Полный текст (3 308 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
الفصل الثالث
٣٢٢٦ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((المتباريان لا يجابان، ولا يؤكل طعامهما)) قال الإمام أحمد: يعني المتعارضين بالضيافة فخراً ورياءً. [٣٢٢٦]
٣٢٢٧ - وعن عمران بن حصين، قال: نهي رسول الله ﷺ عن إجابة طعام الفاسقين. [٣٢٢٧]
٣٢٢٨ - وعن أبي هريرة، قال: قال النبي ﷺ : ((إذا دخل أحدكم علي أخيه المسلم، فليأكل من طعامه، ولا يسأل، ويشرب من شرابه ولا يسأل)). روى الأحاديث الثلاثة البيهقي في ((شعب الإيمان)) وقال: هذا إن صح فلأن الظاهر أن المسلم لا يطعمه ولا يسقيه إلا ما هو حلال عنده. [٣٢٢٨]
(٩) باب القسم
الفصل الأول
٣٢٢٩ - عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قبض عن تسع نسوة، وكان يقسم منهن لثمان. متفق عليه.
ــ
الفصل الثالث
الحديث الأول والثاني والثالث عن عمران وأبي هريرة: فإن قلت: كيف الجمع بين الحديثين؟ قلت: الفاسق هو الجائر عن القصد والمنحرف عن الطريق المستقيم، فالغالب أن لا يجتنب عن الحرام، فنهي الحازم عن أكل طعامه وأن يحسن الظن به؛ لأن الحزم من سوء الظن، وخص في حديث أبي هريرة بلفظ ((أخيه)) ووصف بـ ((المسلم))، والظاهر من حال المسلم أن يجتنب الحرام، فأمر بحسن الظن به وسلوك طريق التحاب والتواد، فيجتنب عن إيذائه بسؤاله. وأيضاً إن الاجتناب عن طعام الفاسق زجر له عن ارتكاب الفسق، فيكون لطفاً في الحقيقة، كما ورد ((انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً)).
باب القسم
المغرب: القسم بالفتح مصدر قسم القسام المال بين الشركاء، فرقه بينهم وعين أنصباءهم، ومنه القسم بين النساء.
стр. 1787
٣٢٣٠ - وعن عائشة، أن سودة لما كبرت قالت: يا رسول الله! قد جعلت يومي منك لعائشة. فكان رسول الله ﷺ يقسم لعائشة يومين: يومها ويوم سودة. متفق عليه.
٣٢٣١ - وعنها أن رسول الله ﷺ كان يسأل في مرضه الذي مات فيه: ((أين أنا غداً؟ أين أنا غداً؟)) يريد يوم عائشة، فأذن له أزواجه يكون حيث شاء، فكان في بيت عائشة حتى مات عندها. رواه البخاري.
ــ
الفصل الأول
الحديث الأول عن ابن عباس ﵄: قوله: ((قبض عن تسع نسوة)) ضمن القبض معنى التجافي والتجاوز، أو يكون ((عن تسع)) حالا. قوله: ((وكان يقسم بينهن لثمان)) ((قض)): إنما كان كذلك؛ لأن التاسعة كانت سودة، وقد وهبت نوبتها لعائشة ﵂، وكان القسم في الحقيقة لتسع؛ لأنه ﷺ كان يبيت عند عائشة نوبتها ونوبة سودة، كما حكي في الحديث التالي له عن عائشة، لكن المبيت كان عند ثمإني زوجات. ((حس)): إذا وهب بعضهن نوبتها فلا يلزم في حق الزوج، بل له أن يدخل علي الواهبة، ولا يرضي بغيرها عنها، وإن رضي الزوج فجائز. ثم إن وهبت نوبتها لواحدة بعينها يكون الزوج عند الموهوبة لها نوبتين، نوبتها ونوبة الواهبة، ورضا الموهوبة غير شرط. وإن تركت حصتها من القسم من غير أن خصت واحدة من ضرائرها بنوبتها، فيسوى الزوج بين ضرائرها، ويخرج الواهبة من القسم. ((مح)): للواهبة الرجوع متى شاءت، فترجع في المستقبل دون الماضي؛ لأن الهبات ترجع فيما لم تقبض منها، ولا تجوز الموالاة للموهوب لها، إلا برضا الباقيات، ولا يجوز أن تأخذ علي هذه الهبة عوضاً، ويجوز أن تهب للزوج، فيجعل الزوج نوبتها لمن شاء.
الحديث الثاني عن عائشة ﵂: قوله: ((منك)) حال من ((يومي))، وقوله: ((لعائشة)) المفعول الثاني.
الحديث الثالث عن عائشة: قوله: ((يريد يوم عائشة)) تفسير لقوله: ((أين أنا غداً؟)) وكان الاستفهام استئذاناً منهن لأن يأذن له أن يكون عند عائشة، يدل عليه قوله: ((فأذن له)). ((مظ)): اختلفوا في أن القسم هل وجب عليه ﷺ أم لا؟ والأصح أنه كان واجباً لهذا الحديث؛ فإنه لو لم يجب لم يحتج إلي الإذن.
стр. 1788
٣٢٣٢ - وعنها، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه، فأيهن خرج سهمها خرج بها معه. متفق عليه.
٣٢٣٣ - وعن أبي قلابة، عن أنس، قال: من السنة إذا تزوج الرجل البكر علي الثيب أقام عندها سبعاً وقسم؛ وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثاً ثم قسم. قال أبو قلابة: ولو شئت لقلت: إن أنسا رفعه إلي النبي ﷺ . متفق عليه.
٣٢٣٤ - وعن أبي بكر بن عبد الرحمن: أن رسول الله ﷺ حين تزوج أم
ــ
الحديث الرابع عن عائشة ﵂: قوله: ((إذا أراد سفراً أقرع)) ((حس)): إذا أراد الرجل أن يسافر سفر حاجة، ويحمل بعض نسائه مع نفسه فليس له ذلك، إلا أن يقرع بينهن. ثم إذا حمل مع نفسه واحدة بالقرعة لا يجب عليه أن يقضي للباقيات مدة سفره وإن طالت، ولا مدة مكثه في بلد إذا لم يزد علي مقام المسافرين، وإن زاد مكثه علي مدة المسافرين فعليه ما زاد للباقيات، هذا قول أكثرهم، وذهب بعضهم إلي أنه يقضى للبواقي مدة غيبته بكل حال. والأول أصح؛ لأن المسافرة وإن حظيت بصحبة الزوج، فقد تعبت لمشقة السفر، فالتسوية بينها وبين من هي في راحة الإقامة والسكون وعدول عن الإنصاف، ولو خرج بواحدة من غير قرعة فعليه القضاء للبواقي، وهو بهذا الفعل عاص.
الحديث الخامس عن أبي قلابة: قوله: ((من السنة)) يجوز أن يكون خبراً وما بعده من الشرط في تأويل المبتدأ، أي من السنة إقامة الرجل عند البكر إذا تزوجها سبعاً. ((مح)): هذا اللفظ يقتضى رفعه إلي النبي ﷺ ، فإذا قال الصحابي: السنة كذا أو من السنة كذا، هو في الحكم كقوله: قال رسول الله ﷺ كذا. هذا مذهبنا ومذهب المحدثين وجماهير السلف والخلف. وجعله بعضهم موقوفاً، وليس بشيء. وقوله: ((قال أبو قلابة: ولو شئت قلت: إن أنساً رفعه إلي النبي ﷺ ) معناه أن هذا اللفظ وهو قوله: ((من السنة كذا)) صريح في رفعه، فلو شئت أن أقول هذا بناءً علي أن الرواية بالمعنى لقلتها، ولو قلتها لكنت صادقاً.
الحديث السادس عن أبي بكر ﵁: قوله: ((إن شئت سبعت عندك)) ((نه)): اشتقوا فعل من الواحد إلي العشرة، فمعنى سبع، أقام عندها سبعاً، وثلث أقام عندها ثلاثاً، وسبع الإناء إذا غسله سبع مرات. وكذلك من الواحد إلي العشرة في كل قول وفعل.
((تو)): السنة في البكر التسبيع، وفي الثيب التثليث. والنظر فيه إلي حصول الألفة ووقوع المؤانسة بلزوم الصحبة. ولما أراد إكرام أم سلمة أخبرها، أن لا هوان بها علي أهلها يعني نفسه، وأنزلها في الكرامة منزلة الأبكار. والبكر لما كانت حديثة عهد بصحبة الرجل وكانت
стр. 1789
سلمة، وأصبحت عنده قال لها: ((ليس بك علي أهلك هوان، إن شئت سبعت عندك وسبعت عندهن، وإن شئت ثلثت عندك ودرت)) قالت: ثلث. وفي رواية: أنه قال لها: ((للبكر سبع وللثيب ثلاث)). رواه مسلم.
الفصل الثاني
٣٢٣٥ - عن عائشة، أن النبي ﷺ كان يقسم بين نسائه فيعدل، ويقول: ((اللهم
ــ
حقيقة بالإباء والاستعصاء، لا تلين عريكتها إلا بجهد جهيد، شرع لها الزيادة لينتفي بها نفارها ويسكن بها روعها، وهي العدد التي يدور عليها الأيام. وقد اختلف أهل العلم فيما يلزم من بني علي أهله بعد التسبيع أو التثليث، هل يقسم بعدها لبقية أزواجه بحساب ذلك أو يستأنف القسم؟ فذهب ذاهبون إلي أن ذلك من الحقوق الجديدة لا شركة لبقية الأزواج فيه وقال آخرون: إن لبقية الأزواج استيفاء مدة تلك الأيام، والحجة لهم علي من خالفهم هذا الحديث؛ فإن النبي ﷺ قال لأم سلمة: ((إن شئت سبعت عندك وسبعت عندهن)) فقالوا: لو كانت الأيام الثلاثة هي من حقوق الثيب مسلمة لها مخلصة عن الاشتراك لكان من حقه أن يدور عليهن أربعاً أربعاً لكون الثلاثة حقاً لهان فلما كان الأمر في السبع علي ما ذكر علم أن في الثلاث كذلك. وأجاب القاضي: كان طلبها لما هو أكثر من حقها أسقط اختصاصها بما كان حقاً مخصوصاً بها.
وقوله: ((ليس بك علي أهلك هوان)) تمهيد للعدد في الاقتصار علي التثليث لها، أي ليس اقتصاري بالثلاث لإعراض عنك وعدم رغبة في مصاحبتك؛ ليكون ذلك سبباً للإهانة علي أهلك، فإن الإعراض عن النساء وعدم الالتفات إليهن يدل علي عدم المبالاة بأهلها؛ بل لأن حقك مقصور عليك. أقول: الباء علي الأول متصل بـ ((هوان))، والمراد بالأهل رسول الله ﷺ ، وعلي الثاني سببية، والأهل قبيلتها. وكلام الشيخ محيي الدين النواوي صريح في أن المراد بالأهل رسول الله ﷺ ، وأن قوله: ((ليس بك علي أهلك هوان)) تمهيد لما بعده من بيان حقها، وأنها مخيرة بين ثلاث بلا قضاء وبين سبع يقضى لباقي نسائه؛ لان في الثلاث مزية لعدم القضاء، وفي السبع مزية لتواليها وكمال الأنس فيها، واختارت الثلاث لكونها لا تقضي ويقرب عوده إليها. هذا إذا كانت ثيباً، وأما إن كانت بكراً حقها سبع بلا قضاء. واختلفوا في اختصاصها بمن له زوجات غير الجديدة أم لا، قال ابن عبد البر: جمهور العلماء علي أن ذلك حق للمرأة بسبب الزفاف، سواء كان عنده زوجة أم لا، لعموم الحديث.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن عائشة ﵂: قوله: ((فلا تلمني فيما تملك)) ((حس)): أراد به
стр. 1790
هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك)). رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي. [٣٢٣٥]
٣٢٣٦ - وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: ((إذا كانت عند الرجل امرأتان فلم يعدل بينهما، جاء يوم القيامة وشقه ساقط)). رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي. [٣٢٣٦]
الفصل الثالث
٣٢٣٧ - عن عطاء، قال: حضرنا مع ابن عباس جنازة ميمونة بسرف فقال: هذه
ــ
الحب ميل القلب، وفيه دليل علي أن القسم كان فرضاً علي الرسول ﷺ كما علي غيره، حتى كان ﷺ يراعي التسوية بينهن في مرضه، مع ما يحلقه من المشقة، علي ما روت عائشة أنه ﷺ ((كان يسأل في مرضه الذي توفي فيه أين أنا غداً؟ أين أنا غداً؟ يريد يوم عائشة)) الحديث. وذهب بعضهم إلي أن القسم بينهن لم يكن واجباً عليه، واحتج بما روي أنه ﷺ كان يطوف علي نسائه في ليلة واحدة وله تسع نسوة. وقال بعضهم: كان هذا قبل أن يسن القسم، وإن كان بعده فلم يكن عليه أكثر من التسوية بينهن. ويحتمل أن يكون ذلك بإذنهن، وإلا فليس للزوج أن يبيت في نوبة واحدة عند أخرى من غير ضرورة، ولا أن يجمع بين اثنتين في ليلة واحدة من غير إذنهن.
الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((وشقه ساقط)) الشق بالكسر النصف، ومنه قولهم: المال بيني وبينك شقني أي نصفين. ((حس)): من كانت له امرأتان فمال إلي إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل، والمراد بالميل الميل بالفعل، فلا يؤاخذ بميل القلب إذا سوى بينهن في فعل القسم، قال الله تعالي: ﴿ولَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ ولَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ﴾ معناه لن تستطيعوا أن تعدلوا بما في القلوب، فلا تميلوا كل الميل، أي لا تتبعوا أهواءكم وأفعالكم.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن عطاء: قوله: ((فلا تزعزعوها)) الزعزعة تحريك الشيء، يقال: زعزعته
стр. 1791
زوجة رسول الله ﷺ فإذا رفعتم نعشها فلا تزعزعوها ولا تزلزلوها وارفقوا بها، فإنه كان عند رسول الله ص تسع نسوة كان يقسم منهن لثمان، ولا يقسم لواحدة. قال عطاء: التي كان رسول الله ﷺ لا يقسم لها بلغنا أنها صفية، وكانت آخرهن موتاً، ماتت بالمدينة. متفق عليه.
