Полный текст (3 308 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
(٣) باب إعلان النكاح والخطبة والشرط
الفصل الأول
٣١٤٠ - عن الربيع بنت معوذ بن عفراء، قالت: جاء النبي ﷺ فدخل حين بني علي، فجلس علي فراشي كمجلسك مني، فجعلت جويرات لنا يضربن بالدف ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر، إذ قالت إحداهن: وفينا نبي يعلم ما في غد.
فقال ((دعي هذه، وقولي بالذي كنت تقولين)) رواه البخاري.
٣١٤١ - وعن عائشة ﵂ قالت: زفت امرأة إلي رجل من الأنصار، فقل نبي الله ﷺ : ((ما كان معكم لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو)) رواه البخاري.
٣١٤٢ - وعنها، قالت: تزوجني رسول الله ﷺ في شوال، وبنى بي في شوال، فأي نساء رسول الله ﷺ كان أحظى عنده مني؟ رواه مسلم.
ــ
باب إعلان النكاح، والخطبة، والشروط
الفصل الأول
الحديث الأول عن الربيع: قوله: ((كمجلسك)) الحطاب لمن يروى عنها الحديث. قوله: ((ويندبن)) ((مظ)): الندب عد خصال الميت ومحاسنه. وفيه دليل علي جواز إنشاد شعر ليس فيه فحش وكذب، وإنما رسول الله ﷺ القائلة بقولها: وفينا نبي يعلم ما في غد؛ لكراهته أن يسند إليه علم الغيب مطلقا؛ لأن الغيب لا يعلمه إلا الله، أو أن يوصف في أثناء اللعب والهزل؛ لأنه ﷺ أجل وأشرف من أن يذكر إلا في مجالس الجد.
الحديث الثاني والثالث عن عائشة ﵂: قاوله: ((ما كان معكم لهو؟)) ((ما)) نافية وهمزة الإنكار مقدرة، أي أما كان؟ وفيه معنى التخصيص، لما في حديث عائشة ﵂ ((ألا أرسلتم معهم من يقول: أتيناكم)) الحديث. ((حس)): إعلان النكاح وضرب الدف فيه مستحب، وقد روي عن [القاسم] * بن محمد عن عائشة بإسناد غريب، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((أعلنوا هذا النكاح، واجعلوه في المسجد، واضربوا عليه بالدفوف)) **.
قوله: ((وبنى بي)) الجوهري: بنى علي أهله بناء أي زفها، والعامة تقول: بنى بأهله وهو خطأ، وكان الأصل فيه أن الداخل بأهله كان يضرب عليها قبة ليلة دخوله بها، فقيل لكل داخل.
стр. 1752
٣١٤٣ - وعن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ ((أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج)) متفق عليه.
ــ
بأهله: بان، وعليه كلام الشيخ التوربشتي والقاضي، وبالغا في التخطئة حتى تجاوزا إلي تخطئة الراوي. أقوال: إن استعمال ((بنى عليها)) بمعنى زفها في بدأ الأمر كناية، فلما كثر استعماله في الزفاف فهم منه معنى الزفاف، وإن لم يكن ثمة بناء. وأي بعد في أن ينتقل من المعنى الثاني إلي المعنى الثالث، فيكون بمعنى أعرس بي؟ فيوضح هذا ما قال صاحب المغرب: أصله أن المعرس كان يبني علي أهله ليلة الزفاف خباء ثم كثر حتى كني به عن الوطء. وعن أبي دريد: بنيس بامرأته بالباء كأعرس بها.
فوله: ((فأي النساء)) الفاء سببية، أي كذبوا ما قالوا من أن التزوج في الشوال سبب لعدم الحظ من الزوج؛ فإن رسول الله ﷺ قد تزوجني ولم يكن أحظى مني، فوضع الجملة الاستفهامية موضعه مزيدا للتقرير والتأكيد. روى في شرح السنة ((كان أحظى مني)) نظرا إلي ((أي)) ومن حق الظاهر أن يقال: أية امرأة، فاعتبر في الإضافة الجمع وذكره. فإن قلت: فلم قالت: ((فأي النساء)) ولم تقل: فأية امرأة؟ قلت: ليؤذن ابتداء كثرة نسائه المفضلات عليهن، وهي أحظى عنده ﷺ من كل واحدة منهن، وقريب منه قوله تعالي: ﴿فَإن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ حيث لم يقل: فإن كانت امرأة فوق اثنتين. وفائدته التنبيه علي خلوصهن إناثا لا ذكر فيهن.
قوله: ((أحظى عنده مني)) ((نه)): أي أقرب إليه مني وأسعد به، يقال: حظيت المرأة عند زوجها تحظى حظوة وحظوة بالكسر والضم، أي سعدت به ودنت من قلبه وأحبها. ((مح)): فيه استحباب التزويج والتزوج والدخول في شوال، وقد نص أصحابنا عليه واستدلوا بهذا الحديث، قصدت عائشة ﵂ بهذا رد ما كانت الجاهلية عليه، وما يتخيله بعض العوام اليوم، وكان أهل الجاهلية يتطيرون بذلك؛ لما في اسم شوال من الإشالة والرفع.
الحديث الرابع عن عقبة: قوله: ((أحق الشروط)) مبتدأ خبره ((ما استحللتم)) وقوله: ((أن توفوا)) بدل من ((الشروط)). ((قض)): المراد بالشروط ها هنا المهر؛ لأنه المشروط في مقابلة البضع، وقيل: جميع ما تستحقه المرأة بمقتضى الزوجية من المهر والنفقة وحسن المعاشرة، فإن الزوج ألزمها بالعقد فكأنها شرطت فيه. وقيل: كل ما شرط الزوج ترغيبا للمرأة في النكاح ما لم يكن محظورا.
((مح)): قال الشافعي وأكثر العلماء: هذا محمول علي شرط لا ينافي مقتضى النكاح، ويكون من مقاصده كاشتراط العشرة بالمعروف، والإنفاق عليها وكسوتها وسكنها، ويقسم لها
стр. 1753
٣١٤٤ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يخطب الرجل علي خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك)) متفق عليه.
٣١٤٥ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ صفحتها، ولتنكح فإن لها ماقدر لها)) متفق علبه.
ــ
كغيرها، ومن جانب المرأة أن لا تخرج من بيته إلا بإذنه، ولا تنشز عليه ولا تصوم تطوعا بغير إذنه، ولا تأذن غيره في بيته إلا بإذنه، ولا تتصرف في متاعه إلا برضاه ونحو ذلك. وأما شرط يخالف مقتضاه: كشرط أن لا يقسم لها ولا يتسرى عليها، ولا ينفق عليها ولا يسافر بها ونحو ذلك، فلا يجب الوفاء به؛ بل يكون لغوا، ويصبح النكاح بمهر المثل. وفال أحمد: يجب الوفاء بكل شرط. أقول: فعلي هذا الخطاب في قوله: ((ما استحللتم)) للتغليب فيدخل فيه الرجال والنساء، تدل عله الرواية الأخرى ((ما استحللت به الفروج)).
الحديث الخامس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((حتى تنكح أو يترك)) ((مظ)): أي إذا طلب أحد تزوج امرأة فأجابه وليها، حيث لا يشترط رضي الزوجة، بأن كانت بكرا ووليها أبوها أو جدها، وحيث شرط رضي الزوجة، فيعتبر أن يجيب الطالب الزوجة ووليها – فحينئذ يحرم أن يتزوج تلك المرأة أحد، حتى يترك الطالب الأول تزوجها، أو يأذن للطالب الثاني في تزوجها، فإن تزوج الثاني تلك المرأة بغير إذن الأول صح النكاح ولكن يأثم. أقول: ((حتى)) غاية النهي، فيوهم أن بعد النكاح لا تكون الخطبة منهيا عنها، وبعد النكاح لا تتصور الخطبة، فكيف معنى ((حتى))؟ فيقال: إنه لا يستقيم فلا يجوز، والله أعلم. ويجوز أن تكون ((حتى)) بمعنى ((كي)) و ((أو)) بمعنى ((إلي)) وضمير ((ينكح)) راجع إلي الرجل، وفي ((يترك)) إلي ((أخيه))، المعنى لا يخطب الرجل علي خطبة أحيه لكي ينكحها إلي أن يتركها أخوه.
الحديث السادس عن أبي هريرة ﵁: قوله ((لا تسأل المرأة)) ((قض)): نهي المخطوبة عن أن تسأل الخاطب طلاق التي في نكاحه، وسماها أختها؛ لأنها أختها في الدين لتميل إليها وتتحنن عليها، واستقباحا للخصلة المنهي عنها. وقوله: ((لتستفرغ صحفتها)) أي تجعلها فارغة لتفوز بحظها؛ فإن ما قدر لها منه لا يزيد بذلك. قوله: ((ولتنكح)) عطف علي ((لتستفرغ)) وكلاهما علة للنهي، أي لا تسأل طلاق أختها لتستفرغ صحفتها وتنكح زوجها، استعارة مستملحة تمثيلية، شبه النصيب والبخت بالصحفة، وحظوظها وتمتعاتها بما يوضع في الصحفة من الأطعمة اللذيذة، وشبه الافتراق المسبب عن الطلاق باستفراغ الصحفة عن تلك الأطعمة، ثم أدخل المشبه في جنس المشبه به، واستعمل في المشبه ما كان مستعملا في
стр. 1754
٣١٤٦ - وعن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ نهي عن الشغار – والشغار: أن يزوج الرجل ابنته علي أن يزوجه الآخر ابنته وليس بينهما صداق. متفق عليه. وفي رواية لمسلم: قال: ((لا شغار في الإسلام))
٣١٤٧ - وعن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ نهي عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الإنسية. متفق عليه.
٣١٤٨ - وعن سلمة بن الأكوع، قال: رخص رسول الله ﷺ عام أوطاس في المتعة ثلاثا ثم نهي عنها. رواه مسلم.
ــ
المشبه به من الألفاظ. وقوله: ((ولتنكح)) تجريد للاستعارة لأنه مناسب للمشبه. ولو قيل: لتنال ما وضع في صفحتها، لكان من جملة الاستعارة، أو ترشيحا لها إن حملت الاستعارة علي المصرحة أو المكنية، فحينئذ يناسب النصيب والبخت قوله ﷺ : ((فإن لها ما قدر لها)) ((فا)): الصحفة القصعة التي تشبع الخمسة، وهذا مثل لاختيارها نصيب أختها من زوجها.
الحديث السابع عن ابن عمر ﵄: قوله: ((نهي عن الشغار)) مضى شرحه في باب الغصب.
الحديث الثامن والتاسع عن علي ﵁: قوله: ((نهي عن متعة النساء)) ((مح)): قال المازري: نكاح المتعة كان جائزا، ثم نسخ بالأحاديث الواردة في ذلك، وقد ثبت نسخها.
وذكر فيها اختلافات كثيرة وأطنب فيها، فمن أراد فعليه بشرح صحيح مسلم.
قال الشيخ محي الدين: والصحيح المختار أن التحريم والإباحة كانا مرتين، وكانت حلالا قبل خيبر ثم حرمت يوم خيبر، ثم أبيحت يوم فتح مكة وهو يوم أوطاس؛ لاتصالهما، ثم حرمت بعد ثلاثة أيام تحريما مؤبدا إلي يوم القيامة. ولا يجوز أن يقال: إن الإباحية مختصة بما قبل خيبر، والتحريم بيوم خيبر للتأييد، وأن الذي كان يوم فتح مكة مجرد توكيد التحريم من غير تقدم إباحة يوم الفتح، كما اختار المازري والقاضي عياض؛ لأن الروايات التي ذكرها مسلم في الإباحية يوم الفتح صريحة في ذلك، فلا يجوز إسقاطها، ولا مانع يمنع تكرير الإباحة.
قال القاضي عياض: أحاديث إباحة المتعة وردت في أسفارهم في الغزو، وعند ضرورتهم وإعدام النساء، مع أن بلادهم حارة وصبرهم عنهن قليل. وقد ذكر في حديث ابن عمر أنها كانت رخصة في أول الإسلام لمن اضطر إليها كالميتة ونحوها، ثم أجمعوا علي أنه متى وقع نكاح المتعة حكم ببطلانه، سواء قبل الدخول أو بعده، إلا ما قال زفر: من نكح متعة تأبد
стр. 1755
الفصل الثاني
٣١٤٩ - عن عبد الله بن مسعود، قال: علمنا رسول الله ﷺ التشهد في الصلاة، والتشهد في الحاجة، قال: التشهد في الصلاة: ((التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلي عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله)). والتشهد في الحاجة: إن الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله)). ويقرأ ثلاث آيات ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ولا
ــ
نكاحه، وكأنه جعل ذكر التأجيل من باب الشروط الفاسدة في النكاح؛ فإنها تلغى ويصح النكاح.
