Полный текст (3 308 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
٣٠٦٨ - وعن محمد بن أبي بكر بن حزم، أنه سمع أباه كثيراً يقول: كان عمر ابن الخطاب يقول عجباً للعمة تورث ولا ترث. رواه مالك. [٣٠٦٨]
٣٠٦٩ - وعن عمر [﵁]، قال: تعلموا الفرائض، وزاد ابن مسعود: والطلاق والحج. قالا: فإنه من دينكم. رواه الدارمي. [٣٠٦٩]
(١) باب الوصايا
الفصل الأول
٣٠٧٠ - عن ابن عمر [﵁] قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده)) متفق عليه.
ــ
حيث القياس ورأي العقل، وإذا نظر إلي التعبد، وأن الحكمة في ذلك إلي الله تعالي فلا عجب.
الحديث الثالث عن عمر ﵁: قوله: ((فإنه من دينكم)) ومنه ما روي: ((تعلموا الفرائض وعلموها الناس، فإنه نصف العلم)) وإنما سماه نصف العلم؛ إما توسعاً في الكلام، أو استكثاراً للبعض، أو اعتباراً لحالتي الحياة والممات.
باب الوصايا
المغرب: الوصية والوصاة اسمان في معنى المصدر. قال الأزهري: هي مشتقة من وصيت الشيء إذا وصلته، وسميت وصية؛ لأنه وصل ما كان في حياته بما بعده، ويقال: وصى وأوصى أيضاً.
الفصل الأول
الحديث الأول عن ابن عمر ﵄: قوله: ((ما حق امرئ مسلم)) ((ما)) بمعنى ليس، وقوله: ((يبيت ليلتين)) صفة ثالثة لـ ((امرئ)) و ((يوصي فيه)) صفة ((شيء)) والمستثنى خبر. ((مظ)) قيد ((ليلتين)) تأكيد وليس بتحديد، يعني لا ينبغي له أن يمضي عليه زمان وإن كان قليلا إلا ووصيته مكتوبة. أقول: في تخصيص ((ليلتين)) تسامح في إدارة المبالغة، أي لا ينبغي أن يبيت ليلة وقد سامحناه في هذا المقدار فلا ينبغي أن يتجاوز عنه.
((مح)): فيه حث علي الوصية، ومذهب الجمهور أنها مندوبة. وقال الشافعي: معناه ما الحزم والاحتياط لمسلم إلا أن تكون وصيته مكتوبة عنده. وقال داود وغيره من أهل الظاهر: هي
стр. 1717
٣٠٧١ - وعن سعد بن أبي وقاص، قال: مرضت عام الفتح مرضاً أشفيت علي الموت، فأتإني رسول الله ﷺ يعودني، فقلت: يا رسول الله: إن لي مالاً كثيراً وليس يرثني إلا ابنتي، أفأوصي بمالي كله؟ قال: ((لا)) قلت: فثلثي مالي؟ قال: ((لا)) قلت: فالشطر؟ قال: ((لا)) قلت: فالثلث؟ قال: ((الثلث، والثلث كثير. إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها حتى اللقمة ترفعها إلي في امرأتك)) متفق عليه.
ــ
واجبة بهذا الحديث. ولا دلالة لهم فيه علي الوجوب، لكن إن كان علي الإنسان دين أو وديعة لزمه الإيصاء بذلك، ويستحب تعجيلها، وأن يكتبها في صحيفة ويشهد عليه فيها، وإن تجدد له أمر يحتاج إلي الوصية به ألحقه بها، وإنما قلنا: يشهد عليه فيها؛ لأنه لم تنفعه الوصية إذا لم يشهد عليها.
الحديث الثاني عن سعد ﵁: قوله: ((أشفيت)) ((نه)): [يقال: أشفي عليه، ولا يكاد يقال إلا في الشر]. ((فا)): تكفف السائل واستكف إذا بسط كفه للسؤال أو سأل الناس كفا من طعام أو ما يكف الجوعة. قوله: ((إلا ابنتي)). ((خط)): معناه ليس لي وارث من أصحاب الفروض إلا ابنتي، وليس المراد منه أنه لا وارث له غير ابنته، بل كان له عصبة كثيرة. أقول: يؤيد هذا التأويل، قوله: ((أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون)). ولعل تخصيص البنت بالذكر لعجزها، المعنى ليس يرثني ممن أخاف عليه إلا ابنتي.
قوله: ((الثلث والثلث كثير)) ((مح)): يجوز نصب الثلث الأول ورفعه، فالنصب علي الإغراء، أو علي تقدير أعط الثلث، وأما الرفع فعلي أنه فاعل، أي يكفيك الثلث، أو علي أنه مبتدأ محذوف الخبر أو عكسه. وقوله: ((أن تذر)) بفتح الهمزة وكسرها روايتان صحيحتان. ((فا)): ((أن تذر)) مرفوع المحل علي الابتداء، أي تركك أولادك أغنياء خير، والجملة بأسرها خبر إن. ((شف)): لا يجوز أن يجعل ((أن)) حرف الشرط؛ لأنه يبقى الشرط حينئذ بلا جزاء، فإنه لا يجوز جعل قوله ((خير)) جزاء له، وكثيراً ما يصحف فيه أهل الزمان.
أقول: إذا صحت الرواية فلا التفات إلي من لم يجوز حذف الفاء من الجملة إذا كانت اسمية، بل هو دليل عليه، ثم إني وجدت بعد برهة من الزمان نقلا من جانب الإمام أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن مالك الطائي، في كتاب شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح أنه أتى في الحديث بالشرط وقال: الأصل ((إن تركت ورثتك أغنياء فهو خير)) فحذف الفاء والمبتدأ، ونظيره قوله ﷺ لأبي بن كعب: ((فإن جاء صاحبها وإلا استمتع بها)).
стр. 1718
الفصل الثاني
٣٠٧٢ - عن سعد بن أبي وقاص، قال: عادني رسول الله ﷺ وأنا مريض فقال: ((أوصيت؟)) قلت: نعم. قال: ((بكم؟)) قلت: بمالي كله في سبيل الله. قال: ((فما تركت لولدك؟)) قلت: هم أغنياء بخير. فقال: أوص بالعشر)) فما زلت أناقصه، حتى قال: ((أوص بالثلث، والثلث كثير)) رواه الترمذي. [٣٠٧٢]
ــ
وقوله لهلال بن أمية: ((البينة، وإلا حد في ظهرك)). وذلك مما زعم النحويون أنه مخصوص بالضرورة، وليس مخصوصاً بل يكثر استعماله في الشعر ويقل في غيره، ومن خص هذا الحذف بالشعر حاد عن التحقيق وضيق حيث لا تضييق.
قوله: ((وإنك لن تنفق)) عطف علي قوله: ((إنك أن تذر)) وهو علة للنهي عن الوصية بأكثر من الثلث، كأنه قيل: لا تفعل لأنك إن مت وتذر ورثتك أغنياء، خير من أن تذرهم فقراء، وإن عشت تصدقت بما بقي من الثلث، وأنفقت علي عيالك يكن خيراً لك.
((مح)): فيه جواز ذكر المريض ما يجده من الوجع لغرض صحيح من مداواة أو دعاء أو وصية ونحو ذلك. وإنما يكره من ذلك ما كان علي سبيل السخط، فإنه قادح في أخر مرضه. ودليل علي إباحة جمع المال، ومراعاة العدل بين الورثة والوصية. وأجمعوا علي أن من له وارث لا تنفذ وصيته بزيادة علي الثلث إلا بإجازته، وعلي نفوذها بإجازته في جميع المال. وأما من لا وارث له فمذهب الجمهور لا تصح وصيته فيما زاد علي الثلث، وجوزه أبو حنيفة وأصحابه وإسحاق وأحمد في إحدى الروايتين عنه.
وفيه الحث علي صلة الأرحام، والإحسان إلي الأقارب والشفقة علي الورثة، فإن صلة القريب الأقرب والإحسان إليه أفضل من الأبعد. وفيه استحباب الإنفاق في وجوه الخير، وأنه إنما يثاب علي عمله بنيته، وأن الإنفاق علي العيال يثاب عليه إذا قصد به وجه الله تعالي، وأن المباح إذا قصد به وجه الله تعالي صار طاعة؛ فإن زوجة الإنسان من أحظ حظوظه الدنيوية وشهواتها وملاذها المباحة، ووضع اللقمة في فيها إنما يكون في العادة عند الملاعبة والملاطفة وهي أبعد الأشياء عن الطاعة وأمور الآخرة. ومع هذا فأخبر النبي ﷺ أنه إذا قصد به وجه الله تعالي حصل له الأجر، فغير هذه الحالة أولي بحصول الأجر.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن سعد ﵁: قوله: ((بخير)) إما خبر بعد خبر، أو صفة ((أغنياء)) أي ملتبسون بخير. قوله: ((فما زلت أناقصه)) من المناقصة وهي مفاعلة من نقص أي لم أزل
стр. 1719
٣٠٧٣ - وعن أبي أمامة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في خطبته عام حجة الوداع: ((إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث)). رواه أبو داود، وابن ماجه، وزاد الترمذي: ((الولد للفراش والعاهر الحجر، وحسابهم علي الله)). [٣٠٧٣]
ــ
أراجعه في النقصان، أي أعد ما ذكر ناقصا حتى قال بالثلث، ولو روي بالضاد المعجمة لكان من المناقضة. ((نه)) في حديث صوم التطوع ((فناقضني وناقضته)) أي ينقض قولي وأنقض قوله من نقض البناء، وأراد به المراجعة والمرادة.
الحديث الثاني عن أبي أمامة: قوله: ((أعطى كل ذي حق حقه)) ((مظ)): كانت الوصية للأقارب فرضاً قبل نزول آية الميراث، فلما نزلت بطلت الوصية، فإن أوصى وأجاز باقي الورثة صحت. قوله: ((للفراش)) ((نه)): سميت المرأة فراشاً؛ لأن الرجل يفترشها. أي الولد منسوب إلي صاحب الفراش، سواء كان زوجاً، أو سيداً، أو واطئ شبهة. ليس للزإني في نسبه حظ، وإنما الذي حصل له من فعله استحقاق الحد وهو قوله: ((وللعاهر الحجر))، ((تو)): ((وللعاهر الحجر)) يريد أن له الخيبة فلا حظ له في نسب الوالد، وهو كقولك: له التراب، والذي ذهب فيه إلي الرجم فقد أخطأ؛ لأن الرجم لم يشرع في سائر الزناة، وإنما شرع في المحصن دون البكر.
أقول: كلا التأويلين حسن، والأول أحسن؛ فإن قوله: ((قد أعطى كل ذي حق حقه)) يدل علي أن لا نصيب لأحد بعد ما بين الله الأنصباء إلا للأجنبي إذا أوصى في حقه، فإن الناس إما منسوب إلي الميت أو لا، والأول إما حقيقة أو ادعاء، فلا حظ للأول فكيف بالثاني، فكان من حق الظاهر أن يقال: لا حق للعاهر ثم له التراث، فوضع الحجر موضعه ليدل بإشارة النص علي الحد، وبعبارته علي الخيبة، وكان أجمع من أن لو قيل: التراب.
قوله: ((وحسابهم علي الله)) ((مظ)): يعني نحن نقيم الحد علي الزناة وحسابهم علي الله إن شاء عفا عنهم وإن شاء عاقبهم، هذا مفهوم الحديث. وقد جاء أن من أقيم عليه الحد في الدنيا لا يعذب بذلك الذنب في القيامة؛ فإن الله تعالي أكرم من أن يثني العقوبة علي من أقيم عليه الحد. ويحتمل أن يراد به أن من زنى أو أذنب ذنباً آخر ولم يقم عليه الحد فحسابه علي الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه.
أقول: الضمير في ((حسابهم)) إذا رجع إلي العاهر بحسب الجنسية جاز، إذا أريد بالحجر
стр. 1720
٣٠٧٤ – * ويروى عن ابن عباس [﵄] عن النبي ﷺ قال: ((لا وصية لوارث، إلا أن يشاء الورثة)) منقطع. هذا لفظ ((المصابيح)). وفي رواية الدارقطني: قال: ((لا تجوز وصية لوارث إلا أن يشاء الورثة)). [٣٠٧٤]
٣٠٧٥ - وعن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: ((إن الرجل ليعمل والمرأة بطاعة الله ستين سنة، ثم يحضرهما الموت، فيضاران في الوصية، فتجب لهما النار)) ثم قرأ أبو هريرة ﴿مِنْ بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ إلي قوله ﴿وذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾. رواه أحمد، والترمذي، أبو داود، وابن ماجه. [٣٠٧٥]
الفصل الثالث
٣٠٧٦ - عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من مات علي وصية مات علي سبيل وسنة، ومات علي تقى وشهادة، ومات مغفوراً له)) رواه ابن ماجه. [٣٠٧٦]
ــ
الحد، وإذا أريد مجرد الحرمان فلا ويمكن أن يقال: إنه راجع إلي ما يفهم من الحديث من الورثة والعاهر، كأن المعنى أن الله تعالي هو الذي قسم أنصباء الورثة بنفسه، فأعطى بعضا الكثير وبعضا القليل، وحجب البعض وحرم البعض، ولا يعرف حساب ذلك وحكمته إلا هو، فلا تبدلوا النص بالوصية للوارث وللعاهر، فعلي هذا قوله: ((وحسابهم علي الله)) حال من مفعول ((أعطى))، وعلي الأول من الضمير المستقر في الخبر في قوله: ((وللعاهر الحجر)).
الحديث الثالث عن ابن عباس ﵂: قوله: ((منقطع)) المنقطع هو الإسناد الذي فيه قبل الوصول إلي التابعي راو لم يسمع من الذي فوقه، والساقط بينهما غير مذكور، ومنه الإسناد الذي ذكر فيه بعض الرواة بلفظ مبهم، نحو رجل أو شيخ أو غيرهما.
الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((فيضاران)) المضارة إيصال الضرر إلي شخص، ومعناها في الوصية أن لا يمضي، أو ينقص بعضها، أو يوصي لغير أهلها ونحو ذلك.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن جابر ﵁: قوله: ((علي وصية)) مضى المراد منها في الحديث الأول من الباب، ونكر ((سبيل)) وأبهمه ليدل علي ضرب بليغ من الفخامة، ثم فسره بقوله: ((وسنة)) والتنكير للتكثير، ولكونه تفسيراً لم يعد الجارة، ثم كرر ((الموت)) وأعاد ليفيد استقلال
стр. 1721
٣٠٣٧ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن العاص بن وائل أوصى أن يعتق عنه مائة رقبة، فأعتق ابنه هشام خمسين رقبة، فأراد ابنه عمرو أن يعتق عنه الخمسين الباقية، فقال: حتى أسال رسول الله ﷺ ، فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إن أبي أوصى أن يعتق عنه مائة رقبة، وإن هشاماً أعتق عنه خمسين، وبقيت عليه خمسون رقبة، أفأعتق عنه! فقال رسول الله ﷺ : ((إنه لو كان مسلماً فأعتقتم عنه أو تصدقتم عنه أو حججتم عنه، بلغه ذلك)) رواه أبو داود. [٣٠٧٧]
٣٠٧٨ – * وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من قطع ميراث وارثه؛ قطع الله ميراثه من الجنة يوم القيامة)). رواه ابن ماجه. [٣٠٧٨]
٣٠٧٩ - ورواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) عن أبي هريرة [﵁]. [٣٠٧٩]
ــ
صفة التقوى والشهادة، ثم ثلث بـ ((الغفران)) ترقياً، لأن الغفران غاية المطلب ونهاية المقصد، ومن ثم أمر الله تعالي رسوله ﷺ بالاستغفار قبل إتمام النعمة في قوله: ﴿إذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ والْفَتْحُ﴾. وإنما لم يعد ((الجارة)) في القرينة الثالثة؛ لأن الحالات السابقة هيآت صادرة عن العبد، والأخيرة عن الله تعالي، وهو الوجه في الفرق بينهما. والله أعلم.
الحديث الثاني والثالث عن أنس ﵁: قوله: ((ميراثه من الجنة)) ((غب)): الوراثة انتقال قنية إليك عن غيرك من غير عقد، ولا ما يجري مجراه، وسمي بذلك المنتقل عن الميت، ويقال لكل من حصل له شيء من غير تعب: وقد ورث كذا. ويقال لمن خول شيئاً مهنأ: أورث. قال تعالي: ﴿تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا﴾.
أقول: وتخصيص ذكر يوم القيامة وقطعه ميراث الجنة؛ للدلالة علي مزيد الخيبة والخسرة، ووجه المناسبة أن الوارث كما انتظر وترقب وصول الميراث من مورثه، فخاب في العاقبة لقطعه، كذلك يخيب الله تعالي آماله عند الوصول إليها والفوز بها. والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.
стр. 1722
كتاب النكاح
الفصل الأول
٣٠٨٠ - عن عبد الله بن مسعود، قال: قال سول الله ﷺ : ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء)) متفق عليه.
ــ
كتاب النكاح
((مح)): هو في اللغة الضم، ويطلق علي العقد وعلي الوطء. نقل الواحدي عن الزجاج هذا، وقال: وتركيب ((ن ك ح)) علي هذا الترتيب لزوم الشيء بالشيء راكباً عليه. قال: قال أبو علي الفارسي: فرقت العرب بينهما فرقاً لطيفاً، فإذا قالوا: نكح فلانة أو بنت فلان أو أخته أرادوا عقد عليها، وإذا قالوا: نكح امرأته أو زوجته، لم يريدوا إلا الوطء. حكى القاضي حسين من أصحابنا: أنه حقيقة في العقد مجاز في الوطء، وصححه القاضي أبو الطيب، وقطع به المتولي وغيره. وقيل بالعكس، وبه قال أبو حنيفة. وقيل للتزويج: نكاح؛ لأنه سبب الوطء، وقيل: حقيقة فيهما بالاشتراك؛ ويتعين المقصود بالقرينة كما سبق عن علي ﵁. ((غب)): أصل النكاح العقد، ثم استعير للجماع، ومحال أن يكون في الأصل للجماع ثم استعير للعقد؛ لأن أسماء الجماع كلها كنايات لاستقباحهم ذكره كاستقباح تعاطيه، ومحال أن يستعير من لا يقصد فحشاً اسم ما يستقبحونه لما يستحسنونه. قال الله تعالي: ﴿وأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نَكَحْتُمُ المُؤْمِنَاتِ﴾ ﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ إلي غير ذلك من الآيات.
الفصل الأول
الحديث الأول عن عبد الله: قوله: ((يا معشر الشباب)) ((مح)): المعشر هم الطائفة الذين يشملهم وصف، كالشباب والشيخوخة والبنوة، والشباب جمع شاب، ويجمع علي شبان وشببة، وهو عند أصحابنا من بلغ ولم يجاوز ثلاثين سنة. وأما ((الباءة)) فالفصيحة المشهورة بالمد والهاء، وقيل: بلا مد، وقيل: بالمد ولا هاء، وقيل: بالهائين ولا مد، وهي الجماع مشتقة من المباءة المنزل، ثم قيل لعقد النكاح باءة؛ لأن من تزوج امرأة بوأها منزلا، واختلفوا في المراد بها في الحديث علي وجهين: أرجحهما: أن المراد هو الجماع، والمضاف محذوف، أي أسبابه ومؤنته، فتقديره: من استطاع منكم أسباب الجماع ومؤنته فليتزوج. الثاني: أن المراد
стр. 1723
٣٠٨١ - وعن سعد بن أبي وقاص، قال: رد رسول الله ﷺ علي عثمان بن معظون التبتل ولو أذن له لاختصينا. متفق عليه.
ــ
بها مؤن النكاح، سميت باسم ما يلازمها. ولا بد من أحد التأويلين؛ لأن قوله ﷺ : ((ومن لم يستطع)) عطف علي قوله: ((من استطاع)) ولو حمل ((الباءة)) علي الجماع لم يستقم قوله: ((فإن الصوم له وجاء))؛ لأنه لا يقال للعاجز هذا، وإنما يستقيم إذا قيل: أيها القادر المتمكن من الشهوة! إن حصلت لك مؤن النكاح فتزوج وإلا فصم، ولهذا خص النداء بـ ((الشباب)). والوجاء – بكسر الواو والمد – رض الخصيتين، أي الصوم يقطع الشهوة وشر المني، كما يفعل الوجاء، كان من الظاهر أن يقول: ومن لم يستطع فعليه بالجوع، وقلة ما يزيد في الشهوة وطغيان الماء من الطعام، فعدل إلي الصوم إدماجاً لمعنى عبادة هي برأسها مطلوبة، وليؤذن أن المطلوب من نفس الصوم الجوع وكسر الشهوة، وكم من صائم يمتلئ معي قال أبو عبيدة: ((فعليه بالصوم)) إغراء غائب، ولا تكاد العرب تغري إلا الشاهد. تقول: عليك زيداً ودونك عمراً، ولا تقول: عليه زيداً، إلا في هذا الحديث – انتهي كلامه.
ولما كان الضمير الغائب راجعاً إلي لفظة ((من)) وهي عبارة عن المخاطبين في قوله: ((يا معشر الشباب)) وبين بقوله: ((منكم)) جاز؛ لأنه بمنزلة الخطاب، وفي عكسه قول القائل: أنا الذي سمتني أمي حيدرة.
((مح)): فيه الأمر بالنكاح لمن استطاعه وتاقت إليه نفسه، فهو عندنا علي سبيل الندب؛ فلا يلزمه التزويج ولا التسري سواء خاف العنت أم لا، وأوجبه داود من وافقه من أهل الظاهر رواية عن أحمد. قال الإمام المازري: حجة الجمهور قوله تعالي: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ - إلي قوله - أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ الآية؛ لأن الله سبحانه وتعالي خيره بين النكاح والتسري؛ ولا يجب التسري بالاتفاق، فلو كان النكاح واجباً لما خيره بينه وبين التسري لأنه لا يصح التخيير بين واجب وغيره؛ لأنه يؤدي إلي إبطال حقيقة الواجب وأن تاركه لا يكون آثماً. والناس في النكاح علي أربعة أقسام؛ لأنه لا يخلو من أن يكون تائقاً إليه أم لا، والأول إما أن يجد المؤن والأسباب أم لا، فإن وجد فيستحب له النكاح، وإن لم يجد فعليه الصوم، والثاني إما أن يجد المؤن والأسباب أم لا، فإن وجد فالأولي له ترك النكاح والتخلي للعبادة عند الجمهور، ومذهب أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي ومالك أن النكاح له أفضل، وإن لم يجد فيكره له النكاح.
الحديث الثاني عن سعد: قوله: ((التبتل)) ((حس)): التبتل الانقطاع عن النساء وترك النكاح،
стр. 1724
٣٠٨٢ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((تنكح المرأة لأربع لمالها، ولحسبها ولجمالها، ولدينها؛ فاظفر بذات الدين تربت يداك)) متفق عليه.
ــ
وامرأة بتول منقطعة عن الرجال لا شهوة لها فيهم، وسميت فاطمة البتول؛ لانقطاعها عن نساء الأمة فضلا وديناً وحسباً. وكان التبتل من شريعة النصارى، فنهي النبي ﷺ أمته عنه؛ ليكثر النسل ويدوم الجهاد. وقال ابن عباس لسعيد بن جبير: ((تزوج فإن خير هذه الأمة أكثرها نساءً)). أقول: كان من حق الظاهر أن يقال: لو أذن لتبتلنا، فعدل إلي قوله: ((اختصينا)) إرادة للمبالغة، أي لو أذن له لبالغنا في التبتل حتى الاختصاء، ولم يرد به حقيقته لأنه غير جائز. ((مح)): كان ذلك ظناً منهم جواز الاختصاء، ولم يكن هذا الظن موافقاً؛ فإن الاختصاء في الآدمي حرام صغيراً أو كبيراً، وكذا يحرم خصاء كل حيوان لا يؤكل، وأما المأكول فيجوز في صغيره ويحرم في كبيره.
الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((تنكح المرأة لأربع: لمالها)) بدل من ((أربع)) بإعادة العامل، وقد جاء اللام مكرراً في الخصال الأربع في ((صحيح مسلم)) وليس في ((صحيح البخاري)) اللام في ((جمالها)). ((قض)): من عادة الناس أن يرغبوا في النساء ويختاروها لإحدى أربع خصال عدوها. واللائق بذوي المروءات وأرباب الديانات أن يكون الدين مطمح نظرهم فيما يأتون ويذرون، لا سيما فيما يدوم أمره ويعظم خطره، فلذلك اختاره الرسول ﷺ بأوكد وجه وأبلغه، فأمر بالظفر الذي هو غاية البغية، ومنتهي الاختيار، والطلب الدال علي تضمن المطلوب لنعمة عظيمة وفائدة جليلة.
وأما قوله: ((تربت يداك)) فقد سبق غير مرة أن هذا وأمثاله وإن كان دعاء في أصله، إلا أن العرب تستعملها لمعان اخر كالمعاتبة والإنكار والتعجب وتعظيم الأمر والحث علي الشيء، وهو المراد به هاهنا. ((نه)): ترب الرجل إذا افتقر أي لصق بالتراب، وأترب إذا استغنى، ولم ترد العرب وقوع الأمر بها، كما تقول: قاتله الله. وقيل: هو دعاء علي الحقيقة؛ فإنه ﷺ قد قال لعائشة: ((تربت يمينك))؛ لأنه ﷺ رأي الحاجة خيراً لها، والأول أوجه. ((حس)): هي كلمة جارية علي ألسنتهم كقولهم: لا أب لك ولا أم لك ولم يرد وقوع الأمر، وقيل: قصد بها وقوع الأمر لتعديه ذوات الدين إلي ذوات الجمال والمال، ومعناه تربت يداك إن لم تفعل ما أمرتك، والأول أولي.
أقول: إنما كان الأول أوجه؛ لأنه من باب العكس تعجباً، وذلك أنهم إذا رأوا مقداماً أبلي في الحرب بلاء حسناً، يقولون: قاتله الله، ما أشجعه! إنما يريدون به ما تزيد به قوته وشجاعته ونصرته، وكذلك ما نحن فيه؛ فإن الرجل إنما يؤثر تلك الثلاثة علي ذات الدين لإعدامها مالاً
стр. 1725
٣٠٨٣ - وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الدنيا كلها متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة)) رواه مسلم.
٣٠٨٤ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش أحناه علي ولد في صغره، وأرعاه علي زوج في ذات يده)) متفق عليه.
ــ
وجمالاً وحسباً فينبغي أن يحمل الدعاء ما يجنب عنه من الفقر، أي عليك بذات الدين يغنك الله، فيوافق معنى الحديث النص التنزيلي ﴿وأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ والصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وإمَائِكُمْ إن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ والصالح هو صاحب الدين.
((مح)): النبي ﷺ أخبر بما يفعله الناس في العادة فإنهم يقصدون في التزوج هذه الخصال الأربع ويؤخرون ذات الدين، فأمر رسول الله ﷺ أن يقدم ما أخروها، يعني فاظفر أنت أيها المسترشد بذات الدين وفز بها. وفيه الحث علي مصاحبة أهل الصلاح في كل شيء؛ لأن من صاحبهم استفاد من أخلاقهم وبركتهم وحسن طرائقهم، ويأمن المفسدة من جهتهم. ((حس)): روي أن رجلا جاء إلي الحسن وقال له: إن لي بنتاً أحبها، وقد خطبها غير واحد، فمن تشير علي أن أزوجها. قال: زوجها رجلا يتقي الله؛ فإن إن أحبها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلهما.
((قوله)): فاظفر جزاء شرط محذوف، أي إذا تحقق ما فصلت لك تفصيلاً بيناً، فاظفر أيها المسترشد بذات الدين؛ فإنها تكسبك منافع الدارين. واللامات المكررة مؤذنة بأن كلا منهن مستقلة في الغرض.
الحديث الرابع عن عبد الله بن عمر ﵄: قوله: ((كلها متاع)) هو من التمتع بالشيء: الانتفاع به، وكل ما ينتفع به من عروض الدنيا قليلها وكثيرها فهو متاع. أقول: الظاهر أنه ﷺ أخبر أن الاستمتاعات الدنيوية كلها حقيرة لا يعبأ بها. وكذلك أنه تعالي لما ذكر أصنافها وأنواعها وسائر ملاذها في قوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ - إلي قوله - والأَنْعَامِ والْحَرْثِ﴾ أتبعه بقوله: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ثم قال بعده: ﴿واللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ فنبه علي أنها تضاد ما عند الله تعالي من حسن الثواب، وخص منها المرأة وقيدها بالصالحة؛ ليؤذن بأنها شرها لو لم تكن علي هذه الصفة، ومن ثمة قدمها في الآية علي سائرها. وورد في حديث أسامة ((ما تركت بعدي فتنة أضر علي الرجال من النساء)).
