← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122257

شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن

الطيبي

Полный текст (3 308 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

(١٥) باب إحياء الموات والشرب الفصل الأول ٢٩٩١ - عن عائشة [﵂]، عن النبي ﷺ ، قال: ((من عمر أرضاً ليست لأحد؛ فهو أحق)). قال عروة: قضى به عمر في خلافته. رواه البخاري. ٢٩٩٢ - وعن ابن عباس: أن الصعب بن جثامة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا حمى إلا لله ورسوله)) رواه البخاري. ــ باب إحياء الموات والشرب المغرب: الموات الأرض الخراب، وخلافه العامر، وعن الطحاوي: هو ما ليس بملك لأحد، ولا هي من مرافق البلد، وكانت خارجة البلد سواء قربت منه أو بعدت. والشرب بالكسر النصيب من الماء، وفي الشريعة عبارة عن نوبة الانتفاع بالماء سقياً للمزارع أو الدواب. الفصل الأول الحديث الأول عن عائشة ﵂: قوله: ((من عمر)) ((تو)): وفي بعض نسخ المصابيح ((أعمر)) بزيادة الألف وليس بشيء. ((قض)): وقد زيف ما في المصابيح بأن أعمرت الأرض معناه وجدتها عامرة، وما جاء بمعنى عمر، وجوابه أنه قد جاء أعمر الله بك منزلك، بمعنى عمر، وذلك كاف في جواز استعمال أعمرت الأرض بمعنى عمرتها؛ إذ الأصل في الاستعمال الحقيقة، وفي الحقائق أطرادها، ((شف)): ليس كما قال، فإن الجوهري بعد أن ذكر أعمر الله بك منزلك، وعمر الله بك، ذكر أنه لا يقال: أعمر الرجل منزله بالألف راويا عن أبي زيد. ((قض)): منطوق الحديث يدل علي أن العمارة كافية في التمليك لا تفتقر إلي إذن السلطان، ومفهومه دليل علي أن مجرد التحجر والإعلام لا يملك بل لابد من العمارة، وهي تختلف باختلاف المقاصد. الحديث الثاني عن ابن عباس ﵄: قوله: ((لا حمى إلا الله)) ((قض)): كانت رؤساء الأحياء في الجاهلية يحمون المكان الخصيب لخيلهم وإبلهم وسائر مواشيهم، فأبطله الرسول ﷺ ، ومنع أن يحمى إلا لله ولرسوله، ((حس)): كان ذلك جائزاً لرسول الله ﷺ لخاصة نفسه، لكنه لم يفعله، وإنما حمى البقيع لمصالح المسلمين، وللخيل المعدة في سبيل الله. قال الشافعي: وإنما لم يجز في بلد لم يكن واسعاً فيضيق علي أهل المواشي، ولا يجوز لأحد من الأئمة بعده ﷺ أن يحمي لخاصة نفسه. واختلفوا في أنه هل يحمي للمصالح؟. منهم من لم يجوز للحديث، ومنهم من جوزه علي نحو ما حمى رسول الله ﷺ لمصالح المسلمين بحيث لا يتبين ضرره.

стр. 1682

٢٩٩٣ - وعن عروة، قال: خاصم الزبير رجلاً من الأنصار في شراج من الحرة. فقال النبي ﷺ : ((اسق يا زبير! ثم أرسل الماء إلي جارك)). فقال الأنصاري: أن كل ابن عمتك؟ فتلون وجهه، ثم قال: ((اسق يا زبير! ثم احبس الماء حتى يرجع إلي الجدر، ثم أرسل الماء إلي جارك)). فاستوعى النبي ﷺ للزبير حقه في صريح الحكم حين أحفظه الأنصاري، وكان أشار عليهما بأمر لهما فيه سعة. متفق عليه. ــ الحديث الثالث عن عروة: قوله: ((في شراج من الحرة)) ((مح)): هو – بكسر الشين المعجمة وبالجيم – مسايل الماء، واحدها شرجة. والحرة هي الأرض ذات الحجارة السود. و ((أن كان ابن عمتك)) بفتح الهمزة. ((قض)): وهو مقدر بأن أو لأن، وحرف الجر يحذف معها للتخفيف كثيراً، فإن ((أن)) فيها مع صلتها طولا. ومعناه: هذا التقديم والترجيح، لأنه ابن عمتك أو بسببه، نحوه قوله تعالي: ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وبَنِينَ﴾ أي لا تطعه مع هذه المثالب لأن كان ذا مال. ولهذا المقال نسب الرجل إلي النفاق. ((تو)): وقد اجترأ جمع من المفسرين بنسبة الرجل تارة إلي النفاق، وأخرى إلي اليهودية، وكلا القولين زائغ عن الحق؛ إذ قد صح أنه كان أنصارياً، ولم يكن الأنصار من جملة اليهود، ولو كان مغموصا عليه في دينه لم يصفوه بهذا الوصف، فإنه وصف مدح، والأنصار وإن وجد فيهم من يرمي بالنفاق، فإن القرن الأول والسلف بعدهم تحرجوا واحترزوا أن يطلقوا علي من ذكر بالنفاق واشتهر به الأنصاري، والأولي بالشحيح بدينه أن يقول: هذا قول أزله الشيطان فيه بتمكنه عند الغضب، وغير مستبدع من الصفات البشرية الابتلاء بأمثال ذلك. ((مح)): قال القاضي عياض: حكي الداودي أن هذا الرجل كان منافقاً. وقوله في الحديث: ((إنه أنصاري)) لا يخالف هذا؛ لأن يكون من قبيلتهم لا من الأنصار المسلمين. وأما قوله في آخر الحديث: ((فقال الزبير: والله إني لأحسب هذه الآية نزلت فيه: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ الآية. فلهذا قالت طائفة في سبب نزولها قال الشيخ محيي الدين: قالوا: لو صدر مثل هذا الكلام من إنسان كان كافراً جرت علي قائله أحكام المرتدين من القتل. وأجابوا إنما تركه النبي ﷺ لأنه كان في أول الإسلام يتألف الناس، ويدفع بالتي هي أحسن، ويصبر علي أذى المنافقين، ويقول: ((لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه)). قوله: ((تلون وجهه)) أي تغير من الغضب لانتهاك النبوة وقبح كلام هذا الإنسان، والجدر – بفتح الجيم وكسرها، وبالدال المهملة – الجدار، والمراد بالجدر أصل الحائط، وقدره العلماء أن يرتفع الماء في الأرض كلها حتى يبلغ كعب رجل الإنسان.

стр. 1683

٢٩٩٤ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تمنعوا فضل الماء، لتمنعوا به فضل الكلأ)) متفق عليه. ٢٩٩٥ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم: رجل حلف علي سلعة لقد أعطي بها أكثر مما أعطي وهو كاذب، ورجل حلف علي يمين كاذبة بعد العصر ليقتطع بها مال رجل مسلم، ورجل منع فضل ماء. فيقول الله: اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ماء لم تعمل يداك)) متفق عليه. وذكر حديث جابر في ((باب المنهي عنها من البيوع)). ــ ((حس)): قوله ﷺ أولا ((اسق يا زبير ثم أرسل إلي جارك)) كان أمراً للزبير بالمعروف، وأخذاً بالمسامحة وحسن الجوار بترك بعض حقه، دون أن يكون حكما منه، فلما رأي الأنصاري يجهل موضع حقه أمر ﷺ الزبير باستيفاء تمام حقه. وفيه دليل علي أنه يجوز العفو عن التعزير، حيث لم يعزر الأنصاري الذي تكلم بما أغضب النبي ﷺ ، وقيل: كان قوله الآخر عقوبة في ماله، وكانت العقوبة إذ ذاك يقع بعضها في الأموال، والأول أصح. وفيه أنه ﷺ حكم علي الأنصاري في حال غضبه مع نهيه الحاكم أن يحكم وهو غضبان. وذلك لأنه كان معصوماً من أن يقول في السخط والرضا إلا حقا. وفي الحديث أن مياه الأودية والعيون التي لا تملك منابعها ومجاريها علي الإباحة، والناس فيها شرع وسواء، وأن من سبق إلي شيء منها كان أحق به من غيره، وأن أهل الشرب الأعلي مقدمون علي من أسفل منهم، لسبقهم إليه، وليس له حبسه ممن هو أسفل منه بعد ما أخذ منه حاجته. وقوله: ((فاستوعى)) أي استوفاه، مأخوذ من الوعاء الذي تجمع فيه الأشياء كأنه جمعه في وعائه. قوله: ((حين أحفظه)) ((تو)): أي أغضبه، يقال: أحفظته فاحتفظ أي أغضبته فغضب، والحفيظة الغضب والحمية، وكذلك الحفظة بالكسر. الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لا تمنعوا)) مضى شرحه في الفصل الأول من الباب المنهي عنه في البيوع. الحديث الخامس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لقد أعطى بها أكثر مما أعطى)) كلا الفعلين علي بناء المفعول، هذا معنى ما حلف به الرجل، ولو حكى قوله لقيل: لقد أعطيت بها أكثر مما أعطيته، علي أن الأول بناء للمفعول والثاني للفاعل، أي طلب مني هذا المتاع قبيل هذا بأزيد مما طلبته. وقوله: ((بعد العصر)) إنما خص به لأن الإيمان المغلظة تقع فيه. وقوله: ((لم تعمل يداك)) صفة ((ماء)) والراجع محذوف أي فيه. ((مظ)) ((لم تعمل يداك)) أي خرج بقدرتي لا بسعيك، ومجاز قوله: ((لا يكلمهم الله)) سبق بيانه.

стр. 1684

الفصل الثاني ٢٩٩٦ – * عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ ، قال: ((من أحاط حائطاً علي الأرض فهو له)) رواه أبو داود. [٢٩٩٦] ٢٩٩٧ - وعن أسماء بنت أبي بكر: أن رسول الله ﷺ أقطع للزبير نخيلاً. رواه أبو داود. [٢٩٩٧] ٢٩٩٨ - وعن ابن عمر: أن النبي ﷺ أقطع للزبير حضر فرسه، فأجرى فرسه حتى قام، ثم رمى بسوطه، فقال: ((أعطوه من حيث بلغ السوط)) رواه أبو داود. [٢٩٩٨] ــ الفصل الثاني الحديث الأول عن الحسن: قوله: ((فهو له)) ((تو)): يستدل به من يرى التمليك بالتحجير. ولا يقوم به حجة؛ لأن التمليك إنما هو بالإحياء، وتحجير الأرض وإحاطته بالحائط ليس من الإحياء في شيء. ثم إن قوله: ((علي أرض)) مفتقر إلي البيان، إذ ليس كل أرض تملك بالإحياء. أقول: كفي به بيانا قوله: ((أحاط)) فإنه يدل علي أنه بنى حائطاً مانعاً محيطاً بما يتوسطه من الأشياء نحو أن يبنى حائطاً لحظيرة غنم أو زريبة للدواب. ((مح)): إذا أراد زريبة للدواب أو حظيرة يجفف فيها الثمار أو يجمع فيها الحطب أو الحشيش اشترط التحويط، ولا يكفي نصب سعف أو أحجار من غير بناء. الحديث الثاني عن أسماء: قوله: ((نخيلاً)) ((خط)): النخل مال ظاهر العين حاضر النفع كالمعادن الظاهرة، فيشبه أن يكون إنما أعطاه ذلك من الخمس الذي سهمه، وأن يكون من الموات الذي لم يملكه أحد، فيتملك بالإحياء. الحديث الثالث عن ابن عمر ﵄: ((قوله)): ((أقطع للزبير)) ((قض)): الإقطاع تعيين قطعة من الأرض لغيره، يقال أقطعته قطيعة أي طائفة من أرض الخراج، و ((الحضر)) العدو، يقال: أحضر الفرس إحضاراً إذا عدا، ونصب ((حضر)) علي حذف المضاف، أي قدر ما يعدو عدوة واحدة. ((مح)): في هذا دليل لجواز لجواز اقتطاع الإمام. والأرض المملوكة لبيت المال لا يملكها أحد إلا بإقطاع الإمام، ثم تارة يقطع رقبتها ويملكها الإنسان بما يرى فيه مصلحة، فيجوز تمليكها كما يملك ما يعطيه من الدراهم والدنإنير وغيرها، وتارة يقطعها منفعتها فيستحق

стр. 1685

٢٩٩٩ - وعن علقمة بن وائل، عن أبيه: أن النبي ﷺ أقطعه أرضاً بحضر موت، قال: فأرسل معي معاوية، قال: ((أعطها إياه)) رواه الترمذي، والدارمي. [٢٩٩٩] ٣٠٠٠ - وعن أبيض بن حمال المأربي: أنه وفد إلي رسول الله ﷺ فاستطعه الملح الذي بمأرب، فأقطعه إياه، فلما ولي، قال رجل: يا رسول الله! إنما أقطعت له الماء العد قال: فرجعه منه. قال: وسأله: ماذا يحمي من الأراك؟ قال: ((ما لم تنله أخفاف الإبل)) رواه الترمذي، وابن ماجه، والدارمي. [٣٠٠٠] ــ الانتفاع بها مدة الإقطاع. وأما الموات فيجوز لكل أحد إحياؤه، ولا يفتقر إلي إذن الإمام. هذا مذهب مالك والشافعي والجمهور. ((حس)): الإقطاع نوعان بحسب محله: إقطاع تملك وهو الذي يملك فيه المحل بالإحياء كما مر، وإقطاع إرفاق: وهو الذي لا يمكن تملك ذلك المحل بحال، كإقطاع الإمام مقعداً من مقاعد السوق أحداً ليقعد للمعاملة ونحوها، وكان إقطاع الزبير من القسم الأول. الحديث الرابع والخامس عن أبيض: قوله: ((فاستقطعه)) ((قض)): ((المأرب)) بالهمز موضع باليمن، نسب إليه أبيض لنزوله به، ويقال: إن أزدى، وكان اسمه أسود، فبدل به رسول الله ﷺ أبيض، وهذا الموضع مملحة يقال له ملح سبأ. ((فاستقطعه)) أي سأله أن يقطعه إياه. فأسعف إلي ملتمسه ظناً بأن القطيعة معدن يحصل منه الملح بعمل وكد، ثم لما تبين له أنه مثل الماء العد أي الدائم الذي لا ينقطع – والعد المهيأ – رجع فيه. ومن ذلك علم أن إقطاع المعادن إنما يجوز إذا كانت باطنة لا ينال منها شيء إلا بتعب ومؤنة. وما كانت ظاهرة يحصل المقصود منها من غير كد وصنعة لا يجوز إقطاعها بل الناس فيها شرع، كالكلأ ومياه الأودية، وأن الحاكم إذا حكم ثم ظهر أن الحق في خلافه ينقض حكمه ويرجع عنه، والرجل الذي قال: ((إنما أقطعت له الماء العد)) هو الأقرع بن حابس التميمي. وقوله: ((ماذا يحمي من الأراك؟)) علي البناء للمفعول، وإسناده إلي ما استكن فيه من الضمير العائد إلي ((ذا)). وقوله: ((ما لم تنله أخفاف الإبل)) معناه ما كان بمعزل من المراعي والعمارات. وقيل: يحتمل أن يكون المراد به أنه لا يحمي منه شيء؛ لأنه لا يحمي ما تناله الأخفاف، ولا شيء منها إلا وتناله الأخفاف. ((مظ)): أراد بالحمى هنا الإحياء لا الحمى؛ لما تقرر أن الحمى لا يجوز لأحد أن يخصه. وفيه دليل علي أن الإحياء لا يجوز بقرب العمارة لاحتياج أهل البلد إليه لمرعى مواشيهم، وإليه أشار بقوله ﷺ : ((ما لم تنله أخفاف الإبل)) أي ليكن الإحياء في موضع بعيد. ((فا)): قيل:

