز أن يروي الصحابي الحديث مرسلاً بأن يكون قد سمع من صحابي آخر، ولم يسند إليه لكن هذا الحديث ليس منه؛ لقول الترمذي: هذا حديث حسن غريب. الحديث الثاني والثالث عن عمران: قوله: ((لا جلب)) ((قض)): ((الجلب)) في السباق أن يتبع فرسه رجلاً يجلب عليه ويزجره، و ((الجنب)) أن يجنب إلي فرسه فرساً عرياناً، فإذا فتر المركوب تحول إليه. والجلب والجنب في الصدقة قد مر تفسيرهما في كتاب الزكاة. و ((الشغار)) أن يشاغر الرجل، وهو أن تزوجه أختك علي أن يزوجك أخته، ولا مهر إلا هذا، من شغر البلد إذا خلا من الناس؛ لأنه عقد خال من المهر، أو من شغرت بني فلان من البلد إذا أخرجتهم وفرقتهم. وقولهم: تفرقوا شغر بغر؛ لأنهما إذا تبادلا بأختيهما، فقد أخرج كل منهما أخته إلي صاحبه وفارق بها إليه. والحديث يدل علي فساد هذا العقد؛ لأنه لو صح لكان في الإسلام، وهو قول أكثر أهل العلم، والمقتضى لفساده الاشتراك في البضع بجعله صداقاً. وقال أبو حنيفة والثوري: يصح العقد ولكل منهما مهر المثل. الحديث الرابع عن السائب: قوله: ((لاعبا وجاداً)) حالان من فاعل ((يأخذ)) وإن ذهب إلي أنهما مترادفان تناقضتا، وإن ذهب إلي التداخل صح. ((خط)): معناه أن يأخذ علي وجه الهزل وسبيل المزاح ثم يحبسها عنه، ولا يردها فيصير ذلك جداً. أقول: دل ((ثم)) في قوله أن الحال الثانية من المتداخلة المقدرة. ((حس)): عن أبي عبيد: هو أن بأخذ متاعه لا يريد سرقته إنما يريد

стр. 1659

٢٩٤٩ - وعن سمرة، عن النبي ﷺ ، قال: ((من وجد عين ماله عند رجل فهو أحق به، ويتبع البيع من باعه)). رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي. [٢٩٤٩] ٢٩٥٠ - وعنه عن النبي ﷺ قال: ((علي اليد ما أخذت حتى تؤدي)). رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه. [٢٩٥٠] ٢٩٥١ - وعن حرام بن سعد بن محيصة: أن ناقة للبراء بن عازب دخلت حائطاً، فأفسدت، فقضى رسول الله ﷺ أن علي أهل الحوائط حفظها بالنهار، وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن علي أهلها. رواه مالك، وأبو داود، وابن ماجه. [٢٩٥١] ــ إدخال الغيظ [عليه فهو لاعب في السرقة، جاد في إدخال الغيظ] والروع والأذى عليه. ((تو)): وإنما ضرب المثل بالعصا؛ لأنه من الأشياء التافهة التي لا يكون لها كثير خطر عند صاحبها؛ ليعلم أن ما كان فوقه فهو بهذا المعنى أحق وأجدر. الحديث الخامس عن سمرة ﵁: قوله: ((من وجد عين ماله)) ((تو)): المراد منه ما غصب أو سرق أو ضاع من الأموال، والبيع بالتشديد مشتري الغصب أو المسروق أو المال الضائع. الحديث السادس عن سمرة ﵁ قوله: ((علي اليد ما أخذت)) ما موصولة مبتدأ و ((علي اليد)) خبره، والراجع محذوف، أي ما أخذته اليد ضمان علي صاحبها، والإسناد إلي اليد علي المبالغة؛ لأنها هي المتصرفة. ((مظ)): يعني من أخذ مال أحد بغصب أو عارية أو وديعة لزمه رده. الحديث السابع عن حرام: قوله: ((ضامن علي أهلها)) ((حس)): ذهب أهل العلم إلي أن ما أفسدت الماشية بالنهار من مال الغير فلا ضمان علي أهلها، وما أفسدت بالليل ضمنه ربها؛ لأن في العرف أن أصحاب الحوائط والبساتين يحفظونها بالنهار، وأصحاب المواشي بالليل، فمن خالف هذه العادة كان خارجاً عن رسوم الحفظ، هذا إذا لم يكن مالك الدابة معها، فإن كان معها فعليه ضمان ما أتلفه، سواء كان راكبها أو سائقها أو قائدها، أو كانت واقفة، سواء أتلفت بيدها أو رجلها أو بفمها، وإلي هذا ذهب مالك والشافعي، وذهب أصحاب أبي حنيفة إلي أن المالك إن لم يكن معها، فلا ضمان عليه ليلاً كان أو نهاراً.

стр. 1660

٢٩٥٢ - وعن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: ((الرجل جبار، والنار جبار)). رواه أبو داود. [٢٩٥٢] ٢٩٥٣ - وعن الحسن، عن سمرة، أن النبي ﷺ قال: ((إذا أتى أحدكم علي ماشية، فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه، وإن لم يكن فيها فليصوت ثلاثاً، فإن أجابه أحد فليستأذنه، وإن لم يجبه أحد فليحتلب وليشرب ولا يحمل)). رواه أبو داود. [٢٩٥٣] ٢٩٥٤ - وعن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: ((من دخل حائطاً فليأكل ولا يتخذ خبنة)). رواه الترمذي، وابن ماجه. وقال الترمذي: هذا حديث غريب. [٢٩٥٤] ٢٩٥٥ - وعن أمية بن صفوان، عن أبيه: أن النبي ﷺ استعار منه أدراعه يوم حنين. فقال: أغصباً يا محمد؟! قال: ((بل عارية مضمونة)). رواه أبو داود. [٢٩٥٥] ــ الحديث الثامن عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((الرجل جبار)) الجبار الهدر، يقال: ذهب دمه جباراً أي هدراً، وهو من تسمية المسبب باسم سببه، أي ما تطؤه الدابة وتضربه برجلها في الطريق، وما أحرقه النار فهو هدر لا ضمان. ((حس)): النار التي يوقدها الرجل في ملكه فيطير بها الريح إلي مال غيره، من حيث لا يمكنه ردها فهو هدر، هذا إذا أوقدها في وقت سكون الريح ثم هبت الريح. الحديث التاسع عن الحسن: قوله: ((إذا أتى أحدكم علي ماشية)) ((أتى)) متعد بنفسه وعداه بعلي لتضمينه معنى نزل، وجعل الماشية بمنزلة المضيف. وفيه معنى حسن التعليل، هذا إذا كان النازل والضيف مضطراً كما سبق. الحديث العاشر عن ابن عمر ﵄: قوله: ((غير متخذ خبنة)) ((نه)): الخبنة معطف الإزار وطرف الثوب، أي لا يأخذ منه في ثوبه، يقال: أخبن الرجل إذا خبأ شيئاً في خبنة ثوبه أو سراويله، وسبق تفسيره في الحديث الثاني من الفصل الأول. الحديث الحادي عشر عن أمية: قوله: ((أغصباً يا محمد؟!)) قيل: هذا النداء لا يصدر عن

стр. 1661

٢٩٥٦ - وعن أبي أمامة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((العارية مؤداة، والمنحة مردودة، والدين مقضي، والزعيم غارم)). رواه الترمذي، وأبو داود. [٢٩٥٦] ــ مؤمن، قال الله تعالي: ﴿ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض﴾ ((تو)): إنه كان يومئذ مشركاً، وقد أخذ بمجامع قلبه الحمية الجاهلية. أقول: قوله: ((غصباً)) معمول مدخول الهمزة، أي أتأخذها غصباً لا تردها علي، فأجاب ﷺ بل أستعيرها وأردها، [فوضع الرد: الضمان مبالغة في الرد أي كيف لا أرضها] وإنها مضمونة علي، فمن قال: إنها غير مضمونة نظر إلي ظاهر الكلام. ومن قال: إنها مضمونة نظر إلي هذه الدقيقة. ((قض)): هذا الحديث دليل علي أن العارية مضمونة علي المستعير، فلو تلفت في يده لزمه الضمان، وبه قال ابن عباس وأبو هريرة، وإليه ذهب عطاء والشافعي وأحمد. وذهب شريح والحسن والنخعي وأبو حنيفة والثوري إلي أنها أمانة في يده لا تضمن إلا بالتعدي. وروي ذلك عن علي وابن مسعود ﵄. وأول قوله: ((مضمونة)) بضمان الرد وهو ضعيف؛ لأنها لا تستعمل فيه، ألا ترى أنه يقال: الوديعة مردودة علي ولا يقال: إنها مضمونة وإن صح استعماله فيه، فحمل اللفظ هاهنا عليه عدول عن الظاهر بلا دليل. وقال مالك: إن خفي تلفه أي لم تقم له بينة علي تلفه ضمن وإلا فلا. الحديث الثاني عشر عن أبي أمامة ﵁: قوله: ((مؤداة)) ((تو)): أي تؤدى إلي أصحابها، واختلفوا في تأويله علي حسب اختلافهم في الضمان، فالقائل بالضمان يقول: يؤدي عيناً حال القيام، وقيمة عند التلف. وفائدة التأدية عند من يرى خلافه إلزام المستعير مؤنة ردها إلي مالكها، و ((المنحة)) ما يمنحه الرجل صاحبه من ذات در؛ ليشرب درها، أو شجرة ليأكل ثمرها، أو أرض ليزرعها، وقد سبق تفسيرها. وفي قوله: ((مردودة)) إعلام بأنها تتضمن تمليك المنفعة لا تمليك الرقبة. و ((الزعيم غارم)) أي الكفيل ملزم نفسه ما ضمنه، و ((الغرم)) أداء شيء يلزمه. أقول: وجه هذا التقسيم أن يقال: من يجب عليه حق لغيره شرعا غالبا، إما أن يكون علي سبيل الأداء بأن يؤديه العين مع ما يتصل به فهو العارية، أو علي سبيل الرد من غير ما يتصل به فهو المنحة، أو علي سبيل القضاء بأن يؤديه من غير عينه فهو الدين. وإما أن يكون علي سبيل الغرامة، وهو التزام الإنسان ما لم يأخذه فهو الكفالة، فظهر من هذا أن الواجب في الاستعارة الرد بعينه أو بدله.