الحديث الخامس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((ركبن الإبل)) ((قض)): يريد به خير نساء العرب لأنهن يركبن الإبل. و ((أحناه)) أشفقه، من حنا يحنو حنوا إذا عطف، وتذكير
стр. 1726
٣٠٨٥ - وعن أسامة بن زيد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما تركت بعدي فتنة أضر علي الرجال من النساء)) متفق عليه.
٣٠٨٦ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء)) رواه مسلم.
ــ
الضمير علي تأويل أحنى هذا الصنف، أو من يركب الإبل، أو يتزوج، أو نحوها. ((وأرعاه علي زوج في ذات يده)) أي أحفظ من يتزوجن علي زوجها فيما في يده، أي أمواله التي في يدها، وذكر الضمير إجراء علي لفظ ((أرعاه))، أو في الأموال التي في ملك يد الزوج وتصرفه. ((شف)): تنكير لفظ الولد إشارة إلي أنها تحنو علي أي ولد كان، وإن كان ولد زوجها من غيرها أكثر مما يحنو عليه غيرها. أقول: وفي وصفه الولد بالصغر إشعار بأن حنوها معلل بالصغر، وأن الصغر هو الباعث علي الشفقة، فأينما وجد هذا الوصف وجد حنوهن. ((مح)): فيه فضيلة نساء قريش لشفقتهن وحسن تربيتهن والقيام علي الأولاد إذا كانوا أيتاما، فلا تتزوج بعد يتمهم، فإن تزوجت فليست بحإنية انتهي كلامه.
فإن قلت: أي فرق بين قوله: ((أحناه وأحناهن؟)) قلت: الأول دل علي الجنسية، وهو من يعرف كل أحد أن العرب منهم، فالقصد الأولي فيه المعنى والذات تابعة له، كأنه قيل: خير هذا الجنس الذي فاق الناس في الشرف هذا الجيل، ولذلك عدل من ذكر العرب إلي الصفة المميزة من قوله: ((ركبن الإبل)) لزيادة الاختصاص. ولو قيل: أحناهن، كانت الذات مقصودة والمعنى تابعاً لها فلم يكن بذلك. وفي اختصاص العرب من بين سائر الناس واختصاص قريش منها دلالة علي أن العرب أشرف الناس وقريش أشرفها.
الحديث السادس عن أسامة: قوله: ((فتنة أضر)) وذلك أن المرأة إذا لم تكن يمنعها الصلاح الذي من جبلتها، كانت عين المفسدة، فلا تأمر زوجها إلا بشر ولا تحثه إلا علي فساد، وأقل ذلك أن ترغبه في الدنيا كي يتهالك فيها، وأي فساد أضر من هذا! وقد سبق أنه تعالي قدمها في آية ذكر الشهوات علي سائر الأنواع وجعلها نفس الشهوات، حيث بين الشهوات بقوله: ﴿مِّنَ النِّسَاءِ﴾ ثم عقبها بغيرها دلالة علي أنها أصلها ورأسها.
الحديث السابع عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((حلوة خضرة)) ((مظ)): أي طيبة مزينة في عيونكم وقلوبكم، والاستخلاف إقامة الغير مقام نفسه، أي جعل الله الدنيا مزينة لكم ابتلاء واختباراً، فينظر هل تتصرفون فيها كما يحب ويرضي أو تسخطونه وتتصرفون فيها بغير ما يحب ويرضي؟ وقوله: ((فاتقوا الدنيا)) أي احذروا من الاغترار بما في الدنيا؛ فإنه في وشك الزوال، واحذروا أن تميلوا إلي النساء بالحرام أو تقبلوا قولهن؛ فإنهم ناقصات عقل، لا خير في
стр. 1727
٣٠٨٧ - وعن ابن عمر. قال: قال رسول الله،: ((الشؤم في المرأة، والدار، والفرس)) متفق عليه، وفي رواية: ((الشؤم في ثلاثة: في المرأة، والمسكن، والدابة)).
٣٠٨٨ - وعن جابر، قال: كنا مع النبي ﷺ في غزوة، فلما قفلنا كنا قريباً من المدينة قلت: يا رسول الله! إني حديث عهد بعرس. قال: ((تزوجت؟)) قلت: نعم. قال: ((أبكر أم ثيب؟)) قلت: بل ثيب. قال: ((فهلا بكراً تلاعبها وتلاعبك)). فلما قدمنا ذهبنا لندخل، فقال: ((أمهلوا حتى ندخل ليلاً – أي عشاء – لكي تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة)). متفق عليه.
ــ
كلامهن غالباً، وأول فتنة في بني إسرائيل أن رجلاً منهم اسه عاميل طلب منه ابن أخيه – وقيل: ابن عمه – أن يزوجه ابنته فلم يزوجها منه فقتله؛ لينكح ابنته – وقيل: لينكح زوجته – وهو الذي نزلت فيه قصة البقرة. والله اعلم بصحته.
الحديث الثامن عن ابن عمر ﵄: قوله: ((الشؤم)) ((نه)): هو ضد اليمن تشاءمت وتيمنت، والواو في الشؤم همزة، لكنها خففت فصارت واواً غلب عليها التخفيف، حتى لم ينطق بها مهموزة. قيل: شؤم الدار ضيفها وسوء جوها، وشؤم الفرس أن لا يغزي عليها، وشؤم المرأة أن لا تلد، وقيل: شؤم الفرس صعوبته وسوء خلقه، وشؤم المرأة غلاء مهرها وسوء خلقها. وقيل: هذا إرشاد منه إن كانت له دار يكره سكناها وامرأة يكره صحبتها أو فرس لا يعجبه بأن يفارق بالانتقال عن الدار وتطليق المرأة وبيع الفرس، فلا يكون هذا من باب الطيرة المنهي عنها. وهذا كما روي أنه ﷺ قال: ((ذروها ذميمة)) – انتهي كلامه. ومن ثمة جعلها ﷺ من باب الطيرة علي سبيل الفرض في قوله: ((إن تكن الطيرة في شيء ففي المرأة والفرس والدار)).
((خط)): هذه الأشياء الثلاثة ليس لها بأنفسها وطباعها فعل وتأثير، وإنما ذلك كله بمشيئة الله وقضائه، وخصت بالذكر لأنها أعم الأشياء التي يقتنيها الناس، ولما كان الإنسان لا يخلو عن العارض فيها، أضيف إليها اليمن والشؤم إضافة مكان ومحل.
الحديث التاسع عن جابر ﵁: قوله: ((أبكر أم ثيب؟)) وفي أصل المالكي ((هل تزوجت؟)) قال صاحب المفتاح: و ((هل)) لا يطلب بها إلا حصول النسبة؛ ومن ثم امتنع ((هل عندك عمرو أم بشر؟)) بالاتصال دون الانقطاع، بيانه أن ((أم)) المتصلة تستدعي حصول النسبة عند الطالب، ويسأل بها عن تعيين أحد المنتسبين، و ((هل)) تستدعي أن لا تكون النسبة حاصلة عنده فيسأل بها عنها، فبينهما تناف. وقال المالكي: في هذا الحديث شاهد علي إيقاع ((هل)) موضع الهمزة فتكون أم بعدها متصلة؛ لان استفهام النبي ﷺ جابراً لم يكن إلا بعد علمه بتزويجه، فطلب منه الإعلام بالتعيين.
стр. 1728
الفصل الثاني
٣٠٨٩ - عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: ((ثلاثة حق علي الله عونهم: المكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف، والمجاهد في سبيل الله)) رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه. [٣٠٨٩]
٣٠٩٠ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه؛ إن لا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد عريض)). رواه الترمذي. [٣٠٩٠]
ــ
قوله: ((فهلا بكراً)) أي فهلا تزوجت بكراً، ثم علله بقوله: ((تلاعبها وتلاعبك)) وهو عبارة عن الألفة التامة؛ فإن الثيب قد تكون متعلقة القلب بالزوج الأول، فلم تكن محبتها كاملة بخلاف البكر، وعليه ما ورد ((عليكم بالأبكار، فإنهن أشد حباً وأقل خباً)). قوله: ((لكي تمتشط)) ((قض)): لأن تتهيأ وتتزين لزوجها بامتشاط الشعر وتنظيف البدن بالحلق ونحوه. والاستحداد في الأصل الاستفعال من الحديد، أي استعماله. و ((الشعثة)) المنتشرة الشعر من شعث إذا انتشر، و ((المغيبة)) التي غاب زوجها، يقال: أغابت المرأة فهي مغيبة. فإن قلت: كيف أمر هاهنا بالدخول ليلا وقد نهي أن يطرق الرجل أهله وهو أن يأتيه ليلا؟ قلت: المراد من النهي أن يفاجئ الرجل أهله؛ لما ذكر في هذا الحديث من التهيؤ والتزين، أما إذا قدم ليلا بعد إعلام ولبث كما كان في مقدمهم هذا، فلا نهي عنه لانتفاء ما هو المقتضي له – انتهي كلامه. فإن قلت: كيف قيل: ((وتستحد المغيبة)) و ((الشعثة)) هي المغيبة أيضاً؟ قلت: تفاديا عن اللفظ المستهجن، ولما لم يكن لفظ الشعثة مستهجناً صرح به، وكنى بالمغيبة عن طول شعر عانتها لاستهجانه، ومن ثمة عدل عن النتف إلي الاستحداد، لأن النساء لا يرون استعمال الحديد ولا يحسن بهن.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((ثلاثة حق علي الله)) إنما آثر هذه الصيغة إيذاناً بأن هذه الأمور من الأمور الشاقة التي [تفدح] الإنسان وتقصم ظهره، ولولا أن الله تعالي يعينه عليها لا يقوم بها، وأصعبها العفاف؛ لأنه قمع الشهوة الجبلية المركوزة فيها، وهي مقتضى البهيمية النازلة في أسفل السافلين، فإذا استعف وتداركه عون الله تعالي، ترقى إلي منزلة الملائكة وأعلي عليين.
الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((إن لا تفعلوه)) الفعل هنا كناية عن
стр. 1729
٣٠٩١ - وعن معقل بن يسار، قال: قال رسول الله ﷺ : ((تزوجوا الودود الولود؛ فإني مكاثر بكم الأمم)) رواه أبو داود، والنسائي. [٣٠٩١]
ــ
المجموع، أي إن لم تزوجوا من ترضون دينه وخلقه تحدث فتنة في الأرض وفساد عريض، والفساد خروج الشيء عن حالة استقامته، وكونه منتفعاً به، ونقيضه الصلاح وهو الحصول علي الحالة النافعة. والفساد في الأرض هيج الحروب والفتن؛ لأن في ذلك فساد ما في الأرض وانتفاء الاستقامة عن أحوال الناس والزروع والمنافع الدينية والدنيوية، قال الله تعالي: ﴿وإذَا تَوَلي سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ﴾.
والحديث يحتمل وجهين: أحدهما: أنكم إن لم ترغبوا فيمن له الدين المرضي والخلق الحسن الموجبان لصلاح الأرض واستقامتها، ورغبتم في مجرد الحسب والمال الجالبين للطغيان المؤدي إلي البغي والفساد في الأرض – تكن فتنة في الأرض وفساد عريض، وإلي هذا المعنى أشار التنزيل في حق المنافقين: ﴿وَإذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلا إنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُونَ وَلَكِن لَاّ يَشْعُرُونَ﴾. وثإنيهما: ما ذكره المظهر وهو إن لم تزوجوا من ترضون دينه، بل نظرتم إلي صاحب مال وجاه كما هو من شيمة أبناء الدنيا، يبقى أكثر النساء بلا زوج والرجال بلا زوجة، فيكثر الزنا ويلحق العار الأولياء والغيرة، فيقع القتل فيمن نسب إليه هذا العار، فتهيج الفتن.
وفي الحديث دليل لمالك فإنه يقول: لا يراعى في الكفاءة إلا الدين وحده. ومذهب الجمهور أنه يراعى أربعة أشياء: الدين، والحرية، والنسب، والصنعة؛ فلا تزوج المسلمة من كافر، ولا الصالحة من فاسق، ولا الحرة من عبد، ولا المشهورة النسب من الخامل، ولا بنت تاجر أو لمن له حرفة طيبة ممن له حرفة خبيثة أو مكروهة، فإن رضيت المرأة أو وليها بغير كفء صح النكاح، وإن رضي أحدهما بغير كفء دون الآخر فالنكاح باطل، وإن كثرت الأولياء لابد من رضي الكل.
الحديث الثالث عن معقل: قوله: ((فإني مكاثر)) يعني أغالب الأمم السالفة في الكثرة بأمتي، وهو تعليل للأمر بتزويج الودود الولود؛ وإنما أتى بالقيدين، لأن الولود إذا لم تكن ودوداً لم يرغب الزوج فيها، والودود إذا لم تكن ولوداً لم يحصل المطلوب. ((مظ)): وفيه استحباب التزوج وإيثار الولود الودود علي غيرها، وفضيلة كثيرة الأولاد؛ لأن بها يحصل ما قصده النبي ﷺ من المباهاة، وتظهر فائدة الخلق من العبادة. ويعرف القيدان أعنى الودود الولود في الأبكار من أقاربهن؛ لأن الغالب سراية طباع الأقارب من بعضهن إلي بعض.
стр. 1730
٣٠٩٢ - وعن عبد الرحمن بن سالم بن عتبة بن عويم بن ساعدة الأنصاري، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ : ((عليكم بالأبكار؛ فإنهن أعذب أفواها، وأنتق أرحاماً، وأرضي باليسير)). رواه ابن ماجه مرسلاً. [٣٠٩٢]
ــ
الحديث الرابع عن عبد الرحمن: قوله: ((فإنهن أعذب)) أفرد الخبر وذكر علي تقدير ((من)) كقوله تعالي: ﴿هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ ((تو)): إنما أضاف العذوبة إلي الأفواه إرادة ما يحويه من الريق، ويقال للريق والخمر: الأعذبان، والعذب الماء الطيب. ((شف)): يمكن أن يكون ((أعذب أفواهاً)) مجازاً عن قلة بذائها وفحشها مع زوجها لبقاء حيائها؛ فإنها ما خالطت زوجاً قبله. قوله: ((وأنتق أرحاماً)) ((نه)): أي أكثر أولاداً يقال للمرأة الكثيرة الولد ناتق؛ لأنها ترمي بالأولاد رمياً والنتق المرمي. وقوله: ((وأرضي باليسير)) ((تو)): أي أرضي باليسير من الأرفاق؛ لأنها لم تتعود في سالف الزمان دون معاشرة الأزواج ما يدعوها إلي استقلال ما تصادفه في المستأنف.