стр. 1686

٣٠٠١ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء، والكلأ، والنار)) رواه أبو داود، وابن ماجه. [٣٠٠١] ٣٠٠٢ - وعن أسمر بن مضرس، قال: أتيت النبي ﷺ فبايعته. فقال: ((من سبق إلي ماء لم يسبقه إليه مسلم فهو له)) رواه أبو داود. [٣٠٠٢] ٣٠٠٣ - وعن طاووس، مرسلاً: أن رسول الله ﷺ قال: ((من أحيى مواتاً من الأرض فهو له، وعادي الأرض لله ورسوله ثم هي لكم مني)) رواه الشافعي. [٣٠٠٣] ٣٠٠٤ - وروي في ((شرح السنة)): أن النبي ﷺ أقطع لعبد الله بن مسعود ــ الأخفاف مسان الإبل. قال الأصمعي: الخف الجمل المسن، والمعنى أن ما قرب من المرعى لا يحمى، بل يترك لمسان الإبل؛ وما في معناها من الضعاف التي لا تقوى علي الإمعان في طلب المرعى. الحديث السادس عن ابن عباس ﵄: قوله: ((في ثلاث)) ((قض)): لما كانت الأسماء الثلاثة في معنى الجمع أنثها بهذا الاعتبار وقال: ((في ثلاث)) والمراد بالماء المياه التي لم تحدث باستنباط أحد وسعيه، كماء القني والآبار ولم يحرز في إناء أو بركة أو جدول مأخوذ من النهر. وبالكلأ ما ينبت في الموات، والمراد من الاشتراك في النار، أنه لا يمنع من الاستصباح منها والاستضاءة بضوئها، لكن للمستوقد أن يمنع أخذ جذوة منها، لأنه ينقصها ويؤدي إلي إطفائها. وقيل: المراد بالنار الحجارة التي توري النار، لا يمنع أخذ شيء منها إذا كانت في موات. الحديث السابع والثامن عن طاووس: قوله: ((وعادي الأرض)) ((قض)): المراد بـ ((عادي الأرض)) الأبنية والضياع القديمة التي لا يعرف لها مالك، نسبت إلي عاد قوم هود ﵇ لتقادم زمانهم للمبالغة. وقوله: ((لله ورسوله)) معناه أنه فيء يتصرف فيه الرسول علي ما يراه ويستصوبه. أقول: قوله: ((هي لكم مني)) بعد قوله: ((لله ورسوله)) إشعار بأن ذكر الله تميهد لذكر رسوله تعظيماً لشأنه وأن حكمه ﷺ حكم الله، ولذلك عدل من ((لي)) إلي ((رسوله)) وفيه التفات. الحديث التاسع عن شرح السنة: قوله: ((الدور بالمدينة)) ((قض)): يريد بالدور المنازل والعرصة التي أقطعها رسول الله ﷺ له ليبني فيها، وقد جاء في حديث آخر أنه ﷺ أقطع

стр. 1687

الدور بالمدينة، وهي بين ظهرإني عمارة الأنصار من المنازل والنخل، فقال بنو عبد بن زهرة: نكب عنا ابن أم عبد. فقال لهم رسول الله: ((فلم ابتعثني الله أذاً؟ إن الله لا يقدس أمة لا يؤخذ للضعيف فيهم حقه)). ٣٠٠٥ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله ﷺ قضى في السيل المهزور أن يمسك حتى يبلغ الكعبين ثم يرسل الأعلي علي الأسفل. رواه أبو داود، وابن ماجه. [٣٠٠٥] ــ المهاجرين الدور بالمدينة، ويؤول بهذا. والعرب تسمى المنزل داراً وإن لم يبن فيه بعد. وقيل: معناه أنه أقطعها له عارية، وكذا إقطاعه ﷺ لسائر المهاجرين دورهم وهو ضعيف؛ لأنه ﷺ أمر أن يورث دور المهاجرين نساءهم، وأن زينب زوجة ابن مسعود ورثته داره بالمدينة ولم يكن له دار سواها، والعارية لا تورث. وقوله: ((وهي بين ظهرإني عمارة الأنصار)) أي بينها ووسطها. وفيه دليل علي أن الموات المحفوفة بالعمارات يجوز إقطاعها للإحياء. وقوله: ((نكب عنا)) معناه أصرفه واعدل به عنا، قال تعالي: ﴿عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾ أي عادلون عن القصد. وبنو عبد بن زهرة حي من قريش كانت منهم أم الرسول ﷺ . وقوله: ((فلم ابتعثني الله إذا)) أي إنما بعثني الله لإقامة العدل والتسوية بين القوى والضعيف، فإذا كان قومي يذبون الضعيف عن حقه ويمنعونه فما الفائدة في ابتعاثي؟ وقوله: ((لا يقدس أمة)) أي لا يطهرها ولا يزكيها. الحديث العاشر عن عمرو: قوله: ((في السيل المهزور)) ((نه)): المهزور بتقديم الزاي المعجمة علي الراء غير المعجمة واد في بنى قريظة بالحجاز، فأما بتقديم الراء علي الزاي فموضع سوق المدينة، تصدق به رسول الله ﷺ علي المسلمين، كذا في الفائق مع زيادة قوله: وأما مهزول – باللام – فواد إلي أصل جبل يثرب. ((تو)): هذا اللفظ في المصابيح وجدناه مصروفاً عن وجهه، ففي بعض النسخ ((في السيل المهزول)) وهو الأكثر، وفي بعضها ((في سيل المهزور)) بالإضافة، وكلاهما خطأ، وصوابه بغير ألف ولام فيهما بصيغة الإضافة إلي علم. ((قض)): لما كان ((المهزور)) علماً منقولاً من صفة مشتقة من هزره إذا [غمزه] جاز إدخال اللام فيه تارة وتجريده عنه أخرى، والمقصود من الحديث أن النهر الجاري بنفسه من غير عمل ومؤنة يسقي منه الأعلي إلي الكعبين ثم يرسله إلي من هو أسفل منه، نص عليه مطلقاً أو في صورة معينة وقع النزاع فيه ليقاس عليه أمثاله.

стр. 1688

٣٠٠٦ - وعن سمرة بن جندب: أنه كانت له عضد من نخل في حائط رجل من الأنصار، ومع الرجل أهله، فكان سمرة يدخل عليه، فيتأذى به، فأتى النبي ﷺ ، فذكر ذلك له، فطلب إليه النبي ﷺ ليبيعه، فأبي، فطلب أن يناقله، فأبي، قال: ((فهبه له ولك كذا)) أمراً رغبة فيه، فأبي، فقال: ((أنت مضار)) فقال للأنصاري: ((اذهب فاقطع نخله)). رواه أبو داود. [٣٠٠٦] وذكر حديث جابر: ((من أحيى أرضاً)) في ((باب الغصب)) برواية سعيد بن زيد. وسنذكر حديث أبي صرمة: ((من ضار أضر الله به)) في ((باب ما ينهي من التهاجر)). ــ الحديث الحادي عشر عن سمرة: قوله: ((عضد من نخل)) ((فا)): قالوا للطريقة من النخل عضد لأنها متناظرة في جهة، وروي عضيد قال الأصمعي: إذا صار للنخلة جذع تتناول منه فهي العضيد، والجمع عضدان. وقيل: هي الجبارة البالغة غاية الطول. ((تو)): لفظ الحديث يدل علي أنه كان فرد نخل لتعاقب الضمير بلفظ التذكير في قوله: ((ليبيعه، ويناقله، وفهبه له)). وأيضاً لو كانت طريقة من النخل لم يأمره بقطعها، لدخول الضرر عليه أكثر ما يدخل علي صاحبه من دخوله، وقد ذكر أن صوابه عضيد. ((قض)): إفراد الضمير فيها لإفراد اللفظ. ومعنى ((أن يناقله)) أن يبادله بنخيل من موضع آخر، ولعله إنما أمر الأنصاري بقطع نخله لما بين له أن سمرة يضاره، لما علم أن غرسها كان بالعارية. ((شف)): ((ولك كذا أمراً)) أي في الجنة. ((رغبة فيه)) أي في ذلك الأمر. قوله: ((أنت مضار)) ((مظ)): أي إذا لم تقبل هذه الأشياء فلست تريد إلا إضرار الناس، ومن يريد إضرار الناس جاز دفع ضرره، ودفع ضررك أن تقطع شجرك. أقول: ذكر الأهل والنادي دالان علي تضرر الأنصاري من مروره، وكذا تعدية ((طلب)) بـ ((إلي)) تشعر بأن النبي ﷺ أنهي إليه طلب البيع شافعاً، وعلي هذا قوله: ((طلب أن يناقله)) وكذا قوله: ((أمراً رغبه فيه)) يدل علي أن الأمر في قوله: ((فهبه له)) كان أمراً علي طريق الشفاعة، فحق من يأبي من مثل رسول الله ﷺ في مثل هذا التشفيع أن يزجر ويوبخ، فقوله: ((أمراً)) نصب علي الاختصاص والتفسير لقوله: ((فهبه له)) يعني هو أمر علي سبيل الترغيب والاستشفاع، ويجوز أن يكون حالا من فاعل ((قال)) أي قال أمراً مرغباً فيه، وأن يكون نصباً علي المصدر؛ لأن الأمر فيه معنى القول أي قال قولاً مرغباً فيه. وهذه الوجوه جارية في قوله تعالي: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا﴾. قيل: الأنصاري من بني النجار، وقيل: اسمه مالك بن قيس، وقيل: لبابة بن قيس، وقيل: مالك بن أسعد، وكان شاعراً.

стр. 1689

الفصل الثالث ٣٠٠٧ - عن عائشة، أنها قالت: يا رسول الله! ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: ((الماء والملح والنار)) قالت: قلت: يا رسول الله! هذا الماء قد عرفناه، فما بال الملح والنار؟ قال: ((يا حميراء! من أعطى ناراً؛ فكأنما تصدق بجميع ما أنضجت تلك النار، ومن أعطى ملحاً؛ فكأنما تصدق بجميع ما طيبت تلك الملح، ومن سقى مسلماً شربة من ماء حيث يوجد الماء؛ فكأنما أعتق رقبة، ومن سقى مسلماً شربة من ماء حيث لا يوجد الماء؛ فكأنما أحياها)). رواه ابن ماجه. [٣٠٠٧] (١٦) باب العطايا الفصل الأول ٣٠٠٨ - عن ابن عمر [﵄]، أن عمر أصاب أرضاً بخيبر، فأتى ــ الفصل الثالث الحديث الأول عن عائشة ﵂: قوله: ((قد عرفناه)) حال وعامله ما في هذا من معنى الإشارة، وفي صاحبها خلاف، قيل: المقدر في اسم الإشارة وهو المجرور، وقيل: الخبر يعني قد عرفنا حال الماء واحتياج الناس والدواب إليه وتضررها عن المنع، وليس كذلك أمر الملح والنار، فأجابها ﷺ بما أجاب مبنياً علي الأسلوب الحكيم، أي دعى عنك هذا وانظري إلي من يفوت علي نفسه هذا الثواب الجزيل عند المنع من هذا الأمر الحقير الذي لا يؤبه به، ومن ثمة أنث ضمير الملح في قوله: ((طيبت)) ((وتلك)) مراداً بها القلة والنزرة والضمير في قوله: ((أحياها)) راجع إلي المسلم علي تأويل النفس أو النسمة، وهو من قوله تعالي: ﴿ومَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ وإنما أتى بالماء في الجواب علي أنه غير مسئول عنه رداً لها ولادعائها العرفان بشأنه، يعني إنك لست تعرفينه بهذا الوجه مفصلاً، ولهذا أخره أيضاً في الذكر. باب العطايا الفصل الأول الحديث الأول عن ابن عمر ﵄: قوله ((أنفس)) ((مح)): أي وجود وقد نفس -

стр. 1690

النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إني أصبت أرضاً بخيبر لم أصب مالا قط أنفس عندي منه، فما تأمرني به؟ قال: ((إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها)) فتصدق بها عمر: أنه لا يباع أصلها ولا يوهب، ولا يورث، وتصدق بها في الفقراء، وفي القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضيف، لا جناح علي من وليها أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم غير متمول. قال ابن سيرين: غير متأثل مالاً. متفق عليه. ٣٠٠٩ - وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: ((العمري جائزة)) متفق عليه. ٣٠١٠ - وعن جابر، عن النبي ﷺ ، قال: ((إن العمري ميراث لأهلها)) رواه مسلم. ٣٠١١ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أيما رجل أعمر عمري له ولعقبه؛ فإنها للذي أعطيها، لا ترجع إلي الذي أعطاها، لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث)) متفق عليه. ــ بضم الفاء – نفاسة، واسم هذا المال ((ثمغ)) – بالثاء المثلثة وسكون الميم والغين المعجمة -. و ((غير متأثل)) أي غير جامع، وكل شيء له أصل قديم أو جمع حتى يصير له أصل فهو مؤثل، ومنه مجد مؤثل أي قديم، وأثلة الشيء أصله. وفيه دليل علي صحة أهل الوقف، وأنه مخالف لشوائب الجاهلية، وقد أجمع المسلمون علي ذلك. وفيه أن الوقف لا يباع ولا يوهب ولا يورث، إنما ينتفع فيه بشرط الواقف. وفيه صحة شروط الواقف. وفيه فضيلة الوقف، وهي الصدقة الجارية، وفضيلة الإنفاق مما يجب، وفضيلة ظاهرة لعمر ﵁، وفضيلة مشاورة أهل الفضل والصلاح في الأمور وطرق الخير. وفيه أن خيبر فتحت عنوة، وأن الغانمين ملكوها واقتسموها، واستقرت أملاكهم علي حصصهم. وفيه فضيلة صلة الأرحام والوقف عليهم. ((حس)): فيه دليل علي أن من وقف شيئاً ولم ينصب له قيماً معيناً جاز، لأنه قال: ((لا جناح علي من وليها أن يأكل منها)) ولم يعين له قيما. فيه دليل علي أنه يجوز للواقف أن ينتفع بوقفه؛ لأنه أباح الأكل لمن وليه وقد يليه الواقف؛ ولأنه ﷺ قال للذي ساق الهدى: ((اركبها)). وقال رسول الله ﷺ ((من يشتري بئر رومة فيكون دلوه فيها كدلاء المسلمين؟)) فاشتراها عمر ﵁، ووقف أنس داراً، وكان إذا قدمها نزلها. الحديث الثاني إلي آخر الفصل عن جابر ﵁: قوله: ((العمرى جائزة)) ((مح)): العمرى قول القائل: أعمرتك هذه الدار مثلاً، أو جعلتها لك عمرك أو حياتك أو ما عشت، أو