стр. 1662

٢٩٥٧ - وعن رافع بن عمرو الغفاري، قال: كنت غلاماً أرمي نخل الأنصار، فأتي بي النبي ﷺ ، فقال: ((يا غلام! لم ترمي النخل؟)) قلت: آكل. قال: ((فلا ترم، وكل مما سقط في أسفلها)) ثم مسح رأسه فقال: ((اللهم أشبع بطنه)). رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه. [٢٩٥٧] وسنذكر حديث عمرو بن شعيب في ((باب اللقطة)) إن شاء الله تعالي. الفصل الثالث ٢٩٥٨ - عن سالم، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أخذ من الأرض شيئاً بغير حقه، خسف به يوم القيامة إلي سبع أرضين)). رواه البخاري. ٢٩٥٩ - وعن يعلي بن مرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من أخذ أرضاً بغير حقها كلف أن يحمل ترابها المحشر)). رواه أحمد. [٢٩٥٩] ٢٩٦٠ - وعنه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((أيما رجل ظلم شبرا من الأرض كلفه الله أن يحفره حتى يبلغ آخر سبع أرضين، ثم يطوقه إلي يوم القيامة حتى يقضى بين الناس)). رواه أحمد. [٢٩٦٠] ــ الحديث الثالث عشر عن نافع: قوله: ((كل مما سقط)) ((مظ)): إنما أجاز له رسول الله ﷺ أن يأكل مما سقط للاضطرار، وإلا لم يجز له أن يأكل السقط أيضاً؛ لأنه مال الغير كالرطب علي رأس النخل. أقول: لو كان مضطرا لجاز له أن يأكل ما رماه، وإن لم يكن علي الأرض شيء. وقوله: ((اللهم أشبع بطنه)) يدل علي أنه لم يكن مضطرا. الفصل الثالث الحديث الأول والثاني والثالث عن يعلي بن مرة: قوله: ((ظلم شبرا)) المفعول به محذوف و ((شبرا)) يجوز أن يكون مفعولا مطلقا أو مفعولا فيه، أي مقدار شبر أو ظلم شبر. فإن قلت: كيف التوفيق بين قوله: ((ثم يطوقه إلي يوم القيامة)) وقوله: ((حتى يقضى بين الناس)) فإن ((إلي)) دل علي أن انتهاء التطويق يوم القيامة، و ((حتى)) علي القضاء بين الناس فيه. قلت: ((إلي)) تفيد معنى الغاية مطلقاً، فأما دخولها في الحكم وخروجها فأمر يدور مع الدليل،

стр. 1663

(١٢) باب الشفاعة الفصل الأول ٢٩٦١ - عن جابر، قال: قضى النبي ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة. رواه البخاري. ــ فما فيه دليل علي الخروج قوله تعالي: ﴿فنظرة إلي ميسرة﴾ لأن الإعسار علة الإنظار، وبوجود الميسرة تزول العلة. وما فيه دليل علي الدخول قولك: حفظت القرآن من أوله إلي آخره؛ لأن الكلام مسوق لحفظ القرآن كله. كذا في الكشاف، وكذا ما نحن فيه الغاية يوم القيامة. وهو داخل في الحكم إلي قضاء الحق بين الناس، فيكون ((حتى يقضي)) كالبيان للغاية. باب الشفعة المغرب: الشفعة اسم للملك المشفوع بملكك من قولهم: كان وترا فشفعته بأخر، أي جعلته زوجاً له، ونظيرها الأكلة واللقمة، في أن كل واحدة منهما فعلة بمعنى مفعول، هذا أصلها، ثم جعلت عبارة عن تملك مخصوص. وقد جمعهما الشعبي في قوله: من بيعت شفعته وهو حاضر فلم يطلب ذلك فلا شفعة له. الفصل الأول الحديث الأول عن جابر ﵁: قوله: ((قضى النبي ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق)) قال المالكي: معنى ((صرفت الطرق)) أي خلصت وبينت، واشتقاقه من الصرف وهو الخالص من كل شيء فقيل منه صرف وتصرف كما قيل من المحض محض وتمحض. ((تو)): هذا الحديث أخرجه البخاري بهذا اللفظ ولم يخرجه مسلم، وإنما أخرج حديثه الآخر الذي يتلو هذا الحديث. وكان علي مؤلف المصابيح لم أورد الحديث في القسم الذي هو مما أخرجه الشيخان، أو أحدهما أن لا يعدل في اللفظ عن كتاب البخاري؛ فإن بين الصيغتين بوناً بعيداً، ولا يكاد يتسامح فيه ذو عناية بعلم الحديث. وقد روي هذا الحديث أيضاً في غير الكتابين عن أبي هريرة علي نحو ما رواه البخاري عن جابر. ((قض)): هذا الحديث مذكور في مسند الإمام أبي عبد الله محمد الشافعي ﵁ كذا ((الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة))، وفي صحيح البخاري كذا: ((قضى رسول الله ﷺ بالشفعة)) إلي آخره. فاختار الشيخ عبارته إلا أنه بدل قوله: ((قضى بالشفعة فيما لم

стр. 1664

٢٩٦٢ - وعنه، قال: قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل شركة لم تقسم ربعة، أو حائط: ((لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك، فإذا باع ولم يؤذنه فهو أحق به)). رواه مسلم. ــ يقسم)) بقوله: ((قال: الشفعة فيما لم يقسم)) لما لم يجد بينهما مزيد تفاوت في المعنى، وقد صحت الرواية بهذه العبارة، وبه اندفع اعتراض من شنع عليه. فإن قلت كيف سويت بين العبارتين؟ وما ذكره الشيخ يقتضي الحصر عرفاً، وما أورده البخاري لا يقتضيه؛ لجواز أن يكون حكاية حال واقعة، وقضاء في قضية مخصوصة. قلت: كفي لدفع هذا الاحتمال ما ذكر عقيبه، ورتب عليه بحرف التعقيب، ولا يصح أن يقال: إنه ليس من الحديث بل شيء زاده الراوي فأوصله بما حكاه؛ لأن ذلك يكون تلبيساً وتدليساً. ومنصب هذا الراوي والأئمة الذين دنوه وساقوا الرواية بهذه العبارة إليه، أعلي من أن يتصور في شأنهم أمثال ذلك. والحديث كما ترى يدل بمنطوقه صريحاً علي أن الشفعة في مشترك مشاع لم يقسم بعد، فإذا قسم وتميزت الحقوق ووقعت الحدود وصرفت الطرق، بأن تعددت وحصل نصيب لكل طريق مخصوص لم يبق للشفعة مجال، فعلي هذا تكون الشفعة للشريك دون الجار. وهو مذهب أكثر أهل العلم كعمر وعثمان وابن المسيب وسلمان بن يسار وعمر بن عبد العزيز، والزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري، وربيعة بن أبي عبد الرحمن من التابعين، والأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور ممن بعدهم. وقوم نزر من الصحابة ومن بعدهم مالوا إلي ثبوتها للجار، وهو قول الثوري وابن المبارك وأصحاب أبي حنيفة، غير أنهم قالوا: الشريك أولي وأقدم علي الجار، واحتجوا بما روى البخاري عن أبي رافع. أقول: قوله: ((لما لم يجد بينهما مزيد تفاوت في المعنى)) إلي آخره، لا يرفع الإنكار؛ لأن أهل هذه الصنعة صرحوا بأن القائل إذا قال: رواه البخاري أو مسلم مثلا، جاز له الرواية بالمعنى، وأما إذا قال: في كتاب فلان كذا وكذا، لم يجز له أن يعدل عن صريح لفظه. وقد ذكر الشيخ في خطبة المصابيح: وأعني بالصحاح ما أورده الشيخان في جامعيهما أو أحدهما. وأما قوله: ((كفي لدفع هذا الاحتمال)) إلي آخره، ففيه بحث؛ لأن الحصر هاهنا ليس بالأداة والتقديم وتعريف الخبر، بل بحسب المفهوم. وقوله: ((الشفعة فيما لم يقسم)) مفهومه لا شفعة فيما قسم، فيكون ما بعده بيانا له وتقريراً، ومفهوم قوله: ((قضى رسول الله ﷺ في كل ما لم يقسم)) لم يقض فيما قسم، فبينهما بون. الحديث الثاني عن جابر ﵁: قوله: ((ربعة أو حائط)) ((مح)): الربع والربعة- بفتح الراء وإسكان الباء- المسكن والدار وطلق الأرض، وأصله المنزل الذي كانوا يربعون فيه.