أقول: أمر ﷺ في الحديث السابق بتزوج الودود الولود، فينزل هذا الحديث علي ذلك، فقوله: ((وأنتق أرحاماً) عبارة عن الولود، فينبغي أن تحمل القرينتان علي ما يزيد المحبة والود؛ فقوله: ((أعذب أفواهاً)) كناية عن كونها أعذب ألفاظاً؛ فإن حسن الكلام يدل علي حسن الخلق، وسوء المنطق يدل علي سوء الخلق، ومن رضي باليسير وقنع بالموجود يكن نقي القلب طاهر [الحديث] راضياً عن الله تعالي علي ما رزقه الله وأولاه، فإذا اجتمع طيب اللسان والجنان فقد كمل المقصود من الودود، قال الشاعر:
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
فإن قلت: إذا كان المراد من قوله: ((أعذب أفواهاً)) أعذب ألفاظاً، فلم عدل عنه؟ قلت: قد تقرر عند علماء البيان أن الكناية لا تنافي إرادة الحقيقة، فإنك إذا قلت: فلان طويل النجاد، وأردت طول قامته مع طول نجاده جاز، فكذلك هاهنا يفيد أنها طيبة النكهة لذيذة الريق حسنة المنطق، ولو صرح بهذا لم يفد هذه الفائدة.
قال الشيخ أبو حامد في الإحياء: من فوائد البكارة أن تحب الزوج وتألفه فيؤثر في معنى الود، والطباع مجبولة علي الأنس بأول مألوف، وأما التي اختبرت الرجال ومارست الأحوال فربما لا ترضي بعض الأوصاف التي تخالف ما ألفته فتقلي الزوج، وكذلك الزوج يحبها فإن الطبع ينفر عن التي مسها غير الزوج نفرة ما، وذلك يثقل علي الطبع مهما يذكر، وبعض الطباع في هذا أشد نفوراً. والله أعلم.
стр. 1731
الفصل الثالث
٣٠٩٣ - عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لم تر للمتحابين مثل النكاح)). [٣٠٩٣]
٣٠٩٤ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أراد أن يلقي الله طاهراً مطهراً؛ فليزوج الحرائر)). [٣٠٩٤]
ــ
الفصل الثالث
الحديث الأول عن ابن عباس ﵄: قوله: ((لم تر)) من الخطاب العام ومفعوله الأول محذوف، أي لم تر أيها السامع ما تزيد به المحبة للمتحابين مثل النكاح، وهو يحتمل وجهين: إذا جرى بين المتحابين وصلة خارجية بعد التحاب تزيد الوصلة الظاهرة في الباطنة. وثإنيهما: إذا نظر الرجل إلي المرأة الأجنبية وأخذت بمجامع قلبه. فنكاحها يورث مزيد المحبة، وسفاحها البغض والشنآن.
الحديث الثاني عن انس ﵁: قوله: ((الحرائر)) إنما خصهن؛ لأن الإماء مبتذلة غير مؤدبة، وتكون خراجة ولاجة غير ملازمة للخدر، فإذا لم تكن مؤدبة لم تحسن تأديب أولادها وتربيتهم بخلاف الحرائر؛ ولأن الغرض بالتزوج التوالد والتناسل بخلاف التسري، ولذلك جاز العزل عن السراري بغير إذنهن، وكان التزوج مظنة لكثرة الأولاد وهو المطلوب، ويمكن أن يحمل ((الحرائر)) علي المعنى، قال الحماسي:
ولا يكشف الغماء إلا ابن حرة يرى غمرات الموت ثم يزورها
((غب)): الحرية ضربان: الأول: من لم يجر عليه حكم السبي، والثاني: من تتملكه قواه الذميمة فيصير عبداً لها، كما قال ﷺ : ((تعس عبد الدرهم وعبد الدينار)) وقول الشاعر: ورق ذوي الأطماع رق مخلد
وقيل: عبد الشهوة أذل من عبد الرق.
стр. 1732
٣٠٩٥ - وعن أبي أمامة، عن النبي ﷺ أنه يقول: ((ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرا له من زوجة صالحة، إن أمرها أطاعته، وإن نظر إليها سرته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله)) روى ابن ماجه الأحاديث الثلاثة. [٣٠٩٥]
٣٠٩٦ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا تزوج العبد فقد استكمل نصف الدين، فليتق الله في النصف الباقي)). [٣٠٩٦]
٣٠٩٧ - وعن عائشة، قالت: قال النبي ﷺ : ((إن أعظم النكاح بركة أيسره مؤنة)) رواهما البيهقي في ((شعب الإيمان)). [٣٠٩٧]
ــ
الحديث الثالث عن أبي أمامة: قوله: ((بعد تقوى الله)) جعل التقوى نصفين نصفا تزوجا ونصفا غيره، وهو المعنى بالحديث الآتي. قال الشيخ أبو حامد: المفسد لدين المرء في الأغلب فرجه وبطنه، وقد كفي بالتزويج أحدهما، ولأن التزوج التحصين من الشيطان وكسر التوقان، ورفع غوائل الشهوة، وغض البصر وحفظ الفرج.
قوله: ((إن أمرها أطاعته)) بيان لصلاحها علي سبيل التقسيم؛ لأنه لا يخلو من أن يكون الزوج حاضرا فافتقاره إليها إما في الخدمة بمهن البيت أو الملاعبة أو المباشرة، فتكون مطيعة فيما أمرها، وذات جمال ودلال فيلاعبها، ومنقادة إذا أراد مباشرتها، أو غائبا فتحفظ ما يملك الزوج من نفسها بأن لا تخون في نفسها وماله، وإذا كانت حالها في الغيبة علي هذا، ففي الحضور أولي، وهذه ثمرة صلاحها. وإن كانت ضعيفة الدين قصرت في صيانة نفسها وفرجها وأزرت بزوجها، وسودت بين الناس وجهه وشوشت بالغيرة قلبه، ونغص بذلك عيشه، فإن سلك فيه سبيل الحمية والغيرة لم يزل في بلاء ومحنة، وإن سلك سبيل التساهل كان متهاونا بدينه وعرضه، وإن كانت مع الفساد جميلة كان البلاء أشد، إذ يشق عليه مفارقتها فلا يصبر عنها.
الحديث الرابع عن أنس ﵁: قوله: ((فقد استكمل)) يحتمل أن يكون جوابا للشرط و ((فليتق الله)) عطف عليه، ويجوز أن يكون الجواب الثاني، والأول عطف علي الشرط، فعلي هذا السبب مركب والمسبب مفرد، فالمعنى أنه معلوم أن التزوج نصف الدين، فمن حصل هذا فعليه بالنصف الباقي، وهذا أبلغ لما يؤذن أنه مقرر ومعلوم أن التزوج تحصين بنصف الدين، وعلي الوجه الآخر إعلام بذلك فلا يكون مقررا، وعلي الأول السبب مفرد والمسبب مركب، وفيه إعلام أن التزوج سبب لاستكمال نصف الدين المرتب عليه تقوى الله تعالي.
الحديث الخامس ظاهر.
стр. 1733
(١) باب
النظر إلي المخطوبة وبيان العورات
الفصل الأول
٣٠٩٨ - عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلي النبي ﷺ فقال: إني تزوجت امرأة من الأنصار. قال: ((فانظر إليها؛ فإن في أعين الأنصار شيئا)) رواه مسلم.
٣٠٩٩ - وعن ابن مسعود [﵁]، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تباشر المرأة فتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها)) متفق عليه.
ــ
باب النظر إلي المخطوبة
((غب)): الخطب والمخاطبة والتخاطب المراجعة في الكلام، ومنه الخطبة والخطبة، والأولي تختص بالموعظة، والثانية بطلب المرأة، وأصلها الحالة التي عليها الإنسان إذا خطب نحو الجلسة والقعدة. والعورة سوءة الإنسان وذلك كناية، وأصلها من العار، وذلك لما يلحق في ظهورها من العار، أي المذمة ويستحيي منه إذا ظهر، ولذلك سمي النساء عورة، ومن ذلك العوراء للكلمة القبيحة.
الفصل الأول
الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((إني تزوجت)) ((قض)): لعل المراد بقوله: ((تزوجت)) خطبت؛ ليفيد الأمر بالنظر إليها، وللعلماء خلاف في جواز النظر إلي المرأة التي يريد أن يتزوجها، فجوزه الأوزاعي والثوري وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق مطلقا، أذنت المرأة أو لم تأذن؛ لحديث جابر والمغيرة المذكورين في [أول الحسان] *، وجوز مالك بإذنها، وروى عنه المنع مطلقا. وقوله: ((فإن في أعين الأنصار شيئا)) يعني شيئا ينفر عنه الطبع ولا يستحسنه، وإنما عرف رسول الله ﷺ ذلك، إما لأنه رأي في أعين رجالهم فقاس بهم النساء؛ لأنهن شقائقهم؛ ولذلك أطلق الأنصار، أو لتحدث الناس به. ((مح)): قيل: المراد بقوله: ((شيئا)) صفرة أو زرقة، وفي هذا دلالة علي جواز ذكر مثل هذا للنصيحة، وفيه استحباب النظر إليها قبل الخطبة حتى إذا كرهها تركها من غير إيذاء، بخلاف ما إذا تركها بعد الخطبة، وإذا لم يمكنه النظر استحب أن يبعث امرأة تصفها له. وإنما يباح له النظر إلي وجهها وكفها فحسب، لأنهما ليسا بعورة في حقه، فيستدل بالوجه علي الجمال وضده، وبالكفين علي سائر أعضائها باللين والخشونة.
الحديث الثاني عن ابن مسعود ﵁: قوله: ((لا تباشر)) البشرة ظاهر جلد الإنسان،
стр. 1734
٣١٠٠ - وعن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا ينظر الرجل إلي عورة الرجل، ولا المرأة إلي عورة المرأة، ولا يفضي الرجل إلي الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلي المرأة في ثوب واحد)) رواه مسلم.
٣١٠١ - وعن جابر [﵁]. قال: قال رسول الله،: ((ألا لا يبيتن رجل عند امرأة ثيب إلا أن يكون ناكحا أو ذا محرم)) رواه مسلم.
ــ
والمباشرة الملامسة، وأصله من لمس البشرة البشرة، والمعنى في الحديث النظر مع اللمس، فينظر إلي ظاهرها من الوجه والكفين، ويحس باطنها باللمس، ويقف علي نعومتا وسمنها.
قوله: ((فتنعتها)) عطف علي ((تباشر)) والنفي منصب عليهما معا، فتجوز المباشرة بغير التوصيف.
الحديث الثالث عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((ولا يفضي الرجل)) ((غب)): أفضى بيده إلي كذا. وأفضى إلي امرأته في باب الكناية أبلغ وأقرب، وقال الله تعالي: ﴿وقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إلي بَعْضٍ﴾. ((مظ)): يعني لا يجوز أن يضطجع رجلان في ثوب واحد متجردين وكذلك المرأتان، ومن فعل يعزز ولا يحد، وفيه بيان تحريم النظر إلي ما لا يجوز، وعورة الرجل ما بين سرته وركبته، وكذلك عورة المرأة في حق المرأة، وكذلك في حق محارمها.
وأما المرأة في الرجل الأجنبي فجميع بدنها عورة إلا وجهها وكفيها عند حاجة، كسماع إقرار وخطبة كما مر. ((مح)): نظر الرجل إلي المرأة الأجنبية حرام من كل شيء من بدنها، وكذلك المرأة إلي الرجل، سواء كان بشهوة أو بغيرها، وكذلك يحرم النظر إلي الأمرد إذا كان حسن الصورة أمن من الفتنة أم لا. هذا هو المذهب الصحيح المختار عند المحققين، نص عليه الشافعي وحذاق أصحابه ﵃؛ وذلك لأنه في معنى المرأة فإنه يشتهي كما تشتهي، وصورته في الجمال كصورة المرأة، بل ربما كان كثير منهم أحسن صورة من كثير من النساء، بل هم بالتحريم أولي لما يتمكن في حقهم من طرق الشر ما لا يتمكن من مثله في حق المرأة.
الحديث الرابع عن جابر ﵁: قوله: ((عند امرأة ثيب)) ((قض)): المراد النهي عن البيتونة في مسكن ثمة ثيب، وتخصيص الثيب لأن البكر أغض وأخوف علي نفسها، قوله: ((أو ذا محرم)) ((مح)): هو كل من حرم عليه نكاحها علي التأبيد بسبب مباح لحرمتها، فقولنا: ((علي التأبيد)) احتراز من أخت امرأته وعمتها وخالتها ونحوهن، ومن بنتها قبل الدخول بالأم،.
وقولنا: ((بسبب مباح)) احتراز من أم الموطوءة بشبهة فإنها حرام علي التأبيد، لكن لا بسبب مباح، فإن وطء الشبهة لا يوصف بأنه مباح ولا محرم ولا بغيرهما؛ لأنه ليس فعل مكلف.
стр. 1735
٣١٠٢ - وعن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إياكم والدخول علي النساء)) فقال رجل: يا رسول الله! أرأيت الحمو؟ قال: ((الحمو الموت)) متفق عليه.
٣١٠٣ - وعن جابر: أن أم سلمة استأذنت رسول الله ﷺ في الحجامة، فأمر أبا طيبة أن يحجمها، قال: حسبت أنه كان أخاها من الرضاعة، أو غلاما لم يحتلم. رواه مسلم.
ــ
وقولنا: ((لحرمتها)) احتراز عن الملاعنة فهي حرام علي التأبيد، لا لحرمتها بل تغليظ عليهما.
الحديث الخامس عن عقبة: قوله: ((الحمو الموت)) ((قض)): الحمو قريب الزوج كأبيه وأخيه، وفيه لغتان حما كعصا وحمو علي الأصل، وحمو بضم الميم وسكون الواو، وحم كأب، وحمء بالهمز وسكون الميم والجمع أحماء. قوله: ((الحمو الموت)) قال أبو عبيد: معناه فليمت ولا يفعل ذلك، وقال ابن الأعرابي: هذه كلمة تقولها العرب للتشبيه في الشدة والفظاعة، فيقال: الأسد الموت، يعني لقاؤه مثل الموت، والسلطان النار أي قربه مثل قرب النار. وقال الشيخ في شرح السنة: معناه الحمو كالموت تحذر منه المرأة كما تحذر من الموت. وهذه الوجوه إنما تصح إذا فسر الحمو بأخي الزوج ومن أشبهه من أقاربه كعمه وابن أخته، ومن فسره بأبي الزوج حمله علي المبالغة؛ فإن رؤيته وهو محرم إذا كان بهذه المثابة فكيف بغيره؟ أو أول الدخول بالخلوة. وقيل: لما ذكر السائل لفظا مجملا محتملا للمحرم وغيره، رد عليه سؤاله لتعميمه رد المغضب المنكر عليه.