стр. 1691

٣٠١٢ - وعنه، قال: إنما العمرى التي أجاز رسول الله ﷺ : أن يقول: هي لك ولعقبك؛ فأما إذا قال: هي لك ما عشت، فإنها ترجع إلي صاحبها. متفق عليه. الفصل الثاني ٣٠١٣ - عن جابر، عن النبي ﷺ ، قال: ((لا ترقبوا، أو لا تعمروا، فمن أرقب شيئاً، أو أعمر؛ فهي لورثته)) رواه أبو داود. [٣٠١٣] ــ ما يفيد هذا المعنى. قال أصحابنا: للعمرى ثلاثة أحوال، إحداها أن يقول: أعمرتك هذه الدار، فإذا مت فهي لورثتك أو لعقبك. فيصح بلا خلاف، ويملك رقبة الدار وهي هبة، فإذا مات فالدار لورثته، وإلا فلبيت المال، ولا تعود إلي الواهب بحال. وثإنيتها: أن يقتصر علي قوله: جعلتها لك عمرك، ولا يتعرض لما سواه، ففي صحته قولان للشافعي أصحهما – وهو الجديد – صحته، وله حكم الحال الأولي. وثالثتها أن يقول: جعلتها لك عمرك، فإذا مت عادت إلي أو إلي ورثتي، ففي صحته خلاف، والأصح عندنا صحته، فيكون له حكم الحال الأولي، واعتمدوا علي الأحاديث المطلقة، وعدلوا به عن قياس الشروط الفاسدة. وقال أحمد: تصح العمرى المطلقة دون المؤقتة، وقال مالك: العمرى في جميع الأحوال تمليك لمنافع الدار مثلاً، ولا يملك فيها رقبتها بحال. ومذهب أبي حنيفة كمذهبنا. ((قض)): العمرى جائزة باتفاق، مملكة بالقبض كسائر الهبات، ويورث المعمر من المعمر له كسائر أمواله، سواء أطلق أو أردف بأنه لعقبك أو ورثتك بعدك، وهو مذهب أكثر أهل العلم؛ لما روي عن جابر أنه ﷺ قال: ((إن العمرى ميراث لأهلها)) أي للمعمر له، فإنه أطلق ولم يقيد. وذهب جمع إلي أنه لو أطلق ولم يقل: هو لعقبك من بعدك لم يورث منه، بل تعود بموته إلي المعمر، ويكون تمليكاً للمنفعة له. وهو قول الزهري، ومالك. واحتجوا بما روي ثابتاً عن جابر أنه ﷺ قال: ((أيما رجل أعمر)) الحديث، فإن مفهوم الشرط الذي تضمنه ((أيما)) والتعليل يدل علي أن من لم يعمر له كذلك لم يورث منه العمرى، بل ترجع إلي المعطي. وبما روي عنه ثالثاً أنه قال: ((إنما العمرى التي أجاز)) إلي آخره. والجواب عن الأول أنه مبني علي المفهوم، والقول بعمومه، وجواز تخصيص المنطوق، والخلاف ماض في الكل. وعن الثاني أنه تأويل، وقول صدر عن رأي جابر واجتهاده، فلا احتجاج فيه. الفصل الثاني الحديث الأول والثاني عن جابر ﵁: قوله: ((فمن أرقب شيئاً أو أعمر)) كانوا في الجاهلية يفعلون ذلك فأبطل الشرع ذلك وأعلمهم أن من أعمر شيئاً أو أرقبه في حياته فهو

стр. 1692

٣٠١٤ - وعنه، عن النبي ﷺ ، قال: ((العمرى جائزة لأهلها، والرقبى جائزة لأهلها)) رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود. [٣٠١٤] الفصل الثالث ٣٠١٥ - عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أمسكوا أموالكم عليكم، لا تفسدوها؛ فإنه من أعمر حيا وميتاً ولعقبه)) رواه مسلم. (١٧) باب الفصل الأول ٣٠١٦ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من عرض عليه ريحان ــ لورثته من بعده، وقد تعاضدت الروايات علي ذلك. والفقهاء فيها مختلفون، فمنهم من يعمل بظاهر الحديث ويجعلونها تمليكاً، ومنهم من يجعلها كالعارية ويتأول الحديث. والرقبى فعلي من المراقبة، لأن كل واحد منهما يرقب موت صاحبه، لأنه قال: فإن مت قبلي عاد إلي وإن مت قبلك استقر لك. أقول: الضمير في ((لورثته)) للمعمر له. وكذلك المراد بـ ((أهلها)) والفاء في ((فمن أرقب)) تسبيب للنهي وتعليل له، يعني: لا تراقبوا ولا تعمروا ظنا منكم واغتراراً أن كلا منهما ليس يتمليك للمعمر له، فيرجع إليكم بعد موته، وليس كذلك؛ فإن من أرقب شيئاً أو أعمر فهو لورثة المعمر له. فعلي هذا يتحقق إصابة ما ذهب إليه الجمهور في أن العمرى للمعمر له، وأنه يملكها ملكاً تاماً يتصرف فيها بالبيع وغيره من التصرفات، وتكون لورثته بعده وينصر هذا التأويل الحديث الذي يليه في الفصل الثالث. الفصل الثالث الحديث الأول عن جابر ﵁: قوله: ((لا تفسدوها)) هذا النهي تأكيد للأمر. ((مح)): أعلمهم أن العمرى هبة صحيحة ماضية، يملكها الموهوب له ملكاً تاماً لا تعود إلي الواهب أبداً، وإذا علموا ذلك فمن شاء أعمر ودخل فيها علي بصيرة، ومن شاء تركها لأنهم كانوا يتوهمون أنها كالعارية يرجع فيها وهذا دليل الشافعي وموافقيه. باب الفصل الأول الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((ريحان)) ((نه)): هو كل نبت طيب فلا يرده، فإنه خفيف المحمل، طيب الريح)) رواه مسلم. ٣٠١٧ - وعن أنس: أن النبي ﷺ كان لا يرد الطيب. رواه البخاري. ٣٠١٨ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه، ليس لنا مثل السوء)). رواه البخاري. ٣٠١٩ - وعن النعمان بن بشير، أن أباه أتى به إلي رسول الله ﷺ فقال: إني ــ

стр. 1693

الريح من أنواع المشموم. قوله: ((فإنه خفيف المحمل)) أي قليل المنة، طيب الريح علة للنهي عن رد الهدية، يعني أن الهدية إذا كانت قليلة وتتضمن نفعاً تاماً فلا تردوها، لئلا يتأذى المهدي. الحديث الثاني والثالث عن ابن عباس ﵄: قوله: ((ليس لنا مثل السوء)) ((قض)): أي لا ينبغي لنا – يريد به نفسه والمؤمنين – أن نتصف بصفة ذميمة يساهمنا فيها أخس الحيوانات في أخس أحوالها. وقد يطلق المثل في الصفة الغريبة العجيبة الشأن، سواء كان صفة مدح أو ذم، قال الله تعالي: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ ولِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلي﴾ واستدل به علي عدم جواز الرجوع في الموهب بعد ما أقبض المتهب. ((مح)): هذا المثل ظاهر في تحريم الرجوع في الهبة والصدقة بعد إقباضهما، وهو محمول علي هبة الأجنبي إلا ما وهب لولده أو ولد ولده كما صرح به في حديث النعمان، هذا مذهب الشافعي ومالك والأوزاعي. وقال أبو حنيفة وآخرون: يرجع كل واهب إلا الوالد وكل ذي رحم محرم. ((تو)): محمل هذا المثل عند من يرى الرجوع في الهبة عن الأجنبي أنه علي التنزيه وكراهة الرجوع لا علي التحريم، ويستدل بحديث عمر ﵁ حين أراد شراء فرس علي حمل عليه في سبيل الله، فسأل عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: ((لا تبعته وإن أعطاكه بدرهم، ولا تعد في صدقتك، فإن العائد في صدقته [كالكلب يعود] في قيئه)). قال: فلما لم يكن هذا القول موجباً حرمة ابتياع ما تصدق به، فكذلك هذا الحديث لم يكن موجباً حرمة الرجوع في الهبة. أقول: والعجب أن ما يدل علي تشديد الشيء والمبالغة في النهي عن رجوع الهبة كيف يجعل ذريعة إلي جوازه، وذلك أتى بقوله: ((لا تبتعه)) يريد: احترز عن ذلك السوء كل الاحتراز، ولا تبتع الموهوب بأي طريق كان ولو بعقد شرعي. والله أعلم.

стр. 1694

نحلت ابني هذا غلاماً. فقال: ((أكل ولدك نحلت مثله؟)) قال: لا. قال: ((فأرجعه)). وفي رواية: أنه قال: أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء؟)) قال: بلي. قال: ((فلا إذن)). وفي رواية أنه قال: أعطإني أبي عطية، فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضي حتى تشهد رسول الله ﷺ ، فأتى رسول الله ﷺ فقال: إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية، فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله! قال: أعطيت سائر ولدك مثل هذا؟)) قال: لا. قال: ((فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم)). قال: فرجع فرد عطيته. وفي رواية: أنه قال: ((لا أشهد علي جور)). متفق عليه. ــ الحديث الرابع عن النعمان: قوله: ((إني نحلت)) ((نه)): النحل العطية والهبة ابتداء من غير عوض ولا استحقاق. يقال: نحله ينحله نحلا – بالضم – والنحلة – بالكسر – العطية. ((مح)): فيه استحباب التسوية بين الأولاد في الهبة فلا يفضل بعضهم علي بعض، سواء كانوا ذكورا أو إناثاً. قال بعض أصحابنا: ينبغي أن يكون للذكر مثل حظ الأنثيين، والصحيح الأول؛ لظاهر الحديث. فلو وهب بعضهم دون بعض فمذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة أنه مكروه وليس بحرام والهبة صحيحة. قال أحمد والثوري وإسحاق وغيرهم: هو حرام، واحتجوا بقوله: ((لا أشهد علي جور)) وبقوله: ((واعدلوا بين أولادكم)). واحتج الأولون بما جاء في رواية ((فأشهد علي هذا غيري)) ولو كان حراماً أو باطلا لما قال هذا، وبقوله: ((فأرجعه)) ولو لم يكن نافذاً لما احتاج إلي الرجوع. فإن قيل: قال تهديداً. قلنا: الأصل خلافه، ويحمل هذا الإطلاق صيغة أفعل علي الوجوب أو الندب، وإن تعذر ذلك فعلي الإباحة. وأما معنى الجور فليس فيه أنه حرام؛ لأنه هو الميل عن الاستواء والاعتدال، وكل ما خرج عن الاعتدال فهو جور، سواء كان حراماً أو مكروهاً. وفيه جواز رجوع الوالد في هبته عن الولد. أقول: وبقوله: ((فلا إذن)) لأن ((إذن)) جواب وجزاء، فإنه ﷺ لما قال: ((أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء)). أي: يكونوا بارين محسنين إليك لا عاقين، فقال: بلي. فأجابه: ((فلا إذن)) أي إذا كان كذلك فلا تفعل إذن، ولفظ السرور صريح في الاستحباب. ((حس)): في الحديث استحباب التسوية بين الأولاد في النحل وفي غيرها من أنواع البر حتى في القبل، ولو فعل خلاف ذلك نفذ. وقد فضل أبو بكر عائشة ﵄ بجذاذ عشرين وسقا، نحلها إياها دون سائر أولاده؛ وفضل عمر بن الخطاب ﵁ عاصما بشيء أعطاه وفضل عبد الرحمن بن عوف ولد أم كلثوم. ((قض)): وقرر ذلك ولم ينكر عليهم، فيكون إجماعا.