وقال رزين: قال غير عطاء: هي سودة وهو أصح، وهبت يومها لعائشة حين أراد رسول الله ﷺ طلاقها، فقالت له: امسكني؛ قد وهبت يومي لعائشة، لعلي أكون من نسائك في الجنة.
(١٠) باب
عشرة النساء وما لكل واحدة من الحقوق
الفصل الأول
٣٢٣٨ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ ((استوصوا بالنساء خيراً فإنهن خلقن من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء)) متفق عليه.
ــ
فتزعزع. وقوله: ((فإنه)) تعليل للنهي، أي ارفقوا بجنازتها وعظموا شأنها، فإن صاحبتها من أزواج النبي ﷺ اللاتي كان يهتم بشأنهن فيقسم بينهن بالسوية.
باب العشرة
العشرة الصحبة. ((غب)): العشيرة أهل الرجل الذين يتكثر بهم، أي يصيرون له بمنزلة العدد الكامل، وذلك أن العشيرة هو العدد الكامل، وعاشرته صرت له كعشيرة في المظاهرة، ومنه قوله تعالي: ﴿وعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
الفصل الأول
الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((استوصوا)) ((قض)): الاستيصاء قبول الوصية، والمعنى أوصيكم بهن خيراً، فاقبلوا وصيتي فيهن؛ ((فإنهن خلقن من ضلع))، أي خلقن من خلق فيه اعوجاج، وكأنهن خلقن من أصل معوج، فلا يتهيأ الانتفاع بهن إلا
стр. 1792
٣٢٣٩ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن المرأة خلقت من ضلع، لن تستقيم لك علي طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت بها وبها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها)) رواه مسلم.
٣٢٤٠ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً، رضي منها آخر)) رواه مسلم.
٣٢٤١ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم، ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر)) متفق عليه.
ــ
بمداراتهن والصبر علي اعوجاجهن. والضلع – بكسر الضاد وفتح اللام – واحد الأضلاع، استعير للمعوج صورة أو معنى. وقيل: أراد به أن أول النساء خلقت من ضلع؛ فإن حواء خلقت من ضلع من أضلاع آدم. أقول: والأظهر أن السين للطلب مبالغة، أي اطلبوا الوصية من أنفسكم في حقهن بخير، كما في قوله تعالي: ﴿وكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ﴾ الكشاف: السين للمبالغة، أي يسألون أنفسهم الفتح عليهم كالسين في استعجب. ويجوز أن يكون من الخطاب العام، أي ليستوص بعضكم بعضاً في حق النساء.
((مح)): فيه الحث علي الرفق بالنساء والإحسان إليهن، والصبر علي عوج أخلاقهن واحتمال ضعف عقولهن، وكراهة عقولهن بلا سبب، وأنه لا مطمع في استقامتهن.
الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((وكسرها طلاقها)) فيه إشعار باستحالة تقويمها، أي إن كان لابد من الكسر فكسرها طلاقها.
الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لا يفرك)) ((قض)): الفرك بالكسر بغض أحد الزوجين الآخر. وقوله: ((لا يفرك)) نفي في معنى النهي، أي لا ينبغي للرجل أن يبغضها؛ لما يرى منها فيكرهه؛ لأنه إن استكره منها خلقاً، فلعله استحسن منها غيره، فليعارض هذا بذاك.
الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لم يخنز اللحم)) ((قض)): خنز اللحم بالكسر تغير ونتن، والمعنى لولا أن بني إسرائيل سنوا ادخار اللحم حتى خنز، لما ادخر فلم يخنز، ولولا أن حواء خانت آدم بإغرائه وتحريضه علي مخالفة الأمر بنتناول الشجرة، وسنت هذه السنة، لما سلكتها أنثى مع زوجها؛ فإن البادئ بالشيء كالسبب الحامل لغيره علي الإتيان به والاقتداء عليه. وقيل: لم يكن اللحم يخنز حتى منع بنو إسرائيل عن ادخاره فلم ينتهوا عنه،
стр. 1793
٣٢٤٢ - وعن عبد الله بن زمعة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد ثم يجامعها في آخر اليوم وفي رواية: ((يعمد أحدكم فيجلد امرأته جلد العبد، فلعله يضاجعها في آخر يومه)) ثم وعظهم في ضحكهم من الضرطة، فقال: ((لم يضحك أحدكم مما يفعل؟)) متفق عليه.
٣٢٤٣ - وعن عائشة، قالت: كنت ألعب بالبنات عند النبي ﷺ وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله ﷺ ، إذا دخل ينقمعن فيسربهن إلي فيلعبن معي. متفق عليه.
٣٢٤٤ - وعنها، قالت: والله لقد رأيت النبي ﷺ ، يقوم علي باب حجرتي،
ــ
فأسرع الخنز إلي ما ادخروه عقوبة لهم. أقول: قوله: ((لما ادخر فلم يخنز)) من باب قوله: ولا ترى الضب بها بنحجر، أي لا ضب هناك ولا الحجاز.
الحديث الخامس عن عبد الله: قوله: ((يجامعها)) ((ثم)) استبعادية أي مستبعد من العاقل الجمع بين هذا الإفراط والتفريط من الضرب المبرح والمضاجعة. وفيه إشارة إلي جواز ضرب العبيد والإماء للتأديب، إذا لم ينزجروا بالكلام، وحسن المعاشرة مع النساء والرفق بهن. و ((ثم)) في قوله: ((ثم وعظهم)) للتراخي في الزمان، يعني بعد ما تكلم بالكلام السابق بزمان رآهم يضحكون من الفعلة المذكورة فوعظهم. وفيه تنبيه علي أنه ينبغي للرجل العاقل إذا أراد أن يعيب علي أخيه المسلم شيئاً، أن ينظر في نفسه أولا هل هو برئ منه أو ملتبس به؟ فإن لم يكن بريئاً فلأن يمسك عنه خير من أن يعيبه، ولقد أحسن من قال:
أرى كل إنسان يرى عيب غيره ويعمي عن العيب الذي هو فيه
الحديث السادس عن عائشة ﵂: قوله: ((بالبنات)) ((قض)): هي جمع بنت، يريد بها اللعب التي تلعب بها الصبية. وقولها: ((ينقمعن)) أي يتسترن منه ويتغيبن عنه، والانقماع الدخول في كن ((فيسربهن))، أي يرسلهن ويسرحهن إلي، من سرب إذا ذهب. قال تعالي: ﴿وسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ أو من السرب وهي جماعة النساء، أي يرسلهن إلي سرباً سرباً.
الحديث السابع عن عائشة ﵂: قوله: ((بالحراب في المسجد)) ((تو)): يحتمل أنهم كانوا في رحبة المسجد، وكانت تنظر إليهم من باب الحجرة، وذلك من داخل المسجد، فقال: ((في المسجد)) لاتصال الرحبة به، أو دخلوا المسجد لتضايق الموضع بهم، وإنما سومحوا
стр. 1794
والحبشة يلعبون بالحراب في المسجد، ورسول الله ﷺ يسترني بردائه، لأنظر إلي لعبهم بين أذنه وعاتقه، ثم يقوم من أجلي حتى أكون أنا التي أنصرف، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة علي اللهو. متفق عليه.
٣٢٤٥ - وعنها، قالت: قال لي رسول الله ﷺ : ((إني لأعلم إذا كنت عني راضية، وإذا كنت علي غضبي)). فقلت: من أين تعرف ذلك؟ فقال: ((إذا كنت عني راضية؛ فإنك تقولين: لا ورب محمد، وإذا كنت علي غضبي؛ قلت: لا ورب إبراهيم)). قالت: قلت: أجل والله يا رسول الله! ما أهجر إلا اسمك متفق عليه.
٣٢٤٦ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا دعا الرجل امرأته إلي فراشه فأبت، فبات غضبان؛ لعنتها الملائكة حتى تصبح)) متفق عليه. وفي رواية لهما، قال: ((والذي نفسي بيده، ما من رجل يدعو امرأته إلي فراشه فتأبي عليه، إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضي عنها)).
٣٢٤٧ - وعن أسماء، أن امرأة قالت: يا رسول الله! إن لي ضرة، فهل علي
ــ
فيه؛ لأن لعبتهم لم يكن من اللعب المكروه، بل كان يعد من عدة الحرب مع أعداء الله، فصار بالقصد من جملة العبادات كالرمي. وأما النظر إليهم فالظاهر أنه كان قبل نزول الحجاب. وقوله: ((فاقدروا)) يقال: قدرت الأمر كذا، أقدر وأقدر، إذا نظرت فيه وتدبرته، أي دبروا أمر الجارية مع حداثة سنها وحرصها علي اللهو، وانظروا فيها إذا تركت وما تحب من ذلك كم تلبث وتديم النظر إليه، تريد بذلك طول لبثها، ومصابرة النبي ﷺ معها علي ذلك.
الحديث الثامن عن عائشة ﵂: قوله: ((ما أهجر إلا اسمك)) هذا الحصر من اللطف في الجواب؛ لأنها أخبرت أنها إذا كانت في غاية من الغضب الذي يسلب العاقل اختياره، لا يغيرها عن كمال المحبة المستغرقة ظاهرها وباطنها الممتزجة بروحها، وإنما عبرت عن الترك بالهجران؛ لتدل بها علي أنها تتألم من هذا الترك الذي لا اختيار لها فيه، وأنشد:
إني لأمنحك الصدود وإنني قسما إليك مع الصدود لأميل
الحديث التاسع عن أبي هريرة: قوله: ((الذي في السماء)) اعلم أنه إذا عبر عن رحمة الله أو غضبه، وقرب نزولهما علي الخلق، خص السماء بالذكر، وقد جمع بينهما في قوله تعالي: ﴿وفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ ومَا تُوعَدُونَ﴾. وفيه دليل علي أن سخط الزوج يوجب سخط الرب، ورضاه يوجب رضاه، هذا في قضاء الشهوة، فكيف إذا كان في أمر الدين؟
стр. 1795
جناح إن تشبعت من زوجي غير الذي يعطيني؟ فقال: ((المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور)) متفق عليه.
٣٢٤٨ - وعن أنس، قال: آلي رسول الله ﷺ من نسائه شهراً، وكانت انفكت رجله، فأقام في مشربة تسعاً وعشرين ليلة، ثم نزل. فقالوا: يا رسول الله، آليت شهراً. فقال: ((إن الشهر يكون تسعاً وعشرين)). رواه البخاري.
٣٢٤٩ - وعن جابر، قال: دخل أبو بكر ﵁ يستأذن علي رسول الله ﷺ ، فوجد الناس جلوساً ببابه لم يؤذن لأحد منهم. قال: فأذن لأبي بكر، فدخل، ثم أقبل عمر، فاستأذن، فأذن له، فوجد النبي ﷺ جالساً حوله نساؤه،
ــ
الحديث العاشر عن أسماء: قوله: ((المتشبع)) ((فا)): المتشبع علي معنيين: أحدهما التكلف إسرافاً في الأكل وزيادة علي الشبع حتى يمتلئ ويتضلع. والثاني المتشبه بالشبعان وليس به، وبهذا المعنى الثاني استعير للمتحلي بفضيلة لم يرزقها وليس من أهلها. وشبه بلابس ثوبي زور، أي ذي زور وهو الذي يزور علي الناس، بأن يتزي بزي أهل الزهد ويلبس لباس ذوي التقشف رياء. وأضاف الثوبين؛ لأنهما كانا ملبوسين لأجله، فقد اختص به اختصاصاً يسوغ إضافتهما إليه، وأراد أن المتحلي كمن لبس ثوبين من الزور وقد ارتدى بأحدهما وائتزر بالآخر، كقوله: إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا.
الحديث الحادي عشر عن أنس ﵁: قوله: ((آلي)) ((نه)) يقال: آلي يولي إيلاء، وتألي يتألي تأليا بالتاء، الاسم الإلية، وفي الحديث ((من يتألي علي الله يكذبه)) أي من حكم عليه وحلف، وإنما عداه هنا بـ ((من)) حملا علي المعنى، وهو الامتناع من الدخول. وللإيلاء في الفقه أحكام مختصة لا يسمى إيلاء دونها. والانفكاك ضرب من الوهن والخلع، وهو أن ينفك بعض أجزائها عن بعض. والمشربة – بالضم والفتح – أي الغرفة وبالفتح الموضع الذي يشرب منه كالمشرعة. ((حس)): هذا إذا عين شهراً فقال: لله علي أن أصوم شهر كذا فخرج ناقصاً لا يلزمه سوى ذلك، فإن لم يعين شهراً، فقال: لله علي صوم شهر يلزمه صوم ثلاثين يوماً.
الحديث الثاني عشر عن جابر: قوله: ((واجما)) ((نه)): أي مهتما، والواجم الذي أسكته الهم وغلبته الكآبة، وقد وجم يجم وجوماً، وقيل: الوجوم الحزن. والوجاء ضرب، يقال: أوجأته بالسكين وغيرها وجاء إذا ضربته بها. والعنت المشقة والفساد والإثم.
((مح)): إنما قال: ((لا تعجلي فيه حتى تستشيري)) شفقة عليها وعلي أبويها، ونصيحة لهم في بقائها عنده؛ فإنه خاف أن يحملها صغر سنها وقلة تجاربها علي اختيار الفراق فتضر هي وأبواها وباقي النسوة بالاقتداء بها.
قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ الآية، كان من الظاهر أن يوقع قوله: إن كنتن تردن الدار الآخرة
واجماً ساكتاً، قال: فقلت: لأقولن شيئاً أضحك النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة، فقمت إليها فوجأت عنقها، فضحك رسول الله ﷺ ، وقال: ((هن حولي كما ترى، يسألنني النفقة)). فقام أبو بكر إلي عائشة يجأ عنقها وقام عمر إلي حفصة يجأ عنقها، كلاهما يقول: تسألين رسول الله ﷺ ما ليس عنده؟! فقلن: والله لا نسأل رسول الله ﷺ شيئاً أبداً ليس عنده، ثم اعتزلهن شهراً، أو تسعاً وعشرين، ثم نزلت هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ﴾ حتى بلغ ﴿لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ قال: فبدأ بعائشة، فقال: ((يا عائشة! إني أريد أن أعرض عليك أمراً، أحب أن لا تعجلي فيه حتى تستشري أبويك)). قالت: وما هو
стр. 1796
يا رسول الله؟ فتلا عليها الآية. قالت: أفيك يا رسول الله! أستشير أبوي؟ بل اختار الله ورسوله والدار الآخرة، وأسألك أن لا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت. قال: ((لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها، إن الله لم يبعثني معنتاً، ولا متعنتاً، ولكن يعثني معلماً ميسراً)). رواه مسلم.
٣٢٥٠ - وعن عائشة، قالت: كنت أغار من اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله
ــ
مقابلاً لقوله: ﴿إن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وزِينَتَهَا﴾ فجعل مقدمته قوله: ((الله ورسوله)) دلالة علي أن رضي الله تعالي ورسوله منوط بإيثار الدار الآخرة علي الدنيا، وجعل جواب الشرط الأول التمتع من الدنيا مع التسريح المفضي إلي الحرمان عن حضرة هي مهبط الوحي السماوي والفيض الإلهي، وجواب الشرط الثاني إعداد الله أجراً عظيماً، والتنكير فيه والوصف بالعظم يدل علي أنه أجر لا يقادر قدره ولا يدرك كنهه، ووضع المظهر موضع المضمر في ((الله)) و ((المحسنات))؛ لأن ﴿منكن﴾ للبيان لا للتبعيض إشعاراً بتفخيم الثواب، فإن المثيب إذا كان الله، والمثاب عليه المحسنات من أزواج النبي ﷺ ، فما بال الثواب؟
وكان جواب الصديقة بنت الصديق مناسباً للآية حيث قالت: ((أفيك يا رسول الله أستشير؟ بل أختار الله ورسوله)) فجعلت مقدمة الجواب مقرونة بهمزة الإنكار الداخلة علي الجار والمجرور المزال عن مقره؛ ليدل علي أن الاستشارة في كل الأمور مستحسنة؛ أما في رسول الله ﷺ فلا. ثم قالت: ((أختار الله ورسوله))، ولم تقل: أختارك؛ ليطابق قوله تعالي: ﴿وإن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ
стр. 1797
صلى الله عليه وسلم، فقلت: أتهب المرأة نفسها؟ فلما أنزل الله تعالي: ﴿تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشَاءُ ومَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾. قلت: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك. متفق عليه.
وحديث جابر: ((اتقوا الله في النساء)) ذكر في ((قصة حجة الوداع)).
ــ
ورَسُولَهُ﴾ فلما تضمن هذا الاختيار القدح المعلي والفوز بالسعادات العظمى أرادت أن تختص بها، قالت ملتمسة أن لا تخبر امرأة من نسائك، وحين كان رسول الله ﷺ مظهر الشفقة والرحمة، ﴿ومَا أَرْسَلْنَاكَ إلَاّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ قال: ((إن الله لم يبعثني معنتاً ولا متعنتاً، ولكن بعثني معلماً وميسراً)).
((مح)): فيه جواز احتجاب الإمام والقاضي ونحوهما في بعض الأوقات لحاجاتهم المهمة، والغالب من عادة النبي ﷺ أن لا يتخذ حاجباً، فاتخاذه في ذلك اليوم ضرورة. وفيه وجوب الاستئذان وتأديب الرجل ولده، وإن كبر واستقل. وفيه ما كان صلوات الله عليه من التقليل في الدنيا والزهادة فيها. وفيه جواز سكني الغرفة لذات الزوجة واتخاذ الخزانة. وفيه ما كانوا عليه من حرصهم علي طلب العلم. وفيه أن الإنسان إذا رأي صاحبه مهموماً وأراد إزالة همه وكشف غمه يستحب له أن يحدثه بما يضحكه أو يشغله عنه. وفيه الخطاب بالألفاظ الجميلة، لقوله: ((فوجأت)) ولم يقل: ضربت، والعرب تستكره لفظ الضرب. وفيه أن للزوج تخيير زوجته واعتزاله عنهن في بيت آخر. وفيه دلالة لمذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد وجماهير العلماء، أن من خير زوجته واختارته لم يكن ذلك طلاقاً، ولا يقع به فرقة. وروي عن علي وزيد بن ثابت والحسن والليث ﵃: أنه يقع الطلاق بنفس التخيير طلقة واحدة بائنة، سواء اختارت زوجها أم لا، ولعل القائلين به لم يبلغهم هذا الحديث. والله أعلم.
الحديث الثالث عشر عن عائشة ﵂: قوله: ((كنت أغار من اللاتي)) أعيب عليهن؛ لأن من غار عاب، لئلا يهبن أنفسهن فلا تكثر النساء، ويقصر رسول الله ﷺ علي ما تحته، حتى نزل قوله تعالي: ﴿تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشَاءُ﴾ يعني تؤخر وتترك مضاجعة من تشاء منهن، وتضاجع من تشاء، أو تطلق من تشاء وتمسك من تشاء أو تترك تزوج من شئت وتتزوج من شئت.
стр. 1798
الفصل الثاني
٣٢٥١ - عن عائشة ﵂: أنها كانت مع رسول الله ﷺ في سفر. قالت: فسابقته فسبقته علي رجلي، فلما حملت اللحم، سابقته فسبقني. قال: ((هذه بتلك السبقة)) رواه أبو داود. [٣٢٥١]
٣٢٥٢ - وعنها، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي، وإذا مات صاحبكم فدعوه)) رواه الترمذي، والدارمي. [٣٢٥٢]
٣٢٥٣ - ورواه ابن ماجه عن ابن عباس إلي قوله: ((لأهلي)).
٣٢٥٤ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((المرأة إذا صلت خمسها، وصامت شهرها، وأحصنت فرجها، وأطاعت بعلها، فلتدخل من أي أبواب الجنة شاءت)). رواه أبو نعيم في ((الحلية)). [٣٢٥٤]
ــ
الفصل الثاني
الحديث الأول عن عائشة ﵂: قوله: ((علي رجلي)) حال من الفاعل في ((سابقته)) أي عدوا علي رجلي، وفائدته زيادة بيان الملاعبة كما يقال: أخذت بيدي، ومشيت برجلي ونظرت بعيني، وفيه بيان حسن خلقه صلوات الله عليه، وتلطفه بنسائه، ليقتدى به.
الحديث الثاني عن عائشة ﵂: قوله: ((صاحبكم)) ((قض)): قيل: أراد بالصاحب نفسه، وعني بقوله: ((فدعوه)) أن يتركوا التحسر والتلهف عليه؛ فإن في الله تعالي خلفاً عن كل فائت، وكأنه لما قال: ((وأنا خيركم لأهلي)) دعاهم إلي التأسف بفقده، فأزاح ذلك وخفف عنهم بهذا الكلام. وقيل: معناه إذا مت فدعوني ولا تؤذوني بإيذاء عشيرتي وأهل بيتي.
((مظ)): ((إذا مات صاحبكم فدعوه)) يعني ليحسن كل واحد منكم علي أهله فإذا مات واحد منكم فاتركوا ذكر مساوئه ولا تذكروا بعده بأخلاقه المذمومة، فإن ترك ذكر مساوئه والعفو عنه من حسن أخلاقكم. ويحتمل أن يكون معناه فاتركوا محبته بعد الموت، ولا تعلقوا قلوبكم به، بأن تجلسوا علي مصيبته والبكاء عليه.
стр. 1799
٣٢٥٥ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لو كنت آمر أحداً أن يسجد لأحد؛ لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها)) رواه الترمذي. [٣٢٥٥]
٣٢٥٦ - وعن أم سلمة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راض، دخلت الجنة)) رواه الترمذي. [٣٢٥٦]
٣٢٥٧ - وعن طلق بن علي. قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا الرجل دعا زوجته لحاجته، فلتأته وإن كانت علي التنور)). رواه الترمذي. [٣٢٥٧]
٣٢٥٨ - وعن معاذ ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: ((لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين: لا تؤذيه قاتلك الله، فإنما هو عندك دخيل يوشك أن يفارقك إلينا)) رواه الترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث غريب. [٣٢٥٨]
ــ
أقول: والوجه الأول من قول المظهر أظهر؛ لأن في قوله: ((خيركم)) دلالة علي حسن المعاشرة مع الأهل، واحتمال الأذى منهم والصبر علي سوء أخلاقهم في الحياة، وإذا مات فكان الأولي أن تترك الشكاية عنه وعن سوء أخلاقه فيدعه وأفعاله، وقد ورد ((واذكروا موتاكم بالخير)). وينصر هذا التأويل الحديث العاشر من هذا الفصل قوله: ((ليس أولئك بخياركم))، لأنه نفي عنهم الخيرية حيث لم يصبروا ولم يحتملوا أذاهن.
الحديث الثالث إلي السادس عن طلق: قوله: ((وإن كانت علي التنور)) ذكره تتميما ومبالغة. ((تو)): وإنما علق الأمر بكونها علي التنور؛ لأن شغلها بالخبز من الأشغال بالخبز من الأشغال الشاغلة التي لا يتفرغ منها إلي غيرها إلا بعد انقضائها والفراغ منها.
الحديث السابع عن معاذ ﵁: قوله: ((دخيل)) هو الضيف والنزيل، يريد أنه كالضيف والنزيل عليك، وأنت لست بأهل له علي الحقيقة لأنه يفارقك عن قريب، ولا تلتحقين به كرامة به، كما قال تعالي: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ وإنما نحن أهله فيفارقك ويتركك في النار، ويلحق بنا ويصل إلينا.
стр. 1800
٣٢٥٩ - وعن حكيم بن معاوية القشيري، عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله! ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: ((أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت)) رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه. [٣٢٥٩]
٣٢٦٠ - وعن لقيط بن صبرة، قال: قلت: يا رسول الله! إن لي امرأة في لسانها شيء – يعني البذاء – قال: ((طلقها)). قلت: إن لي منها ولداً، ولها صحبة. قال: ((فمرها)) يقول عظها ((فإن يك فيها خير فستقبل، ولا تضربن ظعينتك ضربك أميتك)) رواه أبو داود. [٣٢٦٠]
٣٢٦١ - وعن إياس بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تضربوا إماء الله)) فجاء عمر إلي رسول الله ﷺ فقال: ذئرن النساء علي أزواجهن. فرخص في ضربهن، فأطاف بآل رسول الله ﷺ نساء كثير يشكون أزواجهن. فقال رسول الله
ــ
الحديث الثامن عن حكيم: قوله: ((أن تطعمها إذا طعمت)) التفات من الغيبة إلي الخطاب اهتماماً بشأن ما قصد من الإطعام والكسوة. ((حس)): فيه دلالة علي جواز ضربها علي غير الوجه، وقد نهي النبي ﷺ عن ضرب الوجه نهياً عاماً. ((نه)): معنى قوله: ((لا تقبح)) لا تسمعها المكروه ولا تشتمها بأن تقول: قبحك الله، وما أشبه ذلك من الكلام، ومعنى ((لا تهجر إلا في البيت)) [أي إلا في المضجع و] لا تتحول عنها أو تحولها إلي دار أخرى.
الحديث التاسع عن لقيط: قوله: ((عظها)) حال من فاعل ((قال)) أي قال: فمرها مريداً به، فـ ((عظها)) مفسر لقوله: ((فمرها)). ((تو)): الظعينة المرأة التي ما دامت في الهودج، فإذا لم تكن في الهودج فليست بظعينة قال الشاعر:
قفي قبل التفرق يا ظعينا نخبرك اليقين وتخبرينا
فاتسعوا فيها فقالوا للزوجة: ظعينة، وأرى أنهم يكنون بها عن كرائم النساء؛ لأن الهودج إنما يضم الكريم علي أهلها، ولهذا سماها في هذا الموضع ظعينة، أي لا تضرب الحرة التي هي منك بأعز مكان ضربك أميتك التي هي بأوضع مكان منك، وأمية تصغير أمة.
الحديث العاشر عن إياس: قوله: ((ذئرن)) هو من وادي قولهم: أكلوني البراغيث، وقوله
стр. 1801
صلى الله عليه وسلم: ((لقد طاف بآل محمد نساء كثير، يشكون أزواجهن. ليس أولئك بخياركم)) رواه أبو داود، وابن ماجه، والدارمي. [٣٢٦١]
٣٢٦٢ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليس منا من خبب امرأة علي زوجها، أو عبداً علي سيده)). رواه أبو داود. [٣٢٦٢]
٣٢٦٣ - وعن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إن من أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وألطفهم بأهله)) رواه الترمذي. [٣٢٦٣]
٣٢٦٤ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم)) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حديث حسن صحيح، ورواه أبو داود إلي قوله ((خلقاً)). [٣٢٦٤]
٣٢٦٥ - وعن عائشة ﵂، قالت: قدم رسول الله ﷺ من غزوة
ــ
تعالي: ﴿وأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾. ((نه)): أي نشزن واجترأن، يقال: ذئرت المرأة تذأر فهي ذئر وذائر أي ناشز. ((حس)): فيه من الفقه أن ضرب النساء علي منع حقوق النكاح مباح، إلا أنه يضرب ضرباً غير مبرح. ووجه ترتيب السنة علي الكتاب في الضرب يحتمل أنه نهي ﷺ عن ضربهن قبل نزول الآية، ثم لما ذئر النساء أذن في ضربهن، ونزل القرآن موافقاً له، ثم لما بالغوا في الضرب أخبر النبي ﷺ أن الضرب وإن كان مباحاً علي شكاية أخلاقهن، فالتحمل والصبر علي سوء أخلاقهن وترك الضرب أفضل وأجمل. ويحكى عن الشافعي هذا المعنى.