стр. 1665

٢٩٦٣ - وعن أبي رافع، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الجار أحق بسقبه)). رواه البخاري. ــ قالوا: الحكمة في ثبوت الشفعة إزالة الضرر عن الشريك، وخصت بالعقار؛ لأنه أكثر الأنواع ضرراً. واتفقوا علي أن لا شفعة في غير العقار من الحيوان والثياب والأمتعة وسائر المنقولات. واستدل أصحابنا بهذا الحديث علي أن الشفعة لا تثبت إلا في عقار محتمل للقسمة، بخلاف الحمام الصغير والرحى ونحو ذلك، والشركة لا تختص بالمسلم بل تعم المسلم والذمي، وبه قال الجمهور. وقال الشعبي والحسن وأحمد: لا شفعة للذمي علي المسلم. وقوله: ((لا يحل له أن يبيع)) محمول عند أصحابنا علي الندب، وكراهة بيعه قبل إعلامه، فإن نفي الحل يصدق علي المكروه؛ لأنه ليس بحلال، أو يكون الحلال بمعنى المباح، وهو مستوي الطرفين، والمكروه ليس بمباح مستوي الطرفين بلا هو راجح تركه. واختلفوا فيما لو أعلم الشريك بالبيع فأذن فيه فباع، ثم أراد الشريك أن يأخذ بالشفعة، فقال الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأصحابهم وغيرهم: له أيأخذ بالشفعة. وقال الحاكم والثوري وطائفة من أهل الحديث: ليس له الأخذ. وعن أحمد روايتان كالمذهبين. والله أعلم. الحديث الثالث عن أبي رافع: قوله: ((بسقبه)) المغرب: السقب القرب، وبالصاد لغة، وهما مصدر أسقبت الدار وصقبت والصاقب القريب. والمعنى الجار أحق بالشفعة إذا كان جاراً ملاصقاً، والباء من صلة ((أحق)) لا للتسبب، وأريد بالسقب الساقب علي معنى ذو سقب من داره أي قريبة. ويروى في حديث عمرو بن الشريد أنه ﷺ لما قال ذلك، قيل: وما سقبه؟ قال: شفعته. ((خط)): يحتمل أن يراد به البر والمعونة وما في معناهما. ((تو)): ويرحم الله أبا سليمان فإنه لم يكن جديراً بهذا التعسف، وقد علم أن الحديث قد روي عن الصحابي في قصة صار البيان مقترناً به؛ ولهذا أورده علماء النقل في كتب الأحكام في باب الشفعة، وأولهم وأفضلهم البخاري ذكره بقصته عن عمرو بن الشريد إلي آخره. أقول: الواجب علي الناظر أن لا يسلك طريق التعصب، ويأخذ المنهج القويم، ثم النظر إلي نفس التركيب من غير اعتبار أمر خارجي يوجب التأويل، فالسقب حقيقة هو القرب، وإذا ذهب إلي المجاز فالبر والإحسان أقرب لوجود العلاقة المعتبرة، والقرينة الصارفة إليهما من نفس التركيب، ومثله ما روي عن عائشة ﵂: قلت: يا رسول الله! إن لي جارين فإلي أيهما أهدي؟ قال: ((إلي أقربهما منك باباً))، وإذا ذهب إلي الشفعة كانت العلاقة بعيدة، والقرينة خفية فيصير بمنزلة التعمية والإلغاز، فيفتقر إلي الاستفسار كما رواه صاحب المغرب،

стр. 1666

٢٩٦٤ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره)) متفق عليه. ــ وهو من أئمة اللغة؛ ولأن ((أحق)) يقتضي شركة في نفس الشفعة، ومن له حق الشفعة الشريك والجار علي زعمكم، فكيف يرجح الجار عليه مع ورود تلك النصوص الصريحة الصحيحة؟. وأما إيراد الإمام محمد بن إسماعيل في باب الشفعة مع اقتران البيان به، فليس بحجة علي الإمام الشافعي ولا علي أبي سليمان، علي أن محيي السنة فعل كذلك في كتاب المصابيح، وبين ما قصدته في شرح السنة حيث قال: وإن كان المراد منه الشفعة فيحمل الجار علي الشريك جمعا بين الخبرين. واسم الجار قد يقع علي الشريك؛ لأنه يجاور شريكه بأكثر من مجاورة الجار؛ فإن الجار لا يساكنه والشريك يساكنه في الدار المشتركة، ويدل علي أنه قال: ((أحق)) وهذه اللفظة تستعمل فيمن لا يكون غيره أحق منه. والشريك بهذه الصفة أحق من غيره وليس غيره أحق منه. وذكر أيضا الوجه الذي ذكره الخطابي؛ لاحتماله، وإن كان الأول هو الوجه؛ لما سيرد في حديث جابر: ((الجار أحق بشفعته إذا كان طريقهما واحدا)) لأنه تفسير للمبهم وتقييد للمطلق. وكم ترى من كلمة في التنزيل لها محتملات مختلفة بل متضادة ذكرها المفسرون، وأكثروا فيها القول، ولم يكن ذلكم مغمزاً فيهم ومطعناً للمخالف. وإذا كان الأمر علي هذا؛ فلا وجه للتشنيع علي الإمام القدوة المحدث أبي سليمان الذي لان له الحديث، كما لان لسليمان الحديد. الحديث الرابع ع أبي هريرة ﵁: قوله: ((لا يمنع جار)) ((مح)): اختلفوا في معنى هذا الحديث، هل هو علي الندب إلي تمكين الجار من وضع الخشب علي جدار جاره أم علي الإيجاب؟ وفيه قولان للشافعي ولأصحاب مالك، أصحهما الندب. وبه قال أبو حنيفة، والثاني: الإيجاب وبه قال أحمد وأصحاب الحديث، وهو الظاهر لقول أبي هريرة بعد روايته: ((مالي أراكم عنها معرضين: والله لأرمين بها بين أكتافكم)) وذلك أنهم توقفوا عن العمل به. وفي رواية أبي داود: ((فنكسوا رءوسهم فقال: مالي أراكم أعرضتم)) أي عن هذه السنة أو الخصلة أو الموعظة أو الكلمات. ومعنى قوله: ((لأرمين بها بين أكتافكم)) أقضي بها وأصرحها وأوجعكم بالتقريع بها كما يضرب الإنسان بالشيء بين كتفيه. وأجاب الأولون بأن إعراضهم إنما كان لأنهم فهموا منه الندب لا الإيجاب. ولو كان واجبا لما أطبقوا علي الإعراض عنه. أقول: يجوز أن يرجع الضمير في قوله: ((لأرمين بها)) إلي ((الخشبة))، ويكون كناية عن إلزامهم بالحجة القاطعة علي ما ادعاه، أي لا أقول: إن الخشبة ترمى علي الجدار بل بين أكتافكم؛ لما وصى ﷺ بالبر والإحسان في حق الجار وحمل أثقاله.

стр. 1667

٢٩٦٥ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا اختلفتم في الطريق جعل عرضه سبعة أذرع)) رواه مسلم. الفصل الثاني ٢٩٦٦ - عن سعيد بن حريث، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من باع منكم داراً أو عقاراً، قمن أن لا يبارك له إلا أن يجعله في مثله)) رواه ابن ماجه، والدارمي. [٢٩٦٦] ــ الحديث الخامس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((سبعة أذرع)) ((مح)): في أكثر النسخ سبع أذرع، والروايتان صحيحتان؛ لأن الذراع يذكر ويؤنث. وأما قدر الطريق فإن جعل الرجل بعض أرضه المملوكة طريقاً مسبلة للمارين، فقدرها إلي خيرته والأفضل توسيعها، وليست هذه الصورة مرادة بالحديث، فإن كان الطريق بين أرض لقوم أرادوا عمارتها، فإن اتفقوا علي شيء فذاك، وإن اختلفوا في قدره جعل سبعة أذرع هذا مراد الحديث. أما إذا وجدنا طريقاً مسلوكاً وهو أكثر من سبعة أذرع فلا يجوز لأحد أن يتسلي علي شيء منه، لكن له عمارة ما حواليه من الموات، وتملكه بالإحياء بحيث لا يضر المارين. ((حس)): هذا علي معنى الإرفاق، فإن كانت السكة غير نافذة فهي مملوكة لأهلها، فلا يبنى فيها ولا تضيق ولا يفتح إليها باب إلا بإذن جماعتهم. وإن كانت نافذة فحق الممر فيها لعامة المسلمين. ويشبه أن يكون معناه إذا بني أو قعد للبيع في النافذ بحيث يبقى للمارة من عرض الطريق فلا يمنع، لأن هذا القدر يزيل ضرر المارة. وكذا في أرضي القرى التي تنزع إذا خرجوا من حدود أراضيهم إلي ساحتها، لم يمنعوا إذا تركوا للمارة سبعة أذرع. أما الطريق إلي البيوت التي يقسمونها في دار يكون منها مدخلهم، فيتقدر بمقدار لا يضيق عن مآربهم، التي لا بد لهم منها كممر السقاء والحمال ومسلك الجنازة ونحوها. أقول: معنى ظاهر الشرط أن يقال: إذا اختلفتم في الطريق فاجعلوا، فعدل إلي قوله: ((جعل)) دلالة علي التنبيه والإخبار، أي إذا اختلفتم في الطريق فاعلموا أن حكمه عند الشارع كذا فأذعنوا له. وذلك أن الجزاء مسبب علي الشرط. وهاهنا الجعل والقضاء مقدم علي الاختلاف، فوجب التأويل بالإخبار. وإلي هذا أشار الشيخ محيي الدين بقوله: وإن اختلفوا في قدره جعل سبعة أذرع، هذا مراد الحديث. الفصل الثاني: الحديث الأول عن سعيد: قوله: ((قمن أن لا يبارك)) ((مظ)): ((قمن)) أي حقيق، يعني بيع الأراضي والدور وصرف ثمنها إلي المنقولات غير مستحب؛ لأنها كثيرة المنافع قلية الآفة

стр. 1668

٢٩٦٧ - وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الجار أحق بشفعته، ينتظر لها وإن كان غائباً إذا كان طريقهما واحداً)) رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود، وابن ماجه، والدرامي. [٢٩٦٧] ٢٩٦٨ - وعن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: ((الشريك شفيع، والشفعة في كل شيء)) رواه الترمذي، قال: [٢٩٦٨] ٢٩٦٩ - وقد روي عن ابن أبي مليكة، عن النبي ﷺ مرسلاً، وهو أصح. [٢٩٦٩] ــ لا يسرقها سارق، ولا يحلقها غارة بخلاف المنقولات، فالأولي أن لا تباع، وإن باعهما فالأولي صرف ثمنهما إلي أرض أو دار. الحديث الثاني عن جابر ﵁: قوله: ((الجار أحق بشفعته)) ((حس)): هذا حديث لم يروه أحد غير عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر، وتكلم شعبة في عبد الملك من أجل هذا الحديث. وقال الشافعي: نخاف أن لا يكون محفوظاً. وقال الشيخ: احتج من يثبت الشفعة في المقسوم إذا كان الطريق مشتركاً بهذا، وبقوله: ((فإذا وقعت الحدود وصرفت الطريق)). والمراد منه الطريق في المشاع؛ فإن الطريق فيه يكون شائعاً بين الشركاء، وكل واحد يدخل من حيث يشاء، فإذا قسم العقار بينهم منع كل واحد منهم أن يتطرق شيئاً من حق صاحبه، فتصير الطريق في القسمة مصروفة. ((قض)): هذا الحديث وإن سلم عن الطعن فلا يعارض ما ذكرنا فضلا أن يرجح، ومع هذا فهؤلاء لا يقولون بما هو مقتضى هذا الحديث كما سبق. قوله: ((وإن كان غائباً)) بإثبات الواو في الترمذي وأبي داود وابن ماجه والدارمي وجامع الأصول وشرح السنة، وبإسقاطها في نسخ المصابيح والأول أوجه. الحديث الثالث عن ابن عباس ﵄: قوله: ((الشريك شفيع)) مضى بحثه في الحديث الثاني من الفصل الأول.