قال القاضي عياض: أجمعوا علي أن من نكح مطلقا، ونيته أن لا يمكث معها إلا مدة، فنكاحه صحيح وليس بنكاح متعة، وإنما المتعة ما وقع بالشرط المذكور، وهو يحد الواطيء في نكاح المتعة؟ فمذهبنا أنه لا يحد لشبهة الخلاف. واختلف الأصوليون في أن الإجماع بعد الخلاف هل يدفع الخلاف، ويصير المسألة مجمعا عليها؟ فالأصح عند أصحابنا أنه لا يدفعه.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن عبد الله بن مسعود ﵁: قوله: ((إن الحمد لله)) خبر لقوله: ((التشهد في الحاجة)) و ((أن)) هي المخففة من الثقيلة، كقوله تعالي: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ أَنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ فالحمد هنا يجب أن يحمل علي الثناء علي الجميل من نعمة وغيرها، من أوصاف الكمال والجلال والإكرام والأفعال العظام، والتعريف فيه علي استغراق الجنس، فيفيد أن كل نعمة من النعم الدنيوية والأخروية ليست إلا منه، وكل صفة من صفات الكمال وفضائل الأعمال له ومنه وإليه؛ ليترتب عليه الأفعال المتناسقة بعده، الاستعانة والاستغفار والاستعاذة، وأضاف الشر إلي الأنفس أولا كسبا، والإضلال إلي الله تعالي ثإنيا خلقا وتقديرا. قوله: ((ويقرأ ثلاث آيات)) هذا في رواية النسائي، وهو يقتضي معطوفا عليه، فالتقدير والتشهد في الحاجة أن يقول: الحمد لله كيت وكيت، ويقرأ ثلاث آيات، ولعل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا
стр. 1756
تَمُوتُنَّ إلَاّ وأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا ونِسَاءً واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ والأَرْحَامَ إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. رواه أحمد، والترمذي، وأبو داوود، والنسائي، وابن ماجة، والدارمي، وفي جامع الترمذي فسر الآيات الثلاث سفيان الثوري، وزاد ابن ماجه بعد قوله ((إن الحمد لله)): ((نحمده)) وبعد قوله ((من شرور أنفسنا)): ((ومن سيئات أعمالنا)) والدارمي بعد قوله: ﴿عَظِيمًا﴾: ((ثم يتكلم بحاجته)). وروى في شرح السنة عن ابن مسعود في خطبة الحاجة من النكاح وغيره. [٣١٤٩]
٣١٥٠ - وعن أبي هريرة، قال: رسول الله ﷺ : ((كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب. [٣١٥٠]
ــ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ولا تَمُوتُنَّ إلَاّ وأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ الآية في مصحف ابن مسعود، أو تأويل لما في [الإمام] *، وإرادة أن التعريف في ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ للعهد والإشارة به إلي المؤمنين. ويؤيده حديث جرير بن عبد الله ﵁: ((جاء قوم عراة مجتابي النمار عامتهم من مضر، فخطب رسول الله ﷺ فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ واحِدَةٍ - إلي قوله: - رَقِيبًا﴾ و ﴿اتَّقُوا اللَّهَ ولْتَنظُرْ نَفْسٌ﴾ الآية. تصدق من ديناره – إلي آخر الحديث)). والله أعلم بحقيقة الحال.
الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁: قوله ((كاليد الجذماء)) ((تو)): أي المقطوعة.
والجذم سرعة القطع، يعني أن كل خطبة لم يؤت فيها بالثناء علي الله، فهي كاليد المقطوعة التي لا فائدة فيها لصاحبها. وأصل التشهد قولك: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، ويعبر به عن الثناء في غير هذه الرواية ((كل خطبة ليس فيها شهادة، فهي كاليد الجذماء)). والشهادة الخبر المقطوع به، والثناء علي الله أصدق الشهادات وأعظمها.
стр. 1757
٣١٥١ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع)) رواه ابن ماجه. [٣١٥١]
٣١٥٢ - وعن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((أعلنوا هذا النكاح، واجعلوه في المساجد، واضربوا عليه بالدفوف)). رواه الترمذي. هذا حديث غرب. [٣١٥٢]
٣١٥٣ - وعن محمد بن حاطب الجمحي، عن النبي ﷺ ، قال: ((فصل ما بين الحلال والحرام: الصوت والدف في النكاح)) رواه أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. [٣١٥٣]
ــ
أقول: إنما عبر التشهد عن الحمد لله في هذا الحديث، وحمل في الحديث السابق عليه في قوله: ((والتشهد في الحاجة: إن الحمد لله)) لأن القول اللسإني لا يعتبر ولا يعتد به إذا لم يتواطأ اللسان والقلب، ولم يجزم فيه. وليست الشهادة إلا عبارة عن هذه الأمور. والأولي أن يقال: إنما عبر عنه بالتشهد؛ لأنه متضمن للشهادتين بشهادة الحديث السابق، إطلاقا للجزء علي الكل كما في التحيات أيضا.
الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((كل أمر ذي بال)) ((نه)): البال الحال والشأن، وأمر ذو بال أي شريف يحتفل به ويهتم، والبال في هذا القلب. وقال غيره: إنما قال: ((ذو بال))؛لأنه من حيث إنه يشغل القلب كأنه يملكه، فكان صاحب بال. أقول: ويجوز أن يقال للأمر الخطير: ذو بال، علي الاستعارة المكنية بأن يشبه الأمر برجل شهم، له قلب ثبت وجنان ذو عزم، فينبه عن لازم المشبه به، وهو البال المنكر تنكير تفخيم علي موضوع الاستعارة في ((أمر))،فيكون قوله ((أقطع)) ترشيحا للاستعارة.
الحديث الرابع والخامس عن محمد: قوله ((الصوت والدف)) ((حس)): معناه إعلان النكاح واضطراب الصوت به والذكر في الناس، كما يقال: فلان قد ذهب صوته في الناس، وبعض الناس يذهب به إلي السماع، يعني السماع المتعارف بين الناس الآن، وهذا خطأ.
стр. 1758
٣١٥٤ - وعن عائشة، قالت: كانت عندي جارية من الأنصار زوجتها، فقال: رسول الله ﷺ ((يا عائشة! ألا تغنين؟ فإن هذا الحي من الأنصار يحبون الغناء)) رواه ابن حبان في صحيحه.
٣١٥٥ - وعن ابن عباس، قال: أنكحت عائشة ذات قرابة لها من الأنصار، فجاء رسول الله ﷺ ، فقال: ((أهديتم الفتاة؟)) قالوا: نعم. قال: ((أرسلتم معها من تغني؟)) قالت: لا. فقال: رسول الله ﷺ : ((إن الأنصار قوم فيهم غزل، فلو بعثتم معها من يقول:
أتيناكم أتيناكم فحيانا وحياكم)). رواه ابن ماجه.
٣١٥٦ - وعن سمرة، أن رسول الله ﷺ قال: ((أيها امرأة زوجها وليان؛ فهي للأول منهما ومن باع بيعا من رجلين؛ فهو للأول منهما)). رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي، والدارمي.
الفصل الثالث
٣١٥٧ - عن ابن مسعود، قال: كنا نغزو مع رسول الله ﷺ ليس معنا نساء،
ــ
الحديث السادس والسابع والثامن عن عائشة ﵂: قوله: ((ألا تغنين)) ((تو)):تغني وغنى بمعنى، ويحتمل أن يكون علي خطاب الغيبة لجماعة النساء والمراد منهن من يتغانى ذلك من الإماء والسفلة؛ فإن الحرائر يستنكف عن ذلك، وأن يكون علي خطاب الحضور لهن، ويكون من إضافة الفعل إلي الآمر به والآذن فيه. ولا يحسن فيه تفريد الخطاب ها هنا؛ لما فيه من الاحتمال، وقد جل منصب الطيبات الصديقات الصالحات القانتات عن معاناة ذلك بأنفسهن. أقول: ويمكن أن يقال: إن تفعل بمعنى استفعل غير عزيز *، منه قوله تعالي: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ أي استعجل، فإذن لا حاجة إلي التكلف، ويؤيد هذا قوله في الحديث الآتي: ((فلو بعثتم معها من يقول: أتيناكم أتيناكم)) فإن ((لو)) للتمني فيه الطلب. قوله: ((غزل)) الجوهري: مغازلة النساء محادثتهن ومراودتهن، تقول: غازلتها وغازلتني، والاسم الغزل.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن ابن مسعود ﵁: قوله: ((ثم رخص لنا)) فيه إشارة إلي أنه كان
стр. 1759
فقلنا: ألا نختصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا أن نستمتع، فكان أحدنا ينكح المرأة بالثوب إلي أجل، ثم قرأ عبد الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾. متفق عليه.
٣١٥٨ - وعن ابن عباس، قال: إنما كانت المتعة في أول الإسلام، كان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة، فيتزوج المرأة بقدر ما يرى أنه يقيم، فتحفظ له متاعه، وتصلح له شيه، حتى إذا نزلت الآية ﴿إلَاّ عَلي أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ قال ابن عباس: فكل فرج سواهما فهو حرام. رواه الترمذي. [٣١٥٨]
٣١٥٩ - وعن عامر بن سعد، قال: دخلت علي قرظة بن كعب وأبي مسعود الأنصاري في عرس وإذا جوار يغنين، فلت: أي صاحبي رسول الله ﷺ وأهل بدر! يفعل هذا عندكم؟ فقالا: اجلس إن شئت فاسمع معنا، وإن شئت فاذهب؛ فإنه قد رخص لنا في اللهو عند العرس. رواه النسائي. [٣١٥٩]
ــ
يعتقد إباحتها كابن عباس ﵄، ولم يبلغه في نص، فلما استبان لابن عباس ذلك من قول سعيد بن جبير حين قال ما قال، رجع عن ذلك كما سيأتي. ولعل ابن مسعود رجع عن ذلك، أو استمر عليه لما يبلغه النص.
الحديث الثاني عن ابن عباس ﵄: قوله: ﴿إلَاّ عَلي أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ يريد أن الله تعالي وصفهم بأنهم يحفظون فروجهم عن جميع الفروج إلا عن الأزواج والسراري، والمتمتعة ليس منهما؛ لأن حكم الأزواج من التوريث والإيراث غير جار عليها، ولا هي مملوكة بل هي مستأجرة نفسها أياما معدودة، فلا تدخل تحت الحكم. ذكر الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره: أن المستمتعة ليست زوجة له، فوجب أن لا تحل له، وإنما قلنا: إنها ليست زوجة له؛ لأنهما لا يتوارثان بالإجماع، ولو كانت زوجة له لحصل التوارث؛ لقوله تعالي: ﴿ولَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾، وإذا ثبت أنها ليست زوجة له وجب أن لا تحل لله، لقوله تعالي: ﴿إلَاّ عَلي أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾
الحديث الثالث عن عامر بن سعد: قوله: ((وأهل بدر!)) خصم به؛ لأن أهل بدر هم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار. كأنه قيل: كيف يفعل هذا بين أيديكم – وأنتم من أجلة الصحابة – ولم تنكروه وهو بعيد منكم ومناف لحالكم.
стр. 1760
(٤) باب المحرمات
الفصل الأول
٣١٦٦ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها)). متفق عليه.
ــ
باب المحرمات
المحرم الممنوع منه، المغرب: المحرم الحرام والحرمة أيضا، وحقيقته موضوع الحرمة، ومنه: هي له محرم وهو لها محرم.
الفصل الأول
الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لا يجمع بين المرأة وعمتها)) ((مح)): أي يحرم الجمع بينهما سواء كانت عمة أو خالة حقيقية أو مجازية، وهي أخت أب الأب وأب وإن علا، أو أخت أم الأم وأم الجدة من جهتي الأم والأب وإن علت، وكلهن حرام بإجماع العلماء، ويحرم الجمع بينهما في النكاح أو في ملك اليمين. وأما باقي الأقارب كبنتي العمين أو أبنتي الخالين ونحوهما فجائز، وكذا الجمع بين زوجة الرجل وبنته من غيرها.
الحديث الثاني عن عائشة ﵂: قوله: ((يحرم من الرضاعة)): ((حس)): الرضاعة بالفتح والكسر الاسم من الإرضاع. فأما من اللؤم فبالفتح لا غير. وفي الحديث دليل علي أن حرمة الرضاع كحرمة النسب في المناكح، فإذا أرضعت المرأة رضيعا يحرم علي الرضيع وعلي أولاده من أقارب المرضعة كل من يحرم علي ولدها ن النسب، ولا تحرم المرضعة علي أبي الرضيع ولا علي أخيه، ولا تحرم عليك أم أخيك من الرضاع إذا لم تكن أما لك ولا زوجة أبيك، ويتصور هذا في الرضاع ولا يتصور في النسب أم أخت إلا وهي أم لك أو زوجة لأبيك. وكذلك لا تحرم عليك أم نافلتك من الرضاع إذا لم تكن بنتك أو زوجة ابنك، ولا جدة ولدك من الرضاع إذا لم تكن أمك أو أم زوجتك، ولا أخت ولدك من الرضاع إذا لم تكن ابنتك أو ربيبتك. وفيه دليل علي أن الزإنية إذا أرضعت بلبن الزنى رضيعا، لا تثبت الحرمة بين الرضيع وبين الزإني وأهل النسب، كما لا يثبت به النسب. ((مح)): فيه دليل علي أنه يحرم النكاح ويحل النظر والخلوة والمسافرة، لكن لا يترتب عليه أحكام الأمور من كل وجه؛ فلا يتوارثان، ولا يجب علي واحد منهما نفقة الآخر، ولا يعتق عليه بالملك، ولا يسقط عنها القصاص بقتله، فهما كالأجنبيتين في هذه الأحكام. والله أعلم.
стр. 1761
٣١٦١ - وعن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة)). رواه البخاري.
٣١٦٢ - وعنها، قالت: جاء عمي من الرضاعة، فاستأذن علي، فأبيت أن آذن له حتى أسأل رسول الله ﷺ ، فجاء رسول الله ﷺ فسألته فقال: ((إنه عمك فأذني له)) قالت: فقلت: يا رسول الله! إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل فقال رسول الله ﷺ : ((إنه عمك فليلج عليك)). وذلك بعد ما ضرب علينا الحجاب. متفق عليه.
٣١٦٣ - وعن علي ﵁، قال: يا رسول الله! هل لك في بنت عمك حمزة؟ فإنها أجمل فتاة في قريش. فقال له: ((أما علمت أن حمزة أخي من الرضاعة؟ وإن الله حرم من الرضاعة ما حرم من النسب؟)) رواه مسلم.
٣١٦٤ - وعن أم الفضل، قالت: إن نبي الله ﷺ قال: ((لا تحرم الرضعة أو الرضعتان)).
٣١٦٥ - وفي رواية عائشة، قال: ((لا تحرم المصة والمصتان)).
٣١٦٦ - وفي أخرى لأم الفضل، قال: ((لا تحرم الإملاجة والإملاجتان)).
هذه روايات لمسلم.