стр. 1695

الفصل الثاني ٣٠٢٠ - عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يرجع أحد في هبته، إلا الوالد من ولده)). رواه النسائي، وابن ماجه. [٣٠٢٠] ٣٠٢١ - وعن ابن عمر، وابن عباس، أن النبي ﷺ ، قال: ((لا يحل للرجل أن يعطي عطية، ثم يرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده. ومثل الذي يعطي العطية، ثم يرجع فيها، كمثل الكلب أكل حتى إذا شبع قاء، ثم عاد في قيئه)). رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. وصححه الترمذي. [٣٠٢١] ــ الفصل الثاني الحديث الأول والثاني عن ابن عمر ﵄: قوله: ((لا يحل للرجل)) ((قض)): الحديث – كما ترى – نص صريح علي أن جواز الرجوع مقصور علي ما وهب الوالد من ولده، وإليه ذهب الشافعي، وعكس الثوري وأصحاب أبي حنيفة، وقالوا: لا رجوع للواهب فيما وهب لولده أو لأحد من محارمه، ولا لأحد الزوجين فيما وهب للآخر، وله الرجوع فيما وهب للأجانب. وجوز مالك الرجوع مطلقاً، إلا في هبة أحد الزوجين من الآخر. وأول بعض الحنفية هذا الحديث بأن قوله: ((لا يحل)) معناه التحذير عن الرجوع، لا نفي الجواز عنه، كما في قولك: لا يحل للواجد رد السائل، وقوله: ((إلا الوالد لولده)) معناه أن له أن يأخذ ما وهب لولده، ويصرف في نفقته، وسائر ما يجب له عليه وقت حاجته كسائر أمواله، استيفاء لحقه من ماله، لا استرجاعا لما وهب ونقضا للهبة، وهو مع بعده عدول عن الظاهر بلا دليل. وما تمسكوا به قول عمر ﵁: ((من وهب هبة لذي رحم جازت، ومن وهب هبة لغير ذي رحم فهو أحق بها مالم يثب منها))، مع أنه ليس بدليل أمثل تأويلاً، وأولي بأن يأول. مع أن الظاهر منه بيان الفرق بين الهبة من المحارم والأجانب في اقتضاء الثواب، وأن من وهب لأجنبي طمعاً في ثواب فلم يثبه كان له الرجوع، وقد روي ذلك عنه صريحا وللشافعي قول قديم يقرب منه. وأبو حنيفة لا يرى لزوم الثواب أصلا، فكيف يحتج به. أقول: لما تقرر في حديث ابن عباس ﵄: أن الرجوع عن الهبة مذموم، وأنه لا يصح ولا يستقيم للمؤمنين أن يتصفوا بهذا المثل السوء، وسبق أن حديث عمر ﵁: جاء مؤكدا له كان ينبغي أن لا يرجع في الأولاد أيضاً. وإنما جوز لأنه في الحقيقة ليس

стр. 1696

٣٠٢٢ - وعن أبي هريرة: أن أعرابياً أهدى لرسول الله ﷺ بكرة، فعوضه منها ست بكرات، فتسخط، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ((إن فلانا أهدى إلي ناقة، فعوضته منها ست بكرات، فظل ساخطاً، لقد هممت أن لا أقبل هدية إلا من قرشي، أو أنصاري، أو ثقفي، أو دوسي)). رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي. [٣٠٢٢] ٣٠٢٣ - وعن جابر، عن النبي ﷺ ، قال: ((من أعطي عطاء فوجد فليجز به، ــ برجوع، لأن الولد منه وماله له؛ يدل عليه قوله تعالي: ﴿وعَلي المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ أي الذي ولد له، وكأنه مملوكه. وقوله ﷺ : ((إن أطيب ما أكلتم من كسبكم وإن أولادكم من كسبكم)). وربما تقتضي المصلحة الرجوع تأديباً وسياسة للولد لما يرى منه ما لا يرضاه. الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((بكرة)) ((نه)): البكر بالفتح الفتي من الإبل بمنزلة الغلام من الناس، والأنثى بكرة. قوله: ((لقد هممت أن لا أقبل)) ((تو)): كره قبول الهدية ممن كان الباعث له عليها طلب الاستكثار، وإنما خص المذكورين فيه بهذه الفضيلة لما عرف منهم من سخاوة النفس وعلو الهمة وقطع النظر عن الأعواض – انتهي كلامه. اعلم أن هذه الخصلة من رذائل الأخلاق وأخبثها، ولذلك عرض رسول الله ﷺ بالقبائل بحسن أخلاقها، أن قبيلة هذا الأعرابي علي خلافها، ونهي الله سبحانه حبيبه ﷺ عنها في قوله تعالي: ﴿ولا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾. ((الكشاف)): أي ولا تعط طالباً للتكثير، نهي عن الاستغزار، وهو أن يهب شيئاً وهو يطمع أن يتعرض من الموهوب له أكثر من الموهوب، وهذا جائز، ومنه: ((المستغزر يثاب من هبته)). وهذا النهي إما نهي تحريم، فهو يختص برسول الله ﷺ ، أو نهي تنزيه له ولأمته. ((حس)): اختلفوا في الهبة المطلقة التي لا يشترط فيها الثواب، فذهب قوم من الفقهاء أنها تقتضي الثواب لهذا الحديث، ومنهم من جعل الناس في الهدايا علي ثلاث طبقات: هبة الرجل لمن هو دونه، فهو إكرام وإلطاف لا يتقضى الثواب. وكذلك هبة النظير من النظير. وأما هبة الأدنى من الأعلي فتقتضي الثواب؛ لأن المعطي يقصد بها الرفد والثواب. ثم قدر الثواب علي العرف والعادة، وقيل: قدر قيمة الموهوب، وقيل: حتى يرضي الواهب. وظاهر مذهب الشافعي أن الهبة المطلقة لا تقتضي الثواب، سواء وهب لنظيره، أو لمن دونه أو فوقه. وكل من أوجب الثواب فإذا لم يثب كان للواهب الرجوع في هبته. الحديث الرابع عن جابر ﵁: قوله: ((فوجد)) أي من أعطي شيئاً، فليكن عارفاً حقه، فإن وجد مالا فليجز به، ومن لم يجد فليشكر، ولا يجوز له كتمان نعمته، ومن كفر فكتم

стр. 1697

ومن لم يجد فليثن، فإن من أثنى فقد شكر، ومن كتم فقد كفر، ومن تحلي بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور)). رواه الترمذي، وأبو داود. [٣٠٢٣] ٣٠٢٤ - وعن أسامة بن زيد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من صنع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيراً؛ فقد أبلغ في الثناء)). رواه الترمذي. [٣٠٢٤] ٣٠٢٥ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من لم يشكر الناس لم يشكر الله)). رواه أحمد، والترمذي. [٣٠٢٥] ــ نعمته. وفيه من الحمد معنى قوله: ((الحمد رأس الشكر، ما شكر الله عبد لم يحمد الله)). والفاء في ((فوجد)) عاطفة علي الشرط وفي ((فليجز)) جوابه. فإن قلت: كان من حق الظاهر العطف بالواو؛ ليفيد أن الجمع بين الإعطاء والوجدان سبب للجزاء، فما معنى الترتيب؟ قلت: هذا الترتيب لا يمنع الجمع، وفائدته أن من أعطى فلا يؤخر الجزاء عن العطاء ريثما وجد اليسار، فيعلم أن من وجد لا ينبغي له التأخير بالطريق الأولي. قوله: و ((من تحلي بما لم يعط)) ((نه)): الحلي اسم لكل ما يتزين به. قال: أبو عبيدة: هو المرائي يلبس الزهاد ويري أنه زاهد. وقال غيره: هو أن يلبس قميصا، يصل بكميه كمين آخرين، يري أنه لابس قميصين، فكأنه يسخر من نفسه. ومعناه أنه بمنزلة الكاذب القائل ما لم يكن. وقيل: إنما شبه بالثوبين؛ لأن المتحلي كذب كذبين، فوصف نفسه بصفة ليست فيه، ووصف غيره بأنه خصة بصلة، فجمع بهذا القول بين كذبين. ((خط)): كان في العرب رجل يلبس ثوبين كثياب المعاريف؛ ليظنه الناس أنه رجل معروف محترم؛ لأن المعاريف لا يكذبون؛ فإذا رآه الناس علي هذه الهيئة، يعتمدون علي قوله وشهادته بالزور؛ لأجل تشبيهه نفسه بالصادقين. أقول: إنما أتبع الجازي والمثني بالمتحلي؛ لأنهما أظهرا حق ما وجب عليهما؛ لئلا يكفرا المنعم. وهذا إنما يظهر ما يلبس به الناس ويتلبس عليهم ليجز منهم، وإليه أشار أبو عبيدة بقوله: هو المرائي يلبس ثياب الزاهد ويري أنه زاهد. الحديث الخامس عن أسامة ﵁: قوله: ((فقد أبلغ في الثناء)) وذلك أنه اعترف بالتقصير وأنه ممن عجز عن جزائه وثنائه، ففوض جزاءه إلي الله ليجزيه الجزاء الأوفي. الحديث السادس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لم يشكر الله)) ((قض)): هذا لأن

стр. 1698

٣٠٢٦ - وعن أنس، قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة أتاه المهاجرون، فقالوا: يا رسول الله! ما رأينا قوماً أبذل من كثير، ولا أحسن مواساة من قليل؛ من قوم نزلنا بين أظهرهم: لقد كفونا المؤونة. وأشركونا في المهنأ، حتى لقد خفنا أن يذهبوا بالأجر كله. فقال: ((لا ما دعوتم الله لهم وأثنيتم عليهم)). رواه الترمذي وصححه. [٣٠٢٦] ٣٠٢٧ - وعن عائشة، عن النبي ﷺ ، قال: ((تهادوا؛ فإن الهدية تذهب الضغائن)). رواه. [٣٠٢٧] ــ شكره تعالي إنما يتم بمطاوعته وامتثال أمره، وإن مما أمر به شكر الناس الذين هم وسائط في إيصال نعم الله إليه، فمن لم يطاوعه فيه، لم يكون مؤديا شكر أنعمه، أو لأن من أخل بشكر من أسدى إليه نعمة من الناس – مع ما يرى من حرصه علي حب الثناء والشكر علي النعماء، وتأذيه بالإعراض والكفران – كان أولي بأن يتهاون في شكر من يستوي عنه الشكر والكفران. الحديث السابع عن أنس ﵁: قوله: ((من كثير)) الجاران أعنى قوله ((من كثير، ومن قليل)) متعلقان بالبذل والمواساة، وقوله: ((من قوم)) صلة لأبذل وأحسن علي سبيل التنازع، وقوم هو المفضل. والمراد بالقوم الأنصار، وإنما عدل عنه إليه؛ ليدل التنكير علي التفخيم، فيتمكن من إجراء الأوصاف التالية عليه بعد الإبهام؛ ليكون أوقع؛ لأن التبيين بعد الإبهام أوقع في النفس وأبلغ. قوله: ((في المهنأ)) هو ما يقوم بكفاية الرجل وإصلاح معاشه. ((قض)): يريد به ما أشركوهم فيه من زروعهم وثمارهم، من قولهم: هنأ في الطعام يهنإني – بالضم والكسر – أي أعطإنيه، والاسم منه الهنوء – بالكسر – وهو العطاء. قوله: ((بالأجر كله)) يعني إذا حملوا المشقة والتعب علي أنفسهم، وأشركونا في الراحة والمهنأ، فقد أحرزوا المثوبات، فكيف نجازيهم؟. فأجاب: لا. أي ليس الأمر كما زعمتم؛ فإنكم إذا أثنيتم عليهم شكراً لصنيعهم ودمتم عليه، فقد جازيتموهم. الحديث الثامن عن عائشة ﵂: قوله: ((تذهب الضغائن)) ((نه)): الضغن الحقد والعداوة والبغضاء، وكذلك الضغينة وجمعها الضغائن. أقول: وذلك لأن السخط جالب للضغينة والحقد، والهدية جالبة للرضا، فإذا جاء سبب الرضا ذهب سبب السخط.

стр. 1699

٣٠٢٨ - وعن أبي هريرة [﵁]، عن النبي ﷺ قال: ((تهادوا؛ فإن الهدية تذهب وحر الصدر. ولا تحقرن جارة لجارتها ولو شق فرسن شاة)). رواه الترمذي. [٣٠٢٨] ٣٠٢٩ - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثلاث لا ترد؛ الوسائد والدهن، واللبن)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب. قيل: أراد بالدهن الطيب. [٣٠٢٩] ٣٠٣٠ - وعن أبي عثمان النهدي، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أعطي أحدكم الريحان فلا يرده؛ فإنه خرج من الجنة)). رواه الترمذي مرسلاً. [٣٠٣٠] ــ الحديث التاسع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((وحر الصدر)) ((نه)): وحر الصدر بالتحريك غشه ووساوسه. وقيل: الحقد والغضب. وقيل: العداوة. وقيل: أشد الغضب. ((قض)): الفرسن من الشاة والبعير بمنزلة الحافر من الدابة، والمعنى لا تحقرن جارة هدية جارتها ولو كانت فرسن شاة، وقد جاء في بعض الروايات ((ولو بشق فرسن شاة)) بزيادة حرف الجر فالتقدير: لو أن تبعث إليها أو تتفقدها ونحو ذلك. أقول: الحديث من رواية الترمذي بغير باء، وكذا في جامع الأصول. قوله: ((لجارتها)) متعلق بمحذوف، وهو مفعول ((تحقرن)) أي لا تحقرن جارة هدية مهداة لجارتها، وهو تتميم للكلام السابق، كقول الشاعر: نظرت إليك بعين جارية حوراء حإنية علي طفل أرشد ﷺ الناس إلي أن التهادي يزيل الضغائن، ثم بالغ فيه حتى ذكر أحقر الأشياء بين أبغض البغيضين، إذا حمل الجارة علي الضرة، وهو الظاهر لمعنى التتميم. ((نه)): الجارة الضرة من المجاورة بينهما. ومنه حديث أم زرع. ((وغيظ جارتها)) أي أنها ترى حسنها فيغيظها ذلك. الحديث العاشر والحادي عشر عن ابن عمر ﵄: قوله: ((الوسائد)) يريد أن يكرم الضيف بالوسادة والطيب واللبن هدية قليلة المنة، فلا ينبغي أن ترد.