стр. 1669

٢٩٧٠ - وعن عبد الله بن حبيش، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من قطع سدرة صوب الله رأسه في النار)). رواه أبو داود وقال: هذا الحديث مختصر يعني: من قطع سدرة في فلاة يستظل بها ابن السبيل والبهائم غشماً وظلماً بغير حق يكو له فيها، صوب الله رأسه في النار. [٢٩٧٠] الفصل الثالث ٢٩٧١ – (١١) عن عثمان بن عفان [﵁]، قال: إذا وقعت الحدود في الأرض فلا شفعة فيها. ولا شفعة في بئر ولا فحل النخل. رواه مالك. [٢٩٧١] (١٣) باب المساقاة والمزارعة الفصل الأول ٢٩٧٢ - عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ دفع إلي يهود خيبر نخل ــ الحديث الرابع عن عبد الله: قوله: ((صوب الله)) أي أنكسه. والغشم الظلم والحرب غشوم؛ لأنها تنال غير الجإني، وجميع بن الظلم والغشم تأكيداً، وقوله: ((يكون له فيها)) صفة ((حق)) والمراد بالحق النفع؛ لأنه ربما يظلم أحد ظلما ويكون له فيه نفع، وهذا بخلافه كما قال تعالي: ﴿يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾. الفصل الثالث الحديث الأول عن عثمان ﵁: قوله: ((لا شفعة في بئر ولا فحل النخل)) لما سبق أن الشفعة لا تثبت إلا في عقار محتمل للقسمة. ((نه)): ((فحل النخل)) ذكرها تلقح منه النخل، وإنما لم تثبت فيه الشفعة؛ لأن القوم كانت لهم نخيل في حائط فيتوارثونها ويقتسمونها. ولهم فحل يلحقون منه نخيلهم، فإذا باع أحدهم نصيبه المقسوم من ذلك الحائط بحقوقه من الفحال وغيره، فلا شفعة للشركاء في الفحال لأنه لا يمكن قسمته. باب المساقاة والمزارعة الفصل الأول: المساقاة: هي أن يعامل إنسان علي شجرة ليتعهدها بالسقي والتربية، علي أن ما رزق الله تعالي من الثمرة يكون بينهما بجزء معين، وكذا المرزعة في الأراضي.

стр. 1670

خيبر وأرضها علي أن يعتملوها من أموالهم، ولرسول الله ﷺ شطر ثمرها. رواه مسلم. وفي رواية البخاري: أن رسول الله ﷺ أعطى خيبر اليهود أن يعملوها ويزرعوها ولهم شطر ما يخرج منها. ــ الحديث الأول عن عبد الله بن عمر ﵄: قوله: ((دفع إلي يهود خيبر)) ((قض)): لم أر أحداً من أهل العلم منع عن المساقاة مطلقاً غير أبي حنيفة. والدليل علي جوازها في الجملة أنه صح عن الرسول ﷺ وشاع منه، حتى تواتر أو كاد أن يتواتر أنه ساقى أهل خيبر بنخليها علي الشطر، كما دل عليه الحديث. وتأويله بأنه ﷺ إنما استعملهم في ذلك بدل الجزية، وأن الشطر الذي دفع إليهم كان منحة منه ﷺ ، ومعونة لهم علي ما كلفهم به من العمل، بعيد كما ترى. وأما المزارعة فهي أن تسلم الأرض إلي زارع ليزرعه ببذر المالك، علي أن يكو الربع بينهما مساهمة، وهي عندنا جائزة تبعاً للمساقاة إذا كان البياض خلال النخيل بحيث لا يمكن، أو يعسر إفرادها بالعمل كما في خيبر، لهذا الحديث. ولا يجوز إفرادها لما روى عن ابن عمر ﵄، أنه قال: ما كنا نرى بالمزارعة بأساً حتى سمعت رافع بن خديج يقول: إن رسول الله ﷺ نهي عنها. ومنع عنها مالك وأبو حنيفة مطلقاً. وذهب أكثر أهل العلم من الصحابة كعمر وعلي وابن عباس وابن مسعود وسعد بن مالك ﵃، ومن التابعين كابن المسيب والقاسم بن محمد ومحمد بن سيرين وطاووس، وغيرهم كالزهري وعمر بن عبد العزيز وابن أبي ليلي وأحمد وإسحاق وأبي يوسف ومحمد بن الحسن إلي جوازها مطلقاً؛ لظاهر هذا الحديث. ويؤيده القياس علي المساقاة والمضاربة. ((مح)): في الأحاديث جواز المساقاة، وعليه جماهير العلماء من المحدثين والفقهاء إلا أبا حنيفة، وتأول الأحاديث بأن خيبر فتحت عنوة، فكان أهلها عبيداً له ﷺ فما أخذه فهو له. واحتج الجمهور بقوله: ((علي أن يعتملوها من أموالهم)) وبقوله: ((أقركم ما أقركم الله عليه)) وهذا صريح في أنهم لم يكونوا عبيداً. وقد اختلفوا في خيبر هل فتحت عنوة أو صلحاً أو بجلاء أهلها عنها بغير قتال، أو بعضها صلحاً وبعضها عنوة وبعضها بجلاء أهلها وبعضها عنوة، وهذا أصح الأقوال. وقال: ذهب الشافعي وموافقوه إلي جواز المزارعة إذا كانت تبعاً للمساقاة، ولا يجوز إذا كانت منفردة كما جرى في خيبر. وقال مالك: لا تجوز المزارعة منفردة ولا تبعاً إلا ما كان من الأرض بين الشجر.

стр. 1671

٢٩٧٣ - وعنه، قال: كنا نخابر ولا نرى بذلك بأساً حتى زعم رافع بن خديج أن النبي ﷺ نهي عنها فتركناها من أجل ذلك. رواه مسلم. ٢٩٧٤ - وعن حنظلة بن قيس، عن رافع بن خديج، قال: أخبرني عماي أنهم كانوا يكرون الأرض علي عهد النبي ﷺ بما ينبت علي الأربعاء أو شيء يستثنيه صاحب الأرض، فنهانا النبي ﷺ عن ذلك. فقلت لرافع: فكيف هي بالدراهم والدنإنير؟ فقال: ليس بها بأس، وكأن الذي نهي عن ذلك ما لو نظر فيه ذوو الفهم بالحلال والحرام لم يجيزوه لما فيه من المخاطرة. متفق عليه. ــ وذهب أبو حنيفة وزفر إلي أن المزارعة والمساقاة فاسدتان مطلقاً، وذهب أكثرهم إلي جواز المساقاة والمزارعة مجتمعتين ومنفردتين. قال الشيخ محيي الدين: هذا هو الظاهر المختار لحديث خيبر، ولا تقبل دعوى كون المزارعة في خيبر إنما جاءت تبعاً للمساقاة، بل جاءت مستقلة، ولأن المعنى المجوز للمساقاة موجود في المزارعة، وقياساً علي القراض فإنه جائز بالإجماع، وهو كالمزارعة في كل شيء؛ ولأن المسلمين في جميع الأمصار والأعصار مستمرون علي العمل بالمزارعة. وأما الأحاديث السابقة في النهي عن المخابرة فأجيب عنها، وأنها محمولة علي ما إذا اشترطا لكل واحد قطعة معينة من الأرض. وقد صنف ابن خزيمة كتاباً في جواز المزارعة واستقصى فيه وأجاد، وأجاب عن أحاديث النبي ﷺ . انتهي كلامه. والظاهر من كلام محيي السنة في شرح السنة أنه مائل إلي جواز المزارعة مطلقاً. الحديث الثاني عن عبد الله: قوله: ((كنا نخابر)) ((حس)): لا تجوز المخابرة لأنها ليست في معنى المساقاة؛ لأن البذر في المخابرة يكون من جهة العامل، فالمزارعة اكتراء العامل ببعض ما يخرج من الأرض، والمخابرة اكتراء العامل الأرض ببعض ما يخرج منها. وذهب الأكثرون إلي جواز المزارعة كما سبق. الحديث الثالث عن حنظلة: قوله: ((علي الأربعاء)) الأربعاء جمع ربيع وهو النهر الصغير الذي يسقي المزارع، يقال: ربيع وأربعاء وأربعة كنصيب وأنصباء وأنصبه. ((قض)): معنى الحديث أنهم كانوا يكرون الأرض علي أن يزرعه العامل ببذره، ويكون ما ينبت علي أطراف الجداول والسواقي للمكري أجرة لأرضه، وما عدا ذلك يكون للمكتري في مقابلة بذره وعمله، أو ما ينبت في هذه القطعة بعينها فهو للمكري، وما ينبت في غيرها فهو للمكتري، ونهي النبي ﷺ عن ذلك، ولعل المقتضى للنهي ما فيه من الخطر والغرر؛ إذا ربما تنبت القطعة المسماة