((مح)): والمراد بـ ((الحمو)) هنا أقارب الزوج غير آبائه وأبنائه؛ لأن الخوف من الأقارب أكثر والفتنة منهم أوقع؛ لتمكنهم من الوصول إليها والخلوة من غير نكير عليهم، بخلاف غيرهم، وعادة الناس المساهلة فيه وتخلي الأخ بامرأة أخيه، فهذا هو الموت. ((فا)): معناه أن حماها الغاية في الشر والفساد، فشبه بالموت؛ لأنه قصارى كل بلاء، وذلك أنه شر من القريب من حيث إنه أمن [مذل] *، والأجنبي متخوف مترقب. ويحتمل أن يكون دعاء عليها أي كان الموت منها بمنزلة الحمو الداخل عليها إن رضيت بذلك – انتهي كلامه. فإن قلت: أي فرق بين الإخبار والدعاء؟ قلت: في الإخبار أداة التشبيه ووجهه مضمران، أي الحمو كالموت في الشر والضرر، وفي الدعاء ادعاء أن الحمو نوعان: متعارف وهو القريب، وغير متعارف وهو الموت، وطلب لها غير المتعارف لما استفتى الرجل المتعارف مبالغة، هذا معنى قول القائل: رد المغضب المنكر عليه.
الحديث السادس عن جابر ﵁: قوله: ((حسبت)) إلي آخره، هذا يدل علي أن
стр. 1736
٣١٠٤ - وعن جرير بن عبد الله، قال: سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجاءة، فأمرني أن أصرف بصري. رواه مسلم.
٣١٠٥ - وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن المرأة تقبل في صورة شيطان، وتدبر في صورة شيطان، إذا أحدكم أعجبته المرأة فوقعت في قلبه فليعمد إلي امرأته فليواقعها فإن ذلك يرد ما في نفسه)) رواه مسلم.
ــ
الحاجة إلي الحجامة لم تكن ضرورية، ولا يجوز للأجنبي أن يحجمها وينظر إلي جميع بدنها للعلاج.
الحديث السابع عن جرير: قوله: ((عن نظر الفجاءة)) ((مح)): وهي أن يقع النظر إلي الأجنبية من غير قصد بغتة فهو معفو، لكن يجب عليه أن يصرف بصره في الحال، وإن استدام النظر يأثم، وعليه قوله تعالي: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾. قال القاضي عياض: قالوا: فيه حجة علي أنه لا يجب علي المرأة ستر وجهها، وإنما ذلك سنة مستحبة لها، ويجب علي الرجال غض البصر عنها في جميع الأحوال إلا لغرض صحيح شرعي.
الحديث الثامن عن جابر ﵁: قوله: ((تقبل في صورة شيطان)) جعل ((صورة شيطان)) ظرفا لإقبالها مبالغة علي سبيل التجريد، كما تقول: رأيت فيك أسدا أي لست غير الأسد؛ لأن إقبالها داء للإنسان إلي استراق النظر إليها، كالشيطان الداعي إلي الشر والوسواس. وعلي هذا إدبارها؛ لأن الطرف رائد القلب، فيتعلق القلب بها عند الإدبار فيتخيل للوصول إليها. قال الحماسي:
وكنت إذا أرسلت طرفك رائدا لقلبك يوما أتعبتك المناظر
رأيت الذي لا كله أنت قادر عليه ولا عن بعضه أنت صابر
قال أبو حامد: النظر مبدأ الزنا فحفظه مهم، وهو عسير من حيث إنه قد يستهان به ولا يعظم الخوف منه، والآفات كلها تنشأ منه. ((مح)): قال العلماء: معناه الإشارة إلي الهوى، والدعاء إلي الفتنة بما جعل الله تعالي في نفوس الرجال من الميل إلي النساء والالتذاذ بالنظر إليهن وما يتعلق بهن، فهي شبيهة بالشيطان في دعائه إلي الشهوة بوسوسته وتزيينه له. ويستنبط من هذا أنه ينبغي لها أن لا تخرج إلا لضرورة، ولا تلبس ثيابا فاخرة، وينبغي للرجل أن لا ينظر إليها ولا إلي ثيابها. وفيه أنه لا بأس للرجل أن يطلب امرأته إلي الوقاع في النهار، وإن كانت مشتغلة بما يمكن تركه؛ لأنه ربما غلبت علي الرجل شهوة فيتضرر بالتأخير في بدنه أو قلبه. قوله: ((أعجبته)) أي استحسنها، لأن غاية رؤية المتعجب منه تعظيمه واستحسانه.
стр. 1737
الفصل الثاني
٣١٠٦ - عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر إلي ما يدعوه إلي نكاحها فليفعل)). رواه أبو داود. [٣١٠٦]
٣١٠٧ - وعن المغيرة بن شعبة، قال خطبت امرأة، فقال لي رسول الله ﷺ : ((هل نظرت إليها؟)) قلت: لا. قال: ((فانظر إليها؛ فإنه أحرى أن يؤدم بينكما)). رواه أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي. [٣١٠٧]
٣١٠٨ - وعن ابن مسعود، قال: رأي رسول الله ﷺ امرأة فأعجبته، فأتى
ــ
الفصل الثاني
الحديث الأول عن جابر ﵁: قوله: ((إلي ما يدعوه إلي نكاحها)) قد مر أن الداعي إلي النكاح إما المال أو الحسب أو الجمال أو الدين، فمن غرضه الجمال فليتحر في النظر إلي ما قصده بأن ينظر إليها بنفسه، أو أن يبعث من ينعتها له، هذا معنى الاستطاعة، وفيه إن لم يكن غرضه الجمال لا يفتقر إلي رؤيتها. ويمكن أن يحمل الداعي علي كسر الشهوة وغض البصر من غير المحارم، فحينئذ يكون الجمال مطلوبا إذ به يحصل التحصين، والطبع لا يكتفي بالذميمة غالبا، كيف والغالب أن حسن الخلق والخلق لا يفترقان؟ وأن ما روى أن المرأة لا تنكح لجمالها، ليس زجرا عن رعاية الجمال، بل هو زجر عن النكاح لأجل الجمال المحض مع الفساد في الدين.
الحديث الثاني عن المغيرة: قوله: ((أن يؤدم بينكما)) ((فا)) الأدم والإيدام الإصلاح والتوفيق، من أدم الطعام وهو إصلاحه بالإدام وجعله موافقا للطاعم، وأصله ((بأن يؤدم)) فحذف الباء وحذفها مع إن وإن كثيرة، والهاء في قوله: ((فإنه)) راجع إلي مصدر ((نظرت)) كقولهم: من أحسن كان خيرا له، ويجوز أن يكون الضمير للشأن ((وأخرى أن يؤدم)) جملة في موضع خبر ((إن)) والمعنى: فإن النظر أولي بالإصلاح وإيقاع الألفة والوفاق بينهما. انتهي كلامه. أي ((يؤدم به)) فالجار والمجرور أقيم مقام الفاعل ثم حذف، ويجوز أن يكون النائب ((بينكما)) علي أن يكون مرفوعا، كقوله تعالي: ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ بالرفع.
стр. 1738
سودة وفي تصنع طيبا وعندها نساء، فأخلينه، فقضى حاجته، ثم قال: ((أيما رجل رأي امرأة تعجبه فليقم إلي أهله؛ فإن معها مثل الذي معها)) رواه الدارمي. [٣١٠٨]
٣١٠٩ - وعنه، عن النبي ﷺ ، قال: ((المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان)) رواه الترمذي. [٣١٠٩]
ــ
الحديث الثالث عن ابن مسعود ﵁: قوله: ((فإن معها مثل الذي معها)) يريد أن غاية ذلك النظر هذا الفعل، ولكن التفاوت أن في تلك الغاية سخطا من الله وغضبا وهذه بخلافه، وكانت تلك الفعلة بمحضر تلك النساء إرشادا لهن ولأزواجهن إلي ما ينبغي أن يفعل.
الحديث الرابع عن ابن مسعود ﵁: قوله: ((المرأة عورة)) ((تو)): العورة السوءة وكل ما يستحيي منه، وأصلها من العار المذمة ولذلك سمي النساء عورة، أي أن المرأة موصوفة بهذه الصفة، وما كان هذه صفته فمن حقه أن يستر، ويحتمل أن يكون معناه أنها ذات عورة، ولما كان من شأن العورة أن تكون مستورة محجوبة يستحيي من كشفها، ويستنكف من هتك حرمتها، وكان من شأن المرأة في تبرزها وتبرجها شبيها بكشف العورة سماها هنالك عورة. والأصل في الاستشراف رفع البصر للنظر إلي الشيء، وبسط الكف فوق الحاجب، ومنه قول الحماسي:
فيا عجبا للناس يستشرفونني كأن لم يروا بعدي محبا ولا قبلي
وفي الحديث وجوه: أحدهما: أن ينظر إليها ويطمح ببصر نحوها ليغويها أو يغوى بها.
وثإنيها: أن أهل الريبة إذا رأوها بارزة من خدرها استشرفوها؛ لما بث الشيطان في نفوسهم من الشر وألقى في قلوبهم من الزيغ، فأضاف الفعل إلي الشيطان لكونه الباعث علي استشرافهم إياها. وثالثها: أنه يود أنها علي شرف الأرض لتكون معرضة له. ورابعها: أنه أراد أن الشيطان يصيبها بعينه فتصير من الخبيثات بعد أن كانت من الطيبات. من قولهم: استشرفت إبلهم أي تعينتها. هذا الذي اهتدينا إليه من البيان، والعجب ممن يتصدى لبيان المشكل وتفسير الغريب، ثم يمر علي مثل هذا القول غير مكترث به! ولقد فتشت أمهات الكتب التي صنفت في هذا الفن عن بيان هذا الحديث، فلم أصادف أحدا منهم تعرض له بكلمة.
أقول: المرأة عورة سواء كانت في خدرها أو خارجة عنه، وفي هذا المقام ينبغي أن تحمل العورة علي معنى ما يخالف استشراف الشيطان إياها، يعني ما دامت في خدرها لم يطمع الشيطان فيها وفي إغواء الناس بها، فإذا خرجت طمع وأطمع؛ لأنها حبائل الشيطان، فإذا
стр. 1739
٣١١٠ - وعن بريدة، قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: ((يا علي! لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولي وليست لك الآخرة)). رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود، والدارمي. [٣١١٠]
٣١١١ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: ((إذا زوج أحدكم عبده أمته فلا ينظرن إلي عورتها)). وفي رواية: ((فلا ينظرن إلي ما دون السرة وفوق الركبة)) رواه أبو داود. [٣١١١]
٣١١٢ - وعن جرهد: أن النبي ﷺ قال: ((أما علمت أن الفخذ عورة)) رواه الترمذي، وأبو داود. [٣١١٢]
ــ
خرجت جعلها مصيدة يزينها في قلوب الرجال ويغريهم عليها فيورطهم في الزنى، كالصائد الذي يضع الشبكة ليصطاد ويغري الصيد إليها بما يوقعه فيها.
قال الشيخ أبو حامد قدس الله سره: روى عن الفضيل أن إبليس يقول: هي قوسي القديمة وسهمي الذي لا أخطئ به. وعن بعضهم: ما أيس الشيطان من ابن آدم قط إلا أتى من قبل النساء. ولأن الصلاة أفضل العبادات وأفضل موقعها أن تكون مع الجماعة في المساجد، وإنما ورد صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها؛ لهذا السر. والله أعلم.
الحديث الخامس عن بريدة: قوله: ((فإن لك الأولي)) يدل علي أنها نافعة كما أن الثانية ضارة؛ لأن الناظر إذا أمسك عنان نظره ولم يتبع الثانية أجر. ((حس)): فيه دلالة علي أن النظرة الأولي له لا عليه إذا كانت فجأة من غير قصد، فأما القصد فلا يجوز إلا لغرض كالنكاح وغيره.
وقال الحسن والشعبي في المرأة بها الجرح ونحوه: يخرق الثوب علي الجرح، ثم ينظر إليه الطبيب.
الحديث السادس عن عمرو: قوله: ((فلا ينظرن إلي ما دون السرة)) بيان لما يراد من قوله: ((فلا ينظرن إلي عورتها)). ((حس)): الأمة عورتها مثل عورة الرجل ما بين السرة والركبة، وكذلك المحارم بعضهم مع بعض. ويجوز للزوج أن ينظر إلي جميع بدن امرأته وأمته التي
стр. 1740
٣١١٣ - وعن علي [﵁]، أن رسول الله ﷺ قال له: ((يا علي! لا تبرز فخذك، ولا تنظر إلي فخذ حي ولا ميت)). رواه أبو داود، وابن ماجه. [٣١١٣]
٣١١٤ - وعن محمد بن جحش، قال: مر رسول لله ﷺ علي معمر، وفخذاه مكشوفتان، قال: ((يا معمر! غط فخذيك؛ فإن الفخذين عورة)). رواه في ((شرح السنة)). [٣١١٤]
٣١١٥ - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إياكم والتعري؛ فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط، وحين يفضي الرجل إلي أهله، فاستحيوهم وأكرموهم)). رواه الترمذي. [٣١١٥]
٣١١٦ - وعن أم سلمة: أنها كانت عند رسول الله ﷺ وميمونة، إذ أقبل ابن أم مكتوم، فدخل عليه، فقال رسول الله ﷺ : ((احتجبا منه)) فقلت: يا رسول الله أليس هو أعمى لا يبصرنا؟ فقال رسول الله ﷺ : ((أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟)) رواه أحمد، والترمذي. وأبو داود. [٣١١٦]
ــ
تحل له، وكذلك هي منه إلا نفس الفرج، فإن النظر إليه مكروه، وكذلك فرج نفسه، وإذا زوج أمته حرم النظر إلي ما بين السرة والركبة.
الحديث السابع إلي العاشر عن ابن عمر ﵄: قوله: ((فإن معكم من لا يفارقكم)) هم الحفظة الكرام الكاتبون.