стр. 1700

الفصل الثالث ٣٠٣١ - عن جابر، قال: قالت امرأة بعشير: أنحل ابني غلامك، وأشهد لي رسول الله ﷺ فأتى رسول الله ﷺ . فقال: إن ابنة فلان سألتني أن أنحل ابنها غلامي، وقالت: أشهد لي رسول الله ﷺ فقال: ((أله إخوة؟)) قال: نعم. قال: ((أفكلهم أعطيتهم مثل ما أعطيته؟)) قال: لا. قال: ((فليس يصلح هذا، وإني لا أشهد إلا علي حق)). رواه مسلم. ٣٠٣٢ - وعن أبي هريرة، قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا أتي ببا كورة الفاكهة، وضعها علي عينيه وعلي شفتيه، وقال: ((اللهم كما أريتنا أوله فأرنا آخره)). ثم يعطيها من يكون عنده من الصبيان. رواه البيهقي في ((الدعوات الكبير)). (١٨) باب اللقطة الفصل الأول ٣٠٣٣ - عن زيد بن خالد، قال: جاء رجل إلي رسول الله ﷺ ، فسأله عن اللقطة. فقال: ((اعرف عفاصها ووكاءها، ثم عرفها سنة؛ فإن جاء صاحبها، وإلا ــ الفصل الثالث الحديث الأول عن جابر ﵁: قوله: ((ابني غلامك)) مفعول لـ ((انحل)). الجوهري: يقال: نحلت المرأة مهرها عن طيب نفس من غير مطالبة أنحلها، وسبق فقه الحديث في الحديث الرابع من الفصل الأول. الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((بباكورة)) ((نه)): ((أول كل شيء باكورته، وابتكر الرجل إذا أكل باكورة الفواكه. أقول: إنما ناول باكورة الثمار الصبيان لمناسبة بينهما، من أن الصبي ثمرة الفؤاد وباكورة الإنسان. والله أعلم. باب اللقطة المغرب: اللقطة الشيء الذي تجده ملقى فتأخذه. قال: الأزهري: ولم أسمع اللقطة بالسكون لغير الليث. الفصل الأول الحديث الأول عن زيد: قوله: ((اعرف عفاصها)) ((فا)): العفاص الوعاء الذي تكون فيه

стр. 1701

فشأنك بها)). قال: فضالة الغنم؟ قال: ((هي لك، أو لأخيك، أو للذنب)). قال: فضالة الإبل؟ قال: ((مالك ولها؟ معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها)). متفق عليه. وفي رواية لمسلم: فقال: ((عرفها سنة، ثم اعرف وكاءها وعفاصها، ثم استنفق بها، فإن جاء ربها فأدها إليه)). ــ اللقطة، من جلد أو خرقة أو غير ذلك، يقال: عفاص القارورة لغلافها من العفص وهو الثني والعطف؛ لأن الوعاء ينثني علي ما فيه وينعطف. قوله: ((ووكاءها)) ((نه)): هو الذي تشد فه الصرة والكيس ونحوهما. ((شف)): قوله: ((فإن جاء صاحبها)) شرط حذف جزاؤه للعلم به، أي فردها إليه، أو فبها ونعمت. وقوله: ((فضالة الإبل)) مبتدأ وخبره محذوف أي ما حكمها. وقوله: ((فشأنك)) قيل: هو منصوب علي المصدر شأنت شأنه أي قصدت قصده، وأشأن شأنك أي اعمل ما تحسنه. وقوله: ((معها سقاؤها)) إلي آخره علي تقدير الحال، أي مالك وأخذها؟ والحال أنها مستقلة بأسباب تعيشها. ((حس)): اختلفوا في تأويل قوله: ((اعرف عفاصها)) في أنه لو جاء رجل وادعى اللقطة وأعرف عفاصها ووكائها، هل يجب الدفع إليه أم لا؟ فذهب مالك وأحمد إلي أنه يجب الدفع إليه من غير بينة، إذ هو المقصود من معرفة العفاص والوكاء. وقال الشافعي وأصحاب أبي حنيفة: إذا عرف الرجل العفاص، والوكاء والعدد والوزن، ووقع في نفسه أنه صادق فله أن يعطيه وإلا فبينة؛ لأنه قد يصيب في الصفة بأن يسمع الملتقط يصفها، فعلي هذا تأويل قوله: ((اعرف عفاصها ووكاءها))؛ لئلا تختلط بماله اختلاطاً لا يمكن التمييز إذا جاء مالكها. وأراد بالسقاء أنها إذا وردت الماء شربت ما يكون فيه ريها لظمئها، وهي من أطول البهائم ظمأ. وقيل: أراد به أنها ترد عند احتياجها إليه، فجعل النبي ﷺ صبرها علي الماء، أو ورودها إليه بمثابة سقائها، وبالحذاء خفافها، وأنها تقوى بها علي السير وقطع البلاد الشاسعة، وورود المياه النائية، شبهها النبي ﷺ بمن كان معه حذاء وسقاء في سفره. وإنما أضاف الرب إليها؛ لأن البهائم غير متعبدة ولا مخاطبة، فهي بمنزلة الأموال التي تجوز إضافة مالكها إليها وجعلهم أرباباً لها. ((قض)): فيه دليل علي أن من التقط لقطة وعرفها سنة ولم يظهر صاحبها كان له تملكها، سواء كان غنياً أو فقيراً. وإليه ذهب كثير من الصحابة والتابعين، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق. وروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: ((يتصدق بها الغني ولا ينتفع بها، ولا يملكها)) وبه قال الثوري وابن المبارك وأصحاب أبي حنيفة. ويؤيد الأول ما روي عن أبي بن كعب أنه قال: ((وجدت صرة – إلي قوله – فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها)) وكان أبي بن كعب من مياسير الأنصار.

стр. 1702

٣٠٣٤ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من آوى ضالة فهو ضال ما لم يعرفها)). رواه مسلم. ٣٠٣٥ - وعن عبد الرحمن بن عثمان التيمي أن رسول الله ﷺ نهي عن لقطة الحاج. رواه مسلم. ــ وقوله: ((هي لك)) أي إن أخذتها وعرفتها ولم تجد صاحبها، فإن لك أن تملكها. ((أو لأخيك)) يريد به صاحبها. والمعنى: إن أخذتها فظهر مالك فهو له، أو تركتها فاتفق أن صادفها فهو أيضاً له. وقيل: معناه إن لم تلتقطها يلتقط غيرك. ((أو للذئب)) أي إن تركتها ولم يتفق أن يأخذه غيرك يأكله الذئب غالباً. نبه بذلك علي جواز التقاطها وتملكها، وعلي ما هو العلة لها، وهي كونها معرضة للضياع؛ ليدل علي اطراد هذا الحكم في كل حيوان يعجز عن الرعية بغير راع، والتحفظ عن صغار السباع. وأشار بالتقييد بقوله: ((معها سقاؤها)) أن المانع من التقاطها، والفارق بينها وبين الغنم ونحوها استقلالها بالتعيش، وذلك إنما يتحقق فيما يوجد في الصحراء، فأما ما يوجد في القرى والأمصار فيجوز التقاطها لعدم المانع ووجود الموجب، وهو كونها معرضة للتلف، مطمحة للأطماع. وذهب قوم إلي أنه لا فرق في الإبل ونحوها من الحيوان الكبار بين أن يوجد في صحراء أو عمران؛ لإطلاق المنع. الحديث الثاني عن زيد: قوله: ((فهو ضال)) أي الواجد غير راشد إن لم يعرفها، أو ما وجد ضال كما كان. ((مح)): يجوز أن يراد بـ ((ضال)) ضالة الإبل ونحوها مما لا يجوز التقاطها للتملك، بل إنما يلتقط للحفظ، ((فهو ضال)) إن حفظها ولم يعرفها. الحديث الثالث عن عبد الرحمن: قوله: ((نهي عن لقطة الحاج)) ((قض)): هذا الحديث يحتمل أن يكون المراد به النهي عن أخذ لقطتهم في الحرم، وقد جاء في الحديث ما يدل علي الفرق بين لقطة الحرم وغيره، وأن يكون المراد النهي عن أخذها مطلقاً؛ لتترك مكانها وتعرف بالنداء عليها؛ لأن ذلك أقرب طريقاً إلي ظهور صاحبها؛ لأن الحاج لا يلبثون مجتمعين إلا أياما معدودة، ثم يتفرقون ويصدرون مصادر شتى، فلا يكون للتعريف بعد تفرقهم جدوى. ((مظ)): لا يجوز التقاط لقطة حرم مكة للتملك، فلو التقطها لا يمتلكها بعد التعريف، بل يلزمه أن يحفظها أبدا لمكالها ثمة.

стр. 1703

الفصل الثاني ٣٠٣٦ - عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله ﷺ : أنه سئل عن الثمر المعلق. فقال: ((من أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق منه شيئاً بعد أن يؤويه الجرين، فبلغ ثمن المجن فعليه القطع)) وذكر في ضالة الإبل والغنم كما ذكره غيره. قال: وسئل عن اللقطة فقال ((ما كان منها في الطريق الميتاء والقرية الجامعة فعرفها سنة؛ فإن جاء صاحبها فادفعها إليه، وإن لم يأت فهو لك، وما كان في الخراب العادي ففيه وفي الركاز الخمس)). رواه النسائي. وروى أبو داود عنه من قوله: وسئل عن اللقطة إلي آخره. [٣٠٣٦] ــ الفصل الثاني الحديث الأول عن عمرو: مقدمة الحديث سبق شرحها في باب الغضب. قوله: ((أن يؤويه الجرين)) [نه] أوى وآوى بمعنى واحد، والمقصور منهما لازم ومتعد، ومن المتعدي هذا الحديث، والمعنى يضمه البيدر ويجمعه. ((والجرين)) موضع تجفيف التمر، وهو له كالبيدر للحنطة، ويجمع علي جرن بضمتين. قوله: ((في الطريق الميتاء)) كذا في جامع الأصول، وقد وقع في نسخ المصابيح ((بطريق الميتاء)) بالإضافة. ((تو)): الطريق الميتاء الطريق العام، ومجتمع الطريق أيضاً ميتاء، والجادة التي تسلكها السابلة، وهو مفعال من الإتيان أي يأتيه الناس ويسلكه. قوله: ((فعليه غرامة مثليه والعقوبة)) ((قض)): هذا إيجاب للغرامة والتعزير فيما يخرجه؛ لأنه ليس من باب الضرورة المرخص فيها؛ ولأن الملاك لا يتسامحون بذلك، بخلاف القدر اليسير الذي يؤكل. ولعل تضعيف الغرامة للمبالغة في الزجر؛ أو لأنه كان كذلك تغليظاً في أوائل الإسلام ثم نسخ، وإنما لم يوجب القطع فيه، وأوجب فيما يوجد مما جمع في البيدر؛ لأن مواضع النخل بالمدينة لم تكن محوطة محروزة. والمراد بـ ((ثمن المجن)) ثلاثة دراهم، ويشهد له ما روى ابن عمر ﵄: ((أنه ﷺ قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم)) والجرين للثمار كالمراح للشياه، فإن حرز الأشياء علي حسب العادة، وجعل ما يوجد في العمران وما يأتيه الناس غالباً من المسالك لقطة يجب تعريفها؛ إذ الغالب أنه ملك مسلم. وأعطى ما يوجد في برية والأراضي العادية التي لم تجر عليها عمارة إسلامية، ولم تدخل في ملك مسلم حكم الركاز؛ إذ الظاهر أنه لا مالك له.

стр. 1704

٣٠٣٧ - وعن أبي سعيد الخدري: أن علي بن أبي طالب [﵁] وجد ديناراً، فأتى به فاطمة [﵂]، فسأل عن رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : ((هذا رزق الله)). فأكل منه رسول الله ﷺ ، وأكل علي وفاطمة [﵄]. فلما كان بعد ذلك أتت امرأة تنشد الدينار. فقال رسول الله ﷺ : ((يا علي! أد الدينار)). رواه أبو داود. [٣٠٣٧] ٣٠٣٨ - وعن الجارود، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ضالة المسلم حرق النار)). رواه الدارمي. [٣٠٣٨] ٣٠٣٩ - وعن عياض بن حمار، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من وجد لقطة فليشهد ذا عدل- أو ذي عدل – ولا يكتم ولا يغيب؛ فإن وجد صاحبها فليردها عليه، وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء)). رواه أحمد، وأبو داود، والدارمي. [٣٠٣٩] ــ الحديث الثاني عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((وجد ديناراً)) [((شف))]: فيه دليل علي أن القليل لا يعرف. ((شف)): فيه دليل علي أن الغني له التملك كالفقير، وعلي أن اللقطة تحل علي من لا تحل عليه الصدقة؛ فإن النبي ﷺ كان غنياً بما أفاء الله عليه، وكان هو وعلي وفاطمة ممن لا تحل عليهم الصدقة، وعلي وجوب بذل البدل علي الملتقط إلي مالكها متى ظهر. الحديث الثالث عن الجارود: قوله: ((ضالة المسلم)) ((نه)): هي الضائعة من كل ما يقتنى من الحيوان وغيره، يقال: ضل الشيء إذا ضاع، وهي في الأصل فاعلة، ثم اتسع فيها فصارت من الصفات الغالبة، وتقع علي الذكر والأنثى، والاثنين والجمع، وتجمع علي ضوال. ((حرق النار)) – بالتحريك – لهبها، وقد يسكن، والمعنى أن ضالة المؤمن إذا أخذها إنسان يتملكها، ولم يراع فيها الأحكام التي شرعت فيها من التعريف وغير ذلك عن أخذها أدته إلي النار. الحديث الرابع عن عياض: قوله: ((فليشهد)) ((حس)): هذا أمر تأديب وإرشاد وذلك لمعنيين، أحدهما: أن لا يؤمن من أن يحمله الشيطان علي إمساكها وترك أداء الأمانة فيها. والثاني: الأمن من أن يحوزها ورثته في جملة التركة عند اخترام المنية إياه. وقد قيل بوجوب الإشهاد لظاهر هذا الحديث. قوله: ((وإلا فهو مال الله)) وقال في الحديث السابق ((رزق الله)) وهما عبارتان عن الحلال، وليس للمعتزلة أن يتمسكوا به بأن الحرام ليس برزق؛ لأن المقام مقام مدح اللقطة لإباحتها، لا بيان الحلال والحرام، والفاء في قوله: ((فهو مال الله)) جواب للشرط، ويجوز إسقاطها كما في رواية البخاري، ((وإلا استمتع بها)) قال المالكي: حذف الفاء والمبتدأ في الحديث معا من جواب الشرط.

стр. 1705

٣٠٤٠ - وعن جابر، قال: رخص لنا رسول الله ﷺ في العصا، والسوط، والحبل، وأشباهه يلتقطه الرجل ينتفع به. رواه أبو داود. [٣٠٤٠] وذكر حديث المقدام بن معدي كرب: ((ألا لا يحل)) في ((باب الاعتصام)). [كتاب الفرائض والوصايا] الفصل الأول ٣٠٤١ - عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: ((أنا أولي بالمؤمنين من أنفسهم، فمن مات وعليه دين ولم يترك وفاء؛ فعلي قضاؤه. ومن ترك مالاً فلورثته)). وفي رواية: ((من ترك ديناً أو ضياعاً فليأتني فأنا مولاه)). وفي رواية: ((من ترك مالا فلورثته، ومن ترك كلاً فإلينا)). متفق عليه. ــ الحديث الخامس عن جابر ﵁: قوله: ((في العصا والسوط)) ((حس)): فيه دليل علي أن القليل لا يعرف، ثم منهم من قال: ما دون عشرة دراهم قليل، وقال بعضهم: الدينار فما دونه قليل لحديث علي ﵁، وقال قوم: ينتفع بالقليل التافه من غير تعريف، كالنعل والسوط والجراب ونحوها. باب الفرائض ((حس)): الفرض أصله القطع، يقال: فرضت لفلان إذا قطعت له من المال شيئاً. ((المغرب)): الفريضة اسم ما يفرض علي المكلف، وقد يسمى بها كل مقدر. فقيل لأنصباء المواريث: فرائض، لأنها مقدرة لأصحابها، ثم قيل للعلم بمسائل الميراث: علي الفرائض. وللعالم به: فرضي وفارض وفراض. وفي الحديث ((أفرضكم زيد)) أي أعلمكم بهذا النوع. الفصل الأول الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((من ترك مالا)) منه أخذ التركة. ((فا)): التركة اسم للمتروك، كما أن الطلبة اسم للمطلوب، ومنه تركة الميت. ((أو ضياعا)) ((قض)): ضياعا بالفتح يريد به العيال العالة، مصدر أطلق مقام اسم الفاعل للمبالغة كالعدل والصوم، وروي بالكسر علي أنه جمع ضايع، كجياع في جمع جائع، و ((الكل)) هو الثقل، قال تعالي: ﴿وهُوَ كَلٌّ عَلي مَوْلاهُ﴾ وجمعه كلول، وهو يشمل الدين والعيال. قوله: ((فإلينا)) أي فإلينا مرجعه ومأواه. ((حس)): الضباع اسم ما هو في معرض أن يضيع إن لم يتعهد كالذرية الصغار، والزمني الذين لا يقومون بكل أنفسهم ومن يدخل في معناهم.