ــ
الحديث الثالث عن عائشة ﵂: قوله: ((جاء عمي من الرضاعة)) هذا يوهم أن أم أبيها أرضعته أو أمه أرضعت إياها، لكن قولها: ((إنما أرضعتني المرأة)) يبين أن الرجل بمنزلة أبيها، فدعاه العم، هذا ما يعطيه ظاهر اللفظ. وفي شرح مسلم فيه اختلاف، وذكر أن المعروف أن عمها من الرضاعة هو أفلح أخو أبي القعيس وكنيته أفلح أبو الجعد. ((حس)): فيه دليل علي أن لبن الفحل يحرم حتى تثبت الحرمة في جهة صاحب اللبن، كما يثبت من جانب المرضعة؛ فإن النبي ﷺ أثبت عمومة الرضاعة وألحقها بالنسب.
الحديث الرابع عن علي ﵁: قوله: ((هل لك في بنت عمك؟)) ((لك)) خبر مبتدأ محذوف، و ((في)) متعلق به، أي لك رغبة فيها؟
الحديث الخامس عن أم الفضل: قوله: ((الإملاجة والإملاجتان)) ((حس)): الملج تناول الصبي الثدي ومصه، يقال: أملجت المرأة صبيها فملج، والإملاجة للمرة الواحدة. واختلف العلماء في قدر ما يحرم في الرضاع، فذهب أكثر أهل العلم إلي أن قليل الرضاع وكثره سواء
стр. 1762
٣١٦٧ - وعن عائشة، قالت: كان فيما أنزل من القرآن: ((عشر رضعات معلومات يحرمن)). ثم نسخن بخمس معلومات. فتوفي رسول الله ﷺ وهي فيما يقرأ من القرآن. رواه مسلم.
ــ
في التحريم، ومنهم ابن عمر وابن عباس وابن المسيب وعروة بن الزبير، والزهري والثوري ومالك والأوزاعي وابن المبارك ووكيع وأصحاب أبي حنيفة؛ لعموم قوله تعالي: ﴿وأُمَّهَاتُكُمُ اللَاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ﴾. وفرق غيرهم بين القليل والكثير بهذا الحديث وأمثاله، فقالت عائشة وغيرها من أزواج الني ﷺ وابن الزبير: لا يثبت التحريم بأقل من خمس رضعات، وإليه ذهب الشافعي وإسحاق؛ لما روى عن عائشة أنها قالت: كان فيماأنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات تحرمن، ثم نسخت بخمس معلومات، فتوفي رسول الله ﷺ وهي فيما يقرأ من القرآن. وذهب أبو عبيدة وأبو ثور وداود إلي أنه لا يحرم أقل من ثلاث رضعات، لمفهوم قوله: ((لا تحرم الرضعة والرضعتان)) ومفهوم العدد ضعيف. وللفارق أن تجيب عن الآية بأن الحرمة فيها مرتبة علي الأمومة والأخوة من جهة الرضاع، وليس فيهما ما يدل علي أنهما يحصلان بالرضعة الواحدة. وقول عائشة ﵂: ((توفي رسول الله ﷺ وهي فيما يقرأ من القرآن)) موؤل بأنه كان يقرؤه من لم يبلغه النسخ، حتى بلغه فترك؛ لأن القرآن محفوظ من الزيادة والنقصان، وهذا من جملة ما نسخ لفظه ومعناه باق.
الحديث السادس عن عائشة ﵄: قوله: ((وهي فيما يقرأ من القرآن)) ((تو)): يحمل هذا علي أن بعض من ام يبلغه النسخ كان يقرؤه علي الرسم الأول؛ إن تلاوتها قد كانت باقية فتركوها، فإن الله تعالي رفع قدر هذا الكتاب المبارك عن الاختلال والنقصان، وتولي حفظه، وضمن بصيانته. فقال عز من قائل: ﴿إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ فلا يجوز علي كتاب الله أن يضيع منه آية، ولا أن يخرم حرف كان يتلي في زمان الرسالة، إلا ما نسخ منه. ((شف)): المفهوم من كلام الشيخ في شرح السنة أن الضمير في قول عائشة ﵂: ((وهي فيما يقرأ من القرآن)) عائد إلي ((عشر رضعات)) وحينئذ احتاج الشيخ في هذا الحديث إلي ما ذكره. ويقوم هذا الحديث دليلا لمن قال: إن التحريم لا يحصل بأقل من عشر رضعات، ولو جعل الضمير المذكور عائد إلي ((خمس معلومات)) مع قربه، لقام دليلا للشافعي، واستغنى عن جميع ما ذكره، ويكون المعنى حينئذ أن العشر نسخن بخمس معلومات، واستقر النسخ وتقرر في زمان انبي ﷺ . وهذا هو المراد من قولها: ((فتوفي رسول الله، وهي فيما يقرأ من القرآن)). أي توفي النبي ﷺ بعد نسخ العشر بالخمس، وفي حالة استقرار الخمس وكونه مقروء في القرآن.
стр. 1763
٣١٦٨ - وعنها: أن النبي ﷺ دخل عليها وعندها رجل، فكأنه كره ذلك. فقالت: إنه أخي. فقال: ((انظر من إخوانكن؟ فإنما الرضاعة من المجاعة)). متفق عليه.
ــ
أقول: يؤيده قول الشيخ محي الدين في شرح مسلم: ((فتوفي رسول الله ﷺ ) معناه أن نسخ خمس رضعات تأخر إنزاله جدا، حتى أنه ﷺ توفي وبعض الناس يقرأ خمس رضعات قرآنا متلوا لم يبلغه النسخ؛ لقرب عهده، فلما بلغهم النسخ بعد ذلك رجعوا عنه، وأجمعوا علي أن هذا لا يتلي – انتهي كلامه. فإذن يكون قولها: ((عشر رضعات معلومات)) منسوخ الحكم والتلاوة وقولها: ((خمس معلومات)) منسوخ التلاوة ثابت الحكم كآية الرجم. وأما حديث أم الفضل ((لا تحرم الرضعة أو الرضعتان)) فمبين لقوله تعالي: ﴿وأُمَّهَاتُكُمُ اللَاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ﴾ أنه لا يكفي رضعة أو رضعتان، ولا يعمل بالمفهوم كما عليه مذهب داود، أنه لا يحرم أقل من ثلاث رضعات لثبوت حكم خمس رضعات؛ لأنه لا ينافي حديث أم الفضل، والله أعلم.
الحديث السابع عن عائشة ﵂: قوله: ((فإنما الرضاعة من المجامعة)) ((مح)): أي الرضاعة التي تثبت بها الحرمة ما تكون من الصغر، حين يكون الرضيع طفلا يسد اللبن جوعته، فأما ما كان بعد بلوغ الصبي حدا مما لا يسد اللبن جوعته، ولا يشبعه إلا الخبز وما في معناه، فلا تثبت به الحرمة. واختلف أهل العلم في تحديد مدة الرضاع، فذهب جماعة إلي أنها حولان، لقوله تعالي: ﴿والْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَة﴾ فدل علي أن حولين تمام مدتها، فإذا انقطعت انقطع حكمها، يروى معناه عن ابن مسعود وأبي هريرة وأم سلمه، وبه قال الشافعي. وحكي عن مالك أنه جعل حكم الزيادة علي الحولين حكم الحولين. قال أبو حنيفة: مدة الرضاع ثلاثون شهرا؛ لقوله تعالي: ﴿وحَمْلُهُ وفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ وهو عند الأكثرين لأقل مدة الحمل وأكثر مدة الرضاع. والفصال الفطام، ومنه قوله تعالي: ﴿فَإنْ أَرَادَا فِصَالاً﴾ أي فطاما. أقول: ((انظرن)) هنا بمعنى التفكر والتأمل. و ((من)) استفهامية مفعول به علي تأويل الجواب للاستفهام وقوله: ((فإنما الرضاعة من المجاعة)) تعليل للبعث علي إمعان النظر والتفكير؛ لأن الرضاعة تثبت النسب وتجعل الرضيع محرما، ولا يحصل ذلك إلا بإنبات اللحم وتقوية العظم، فلا تكفي مصة أو مصتان، ولا أن يشبعه إلا الخبز وما في معناه.
((مظ)): المعنى ليس كل من أرضع لبن أمهاتكن يصير أخا لكن، بل شرطه أن تكون الرضاعة من المجاعة، فيشبع الولد بذلك، ويكون ذلك في الصغر؛ فإن الصغير معدته ضعيفة، يكفيه البن ويشبعه ولا يحتاج إلي طعام آخر، فينبت لحمه ويقوى عظمه، فيصير كجزء من المرضعة، فيكون ولدها كسائر أولادها التي ولدتهم.
стр. 1764
٣١٦٩ - وعن عقبة بن الحارث: أنه تزوج ابنة لأبي إهاب بن عزيز، فأتت امرأة، فقالت: قد أرضعت عقبة والتي تزوج بها. فقال لها عقبة: ما أعلم أنك قد أرضعتني ولا أخبرتني. فأرسل إلي آل أبي إهاب، فسألهم، فقالوا: ما علمنا أرضعت صاحبتنا، فركب إلي النبي ﷺ بالمدينة، فسأله، فقال رسول الله ﷺ : ((كيف وقد قيل؟)) ففارقها عقبة، ونكحت زوجا غيره. رواه البخاري.
٣١٧٠ - وعن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ يوم حنين بعث جيشا إلي أوطاس، فلقوا عدوا، فقاتلوهم، فظهروا عليهم، وأصابوا لهم سبايا، فكأن ناسا من أصحاب النبي ﷺ تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل الله تعالي في ذلك ﴿والْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلَاّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي فهن لهم حلال إذا انقضت عدتهن. رواه مسلم.
ــ
الحديث الثامن عن عقبة: قوله: ((كيف وقد قيل؟)) ((كيف)) سؤال عن الحال، و ((قد قيل)) حال، وهما يستدعيان عاملا يعمل فيهما، يعني كيف تباشرها وتفضي إليها، وقد قيل: إنك أخوها؟ إن ذلك بعيد من ذوي المروءة والورع. وفيه أن الواجب علي المرء أن يجتنب مواقع التهم والريبة، وإن كان نقي الذيل برئ الساحة، وأنشد
قد قيل ذلك إن صدقا وإن كذبا فما اعتذارك من شيء إذا قيلا
((قض)): هذا محمول عند الأكثر علي الأخذ بالاحتياط والحث علي التورع من مظان الشبه، لا الحكم بثبوت الرضاع وفساد النكاح بمجرد شهادة المرضعة، إذا لم يجر بحضرته ﷺ ترافع وأداء شهادة، بل كان ذلك مجرد إخبار واستفسار، وإنما هو كسائر ما تقبل فيه شهادة النساء الخلص لا يثبت إلا بشهادة أربع. وقال مالك وابن أبي ليلي وابن أبي شبرمة: إنه يثبت بشهادة امرأتين. وعن ابن عباس أنه يثبت بشهادة المرضعة وحلفها، وبه قال الحسن وأحمد وإسحاق. الحديث التاسع عن أبي سعيد: قوله: ((إلي أوطاس)) ((مح)): هو موضوع عند الطائف يصرف ولا يصرف. قوله: ((والمحصنات)) هن ذوات الأزواج؛ لأنهن أحصن فروجهن بالتزويج، وما ملكت أيمانهم: أي من اللاتي سبين ولهن أزواج في دار الكفر، فهن حلال لغزاة المسلمين وإن كن محصنات. وفي معناه قول الفرزدق:
стр. 1765
الفصل الثاني
٣١٧١ – عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ نهي أن تنكح المرأة علي عمتها، أو العمة علي بنت أخيها، والمرأة علي خالتها، أو الخالة علي بنت أختها، لا تنكح الصغرى علي الكبرى. ولا الكبرى علي الصغرى. رواه الترمذي، وأبو داود، والدارمي، والنسائي، وروايته إلي قوله: ((بنت أختها)) [٣١٧١]
٣١٧٢ - وعن البراء بن عازب، قال: مر بي خالي أبو بردة بن دينار، ومعه لواء، فقلت: أين تذهب؟ قال: بعثني النبي ﷺ إلي رجل زوج امرأة أبيه آتيه برأسه. رواه الترمذي، وأبو داود.
وفي رواية له وللنسائي وابن ماجه والدارمي: فأمرني في أن أضرب عنقه وآخذ ماله. وفي هذه الرواية قال: عمي بدل: خالي. [٣١٧٢]
ــ
وذات حليل أنكحتها رماحنا حلال لمن يبني بها لم تطلق
((مح)): مذهب الشافعي وموافقيه أن المسبية من عبده الأوثان والكفار الذين لا كتاب لهم، لا يحل وطؤها بملك اليمين حتى تسلم، فهي محرمة ما دامت علي دينها، وهؤلاء المسبيات كن من مشركي العرب، فتأويل الحديث علي أنهن أيلمن وانقضى استبراؤهن بوضع الحمل من الحامل، وبحيضة من الحائض. واختلفوا في أمة بيعت وهي متزوجة بمسلم: هل يفسخ النكاح وتحل لمشتريها أم لا؟ فقال ابن عباس: ينفسخ، لعموم الآية، وقال سائر العلماء: لا ينفسخ، وخصوا الآية بالمملوكة بالسبي.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لا تنكح الصغرى علي الكبرى)) ((شف)): هذا إلي آخره كالبيان والتوكيد لقوله: ((نهي أن تنكح المرأة علي عمتها)) إلي آخره ولذلك لم بينهما بالعاطف، المراد من ((الصغرى والكبرى)) بحسب المرتبة، فالعمة والخالة هي الكبرى، وبنت الأخ وبنت الأخت هي الصغرى، أو لأنهما أكبر سنا منهما غالبا. ((مظ)): وعلة تحريم الجمع بينهن وبين الأختين، أنهن من ذوات الرحم، فلو جمع بينهما في النكاح لظهرت بينهما عداوة وقطيعة الرحم. وفي تعديله ب ((علي)) إيماء إلي الإضرار.