قوله: ((لقد طاف)) صح بغير همزة والأول بهمزة. وفي نسخ المصابيح كلاهما بالهمزة. الجوهري: أطاف به أي ألم به وقاربه، وطاف حول الشيء يطوف طوفاً وطوفاناً وتطوف واستطاف كله بمعنى.
الحديث الحادي عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((خبب)) ((نه)): أي خدع وأفسد.
стр. 1802
تبوك، أو حنين، وفي سهوتها ستر، فهبت ريح فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة لعب، فقال: ((ما هذا يا عائشة؟)) قالت: بناتي. ورأي بينهن فرساً له جناحان من رقاع، فقال: ((ما هذا الذي أرى وسطهن؟)) قالت: فرس. قال: ((وما الذي عليه؟)) قالت: جناحان. قال: ((فرس له جناحان؟)) قالت: أما سمعت أن لسليمان خيلاً لها أجنحة؟ قالت: فضحك حتى رأيت نواجذه. رواه أبو داود. [٣٢٦٥]
الفصل الثالث
٣٢٦٦ - عن قيس بن سعد، قال: أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم. فقلت: لرسول الله ﷺ أحق أن يسجد له، فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: إني أتيت الحيرة، فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم، فأنت أحق بأن يسجد لك. فقال لي: ((أرأيت لو مررت بقبري أكنت تسجد له؟)) فقلت: لا. فقال: ((لا تفعلوا، لو كنت آمر أحداً أن يسجد لأحد لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن، لما جعل الله لهم عليهن من حق)) رواه أبو داود. [٣٢٦٦]
٣٢٦٧ - ورواه أحمد عن معاذ بن جبل. [٣٢٦٧]
ــ
الحديث الثاني عشر إلي آخر الفصل عن عائشة ﵂: قوله: ((سهوتها)) ((نه)): السهوة بيت صغير منحدر في الأرض قليلا شبيه بالمخدع والخزانة. وقيل: هو كالصفة يكون في البيت، وقيل: شبيه بالرف والطاق يوضع فيه الشيء. قوله: ((من رقاع)) الرقاع جمع الرقعة التي تكتب، والرقعة الخرقة.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن قيس: قوله: ((لمرزبان)) ((نه)): هو بضم الزاي أحد مرازبة الفرس، وهو الفارس الشجاع المقدم علي القوم دون الملك، وهو معرب. و ((الحيرة)) – بكسر الحاء البلد القديم بظهر الكوفة. قوله: ((لو مررت بقبري أكنت تسجد له؟)) يعني إنما تسجد لي الآن إكراماً وإجلالاً وهيبة، فإذا كنت رهين رمس وقد زال ذلك امتنعت عنه، فإذا اسجد للحي الذي لا يموت، ولمن ملكه لا يزول. وقيل: لما دنف المأمون أمر حلساً فرش له فجعل يتمرغ فيه، ويقول: يا من لا يزول ملكه! ارحم من قد زال ملكه.
стр. 1803
٣٢٦٨ - وعن عمر ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((لا يسأل الرجل فيما ضرب امرأته عليه)) رواه أبو داود، وابن ماجه. [٣٢٦٨]
٣٢٦٩ - وعن أبي سعيد، قال: جاءت امرأة إلي رسول الله ﷺ ونحن عنده، فقالت: زوجي صفوان بن المعطل يضربني إذا صليت، ويفطرني إذا صمت، ولا يصلي الفجر حتى تطلع الشمس. قال: وصفوان عنده. قال: فسأله عما قالت. فقال: يا رسول الله! أما قولها: يضربني إذا صليت؛ فإنها تقرأ بسورتين وقد نهيتها، قال: فقال له رسول الله ﷺ : ((لو كانت سورة واحدة لكفت الناس)). قال: وأما قولها: يفطرني إذا صمت؛ فإنها تنطلق تصوم وأنا رجل شاب؛ فلا أصبر، فقال رسول الله ﷺ : ((لا تصوم امرأة إلا بأذن زوجها)) وأما قولها: إني لا أصلي حتى تطلع الشمس؛ فإنا أهل بيت قد عرف لنا ذاك، لا نكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس قال: ((فإذا استيقظت يا صفوان! فصل)). رواه أبو داود، وابن ماجه. [٣٢٦٩]
ــ
الحديث الثاني عن عمر ﵁: قوله: ((فيما ضرب امرأته عليه)) الضمير المجرور راجع إلي ((ما)) وهو عبارة عن النشوز المنصوص عليه في قوله تعالي: ﴿واللَاّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ - إلي قوله - واضْرِبُوهُنَّ﴾ وقوله: ((لا يسأل)) عبارة عن عدم التحرج والتأثم؛ لقوله تعالي: ﴿فَإنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ أي أزيلوا عنهن التعرض بالأذى والتوبيخ والتجني، وتوبوا عليهن، واجعلوا ما كان منهن كأن لم يكن.
الحديث الثالث عن أبي سعيد: قوله: ((فإنها تقرأ بسورتين)) يريد طول القراءة في الصلاة كأخذها في الصوم، وانطلاقها فيه وإدامتها عليه. وقوله: ((لو كانت)) اسمه ما يعود إلي مصدر ((تقرأ)) أي لو كانت القراءة بسورة واحدة وهي الفاتحة. وقوله: ((قد عرف لنا ذلك)) يعني عادتنا ذاك أو أنا أهل صنعة لا ننام الليل، وإنما قبل عذره مع تقصيره ولم يقبل منها وإن لم تقصر؛ إيذاناً بحق الرجال علي النساء. ((مظ)): في تركه التعنيف أمر عجيب من لطف الله سبحانه بعباده، ولطف نبيه ورفقه بأمته. ويشبه أن يكون ذلك منه علي معنى ملكة الطبع واستيلاء العادة، فصار كالشيء المعجوز عنه، وكان صاحبه في ذلك بمنزلة من يغمى عليه، فعذر فيه فلم يؤنب عليه. ولا يجوز أن يظن به الامتناع من الصلاة في وقتها ذلك، مع زوال العذر بوقوع التنبيه والإيقاظ ممن يحضره ويشاهده.
стр. 1804
٣٢٧٠ - وعن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ كان في نفر من المهاجرين والأنصار، فجاء بعير فسجد له، فقال أصحابه: يا رسول الله! تسجد لك البهائم والشجر؛ فنحن أحق أن نسجد لك. فقال: ((اعبدوا ربكم، وأكرموا أخاكم، ولو كنت آمر أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، ولو أمرها أن تنقل من جبل أصفر إلي جبل أسود، ومن جبل أسود إلي جبل أبيض؛ كان ينبغي لها أن تفعله)) رواه أحمد. [٣٢٧٠]
٣٢٧١ - وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثلاثة لا تقبل لهم صلاة، ولا تصعد لهم حسنة: العبد الآبق حتى يرجع إلي مواليه فيضع يده في أيديهم، والمرأة الساخط عليها زوجها، والسكران حتى يصحو)). رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [٣٢٧١]
٣٢٧٢ - وعن أبي هريرة، قال: قيل لرسول الله ﷺ : أي النساء خير؟ قال ((التي تسر إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ولا مالها بما يكره)) رواه النسائي، والبيهقي في ((شعب الإيمان)). [٣٢٧٢]
٣٢٧٣ - وعن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: ((أربع من أعطيهن، فقد أعطي خير الدنيا والآخرة: قلب شاكر، ولسان ذاكر، وبدن علي البلاء صابر، وزوجة لا تبغيه خوناً في نفسها ولا ماله)). رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [٣٢٧٣]
ــ
الحديث الرابع عن عائشة ﵂: قوله: ((وأكرموا أخاكم)) قاله تواضعاً وهضماً لنفسه صلوات الله عليه، يعني أكرموا من هو بشر مثلكم ومفرع من صلب أبيكم آدم، وأكرموه لما أكرمه الله تعالي واختاره وأوحى إليه، كقوله تعالي: ﴿قُلْ إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إلَيَّ﴾ قوله: ((من جبل أصفر إلي جبل أسود)) كناية عن الأمر الشاق القادح، وأنشد:
لنقل الصخر من قلل الجبال أحب إلي من [منن] الرجال
ثم تخصيص اللونين تتميم للمبالغة؛ لأنه لا يكاد يوجد أحدهما بقرب الآخر.
الحديث الخامس والسادس والسابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((ولا مالها)) يحتمل
стр. 1805
(١١) باب الخلع والطلاق
الفصل الأول
٣٢٧٤ - عن ابن عباس: أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام. فقال رسول الله ﷺ : ((أتردين عليه حديقته؟)) قالت: نعم قال رسول الله ﷺ : ((أقبل الحديقة وطلقها تطليقة)) رواه البخاري.
ــ
أن تكون الإضافة حقيقة والرجل معسر، ومع ذلك لا يتجاوز الحد من أخذ مالها فلا تضيق عليه ما أنفق من ماله، وأن تكون مجازية، نسب مال الزوج إليها لتصرفها فيه، كما في قوله تعالي: ﴿ولا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ ومخالفتها في نفسها الخيانة، وعلي المعنى الثاني ينطبق الحديث الثاني. والله اعلم.
باب الخلع والطلاق
المغرب: خلع الملبوس نزعه، وخالعت المرأة زوجها واختلعت منه إذا افتدت منه بمالها، فإذا أجابها الرجل فطلقها، قيل: خلعها، والاسم الخلع بالضم، وإنما قيل ذلك؛ لأن كلا منهما لباس صاحبه، فإذا فعلا ذلك فكأنكما نزعا لباسهما. والطلاق اسم بمعنى التطليق كالسلام بمعنى التسليم. والتركيب يدل علي الحل والانحلال، ومنه: أطلقت الأسير إذا حللت إساره وخليت عنه، وأطلقت الناقة من العقال.
الفصل الأول
الحديث الأول عن ابن عباس ﵄: قوله: ((ما أعتب عليه)) ((نه)): عتبه يعتبه عتباً وعتب عليه يعتب عتباً ومعتباً، والاسم المعتبة بالكسر والفتح، من الموجدة والغضب، والعتاب مخاطبة الإدلال ومذاكرة الموجد. ((قض)): زوجة ثابت هذه، قيل: إنها كانت جميلة بنت أبي أخت عبد الله بن أبي بن سلول، وقيل: إنها حبيبة بنت سهل الأنصاري.
وقوله: ((ما أعتب عليه في خلق ولا دين))، أي لا أغضب عليه ولا أريد مفارقته لسوء خلقه، ولا لنقصان في دينه، ولكن أكرهه طبعاً فأخاف علي نفسي في الإسلام ما ينافي حكمه من بغض نشوز وغير ذلك، مما يتوقع من الشابة المبغضة لزوجها، فنسبت ما ينافي مقتضى الإسلام باسم ما بنافيه نفسه.
стр. 1806
٣٢٧٥ - وعن عبد الله بن عمر: أنه طلق امرأة له وهي حائض، فذكر عمر لرسول الله ﷺ ، فتغيظ فيه رسول الله ﷺ ثم قال: (ليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهراً قبل أن يمسها، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء)). وفي رواية: ((مره فليراجعها، ثم ليطلقها طاهراً أو حاملاً)). متفق عليه.
ــ
وقوله لثابت: ((أقبل الحديقة وطلقها تطليقة)) أمر استصلاح وإرشاد إلي ما هو الأصوب لا إيجاب وإلزام بالطلاق. وفيه دليل علي أن الأولي للمطلق أن يقتصر علي طلقة واحدة؛ ليتأتى له العود إليها إن اتفق بداء. ((مظ))؛: اختلف في أنه لو قال: خالعتك علي كذا، فقالت: قبلت وحصلت الفرقة بينهما، هل هو طلاق أم فسخ؟ فمذهب أبي حنيفة ومالك وأصح قولي الشافعي: أنه طلاق بائن، كما لو قال: طلقتك. ومذهب أحمد وأحد قولي الشافعي أنه فسخ.
الحديث الثاني عن عبد الله بن عمر ﵄: قوله: ((إنه طلق امرأة له)) الحديث. ((قض)): لهذا الحديث فوائد: منها: حرمة الطلاق في الحيض لتغيظه ﷺ فيه، وهو لا يتغيظ إلا في حرام. ومنها: التنبيه علي أن علة الحرمة تطويل العدة عليها؛ فإنه طلقها في زمان لا يحسب من عدتها، وأن عدتها بالأطهار دون الحيض. والمراد بقوله تعالي: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ثلاثة أطهار؛ لقوله: ((فليطلقها طاهراً)) إلي آخره. ومنها: أن تداركه بالمراجعة إذ التطويل يزول بها. ومنها: أن المراجع ينبغي أن لا يكون قصده بالمراجعة تطليقها؛ لأنه أمر بإمساكها في الطهر الثاني برأي مستأنف وقصد مجدد يبدو له بعد أن تطهر ثإنياً. ومنها: الدلالة بمفهوم قوله ﷺ : ((فليطلقها طاهراً قبل أن يمسها)) أن الطلاق لا يحل أيضاً في طهر جامعها فيه؛ لأن الأمر المقيد بالمنطوق أمر إباحة، فيكون الثابت في المسكوت عنه نفيها؛ وإلا لم يفد التخصيص.
قوله: ((فتلك العدة التي أمر الله)) ((مح)): فيه دليل لمذهب الشافعي ومالك وموافقيهما، أن الأقراء في العدة هي الأطهار؛ لأنه ﷺ قال: ((فليطلقها في الطهر إن شاء، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها)) أي فيها، ومعلوم أن الله تعالي لم يأمر بطلاقهن في الحيض بل حرمه، والمشار إليه بقوله: ((فتلك)) الحالة المذكورة، وهي حالة الطهر والعدة. قال أصحابنا: يحرم الطلاق في طهر جامعها فيه حتى يتبين حملها لئلا يندم، ولو كانت الحائض حاملا فالصحيح عندنا أنه لا يحرم طلاقها؛ لأن تحريم الطلاق في الحيض إنما كان لتطويل العدة؛ لكونه لا يحسب قرءاً. فأما الحامل الحائض فعدتها بوضع الحمل، فلا يحصل في حقها تطويل. وفي
стр. 1807
٣٢٧٦ - وعن عائشة، قالت: خيرنا رسول الله ﷺ ، فاخترنا الله ورسوله، فلم يعد ذلك علينا شيئاً. متفق عليه.