стр. 1706

٣٠٤٢ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولي رجل ذكر)). متفق عليه. ٣٠٤٣ - وعن أسامة بن زيد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم)). متفق عليه. ــ أقول: الفاء في قوله: ((فمن مات)) تفسيرية مفصلة لما أجمل من قوله: ((أنا أولي بالمؤمنين)) ومعنى الأولوية النصرة والتولية، أي أنا أتولي أمورهم بعد وفاتهم، وأنصرهم فوق ما كان منهم لو عاشوا، فإن تركوا شيئاً من المال فأذب المستأكلة من الظلمة، أن يحرموا حوله فيخلص لورثتهم، وإن لم يتركوا وتركوا ضياعا وكلا من الأولاد فأنا كافلهم، وإلينا ملجؤهم ومأواهم، وإن تركوا دينا فعلي أدواؤه؛ ولهذا وصفه الله تعالي في قوله عز من قائل: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ وقوله: ﴿النَّبِيُّ أَوْلي بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾. وهكذا ينبغي أن تفسر الآية أيضاً؛ ولأن قوله: ﴿وأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ إنما يلتئم إذا قلنا: إنه ﷺ كالأب المشفق، بل هو أرأف وأرحم بهم. الحديث الثاني عن ابن عباس ﵄: قوله: ((فهو لأولي رجل ذكر)) ((مح)): قال العلماء المراد بـ ((الأولي)) الأقرب، مأخوذ من [الولي] وهو القرب. ووصف الرجل بالذكر تنبيهاً علي سبب استحقاقه، وهي الذكورة التي هي سبب العصوبة وسبب الترجيح في الإرث؛ ولهذا جعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وحكمته أن الرجال تلحقهم مؤن كثيرة في القيام بالعيال، والضيفان، وإرفاد القاصدين، ومواساة السائلين، وتحمل الغرامات وغير ذلك والله أعلم. أقول: أوقع الموصوف مع الصفة موقع العصبة كأنه قيل: فما بقى فهو لأقرب عصبة وسموا عصبة؛ لأنهم يعصبونه ويعتصب بهم، أي يحيطون به ويشتد بهم، والعصبة أقارب من جهة الأب، ((مح)): قد أجمعوا علي أن ما بقي بعد الفرائض فهو للعصبات، يقدم الأقرب فالأقرب، فلا يرث عاصب بعيد مع وجود قريب، وجملة عصبات النسب الابن والأب ومن يدلي بهما، ويقدم منهم الأبناء ثم بنوهم وإن سفلوا، ثم الأب ثم الجد، ثم الإخوة للأبوين أو للأب، وهم في درجة. ((حس)): فيه دليل أن بعض الورثة يحجب البعض، والحجب نوعان: حجب نقصان، وحجب حرمان. الحديث الثالث عن أسامة. قوله: ((لا يرث المسلم الكافر)) ((مح)): أجمع المسلمون علي أن الكافر لا يرث المسلم، وأما المسلم من الكافر ففيه خلاف، فالجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم علي أنه لا يرث أيضاً. وذهب معاذ بن جبل ومعاوية وسعيد بن المسيب ومسروق

стр. 1707

٣٠٤٤ - وعن أنس [﵁]، عن النبي ﷺ ، قال: ((مولي القوم من أنفسهم)). رواه البخاري. ٣٠٤٥ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ابن أخت القوم منهم)). متفق عليه. وذكر حديث عائشة: ((إنما الولاء)) في باب قبل ((باب السلم)). وسنذكر حديث البراء: ((الخالة بمنزلة الأم)) في باب: ((بلوغ الصغير وحضانته)) إن شاء الله تعالي. ــ وغيرهم إلي أنه يرث من الكافر، واستدلوا بقوله ﷺ : ((الإسلام يعلو ولا يعلي عليه)) وحجة الجمهور هذا الحديث. والمراد من حديث الإسلام فضل الإسلام علي غيره وليس فيه تعرض للميراث فلا يترك النص الصريح. وأما المرتد فلا يرث المسلم بالإجماع، وأما المسلم من المرتد ففيه أيضاً الخلاف، فعند الشافعي ومالك وربيعة وابن أبي ليلي وغيرهم أن المسلم لا يرث منه. وقال أبو حنيفة والكوفيون والأوزاعي وإسحاق: إنه يرثه وروي ذلك عن علي وابن مسعود ﵄، لكن قال الثوري وأبو حنيفة: ما اكتسبه في ردته فهو لبيت المال. وما اكتسبه في الإسلام فهو لورثته المسلمين. الحديث الرابع عن أنس ﵁: قوله: ((مولي القوم)) ((مظ)): المولي يقع في اللغة علي المعتق وعلي العتيق، وفسر العلماء المولي هنا بالمعتق، أي يرث من العتيق إذا لم يكن له أحد من عصباته النسبية، ولا يرث العتيق إلا عند طاووس. الحديث الخامس عن أنس ﵁: قوله: ((ابن أخت القوم منهم)) ((مظ)): ابن الأخت من ذوي الأرحام، ولا يرث ذوو الأرحام إلا عند أبي حنيفة وأحمد، وإنما يرث ذوو الأرحام إذا لم يكن للميت عصبة ولا ذو فرض، وذوو الأرحام عشرة أصناف. ولد البنت، وولد الأخت، وبنت الأخ، وبنت العم، والخال، والخالة، وأبو الأم، والعم للأم، والعمة، وولد الأخ من الأم ومن أدلي بهم، وأولادهم أولاد البنت، ثم أولاد الأخت، وبنات الأخ، ثم العم للأم والعمات، والأخوال والخالات، وإذا استوى اثنان منهم في درجة فأولاهم بالميراث من هو أقرب إلي صاحب فرض أو عصبة، وأبو الأم أولي من ولد الأخ من الأم من بنات الأخ وأولاد الأخت. أقول: ((من)) في ((منهم)) اتصالية، أي ابن الأخت متصل بأقربائه في جميع ما يجب أن يتصل به من القول والنصرة والتوريث وما أشبه ذلك، وهو نحو قوله تعالي: ﴿وأُوْلُوا الأَرْحَامِ

стр. 1708

الفصل الثاني ٣٠٤٦ - عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ ،: ((لا يتوارث أهل ملتين شتى)). رواه أبو داود، وابن ماجه. [٣٠٤٦] ٣٠٤٧ - ورواه الترمذي عن جابر. [٣٠٤٧] ٣٠٤٨ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((القاتل لا يرث)). رواه الترمذي، وابن ماجه. [٣٠٤٨] ــ بَعْضُهُمْ أَوْلي بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ أي في أحكامه وفرائضه، والكتاب كثيراً ما يجيء بمعنى الفريضة، واستدل به أصحاب أبي حنيفة علي توريث ذوي الأرحام، وينصره حديث المقدام في الفصل الثاني: ((والخال وارث من لا وارث له)). الفصل الثاني الحديث الأول عن عبد الله: قوله: ((شتى)) حال من فاعل ((يتوارث)) أي مختلفين. ويجوز أن يكون صفة ((لملتين)) أي ملتين متفرقتين، قد سبق بيان تورث المسلم من الكافر وعكسه. وأما توريث الكفار بعضهم من بعض، كاليهودي من النصرإني وعكسه، والمجوسي منهما وهما منه، فقال بن الشافعي، لكن لا يرث حربي من ذمي ولا ذمي من حربي. وكذا لو كانا حربيين في بلدتين متحاربتين قال أصحابنا: لم يتوارثا، كذا في شرح مسلم. الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((القاتل لا يرث)) ((مظ)) العمل علي هذا الحديث عند العلماء، سواء كان القتل عمداً أو خطأ، من صبي أو مجنون أو غيرهما. وقال مالك: إذا كان القتل خطأ لا يمنع الميراث. وقال أبو حنيفة: قتل الصبي لا يمنع. أقول: إذا جعل العلة نفس القتل المنصوص عليه فيعم، وإذا ذهب إلي المعنى وما يعطيه من قطع الوصلة فلا. فالتعريف في ((القاتل)) علي الأول للجنس، وعلي الثاني للعهد، وعليه يتفرع ما ذكره الشيخ محيي الدين في الروضة إذا قتل الإمام مورثه حداً ففي منع التوريث أوجه. ثالثها: إن ثبت بالبينة منع، وإن ثبت بالإقرار فلا؛ لعدم التهمة، والأصح المنع مطلقاً؛ لأنه قاتل.

стр. 1709

٣٠٤٩ - وعن بريدة: أن النبي ﷺ جعل للجدة السدس إذا لم يكن دونها أم. رواه أبو داود. [٣٠٤٩] ٣٠٥٠ - وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا استهل الصبي، صلي عليه، وورث)). رواه ابن ماجه، والدارمي. [٣٠٥٠] ٣٠٥١ - وعن كثير بن عبد الله، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ : ((مولي القوم منهم، وحليف القوم منهم، وابن أخت القوم منهم)). رواه الدارمي. [٣٠٥١] ٣٠٥٢ - وعن المقدام، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أنا أولي بكل مؤمن من نفسه، فمن ترك ديناً أو ضيعة فإلينا. ومن ترك مالاً فلورثته. وأنا مولي من لا مولي ــ الحديث الثالث عن بريدة: قوله: ((دونها أم)) ((دون)) هنا بمعنى قدام، لأن الحاجب كالحاجز بين الوارث والميراث، وأنشد في الكشاف: [تريك القذى دونه وهي دونها] أي قدامه. الحديث الرابع عن جابر ﵁: قوله: ((إذا استهل)) ((حس)): لو مات إنسان ووارثه حمل في البطن يوقف له الميراث، فإن خرج حياً كان له، وإن خرج ميتا فلا يورث منه، بل لسائر ورثته الأول، فإن خرج حياً ثم مات يورث منه، سواء استهل أولم يستهل بعد أن وجدت فيه أمارة الحياة من عطاس، أو تنفس، أو حركة دالة علي الحياة سوى اختلاج الخارج عن المضيق. وهو قول الثوري والأوزاعي والشافعي وأصحاب أبي حنيفة. وذهب قوم إلي أنه لا يورث منه ما لم يستهل، واحتجوا بهذا الحديث، والاستهلال رفع الصوت، والمراد منه عند الآخرين وجود أمارة الحياة، وعبر عنها بالاستهلال؛ لأنه يستهل حالة الانفصال في الأغلب وبه تعرف حياته. وقال الزهري: أرى العطاس استهلالا. الحديث الخامس عن كثير: قوله: ((مولي القوم منهم)) سبق شرحه، وكذا شرح ((ابن أخت القوم))، وأما الحليف فإنهم كانوا يتحالفون ويقولون: دمي دمك وهدمي هدمك، وسلمي سلمك، وحربي حربك، أرث منك وترث مني، فنسخ بآية المواريث. الحديث السادس عن المقدام: قوله: ((أرث ماله)) ((قض)): يريد به صرف ماله إلي بيت مال المسلمين، فإنه لله ولرسوله. وقوله ((أعقل له)) أي أعطي له وأقضي عنه، ما يلزمه بسبب

стр. 1710

له، أرث ماله. وأفك عانه. والخال وارث من لا وارث له، يرث ماله، ويفك عانه)). وفي رواية: ((وأنا وارث من لا وارث له أعقل عنه، وأرثه. والخال وارث من لا وارث له، يعقل عنه، ويرثه)). رواه أبو داود. [٣٠٥٢] ٣٠٥٣ - وعن واثلة بن الأسقع، قال: قال رسول الله ﷺ : ((تحوز المرأة ثلاث مواريث: عتيقها ولقيطها وولدها الذي لا عنت عنه)). رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه. [٣٠٥٣] ٣٠٥٤ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي ﷺ قال: ((أيما رجل عاهر بحرة أو أمة، فالولد ولد زنى لا يرث ولا يورث)). رواه الترمذي. [٣٠٥٤] ٣٠٥٥ - وعن عائشة: أن مولي لرسول الله ﷺ مات وترك شيئاً، ولم يدع ــ الجنايات التي سبيلها أن يتحملها العاقلة. ((وأفك عانه)) أي عإنيه بحذف الياء تخفيفا، كما حذفها في يد، أي أخلص أسيره بالفداء عنه. وقوله: ((والخال وارث من لا وارث له، يرث ماله)) يستدل به علي إرث ذوي الأرحام، وأول من لم يورثهم قوله: ((الخال وارث من لا وارث له)) بمثل قولهم: الجوع زاد من لا زاد له. وحملوا قوله: ((يرث ماله)) علي أنه أولي بأن يصرف إليه ما خلفه علي بيت المال من سائر المسلمين. أقول: لا ارتياب أن قوله: ((يرث ماله)) كالتقرير لقوله: ((الخال وارث)) والتكرير إنما يؤتى به لرفع ما عسى أن يتوهم في المعنى السابق التجوز، فكيف يجعل تقريراً للتجوز؟ رحم الله من أذعن للحق وأنصف. الحديث السابع عن واثلة: قوله: ((تحور المرأة)) ((حس)): هذا الحديث غير ثابت عند أهل النقل، واتفق أهل العلم علي أنها تأخذ ميراث عتيقها، وأما الولد الذي نفاه الرجل باللعان فلا خلاف أن أحدهما لا يرث الآخر؛ لأن التوارث بسبب النسب، وقد انتفي النسب باللعان، أما نسبه من جهة الأم فثابت ويتوارثان. ((قض)): حيازة المتلقطة ميراث لقطتها محمولة علي أنها أولي بأن يصرف إليها ما خلفه من غيرها، صرف مال بيت المال إلي آحاد المسلمين، فإن تركته لهم، لا أنها ترثه وراثة المعتقة من معتقها، وأما حكم ولد الزنا فحكم المنفي بلا فرق. الحديث الثامن عن عمرو: قوله: ((عاهر)) ((نه)): العاهر الزإني، وقد عهر يعهر عهوراً وعهراً إذا أتى المرأة ليلا للفجور بها، ثم غلب علي الزنا مطلقا. الحديث التاسع عن عائشة ﵂: قوله: ((حميما)) حميم الرجل قريبه الذي يهتم لأمره. ((قض)): إنما أمر أن يعطى رجلا من قريته تصدقا منه أو ترفعا، أو لأنه كان لبيت المال