стр. 1672

٢٩٧٥ - وعن رافع بن خديج، قال: كنا أكثر أهل المدينة حقلاً، وكان أحدنا يكري أرضه، فيقول: هذه القطعة لي، وهذه لك. فربما أخرجت ذه، ولم تخرج ذه. فنهاهم النبي ﷺ . متفق عليه. ٢٩٧٦ - وعن عمرو، قال: قلت لطاووس: لو تركت المخابرة فإنهم يزعمون أن النبي ﷺ نهي عنه. قال: أي عمرو! إني أعطيهم وأعينهم، وإن أعلمهم أخبرني ــ لأحدهما دون الأخرى، فيفوز صاحبها بكل ما حصل ويضيع حق الآخر بالكلية، فيكون كما لو شرط ثمار بعض النخيل لنفسه وبعضها للعامل في المساقاة. وإلي هذا أشير بما ذكر في آخر الحديث، وهو قوله: ((وكأن الذي نهي عن ذلك ما لو نظر فيه ذوو الفهم بالحلال والحرام لم يجيزوه؛ لما فيه من المخاطرة))، والظاهر من سياق الكلام أنه من كلام رافع. ((تو)): هذه زيادة علي حديث رافع بن خديج أدرجت في حديثه؛ وعلي هذا السياق رواه البخاري، ولم يتبين لي أنها من قول بعض الرواة أم من قول البخاري. أقول: اسم ((كأن)) الموصول مع الصلة، وخبره الموصول الثاني، والواو حال من خبر ((ليس))، فإن رافعاً لما استفتى عن الاكتراء بالدراهم ولم يكن له نص فيه، ولم ير العلة فيها جامعة ليقاس بها بين بقوله: وكان الذي نهي إلي آخره، ولو ذهب إلي أنه من كلام البخاري لم يرتبط؛ ومن ثمة قال القاضي: والظاهر من سياق الكلام أنه من كلام رافع، ويؤيده الحديث الثاني: ((فربما أخرجت ذه ولم تخرج ذه، فنهاهم النبي ﷺ ). قوله: ((ذوو الفهم)) الرواية بواو واحدة كذا في نسخ المصابيح. وقال الشيخ التوربشتي: ((ذوو الفهم)) ذوو بواوين أريد بها الجمع. أقول: والذي حمله علي ذلك قوله: لم يجيزوه. ويمكن أن يقال: إن ((ذو الفهم)) باعتبار الجنسية فيه عموم فيجوز جمع الضمير في ((لم يجيزوه)). الحديث الرابع عن رافع: قوله: ((حقلاًً)) المغرب: الحقل الزرع وقد أحقل إذا طلع رأسه وبنت، والمحاقلة بيع الطعام في سنبله بالبر. وقيل: اشتراء الزرع بالحنطة. وقيل: المزارعة بالثلث والربع وغيرهما. وقيل: كراء الأرض بالحنطة. قوله: ((ذه)) إشارة إلي القطعة من الأرض، وهي من الأسماء المبهمة التي يشار بها إلي المؤنث، يقال: ذي وذه، والهاء ساكنة؛ لأنها للوقف، هذا قول رافع بياناً لعدم الجواز؛ لحصول المخاطرة المنهي عنها، يعني فربما تخرج هذه القطعة المستثناة، ولم يخرج سواها أو بالعكس، فيفوز صاحب هذه بكل ما حصل ويضيع حق الآخر بالكلية. الحديث الخامس عن عمرو: قوله: ((نهي عنه)) الضمير راجع إلي المخابرة علي تأويل الزرع

стр. 1673

- يعني ابن عباس – أن النبي ﷺ لم ينه عنه؛ ولكن قال: ((أن يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ عليه خرجاً معلوماً)) متفق عليه. ٢٩٧٧ - وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من كانت له أرض فليزرعها، أو ليمنحها أخاه، فإن أبي فليمسك أرضه)) متفق عليه. ــ في أرض غيره، وفي ((أعلمهم)) إلي ما يرجع إليه الضمير في ((يزعمون)) وهم جماعة ذهبوا إلي خلاف ما ذهب إليه طاووس من فعل المخابرة؛ ولذلك أتى بلفظ الزعم، و ((لو)) يجوز أن تكون امتناعية، وجوابها محذوف أي لكان خيراً، وأن تكون للتمني. ((تو)): أحاديث المزارعة التي أوردها المؤلف وما ثبت منها في كتب الحديث في ظواهرها تباين واختلاف، وجملة القول في الوجه الجامع بينها أن يقال: إن رافع بن خديج سمع أحاديث في النهي وعللها متنوعة، فنظم سائرها في سلك واحد؛ ولهذا مرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ ، ومرة يقول: حدثني عمومتي، وأخرى: أخبرني عماي. والعلة في بعض تلك الأحاديث أنهم كانوا يشترطون فيها شروطاً فاسدة، ويتعاملون علي أجرة غير معلومة فنهوا عنها، وفي البعض أنهم كانوا يتنازعون في كراء الأرض حتى أفضى بهم إلي التقاتل، فقال النبي ﷺ : ((إن كان هذا شأنكم فلا تكروا المزارع)) وقد بين ذلك زيد بن ثابت في حديثه، وفي البعض أنه كره أن يأخذ المسلم خرجاً معلوماً من أخيه علي الأرض، ثم تمسك السماء قطرها أو تخلف ريعها، فيذهب ماله بغير شيء، فيتولد منه التنافر والبغضاء. وقد تبين لنا ذلك من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ لم ينه عنه، ولكن قال .. الحديث إلي آخره. ومن حديث جابر قال النبي ﷺ : ((من كانت له أرض فليزرعها)) الحديث. وذلك من طريق المروءة والمواساة، وفي البعض أنه كره لهم الافتنان بالحراثة والحرص عليها والتفرغ لها، فتقعد بهم عن الجهاد في سبيل الله ويفوتهم الحظ علي الغنيمة والفيء، ويدل عليه حديث أبي أمامة. أقول: وعلي هذا المعنى يجب أن يحمل الاضطراب المروي في شرح السنة عن الإمام أحمد أنه قال: لما في حديث رافع بن خديج من الاضطراب، مرة يقول: سمعت رسول الله، ومرة يقول: حدثني عمومتي، لا علي الاضطراب المصطلح عند أهل الحديث؛ فإنه نوع من أنواع الضعف، وجل جناب الشيخين أن يوردا في كتابيهما من هذا النوع شيئاً. الحديث السادس عن جابر ﵁: قوله: ((فليزرعها)) ((مظ)): يعني ينبغي أن يحصل للإنسان نفع من ماله، فمن كانت له أرض فليزرعها حتى يحصل له نفع منه، أو ليعطها أخاه ليحصل له ثواب، فإن لم يفعل هذين الشيئين فليمسك أرضه، وهذا توبيخ لمن له مال ولم

стр. 1674

٢٩٧٨ - وعن أبي أمامة، ورأي سكة وشيئاً من آلة الحرث، فقال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((لا يدخل هذا بيت قوم إلا أدخله الذل)) رواه البخاري. الفصل الثاني ٢٩٧٩ - عن رافع بن خديج، عن النبي ﷺ ، قال: ((من زرع في أرض قوم بغير إذنهم، فليس له من الزرع شيء، وله نفقته)) رواه الترمذي، وأبو داود، وقال الترمذي: هذا حديث غريب. [٢٩٧٩] ــ يحصل له منه نفع. أقول: بل هو توبيخ علي العدول عن هذين الأمرين إلي الثالث من المخابرة والمزارعة ونحوهما. ((مح)): إن الشافعي ﵁ وموافقيه جوزوا الإجارة بالذهب والفضة ونحوهما، وتأولوا أحاديث النهي تأويلين، أحدهما: إجارتها بما يزرع علي الماذيانات والماذيانات – بذال معجمة مكسورة، ثم ياء مثناة تحت، ثم ألف ثم نون ثم ألف ثم تاء مثناة فوق – هي مسايل الماء. وقيل: ما ينبت علي حافتي المسيل والسواقي وهي معربة. الحديث السابع عن أبي أمامة ﵁: قوله: ((ورأي سكة)) ((تو)): السكة الحديدة التي تحرث بها الأرض، وإنما جعل آلة الحرث مظنة للذل؛ لأن أصحابها يختارون ذلك، إما لجبن في النفس، أو قصور في الهمة، ثم إن أكثرهم ملزمون بالحقوق السلطإنية في أرض الخراج، ولو آثروا الجهاد لدرت عليهم الأرزاق، واتسعت عليهم المذاهب، وجبى لهم الأموال مكان ما يجبى عنهم. قيل: وقريب من المعنى قوله: ((العز في نواصي الخيل، والذل في أذناب البقر)). الفصل الثاني الحديث الأول عن رافع: قوله: ((وله نفقته)) ((مظ)): أي ما حصل من الزرع يكون لصاحب الأرض، وليس لصاحب البذر إلا بذره؛ وبهذا قال أحمد، وأما غيره فقال: ما حصل من الزرع فهو لصاحب البذر وعليه أجرة الأرض من يوم غضبها إلي يوم التفريغ. ((حس)): وهذا حديث ضعفه بعض أهل العلم، ويحكى عن أحمد أنه قال: زاد أبو إسحاق: ((بغير إذنهم))، ولم يذكر غيره هذا الحرف، وأبو إسحاق هو الذي رواه عن رافع بن خديج، وقال أحمد: إذا زرع الزرع فهو لصاحب الأرض وللزارع الأجرة.