الحديث الحادي عشر عن أم سلمة ﵂: قوله: ((وميمونة)) ((قض)): تروى مرفوعة عطفاً علي الضمير في ((كانت)) وإنما جاز لوقوع الفصل بينهما، ومنصوبة عطفاً علي الهاء في ((أنها))، ومجرورة عطفاً علي ((رسول الله)). أقول: الأوجه أن يعطف ((ميمونة)) علي اسم ((أن)) ليشعر بأنه ﷺ كان في بيت أم سلمة وميمونة داخلة عليها؛ لأن تأخير المعطوف عن المعطوف عليه، وإيقاع الفصل بينهما يدل علي أصالة الأولي وتبعية الثانية، كقوله تعالي: ﴿وإذْ يَرْفَعُ
стр. 1741
٣١١٧ - وعن بهز بن حكيم، عن أبيه. عن جده. قال: قال رسول الله ﷺ : ((أحفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك)) فقلت: يا رسول الله! أفرأيت إن كان الرجل خاليا؟ قال: ((فالله أحق أن يستحي منه)). رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه. [٣١١٧].
ــ
إبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْمَاعِيلُ﴾ أوقع الفصل ليدل علي أن إسماعيل كان تابعا له في الرفع، ولو عطف من غير فصل أوهم الشركة.
((قض)): الحديث بظاهره يدل علي أنه ليس للمرأة النظر إلي الأجانب مطلقا كما ليس لهم أن ينظروا إليها. ومنهم من خصص التحريم بحال خاف فيه الفتنة؛ توفيقا بينه وبين ما روي عن عائشة ﵂ في حديثها المشهور أنها قالت: ((كنت أنظر إلي الحبشة وهم يلعبون بحرابهم في المسجد)). ومن أطلق التحريم أول ذلك بأنها ما كانت يومئذ بالغة، وفيه نظر؛ لأنها وإن تكن بالغة كانت مراهقة وكان من حقها أن تمنع. ((مظ)): عمل بعض الفقهاء بهذا الحديث، وبعضهم عما بحديث عائشة، وحمل هذا علي التقوى والورع، والفتوى علي أنه يجوز للمرأة النظر إلي الرجل الأجنبي فيما فوق السرة وتحت الركبة، بدليل أنهن كن يحضرن الصلاة مع رسول الله ﷺ في المسجد، ولابد أن يقع نظرهن إلي الرجال، فلو لم يجز لم يؤمرن بحضور المسجد والمصلي؛ ولأنه أمرت النساء بالحجاب عن الرجال ولم يؤمر الرجال بالحجاب، وهذا إذا لم بكن النظر عن الشهوة، فأما نظرها بالشهوة إلي الرجل فحرام.
قوله: ((أفعمياوان)) هذا من بليغ الكلام ووجيزة؛ فإن الهمزة الأولي للإنكار والتوبيخ والثانية للتقرير، والفاء عطفت ما بعدها من الجملة الاسمية علي المقدرة قبلها بعد الهمزة، يعني زعمتما أن علة منع الاحتجاب العمى وهي موجودة فيه، أهي موجودة فيكما؟ أفعمياوان أنتما؟ ثم استأنف مقررا بذلك قائلا: ((ألستما تبصرانه))؟ وفيه أن علة الاحتجاب الفتنة وهي قائمة، سواء كان من الطرفين أو من أحدهما. روى الشيخ أبو حامد عن سعيد بن المسيب أنه قال وهو ابن أربع وثمإنين سنة، وقد ذهبت إحدى عينيه ويعشو بالأخرى: - ما شيء عندي أخوف من النساء. وفيه أنه لا يجوز للنساء مجالسة العميان كما جرت العادة به في المآتم والولائم، فيحرم علي الأعمى الخلوة بالنساء ويحرم علي المرأة مجالسة الأعمى وتحديق النظر إليه لغير حاجة.
الحديث الثاني عشر عن بهز بن حكيم: قوله: ((أحفظ عورتك)) عدل عن قوله: استر إلي ((أحفظ))؛ ليدل سيق الكلام علي الأمر بستر العورة استحياء ممن ينبغي أن يستحي منه من الله تعالي ومن خلقه، ويشير به إلي معنى قوله تعالي: ﴿والَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إلَاّ عَلي أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ لأن عدم الستر يؤدي إلي الوقاحة وهي إلي الزنى.
стр. 1742
٣١١٨ - وعن عمر، عن النبي ﷺ ، قال: لا يخلون رجل لامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان)). رواه الترمذي. [٣١١٨]
٣١١٩ – (٢٢) وعن جابر، عن النبي ﷺ ، قال: ((لا تلجوا علي المغيبات؛ فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى لدم)) قلنا: ومنك يا رسول الله؟ قال: ((ومني، ولكن الله أعانني عليه؛ فأسلم)). رواه الترمذي. [٣١١٩]
٣١٢٠ - وعن أنس: أن النبي ﷺ أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها، وعلي فاطمة ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رأي رسول الله ﷺ ما تلقى قال: ((إنه ليس عليك بأس، إنما هو أبوك وغلامك)). رواه أبو داود. [٣١٢٠]
الفصل الثالث
٣١٢١ - عن أم سلمة: أن انبي ﷺ كان عندها، وفي البيت مخنث، فقال:
ــ
الحديث الثالث عشر عن عمر ﵁: قوله: ((لا يخلون)) جواب للقسم ويشهد له الاستثناء؛ لأنه يمنعه من أن يكون نهيا، والمستثنى منه أعم عام الأحوال، أي والله لا يخلون رجل بامرأة كائنين علي حال من الأحوال إلا علي هذه الحالة، وفيه تحذير عظيم في الباب، ونكر ((رجل)) و ((امرأة)) ليعم ولا يختص منهما إلا الأزواج.
الحديث الرابع عشر عن جابر ﵁: قوله: ((يجري من أحدكم مجرى الدم)) مضى شرحه في باب الوسوسة.
الحديث الخامس عشر عن أمس ﵁: قوله: ((ما تلقى)) أي من تغطية الرأس طورا، والرجل أحرى، حياء وتنزها، والضمير في ((إنما هو)) راجع إلي من استحيت وتنزهت منه، يعني لا بأس أن تستحين منه إلا أباك وغلامك، ذكر الأب ليعطف عليه ((غلامك)) إشعارا بأن غلام المرأة بمنزلة أبيها في المحرمية، فلو قال: إنما هو أنا وغلامك لم يقع هذا الموقع.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن أم سلمة ﵂: قوله ((مخنث)) ((مظ)): هو بكسر النون
стр. 1743
لعبد الله بن أبي أمية أخي أم سلمه: يا عبد الله! إن فتح الله لكم غدا الطائف فإني أدلك علي ابنة غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان فقال النبي ﷺ : ((لا يدخلن هؤلاء عليكم)). متفق عليه.
٣١٢٢ - وعن المسور بن مخرمة، قال حملت حجرا ثقيلا، فبينما أنا أمشي سقط عني ثوبي، فلم أستطع أخذه، فرإني رسول الله ﷺ ، فقال لي: ((خذ عليك ثوبك؛ ولا تمشوا عراة)) رواه مسلم.
٣١٢٣ - وعن عائشة، قالت: ما نظرت – أو ما رأيت – فرج رسول الله ﷺ قط رواه ابن ماجه. [٣١٢٣]
٣١٢٤ - وعن أبي أمامة، عن النبي ﷺ ، قال: ((ما من مسلم ينظر إلي محاسن
ــ
وفتحها، وهو الذي يشبه النساء في أخلاقه وفي كلامه وحركاته، وتارة يكون هذا خلقه من الأصل، وتارة بتكلف، والأول لا ذم عليه ولا إثم ولا عقوبة؛ لأنه معذور لا صنع له في ذلك، ولهذا لم ينكر النبي ﷺ أولا دخوله علي النساء، والثاني ملعون؛ لقوله ﷺ : ((لعن الله المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهين بالنساء من الرجال)).
قوله: ((تقبل بأربع)) ((خط)): يريد أربع عكن في البطن من قدامها، فإذا أقبلت رؤيت مواضعها شاخصة منكسرة الغصون، وأراد بالثمإني أطراف هذه العكن من ورائها عند منقطع الجنين. وكذا نقل الشيخ محي الدين أبي عبيدة. وإنما أنث ((ثمان)) ولم يقل ثمإنية؛ لأن المراد الأطراف، وهي مذكر، وإنما جاز حذف الهاء لأنه لم يذكر بلفظ المذكر كقوله ﷺ : ((من صام رمضان وأتبعه بست من شوال)) , وأما دخول المخنث علي أمهات المؤمنين فلأنهن اعتقدن أنه من غير أولي الإربة، فلما سمع ﷺ هذا الكلام، علم أنه من أولي الإربة فمنع، ففيه منع المخنث من الدخول علي النساء، وبيان أن له حكم الرجال الفحول الراغبين في النساء، وكذا حكم الخصى والمجوب. وجمع ((هؤلاء)) والمشار إليه مفرد علي تأويل حذف المضاف، أي لا يدخلن صنف هؤلاء، أو إرادة للجنس، أي من هو علي صفته وهجيراه.
الحديث الثاني عن المسور: قوله: ((ولا تمشوا)) أعلم الخطاب بعد الخصوص في قوله: ((خذ عليك ثوبك)) دلالة علي أن الحكم عام لا يختص بواحد دون واحد.
الحديث الثالث والرابع عن أبي أمامة ﵁: قوله: ((إلا أحدث الله له عبادة)) لوح
стр. 1744
امرأة أول مرة ثم يغض بصره إلا أحدث الله له عبادة يجد حلاوتها)) رواه أحمد. [٣١٢٤]
٣١٢٥ - وعن الحسن، مرسلا، فال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: ((لعن الله الناظر والمنظور إليه)). رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [٣١٢٥]
(٢) باب
الولي في النكاح واستئذان المرأة
الفصل الأول
٣١٢٦ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تنكح الأيم حتى
ــ
رسول الله ﷺ بهذا إلي معنى قوله تعالي: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ فإن الزكاء إما التنمية أو الطهارة، والطهارة منتهية إلي النمو أيضا، ولا نمو في الإنسان أكمل وأفضل من أن يفتح الله عليه باب ما خلق لأجله من العبادة، وكمالها أن يجد العابد حلاوتها ويزول عنه تعب الطاعة وتكاليفها الشاقة عليه، وهذا المقام هو الذي أشار إليه ﷺ بقوله: ((وقرة عيني في الصلاة)) *، و ((أرحنا يا بلال)) ** والله أعلم. الحديث الخامس عن الحسن: قوله: ((لعن الله الناظر والمنظور)) لم يبين ما به يستحق به اللعن مما لا يجوز النظر إليه شرعا لعدم اللبس، وأن ذلك ما هو تعظيما له وتفخيما لشأنه والله أعلم بالصواب.
باب الولي في النكاح واستئذان المرأة
((نه)): ولي المرأة متولي أمرها، والمولي اسم يقع علي جماعة كثيرة من الرب والمالك والسيد والمنعم والمعتق والناصر والمحب والتابع والجار وابن العم والحليف والعبد والمعتق والمنعم عليه.
الفصل الأول
الحديث الأول عن أبي هريرة رصي الله عنه: قوله: ((لا تنكح الأيم)) ((نه)): الأيم في الأصل التي لا زوج لها بكرا كانت أو متوفي عنها، ويريد ب ((الأيم)) في هذا الحديث الثيب خاصة، وهي التي زالت بكارتها بأي وجه كان، سواء زالت بنكاح صحيح أو
стр. 1745
تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن)). قالوا: يارسول الله، وكيف إذنها؟ قال: ((أن تسكت)) متفق عليه.
٣١٢٧ - وعن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: ((الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها إذنها صماتها)).وفي رواية: قال: ((الثيب أحق بنفسها من
ــ
شبهة أو فاسد أو بوثب أو بإصبع أو غير ذلك؛ لأنها جعلت مقابلة للبكر، ويقال الرجل أيضا: الأيم. قوله: ((حتى تستأمر)) ((قض)): الاستئمار طلب الأمر والاستئذان الإعلام، وقيل: طلب الأذن، لقوله ﷺ : ((وإذنها الصموت)) وقيل: المراد بالاستئمار المشاورة، وذلك بأن الاستئذان أبلغ من المشاورة، فلو حمل الاستئمار عليها ينعكس الأمر، وليس كذلك؛ فإن المشاورة تستدعي أن يكون للمستشار رأي ومقال فيما يشاور فيه ولا كذلك الاستئذان. وظاهر الحديث يدل علي أنه ليس للولي أن يزوج موليته من غير استئذان ومراجعة ووقوف واطلاع علي أنها راضية بصريح إذن أو سكوت من البكر؛ لأن الغالب من حالها أن لا تظهر إرادة النكاح حياء.
وللعلماء في هذا المقام تفصيل واختلاف، وقد ذهبوا جميعا إلي أنه لا يجوز تزويج الثيب البالغة العاقلة دون إذنها، ويجوز للأب والجد تزويج البكر الصغيرة، وخصوص هذا الحديث فيه بما صح أن أبا بكر ﵁ زوج عائشة من رسول الله ﷺ ولم تكن بعد بالغة. واختلفوا في غيرهما، فمنع الشافعي تزويج الثيب الصغيرة مطلقا؛ لأنه ﷺ أمر باستئمار الثيب مطلقا، ولا معنى لاستئمارها قبل البلوغ؛ إذ لا عبرة بقولها، وتزويج البكر الصغيرة لغير الأب والجد والبالغة لغيرهما من غير إذنه؛ لعموم قوله: ((البكر تستأذن)) وجوز لهما تزويج البكر البالغة بغير إذن كما يجوز لهما تزويجها صغيرة. وخصص قوله: ((ولا تنكح البكر حتى تستأذن)) بمفهوم قوله ﷺ : ((الثيب أحق بنفسها من وليها)) وقوله فيما روى [عنه أبو] * هريرة: ((اليتيمة تستأمر في نفسها)) فإن معناه: لا تنكح اليتيمة حتى تبلغ فتستأمر. والمراد باليتيمة التي تكون قريبة العهد بالبلوغ. وأبو حنيفة ذهب إلي خلاف ذلك كله. واختلف أيضا في أن السكوت من البكر يقوم مقام الإذن في حق جميع الأولياء، أو حق الأب والجد دون غيرهما، وإلي الأول ذهب الأكثر لظاهر الحديث.
الحديث الثاني عن ابن عباس ﵄: قوله ((الأيم أحق بنفسها)) ((مح)): قال الكوفيون وزفر: ((الأيم)) هنا كل امرأة لا زوج لها بكرا كانت أو ثيبا، كما هو مقتضاه في اللغة، فكل امرأة بلغت فهي أحق بنفسها من وليها، وعقدها علي نفسها بالنكاح صحيح. وبه قال الشعبي والزهري. ((شف)): قالوا: ليس الولي من أركان صحة النكاح بل من تمامه. وقوله: ((أحق بنفسها)) يحتمل أن يراد به من وليها في كل سيء من العقد وغيره كما قال أبو حنيفة
стр. 1746
وليها، والبكر تستأمر، وإذنها سكوتها)) وفي رواية قال: ((الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر يستأذنها أبوها في نفسها، وإذنها صماتها)) رواه مسلم.