стр. 1711

حميماً ولا ولداً، فقال رسول الله ﷺ : ((أعطوا ميراثه رجلاً من أهل قريته)). رواه أبو داود، والترمذي. [٣٠٥٥] ٣٠٥٦ - وعن بريدة، قال: مات رجل من خزاعة، فأتي النبي ﷺ بميراثه، فقال: ((التمسوا له وارثاً أو ذا رحم)) فلم يجدوا له وارثاً ولا ذا رحم فقال: رسول الله ﷺ : ((أعطوه الكبر من خزاعة)). رواه أبو داود وفي رواية له: قال: ((انظروا أكبر رجل من خزاعة)). [٣٠٥٦] ٣٠٥٧ - وعن علي [﵁]، قال: إنكم تقرءون هذه الآية: ﴿مِّنْ بَعْدِ وصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، وإن رسول الله ﷺ قضى بالدين قبل الوصية، وأن أعيان بني الأم يتوارثوان دون بني العلات، الرجل يرث أخاه لأبيه وأمه، دون أخيه لأبيه)). رواه الترمذي، وابن ماجه. وفي رواية الدرامي: قال: الإخوة من الأم يتوارثون دون بني العلات ...)) إلي آخره. [٣٠٥٧] ــ ومصرفه مصالح المسلمين وسد حاجاتهم، فوضعه فيهم لما رأي من المصلحة، فإن الأنبياء كما لا يورث عنهم لا يرثون عن غيرهم. ((تو)) الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعيهن لا يرثون ولا يورث عنهم؛ لارتفاع قدرهم عن التلبس بالدنيا الدنية، وانقطاع أسبابهم عنها. وقوله في الحديث الذي تقدم: ((أنا مولي من لا مولي له، أرث ماله)) فإنه لم يرد به حقيقة الميراث، وإنما أراد أن الأمر فيه إلي في التصدق به، أو صرفه في مصالح المسلمين، أو تمليك غيره. الحديث العاشر عن بريدة: قوله: ((الكبر من خزاعة)) ((نه)): يقال: فلان كبر قومه بالضم إذا كان أبعدهم في النسب، وهو أن ينتسب إلي جده الأكبر بآباء أقل عدداً من باقي عشيرته. وقوله: ((أكبر رجل)) أي كبيرهم، وهو أقربهم إلي الجد الأعلي. الحديث الحادي عشر عن علي ﵁: قوله: ((وأن أعيان بني الأم)) ((فا)): الأعيان الإخوة لأب واحد وأم واحدة، مأخوذ من عين الشيء وهو النفس منه. وبنو العلات الإخوة لأب واحد وأمهات شتى، فإن كانوا لأم واحدة وآباء شتى فهم الأخياف. ((قض)): سموا علات؛ لأن الزوج قد عل من المتأخرة بعد ما نهل من الأولي، وقد يسمى الأخوة أيضاً علات علي حذف المضاف، والمعنى أن إخوة الأب والأم إذا اجتمعوا مع إخوة الأب فالميراث للذين من الأبوين؛ لقوة القرابة وازدواج الوصلة.

стр. 1712

٣٠٥٨ - وعن جابر، قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع بابنتيها من سعد بن الربيع إلي رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله! هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك يوم أحد شهيداً، وإن عمهما أخذ مالهما ولم يدع لهما مالاً، ولا تنكحان إلا ولهما مال. قال: ((يقضي الله في ذلك)) فنزلت آية الميراث، فبعث رسول الله ﷺ إلي عمهما فقال: ((أعط لابنتي سعد الثلثين، وأعط أمهما الثمن، وما بقي فهو لك)). رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود، وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. [٣٠٥٨] ــ أقول: قوله: ((إنكم تقرءون)) إخبار فيه معنى الاستفهام، يعني إنكم تقرءون هذه الآية، هل تدرون معناها؟ فالوصية مقدمة علي الدين في القراءة مؤخرة عنه في القضاء، والإخوة فيها مطلق يوهم التسوية، فقضى رسول الله ﷺ بتقديم الدين عليها، وقضى في الإخوة بالفرق. وقوله ((وأن أعيان)) بالفتح علي حذف الجار عطف علي ((بالدين)) بدليل رواية المصابيح ((قضى رسول ﷺ أن أعيان بني الأم)). وقوله: ((الرجل يرث)) استئناف كالبيان والتفسير لما قبله. فإن قلت: إذا كان الدين مقدماً علي الوصية فلم قدمت عليه في التنزيل؟ قلت: اهتماماً لشأنها. الكشاف: لما كانت الوصية مشبهة بالميراث في كونها مأخوذة من غير عوض، كان إخراجها مما يشق علي الورثة ويتعاظم، ولا تطيب أنفسهم بها، وكان أداؤها مظنة للتفريط، بخلاف الدين فإن نفوسهم مطمئنة إلي أدائه؛ فلذلك قدمت علي الدين بعثاً علي وجوبها، والمسارعة إلي إخراجها مع الدين؛ ولذلك جيء بكلمة ((أو)) للتسوية بينهما في الوجوب. الحديث الثاني عشر عن جابر ﵁: قوله: ((قتل أبوهما معك)) لا يجوز ((معك)) أن يتعلق بـ ((قتل)). الكشاف في قوله تعالي: ﴿ودَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾. ((مح)) يدل علي معنى الصحبة واستحداثها، تقول خرجت مع الأمير تريد مصاحباً له، فيجب أن يكون دخولهما السجن مصاحبين له، وفي قوله تعالي: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ لا يصح تعلق ((معه)) بـ ((بلغ))؛ لاقتضائه بلوغهما معاً فهو بيان، كأنه لم قيل: فلما بلغ معه السعي، أي الحد الذي يقدر فيه علي السعي، قيل: مع من؟ قيل: مع أبيه، وكذلك التقدير، فلما قيل: قتل يوم أحد، قيل: يوم أحد مع من؟ قيل: معك، و ((شهيداً)) تمييز، ويجوز أن يكون حالا مؤكدة؛ لأن السابق في معنى الشهادة.

стр. 1713

٣٠٥٩ - وعن هزيل بن شرحبيل، قال: سئل أبو موسى عن ابنة، وبنت ابن، وأخت. فقال: للبنت النصف، وللأخت النصف، وائت ابن مسعود، فسيتابعني، فسئل ابن مسعود وأخبر بقول أبي موسى. فقال: لقد ضللت إذن، وما أنا من المهتدين، أقضي فيها بما قضى النبي ﷺ : ((للبنت النصف ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت)). فأتينا أبا موسى، فأخبرناه بقول ابن مسعود. فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم. رواه البخاري. ٣٠٦٠ - وعن عمران بن حصين، قال: جاء رجل إلي رسول الله ﷺ فقال: إن ابني مات، فما لي من ميراثه؟ قال: ((لك السدس)) فلما ولي دعاه قال: ((لك سدس آخر)) فلما ولي دعاه قال: ((إن السدس الآخر طعمة)). رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. [٣٠٦٠] ٣٠٦١ - وعن قبيصة بن ذؤيب، قال: جاءت الجدة إلي أبي بكر [﵁] تسأله ميراثها. فقال لها: مالك في كتاب الله شيء، وما لك في سنة رسول الله ﷺ شيء، فارجعي حتى أسأل الناس. فسأل فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله ﷺ أعطاها السدس. فقال أبو بكر [﵁]: هل معك غيرك؟ فقال محمد ابن مسلمة مثل ما قال المغيرة، فأنفذه لها أبو بكر [﵁]. ثم جاءت الجدة ــ الحديث الثالث عشر عن هزيل: قوله: ((تكملة الثلثين)) إما مصدر مؤكد؛ لأنك إذا أضفت السدس إلي النصف فقد كلمته ثلثين، ويجوز أن يكون حالا مؤكدة. الحديث الرابع عشر عن عمران: قوله: ((إن ابن ابني مات)) ((مظ)) صورة هذه المسألة أنه ترك الميت بنتين وهذا السائل، فلهما الثلثان وبقي الثلث، فدفع ﷺ إلي السائل سدساً بالفرض؛ لأنه جد الميت، وتركه حتى ذهب، فدعاه ودفع إليه السدس الآخر؛ كيلا يظن أن فرضه الثلث. ومعنى ((الطعمة)) هنا التعصيب، يعني رزق لك وليس بفرض. وإنما قال في السدس الآخر طعمة دون الأول؛ لأنه فرض، والفرض لا يتغير بخلاف التعصيب، فلما لم يكن التعصيب شيئاً مستقراً ثابتاً سماه طعمة. الحديث الخامس عشر عن قبيصة: قوله: ((فأنفذه)) أي الحكم بالسدس للجدة. وقوله: ((ثم جاءت الجدة الأخرى)) أي لهذا الميت، إما من جهة الأب إذا كانت الأولي من

стр. 1714

الأخرى إلي عمر [﵁] تسأله ميراثها. فقال: هو ذلك السدس، فإن اسجتمعتما فهو بينكما، وأيتكما خلت به فهو لها. رواه مالك، وأحمد، والترمذي، وأبو داود، والدارمي، وابن ماجه. ٣٠٦٢ - وعن ابن مسعود، قال في الجدة مع ابنها: إنها أول جدة أطعمها رسول الله ﷺ سدساً مع ابنها، وابنها حي. رواه الترمذي، والدارمي، والترمذي ضعفه. [٣٠٦٢] ٣٠٦٣ - وعن الضحاك بن سفيان: أن رسول الله ﷺ كتب إليه: ((أن ورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها)). رواه الترمذي، وأبو داود، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. [٣٠٦٣] ٣٠٦٤ - وعن تميم الداري، قال: سألت رسول الله ﷺ ما السنة في الرجل من أهل الشرك يسلم علي يدي رجل من المسلمين؟ فقال: ((هو أولي الناس بمحياه ومماته)). رواه الترمذي، وابن ماجه، والدارمي. [٣٠٦٤] ــ الأم وبالعكس، وقوله: ((هو ذلك السدس)) أي ميراثك ذلك السدس بعينه تقتسمان بينكما، وقوله: ((فإن اجتمعتما)) إلي آخره، بيان للمسألة، والخطاب في ((فإن اجتمعتما وأيتكما)) للجنس لا يختص بهاتين الجدتين، فالصديق إنما حكم بالسدس لها؛ لأنه ما وقف علي الشركة، والفاروق لما وقف علي الاجتماع حكم بالاشتراك. والله أعلم. الحديث السادس عشر عن ابن مسعود ﵁: قوله: ((إنها أول جدة)) مقول القول، والضمير راجع إلي الجدة المذكورة في المسألة، أي قال بن مسعود في مسألة الجدة مع الابن هذا القول. ((مظ)): يعني أعطى رسول الله ﷺ أم أبي الميت سدساً مع وجود أبي الميت، مع أنه لا ميراث لها معه. ((حس)): قال ابن مسعود: ((الجدات ليس لهن ميراث، إنما طعمة أطعمنها، أقربهن وأبعدهن سواء)). الحديث السابع عشر عن الضحاك: قوله: ((من دية زوجها)) ((حس)): فيه دليل علي أن الدية تجب للمقتول أولا ثم تنتقل منه إلي ورثته كسائر أملاكه، وهذا قول أكثر أهل العلم. وروى عن علي ﵁: أنه كان لا يورث الإخوة من الأم، ولا الزوج والمرأة من الدية شيئاً. الحديث الثامن عشر عن تميم: قوله: ((ما السنة)) ((مظ)): أي ما حكم الشرع في شأن الرجل

стр. 1715

٣٠٦٥ - وعن ابن عباس: أن رجلاً مات ولم يدع وارثاً إلا غلاماً كان أعتقه. فقال النبي ﷺ : ((هل له أحد؟)) قالوا: لا؛ إلا غلام له كان أعتقه، فجعل النبي ﷺ ميراثه له. رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه. [٣٠٦٥] ٣٠٦٦ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ قال: ((يرث الولاء من يرث المال)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديث إسناده ليس بالقوي. [٣٠٦٦] الفصل الثالث ٣٠٦٧ - وعن عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: ((ما كان من ميراث قسم في الجاهلية فهو علي قسمة الجاهلية، وما كان من ميراث أدركه الإسلام فهو علي قسمة الإسلام)). رواه ابن ماجه. [٣٠٦٧] ــ أسلم علي يد غيره، أيصير مولي له أم لا؟ فعند أبي حنيفة والشافعي ومالك والثوري لا يصير مولي له، ويصير مولي عند عمر بن عبد العزيز وسعيد بن المسيب وعمرو بن الليث لهذا الحديث. دليل الشافعي وأتباعه قوله ﷺ ((الولاء لمن أعتق)). وحديث تميم الداري يحتمل أنه كان في بدء الإسلام؛ لأنهم كانوا يتوارثون بالإسلام والنصرة ثم نسخ ذلك. ويحتمل أن يكون قوله ﷺ : ((هو أولي الناس بمحياه ومماته)) يعني بالنصرة في حال الحياة، وبالصلاة بعد الموت فلا يكون حجة. الحديث التاسع عشر عن ابن عباس ﵄: قوله: ((فجعل النبي ﷺ ميراثه له)) هذا الجعل مثل ما سبق في حديث عائشة: ((أعطوا ميراثه رجلا من أهل قريته)). ((مظ)): قال شريح وطاووس: يرث العتيق من المعتق، كما يرث المعتق من العتيق. الحديث العشرون عن عمرو بن شعيب: قوله: ((من يرث المال)) ((مظ)): هذا مخصوص أي كل عصبة ترث مال الميت، ينتقل إليها ولاء العتيق، ولا ينتقل إلي بيت المال، وإن كانت ترث المال؛ لأنها ليست بعصبة بل العصبة الذكور دون الإناث، ولا ترث النساء بالولاء إلا إذا أعتقن، أو أعتق عتيقهن أحداً. الفصل الثالث الحديث الأول والثاني عن محمد بن أبي بكر بن حزم: قوله: ((عجباً)) هذا التعجب من