стр. 1675

الفصل الثالث ٢٩٨٠ - عن قيس بن مسلم، عن أبي جعفر، قال: ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا يزرعون علي الثلث والربع. وزارع علي، وسعد بن مالك، وعبد الله بن مسعود، وعمر بن عبد العزيز، والقاسم، وعروة، وآل أبي بكر، وآل عمر، وآل علي، وابن سيرين. وقال عبد الرحمن بن الأسود: كنت أشارك عبد الرحمن بن يزيد في الزرع. وعامل عمر الناس علي: إن جاء عمر بالبذر من عنده؛ فله الشطر، وإن جاءوا بالبذر؛ فلهم كذا. رواه البخاري. (١٤) باب الإجارة الفصل الأول ٢٩٨١ – * عن عبد الله بن مغفل، قال: زعم ثابت بن الضحاك أن رسول الله ﷺ نهي عن المزارعة، وأمر بالمؤاجرة، وقال: ((لا بأس بها)) رواه مسلم. ٢٩٨٢ - وعن ابن عباس: أن النبي ﷺ احتجم، فأعطى الحجام أجره واستعط. متفق عليه. الفصل الثالث الحديث الأول عن قيس: قوله: ((ما بالمدينة أهل بيت هجرة)) الحديث شرحه مضى في الحديث الأول من الباب، واختاره الشيخ محيي الدين وذكر الترجيح. وقوله: ((علي: إن جاء)) حال من فاعل عامل، والجملة الشرطية مجرورة المحل علي الحكاية، أي عاملهم بناء علي هذا الشرط. باب الإجارة المغرب: الإجارة تمليك المنافع بعوض شرعاً، وفي اللغة اسم للأجرة وهي كراء الأجير، وقد آجره إذا أعطاه أجرته. الفصل الأول الحديث الأول عن عبد الله: قوله: ((نهي عن المزارعة وأمر بالمؤاجرة)) التعريف فيهما للعهد، فالمعني بالمزارعة ما علم عدم جوازه، وبالمؤاجرة عكس ذلك. الحديث الثاني عن ابن عباس ﵄: قوله: ((واستعط)) السعوط – بالفتح – الدواء

стр. 1676

٢٩٨٣ - وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: ((ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم)). فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: ((نعم، كنت أرعى علي قراريط لأهل مكة)) رواه البخاري. ٢٩٨٤ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((قال الله تعالي: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفي منه ولم يعطه أجره)) رواه البخاري. ــ يصب في الأنف، يقال: أسعطت الرجل واستعط هو بنفسه، ولا يقال: استعط مبنياً علي المفعول، وفيه صحة الاستئجار وجواز المداواة. الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((أرعى علي قراريط)) ((تو)): القيراط قد ذكر في باب الجنائز، وإنما ذكر هنا القراريط لأنه أراد بها قسط الشهر من أجرة الرعية، والظاهر أن ذلك لم يكن يبلغ الدينار، أو لم ير أن يذكر مقدارها استهانة بالحظوظ العاجلة؛ أو لأنه نسى الكمية فيها، وعلي الأحوال فإنه قال هذا القول تواضعاً لله تعالي، وتصريحاً بمنته عليه. ((مظ)): علة رعيهم الغنم، أنهم إذا خالطوا الغنم زاد لهم الحلم والشفقة، فإنهم إذا صبروا علي مشقة الرعي، ودفعوا عنها السبع الضارية واليد الخاطفة، وعلموا اختلاف طباعها. وعلي جمعها بعد تفرقها في المرعى والمشرب، وعرفوا ضعفها واحتياجها إلي النقل من مرعى إلي مرعى ومن مسرح إلي مراح، وعرفوا أن مخالطة الناس مع اختلاف أصنافهم وطباعهم، وقلة عقول بعضهم ورزانتها فصبروا علي لحوق المشقة من الأمة إليهم، فلا تنفر طباعهم ولا تمل نفوسهم من دعوتهم إلي الدين؛ لاعتيادهم الضرر والمشقة، وعلي هذا شأن السلطان مع الرعية. الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((أنا خصمهم)) ((قض)): الخصم مصدر خصمته أخصمه، نعت به للمبالغة. كالعدل والصوم. وقوله: ((أعطى بي)) أي عهد باسمي وحلف بي، أو أعطى الأمان باسمي أو بما شرعته من ديني. وقوله: ((فاستوفي منه)) أي عمله وما استأجره لأجله. أقول: قوله: ((أعطى)) يقتضى مفعولا به، وقوله: ((غدر)) قرينة لخصوصيته بالعهد، وقوله: ((بي)) حال أي موثقاً بي؛ لأن العهد مما يوثق بالإيمان بالله، قال الله تعالي: ﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ

стр. 1677

٢٩٨٥ - وعن ابن عباس: أن نفراً من أصحاب النبي ﷺ مروا بماء، فيهم لديغ – أو سليم – فعرض لهم رجل من أهل الماء، فقال: هل فيكم من راق؟ إن في الماء لديغاً – أو سليماً – فانطلق رجل منهم، فقرأ بفاتحة الكتاب علي شاء فبرئ، فجاء بالشاء إلي أصحابه، فكرهوا ذلك، وقالوا: أخذت علي كتاب الله أجراً؛ حتى قدموا المدينة، فقالوا: يا رسول الله! أخذ علي كتاب الله أجراً. فقال رسول الله ﷺ : ((إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله)). رواه البخاري. وفي رواية: ((أصبتم، اقسموا، واضربوا لي معكم سهماً)). ــ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾. وقوله: ((فأكل ثمنه))، وكذا قوله: ((فاستوفي منه)) أي فاستوفي منه ما أراد من العمل لم يؤت بهما إلا لمزيد التوبيخ والتقريع وتهجيناً للأمر. الحديث الخامس عن ابن عباس ﵄: قوله: ((مروا بماء)) ((قض)): يريد بالماء أهل الماء يعني الحي النازلين عليه، والضمير للمضاف المحذوف، واللديغ الملدوغ، وأكثر ما يستعمل فيمن لدغه العقرب، والسليم فيمن لسعته الحية تفاؤلاً. والمقصود من الحديث في هذا الباب، أنهم قرأوا الفاتحة علي شاء، فإنه يدل علي جواز الاستئجار لقراءة القرآن والرقية به، وجواز أخذ الأجرة عليه، ومنه يعلم إباحة أجرة الطبيب والمعالج. وقوله ﷺ في آخر هذا الحديث: ((إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله)) دليل علي جواز أخذ الأجرة علي تعليم القرآن. وذهب قوم إلي تحريمه، وهو قول الزهري وأبي حنيفة وإسحاق، واحتجوا بما روي عن عبادة بن الصامت أنه قال: قلت: يا رسول الله! رجل أهدى إلي قوساً ممن كنت أعلمه الكتاب والقرآن، وليست بمال، فأرمى عليها في سبيل الله؟ قال: ((إن كنت تحب أن تطوق طوقاً من نار فاقبلها)) وأول بأنه كان متبرعاً بالتعليم ناوياً للاحتساب فيه، فكره رسول الله ﷺ أن يضيع أجره ويبطل حسنته بما يأخذه هدية فحذره منه، وذلك لا يمنع أن يقصد به الأجرة ابتداء ويشترط عليه، كما أن من مرد ضالة إنسان احتساباً، لم يكن له أن يأخذ عليه أجراً، ولو شرط عليه أول الأمر أجراً جاز. قوله: ((حتى قدموا المدينة)) متعلق بقوله: ((قالوا: أخذت علي كتاب الله)) معناه لم يزالوا ينكرون عليه في الطريق حتى قدموا المدينة، فقالوا: يا رسول الله، فالغاية أيضاً داخلة في المغيا؛ كما في مسألة السمكة. ((حس)): في الحديث دليل علي جواز الرقية بالقرآن وبذكر الله، وأخذ الأجرة عليه؛ لأن القراءة والنفث من الأفعال المباحة، وبه تمسك من رخص بيع

стр. 1678

الفصل الثاني ٢٩٨٦ - عن خارجة بن الصلت، عن عمه، قال: أقبلنا من عند رسول الله ﷺ ، فأتينا علي حي من العرب. فقالوا: إنا أنبئنا أنكم قد جئتم من عند هذا الرجل بخير، فهل عندكم من دواء أو رقية؟ فإن عندنا معتوهاً في القيود. فقلنا: نعم. فجاءوا بمعتوه في القيود، فقرأت عليه بفاتحة الكتاب ثلاثة أيام غدوة وعشية أجمع بزاقي ثم أتفل. قال: فكأنما أنشط من عقال، فأعطوني جعلاً، فقلت: لا، حتى أسال النبي ﷺ . فقال: ((كل، فلعمري؛ لمن أكل برقية باطل، لقد أكلت برقية حق)). رواه أحمد وأبو داود. [٢٩٨٦] ــ المصاحف وشراءها، وأخذ الأجرة علي كتابتها، وبه قال الحسن والشعبي وعكرمة، وإليه ذهب سفيان ومالك والشافعي وأصحاب أبي حنيفة. قوله: ((واضربوا لي معكم)) أي اجعلوا لي نصيباً منها، ((مح)): هو من باب المروءات والتبرعات ومواساة الأصحاب والرفاق، وإلا فجميع الشاة ملك للراقي، قاله تطيباً لقلوبهم، ومبالغة في تعريفهم أنه حلال مباح لا شبهة فيه. الفصل الثاني الحديث الأول عن خارجة قوله: ((معتوها)) ((المغرب)): هو الناقص العقل. وقيل: المدهوش من غير جنون، وقد عته عتهاً وعتاهة وعتاهية. ((نه)): هو المجنون المصاب بعقله. قوله: ((فكأنما أنشط)) ((تو)): أي أحل، يقال: نشطت الحبل أنشطه نشطاً عقدته، وأنشطته أي حللته، وهذا القول أعنى ((أنشط من عقال)) يستعملونه في خلاص الموثوق وزوال المكروه في أدنى ساعة. أقول: الكلام فيه التشبيه، شبه سرعة برئه من الجنون بواسطة قراءة الفاتحة، وتفله بجمل معقول حل من عقاله، فتراه سريع النهوض. قوله: ((فلعمري)) ((مظ)): هو – بفتح العين وضمها – أي حياتي، واللام فيه للتأكيد، ولا يستعمل في القسم إلا مفتوح العين، واللام في ((لمن أكل)) جواب القسم، يعني من الناس من يرقي رقية باطل ويأخذ عليها عوضاً، أما أنت فقد رقيت رقية حق. فإن قيل: كيف أقسم بغير اسم الله وصفاته؟ قلنا: ليس المراد به القسم، بل جرى هذا اللفظ في كلامه علي رسمهم. أقول: لعله ﷺ كان مأذوناً بهذا الإقسام، وأنه من خصائصه؛ لقوله تعالي: ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهُمْ

стр. 1679

٢٩٨٧ - وعن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه)) رواه ابن ماجه. [٢٩٨٧] ٢٩٨٨ - وعن الحسين بن علي، ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : ((للسائل حق وإن جاء علي فرس)) رواه أحمد، وأبو داود. وفي ((المصابيح)): مرسل. [٢٩٨٨] ــ لَفِي سَكْرَتِهِمْ﴾ قيل: أقسم الله تعالي بحياته، وما أقسم بحياة أحد قط كرامة له، و ((من)) في ((لمن أكل)) شرطية واللام موطئة للقسم، والثانية جواب للقسم ساد مسد الجزاء، أي لعمري لئن كان ناس يأكلون برقية باطل؛ لإنكم أكلتم برقية حق، والفاء في قوله: ((فقال)) عطف علي محذوف، أي ذهبت إلي رسول الله ﷺ فأخبرته الخبر وسألته، فقال: ((كل)) وإنما أتى بالماضي في قوله: ((أكلت)) بعد قوله: ((كل)) دلالة علي استحقاقه له، وأنه حق ثابت وأجرة صحيحة. الحديث الثاني والثالث عن الحسين بن علي ﵄: قوله: ((وإن جاء علي فرس)) ((قض)): لا ترد السائل وإن جاءك علي حال يدل علي غناه، وأحسب أنه لو لم يكن له خلة دعته إلي السؤال لما بذل لك وجهه. وقيل؛ معناه لا ترده وإن جاءك علي فرس يلتمس منك طعامه، وعلف دابته. قوله: و ((في المصابيح مرسل)) ((تو)): وصف هذا الحديث في المصابيح بالإرسال، فلا أدري أثبت ذلك في الأصل أم هو شيء ألحق به، وقد وجدته مسنداً إلي ابن عمر ﵁، وقد أورد بقية الحديث بمعناه أبو داود في كتابه بإسناد له عن الحسين بن علي ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((للسائل حق)). أقول: الخبط لازم؛ لأن كلا من الحديثين متصل مستقل وقد جعلهما في المصابيح حديثاً واحداً مرسلاً، وعلي استقلالهما لا يدخل الحديث الثاني في الباب، ويمكن أن يقال علي طريق التنزل وثبوت الإرسال من صاحب المصابيح أن يروى علي طريق آخر مرسلاً علي أنهما حديث واحد.

стр. 1680

الفصل الثالث ٢٩٨٩ – عن عتبة بن المنذر، قال: كنا عند رسول الله ﷺ ، فقرأ: (طسم) حتى بلغ قصة موسى، قال: ((إن موسى ﵇ آجر نفسه ثمان سنين، أو عشراً علي عفة فرجه وطعام بطنه)) رواه أحمد، وابن ماجه. [٢٩٨٩] ٢٩٩٠ - وعن عبادة بن الصامت، قال: قلت: يا رسول الله! رجل أهدى إلي قوساً، ممن كنت أعلمه الكتاب والقرآن، وليست بمال، فأرمي عليها في سبيل الله؟ قال: ((إن كنت تحب أن تطوق طوقاً من نار فاقبلها)) رواه أبو داود، وابن ماجه. [٢٩٩٠] ــ الفصل الثالث الحديث الأول عن عتبة: قوله: ((عفة فرجه)) كنى به عن النكاح تأديباً، وأنه مما ينبغي أن يعد مالا لاكتساب العفة به، وفيه خلاف، قال أصحاب أبي حنيفة: لا يجوز تزويج امرأة بأن يخدمها سنة، وجوز أن يتزوجها بأن يخدمها عبده سنة، وقالوا: لعل ذلك كان جائزاً في تلك الشريعة. ويجوز أن يكون المهر شيئاً آخر، وإنما أراد أن يكون راعى غنمة هذه المدة. وأما الشافعي فقد جوز التزوج علي الإجارة لبعض الأعمال والخدمة، إذا كان المستأجر له أو المخدوم فيه أمراً معلوماً. الحديث الثاني عن عبادة: قوله: ((وليست بمال)) حال، ولا يجوز أن يكون من ((قوساً))؛ لأنها نكرة صرفة فيكون حالا من فاعل ((أهدى))، أو من ضمير المتكلم، يريد أن القوس لم يعهد في المتعارف أن تعد من الأجرة، أو ليست بمال أقتنيه للبيع، بل هي عدة أرمي عليها في سبيل الله، ووجهه أن عبادة لم ير أخذ الأجرة لتعليم القرآن فاستفتى، أي هذا الذي أفعله أهو من أخذ الأجرة لأنتهي عنه، أو أنه مما لا بأس به فآخذه؟. فأجابه رسول الله ﷺ إنه ليس من الأجرة في شيء لتأخذه حقا لك، بل هو مما يبطل إخلاصك الذي نويته في التعليم فأنته عنه، وقد سبق تمام تقريره في حديث ابن عباس ﵄، وجوابه ﷺ نوع من الأسلوب الحكيم؛ لأنه تحليل ما حرمه عبادة، وتحريم ما حلله.

стр. 1681

(١٥) باب إحياء الموات والشرب الفصل الأول ٢٩٩١ - عن عائشة [﵂]، عن النبي ﷺ ، قال: ((من عمر أرضاً ليست لأحد؛ فهو أحق)). قال عروة: قضى به عمر في خلافته. رواه البخاري. ٢٩٩٢ - وعن ابن عباس: أن الصعب بن جثامة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا حمى إلا لله ورسوله)) رواه البخاري. ــ باب إحياء الموات والشرب المغرب: الموات الأرض الخراب، وخلافه العامر، وعن الطحاوي: هو ما ليس بملك لأحد، ولا هي من مرافق البلد، وكانت خارجة البلد سواء قربت منه أو بعدت. والشرب بالكسر النصيب من الماء، وفي الشريعة عبارة عن نوبة الانتفاع بالماء سقياً للمزارع أو الدواب. الفصل الأول الحديث الأول عن عائشة ﵂: قوله: ((من عمر)) ((تو)): وفي بعض نسخ المصابيح ((أعمر)) بزيادة الألف وليس بشيء. ((قض)): وقد زيف ما في المصابيح بأن أعمرت الأرض معناه وجدتها عامرة، وما جاء بمعنى عمر، وجوابه أنه قد جاء أعمر الله بك منزلك، بمعنى عمر، وذلك كاف في جواز استعمال أعمرت الأرض بمعنى عمرتها؛ إذ الأصل في الاستعمال الحقيقة، وفي الحقائق أطرادها، ((شف)): ليس كما قال، فإن الجوهري بعد أن ذكر أعمر الله بك منزلك، وعمر الله بك، ذكر أنه لا يقال: أعمر الرجل منزله بالألف راويا عن أبي زيد. ((قض)): منطوق الحديث يدل علي أن العمارة كافية في التمليك لا تفتقر إلي إذن السلطان، ومفهومه دليل علي أن مجرد التحجر والإعلام لا يملك بل لابد من العمارة، وهي تختلف باختلاف المقاصد. الحديث الثاني عن ابن عباس ﵄: قوله: ((لا حمى إلا الله)) ((قض)): كانت رؤساء الأحياء في الجاهلية يحمون المكان الخصيب لخيلهم وإبلهم وسائر مواشيهم، فأبطله الرسول ﷺ ، ومنع أن يحمى إلا لله ولرسوله، ((حس)): كان ذلك جائزاً لرسول الله ﷺ لخاصة نفسه، لكنه لم يفعله، وإنما حمى البقيع لمصالح المسلمين، وللخيل المعدة في سبيل الله. قال الشافعي: وإنما لم يجز في بلد لم يكن واسعاً فيضيق علي أهل المواشي، ولا يجوز لأحد من الأئمة بعده ﷺ أن يحمي لخاصة نفسه. واختلفوا في أنه هل يحمي للمصالح؟. منهم من لم يجوز للحديث، ومنهم من جوزه علي نحو ما حمى رسول الله ﷺ لمصالح المسلمين بحيث لا يتبين ضرره.

стр. 1682

٢٩٩٣ - وعن عروة، قال: خاصم الزبير رجلاً من الأنصار في شراج من الحرة. فقال النبي ﷺ : ((اسق يا زبير! ثم أرسل الماء إلي جارك)). فقال الأنصاري: أن كل ابن عمتك؟ فتلون وجهه، ثم قال: ((اسق يا زبير! ثم احبس الماء حتى يرجع إلي الجدر، ثم أرسل الماء إلي جارك)). فاستوعى النبي ﷺ للزبير حقه في صريح الحكم حين أحفظه الأنصاري، وكان أشار عليهما بأمر لهما فيه سعة. متفق عليه. ــ الحديث الثالث عن عروة: قوله: ((في شراج من الحرة)) ((مح)): هو – بكسر الشين المعجمة وبالجيم – مسايل الماء، واحدها شرجة. والحرة هي الأرض ذات الحجارة السود. و ((أن كان ابن عمتك)) بفتح الهمزة. ((قض)): وهو مقدر بأن أو لأن، وحرف الجر يحذف معها للتخفيف كثيراً، فإن ((أن)) فيها مع صلتها طولا. ومعناه: هذا التقديم والترجيح، لأنه ابن عمتك أو بسببه، نحوه قوله تعالي: ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وبَنِينَ﴾ أي لا تطعه مع هذه المثالب لأن كان ذا مال. ولهذا المقال نسب الرجل إلي النفاق. ((تو)): وقد اجترأ جمع من المفسرين بنسبة الرجل تارة إلي النفاق، وأخرى إلي اليهودية، وكلا القولين زائغ عن الحق؛ إذ قد صح أنه كان أنصارياً، ولم يكن الأنصار من جملة اليهود، ولو كان مغموصا عليه في دينه لم يصفوه بهذا الوصف، فإنه وصف مدح، والأنصار وإن وجد فيهم من يرمي بالنفاق، فإن القرن الأول والسلف بعدهم تحرجوا واحترزوا أن يطلقوا علي من ذكر بالنفاق واشتهر به الأنصاري، والأولي بالشحيح بدينه أن يقول: هذا قول أزله الشيطان فيه بتمكنه عند الغضب، وغير مستبدع من الصفات البشرية الابتلاء بأمثال ذلك. ((مح)): قال القاضي عياض: حكي الداودي أن هذا الرجل كان منافقاً. وقوله في الحديث: ((إنه أنصاري)) لا يخالف هذا؛ لأن يكون من قبيلتهم لا من الأنصار المسلمين. وأما قوله في آخر الحديث: ((فقال الزبير: والله إني لأحسب هذه الآية نزلت فيه: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ الآية. فلهذا قالت طائفة في سبب نزولها قال الشيخ محيي الدين: قالوا: لو صدر مثل هذا الكلام من إنسان كان كافراً جرت علي قائله أحكام المرتدين من القتل. وأجابوا إنما تركه النبي ﷺ لأنه كان في أول الإسلام يتألف الناس، ويدفع بالتي هي أحسن، ويصبر علي أذى المنافقين، ويقول: ((لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه)). قوله: ((تلون وجهه)) أي تغير من الغضب لانتهاك النبوة وقبح كلام هذا الإنسان، والجدر – بفتح الجيم وكسرها، وبالدال المهملة – الجدار، والمراد بالجدر أصل الحائط، وقدره العلماء أن يرتفع الماء في الأرض كلها حتى يبلغ كعب رجل الإنسان.