٣٢٧٧ - وعن ابن عباس، قال: في الحرام يكفر: ((لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)). متفق عليه.
٣٢٧٨ - وعن عائشة: أن النبي ﷺ كان يمكث عند زينب بنت جحش، وشرب عندها عسلاً، فتواصيت أنا وحفصة أن أيتنا دخل علها النبي ﷺ فلتقل: إني أجد منك ريح مغافير، أكلت مغافير؟ فدخل علي إحداهما، فقالت له ذلك.
ــ
قوله: ((فإن بدا له)) دليل علي أنه لا إثم في الطلاق بغير سبب، وفي قوله: ((مره فليراجعها)) دليل علي أن الرجعة لا تفتقر إلي رضي المرأة ولا وليها.
الحديث الثالث عن عائشة ﵂: قوله: ((فلم يعد ذلك)) ((قض)): كان علي ﵁ يقول: إذا خير الزوج زوجته فاختارت نفسها بانت بواحدة، وإن اختارت زوجها طلقت بتخييره إياها طلقة رجعية. وكان زيد بن ثابت يقول في الصورة الأولي: طلقت ثلاثاً، وفي الثانية: طلقت واحدة بائنة. فأنكرت عائشة قولهما بذلك، أي لم يعد علينا شيئاً لا ثلاثاً ولا واحدة، لا بائنة ولا رجعية. ((مظ)): لو قال الزوج لامرأته: اختاري نفسك أو إياي، فقالت: اخترت نفسي وقع به طلاق رجعي عند الشافعي وأحمد، وطلاق بائن عند أبي حنيفة، وثلاث طلقات عند مالك.
الحديث الرابع عن ابن عباس ﵄: قوله: ((في الحرام يكفر)) ((تو)): أراد ابن عباس أن من حرم علي نفسه شيئاً قد أحله الله له، يلزمه كفارة يمين؛ فإن النبي ﷺ لما حرم علي نفسه ما أحل له الله له أمر بالكفارة، قال الله تعالي: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ واللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ الآية. و ((الأسوة)) الحالة التي يكون الإنسان عليها من إتباع غيره إن حسناً وإن قبيحاً؛ ولهذا وصفت في الآية بالحسنة. ((حس)): إذا قال لامرأته: أنت علي حرام أو حرمتك، فإن نوى به طلاقها فهو طلاق، وإن نوى به ظهارها فهو ظهار، وإذا أطلق ليس بطلاق ولا ظهار، وعليه كفارة اليمين. وإذا قال لأمته، فإن نوى عتقها عتقت وإلا فعليه كفارة اليمين وليس بيمين. وإن حرم طعاماً علي نفسه لا يحرم، ولا شيء عليه إذا أكله. ولو قال: كل ما أملكه هو علي حرام، فإن لم تكن له زوجة ولا جارية فلا شيء عليه، وإن كان له زوجة أو جارية فعليه كفارة اليمين.
الحديث الخامس عن عائشة ﵂: قوله: ((مغافير)) ((تو)) المغافير جمع مغفور بضم
стр. 1808
فقال: ((لا بأس، شربت عسلاً عند زينب بنت جحش، فلن أعود له، وقد حلفت؛ لا تخبري بذلك أحداً)) – يبتغي مرضاة أزواجه، فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ الآية متفق عليه.
الفصل الثاني
٣٢٧٩ - عن ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أيما امرأة سألت زوجها طلاقاً في غير ما بأس؛ فحرام عليها رائحة الجنة)). رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود، وابن ماجه، والدارمي. [٣٢٧٩]
٣٢٨٠ - وعن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: ((أبغض الحلال إلي الله الطلاق)). رواه أبو داود. [٣٢٨٠]
ــ
الميم، وقيل: جمع مغفر، وهو ثمر العضاة كالعرفط والعنبر، إلا أن الذي في هذا الحديث هو ما يجتني من العرفط؛ لما في الحديث [((جرست نحله العرفط))] وما ينضحه العرفط حلو، وله رائحة كريهة. أقول: قوله: ((وقد حلفت)) حال من ضمير ((فلن أعود)) والجملة جواب قسم محذوف، والحال دال عليه. وقوله: بيتغى مرضاة أزواجه حال من فاعل قوله: ((لا بأس)) أي قال ذلك القول مبتغياً.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن ثوبان: قوله: ((في غير ما بأس)) ((قض)): البأس الشدة و ((ما)) مزيدة، أي في غير حال شدة تدعوها وتلجئها إلي المفارقة. وقوله: ((فحرام عليها)) أي فممنوع عنها لا تجد رائحة الجنة أول ما يجدها المحسنون، لا أنها لا تجد أصلا. وهذا من المبالغة في التهديد. ونظير هذا كثير.
الحديث الثاني عن ابن عمر ﵄: قوله: ((أبغض الحلال)) فيه أن أبغض الحلال مشروع وهو عند الله مبغوض، كأداء الصلاة في البيوت لا لعذر، والصلاة في الأرض المغصوبة، وكالبيع في وقت النداء يوم الجمعة. ولأن أحب الأشياء عند الشيطان التفريق بين الزوجين كما مر، فينبغي أن يكون أبغض الأشياء عند الله تعالي.
стр. 1809
٣٢٨١ - وعن علي [﵁]، عن النبي ﷺ ، قال ((لا طلاق قبل نكاح، ولا عتاق إلا بعد ملك، ولا وصال في صيام، ولا يتم بعد احتلام، ولا رضاع بعد فطام، ولا صمت يوم إلي الليل)) رواه في ((شرح السنة)). [٣٢٨١]
٣٢٨٢ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا عتق فيما لا يملك، ولا طلاق فيما لا يملك)) رواه الترمذي، وزاد أبو داود: ((ولا بيع إلا فيما يملك)). [٣٢٨٢]
٣٢٨٣ - وعن ركانة بن عبد يزيد، أنه طلق امرأته سهيمة البتة، فأخبر بذلك النبي ﷺ ، وقال: والله ما أردت إلا واحدة، فقال رسول الله ﷺ : ((والله ما أردت إلا واحدة؟)) فقال ركانة: والله ما أردت إلي واحدة، فردها إليه رسول الله ﷺ ، فطلقها
ــ
الحديث الثالث والرابع عن علي ﵁: قوله: ((لا طلاق قبل نكاح)) ((قض)): الطلاق رفع قيد النكاح باختيار الزوج ورؤيته، فحيث لا نكاح فلا طلاق. وظاهره يدل علي أن الطلاق قبل النكاح لغو لا أثر له، كالعتاق قبل الملك وبه قال أصحابنا وغيرهم من أهل العلم، وقال الزهري وأبو حنيفة: يعتبر الطلاق قبل النكاح إذا أضيف إليه عم أو خص، مثل إن كل امرأة أتزوجها فهي طالق، وإن تزوجت هنداً فهي طالق. وقال النخعي والشعبي وربيعة ومالك والأوزاعي وابن أبي ليلي: إن خص الطلاق بامرأة معينة أو قبيلة بعينها، وأضاف إلي النكاح نفذ وإلا لغا، وأولوا الحديث بما إذا خاطب أجنبية بالطلاق، ولم يضفه إلي النكاح، وهو تقييد وتخصيص للنص ومخالفة للقياس بلا دليل، يوجب ذلك. وما روي أن ابن مسعود يرى ذلك فليس بحجة.
قوله: ((لا وصال في صيام)) أي لا جواز له ولا حل. وقوله: ((ولا رضاع بعد فطام)) أي لا أثر له ولا حكم بعد أوان الفطام، يعني أن الرضاع بعد الحولين لا يوجب الحرمة، ويدل عليه أحاديث أخر ذكرناها في باب المحرمات. وقوله: ((ولا صمت يوم إلي الليل)) أي لا عبرة به ولا فضيلة له، وليس هو مشروعاً عندنا شرعه في الأمم التي قبلنا. وقيل: يريد به النهي عنه لما فيه من التشبه بالنصرإنية – انتهي كلامه.
فالحاصل أن النفي وإن جرى علي لفظ الطلاق والعتاق وغيرهما، لكن المنفي محذوف، أي لا وقوع طلاق قبل نكاح، ولا تقرير عتاق قبل ملك، ولا جواز وصال في صيام، ولا استحقاق يتم بعد احتلام، ولا أثر رضاع بعد فطام، ولا حل صمت يوم إلي الليل. ((حس)): قال طاوس: من تكلم واتقى الله خير ممن صمت واتقى الله.
стр. 1810
الثانية في زمان عمر، والثالثة في زمان عثمان. رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والدارمي، إلا أنهم لم يذكروا الثانية. والثالثة.
٣٢٨٤ - وعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: ((ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: النكاح، والطلاق، والرجعة)) رواه الترمذي، وأبو داود، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. [٣٢٨٤]
ــ
الحديث الخامس عن ركانة: قوله: ((البتة)) ((قض)): المراد بـ ((البتة)) الطلقة المنجزة، يقال: يمين باتة وبتة، أي منقطعة عن علائق التعليق. ومن فوائد هذا الحديث الدلالة علي أن الزوج مصدق باليمين فيما يدعيه ما لم يكذبه ظاهر اللفظ، وأن ((البتة)) مؤثرة في عدد الطلاق؛ إذ لو لم تكن كذلك لما حلفه بأنه لم يرد إلا واحدة، وأن من توجه عليه يمين فحلف قبل أن يحلفه الحاكم لم يعتبر حلفه؛ إذ لو اعتبر لاقتصر علي حلفه الأول ولم يحلفه ثإنياً، وأن ما فيه احتساب للحاكم له أن يحكم فيه من غير مدع. وقوله: ((فردها إليه)) أي بالرجعة أو [مكنها] بأن يراجعها.
((حس)): استدل به الشافعي علي أن الجمع بين الطلقات الثلاث مباح ولا يكون بدعة؛ لأن النبي ﷺ سأل ركانة ما أردت بها؟ ولم ينهه أن يريد أكثر من واحدة، وهو قول الشافعي. ومنها أن طلاق البتة واحدة إذا لم يرد أكثر منها، وأنها رجعية. وإليه ذهب الشافعي. وروي عن علي ﵁: أنه كان يجعل الخلية والبرية والبائنة والبتة والحرام ثلاثاً.
أقول قوله: ((قال: والله)) عطف علي محذوف، أي أخبر بذلك النبي ﷺ فأبي وقال: والله ما أردت. وقول النبي ﷺ : ((والله ما أردت إلا واحدة؟)). طلب لتحقيق القسم، كأنه ﷺ يقول: أخبرني عن قسمك هذا، أمن اللغو في الإيمان هو أم مما يعقد به؟
الحديث السادس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((جدهن جد)) ((قض)): اتفق أهل العلم علي أن طلاق الهازل يقع، وإذا جرى صريح لفظ الطلاق علي لسان العاقل البالغ، لا ينفعه أن يقول: كنت فيه لاعبا أو هازلا، لأنه لو قبل ذلك منه لتعطلت الأحكام، وقال كل مطلق أو ناكح: إني كنت في قولي هازلا، فيكون في ذلك إبطال أحكام الله تعالي؛ فمن تكلم بشيء مما جاء ذكره في هذا الحديث لزمه حكمه. وخص هذه الثلاث بالذكر؛ لتأكيد أمر الفرج.
стр. 1811
٣٢٨٥ - وعن عائشة، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا طلاق ولا عتاق في إغلاق)). رواه أبو داود، وابن ماجه قيل: معنى الإغلاق: الإكراه. [٣٢٨٥]
٣٢٨٦ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه، والمغلوب علي عقله)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب، وعطاء بن عجلان الراوي ضعيف، ذاهب الحديث. [٣٢٨٦]
٣٢٨٧ - وعن علي [﵁] قال: قال رسول الله ﷺ : ((رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يبلغ، وعن المعتوه حتى يعقل)). رواه الترمذي، وأبو داود. [٣٢٨٧]
٣٢٨٨ - ورواه الدارمي عن عائشة. وابن ماجه عنهما.
٣٢٨٩ - وعن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: ((طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان)). رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه، والدارمي. [٣٢٨٩]
ــ
الحديث السابع عن عائشة ﵂: قوله: ((في إغلاق)) ((حس)): أي في إكراه؛ لأن المكره مغلق عليه في أمره، ومضيق عليه في تصرفه، كما يغلق الباب علي الإنسان، كذا في النهاية والفائق. وزاد في الغريبين: وقيل: معناه لا تغلق التطليقات في دفعة واحدة، حتى لا يبقى فيها شيء، ولكن تطلق طلاق السنة.
الحديث الثامن عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((المعتوه)) ((نه)): المعتوه هو المجنون المصاب بعقله وقد عته فهو معتوه. ((حس)): اختلفوا في طلاق السكران، فذهب بعضهم إلي أن طلاقه لا يقع؛ لأنه لا عقل له كالمجنون، وهو قول عثمان وابن عباس ﵃، وآخرون إلي أن طلاقه واقع؛ لأنه عاص لم يزل عنه به الخطاب ولا الإثم بدليل أنه يؤمر بقضاء الصلوات، ويأثم بإخراجها عن وقتها، وبه قال علي ﵁. وهو قول الأوزاعي والثوري ومالك وظاهر مذهب الشافعي وأبي حنيفة.