٣١٢٨ – * وعن خنساء بنت خذام: أن أباها زوجها وهي ثيب، فكرهت ذلك، فأتت رسول الله ﷺ ، فرد نكاحها رواه البخاري وفي رواية ابن ماجة: نكاح أبيها
٣١٢٩ - وعن عائشة، أن النبي ﷺ تزوجها وهي بنت سبع سنين، وزفت إليه وهي بنت تسع سنين، ولعبها معها، ومات عنها وهي بنت ثمإني عشر. رواه مسلم.
ــ
وداود، ويحتمل أنها أحق بالرضي، حتى لا تزوج إلا أن تأذن بالنطق بخلاف البكر، ولكن لما صح قوله ﷺ ((لا نكاح إلا بولي)) مع غيره من الأحاديث الدالة علي اشتراط الولي تعين الاحتمال الثاني. فإذا تقرر هذا فمعنى ((أحق)) وهو يقتضي المشاركة، أن لها في نفسها في النكاح حقا ولوليها حقا، وحقها أوكد من حقه؛ فإنه لو أراد تزويجها كفءا وامتنعت لم تجبر، وإن أرادت أن تزوج كفءا وامتنع الولي أجبر، فإن أصر زوجها القاضي. وأما قوله ﷺ في البكر: ((وإذنها صماتها)) فظاهر العموم أنه في كل بكر وكل ولي، وأن سكوتها يكفي مطلقا.
الحديث الثالث عن خنساء: قوله: ((نكاحه)) كذا في البخاري والحميدي والدرامي وجامع الأصول ومسند الشافعي، وفي سنن ابن ماجة ((نكاح أبيها)) ووقع في نسخ المصابيح ((نكاحها)).
الحديث الرابع عن عائشة ﵂: قوله: ((ولعبها معها)) ((تو)): اللعب جمع لعبة كركبة وركب، أرادت ما كانت تلعب به، وكل ملعوب به فهو لعبة، وإذا فتح اللام فهو المرة الواحدة من اللعب، وإذا كسرت فهي الحالة التي عليها اللاعب. ((مح)): أجمع المسلمون علي جواز تزويج الأب بنته البكر الصغيرة لهذا الحديث، وإذا بلغت فلا خيار لها في فسخه عند مالك والشافعي والحجازيين، وقال أهل العراق: لها الخيار إذا بلغت؛ وأما غير الأب والجد من الأولياء فلا يجوز أن يزوجها عند الشافعي ومالك والثوري وغيرهم، وقالا الأوزاعي وأبو حنيفة آخرون: يجوز لجميع الأولياء، ولها الخيار إذا بلغت إلا أبا يوسف، فقال: لا خيار. وفيه جواز اتخاذ اللعب وإباحة لعب الجواري بهن، وقد جاء في الحديث الآخر أنه ﷺ رأي ذلك ولم ينكره، ويحتمل أن يكون هذه قضية عائشة هذه في أول الهجرة قبل تحريم الصور.
стр. 1747
الفصل الثاني
٣١٣٠ - عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: ((لا نكاح إلا بولي)). رواه أحمد، والترمذي، وأبو داوود، وابن ماجة، والدرامي. [٣١٣٠]
٣١٣١ - وعن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: ((أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له)). رواه أحمد، والترمذي، وأبو داوود، وابن ماجه، والدرامي. [٣١٣١]
ــ
الفصل الثاني
الحديث الأول الثاني عن عائشة ﵂: فوله: ((أيما امرأة نكحت)) ((قض)): الحديث صريح في المنع عن استقلال المرأة بالتزويج، فإنها لو زوجت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل، وقد اضطرب فيه الحنفية فتارة يتجاسرون بالطعن فيه، ويقولون: إن هذا الحديث رواه الشافعي عن سعيد بن سالم عن ابن جريح عن سلمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة، وقد روي عن ابن جريج أنه قال: سألت الزهري عنه فلم يعرف، ولم يعرفوا أن هذا الحديث قد روي عن ابن جريج جمع كثير من الأكابر الأئمة وأعيان النقلة، كيحيى بن سعيد الأنصاري ويحيى بن أيوب وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة، وعن الزهري غير سعيد من الإثبات كالحجاج بن أرطأة وجعفر بن ربيعة، مع أن سعيدا من أكابر الرواة ووجوه الثقات، وروى هشام بن عروة عن أبيه مثل ذلك. علي أن قوله: ((فلم يعرفه)) إن صح لم يقدح؛ لأنه ليس فيه صريح إنكار. وتارة مالوا إلي المعارضة والترجيح، قالوا: يعارضه حديث ابن عباس وهو من الصحاح، وقد عرفت ما هو المراد من حديثه، وأن قوله: ((الأيم أحق بنفسها من وليها)) ليس فيه تنصيص علي استقلالها بالعقد.
ومرة جنحوا إلي التأويل، فقوم خصصوا ((أيما امرأة)) بالأمة والصغيرة والمكاتبة والمجنونة، فأبطلوا به ظهور قصد التعميم بتمهيد أصل؛ فإنه صدر الكلام ((بأي)) الشرطية وأكد ب ((ما)) إبهامية، ورتب الحكم علي وصف الاستقلال ترتيب الجزاء علي الشرط المقتضى له، مع أن الصغيرة لا تسمى امرأة في عرف أهل اللسان، ثم إنه ﷺ رتب الحكم ببطلانه ثلاثا، وعقد الصبية ليس بباطل عندهم بل هو موقوف علي إجازة الولي، والأمة ليس لها مهر، وقد قال
стр. 1748
ــ
ﷺ : ((فإن مسها فلها المهر بما استحل من فرجها)) والمكاتبة نادرة بالنسبة إلي جنس النساء، فلا يصح قصر العام عليها.
وقوم أولو قوله: ((باطل)) بأنه علي صدد البطلان، ومصيره إليه بتقدير اعتراض الأولياء عليها إذا زوجت نفسها من غير كفء، وذلك مع ما فيه من إبطال قصر التعميم مزيف من وجوه أخر: أحدهما: أنه لا يناسب هذا التأكيد والمبالغة. وثإنيهما: أن المتعارف المنقول في تسمية الشيء باسم ما يئول إليه [تسمية ما يكون المآل إليه] * قطعا، كما في قوله تعالي: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ أو غالبا كما في قوله تعالي: ﴿إني أَرَإني أَعْصِرُ خَمْرًا﴾. وثالثهما: أنه لو كان كذلك لا يستحق المهر بالعقد إلا بالوطء؛ ولذلك قالوا: يتقرر المسمى بالوطء ويتعلق بالطلاق قبل الوطء، وقد علق رسول الله ﷺ الاستحقاق علي الوطء، وجعل الاستحلال علة لثبوته، وذلك يدل علي أن وطء الشبهة يوجب مهر المثل، ولم أجد أحدا غيرهم من أهل العلم رخص للمرأة تزويج نفسها مطلقا، وجوز مالك للدنيئة دون الشريفة، وقال أبو ثور: إن زوجت نفسها بإذن الولي صح، وإن زوجت بغير إذنه لم يصح؛ لتخصيص الحكم بالتزويج بغير إذن، وهو ضعيف؛ لاتفاق القائلين بالمفهوم كقوله تعالي: ((وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن)) وقوله تعالي: ((فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به)) إذ الظاهر أن الموجب لتخصيص محل النطق في ذلك كونه غالبا، فلا يدل علي قصر الحكم عليه.
وقوله: ((فإن اشتجروا)) أي اختلفوا وتنازعوا، ومنه قوله تعالي: ((فيما شجر بينهم)) أي فيما وقع خلافا بينهم يريد به مشاجرة العضل؛ ولذلك فوض الأمر إلي السلطان وجعلهم كالمعدومين، وهو مما يؤيد منع المرأة عن مباشرة العقد؛ إذا لو صلحت عبارتها للعقد لأطلق لها ذلك عند عضل الأولياء واختلافهم، ولما فوض إلي السلطان. هذا تلخيص ما شرح السنة.
أقول: ((أيما)) من المعممات التي يستغنى بها إما عن تفصيل غير حاصر أو تطويل غير ممل. فقوله: ((أيما امرأة)) تشمل الثيب والبكر والأمة والمجنونة والمكاتبة والصغيرة، فالقول بأن الثيب خارجة من الحكم يفتقر إلي دليل، وكذا قوله: ((لا نكاح إلا بولي)) ((لا)) نفي جنس النكاح وحصره إلا علي الولي، فهو من قصر الإفراد، يرد زعم من يذهب إلي أن النكاح يصح بولي وبغير ولي، فقطع الشركة وفصر الحكم علي الولي؛ فالحديثان دالان علي أن للولي مدخلا في النكاح البتة ولا يصح بدونه، لكنهما مجملان مبهمان في أن الولي هل هو مستقل أم لا، واستقلاله في بعض الصور أو كلها؟ وحديث أبي هريرة وابن عباس مع الروايات السابقة في بعضها؛ فإن أفعل التفضيل تدل علي أن له مدخلا وليس بمستقبل، وكذلك الاستثمار. ومن
стр. 1749
٣١٣٢ - وعم ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: ((البغايا اللاتي ينكحن أنفسهن بغير بينة)).والأصح أنه موقوف علي ابن عباس رواه الترمذي.
٣١٣٣ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((اليتيمة تستأمر في نفسها، فإن صمتت فهو إذنها، وإن أبت فلا جواز عليها)).رواه الترمذي، وأبو داوود، والنسائي. [٣١٣٣].
٣١٣٤ - ورواه الدارمي عن أبي موسى.
ــ
ذهب إلي استقلال الثيب أبطل مقتضى هذين الحديثين، ولم يعمل بموجب الحديثين الأولين.
الحديث الثالث عن ابن عباس ﵄: قوله: ((البغايا)) جمع بغية وهي الزإنية، من البغاء وهو الزنا. والبينة إما أن يراد به الشاهد فبدونه زنى عند الشافعي وأبي حنيفة، أو من به تبيين النكاح من الولي فهو شبهة فتسميها ب ((البغايا)) تشديد وتغليظ، ويؤيد هذا الوجه الحديث الثاني في الفصل الثالث من الباب. ((حس)) في الحديث السابق ((فإن دخل بها فلها المهر)) دليل علي أن وطء الشبهة يوجب مهرا ولا يجب به الحد، ويثبت النسب؛ فمن فعله عامدا عزر. وذهب أكثر أهل العلم إلي أن النكاح لا ينعقد إلا ببينة، وليس فيه خلاف ظاهر بين الصحابة ومن بعدهم من التابعين وغيرهم، إلا قوم من المتأخرين كأبي ثور.
الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((اليتيمة تستأمر)) يراد بها البالغة البكر من اليتامى، سماها يتيمة باعتبار ما كانت، كقوله تعالي: ﴿وآتُوا اليَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾. وفائدة التسمية مراعاة حقها والشفقة عليها في تحري الكفاءة والصلاح؛ فإن اليتيم مظنة الرأفة والرحمة. ((حسن)): اختلفوا في اليتيمة إذا زوجها غير الأب والجد، فذهب جماعة إلي أن النكاح صحيح، ولها الخيار إذا بلغت في فسخ النكاح أو إجازته، وهو قوله أصحاب أبي حنيفة، وذهب قوم إلي أن النكاح باطل. وهو قول الشافعي، واحتج بأنه ﷺ قال: ((اليتيمة تستأمر)) واليتيمة اسم للصغيرة التي لا أب لها، وهي قبل البلوغ لا معنى لإذنها ولا عبرة لإبائها، وكأنه ﷺ شرط بلوغها، فمعناه لا تنكح حتى تبلغ فتستأمر.
واختلفوا في الوصي هل يزوج بنات الموصي؟ فذهب قوم إلي أنه لا ولاية له وإن فوض إليه. وقال حماد ابن أبي سليمان: للوصي أن يزوج اليتيمة قبل البلوغ، وحكى ذلك عن ابن شريح أنه أحاز نكاح الوصي مع كراهة الأولياء، وأجاز مالك إذا فوض إليه الأب.
قوله: ((فلا جواز عليها)) أي فلا تعدي عليها. ((نه)): جازه يجوزه إذا تعداه وعبره عليه.
стр. 1750
٣١٣٥ - وعن جابر، عن النبي ﷺ قال: ((أيما عبد تزوج بغير إذن سيده فهو عاهر)). رواه الترمذي، وأبو داوود، والدارمي. [٣١٣٥]
الفصل الثالث
٣١٣٦ - عن ابن عباس، قال: إن جارية بكرا أتت رسول الله ﷺ فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة، فخيرها النبي ﷺ . رواه أبو داوود. [٣١٣٦]
٣١٣٧ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ ((لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها، فإن الزإنية هي التي تزوج نفسها)) رواه ابن ماجه. [٣١٣٧]
٣١٣٨ - وعن أبي سعيد، وابن عباس، قالا: قال رسول الله ﷺ : ((من ولد له ولد فليحسن اسمه وأدبه، فإذا بلغ فليزوجه، فإن بلغ ولم يزوجه فأصاب إثما؛ فإنما إثمه علي أبيه). [٣١٣٨]
٣١٣٩ - وعن عمر بن الخطاب، وأنس بن مالك [﵄] عن رسول الله ﷺ قال: ((في التوراة مكتوب: من بلغت ابنته اثنتي عشرة سنة ولم يزوجها فأصابت إثما، فإثم ذلك عليه)). رواهما البيهقي في ((شعب الأيمان)). [٣١٣٩]
ــ
الحديث الخامس عن جابر ﵁: قوله: ((فهو عاهر)) ((مظ)): لا يجوز نكاح العبد بغير إذن سيده عند الشافعي [وأحمد] * لهذا الحديث، ولا يصح إن أجاز بعد العقد، وعند أبي حنيفة يجوز إن أجازه بعده.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن ابن عباس ﵄: قوله: ((جارية بكرا)) فيدها بالبكارة دون الصغر لاعتبار كراهتها، ولو كانت صغيرة لما اعتبر كراهتها؛ فإن قوله: ((وهي كارهة)) حال لبان هيئة المفعول عند التزويج.
الحديث الثاني والثالث والرابع عن أبي سعيد وابن عباس ﵃: قوله: ((فأصاب إثما)) أي ما أثم به من الفواحش. وقوله: ((فإنما إثمه علي أبيه)) أي جزاء الإثم عليه حقيقة، ودل هذا الحصر علي أن الإثم علي الوالد مبالغة؛ لأنه لم يتسبب لما يتفادى ولده من إصابة الإثم.