стр. 1683

٢٩٩٤ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تمنعوا فضل الماء، لتمنعوا به فضل الكلأ)) متفق عليه. ٢٩٩٥ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم: رجل حلف علي سلعة لقد أعطي بها أكثر مما أعطي وهو كاذب، ورجل حلف علي يمين كاذبة بعد العصر ليقتطع بها مال رجل مسلم، ورجل منع فضل ماء. فيقول الله: اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ماء لم تعمل يداك)) متفق عليه. وذكر حديث جابر في ((باب المنهي عنها من البيوع)). ــ ((حس)): قوله ﷺ أولا ((اسق يا زبير ثم أرسل إلي جارك)) كان أمراً للزبير بالمعروف، وأخذاً بالمسامحة وحسن الجوار بترك بعض حقه، دون أن يكون حكما منه، فلما رأي الأنصاري يجهل موضع حقه أمر ﷺ الزبير باستيفاء تمام حقه. وفيه دليل علي أنه يجوز العفو عن التعزير، حيث لم يعزر الأنصاري الذي تكلم بما أغضب النبي ﷺ ، وقيل: كان قوله الآخر عقوبة في ماله، وكانت العقوبة إذ ذاك يقع بعضها في الأموال، والأول أصح. وفيه أنه ﷺ حكم علي الأنصاري في حال غضبه مع نهيه الحاكم أن يحكم وهو غضبان. وذلك لأنه كان معصوماً من أن يقول في السخط والرضا إلا حقا. وفي الحديث أن مياه الأودية والعيون التي لا تملك منابعها ومجاريها علي الإباحة، والناس فيها شرع وسواء، وأن من سبق إلي شيء منها كان أحق به من غيره، وأن أهل الشرب الأعلي مقدمون علي من أسفل منهم، لسبقهم إليه، وليس له حبسه ممن هو أسفل منه بعد ما أخذ منه حاجته. وقوله: ((فاستوعى)) أي استوفاه، مأخوذ من الوعاء الذي تجمع فيه الأشياء كأنه جمعه في وعائه. قوله: ((حين أحفظه)) ((تو)): أي أغضبه، يقال: أحفظته فاحتفظ أي أغضبته فغضب، والحفيظة الغضب والحمية، وكذلك الحفظة بالكسر. الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لا تمنعوا)) مضى شرحه في الفصل الأول من الباب المنهي عنه في البيوع. الحديث الخامس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لقد أعطى بها أكثر مما أعطى)) كلا الفعلين علي بناء المفعول، هذا معنى ما حلف به الرجل، ولو حكى قوله لقيل: لقد أعطيت بها أكثر مما أعطيته، علي أن الأول بناء للمفعول والثاني للفاعل، أي طلب مني هذا المتاع قبيل هذا بأزيد مما طلبته. وقوله: ((بعد العصر)) إنما خص به لأن الإيمان المغلظة تقع فيه. وقوله: ((لم تعمل يداك)) صفة ((ماء)) والراجع محذوف أي فيه. ((مظ)) ((لم تعمل يداك)) أي خرج بقدرتي لا بسعيك، ومجاز قوله: ((لا يكلمهم الله)) سبق بيانه.

стр. 1684

الفصل الثاني ٢٩٩٦ – * عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ ، قال: ((من أحاط حائطاً علي الأرض فهو له)) رواه أبو داود. [٢٩٩٦] ٢٩٩٧ - وعن أسماء بنت أبي بكر: أن رسول الله ﷺ أقطع للزبير نخيلاً. رواه أبو داود. [٢٩٩٧] ٢٩٩٨ - وعن ابن عمر: أن النبي ﷺ أقطع للزبير حضر فرسه، فأجرى فرسه حتى قام، ثم رمى بسوطه، فقال: ((أعطوه من حيث بلغ السوط)) رواه أبو داود. [٢٩٩٨] ــ الفصل الثاني الحديث الأول عن الحسن: قوله: ((فهو له)) ((تو)): يستدل به من يرى التمليك بالتحجير. ولا يقوم به حجة؛ لأن التمليك إنما هو بالإحياء، وتحجير الأرض وإحاطته بالحائط ليس من الإحياء في شيء. ثم إن قوله: ((علي أرض)) مفتقر إلي البيان، إذ ليس كل أرض تملك بالإحياء. أقول: كفي به بيانا قوله: ((أحاط)) فإنه يدل علي أنه بنى حائطاً مانعاً محيطاً بما يتوسطه من الأشياء نحو أن يبنى حائطاً لحظيرة غنم أو زريبة للدواب. ((مح)): إذا أراد زريبة للدواب أو حظيرة يجفف فيها الثمار أو يجمع فيها الحطب أو الحشيش اشترط التحويط، ولا يكفي نصب سعف أو أحجار من غير بناء. الحديث الثاني عن أسماء: قوله: ((نخيلاً)) ((خط)): النخل مال ظاهر العين حاضر النفع كالمعادن الظاهرة، فيشبه أن يكون إنما أعطاه ذلك من الخمس الذي سهمه، وأن يكون من الموات الذي لم يملكه أحد، فيتملك بالإحياء. الحديث الثالث عن ابن عمر ﵄: ((قوله)): ((أقطع للزبير)) ((قض)): الإقطاع تعيين قطعة من الأرض لغيره، يقال أقطعته قطيعة أي طائفة من أرض الخراج، و ((الحضر)) العدو، يقال: أحضر الفرس إحضاراً إذا عدا، ونصب ((حضر)) علي حذف المضاف، أي قدر ما يعدو عدوة واحدة. ((مح)): في هذا دليل لجواز لجواز اقتطاع الإمام. والأرض المملوكة لبيت المال لا يملكها أحد إلا بإقطاع الإمام، ثم تارة يقطع رقبتها ويملكها الإنسان بما يرى فيه مصلحة، فيجوز تمليكها كما يملك ما يعطيه من الدراهم والدنإنير وغيرها، وتارة يقطعها منفعتها فيستحق

стр. 1685

٢٩٩٩ - وعن علقمة بن وائل، عن أبيه: أن النبي ﷺ أقطعه أرضاً بحضر موت، قال: فأرسل معي معاوية، قال: ((أعطها إياه)) رواه الترمذي، والدارمي. [٢٩٩٩] ٣٠٠٠ - وعن أبيض بن حمال المأربي: أنه وفد إلي رسول الله ﷺ فاستطعه الملح الذي بمأرب، فأقطعه إياه، فلما ولي، قال رجل: يا رسول الله! إنما أقطعت له الماء العد قال: فرجعه منه. قال: وسأله: ماذا يحمي من الأراك؟ قال: ((ما لم تنله أخفاف الإبل)) رواه الترمذي، وابن ماجه، والدارمي. [٣٠٠٠] ــ الانتفاع بها مدة الإقطاع. وأما الموات فيجوز لكل أحد إحياؤه، ولا يفتقر إلي إذن الإمام. هذا مذهب مالك والشافعي والجمهور. ((حس)): الإقطاع نوعان بحسب محله: إقطاع تملك وهو الذي يملك فيه المحل بالإحياء كما مر، وإقطاع إرفاق: وهو الذي لا يمكن تملك ذلك المحل بحال، كإقطاع الإمام مقعداً من مقاعد السوق أحداً ليقعد للمعاملة ونحوها، وكان إقطاع الزبير من القسم الأول. الحديث الرابع والخامس عن أبيض: قوله: ((فاستقطعه)) ((قض)): ((المأرب)) بالهمز موضع باليمن، نسب إليه أبيض لنزوله به، ويقال: إن أزدى، وكان اسمه أسود، فبدل به رسول الله ﷺ أبيض، وهذا الموضع مملحة يقال له ملح سبأ. ((فاستقطعه)) أي سأله أن يقطعه إياه. فأسعف إلي ملتمسه ظناً بأن القطيعة معدن يحصل منه الملح بعمل وكد، ثم لما تبين له أنه مثل الماء العد أي الدائم الذي لا ينقطع – والعد المهيأ – رجع فيه. ومن ذلك علم أن إقطاع المعادن إنما يجوز إذا كانت باطنة لا ينال منها شيء إلا بتعب ومؤنة. وما كانت ظاهرة يحصل المقصود منها من غير كد وصنعة لا يجوز إقطاعها بل الناس فيها شرع، كالكلأ ومياه الأودية، وأن الحاكم إذا حكم ثم ظهر أن الحق في خلافه ينقض حكمه ويرجع عنه، والرجل الذي قال: ((إنما أقطعت له الماء العد)) هو الأقرع بن حابس التميمي. وقوله: ((ماذا يحمي من الأراك؟)) علي البناء للمفعول، وإسناده إلي ما استكن فيه من الضمير العائد إلي ((ذا)). وقوله: ((ما لم تنله أخفاف الإبل)) معناه ما كان بمعزل من المراعي والعمارات. وقيل: يحتمل أن يكون المراد به أنه لا يحمي منه شيء؛ لأنه لا يحمي ما تناله الأخفاف، ولا شيء منها إلا وتناله الأخفاف. ((مظ)): أراد بالحمى هنا الإحياء لا الحمى؛ لما تقرر أن الحمى لا يجوز لأحد أن يخصه. وفيه دليل علي أن الإحياء لا يجوز بقرب العمارة لاحتياج أهل البلد إليه لمرعى مواشيهم، وإليه أشار بقوله ﷺ : ((ما لم تنله أخفاف الإبل)) أي ليكن الإحياء في موضع بعيد. ((فا)): قيل:
следующие страницы →