الحديث التاسع والعاشر عن عائشة ﵂: قوله: ((طلاق الأمة)) ((مظ)): بهذا الحديث
стр. 1812
الفصل الثالث
٣٢٩٠ - عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: ((المنتزعات والمختلعات هن المنافقات)). رواه النسائي. [٣٢٩٠]
٣٢٩١ - وعن نافع، عن مولاة لصفية بنت أبي عبيد، أنها اختلعت من زوجها بكل شيء لها، فلم ينكر ذلك عبد الله بن عمر. رواه مالك. [٣٢٩١]
٣٢٩٢ - وعن محمود بن لبيد، قال: أخبر رسول الله ﷺ عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعاً، فقام غضبان، ثم قال: ((أيلعب بكتاب الله. وأنا بين أظهركم!؟)) حتى قام رجل، فقال: يا رسول الله! ألا أقتله؟. رواه النسائي. [٣٢٩٢]
ــ
أو عبداً. وإن كانت المرأة حرة يكون طلاقها ثلاثاً، سواء كان زوجها حراً أو عبداً. وقال مالك والشافعي وأحمد: الطلاق يتعلق بالرجل، فطلاق العبد اثنان، وطلاق الحر ثلاث، وعدة الأمة علي نصف عدة الحرة فيما له نصف، فعدة الحرة ثلاث حيض وعدة الأمة حيضتان؛ لأنه لا نصف للحيض، وإن كانت تعتد بالأشهر فعدة الأمة شهر ونصف، وعدة الحرة ثلاثة أشهر – انتهي كلامه. يستدل أصحاب أبي حنيفة بهذا الحديث علي أن المراد من قوله تعالي: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ الحيض لا الأطهار.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((المنتزعات)) لعل المراد اللاتي ينتزعن أنفسهن من أزواجهن وينشزن عليهم. و ((المختلعات)) اللواتي يلتمسن الخلع. وجعلهن منافقات تغليظاً وتشديداً.
الحديث الثاني إلي الخامس عن محمود: قوله: ((أيلعب بكتاب الله؟)) أي أيستهزأ به؟ يريد به قوله تعالي: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ - إلي قوله - ولا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ أي التطليق الشرعي تطليقة بعد تطليقة علي التفريق دون الجمع والإرسال دفعة واحدة، ولم يرد بالمرتين التثنية,
стр. 1813
٣٢٩٣ - وعن مالك، بلغه أن رجلاً قال: لعبد الله بن عباس: إني طلقت امرأتي مائة تطليقة، فماذا ترى علي؟ فقال ابن عباس: طلقت منك بثلاث، وسبع وتسعون اتخذت بها آيات الله هزواً. رواه في ((الموطأ)).
٣٢٩٤ - وعن معاذ بن جبل، قال: قال لي رسول الله ﷺ : ((يا معاذ! ما خلق الله شيئاً علي وجه الأرض أحب إليه من العتاق، ولا خلق الله شيئاً علي وجه الأرض أبغض إليه من الطلاق)) رواه الدارقطني. [٣٢٩٤]
ــ
كقوله تعالي: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ أي كرة بعد كرة لا كرتين اثنتين. ومعنى قوله تعالي: ﴿فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ تخيير لهم – بعد أن علمهم كيف يطلقون – بين أن يمسكوا النساء بحسن العشرة والقيام بواجبهن، وبين أن يسرحوهن السراح الجميل الذي علمهم. والحكمة في التفريق دون الجمع ما ثبت في قوله تعالي: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ وأن الزوج إذا فرق يقلب الله قلبه من بغضها إلي محبتها، ومن الرغبة عنها إلي الرغبة فيها، ومن عزيمة الطلاق إلي الندم عليه، فيراجعها.
((مح)): اختلفوا فيمن قال لامرأته: أنت طالق ثلاثاً، فقال مالك والشافعي وأحمد والجمهور من السلف والخلف: تقع الثلاث. وقال طاوس وبعض أهل الظاهر: لا تقع إلا واحدة. وقال ابن مقاتل وفي رواية عن محمد بن إسحاق: إنه لا يقع شيء. واحتج الجمهور بقوله تعالي: ﴿ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ يعني أن المطلق قد يحدث له ندم فلا يمكنه التدارك لوقوع البينونة، فلو كانت الثلاث لا تقع لم يقع هذا إلا رجعياً، فلا يتوجه هذا التهديد، وبحديث ركانة أنه طلق امرأته البتة، فقال له النبي ﷺ : ((والله ما أردت إلا واحدة؟ قال: والله ما أردت إلا واحدة))، فهذا دليل علي أنه لو أراد الثلاث لواقعن، وإلا لم يكن لتحليفه معنى. وأما الجمع بين التطليقات الثلاث دفعة فليس بحرام عندنا، لكن الأولي تفريقها، وبه قال أحمد وأبو ثور. وقال مالك والأوزاعي وأبو حنيفة والليث: هو بدعة.
стр. 1814
(١٢) باب المطلقة ثلاثا
الفصل الأول
٣٢٩٥ - عن عائشة، قالت: جاءت امرأة رفاعة القرظي إلي رسول الله ﷺ ، فقالت: إني كنت عند رفاعة فطلقني، فبت طلاقي. فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، وما معه إلا مثل هدبة الثوب. فقال: أتريدين أن ترجعي إلي رفاعة؟)) قالت: نعم. قال: ((لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك)). متفق عليه.
الفصل الثاني
٣٢٩٦ - عن عبد الله بن مسعود، قال: لعن رسول الله ﷺ المحلل والمحلل له. رواه الدارمي. [٣٢٩٦]
ــ
باب المطلقة ثلاثاً
الفصل الأول
الحديث الأول عن عائشة ﵂: قوله: ((عبد الرحمن بن الزبير)) الرواية فيه بفتح الزاي وكسر الباء. قوله: ((إلا مثل هدبة)) ((نه)): أرادت متاعه وأنه رخو مثل طرف الثوب لا يغني عنها شيئاً. وقوله: ((حتى تذوقي عسيلته)) شبه ﷺ لذة الجماع بذوق العسل، فاستعار لها ذوقاً. وإنما أنث؛ لأنه أراد قطعة من العسل. وقيل: علي إعطائها معنى النطفة. وقيل: العسل في الأصل يذكر ويؤنث. وإنما صغره إشارة إلي القدر القليل الذي يحصل به الحل.
((حس)): العمل علي هذا عند عامة أهل العلم من الصحابة وغيرهم، وقالوا: إذا طلق الرجل امرأته ثلاثاً، فلا تحل له بعد ذلك حتى تنكح رجلاً آخر ويصيبها الرجل الثاني. فإن فارقها أو مات عنها قبل إصابتها فلا تحل. ولا تحل بإصابة شبهة ولا زنا ولا ملك يمين. وكان ابن المنذر يقول: في الحديث دلالة علي أن الزوج الثاني إن واقعها وهي نائمة أو مغمى عليها لا تحسن باللذة، أنها لا تحل للزوج الأول؛ لأن الذوق أن تحس باللذة. وعامة أهل العلم علي أنها تحل. ((مح)): اتفقوا علي أن تغييب الحشفة في قبلها كاف في ذلك من غير إنزال. وشرط الحس الإنزال؛ لقوله: ((تذوقي عسيلته)) وهي النطفة.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن عبد الله بن مسعود ﵁: قوله: ((المحلل والمحلل له)) ((قض)):
٣٢٩٧ - ورواه ابن ماجه عن علي، وابن عباس، وعقبة بن عامر. [٣٢٩٧]
٣٢٩٨ - وعن سليمان بن يسار، قال: أدركت بضعة عشر من أصحاب رسول الله ﷺ كلهم يقول: يوقف المؤلي. رواه في ((شرح السنة)). [٣٢٩٨]
ــ
المحلل الذي يتزوج مطلقة الغير ثلاثاً علي قصد أن يطلقها بعد الوطء ليحل علي المطلق نكاحها فكأنه يحلها علي الزوج الأول بالنكاح والوطء، والمحلل له هو الزوج الأول. وإنما لعنهما لما في ذلك من هتك المروءة وقلة الحمية، والدلالة علي خسة النفس وسقوطها، أما بالنسبة إلي المحلل له فظاهر، وأما بالنسبة إلي المحلل فلأنه يعير نفسه بالوطء لغرض الغير؛ فإنه إنما يطؤها ليعرضها لوطء المحلل له، ولذلك مثله ﷺ بالتيس المستعار. وليس في الحديث ما يدل علي بطلان
стр. 1815
العقد كما قيل، بل لو استدل به علي صحته من حيث إنه سمي العاقد محللا، وذلك إنما يكون إذا كان العقد صحيحاً، فإن الفاسد لا يحلل. هذا إذا أطلق العقد، فإن شرط فيه الطلاق بعد الدخول ففيه خلاف، والأظهر بطلانه.
الحديث الثاني عن سليمان: قوله: ((يوقف المؤلي)) ((قض)): إنما أورد هذا الحديث والذي بعده في هذا الباب؛ لما بين الإيلاء وبين الطلاق من المناسبة. ((حس)): الإيلاء هو أن يحلف الرجل أن لا يقرب امرأته أكثر من أربعة أشهر، فلا يتعرض له قبل مضي أربعة أشهر، فإذا مضت فاختلفوا فيه، فذهب أكثر الصحابة إلي أنه لا يقع الطلاق بمضيها، بل يوقف، فإما أن يفيء ويكفر عن يمينه، [وإما أن يطلق] وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق. قال الشافعي: فإن طلقها، وإلا طلق عليه السلطان واحدة. وقال بعض أهل العلم: فإذا مضت أربعة أشهر وقعت طلقة بائنة، وهو قول الثوري وأصحاب أبي حنيفة. وأما علي قول من قال بالوقف، فلا يكون مؤلياً؛ لأن الوقف يكون في حال إبقاء اليمين، وقد ارتفعت هاهنا بمضي أربعة أشهر. أما إذا حلف علي أقل من أربعة أشهر فلا يثبت حكم الإيلاء، بل هو حالف. والله أعلم.
((تو)): ذهب بعض الصحابة وبعض من بعدهم من أهل العلم، أن المؤلي عن امرأته إذا مضى عليه مدة الإيلاء – وهي عند بعضهم أكثر من أربعة أشهر – وقف، فإما أن يفيء وإما أن يطلق، وإن أبي طلق عليه الحاكم. وذلك شيء استنبطوه من الآية رأياً واجتهاداً. وخالفهم آخرون فقالوا: الإيلاء أربعة أشهر. فإذا انقضت بانت منه بتطليقة. وهو مذهب أبي حنيفة. وهو الذي تقتضيه الآية. قال الله تعالي: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإن فَاءُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ((فإن فاءوا)) يعني في الأشهر. وفي حرف ابن مسعود ((فإن فاءوا فيهن)) والتربص الانتظار أي ينتظر بهم إلي مضي تلك الأشهر. ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ
стр. 1816
٣٢٩٩ - وعن أبي سلمة: أن سلمان بن صخر – ويقال له: سلمة بن صخر البياضي جعل امرأته عليه كظهر أمه حتى يمضي رمضان، فما مضى نصف من رمضان وقع عليها ليلا، فأتى رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك له، فقال له رسول الله ﷺ : ((أعتق رقبة)) قال: لا أجدها. قال: ((فصم شهرين متتابعين)) قال: لا استطيع قال: (أطعم ستين مسكينا)) قال: لا أجد. فقال رسول الله ﷺ لفروة بن عمرو: ((أعطه ذلك العرق)) وهو مكتل يأخذ خمسة عشر صاعا أو ستة عشر صاعا ((ليطعم ستين مسكينا)) رواه الترمذي. [٣٢٩٩]
ــ
عليم﴾ أي عزموا الطلاق بتربصهم إلي مضي المدة وتركهم الفيئة. وتأويله عند من يرى أنه يوقف فإن فاءوا وإن عزموا الطلاق بعد مضي المدة.
أقول: ما أدرى كيف نسب القول الأول إلي الاستنباط رأيا واجتهادا، والثاني إلي اقتضاء الآية إياه مع وجود الفاء التعقبية بعد التربص، وعطف ((وإن عزموا)) علي قوله: ((فإن فاءوا))؟ ولقوة هذا الإشكال وظهور هذه الآية فيه سأل صاحب الكشاف نفسه بقوله: كيف موقع الفاء إذا كانت الفيئة قبل انتهاء مدة التربص. وأجاب: موقع صحيح؛ لأن قوله: ((فإن فاؤوا)) و ((إن عزموا)) تفصيل لقوله: ((للذين يؤلون)) والتفصيل يعقب المفصل. كما تقول: أنا نزيلكم هذا الشهر، فإن أحمدتكم أقمت عندكم إلي آخره، وإلا لم أقم إلا ريثما أتحول، وأجبنا عنه في فتوح الغيب.
وقلنا: المثال المذكور ليس من الآية في شيء؛ لأن النزيل عند القوم لا يخلو حاله من هذين المعنيين، إما أنهم يراعون حقه أو يتركونه ولا يلتفتون إليه، ولا ثالث، فصح التفصيل. وأما في الآية فللمؤلي حالة ثالثة غير الفئ والطلاق وهو التربص، فلا يكون التفصيل حاصرا، علي أن التربص يدفعها؛ لأن معناه الانتظار والتوقف كما في قوله تعالي: ﴿والْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ فالواجب حمل الفاء علي التعقيب مطلقا.
الحديث الثالث عن أبي سلمة: قوله: ((كظهر أمه)) شبه زوجته بالأم، والظهر مقحم لبيان قوة التناسب، كقوله: ((أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى)). كان هذا من أيمان الجاهلية، فأنكر الله تعالي عليهم بقوله: ﴿مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إنْ أُمَّهَاتُهُمْ إلَاّ اللَاّئِي ولَدْنَهُمْ وإنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ القَوْلِ وزُورًا﴾ وفي قوله: ﴿مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ إشعار بأن الظهر مقحم. ((حس)): إذا أظهر الرجل من امرأته تلزمه الكفارة، ولا يجوز له قربانها ما لم يخرج الكفارة.
стр. 1817
٣٣٠٠ - وروى أبو داود، وابن ماجه، والدارمي، عن سليمان بن يسار، عن سلمة بن صخر نحوه، قال: كنت امرءا أصيب من النساء ما لا يصيب غيري. وفي روايتهما – أعني أبا داود، والدارمي -: ((فأطعم وسقا من تمر بين ستين مسكينا)).