الحديث الثاني عن البراء: قوله: ((ومعه لواء)) ((مظ)): كان ذلك اللواء علامة كونه مبعوثا من جهة النبي ﷺ في ذلك الأمر، وكان هذا الرجل يعتقد حل هذا النكاح، فمن اعتقد حل شيء
стр. 1766
٣١٧٣ - وعن أم سلمه، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي، وكان قبل الفطام)). رواه الترمذي. [٣١٧٣]
٣١٧٤ - وعن حجاج بن حجاج الأسلمي، عن أبيه، أنه قال: يا رسول الله! ما يذهب عني مذمة الرضاع؟ فقال: ((غرة: عبد أو أمة)). رواه الترمذي وأبو داود، والنسائي والدارمي. [٣١٧٤]
٣١٧٥ - وعن أبي الطفيل الغنوي، قال: كنت جالسا مع النبي ﷺ إذا أقبلت امرأة، فبسط النبي ﷺ رداءه حتى قعدت عليه، فلما ذهبت، قيل: هذه أرضعت النبي ﷺ رواه أبو داود. [٣١٧٥]
ــ
محرم كفر، وجاز قتله وأخذ ماله، ومن جهل تحريم نكاح واحدة من محارمه فتزوجها لم يكفر، ومن علم تحريمها واعتقد الحرمة فسق، وفرق بينهما وعزر، هذا إذا لم يجر بينهما دخول، وإلا فإن علم تحريمه فهو زان، تجري عليه أحكام الزنا، وإن جهل فهو وطء بالشبهة يجب عليه مهر المثل، ويثبت النسب.
الحديث الثالث عن أم سلمه: قوله: ((إلا ما فتق)) ((تو)): فتقت الشيء فتقا شققته، والمراد منه ما وقع موقع الغداء، ويشق الأمعاء شق الطعام إذا نزل إليها. وذلك لا يكون إلا في أوان الرضاع. وقوله: ((في الثدي)) ((في)) بمعنى الوعاء، كقولك: الماء في الإناء، وهو مثل قولهم: شربت من الإناء أو شربت فيه، والارتضاع من الثدي. أقول: ((ما)) في قوله: ((إلا ما فتق)) موصولة، وضمير الفاعل راجع إليها، و ((الأمعاء)) مفعول به و ((في الثدي)) حال من ضمير الفاعل حالا مقدرة، كقوله تعالي: ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبَالِ بُيُوتًا﴾ أي حال كونه ممتلئا في الثدي فائضا منها. ولو قيل: ((من الثدي)) لم يفد هذه الفائدة. وذكر الفتق والأمعاء والثدي مزيدا لإرادة الرضاع المؤثر تأثيرا يعتد به، كما سبق في الحديث السابق.
الحديث الرابع عن حجاج: قوله: ((مذمة الرضاع)) ((فا)): الذمام والمذمة – بالكسر والفتح – الحق – والحرمة التي يذم مضيعها، يقال: رعيت ذمام فلان ومذمته، وعن أبي زيد: المذمة بالكسر الذمام، وبالفتح الذم، والمراد بمذمة الرضاع الحق اللازم بسبب الرضاع، أو حق ذات الرضاع، فحذف المضاف. ((قض)): المعنى أي شيء يسقط عني حق الإرضاع، حتى أكون بارا به مؤديا حق المرضعة بكماله؟ وكان العرب يستحبون أن يرضخوا الظئر عند فصال الصبي
стр. 1767
٣١٧٦ - وعن ابن عمر ﵁ أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وله عشر نسوة في الجاهلية، فأسلمن معه، فقال النبي ﷺ : ((أمسك أربعا، وفارق سائرهن)). رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجة. [٣١٧٦]
٣١٧٧ - وعن نوفل بن معاوية، قال: أسلمت وتحتي خمسة نسوة، فسألت النبي ﷺ ، فقال: ((فارق واحدة، وأمسك أربعا)) فعمدت إلي أقدمهن صحبة عندي: عاقر منذ ستين سنة، ففارقتها. رواه في ((شرح السنة)). [٣١٧٧]
٣١٧٨ - وعن الضحاك بن فيروز الديلمي، عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله! إني أسلمت وتحتى أختان، قال: ((اختر أيتهما شئت)). رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه. [٣١٧٨]
٣١٧٩ - وعن ابن عباس، قال: أسلمت امرأة، فتزوجت، فجاء زوجها إلي النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إني قد أسلمت، وعلمت بإسلامي. فانتزعها رسول
ــ
بشيء سوى الأجرة، وهو المسئول عنه. ((والغرة)) المملوك، واصلها البياض في جبهة الفرس، ثم استعير لأكرم كل شيء، كقولهم: غرة القوم لسيدهم، ولما كان المملوك خير ما يملك سمي غرة، ولما كانت الظئر أخدمت له نفسها جعل جزاء حقها من جنس فعلها، فأمر بأن يعطيها مملوكا يخدمها ويقوم بحقوقها. وقيل: الغرة لا تطلق إلا علي الأبيض من الرقيق.
الحديث الخامس والسادس عن ابن عمر ﵄: قوله: ((أمسك أربعا)) ((مظ)): فيه أن أنكحة الكفار صحيحة إذا أسلموا، ولا يؤمرون بإعادة النكاح، إلا إذا كان في نكاحهم من لا يجوز الجمع بينهن من النساء، وأنه لا يجوز أكثر من أربع نسوة، وأنه إذا قال: اخترت فلانة وفلانة للنكاح ثبت نكاحهن، وحصلت الفرقة فيما بينه وبين ما سوى الأربع من غير أن يطلقهن.
الحديث الثامن والتاسع عن الضحاك: قوله: ((وتحتي أختان)) ((مظ)): مذهب الشافعي ومالك وأحمد: أنه لو أسلم وتحته أختان، وأسلمتا معه كان له أن يختار إحداهما سواء كانت المختارة تزوجها أولا أو آخرا. وقال أبو حنيفة: إن تزوجهما معا لا يجوز له أن يختار واحدة منهما، وإن تزوجهما متعاقبتين، له أن يختار الأولي منهما دون الأخيرة.
الحديث التاسع: عن ابن عباس ﵄: قوله: ((وردها إلي زوجها الأول)) ((حس)): فيه دليل علي أن المرأة إذا ادعت الفراق علي الزوج بعد ما علم بينهما النكاح وأنكر الزوج،
стр. 1768
الله ﷺ من زوجها الآخر، وردها إلي زوجها الأول وفي رواية: أنه قال: إنها أسلمت معي، فردها عليه. رواه أبو داود. [٣١٧٩]
٣١٨٠ - وروى في ((شرح السنة)): أن جماعة من النساء ردهن النبي ﷺ بالنكاح الأول علي أزواجهن، عند اجتماع الإسلامين بعد اختلاف الدين والدار، منهن بنت الوليد بن مغيرة، كانت تحت صفوان بن أمية، فأسلمت يوم الفتح، وهرب زوجها من الإسلام، فبعث النبي ﷺ إليه ابن عمه وهب بن عمير برداء رسول الله ﷺ أمانا لصفوان، فلما قدم جعل له رسول الله ﷺ تسيير أربعة أشهر، حتى أسلم، فاستقرت عنده، وأسلمت أم حكيم بنت الحارث بن هشام، امرأة عكرمة بن أبي جهل يوم الفتح بمكة، وهرب زوجها من الإسلام، حتى قدم اليمن، فارتحلت أم حكيم، حتى قدمت عليه اليمن، فدعته إلي الإسلام، فأسلم، فثبتا علي نكاحهما. رواه مالك عن ابن شهاب مرسلا. [٣١٨٠]
ــ
أن القول قول الزوج مع يمينه، سواء نكحت آخر أم لا. وكذلك لو أسلم الزوجان قبل الدخول واختلفا، فقال الزوج: أسلمنا معا، فالنكاح بيننا باق، وقالت: بل أسلم أحدنا قبل الآخر فلا نكاح بيننا، فالقول قول الزوج. وكذلك إن كان بعد الدخول أسلمت المرأة، ثم بعد انقضاء عدتها ادعى الزوج إني كنت أسلمت قبل انقضاء عدتك، وادعت انقضاء عدتها قبل إسلامه، كان القول قول الزوج.
الحديث العاشر عن شرح السنة: قوله: ((بعد اختلاف الدين والدار)) ((مظ)): يعني إذا أسلما قبل انقضاء العدة ثبت النكاح بينهما، سواء كانا علي دين واحد الكتابيين والوثنيين، أو أحدهما علي دين والآخر علي دين آخر، وسواء كانا في دار الإسلام أو في دار الحرب، أو أحدهما في أحدهما والآخر في الآخر: هذا مذهب الشافعي وأحمد. وقال أبو حنيفة: لا تحصل الفرقة بينهما إلا بأحد ثلاثة أمور: انقضاء العدة، أو عرض الإسلام علي الآخر مع الامتناع عنه، أو ينتقل أحدهما من دار الإسلام إلي دار الحرب، أو بالعكس. وسواء عنده الإسلام قبل الدخول أو بعده. ((حس)): الدليل علي أن اختلاف الدار لا يوجب الفرقة، ما روي عن عكرمة عن ابن عباس قال: ((رد رسول الله ﷺ ابنته زينب علي أبي العاص بالنكاح الأول، ولم يحدث نكاحا))، وكان قد أفرقت بينهما الدار.
стр. 1769
الفصل الثالث
٣١٨١ - عن ابن عباس، قال: حرم من النسب سبع، ومن الصهر سبع، ثم قرأ: ﴿﴾ الآية. رواه البخاري.
٣١٨٢ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ قال: ((أيما رجل نكح امرأة فدخل بها، فلا يحل له نكاح ابنتها. وإن لم يدخل بها فلينكح ابنتها، وأيما رجل نكح امرأة، فلا يحل له أن ينكح أمها، دخل بها أو لم يدخل)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديث لا يصح من قبل إسناده، إنما رواه ابن لهيعة، والمثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، وهما يضعفان في الحديث. [٣١٨٢]
ــ
قوله: ((برداء رسول الله ﷺ ) الظاهر أن يقال: بردائه، وليس المقام مقام وضع المظهر موضع المضمر؛ لأن الباعث رسول الله ﷺ ، والمبعوث وهب بن عمير، ذكر في الاستيعاب: كان عمير بن وهب استأمن لصفوان رسول الله ﷺ حين هرب هو وابنه وهب بن عمير، فأمنه وبعث إليه وهب بن عمير بردائه. قوله: ((تسيير أربعة أشهر)) أضاف المصدر إلي الظرف علي الاتساع، كقوله: يا سارق الليلة. ((تو)): يقال: سيره من بلده أي أخرجه وأجلاه، والمعنى في الحديث تمكينه من السير في الأرض آمنا، وذلك إشارة إلي قوله تعالي: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ حتى يأخذوا حذرهم ويسيحوا في أرض الله حيث شاءوا، فينظروا إلي أحوال المسلمين.
الفصل الثالث
الحديث الأول والثاني عن ابن عباس ﵄: قوله: ((ومن الصهر سبع)) ((نه)): صهره وأصهره إذا قربه وأدناه، والصهر حرمة التزويج، والفرق بينه وبين النسب أن النسب ما رجع إلي ولادة قريبة من جهة الآباء، والصهر ما كان من خلطة نسبة القرابة يحدثها التزويج.
((مح)): المحرمات من النسب الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات، وبنات الأخ وبنات الأخت، ومن الصهر من تحرم علي التأبيد: أم الزوجة وزوجة الابن وابن الابن وإن سفل، وزوجة الأب والأجداد وإن علت، وبيت الزوجة بعد الدخول علي الأم. ومن يحرم علي غير التأبيد كأخت الزوجة وعمتها وخالتها، والله أعلم.
стр. 1770
(٥) باب المباشرة
الفصل الأول
٣١٨٣ - عن جابر، قال: كانت اليهود تقول: إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها كان الولد أحول، فنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شئتُمْ﴾. متفق عليه.
٣١٨٤ - وعنه، كنا نعزل والقرآن ينزل. متفق عليه. وزاد مسلم: فبلغ ذلك النبي ﷺ فلم ينهنا.
ــ
باب المباشرة
((غب)): البشرة ظاهر الجلد، وجمعها بشر وأبشار، وعبر عن الإنسان بالبشر اعتبارا لظهور جلده من الشعر، بخلاف الحيوانات، والمباشرة الإفضاء بالبشرتين، وكنى بها عن الجماع في قوله : ﴿ولا تُبَاشِرُوهُنَّ وأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ﴾.
الفصل الأول
الحديث الأول عن جابر: قوله: ﴿أَنَّى شئتُمْ﴾ ((حس)): اتفقوا علي أنه يجوز للرجل إتيان الزوجة في قبلها من جانب دبرها، وعلي أي صفة كانت، وعليه دل قوله تعالي: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شئتُمْ﴾ أي هن لكم بمنزلة أرض تزرع، ومحل الحرث هو القبل. الكشاف: ((حرث لكم)) مواضع حرثكم، شبهن بالمحارث لما يلقى في أرحامهن من النطف التي منها النسل بالبذور. وقوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ معناه: فأتوهن كما تأتون أرضكم التي تريدون أن تحرثوها، من أي جهة شئتم، ولا يحظر عليكم جهة دون جهة، وهو من الكنايات اللطيفة والتعريضات المستحسنة. أقول: وذلك أنه أبيح لهم أن يأتوهن من أي جهة شاءوا كالأراضي المملوكة، وقيدها بالحرث ليشير إلي أن لا يتجاوز البتة موضع البذر، ويتجانف عن مجرد الشهوة.
الحديث الثاني عن جابر: قوله: ((فبلغ ذلك النبي ﷺ ) عطف علي الجملة المقيدة بالحال، يعني كنا نعزل ولم يمنعنا الوحي ولا السنة. ((مح)): العزل هو أن يجامع فإذا قارب الإنزال نزع وأنزل خارج الفرج، وهو مكروه عندنا؛ لأنه طريق إلي قطع النسل، وكذا ورد ((العزل الوأد الخفي)). قال أصحابنا: لا يحرم في مملوكته ولا في زوجته الأمة، سواء رضيتا أم لا؛ لأن عليه ضررا في مملوكته بأن يصيرها أم ولد لا يجوز بيعها، وفي زوجته الرقيقة يصير ولده رقيقا تبعا لأمه؛ أما زوجته الحرة: فإن أذنت فيه فلا يحرم، وإلا فوجهان أصحهما لا يحرم.