стр. 1751
(٣) باب إعلان النكاح والخطبة والشرط
الفصل الأول
٣١٤٠ - عن الربيع بنت معوذ بن عفراء، قالت: جاء النبي ﷺ فدخل حين بني علي، فجلس علي فراشي كمجلسك مني، فجعلت جويرات لنا يضربن بالدف ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر، إذ قالت إحداهن: وفينا نبي يعلم ما في غد.
فقال ((دعي هذه، وقولي بالذي كنت تقولين)) رواه البخاري.
٣١٤١ - وعن عائشة ﵂ قالت: زفت امرأة إلي رجل من الأنصار، فقل نبي الله ﷺ : ((ما كان معكم لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو)) رواه البخاري.
٣١٤٢ - وعنها، قالت: تزوجني رسول الله ﷺ في شوال، وبنى بي في شوال، فأي نساء رسول الله ﷺ كان أحظى عنده مني؟ رواه مسلم.
ــ
باب إعلان النكاح، والخطبة، والشروط
الفصل الأول
الحديث الأول عن الربيع: قوله: ((كمجلسك)) الحطاب لمن يروى عنها الحديث. قوله: ((ويندبن)) ((مظ)): الندب عد خصال الميت ومحاسنه. وفيه دليل علي جواز إنشاد شعر ليس فيه فحش وكذب، وإنما رسول الله ﷺ القائلة بقولها: وفينا نبي يعلم ما في غد؛ لكراهته أن يسند إليه علم الغيب مطلقا؛ لأن الغيب لا يعلمه إلا الله، أو أن يوصف في أثناء اللعب والهزل؛ لأنه ﷺ أجل وأشرف من أن يذكر إلا في مجالس الجد.
الحديث الثاني والثالث عن عائشة ﵂: قاوله: ((ما كان معكم لهو؟)) ((ما)) نافية وهمزة الإنكار مقدرة، أي أما كان؟ وفيه معنى التخصيص، لما في حديث عائشة ﵂ ((ألا أرسلتم معهم من يقول: أتيناكم)) الحديث. ((حس)): إعلان النكاح وضرب الدف فيه مستحب، وقد روي عن [القاسم] * بن محمد عن عائشة بإسناد غريب، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((أعلنوا هذا النكاح، واجعلوه في المسجد، واضربوا عليه بالدفوف)) **.
قوله: ((وبنى بي)) الجوهري: بنى علي أهله بناء أي زفها، والعامة تقول: بنى بأهله وهو خطأ، وكان الأصل فيه أن الداخل بأهله كان يضرب عليها قبة ليلة دخوله بها، فقيل لكل داخل.
стр. 1752
٣١٤٣ - وعن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ ((أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج)) متفق عليه.
ــ
بأهله: بان، وعليه كلام الشيخ التوربشتي والقاضي، وبالغا في التخطئة حتى تجاوزا إلي تخطئة الراوي. أقوال: إن استعمال ((بنى عليها)) بمعنى زفها في بدأ الأمر كناية، فلما كثر استعماله في الزفاف فهم منه معنى الزفاف، وإن لم يكن ثمة بناء. وأي بعد في أن ينتقل من المعنى الثاني إلي المعنى الثالث، فيكون بمعنى أعرس بي؟ فيوضح هذا ما قال صاحب المغرب: أصله أن المعرس كان يبني علي أهله ليلة الزفاف خباء ثم كثر حتى كني به عن الوطء. وعن أبي دريد: بنيس بامرأته بالباء كأعرس بها.
فوله: ((فأي النساء)) الفاء سببية، أي كذبوا ما قالوا من أن التزوج في الشوال سبب لعدم الحظ من الزوج؛ فإن رسول الله ﷺ قد تزوجني ولم يكن أحظى مني، فوضع الجملة الاستفهامية موضعه مزيدا للتقرير والتأكيد. روى في شرح السنة ((كان أحظى مني)) نظرا إلي ((أي)) ومن حق الظاهر أن يقال: أية امرأة، فاعتبر في الإضافة الجمع وذكره. فإن قلت: فلم قالت: ((فأي النساء)) ولم تقل: فأية امرأة؟ قلت: ليؤذن ابتداء كثرة نسائه المفضلات عليهن، وهي أحظى عنده ﷺ من كل واحدة منهن، وقريب منه قوله تعالي: ﴿فَإن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ حيث لم يقل: فإن كانت امرأة فوق اثنتين. وفائدته التنبيه علي خلوصهن إناثا لا ذكر فيهن.
قوله: ((أحظى عنده مني)) ((نه)): أي أقرب إليه مني وأسعد به، يقال: حظيت المرأة عند زوجها تحظى حظوة وحظوة بالكسر والضم، أي سعدت به ودنت من قلبه وأحبها. ((مح)): فيه استحباب التزويج والتزوج والدخول في شوال، وقد نص أصحابنا عليه واستدلوا بهذا الحديث، قصدت عائشة ﵂ بهذا رد ما كانت الجاهلية عليه، وما يتخيله بعض العوام اليوم، وكان أهل الجاهلية يتطيرون بذلك؛ لما في اسم شوال من الإشالة والرفع.
الحديث الرابع عن عقبة: قوله: ((أحق الشروط)) مبتدأ خبره ((ما استحللتم)) وقوله: ((أن توفوا)) بدل من ((الشروط)). ((قض)): المراد بالشروط ها هنا المهر؛ لأنه المشروط في مقابلة البضع، وقيل: جميع ما تستحقه المرأة بمقتضى الزوجية من المهر والنفقة وحسن المعاشرة، فإن الزوج ألزمها بالعقد فكأنها شرطت فيه. وقيل: كل ما شرط الزوج ترغيبا للمرأة في النكاح ما لم يكن محظورا.
((مح)): قال الشافعي وأكثر العلماء: هذا محمول علي شرط لا ينافي مقتضى النكاح، ويكون من مقاصده كاشتراط العشرة بالمعروف، والإنفاق عليها وكسوتها وسكنها، ويقسم لها
стр. 1753
٣١٤٤ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يخطب الرجل علي خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك)) متفق عليه.
٣١٤٥ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ صفحتها، ولتنكح فإن لها ماقدر لها)) متفق علبه.
ــ
كغيرها، ومن جانب المرأة أن لا تخرج من بيته إلا بإذنه، ولا تنشز عليه ولا تصوم تطوعا بغير إذنه، ولا تأذن غيره في بيته إلا بإذنه، ولا تتصرف في متاعه إلا برضاه ونحو ذلك. وأما شرط يخالف مقتضاه: كشرط أن لا يقسم لها ولا يتسرى عليها، ولا ينفق عليها ولا يسافر بها ونحو ذلك، فلا يجب الوفاء به؛ بل يكون لغوا، ويصبح النكاح بمهر المثل. وفال أحمد: يجب الوفاء بكل شرط. أقول: فعلي هذا الخطاب في قوله: ((ما استحللتم)) للتغليب فيدخل فيه الرجال والنساء، تدل عله الرواية الأخرى ((ما استحللت به الفروج)).
الحديث الخامس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((حتى تنكح أو يترك)) ((مظ)): أي إذا طلب أحد تزوج امرأة فأجابه وليها، حيث لا يشترط رضي الزوجة، بأن كانت بكرا ووليها أبوها أو جدها، وحيث شرط رضي الزوجة، فيعتبر أن يجيب الطالب الزوجة ووليها – فحينئذ يحرم أن يتزوج تلك المرأة أحد، حتى يترك الطالب الأول تزوجها، أو يأذن للطالب الثاني في تزوجها، فإن تزوج الثاني تلك المرأة بغير إذن الأول صح النكاح ولكن يأثم. أقول: ((حتى)) غاية النهي، فيوهم أن بعد النكاح لا تكون الخطبة منهيا عنها، وبعد النكاح لا تتصور الخطبة، فكيف معنى ((حتى))؟ فيقال: إنه لا يستقيم فلا يجوز، والله أعلم. ويجوز أن تكون ((حتى)) بمعنى ((كي)) و ((أو)) بمعنى ((إلي)) وضمير ((ينكح)) راجع إلي الرجل، وفي ((يترك)) إلي ((أخيه))، المعنى لا يخطب الرجل علي خطبة أحيه لكي ينكحها إلي أن يتركها أخوه.
الحديث السادس عن أبي هريرة ﵁: قوله ((لا تسأل المرأة)) ((قض)): نهي المخطوبة عن أن تسأل الخاطب طلاق التي في نكاحه، وسماها أختها؛ لأنها أختها في الدين لتميل إليها وتتحنن عليها، واستقباحا للخصلة المنهي عنها. وقوله: ((لتستفرغ صحفتها)) أي تجعلها فارغة لتفوز بحظها؛ فإن ما قدر لها منه لا يزيد بذلك. قوله: ((ولتنكح)) عطف علي ((لتستفرغ)) وكلاهما علة للنهي، أي لا تسأل طلاق أختها لتستفرغ صحفتها وتنكح زوجها، استعارة مستملحة تمثيلية، شبه النصيب والبخت بالصحفة، وحظوظها وتمتعاتها بما يوضع في الصحفة من الأطعمة اللذيذة، وشبه الافتراق المسبب عن الطلاق باستفراغ الصحفة عن تلك الأطعمة، ثم أدخل المشبه في جنس المشبه به، واستعمل في المشبه ما كان مستعملا في
стр. 1754
٣١٤٦ - وعن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ نهي عن الشغار – والشغار: أن يزوج الرجل ابنته علي أن يزوجه الآخر ابنته وليس بينهما صداق. متفق عليه. وفي رواية لمسلم: قال: ((لا شغار في الإسلام))
٣١٤٧ - وعن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ نهي عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الإنسية. متفق عليه.
٣١٤٨ - وعن سلمة بن الأكوع، قال: رخص رسول الله ﷺ عام أوطاس في المتعة ثلاثا ثم نهي عنها. رواه مسلم.
ــ
المشبه به من الألفاظ. وقوله: ((ولتنكح)) تجريد للاستعارة لأنه مناسب للمشبه. ولو قيل: لتنال ما وضع في صفحتها، لكان من جملة الاستعارة، أو ترشيحا لها إن حملت الاستعارة علي المصرحة أو المكنية، فحينئذ يناسب النصيب والبخت قوله ﷺ : ((فإن لها ما قدر لها)) ((فا)): الصحفة القصعة التي تشبع الخمسة، وهذا مثل لاختيارها نصيب أختها من زوجها.
الحديث السابع عن ابن عمر ﵄: قوله: ((نهي عن الشغار)) مضى شرحه في باب الغصب.
الحديث الثامن والتاسع عن علي ﵁: قوله: ((نهي عن متعة النساء)) ((مح)): قال المازري: نكاح المتعة كان جائزا، ثم نسخ بالأحاديث الواردة في ذلك، وقد ثبت نسخها.
وذكر فيها اختلافات كثيرة وأطنب فيها، فمن أراد فعليه بشرح صحيح مسلم.
قال الشيخ محي الدين: والصحيح المختار أن التحريم والإباحة كانا مرتين، وكانت حلالا قبل خيبر ثم حرمت يوم خيبر، ثم أبيحت يوم فتح مكة وهو يوم أوطاس؛ لاتصالهما، ثم حرمت بعد ثلاثة أيام تحريما مؤبدا إلي يوم القيامة. ولا يجوز أن يقال: إن الإباحية مختصة بما قبل خيبر، والتحريم بيوم خيبر للتأييد، وأن الذي كان يوم فتح مكة مجرد توكيد التحريم من غير تقدم إباحة يوم الفتح، كما اختار المازري والقاضي عياض؛ لأن الروايات التي ذكرها مسلم في الإباحية يوم الفتح صريحة في ذلك، فلا يجوز إسقاطها، ولا مانع يمنع تكرير الإباحة.
قال القاضي عياض: أحاديث إباحة المتعة وردت في أسفارهم في الغزو، وعند ضرورتهم وإعدام النساء، مع أن بلادهم حارة وصبرهم عنهن قليل. وقد ذكر في حديث ابن عمر أنها كانت رخصة في أول الإسلام لمن اضطر إليها كالميتة ونحوها، ثم أجمعوا علي أنه متى وقع نكاح المتعة حكم ببطلانه، سواء قبل الدخول أو بعده، إلا ما قال زفر: من نكح متعة تأبد
стр. 1755
الفصل الثاني
٣١٤٩ - عن عبد الله بن مسعود، قال: علمنا رسول الله ﷺ التشهد في الصلاة، والتشهد في الحاجة، قال: التشهد في الصلاة: ((التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلي عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله)). والتشهد في الحاجة: إن الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله)). ويقرأ ثلاث آيات ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ولا
ــ
نكاحه، وكأنه جعل ذكر التأجيل من باب الشروط الفاسدة في النكاح؛ فإنها تلغى ويصح النكاح.
قال القاضي عياض: أجمعوا علي أن من نكح مطلقا، ونيته أن لا يمكث معها إلا مدة، فنكاحه صحيح وليس بنكاح متعة، وإنما المتعة ما وقع بالشرط المذكور، وهو يحد الواطيء في نكاح المتعة؟ فمذهبنا أنه لا يحد لشبهة الخلاف. واختلف الأصوليون في أن الإجماع بعد الخلاف هل يدفع الخلاف، ويصير المسألة مجمعا عليها؟ فالأصح عند أصحابنا أنه لا يدفعه.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن عبد الله بن مسعود ﵁: قوله: ((إن الحمد لله)) خبر لقوله: ((التشهد في الحاجة)) و ((أن)) هي المخففة من الثقيلة، كقوله تعالي: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ أَنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ فالحمد هنا يجب أن يحمل علي الثناء علي الجميل من نعمة وغيرها، من أوصاف الكمال والجلال والإكرام والأفعال العظام، والتعريف فيه علي استغراق الجنس، فيفيد أن كل نعمة من النعم الدنيوية والأخروية ليست إلا منه، وكل صفة من صفات الكمال وفضائل الأعمال له ومنه وإليه؛ ليترتب عليه الأفعال المتناسقة بعده، الاستعانة والاستغفار والاستعاذة، وأضاف الشر إلي الأنفس أولا كسبا، والإضلال إلي الله تعالي ثإنيا خلقا وتقديرا. قوله: ((ويقرأ ثلاث آيات)) هذا في رواية النسائي، وهو يقتضي معطوفا عليه، فالتقدير والتشهد في الحاجة أن يقول: الحمد لله كيت وكيت، ويقرأ ثلاث آيات، ولعل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا
следующие страницы →