٣٣٠١ - وعن سليمان بن يسار، عن سلمة بن صخر، عن النبي ﷺ في المظاهر يواقع قبل أن يكفر، قال: ((كفارة واحدة)) رواه الترمذي، وابن ماجة. [٣٣٠١]
الفصل الثالث
٣٣٠٢ - عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رجلا ظاهر من امرأته فغشيها قبل أن يكفر، فأتي النبي ﷺ ، فذكر ذلك له. فقال: ((ما حملك علي ذلك؟ قال: يا رسول الله! رأيت بياض حجليها في القمر، فلم أملك نفسي أن وقعت عليها. فضحك رسول الله ﷺ وأمره أن لا يقربها حتى يكفر. رواه ابن ماجة. وروى الترمذي نحوه، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب. [٣٣٠٢]
ــ
واختلفوا في العود، فقيل: المراد به هو إعادة لفظ الظهار وتكرره. وقيل: هو الوطء. وقيل: هو العزم علي الوطء. وقال الشافعي: هو أن يمسك عقيب الظهار زمانا يمكنه أن يفارقها فلم يفعل، فإن طلقها عقيب الظهار في الحال، أو مات أحدهما عقيبه فلا كفارة؛ لأن العود للقول هو المخالفة وقصده بالظهار هو التحريم. فإذا أمسكها علي النكاح بعد الظهار فقد خالف قوله، فتلزمه الكفارة. وفيه دلالة، علي صحة الظهار المؤقت، وعلي أن كفارة الظهار مرتبة.
قوله: ((بين ستين)) إما متعلق بـ ((أطعم)) علي تضمين أقسم طعاما بين ستين، أو حال أي أطعم قاسما بين ستين أو مقسوما. قوله: ((لفروة بن عمرو)) فروة بالفاء المفتوحة في جامع الترمذي وبعض نسخ المصابيح، وفي بعضها ((عروة)) بالعين الضمومة، وهو تصحيف.
الحديث الرابع عن سليمان: قوله: ((كفارة واحدة)) ((حس)): فيه دليل علي أن المظاهر إذا جامع قبل أن يكفر لا تجب إلا كفارة واحدة. وهو قول أكثر أهل العلم. وبه قال مالك والشافعي وأحمد. وقيل: إذا واقعها قبل أن يكفر وجب عليه كفاراتان.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن عكرمة: قوله: ((فلم أملك نفسي أن وقعت)) أي لم استطع أن أحبس نفسي من أن وقعت عليها، أو يكون بدلا من ((نفس)) أي لم أملك وقوع نفسي عليها. والحجل الخلخال.
стр. 1818
وروى أبو داود، والنسائي نحوه مسندا ومرسلا. وقال النسائي: المرسل أولي بالصواب من المسند.
(١٣) باب [في كون الرقبة في الكفارة مؤمنة]
الفصل الأول
٣٣٠٣ - عن معاوية بن الحكم، قال: أتيت رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! إن جارية كانت لي ترعى غنما لي فجئتها وقد فقدت شاة من الغنم، فسألتها عنها. فقالت: أكلها الذئب،. فأسفت عليها وكنت من بني آدم، فلطمت وجهها، وعلي رقبة؛ أفأعتقها؟ فقال لها رسول الله ﷺ : ((أين الله؟)) فقالت: في السماء فقال: ((من أنا؟)) فقالت: أنت رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : ((أعتقها)). رواه مالك. [٣٣٠٣]
ــ
باب
الفصل الأول
الحديث الأول عن معاوية: قوله: ((فأسفت عليها)) ((قض)): الأسف الغضب، ((وكنت من بني آدم)) عذر لغضبه عليها ولطمه وجهها، فإن الإنسان مجبول علي نحو ذلك. وقوله لها: ((أين الله؟)) وفي رواية ((أين ربك؟)) لم يرد السؤال عن مكانه؛ فإنه منزه عنه والرسول ﷺ أعلي من أن يسأل أمثال ذلك، بل أراد أن يتعرف أنها موحدة أو مشركة؛ لأن كفار العرب كانوا يعبدون الأصنام، فكان لكل قوم منهم صنم مخصوص يكون فيما بينهم يعبدونه ويعظمونه، ولعل سفهاءهم وجهلتهم كانوا لا يعرفون معبودا غيره، فأراد أن يتعرف أنها ما تعبد، فلما قالت: ((في السماء)) وفي رواية ((أشارت إلي السماء)) فهم منها أنها موحدة، تريد بذلك نفي الآلهة الأرضية التي هي الأصنام، لا إثبات السماء مكانا له تعالي عما يقول الظالمون علوا كبيرا. ولأنه لما كان مأمورا بأن يكلم الناس علي قدر عقولهم ويهديهم إلي الحق علي حسب فهمهم، ووجدها تعتقد أن المستحق للعبودية إله يدبر الأمر من السماء إلي الأرض، لا الآلهة التي يعبدها المشركون، قنع منها بذلك ولم يكلفها اعتقاد ما هو صرف التوحيد وحقيقة التنزيه. واستفسار الرسول عن إيمانها عقيب استئذانه عن إعتاقها من الرقبة الواجبة عليه، وترتيب الإذن علي قوله: ((فإنها مؤمنة)) بالفاء يدلان علي أن الرقبة المحررة عن الكفارات لا بد أن تكون مؤمنة. وفيه خلاف مشهور بين الأئمة – انتهي كلامه. فإن قلت: من أين استدرك قوله: ((لكن صككتها))؟
стр. 1819
وفي رواية مسلم، قال: كانت لي جارية ترعى غنما لي قبل أحد والجوإنية، فاطلعت ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون، لكن صككتها صكة، فأتيت رسول الله ﷺ ، فعظم ذلك علي. قلت: يا رسول الله! أفلا أعتقها؟ قال: ((ائتني بها)) فأتيته بها. فقال لها: ((أين الله؟)) قالت: في السماء قال: ((من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: ((أعتقها فإنها مؤمنة)).
(١٤) باب اللعان
الفصل الأول
٣٣٠٤ - عن سهل بن سعد الساعدي [﵁] قال: إن عويمر العجلإني قال: يا رسول الله! أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونة؟ أم كيف يفعل؟
ــ
قلت: مما يلزم الأسف والغضب من الانتقام الشديد والضرب العنيف، كأنه قيل: أردت أن أضربها ضربا شديدا أوجعها به، لكن صككتها.
قوله: ((أفلا أعتقها)) فإن قلت: ما الفرق بين هذه الهمزة والتي في الرواية السابقة؟ وما الفائدة في كون الجملة هناك مثبتة وهاهنا منفية؟ قلت: الهمزة الأولي مقحمة تأكيدا للاستخبار، والفاء سببية لقوله: ((وعلي رقبة)) وعلي الثاني الهمزة غير مقحمة، والفاء مرتبة علي مقدر بعدها، أي أيكون ما فعلت هدرا فلا أعتقها؟
فإن قلت: كيف التوفيق بين الروايتين؟ قلت: الرواية الأولي متضمنة لسؤالين صريحا؛ لأن التقدير: كان علي عتق رقبة كفارة، وقد لزمني من هذه اللطمة إعتاقها، أفيكفيني إعتاقها للأمرين جميعا؟ والرواية الثانية مطلقة تحتمل الأمرين، والمطلق محمول علي المقيد. ومما يدل علي أن السؤال ليس مجرد اللطمة، سؤال النبي ﷺ الجارية عن إيمانها.
باب اللعان
المغرب: لعنه لعنا ولاعنه ملاعنة ولعانا وتلاعنوا لعن بعضهم بعضا، وأصله الطرد. ((مح)): إنما سمي لعانا؛ لأن كلا من الزوجين يبعد عن صاحبه، ويحرم النكاح بينهما علي التأبيد. واللعان عند جمهور أصحابنا يمين، وقيل: شهادة، وقيل: يمين فيها شوب شهادة. وينبغي أن يكون بحضرة الإمام والقاضي وجمع من الناس. وهو أحد أنواع التغليظ؛ فإنه تغليظ بالزمان والمكان والجمع.
стр. 1820
فقال رسول الله ﷺ : ((قد أنزل فيك وفي صاحبتك، فاذهب فأت بها)). قال سهل: فتلاعنا في المسجد، وأنا مع الناس عند رسول الله ﷺ ، فلما فرعا، قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثا، ثم قال رسول الله ﷺ : ((انظروا فإن جاءت به أسحم، أدعج العينين، عظيم الأليتين، خدلج الساقين، فلا أحسب عويمرا إلا قد صدق عليها، وإن جاءت به أحيمر كأنه وحرة فلا أحسب عويمرا إلا قد كذب عليها. فجاءت به علي النعت الذي نعت رسول الله ﷺ من تصديق عويمر، فكان بعد ينسب إلي أمه. متفق عليه.
ــ
الفصل الأول
الحديث الأول عن سهل: قوله: ((أم كيف يفعل؟)) ((أم)) يحتمل أن تكون متصلة، يعني إذا رأي الرجل هذا المنكر والأمر الفظيع وثارت عليه الحمية، أيقتله فيقتلونه؟ أم يصبر علي ذلك الشنآن والعار؟ وأن تكون منقطعة، فسأل أولا عن القتل مع القصاص ثم أضرب عنه إلي سؤاله؛ لأن ((أم)) المنقطعة متضمنة لـ ((بل)) والهمزة، فـ ((بل)) يضرب الكلام السابق، والهمزة تستأنف كلاما آخر. المعنى كيف يفعل أيصبر علي العار أو يحدث الله له أمرا آخر؟ فقوله: ((قد أنزل فيل وفي صاحبتك)) مطابق لهذا المقدر، فالوجه أن تكون ((أم)) منقطعة، والمنزل قوله تعالي ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ولَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إلَاّ أَنفُسُهُمْ﴾ إلي آخر الآيات.
((مح)): اختلفوا فيمن قتل رجلا وزعم أنه زنى بامرأته، فقال [جمهورهم] *: يقتل إلا أن تقوم بذلك بينة أو يعترف له ورثة القتيل، ويكون القتيل محصنا، والبينة أربعة من العدول من الرجال يشهدون علي يقين الزنا. أما فيما بينه وبين الله تعالي فإن كان صادقا فلا شيء عليه. وقال بعض أصحابنا: يجب علي كل من قتل زإنيا محصنا القصاص، ما لم يأمر السلطان بقتله. والصواب الأول. واختلفوا في الفرقة باللعان، فقال مالك والشافعي: تحصل الفرقة بلعان الزوج وحده، وقال أبو حنيفة: لا تحصل الفرقة إلا بقضاء القاضي بها بعد التلاعن؛ لقوله: ((ثم فرق بينهما)). واحتج الجمهور أنه لا يفتقر إلي قضاء القاضي؛ لقوله ﷺ : ((لا سبيل لك عليها)).
قوله: ((كذبت عليها إن أمسكتها)) كلام مستقل. وقوله: ((فطلقها ثلاثا)) كلام مبتدأ منقطع عما قبله تصديقا لقوله في أنه لا يمسكها، وإنما طلقها لأنه ظن أن اللعان لا يحرمها عليه، فأراد
стр. 1821
٣٣٠٥ - وعن ابن عمر [﵄] أن النبي ﷺ لا عن بين رجل وامرأته، فانتفي من ولدها، ففرق بينهما، والحق الولد بالمرأة. متفق عليه وفي حديثه لهما: أن رسول الله ﷺ وعظه، وذكره وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، ثم دعاها فوعظها، وذكرها، وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة.
٣٣٠٦ - وعنه، أن النبي ﷺ قال للمتلاعنين: ((حسابكما علي الله، أحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها)) قال يا رسول الله! مالي. قال: ((لا مال لك، إن كنت
ــ
تحريمها بالطلاق. واستدل أصحابنا بالحديث أن جمع الطلقات الثلاث بلفظ واحد ليس حراما لأنه ﷺ لم ينكر عليه ذلك. وقد اعترض عليه بأنه ﷺ لم ينكر عليه؛ لأنه لم يصادف الطلاق محلا مملوكا له. ويجاب عنه بأنه لو كان الثلاث محرما لأنكر عليه إرسال لفظ الطلقات الثلاث وبين تحريمه، وقال بعض أصحاب مالك: إنما طلقها ثلاثا بعد اللعان؛ لأنه يستحب إظهار الطلاق بعد اللعان، مع أنه حصلت الفرقة بنفس اللعان، وهذا فاسد؛ لأنه كيف يستحب الطلاق للأجنبية؟ وقال بعض المالكية: لا تحصل الفرقة بنفس اللعان، واحتج بطلاق عويمر وبقوله: ((إن أمسكتها)) والجواب ما سبق.
قوله: ((أسحم أدعج)) ((نه)): الأسحم الأسود، والدعج والدعجة السواد في العين وغيرها. وقيل: الدعج شدة سواد العين في شدة بياضها. ((وخدلج الساقين)) أي عظيمهما، و ((الوحرة)) بالتحريك دويبة كالقطاة تلزق بالأرض – انتهي كلامه. والضمير في ((فإن جاءت به)) للحمل أو الولد لدلالة السياق عليه، كقوله تعالي: ﴿إن تَرَكَ خَيْرًا﴾ أي الميت.
الحديث الثاني والثالث عن ابن عمر ﵄: قوله: ((فانتفي)) الفاء سببية أي الملاعنة لانتفاء الرجل من ولد المرأة وإلحاقه بها. وقوله: ((لا سبيل لك عليها)) أي لا تسلط لك عليها كانت سببا ولا تملك منها حلها. وهذا معنى ((علي)) في ((عليها)) كقوله تعالي: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ (٤١) إنَّمَا السَّبِيلُ عَلي الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ وهذا الكلام بعد قوله: ((حسابكما علي الله)).