стр. 1771
٣١٨٥ - وعنه، قال: إن رجلا أتى رسول الله ﷺ ، فقال: إن لي جارية هي خادمتنا، وأنا أطوف عليها، وأكره أن تحمل فقال: ((اعزل عنها إن شئت، فإنه سيأتيها ما قدر لها)). فلبث الرجل، ثم أتاه، فقال: إن الجارية قد حبلت فقال: ((قد أخبرتك أنه سيأتيها ما قدر لها)). رواه مسلم.
٣١٨٦ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة بني المصطلق، فأصبنا سبيا من سبي العرب، فاشتهينا النساء، واشتدت علينا الغربة، وأحببنا العزل، فأردنا أن نعزل، وقلنا: نعزل ورسول الله ﷺ بين أظهرنا قبل أن نسأله؟ فسألناه عن ذلك. فقال: ((ما عليكم ألا تفعلوا، ما من نسمة كائنة إلي يوم القيامة، إلا وهي كائنة)). متفق عليه.
٣١٨٧ - وعنه، قال: سئل رسول الله، عن العزل. فقال: ((ما من كل الماء يكون الولد، وإذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه شيء)). رواه مسلم.
ــ
الحديث الثالث عن جابر: قوله: ((اعزل عنها إن شئت)) أن لا تحبل، وذلك لا ينفعك، ثم علله بقوله: ((فإنه سيأتيها)) والضمير للشأن، وفيه مؤكدات ((إن)) وضمير الشأن وسين الاستقبال.
((مح)): فيه دلالة علي إلحاق النسب مع العزل.
الحديث الرابع عن أبي سعيد: قوله: ((فقال: ما عليكم)) ((قض)): الحديث مما أخرجه الشيخان. وقوله: ((ما عليكم)) روى بـ ((ما)) و ((لا)) ومعناه لا بأس عليكم أن تفعلوا و ((لا)) مزيدة. ومن لم يجوز العزل قال: ((لا)) نفي لما سألوه، و ((عليكم أن لا تفعلوا)) كلام مستأنف مؤكد له، وأن مفتوحة، وقد صرح بالتجويز في حديث جابر حيث قال: ((اعزل عنها إن شئت)) وللعلماء فيه خلاف، واختيار الشافعي جوازه عن الأمة مطلقا، وعن الحرة بإذنها. وقوله: ((ما من نسمة كائنة)) إلي آخره يدل علي أن العزل لا يمنع الإيلاد، فلو استفرش أمة وعزل عنها، فأتت بولد لحقه إلا أن يدعي الاستبرا. ((حس)): قال المبرد: معناه لا بأس عليكم أن تفعلوا، ومعنى ((لا)) الثانية طرحها. ((مح)): فيه دليل علي أن الأعراب يجري عليهم الرق إذا كانوا مشركين؛ لأن بني المصطلق فبيلة من خزاعة، وهو مذهب مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة والشافعي في القديم: لا يجري عليهم الرق لشرفهم.
الحديث الخامس عن أبي سعيد: قوله: ((ما من كل الماء)) فإن قلت: كيف طابق هذا جوابا للسؤال؟ قلت: معنى السؤال أنهم استأذنوا في العزل مخافة الولد، فأجيبوا بأنكم زعمتم بأن صب الماء سبب للولد، والعزل لعدمه، وليس كذلك؛ إذ لا يكون الولد من كل الماء، فكم
стр. 1772
٣١٨٨ - وعن سعد بن أبي وقاص: أن رجلا جاء إلي رسول الله، فقال: إني أعزل عن امرأتي. فقال له رسول الله ﷺ : ((لم تفعل ذلك؟)) فقال الرجل: أشفق علي ولدها فقال رسول الله ﷺ : ((لو كان ذلك ضارا ضر فارس والروم)). رواه مسلم.
٣١٨٩ - وعن جذامة بنت وهب، قالت: حضرت رسول الله ﷺ في أناس وهو يقول: ((لقد هممت أن أنهي عن الغيلة، فنظرت في الروم وفارس، فإذا هم يغيلون أولادهم، فلا يضر أولادهم ذلك شيئا)). ثم سألوه عن العزل، فقال رسول الله ﷺ : ((ذلك الوأد الخفي وهي ﴿وإذَا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾)). رواه مسلم.
ــ
من صب لا يحدث منه الولد، ومن عزل محدث له. فقدم خبر ((كان))؛ ليدل علي الاختصاص، وأن تكوين الولد بمشيئة الله تعالي لا بالماء، وكذا عدمه بها لا بالعزل.
الحديث السادس عن سعد: قوله: ((أشفق علي ولدها)) ((نه)): الشفق والإشفاق الخوف، أي لو كان الغيل ضارا لضر بهذين الجيلين.
الحديث السابع عن جذامة: قوله: ((عن الغيلة)) ((نه)): الغيلة – بالكسر – الاسم من الغيل بالفتح، وهو أن يجامع الرجل زوجته وهي مرضع، وكذلك إذا حملت وهي مرضع، وقيل: يقال فيه: الغيلة والغيلة بمعنى، وقيل: الكسر للاسم والفتح للمرة، وقيل: لا يصح الفتح إلا مع حذف الهاء، وقد غال الرجل وأغيل، والولد مغال ومغيل، واللبن الذي يشربه الولد يقال له: الغيل أيضا. ((قض)): كان العرب يحترزون عن الغيلة، ويزعمون أنها تضر الولد، وكان ذلك من المشهورات الذائعة عندهم، فأراد النبي ﷺ أن ينهي عنها لذلك، فرأي أن فارس والروم يفعلون ذلك ولا يبالون به، ثم أنه لا يعود علي أولادهم بضرر، فلم ينه.
قوله: وهي: ﴿وإذَا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ الضمير راجع إلي مقدر، أي ذلك الوأد الخفي مندرج تحت الآية في الوعيد، وهي قوله: ﴿وإذَا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾. ((قض)): وإنما جعل العزل وأدا خفيا؛ لأنه في إضاعة النطفة التي هيأها الله تعالي لأن تكون ولدا، يشبه إهلاك الولد ودفنه حيا، لكن لا شك أنه دونه؛ فلذلك جعله خفيا. واستدل به من حرم العزل، وهو ضعيف؛ إذ لا يلزم من حرمة الوأد الحقيقي حرمة ما يضاهيه بوجه، ولا يشاركه فيما هو علة الحرمة، وهي إزهاق الروح وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولكنه يدل علي الكراهة.
الحديث الثامن عن أبي سعيد: قوله: ((إن أعظم الأمانة)) أي أعظم أمانة عند الله خان فيها
стр. 1773
٣١٩٠ - وعن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة)) – وفي رواية -: ((إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلي امرأته وتفضي إليه ثم ينشرسرها)). رواه مسلم.
الفصل الثاني
٣١٩١ - عن ابن عباس، قال: أوحي إلي رسول الله ﷺ : ﴿﴾ الآية: ((أقبل وأدبر، واتق الدبر والحيضة)). رواه الترمذي وابن ماجه. [٣١٩١]
٣١٩٢ - وعن خزيمة بن ثابت: أن النبي ﷺ قال: ((إن الله لا يستحيي من
ــ
الرجل أمانة ((الرجل ... إلي آخره)). ((شف)): لا بد فيه من تقدير مضاف، أي إن أعظم خيانة الأمانة عند الله يوم القيامة. وقوله: ((الرجل)) خبر ((إن)) وفيه تقدير مضاف أيضا، أي خيانة رجل يفضي إلي امرأته. ((مح)): ((إن من أشر)) قال القاضي: هكذا وقعت في الروايات، والنحويون لا يجوزون أشر وأخير. قال: وقد جاءت الأحاديث الصحيحة للغتين جميعا، وهي حجة في جوازهما. وفيه تحريم إفشاء الرجل ما يجري بينه وبين المرأة تحت اللحاف من فعل أو قول. وأما مجرد ذكر الجماع، فإن لم يكن فائدة أو حاجة فمكروه؛ لأنه خلاف المروءة، وقد قال ﷺ : ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت)) وإن احتاج إلي أن يشكو منها إعراضها، أو احتاجت أن تدعي عليه العجز عن الجماع أو نحو ذلك فلا كراهة.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن ابن عباس ﵄: ((أقبل وأدبر واتق الدبر)) تفسير لقوله تعالي: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شئتُمْ﴾ فإن الحرث يدل علي اتقاء الدبر و ﴿أَنَّى شئتُمْ﴾ علي إباحة الإقبال والإدبار، والخطاب في التفسير خطاب عام، وأن كل من يتأتي منه الإقبال والإدبار فهو مأمور بهما. قوله: ((الحيضة)) ((نه)): الحيضة بالكسر الاسم من الحيض، والحال التي تلزمها الحائض من التجنب والتحيض، كالجلسة والقعدة.
الحديث الثاني عن خزيمة: قوله: ((إن الله لا يستحيي)) الحياء تغير يعتري الإنسان من تخوف ما يعاب به ويذم، والتغير علي الله تعالي مجاز عن الترك الذي هو غاية الحياء، أي إن
стр. 1774
الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن)). رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه، والدارمي. [٣١٩٢]
٣١٩٣ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ملعون من أتى امرأته في دبرها)). رواه أحمد، وأبو داود. [٣١٩٣]
٣١٩٤ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الذي يأتي امرأته في دبرها لا ينظر الله إليه)). رواه في ((شرح السنة)). [٣١٩٤]
٣١٩٥ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا ينظر الله إلي رجل أتى رجلا أو امرأة في الدبر)). رواه الترمذي. [٣١٩٥]
٣١٩٦ - وعن أسماء بنت يزيد، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا تقتلوا أولادكم سرا، فإن الغيل يدرك الفارس فيدعثره عن فرسه)). رواه أبو داود. [٣١٩٦]
ــ
الله لا يترك من قول الحق أو إظهاره. وفي جعل هذا الكلام مقدمة وتمهيدا للنهي الوارد بعده إشعار بشناعة هذا الفعل واستهجانه، وكان من الظاهر أن يقال: إني لا استحيي، فأسند إلي الله تعالي مزيدا للمبالغة والتأكيد، وهذا في شأن النساء فكيف بالرجل؟ ((مظ)): هذا إن فعله بأجنبية حكمه حكم الزنا، وإن فعله بامرأته أو أمته فهو محرم، لكن لا يرجم ولا يحد ولكن يعزر. ((مح)): ولو لاط بعبده فهو كلواطه بأجنبي. وأما المفعول به فإن كان صغيرا أو مجنونا أو مكرها فلا حد عليه.
الحديث الثالث إلي السابع عن أسماء: قوله: ((فيدعثره)) ((نه)): أي يصرعه ويهلكه، يريد أن سوء أثر الغيل في بدن الطفل وإفساد مزاجه وإرخاء قواه لا يزال يلاقيه إلي أن يشتد ويبلغ مبلغ الرجال، فإذا أراد منازلة قرن في الحرب، وهن عنه وانكسر، وسبب وهنه وانكساره الغيل – انتهي كلامه. فإن قلت: كيف أثبت ضرر الغيل في هذا الحديث وبالغ فيه ونفاه في الحديثين السابقين؟ قلنا: كان ذلك إبطالا لزعم أهل الجاهلية، واعتقاد أنه سبب مستقل مؤثر في نفسه، وإثبات الضرر هنا؛ لا أنه سبب ولكن المؤثر الحقيقي هو الله تعالي.
стр. 1775
الفصل الثالث
٣١٩٧ - عن عمر بن الخطاب ﵁، قال: نهي رسول الله ﷺ أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها. رواه ابن ماجه. [٣١٩٧]
(٦) باب
الفصل الأول
٣١٨٩ - عن عروة، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ قال لها في بريرة: ((خذيها فأعتقيها)) وكان زوجها عبدا، فخيرها رسول الله ﷺ ، فاختارت نفسها، ولو كان حرا لم يخيرها. متفق عليه.
٣١٩٩ - وعن ابن عباس، قال: كان زوج بريرة عبدا أسود، يقال له مغيث؛ كإني أنظر إليه يطوف خلفها في سكك المدينة، يبكي ودموعه تسيل علي لحيته، فقال النبي ﷺ للعباس: ((يا عباس! ألا تعجب من حب مغيث بريرة؟ ومن بغض بريرة مغيثا؟)) فقال النبي ﷺ : ((لو راجعته)) فقالت: يا رسول الله! تأمرني؟ قال: ((إنما أشفع)) قالت: لا حاجة في فيه. رواه البخاري.
ــ
الفصل الثالث
مضى شرحه
باب
الفصل الأول
الحديث الأول عن عروة: قوله: ((ولو كان حرا لم يخيرها)) ((مظ)): إذا أعتقت أمة فإن كان زوجها مملوكا، فلها الخيار بالاتفاق، وإن كان زوجها حرا فلا خيار لها عند مالك والشافعي وأحمد، ولها الخيار عند أبي حنيفة. وإن أعتق الزوجان معا، فلا خيار، أو الزوج فلا خيار له، سواء كانت زوجته مملوكة أو حرة.
الحديث الثاني عن ابن عباس ﵄: قوله: ((تأمرني)) فإن قلت: قوله: ((لو راجعته)) من أين دل علي الأمر؟ فإن ((لو)) ِإما امتناعية وجوابها محذوف، أو للتمني فعلي التقديرين ليس فيها معنى الأمر. قلت: ذهبت إلي أنها امتناعية علي معنى لو راجعته لكان خيرا لك، وأن رسول الله ﷺ فيه جازم كالأمر، فأجاب ﷺ أن ((لو)) بمعنى التمني، أي أود رجوعك وأستشفع إليك. والرواية في ((لو راجعتيه)) بإثبات الياء لإشباع الكسرة.
стр. 1776
الفصل الثاني
٣٢٠٠ - عن عائشة: أنها أرادت أن تعتق مملوكين لها زوج. فسألت النبي ﷺ ، فأمرها أن تبدأ بالرجل قبل المرأة. رواه أبو داود، والنسائي.