стр. 1716

٣٠٦٨ - وعن محمد بن أبي بكر بن حزم، أنه سمع أباه كثيراً يقول: كان عمر ابن الخطاب يقول عجباً للعمة تورث ولا ترث. رواه مالك. [٣٠٦٨] ٣٠٦٩ - وعن عمر [﵁]، قال: تعلموا الفرائض، وزاد ابن مسعود: والطلاق والحج. قالا: فإنه من دينكم. رواه الدارمي. [٣٠٦٩] (١) باب الوصايا الفصل الأول ٣٠٧٠ - عن ابن عمر [﵁] قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده)) متفق عليه. ــ حيث القياس ورأي العقل، وإذا نظر إلي التعبد، وأن الحكمة في ذلك إلي الله تعالي فلا عجب. الحديث الثالث عن عمر ﵁: قوله: ((فإنه من دينكم)) ومنه ما روي: ((تعلموا الفرائض وعلموها الناس، فإنه نصف العلم)) وإنما سماه نصف العلم؛ إما توسعاً في الكلام، أو استكثاراً للبعض، أو اعتباراً لحالتي الحياة والممات. باب الوصايا المغرب: الوصية والوصاة اسمان في معنى المصدر. قال الأزهري: هي مشتقة من وصيت الشيء إذا وصلته، وسميت وصية؛ لأنه وصل ما كان في حياته بما بعده، ويقال: وصى وأوصى أيضاً. الفصل الأول الحديث الأول عن ابن عمر ﵄: قوله: ((ما حق امرئ مسلم)) ((ما)) بمعنى ليس، وقوله: ((يبيت ليلتين)) صفة ثالثة لـ ((امرئ)) و ((يوصي فيه)) صفة ((شيء)) والمستثنى خبر. ((مظ)) قيد ((ليلتين)) تأكيد وليس بتحديد، يعني لا ينبغي له أن يمضي عليه زمان وإن كان قليلا إلا ووصيته مكتوبة. أقول: في تخصيص ((ليلتين)) تسامح في إدارة المبالغة، أي لا ينبغي أن يبيت ليلة وقد سامحناه في هذا المقدار فلا ينبغي أن يتجاوز عنه. ((مح)): فيه حث علي الوصية، ومذهب الجمهور أنها مندوبة. وقال الشافعي: معناه ما الحزم والاحتياط لمسلم إلا أن تكون وصيته مكتوبة عنده. وقال داود وغيره من أهل الظاهر: هي

стр. 1717

٣٠٧١ - وعن سعد بن أبي وقاص، قال: مرضت عام الفتح مرضاً أشفيت علي الموت، فأتإني رسول الله ﷺ يعودني، فقلت: يا رسول الله: إن لي مالاً كثيراً وليس يرثني إلا ابنتي، أفأوصي بمالي كله؟ قال: ((لا)) قلت: فثلثي مالي؟ قال: ((لا)) قلت: فالشطر؟ قال: ((لا)) قلت: فالثلث؟ قال: ((الثلث، والثلث كثير. إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها حتى اللقمة ترفعها إلي في امرأتك)) متفق عليه. ــ واجبة بهذا الحديث. ولا دلالة لهم فيه علي الوجوب، لكن إن كان علي الإنسان دين أو وديعة لزمه الإيصاء بذلك، ويستحب تعجيلها، وأن يكتبها في صحيفة ويشهد عليه فيها، وإن تجدد له أمر يحتاج إلي الوصية به ألحقه بها، وإنما قلنا: يشهد عليه فيها؛ لأنه لم تنفعه الوصية إذا لم يشهد عليها. الحديث الثاني عن سعد ﵁: قوله: ((أشفيت)) ((نه)): [يقال: أشفي عليه، ولا يكاد يقال إلا في الشر]. ((فا)): تكفف السائل واستكف إذا بسط كفه للسؤال أو سأل الناس كفا من طعام أو ما يكف الجوعة. قوله: ((إلا ابنتي)). ((خط)): معناه ليس لي وارث من أصحاب الفروض إلا ابنتي، وليس المراد منه أنه لا وارث له غير ابنته، بل كان له عصبة كثيرة. أقول: يؤيد هذا التأويل، قوله: ((أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون)). ولعل تخصيص البنت بالذكر لعجزها، المعنى ليس يرثني ممن أخاف عليه إلا ابنتي. قوله: ((الثلث والثلث كثير)) ((مح)): يجوز نصب الثلث الأول ورفعه، فالنصب علي الإغراء، أو علي تقدير أعط الثلث، وأما الرفع فعلي أنه فاعل، أي يكفيك الثلث، أو علي أنه مبتدأ محذوف الخبر أو عكسه. وقوله: ((أن تذر)) بفتح الهمزة وكسرها روايتان صحيحتان. ((فا)): ((أن تذر)) مرفوع المحل علي الابتداء، أي تركك أولادك أغنياء خير، والجملة بأسرها خبر إن. ((شف)): لا يجوز أن يجعل ((أن)) حرف الشرط؛ لأنه يبقى الشرط حينئذ بلا جزاء، فإنه لا يجوز جعل قوله ((خير)) جزاء له، وكثيراً ما يصحف فيه أهل الزمان. أقول: إذا صحت الرواية فلا التفات إلي من لم يجوز حذف الفاء من الجملة إذا كانت اسمية، بل هو دليل عليه، ثم إني وجدت بعد برهة من الزمان نقلا من جانب الإمام أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن مالك الطائي، في كتاب شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح أنه أتى في الحديث بالشرط وقال: الأصل ((إن تركت ورثتك أغنياء فهو خير)) فحذف الفاء والمبتدأ، ونظيره قوله ﷺ لأبي بن كعب: ((فإن جاء صاحبها وإلا استمتع بها)).

стр. 1718

الفصل الثاني ٣٠٧٢ - عن سعد بن أبي وقاص، قال: عادني رسول الله ﷺ وأنا مريض فقال: ((أوصيت؟)) قلت: نعم. قال: ((بكم؟)) قلت: بمالي كله في سبيل الله. قال: ((فما تركت لولدك؟)) قلت: هم أغنياء بخير. فقال: أوص بالعشر)) فما زلت أناقصه، حتى قال: ((أوص بالثلث، والثلث كثير)) رواه الترمذي. [٣٠٧٢] ــ وقوله لهلال بن أمية: ((البينة، وإلا حد في ظهرك)). وذلك مما زعم النحويون أنه مخصوص بالضرورة، وليس مخصوصاً بل يكثر استعماله في الشعر ويقل في غيره، ومن خص هذا الحذف بالشعر حاد عن التحقيق وضيق حيث لا تضييق. قوله: ((وإنك لن تنفق)) عطف علي قوله: ((إنك أن تذر)) وهو علة للنهي عن الوصية بأكثر من الثلث، كأنه قيل: لا تفعل لأنك إن مت وتذر ورثتك أغنياء، خير من أن تذرهم فقراء، وإن عشت تصدقت بما بقي من الثلث، وأنفقت علي عيالك يكن خيراً لك. ((مح)): فيه جواز ذكر المريض ما يجده من الوجع لغرض صحيح من مداواة أو دعاء أو وصية ونحو ذلك. وإنما يكره من ذلك ما كان علي سبيل السخط، فإنه قادح في أخر مرضه. ودليل علي إباحة جمع المال، ومراعاة العدل بين الورثة والوصية. وأجمعوا علي أن من له وارث لا تنفذ وصيته بزيادة علي الثلث إلا بإجازته، وعلي نفوذها بإجازته في جميع المال. وأما من لا وارث له فمذهب الجمهور لا تصح وصيته فيما زاد علي الثلث، وجوزه أبو حنيفة وأصحابه وإسحاق وأحمد في إحدى الروايتين عنه. وفيه الحث علي صلة الأرحام، والإحسان إلي الأقارب والشفقة علي الورثة، فإن صلة القريب الأقرب والإحسان إليه أفضل من الأبعد. وفيه استحباب الإنفاق في وجوه الخير، وأنه إنما يثاب علي عمله بنيته، وأن الإنفاق علي العيال يثاب عليه إذا قصد به وجه الله تعالي، وأن المباح إذا قصد به وجه الله تعالي صار طاعة؛ فإن زوجة الإنسان من أحظ حظوظه الدنيوية وشهواتها وملاذها المباحة، ووضع اللقمة في فيها إنما يكون في العادة عند الملاعبة والملاطفة وهي أبعد الأشياء عن الطاعة وأمور الآخرة. ومع هذا فأخبر النبي ﷺ أنه إذا قصد به وجه الله تعالي حصل له الأجر، فغير هذه الحالة أولي بحصول الأجر. الفصل الثاني الحديث الأول عن سعد ﵁: قوله: ((بخير)) إما خبر بعد خبر، أو صفة ((أغنياء)) أي ملتبسون بخير. قوله: ((فما زلت أناقصه)) من المناقصة وهي مفاعلة من نقص أي لم أزل

стр. 1719

٣٠٧٣ - وعن أبي أمامة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في خطبته عام حجة الوداع: ((إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث)). رواه أبو داود، وابن ماجه، وزاد الترمذي: ((الولد للفراش والعاهر الحجر، وحسابهم علي الله)). [٣٠٧٣] ــ أراجعه في النقصان، أي أعد ما ذكر ناقصا حتى قال بالثلث، ولو روي بالضاد المعجمة لكان من المناقضة. ((نه)) في حديث صوم التطوع ((فناقضني وناقضته)) أي ينقض قولي وأنقض قوله من نقض البناء، وأراد به المراجعة والمرادة. الحديث الثاني عن أبي أمامة: قوله: ((أعطى كل ذي حق حقه)) ((مظ)): كانت الوصية للأقارب فرضاً قبل نزول آية الميراث، فلما نزلت بطلت الوصية، فإن أوصى وأجاز باقي الورثة صحت. قوله: ((للفراش)) ((نه)): سميت المرأة فراشاً؛ لأن الرجل يفترشها. أي الولد منسوب إلي صاحب الفراش، سواء كان زوجاً، أو سيداً، أو واطئ شبهة. ليس للزإني في نسبه حظ، وإنما الذي حصل له من فعله استحقاق الحد وهو قوله: ((وللعاهر الحجر))، ((تو)): ((وللعاهر الحجر)) يريد أن له الخيبة فلا حظ له في نسب الوالد، وهو كقولك: له التراب، والذي ذهب فيه إلي الرجم فقد أخطأ؛ لأن الرجم لم يشرع في سائر الزناة، وإنما شرع في المحصن دون البكر. أقول: كلا التأويلين حسن، والأول أحسن؛ فإن قوله: ((قد أعطى كل ذي حق حقه)) يدل علي أن لا نصيب لأحد بعد ما بين الله الأنصباء إلا للأجنبي إذا أوصى في حقه، فإن الناس إما منسوب إلي الميت أو لا، والأول إما حقيقة أو ادعاء، فلا حظ للأول فكيف بالثاني، فكان من حق الظاهر أن يقال: لا حق للعاهر ثم له التراث، فوضع الحجر موضعه ليدل بإشارة النص علي الحد، وبعبارته علي الخيبة، وكان أجمع من أن لو قيل: التراب. قوله: ((وحسابهم علي الله)) ((مظ)): يعني نحن نقيم الحد علي الزناة وحسابهم علي الله إن شاء عفا عنهم وإن شاء عاقبهم، هذا مفهوم الحديث. وقد جاء أن من أقيم عليه الحد في الدنيا لا يعذب بذلك الذنب في القيامة؛ فإن الله تعالي أكرم من أن يثني العقوبة علي من أقيم عليه الحد. ويحتمل أن يراد به أن من زنى أو أذنب ذنباً آخر ولم يقم عليه الحد فحسابه علي الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه. أقول: الضمير في ((حسابهم)) إذا رجع إلي العاهر بحسب الجنسية جاز، إذا أريد بالحجر

стр. 1720

٣٠٧٤ – * ويروى عن ابن عباس [﵄] عن النبي ﷺ قال: ((لا وصية لوارث، إلا أن يشاء الورثة)) منقطع. هذا لفظ ((المصابيح)). وفي رواية الدارقطني: قال: ((لا تجوز وصية لوارث إلا أن يشاء الورثة)). [٣٠٧٤] ٣٠٧٥ - وعن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: ((إن الرجل ليعمل والمرأة بطاعة الله ستين سنة، ثم يحضرهما الموت، فيضاران في الوصية، فتجب لهما النار)) ثم قرأ أبو هريرة ﴿مِنْ بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ إلي قوله ﴿وذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾. رواه أحمد، والترمذي، أبو داود، وابن ماجه. [٣٠٧٥] الفصل الثالث ٣٠٧٦ - عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من مات علي وصية مات علي سبيل وسنة، ومات علي تقى وشهادة، ومات مغفوراً له)) رواه ابن ماجه. [٣٠٧٦] ــ الحد، وإذا أريد مجرد الحرمان فلا ويمكن أن يقال: إنه راجع إلي ما يفهم من الحديث من الورثة والعاهر، كأن المعنى أن الله تعالي هو الذي قسم أنصباء الورثة بنفسه، فأعطى بعضا الكثير وبعضا القليل، وحجب البعض وحرم البعض، ولا يعرف حساب ذلك وحكمته إلا هو، فلا تبدلوا النص بالوصية للوارث وللعاهر، فعلي هذا قوله: ((وحسابهم علي الله)) حال من مفعول ((أعطى))، وعلي الأول من الضمير المستقر في الخبر في قوله: ((وللعاهر الحجر)). الحديث الثالث عن ابن عباس ﵂: قوله: ((منقطع)) المنقطع هو الإسناد الذي فيه قبل الوصول إلي التابعي راو لم يسمع من الذي فوقه، والساقط بينهما غير مذكور، ومنه الإسناد الذي ذكر فيه بعض الرواة بلفظ مبهم، نحو رجل أو شيخ أو غيرهما. الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((فيضاران)) المضارة إيصال الضرر إلي شخص، ومعناها في الوصية أن لا يمضي، أو ينقص بعضها، أو يوصي لغير أهلها ونحو ذلك. الفصل الثالث الحديث الأول عن جابر ﵁: قوله: ((علي وصية)) مضى المراد منها في الحديث الأول من الباب، ونكر ((سبيل)) وأبهمه ليدل علي ضرب بليغ من الفخامة، ثم فسره بقوله: ((وسنة)) والتنكير للتكثير، ولكونه تفسيراً لم يعد الجارة، ثم كرر ((الموت)) وأعاد ليفيد استقلال
следующие страницы →