((غب)): الملاعنة تدل علي مذهب الشافعي، وهو أن الفرقة تحصل بنفس الملاعنة، فيحمل قوله: ((ففرق بينهما)) في الحديث السابق علي هذا، وقوله: ((مالي)) فاعل فعل محذوف. فلما قال له: ((لا سبل لك عليها)) قال: أيذهب مالي؟ أي المهر، والباء في قوله: ((بما استحللت)) باء البدل والمقابلة. وقوله: ((فذاك)) إشارة إلي قوله: ((مالي)) أي إن صدقت فهذا الطلب بعيد؛ لأنه
стр. 1822
صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها فذاك أبعد وأبعد لك منها)) متفق عليه.
٣٣٠٧ - وعن ابن عباس: أن هلال بن أمية، قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سمحاء، فقال النبي ﷺ : ((البينة أو حدا في ظهرك)). فقال: يا رسول الله! إذا رأي أحدنا علي امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة؟! فجعل النبي ﷺ يقول: ((البينة، وإلا حد في ظهرك)) فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، فلينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد، فنزل جبريل، وأنزل عليه: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ فقرأ حتى بلغ ﴿إن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فجاء هلال فشهد والنبي ﷺ يقول: ((إن الله يعلم
ــ
بدل البضع، وإن كذبت فأبعد وأبعد لك، اللام في ((لك)) لبيان متعلقة بـ ((أبعد)) الأول كما في قوله تعالي: ﴿هيت لك﴾ وأبعد الثاني مقحم للتأكيد. ((مح)) فيه أن الخصمين المتكاذبين لا يعاقب أحد منهما، وإن علمنا كذب أحدهما علي الإبهام. وفيه دليل علي استقرار المهر بالدخول، وعلي ثبوت مهر الملاعنة المدخول بها. وفيه أيضا أنه لو صدقته وأقرت بالزنا، لم يسقط مهرها.
الحديث الرابع عن ابن عباس ﵄: قوله: ((قذف امرأته)) ((تو)): هذا من أول لعان كان في الإسلام وفيث نزلت الآية. ((مح)): اختلفوا في نزول آية اللعان، هل هي بسبب عويمر العجلإني أم بسبب هلال بن أمية؟ فقال بعضهم بالأول، واستدلوا بقوله ﷺ لعويمر: ((نزلت فيك)) كما سبق، وبعضهم اثإني واستدلوا بما ذكر مسلم في قصة هلال: وكان أول رجل لاعن في الإسلام. قال ابن الصباغ من أصحابنا: إن معنى قوله ﷺ لعويمر: ((نزلت فيك)) أي نزلت في شأنك في قصة هلال؛ لأن ذلك حكم شامل لجميع الناس. قال الشيخ محيي الدين: ويحتمل أنها نزلت فيهما جميعا، فلعلهما سألا في وقتين متقاربين، فنزلت فيهما، وسبق هلال باللعان. وقيل: إن آية اللعان نزلت في شعبان في سنة تسع من الهجرة.
قوله: ((ينطلق)) جواب ((إذا)) وإنما لم يجزم؛ لأن الشرط ماض. ((ويلتمس)) حال من ضمير ((ينطلق)) ويجوز أن تكون ((إذا)) ظرفا مبتدأ، و ((ينطلق)) خبره، و ((يلتمس)) خبر بعد خبر أو حال. وفي الجملة معنى الاستفهمام علي سبيل الاستبعاد. ونظيره إذا قام زيد إذا قام عمرو أي وقت قيام زيد وقت قيام عمرو. قوله: ((البينة)) ((تو)): أي أقم البينة ((أو حدا)) نصب علي المصدر، أي تحد حدا. وقوله: ((وإلا حد في ظهرك)) التقدير: وإن لم تقم البينة فيثبت حد في ظهرك. قوله: ((فشهد)) أي لا عن.
стр. 1823
أن أحد كما كاذب، فهل منكما تائب؟)) ثم قامت، فشهدت فلما كانت عند الخامسة وقفوها، وقالوا: إنها موجبة. فقال ابن عباس: فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت. وقال النبي ﷺ : ((أبصروها، فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين، خدلج الساقين؛ فهو لشريك بن سمحاء، فجاءت به كذلك، فقال النبي ﷺ : ((لولا ما مضى من كتاب الله؛ لكان لي ولها شأن)). رواه البخاري.
ــ
قوله: ((فلما كانت عند الحامسة)) ((قض)): أي عند الخامسة من شهادتها حبسوها ومنعوها عن المضي فيها، وهددوا وقالوا لها: إنها موجبة. وقيل: معنى ((وقفوها)) أطلعوها علي حكم الخامسة، وهو أن اللعان إنما يتم به ويترتب علي آثاره، وأنا موجبة للعن مؤدية إلي العذاب إن كانت كاذبة. ((فتلكأت)) أي توقفت، يقال: تلكأ في الأمر تلكؤ إذا تبطأ عنه وتوقف فيه. ((ونكصت)) في تكذيب الزوج، ودعوى البراءة عما رماها به. ((لا أفضح قومي سائر اليوم)) أي جميع الأيام وأبد الدهر وفيما بقي من الأيام بالإعراض عن اللعان والرجوع إلي تصديق الزوج، وأريد بـ ((اليوم)) الجنس؛ ولذلك أجراه مجرى العام والسائر كما يطلق للباقي يطلق للجميع. ((فمضت)) أي في الخامسة وأتمتها. و ((أكحل العينين)) الذي يعلو جفون عينيه سواد مثل الكحل من غير اكتحال، ويقال: رجل كحيل وامرأة كحلاء. ((سابغ الأليتين)) كبيرهما، يقال للشيء إذا كان تاما وافيا وافرا: إنه سابغ، وفي إتيان الولد علي الوصف الذي ذكره ﷺ هنا وفي قصة عويمر بأحد الوصفين المذكورين مع جواز أن يكون علي خلاف ذلك معجزة وإخبار بالغيب.
قوله: ((لولا ما مضى من كتاب الله)) أي من حكمه بدرء الحد عن المرأة بلعانها لكان لي ولها شأن في إقامة الحد عليها. وفي ذكر ((شأن)) وتنكيره تهويل وتفخيم لما كان يريد أن يفعل بها، أي لفعلت بها لتضاعف ذنبها ما يكون عبرة للناظرين وتذكرة للسامعين. وفي الحديث دليل علي أن الحاكم لا يلتفت إلي المظنة والأمارات، وإنما يحكم بظاهر ما تقتضيه الحجج والأيمان.
قال الإمام الشافعي ﵁ في مسنده في باب أبطال الاستحسان: فقال رسول الله ﷺ فيما بلغنا: ((إن أمره لبين لولا ما قضى الله)) يعني إنه لمن زنا لولا ما قضى الله من أن لا يحكم علي أحد إلا بإقرار أو اعتراف علي نفسه، لا يحل بدلالة غير واحد منهما وإن كانت بينه، فقال: ((لولا ما قضى الله لكان لي فيها قضاء غيره))، ولم يعرض لشريك ولا للمرأة. والله أعلم, وأنفذ الحكم وهو يعلم أن أحدهما كاذب، ثم علم أن الزوج هو الصادق – انتهي
стр. 1824
٣٣٠٨ - وعن أبي هريرة، قال: قال سعد بن عبادة: لو وجدت مع أهلي رجلا لم أمسه حتى آتي بأربعة شهداء؟ قال رسول الله ﷺ : ((نعم)). قال: كلا، والذي
ــ
كلام الإمام. وفي الحديث أن لعان الرجل يقدم علي لعان المرأة؛ لأنه مثبت وهذا دارئ، والدرء إنما يحتاج إليه بعد الإثبات.
الحديث الخامس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لم أمسه)) جواب ((لو)) ((مظ)): حرف الاستفهام هنا مقدر. أقول: والوجه أن تكون ((لو)) مع جوابها إخبار علي سبيل الإنكار، وفي كلام الله تعالي مثل هذا غير عزيز، ويدل علي الإنكار قوله: ((كلا))، وفي الحديث الثاني ((لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح)). وأما جوابه ﷺ : ((نعم)) فحمل كلامه علي الاستفهام من الأسلوب الحكيم و ((إن)) في قوله: ((إن كنت)) هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة، وضمير الشأن محذوف، وفي الكلام تأكيد. و ((اسمعوا)) ضمن معنى الإصغاء، وعدي بـ ((إلي)) وفيه اعتذار منه ﷺ لسعد وأن ما قاله قاله عن غيرة. وفي ذكر السيد هنا إشارة إلي أن الغيرة من شيم كرام الناس وساداتهم؛ ولذلك أتبعه بقوله: ((وأنا أغير منه، والله أغير مني)).
[((مظ))] *: يشبه أن مراجعة سعد النبي ﷺ كان طمعا في الرخصة لا ردا لقوله ﷺ ، فلما أبي ذلك رسول الله ﷺ سكت وانقاد. ((مح)): ليس قوله: ((كلا)) ردا لكلام رسول الله ﷺ ومخالفة لأمره، وإنما معناه الإخبار عن حال نفسه عند رؤية الرجل مع امرأته واستيلاء الغضب عليه؛ فإنه حيثئذ يعالجه بالسيف. أقول: إن رسول الله ﷺ لما تلقى سؤاله بقوله: ((نعم)) علي الأسلوب الحكيم، وأجرى إنكاره مجرى الاستفسار، بين بقوله: ((كلا)) أي ما أردت الاستفسار بل أردت الإنكار.
((نه)): الغيرة هي الحمية والأنفة، يقال: رجل غيور وامرأة غيور بناء مبالغة كشكور وكفور؛ لأن فعولا يشترك فيه الذكر والأنثى. ((حس)): الغيرة من الله تعالي الزجر والله غيور أي زجور يزجر عن المعاصي؛ لأن الغيرة تغير يعترى الإنسان عند رؤية ما يكرهه علي الأهل، وهو علي الله محال.
الحديث السادس عن المغيرة: قوله: ((مصفح)) ((مح)): هو بكسر الفاء أي غير ضارب بصفح السيف – وهو جانبه – بل بحده. قوله: ((أتعجبون من غيرة سعد؟)) فإن قلت: كيف التوفيق بين قوله: ((إنه لغيور)) وقوله هنا: أتعجبون من غيرته؟ فإن الجملة الأولي دلت علي أنهم أنكروا غيرته حتى رد إنكارهم ((فإن)) و ((اللام))، وها هنا دل التعجب علي أنهم كانوا مثبتين لغيرته جاهلين بسبها. قلت: قول سعد في الحديث الأول: ((كلا)) إلي آخره حملهم علي التعجب من مثل سعد سيد الأنصار كيف يقول مثل ذلك بحضرة رسول الله ﷺ وما بعثه علي ذلك؟ فبين رسول الله ﷺ ما تعجبوا منه، وهو إثبات الغرة. وقوله: ((أتعجبون من غيرة سعد)) وارد
стр. 1825
بعثك بالحق إن كنت لأعاجله بالسيف قبل ذلك. قال رسول الله ﷺ : ((اسمعوا إلي ما يقول سيدكم، إنه لغيور، وأنا أغير منه، والله أغير مني)). رواه مسلم.
٣٣٠٩ - وعن المغيرة، قال: قال سعد بن عبادة: لو رأيت رجلا مع امرأتي
ــ
علي قوله: ((إنه لغيور)) يعني لا تعجبوا من غيرته؛ فإن الله أغير منه. وقوله: ((والله أغير منى)) عطف علي المقسم عليه وهو قوله: ((أنا أغير منه)) وقوله: ((ولا أحد أحب)) ((لا)) هنا بمعنى ليس، وقد ذكر الاسم والخبر معها كأن النحويين غفلوا عن هذا الحديث؛ حيث اكتفوا بقوله: ((أنا ابن قيس لا براح)). وقوله: ((العذر)) فاعل لـ ((أحب)) [والمسألة كحلية] *.
قوله: ((ومن أجل غيرة الله حرم الله الفواحش)) يعني أن الله تعالي لما غار علي عباده وإمائه الفواحش، شرح تحريمها ورتب علي مرتكبها العقاب في الدنيا والآخرة؛ لينزجروا عنها. ومعنى ((ما ظهر منها وما بطن)) أي ما أعلن منه وما أسر. وقيل: ما عمل وما نوى وقيل: ظاهرة الزنا في الحوإنيت وباطنه الصديقة في السر.
قوله: ((العذر من الله)) ((مح)): العذر هنا بمعنى الإعذار، أي إزالة العذر، - يعني أن الله تعالي بعث المبشرين والمنذرين لئلا يكون للناس علي الله حجة، كما قال تعالي: ﴿ومَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾. و ((المدحة)) بكسر الميم المدح، ومعناه أنه تعالي لما وعدها ورغب فيها. كثر سؤال العباد إياها منه والثناء عليه.
أقول: وفيه أن السيد إذا لم يكن غيورا كان مواليه غير مؤدبين، ومن لم يصن عرضه عن اللوم يكون مشقا لأسنة الطاعنين، ومن وعد الناس معروفا ثم وفي بوعده، حسن ثناؤه وكثر حامدون. فإن قلت: أليس النائل إذا كان عن فجاءة كان أكمل من التأخير، والناس لمسرته أمدح؟ قال أبو الطيب:
وأجز الأمير الذي نعماه فاجئة بغير قول ونعمى القوم أقوال
قلت: ليس كذلك؛ لأن الأول حاز كرم الفعال مع صدق المقال، وكان ذلك أقوم لأود المجتدى وأصلح لتهذيب أخلاقه؛ لأنه إذا علق الرجاء به تحرى الأصوب فالأصوب لنيله، ثم إذا قارنه عرف حق النعمة وقام بمواجب الشكر، ولهذا كانت دعواهم في الدنيا: الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين، والحمد لله الذي هدانا لهذا. وسأل فقير كبيرا حاجة، فقال: أسوفك اليوم بالوعد، وأسرك غدا بالإنجاز لتذوق حلاوة الأمل، وأتزين بحلية الوفاء.
الحديث السابع عن أبي هريرة: قوله: ((وغيرة الله أن لا يأتى)) مبتدأ وخبر، ولا يستقيم حمل الخبر علي المبتدأ إلا بتقديم اللام، أي غيرة الله ثابتة لأجل أن لا يأتى.
следующие страницы →