٣٢٠١ - وعنها: أن بريرة عتقت وهي عند مغيث، فخيرها رسول الله ﷺ وقال لها: ((إن قربك فلا خيار لك)). رواه أبو داود. [٣٢٠١]
(٧) باب الصداق
الفصل الأول
٣٢٠٢ - عن سهل بن سعد: أن رسول الله ﷺ جاءته امرأة فقالت: يا رسول
ــ
الفصل الثاني
الحديث الأول عن عائشة ﵂: قوله: ((لها زوج)) في إعرابه إشكال، وفي أكثر نسخ المصابيح وفي شرح السنة ((لها زوجين)) وهو صفة بـ ((مملوكين))، والضمير في ((لها)) لعائشة إلا أن يقدر أحدهما زوج للآخر أو بينهما ازدواج. ويجوز أن يكون الضمير للجارة لما يفهم من قوله: ((مملوكين)) في هذا السياق، فحينئذ يجوز أن يكون ((زوج)) مبتدأ والجار والمجرور خبره، وأن يكون فاعله لاعتماده علي الموصوف. ويؤيده ما وقع في بعض نسخ المصابيح ((مملوكة لها زوج)) ((مظ)): معناه: كان لعائشة عبد وأمة، وكانت الأمة زوجته، وأرادت أن تعتقهما، فسألت النبي ﷺ بعتق أيهما أبتدأ؟ فأمرها ﷺ أن تبتدئ بعتق الزوج؛ لأنها لو أعتقت أولا الزوجة لانفسخ النكاح، ولو أعتقت أولا الزوج لا يفسخ، والإعتاق علي وجه يبقى النكاح بينهما أولي.
الحديث الثاني عن عائشة ﵂: قوله: ((إن قربك فلا خيار لك)) ((حسن)): متى صح الحديث فالمصير إليه هو الواجب، وقد فال الشافعي: كان لها الخيار ما لم يصبها بعد العتق، ولا أعلم في تأخير الخيار شيئا يتبع، إلا قول حفصة زوج النبي ﷺ : ما لم يمسها، والله أعلم.
باب الصداق
المغرب: صداق المرأة مهرها، والكسر أفصح، وجمعه صدق، والأصدقة قياس لا سماع.
الفصل الأول
الحديث الأول عن سهل: قوله: ((وهبت نفسي لك)) ((مح)): هذا من خواص النبي ﷺ ، ولا
стр. 1777
الله! إني وهبت نفسي لك. فقامت طويلا، فقام رجل، فقال: يا رسول الله! زوجنيها إن لم تكن لك فيها حاجة. فقال: ((هل عندك شيء تصدقها؟)) قال: ما عندي إلا إزاري هذا. وقال: ((فالتمس ولو خاتما من حديد)) فالتمس فلم يجد شيئا. فقال رسول الله ﷺ : ((هل معك من القرآن شيء؟)) قال: نعم، سورة كذا وسورة كذا، فقال: ((زوجنتكها بما معك من القرآن)) وفي رواية، قال: ((انطلق فقد زوجتكها، فعلمها من القرآن)) متفق عليه.
ــ
يجب مهرها عليه ولو بعد الدخول، بخلاف غيره. وفي نكاح النبي ﷺ بلفظ الهبة وجهان: أصحهما ينعقد لظاهر الآية والحديث، والثاني: لا ينعقد إلا بلفظ التزويج أو الإنكاح كغيره من الأمة؛ فإنه لا ينعقد إلا بأحد هذين اللفظين عندنا بلا خلاف. قال أبو حنيفة: ينعقد نكاح كل أحد بكل لفظ يقتضي التمليك علي التأبيد. ولمالك روايتان: إحداهما مثل مذهبنا، والأخرى أنه ينعقد بلفظ الهبة والصدقة والبيع إذا قصد به النكاح. وفيه استحباب عرض المرأة نفسها علي الصلحاء لتزوجها، وأنه يستحب لمن طلب منه حاجة لا يمكنه قضاؤها أن يسكت سكوتا يفهم السائل منه ذلك ولا يخجله بالمنع. وفيه جواز نكاح المرأة من غير أن تسأل، هل هي في عدة أم لا؟ وفيه استحباب تسمية الصداق في النكاح؛ لأنه أقطع للنزاع وأنفع للمرأة. وفيه جواز قلة الصداق مما يتمول إذا تراضيا؛ لأن خاتم الحديد في غاية القلة. وهو مذهب الشافعي وجماهير العلماء. قال مالك: أقله ربع دينار، كنصاب السرقة. وقال أبو حنيفة وأصحابه: أقله عشرة دراهم. ومذهب الجمهور هو الصحيح؛ لهذا الحديث الصريح. وفيه جواز اتخاذ خاتم الحديد، وفيه خلاف للسلف، ولأصحابنا في كراهته وجهان: أصحهما لا يكره؛ لأن الحديث في النهي عنه ضعيف. وفيه استحباب تعجيل تسليم المهر إليها. وفيه دليل علي جواز كون الصداق تعليم القرآن، وجواز الاستئجار لتعليمه، وهو مذهب الشافعي. ومنعه جماعة منهم الزهري وأبو حنيفة.
((حس)): وفيه دليل علي أن الصداق لا تقدير له؛ لأنه ﷺ قال: ((التمس)) وهذا يدل علي جواز أي شيء كان من المال، وعلي أن المال غير معتبر في الكفاءة؛ فإن النبي ﷺ لم يسأل هل هو كفء لها أم لا؟ وقد علم ﷺ من حاله أنه لا مال له.
((شف)): قال الحنفية: الباء في قوله ﷺ : ((زوجتكها بما معك من القرآن)) ليست للمقابلة بل للتسبيه، والمراد كما وهبت نفسها للنبي ﷺ ، لعلها وهبت صداقها لذلك الرجل، وقالوا: معناه زوجتها منك بسبب ما معك من القرآن. قال الخطابي الباء باء التعويض كما يقال: بعت هذا الثوب بدينار، ولو كان معناه ما أولوه ولم يرد بها معنى المهر، لم يكن لسؤاله إياه ((هل معك من القرآن شيء؟)) معنى وليس في الحديث أنه جعل المهر دينا.
стр. 1778
٣٢٠٣ - وعن أبي سلمة، قال: سألت عائشة: كم كان صداق النبي ﷺ ؟ قالت: كان صداقه لأزواجه ثنتي عشرة أوقية ونش. قالت: أتدري ما النش؟ قلت: لا. قالت: نصف أوقية، فتلك خمسمائة درهم. رواه مسلم. ونش بالرفع في ((شرح السنة)) وفي جميع الأصول.
الفصل الثاني
٣٢٠٤ - عن عمر بن الخطاب ﵁، قال: ألا لا تغالوا صدقة النساء؛ فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا وتقوى عند الله، لكان أولاكم بها نبي الله ﷺ ما علمت رسول الله ﷺ نكح شيئا من نسائه، ولا أنكح شيئا من بناته علي أكثر من اثنتي عشرة أوقية. رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي. [٣٢٠٤]
ــ
الحديث الثاني عن أبي سلمة: قوله: ((أوقية)) ((حس)): الأوقية أربعون درهما، والنش عشرون. قال ابن الأعرابي: النش النصف من كل شيء، ونش الرغيف نصفه. قوله: ((ونش)) بالرفع، وفيه أن النصب كما هو مثبت في أكثر نسخ المصابيح عطفا علي ((أوقية)) ليس برواية، فعلي الرفع تقديره: معها نش أو يزاد نش. ((مح)): استدل بعض ِأصحابنا بهذا الحديث علي استحباب كون الصداق خمسمائة درهم. فإن قيل: صداق أم حبيبة زوج النبي ﷺ كان أربعة آلاف درهم أو أربعمائة دينار. فالجواب أن هذا القدر تبرع به النجاشي من ماله؛ إكراما للنبي ﷺ .
الفصل الثاني
الحديث الأول عن عمر بن الخطاب ﵁: قوله: ((ألا لا تغالوا)) ((قض)): المغالاة التكثير، و (الصدقة) الصداق، والضمير للمصدر الذي دل عليه ((تغالوا)). فإن قلت: كيف يصح هذا الحصر، وقد صح أن أم حبيبة زوج النبي ﷺ كان مهرها أربعة آلاف درهم، وأن عائشة قالت: ((كان صداقه لأزواجه ثنتي عشرة أوقية ونش))؟ قلت: أما صداق أم حبيبة، فلم يكن بتعيين الرسول ﷺ ، وأما ما روته عائشة ﵂، فلم يتجاوز عدد الأواقي التي ذكرها عمر، ولعله أراد عدد الأوقية، ولم يلتفت إلي الكسور، مع أنه نفي الزيادة في علمه، فلعله لم يبلغ إليه صداق أم حبيبة، ولا الزيادة التي في حديث عائشة ﵂.
стр. 1779
٣٢٠٥ - وعن جابر، أن رسول الله ﷺ قال: ((من أعطى في صداق امرأته ملء كفيه سويقا أو تمرا فقد استحل)) رواه أبو داود. [٣٢٠٥]
٣٢٠٦ - وعن عامر بن ربيعة: أن امرأة من بني فزارة تزوجت علي نعلين. فقال لها رسول الله ﷺ : ((أرضيت من نفسك ومالك بنعلين؟)) قالت: نعم؛ فأجازه. رواه الترمذي. [٣٢٠٦]
٣٢٠٧ - وعن علقمة، عن ابن مسعود: أنه سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها شيئا، ولم يدخل بها حتى مات. فقال ابن مسعود: لها مثل صداق نسائها، لا وكس ولا شطط، وعليها العدة، ولها الميراث. فقام معقل بن سنان الأشجعي، فقال: قضى رسول الله ﷺ في بروع بنت واشق امرأة منا بمثل ما قضيت. ففرح بها ابن مسعود. رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي، والدارمي. [٣٢٠٧]
ــ
الحديث الثاني إلي آخر الفصل عن علقمة: قوله: ((ولم يفرض لها شيئا)) ((مظ)): يعني تزوجها ولم يسم لها مهرا، ثم مات الزوج قبل أن يدخل بها، فاجتهد ابن مسعود في هذه المسألة شهرا، ثم قال: لها صداق نسائها، ولها الميراث وعليها العدة. فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، ففي قول ابن مسعود دليل جواز الاجتهاد؛ فإنه حكم في هذه المسألة باجتهاده، حتى شهد معقل بن سنان أنه سمع النبي ﷺ أنه حكم فيها بمثل ما حكم به ابن مسعود، ففرح ابن مسعود لكون اجتهاده موافقا لحكم النبي ﷺ . وقال علي بن أبي طالب ﵁ مع جماعة من الصحابة: إنه لا مهر لها؛ لأنه لم يدخل بها الزوج، ولها الميراث، وعليها العدة. وللشافعي قولان: أحدهما كقول ابن مسعود، والثاني كقول علي ﵃. ومذهب أبي حنيفة وأحمد كقول ابن مسعود. هذا إذا مات الزوج قبل الفرض والدخول. فأما إذا دخل بها قبل الفرض، وجب لها مهر المثل بلا خلاف. ومهر المثل هو مهر مثلها من نسائها في المال والجمال والثيوبة والبكارة من نساء عصابتها، أي أخواتها من الأب والأم أو من الأب أو عمتها أو بنت عمتها. فإن طلقها قبل الفرض والدخول فلها المتعة، وهي شيء يقدره الحاكم باجتهاده، علي الموسع قدره وعلي المقتر قدره، مثل أن يعطيها ثوبا أو خمارا أو خاتما. قوله: ((ففرح به)) (تو)): الضمير يرجع إلي الفتيا أو إلي القصة.
стр. 1780
الفصل الثالث
٣٢٠٨ - عن أم حبيبة: أنها كانت تحت عبد الله بن جحش، فمات بأرض الحبشة، فزوجها النجاشي النبي ﷺ وأمهرها عنه أربعة آلاف. وفي رواية: أربعة آلاف درهم، وبعث بها إلي رسول الله ﷺ مع شرحبيل بن حسنة. رواه أبو داود، والنسائي. [٣٢٠٨]
٣٢٠٩ - وعن أنس، قال: تزوج أبو طلحة أم سليم، فكان صداق ما بينهما الإسلام، أسلمت أم سليم قبل أبي طلحة، فخطبها فقالت: إني قد اسلمت، فإن أسلمت نكحتك. فأسلم، فكان صداق ما بينهما. رواه النسائي. [٣٢٠٩]
(٨) باب الوليمة
الفصل الأول
٣٢١٠ - عن أنس: أن النبي ﷺ رأي علي عبد الرحمن بن عوف أثر صفرة، فقال: ((ما هذا؟)) قال: إني تزوجت امرأة علي وزن نواة من ذهب. قال: ((بارك الله لك، أولم ولو بشاة)) متفق عليه.
ــ
الفصل الثالث
الحديث الأول والثاني عن أنس ﵁: قوله: ((فأسلم فكان صداق ما بينهما)) فيه إشعار بأن المنفعة الدينية تجوز أن تكون عرضا للبضع، وأن تعليم القرآن يجوز أن يحمل علي هذا المعنى.
باب الوليمة
الوليمة هي الطعام الذي يصنع عند العرس. المغرب: الوليمة اسم لكل طعام، والعرس في الأصل اسم من الأعراس ثم سمي به الوليمة. ويؤنث ويذكر.
الفصل الأول
الحديث الأول عن أنس رضي عنه: قوله: ((ما هذا)) ((قض)) يريد به السؤال عن سببه؛ ولذلك أجاب بما أجاب. ويحتمل أن يكون المراد به الإنكار؛ فإنه كان نهي عن التضمخ بالخلوق،
стр. 1781
٣٢١١ - وعنه، قال: ما أولم رسول الله ﷺ علي أحد من نسائه ما أولم علي زينب، أولم بشاة. متفق عليه.
٣٢١٢ - وعنه، قال: أولم رسول الله ﷺ حين بنى بزينب بنت جحش فأشبع الناس خبزا ولحما. رواه البخاري
٣٢١٣ - وعنه، قال: إن رسول الله ﷺ أعتق صفية وتزوجها، وجعل عتقها صداقها وأولم عليها بحيس. متفق عليه.
٣٢١٤ - وعنه، قال: أقام النبي ﷺ بين خيبر والمدينة ثلاث ليال يبنى عليه بصفية، فدعوت المسلمين إلي وليمته، وما كان فيها خن خبز ولا لحم، وما كان فيها إلا أن أمر بالأنطاع فبسطت فألقي عليها التمر والأقط والسمن. رواه البخاري.
ــ
فأجاب عنه بأنه ليس من تضمخه، بل هو شيء علق به من مخالطة العروس. والنواة اسم لخمسة دراهم كما أن النش اسم لعشرين درهما، والأوقية اسم لأربعين. وقوله: ((علي وزن نواة من ذهب)) أي علي مقدار خمسة دراهم وزنا من الذهب، يعني ثلاثة مثاقيل ونصفا ذهبا. وقيل معناه علي ذهب تساوي قيمته خمسة دراهم، وهو لا يساعده اللفظ. وقيل: المراد بالنواة نواة التمر. قوله: ((أولم ولو بشاة)) أي اتخذ وليمة، ومن ذهب إلي إيجابها أخذ بظاهر الأمر، وهو محمول علي الندب عند الأكثر.
الحديث الثاني عن أنس ﵁: قوله: ((أولم علي زينب)) يعني أي مثل ما أولم أو قدر ما أولم، أي أولم علي زينب أكثر مما أولم علي نسائه.
الحديث الثالث والرابع عن أنس: قوله: ((عتقها صداقها)) ((حس)): اختلف أهل العلم فيما لو أعتق أمته وتزوجها، وجعل عتقها صداقها، فذهب من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم إلي جوازه لظاهر الحديث، ولم يجوزه جماعة، وتأولوا هذا الحديث أن هذا كان من خواصه، كما كان النكاح ينفي المهر من خواصه، وكانت هذه في معنى الموهبة. وفي الحديث دليل علي أن لا كراهة فيمن يعتق أمة ثم ينكحها. والحيس طعام يتخذ من التمر والسويق والسمن.
الحديث الخامس عن أنس ﵁: قوله: ((يبنى عليه بصفية)) كان من الظاهر المشهور أن يقول: بنى علي صفية أو بنى بصفية علي قول ابن دريد. ولعل المعنى يبنى علي رسول الله ﷺ خباء جديد مع صفية أو بسببها. وقوله: ((وما كان فيها إلا أن أمر)) بعد قوله: ((وما كان من خبز)) إعلام بأنه ما كان فيها من طعام أهل التنعم والترفه، بل من طعام أهل التقشف من التمر والإقط والسمن. ويجوز أن يراد بالمجموع الحيس، وفي ذكر بسط الأنطاع دلالة علي كثرة هذا الجنس من الطعام.
стр. 1782
٣٢١٥ - وعن صفية بنت شيبة، قالت: أولم النبي ﷺ علي بعض نسائه بمدين من شعير. رواه البخاري.
٣٢١٦ - وعن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا دعي أحدكم إلي الوليمة فليأتها)). متفق عليه. وفي رواية لمسلم: ((فليجب، عرساً كان أو نحوه)).
٣٢١٧ - وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا دعي أحدكم إلي طعام فليجب، فإن شاء طعم وإن شاء ترك)) رواه مسلم.
ــ
الحديث السادس والسابع عن عبد الله بن عمر ﵄: قوله: ((فليأتها)) ((حس)): يستحب للمرء إذا أحدث الله به نعمة أن يحدث له شكراً، والوليمة والعقيقة والدعوة علي الختان، وعند القدوم من الغيبة والإعذار والخرس كلها سنن مستحبة، شكراً لله تعالي علي ما أحدث من النعمة، وآكدها استحباباً وليمة العرس والإعذار والخرس.
واختلفوا في وجوب الإجابة إلي وليمة النكاح، فذهب بعضهم إلي أنها مستحبة، وآخرون إلي أنها واجبة، يحرج إذا تخلف عنها بغير عذر؛ لقوله ﷺ : ((من ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله)) وهذا التشديد في الإجابة والحضور، أما الأكل فغير واجب بل مستحب إن لم يكن صائماً؛ لما روى عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا دعى أحدكم إلي طعام فليجب، فإن شاء طعم وإن شاء ترك)). أما الإجابة إلي غير وليمة النكاح فمستحبة؛ لقوله ﷺ : ((لو دعيت إلي كراع لأجبت)) وغير واجبة.
((مح)): الوليمة – علي ما قالوا – كل دعوة تتخذ لسرور حادث من نكاح أو ختان أو غيرهما، لكن الأشهر استعمالها علي الإطلاق في النكاح. ويقال لدعوة الختان: إعذار – بالعين المهملة والذال المعجمة – ولدعوة الولادة: عقيقة، ولدعوة سلامة المرأة من الطلق: خرس – بضم الخاء المعجمة وبالسين المهملة. وقيل أيضاً لطعام الولادة ولقدوم المسافر: نقيعة، ولإحداث البناء: وكيرة، ولما اتخذ للمصيبة: وضيحة – بكسر الضاد المعجمة – ولما يتخذ بلا سبب: مأدبة – بضم الدال وفتحها.
وأم الأعذار التي يسقط بها وجوب الإجابة وندبها، فأن يكون في الطعام شبهة، أو يخص بها الأغنياء، أو يكون هناك من يتأذى بحضوره، أو لا يليق به مجالسته، أو يدعوه لخوف شره أو لطمع في جاهه، أو لتعاونه علي باطل، وأن يكون هناك منكر من خمر أو لهو، أو فرش حرير أو صور أو حيوان غير مفروشة، أو إنية ذهب أو فضة. ومن الأعذار أن يتعذر إلي الداعي فيتركه، ولو دعاه ذمي لم تجب إجابته علي الأصح.
стр. 1783
٣٢١٨ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((شر الطعام طعام الوليمة يدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء، ومن ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله)) متفق عليه.
٣٢١٩ - وعن أبي مسعود الأنصاري، قال: كان رجل من الأنصار يكنى أبا شعيب، كان له غلام لحام، فقال: اصنع لي طعاماً يكفي خمسة، لعلي أدعو النبي ﷺ خامس خمسة، فصنع له طعيما ثم أتاه فدعاه، فتبعهم رجل، فقال النبي ﷺ : ((يا أبا شعيب! إن رجلاً تبعنا، فإن شئت أذنت له، وإن شئت تركته)) قال: لا، بل أذنت له. متفق عليه
ــ
الحديث الثامن والتاسع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((شر الطعام طعام الوليمة)) ((قض)): يريد من شر الطعام [فإن من الطعام] ما يكون شراً منه، ونظيره: شر الناس من أكل وحده. وإنما سماه شراً لما ذكر عقيبه؛ فإن الغالب فيها، فكأنه قال: شر الطعام طعام الوليمة التي من شأنها هذا، فاللفظ وإن أطلق فالمراد به التقييد بما ذكر عقيبه، وكيف يريد به الإطلاق وقد أمر باتخاذ الوليمة وإجابة الداعي إليها، ورتب العصيان علي تركها؟ ولذلك قيل بوجوب الإجابة. أقول: التعريف في ((الوليمة)) للعهد الخارجي، وكان من عادتهم مراعاة الأغنياء فيها وتخصيصهم بالدعوة، وإيثارهم وتطييب الطعام لهم، ورفع مجالسهم وتقديمهم وغير ذلك مما هو الغالب في الولائم.
وقوله: ((يدعى)) إلي آخره استئناف بيان لكونها شر الطعام، وعلي هذا لا يحتاج إلي تقدير ((من)) لأن الرياء شرك خفي، ((ومن ترك الدعوة)) حال، والعامل ((يدعى)) يعني يدعى لها الأغنياء، والحال أن الإجابة واجبة، فيجيب المدعو ويأكل شر الطعام.
الحديث العاشر عن أبي مسعود: قوله: ((خامس خمسة)) أي أحد خمسة، كقوله تعالي: ﴿ثَإني اثْنَيْنِ﴾. قوله: ((فإن شئت أذنت له)) ((حس)): فيه دليل علي أنه لا يحل طعام الضيافة لمن لم يدع إليها. وذهب قوم إلي أن الرجل إذا قدم إليه طعام وخلي بينه وبينه، فإنه يتخير إن شاء أكل وإن شاء أطعم غيره وإن شاء حمله إلي منزله؛ فأما إذا جلس علي مائدة كان له أن يأكل بالمعروف، ولا يحمل شيئاً، ولا يطعم غيره منها. وقد استحسن بعض أهل العلم أن يتناول أهل المائدة الواحدة بعضهم بعضاً شيئاً. فإن كانوا علي مائدتين لم يجز. وذهب بعضهم إلي أن من قدم إلي رجل طعاماً ليأكله فإنه لا يجرى مجرى التمليك، وأن له أن يحول بينه وبينه إذا شاء. ((مظ)): هذا تصريح منه ﷺ علي أنه لا يجوز لأحد أن يدخل دار غيره
стр. 1784
الفصل الثاني
٣٢٢٠ - عن أنس: أن النبي ﷺ أولم علي صفية بسويق وتمر. رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود، وابن ماجه. [٣٢٢٠]
٣٢٢١ - وعن سفينة: أن رجلاً ضاف علي بن أبي طالب، فصنع له طعاماً، فقالت فاطمة: لو دعونا رسول الله ﷺ فأكل معنا، فدعوه، فجاء فوضع يديه علي عضادتي الباب، فرأي القرام قد ضرب في ناحية البيت، فرجع. قالت فاطمة: فتبعته، فقلت: يا رسول الله! ما ردك؟ قال: ((إنه ليس لي أو لنبي أن يدخل بيتاً مزوقاً)) رواه أحمد، وابن ماجه. [٣٢٢١]
٣٢٢٢ - وعن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من دعي فلم يجب فقد عصى الله ورسوله، ومن دخل علي غير دعوة دخل سارقاً وخرج مغيراً)) رواه أبو داود. [٣٢٢٢]
ــ
إلا بإذنه، ولا للضيف أن يدعو أحداً بغير إذن المضيف. ((مح)): يستحب للضيف أن يستأذن له، ويستحب للمضيف أن لا يرده إلا أن يترتب علي حضوره مفسدة من تأذى الحاضرين، وإذا رده ينبغي أن يتلطف به، ولو أعطاه شيئاً من الطعام إن كان يليق به، ليكون رداً جميلاً كان حسناً.
الفصل الثاني
الحديث الأول والثاني عن سفينة: قوله: ((ضاف علي بن أبي طالب)) ((مظ)): أي صنع طعاماً وأهدي لعلي بن أبي طالب رض الله عنه، وليس معناه أنه دعي علياً إلي بيته. وعضادتي الباب خشبتان منصوبتان علي جنبيه، والقارم الستر. قال الخطابي: كان ذلك مزيناً منقشاً. وقيل: بل لم يكن منقشاً، ولكن ضرب مثل حجلة العروس ستر به الجدار؛ لأن فيه نوع رعونة تشبه أفعال الجبابرة، وفيه تصريح بأنه لا تجاب دعوة فيها منكر.
الحديث الثالث عن عبد الله بن عمر ﵄: قوله: ((دخل سارقاً)) هو حال لبيان هيئة الفاعل عند الدخول، وهو تشبيه، لذكر المشبه والمشبه به، يعني أن هيئته كهيئة السراق من الدخول بالخفية واستراق النظر، وعلي هذا قوله: ((خرج مغيراً)). وفيه تصريح بوجوب إجابة الداعي مطلقاً؛ لذكر العصيان، ووضع المظهر موضع ضمير المتكلم في ((ورسوله)) يعني عصيان الله وعصيان من اسمه الرسول بمنزلة عظيمة.
стр. 1785
٣٢٢٣ - وعن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ ، أن رسول الله ﷺ : قال: ((إذا اجتمع الداعيان فأجب أقربهما باباً، وإن سبق أحدهما فأجب الذي سبق)). رواه أحمد، وأبو داود. [٣٢٢٣]
٣٢٢٤ - وعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ((طعام أول يوم حق، وطعام يوم الثاني سنة، وطعام يوم الثالث سمعة، ومن سمع سمع الله به)). رواه الترمذي. [٣٢٢٤]
٣٢٢٥ - وعن عكرمة، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ نهي عن طعام المتباريين أن يؤكل. رواه أبو داود، وقال محيي السنة: والصحيح أنه عن عكرمة عن النبي ﷺ مرسلاً. [٣٢٢٥]
ــ
الحديث الرابع والخامس عن ابن مسعود ﵁: قوله: ((حق)) وذلك علي ما مر من أنه يستحب للمرء إذا أحدث الله به نعمة أن يحدث له شكراً، وطعام اليوم الثانية سنة؛ لأنه ريما ينجبر به ما عسى أن يصدر عنه من تقصير، أو تخلف عنه بعض الأصدقاء فإن السنة مكملة للواجب ومتممة له، وليس طعام اليوم الثالث إلا رياء وسمعة. ((فا)): السمعة أن يسمع الناس عمله وينوه به علي سبيل الرياء. ويقال: إنما يفعل سمعة وتنويها، أي ليسمع به ويرى؛ ولذلك سمي فعل المرائي سمعة ورياء؛ لأنه يفعله ليسمع به ويرى. ومن نوع عمله رياءً وسمعة نوه الله بريائه وتسميعه، وقرع به أسماع خلقه، فيتعارف ويشتهر بذلك فيفضح بين الناس – انتهي كلامه. هذا من جانب الداعي، وأما من جانب المدعو ففي الأولي يجب عليه الإجابة، وفي الثانية مستحبة، وفي الثالثة مكروهة بل هي محظورة.
الحديث السادس عن عكرمة: قوله: ((المتباريين)) ((مظ)): المتبارين هما المتعارضان بفعليهما، ليرى أيهما يغلب صاحبه، وإنما كره ذلك لما فيه من المباهاة والرياء. وقد دعى بعض العلماء فلم يجب. فقيل له: إن السلف يدعون فيجيبون، فقال: كانوا يدعون للمؤاخاة والمواساة، وأنتم تدعون للمباهاة والمكافأة. وروي أن عمر وعثمان ﵄ دعيا إلي طعام فأجابا، فلما خرجا قال عمر لعثمان: لقد شهدت طعاماً وددت إني لم أشهد، قال: ما ذاك؟ قال: خشيت أن يكون جعل مباهاة.
стр. 1786
الفصل الثالث
٣٢٢٦ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((المتباريان لا يجابان، ولا يؤكل طعامهما)) قال الإمام أحمد: يعني المتعارضين بالضيافة فخراً ورياءً. [٣٢٢٦]
٣٢٢٧ - وعن عمران بن حصين، قال: نهي رسول الله ﷺ عن إجابة طعام الفاسقين. [٣٢٢٧]
٣٢٢٨ - وعن أبي هريرة، قال: قال النبي ﷺ : ((إذا دخل أحدكم علي أخيه المسلم، فليأكل من طعامه، ولا يسأل، ويشرب من شرابه ولا يسأل)). روى الأحاديث الثلاثة البيهقي في ((شعب الإيمان)) وقال: هذا إن صح فلأن الظاهر أن المسلم لا يطعمه ولا يسقيه إلا ما هو حلال عنده. [٣٢٢٨]
(٩) باب القسم
الفصل الأول
٣٢٢٩ - عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قبض عن تسع نسوة، وكان يقسم منهن لثمان. متفق عليه.
ــ
الفصل الثالث
الحديث الأول والثاني والثالث عن عمران وأبي هريرة: فإن قلت: كيف الجمع بين الحديثين؟ قلت: الفاسق هو الجائر عن القصد والمنحرف عن الطريق المستقيم، فالغالب أن لا يجتنب عن الحرام، فنهي الحازم عن أكل طعامه وأن يحسن الظن به؛ لأن الحزم من سوء الظن، وخص في حديث أبي هريرة بلفظ ((أخيه)) ووصف بـ ((المسلم))، والظاهر من حال المسلم أن يجتنب الحرام، فأمر بحسن الظن به وسلوك طريق التحاب والتواد، فيجتنب عن إيذائه بسؤاله. وأيضاً إن الاجتناب عن طعام الفاسق زجر له عن ارتكاب الفسق، فيكون لطفاً في الحقيقة، كما ورد ((انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً)).
باب القسم
المغرب: القسم بالفتح مصدر قسم القسام المال بين الشركاء، فرقه بينهم وعين أنصباءهم، ومنه القسم بين النساء.
стр. 1787
٣٢٣٠ - وعن عائشة، أن سودة لما كبرت قالت: يا رسول الله! قد جعلت يومي منك لعائشة. فكان رسول الله ﷺ يقسم لعائشة يومين: يومها ويوم سودة. متفق عليه.
٣٢٣١ - وعنها أن رسول الله ﷺ كان يسأل في مرضه الذي مات فيه: ((أين أنا غداً؟ أين أنا غداً؟)) يريد يوم عائشة، فأذن له أزواجه يكون حيث شاء، فكان في بيت عائشة حتى مات عندها. رواه البخاري.
ــ
الفصل الأول
الحديث الأول عن ابن عباس ﵄: قوله: ((قبض عن تسع نسوة)) ضمن القبض معنى التجافي والتجاوز، أو يكون ((عن تسع)) حالا. قوله: ((وكان يقسم بينهن لثمان)) ((قض)): إنما كان كذلك؛ لأن التاسعة كانت سودة، وقد وهبت نوبتها لعائشة ﵂، وكان القسم في الحقيقة لتسع؛ لأنه ﷺ كان يبيت عند عائشة نوبتها ونوبة سودة، كما حكي في الحديث التالي له عن عائشة، لكن المبيت كان عند ثمإني زوجات. ((حس)): إذا وهب بعضهن نوبتها فلا يلزم في حق الزوج، بل له أن يدخل علي الواهبة، ولا يرضي بغيرها عنها، وإن رضي الزوج فجائز. ثم إن وهبت نوبتها لواحدة بعينها يكون الزوج عند الموهوبة لها نوبتين، نوبتها ونوبة الواهبة، ورضا الموهوبة غير شرط. وإن تركت حصتها من القسم من غير أن خصت واحدة من ضرائرها بنوبتها، فيسوى الزوج بين ضرائرها، ويخرج الواهبة من القسم. ((مح)): للواهبة الرجوع متى شاءت، فترجع في المستقبل دون الماضي؛ لأن الهبات ترجع فيما لم تقبض منها، ولا تجوز الموالاة للموهوب لها، إلا برضا الباقيات، ولا يجوز أن تأخذ علي هذه الهبة عوضاً، ويجوز أن تهب للزوج، فيجعل الزوج نوبتها لمن شاء.
الحديث الثاني عن عائشة ﵂: قوله: ((منك)) حال من ((يومي))، وقوله: ((لعائشة)) المفعول الثاني.
الحديث الثالث عن عائشة: قوله: ((يريد يوم عائشة)) تفسير لقوله: ((أين أنا غداً؟)) وكان الاستفهام استئذاناً منهن لأن يأذن له أن يكون عند عائشة، يدل عليه قوله: ((فأذن له)). ((مظ)): اختلفوا في أن القسم هل وجب عليه ﷺ أم لا؟ والأصح أنه كان واجباً لهذا الحديث؛ فإنه لو لم يجب لم يحتج إلي الإذن.
стр. 1788
٣٢٣٢ - وعنها، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه، فأيهن خرج سهمها خرج بها معه. متفق عليه.
٣٢٣٣ - وعن أبي قلابة، عن أنس، قال: من السنة إذا تزوج الرجل البكر علي الثيب أقام عندها سبعاً وقسم؛ وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثاً ثم قسم. قال أبو قلابة: ولو شئت لقلت: إن أنسا رفعه إلي النبي ﷺ . متفق عليه.
٣٢٣٤ - وعن أبي بكر بن عبد الرحمن: أن رسول الله ﷺ حين تزوج أم
ــ
الحديث الرابع عن عائشة ﵂: قوله: ((إذا أراد سفراً أقرع)) ((حس)): إذا أراد الرجل أن يسافر سفر حاجة، ويحمل بعض نسائه مع نفسه فليس له ذلك، إلا أن يقرع بينهن. ثم إذا حمل مع نفسه واحدة بالقرعة لا يجب عليه أن يقضي للباقيات مدة سفره وإن طالت، ولا مدة مكثه في بلد إذا لم يزد علي مقام المسافرين، وإن زاد مكثه علي مدة المسافرين فعليه ما زاد للباقيات، هذا قول أكثرهم، وذهب بعضهم إلي أنه يقضى للبواقي مدة غيبته بكل حال. والأول أصح؛ لأن المسافرة وإن حظيت بصحبة الزوج، فقد تعبت لمشقة السفر، فالتسوية بينها وبين من هي في راحة الإقامة والسكون وعدول عن الإنصاف، ولو خرج بواحدة من غير قرعة فعليه القضاء للبواقي، وهو بهذا الفعل عاص.
الحديث الخامس عن أبي قلابة: قوله: ((من السنة)) يجوز أن يكون خبراً وما بعده من الشرط في تأويل المبتدأ، أي من السنة إقامة الرجل عند البكر إذا تزوجها سبعاً. ((مح)): هذا اللفظ يقتضى رفعه إلي النبي ﷺ ، فإذا قال الصحابي: السنة كذا أو من السنة كذا، هو في الحكم كقوله: قال رسول الله ﷺ كذا. هذا مذهبنا ومذهب المحدثين وجماهير السلف والخلف. وجعله بعضهم موقوفاً، وليس بشيء. وقوله: ((قال أبو قلابة: ولو شئت قلت: إن أنساً رفعه إلي النبي ﷺ ) معناه أن هذا اللفظ وهو قوله: ((من السنة كذا)) صريح في رفعه، فلو شئت أن أقول هذا بناءً علي أن الرواية بالمعنى لقلتها، ولو قلتها لكنت صادقاً.
الحديث السادس عن أبي بكر ﵁: قوله: ((إن شئت سبعت عندك)) ((نه)): اشتقوا فعل من الواحد إلي العشرة، فمعنى سبع، أقام عندها سبعاً، وثلث أقام عندها ثلاثاً، وسبع الإناء إذا غسله سبع مرات. وكذلك من الواحد إلي العشرة في كل قول وفعل.
((تو)): السنة في البكر التسبيع، وفي الثيب التثليث. والنظر فيه إلي حصول الألفة ووقوع المؤانسة بلزوم الصحبة. ولما أراد إكرام أم سلمة أخبرها، أن لا هوان بها علي أهلها يعني نفسه، وأنزلها في الكرامة منزلة الأبكار. والبكر لما كانت حديثة عهد بصحبة الرجل وكانت
стр. 1789
سلمة، وأصبحت عنده قال لها: ((ليس بك علي أهلك هوان، إن شئت سبعت عندك وسبعت عندهن، وإن شئت ثلثت عندك ودرت)) قالت: ثلث. وفي رواية: أنه قال لها: ((للبكر سبع وللثيب ثلاث)). رواه مسلم.
الفصل الثاني
٣٢٣٥ - عن عائشة، أن النبي ﷺ كان يقسم بين نسائه فيعدل، ويقول: ((اللهم
ــ
حقيقة بالإباء والاستعصاء، لا تلين عريكتها إلا بجهد جهيد، شرع لها الزيادة لينتفي بها نفارها ويسكن بها روعها، وهي العدد التي يدور عليها الأيام. وقد اختلف أهل العلم فيما يلزم من بني علي أهله بعد التسبيع أو التثليث، هل يقسم بعدها لبقية أزواجه بحساب ذلك أو يستأنف القسم؟ فذهب ذاهبون إلي أن ذلك من الحقوق الجديدة لا شركة لبقية الأزواج فيه وقال آخرون: إن لبقية الأزواج استيفاء مدة تلك الأيام، والحجة لهم علي من خالفهم هذا الحديث؛ فإن النبي ﷺ قال لأم سلمة: ((إن شئت سبعت عندك وسبعت عندهن)) فقالوا: لو كانت الأيام الثلاثة هي من حقوق الثيب مسلمة لها مخلصة عن الاشتراك لكان من حقه أن يدور عليهن أربعاً أربعاً لكون الثلاثة حقاً لهان فلما كان الأمر في السبع علي ما ذكر علم أن في الثلاث كذلك. وأجاب القاضي: كان طلبها لما هو أكثر من حقها أسقط اختصاصها بما كان حقاً مخصوصاً بها.
وقوله: ((ليس بك علي أهلك هوان)) تمهيد للعدد في الاقتصار علي التثليث لها، أي ليس اقتصاري بالثلاث لإعراض عنك وعدم رغبة في مصاحبتك؛ ليكون ذلك سبباً للإهانة علي أهلك، فإن الإعراض عن النساء وعدم الالتفات إليهن يدل علي عدم المبالاة بأهلها؛ بل لأن حقك مقصور عليك. أقول: الباء علي الأول متصل بـ ((هوان))، والمراد بالأهل رسول الله ﷺ ، وعلي الثاني سببية، والأهل قبيلتها. وكلام الشيخ محيي الدين النواوي صريح في أن المراد بالأهل رسول الله ﷺ ، وأن قوله: ((ليس بك علي أهلك هوان)) تمهيد لما بعده من بيان حقها، وأنها مخيرة بين ثلاث بلا قضاء وبين سبع يقضى لباقي نسائه؛ لان في الثلاث مزية لعدم القضاء، وفي السبع مزية لتواليها وكمال الأنس فيها، واختارت الثلاث لكونها لا تقضي ويقرب عوده إليها. هذا إذا كانت ثيباً، وأما إن كانت بكراً حقها سبع بلا قضاء. واختلفوا في اختصاصها بمن له زوجات غير الجديدة أم لا، قال ابن عبد البر: جمهور العلماء علي أن ذلك حق للمرأة بسبب الزفاف، سواء كان عنده زوجة أم لا، لعموم الحديث.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن عائشة ﵂: قوله: ((فلا تلمني فيما تملك)) ((حس)): أراد به
стр. 1790
هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك)). رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي. [٣٢٣٥]
٣٢٣٦ - وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: ((إذا كانت عند الرجل امرأتان فلم يعدل بينهما، جاء يوم القيامة وشقه ساقط)). رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي. [٣٢٣٦]
الفصل الثالث
٣٢٣٧ - عن عطاء، قال: حضرنا مع ابن عباس جنازة ميمونة بسرف فقال: هذه
ــ
الحب ميل القلب، وفيه دليل علي أن القسم كان فرضاً علي الرسول ﷺ كما علي غيره، حتى كان ﷺ يراعي التسوية بينهن في مرضه، مع ما يحلقه من المشقة، علي ما روت عائشة أنه ﷺ ((كان يسأل في مرضه الذي توفي فيه أين أنا غداً؟ أين أنا غداً؟ يريد يوم عائشة)) الحديث. وذهب بعضهم إلي أن القسم بينهن لم يكن واجباً عليه، واحتج بما روي أنه ﷺ كان يطوف علي نسائه في ليلة واحدة وله تسع نسوة. وقال بعضهم: كان هذا قبل أن يسن القسم، وإن كان بعده فلم يكن عليه أكثر من التسوية بينهن. ويحتمل أن يكون ذلك بإذنهن، وإلا فليس للزوج أن يبيت في نوبة واحدة عند أخرى من غير ضرورة، ولا أن يجمع بين اثنتين في ليلة واحدة من غير إذنهن.
الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((وشقه ساقط)) الشق بالكسر النصف، ومنه قولهم: المال بيني وبينك شقني أي نصفين. ((حس)): من كانت له امرأتان فمال إلي إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل، والمراد بالميل الميل بالفعل، فلا يؤاخذ بميل القلب إذا سوى بينهن في فعل القسم، قال الله تعالي: ﴿ولَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ ولَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ﴾ معناه لن تستطيعوا أن تعدلوا بما في القلوب، فلا تميلوا كل الميل، أي لا تتبعوا أهواءكم وأفعالكم.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن عطاء: قوله: ((فلا تزعزعوها)) الزعزعة تحريك الشيء، يقال: زعزعته
следующие страницы →