Полный текст (3 308 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1821
٣٣٠٥ - وعن ابن عمر [﵄] أن النبي ﷺ لا عن بين رجل وامرأته، فانتفي من ولدها، ففرق بينهما، والحق الولد بالمرأة. متفق عليه وفي حديثه لهما: أن رسول الله ﷺ وعظه، وذكره وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، ثم دعاها فوعظها، وذكرها، وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة.
٣٣٠٦ - وعنه، أن النبي ﷺ قال للمتلاعنين: ((حسابكما علي الله، أحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها)) قال يا رسول الله! مالي. قال: ((لا مال لك، إن كنت
ــ
تحريمها بالطلاق. واستدل أصحابنا بالحديث أن جمع الطلقات الثلاث بلفظ واحد ليس حراما لأنه ﷺ لم ينكر عليه ذلك. وقد اعترض عليه بأنه ﷺ لم ينكر عليه؛ لأنه لم يصادف الطلاق محلا مملوكا له. ويجاب عنه بأنه لو كان الثلاث محرما لأنكر عليه إرسال لفظ الطلقات الثلاث وبين تحريمه، وقال بعض أصحاب مالك: إنما طلقها ثلاثا بعد اللعان؛ لأنه يستحب إظهار الطلاق بعد اللعان، مع أنه حصلت الفرقة بنفس اللعان، وهذا فاسد؛ لأنه كيف يستحب الطلاق للأجنبية؟ وقال بعض المالكية: لا تحصل الفرقة بنفس اللعان، واحتج بطلاق عويمر وبقوله: ((إن أمسكتها)) والجواب ما سبق.
قوله: ((أسحم أدعج)) ((نه)): الأسحم الأسود، والدعج والدعجة السواد في العين وغيرها. وقيل: الدعج شدة سواد العين في شدة بياضها. ((وخدلج الساقين)) أي عظيمهما، و ((الوحرة)) بالتحريك دويبة كالقطاة تلزق بالأرض – انتهي كلامه. والضمير في ((فإن جاءت به)) للحمل أو الولد لدلالة السياق عليه، كقوله تعالي: ﴿إن تَرَكَ خَيْرًا﴾ أي الميت.
الحديث الثاني والثالث عن ابن عمر ﵄: قوله: ((فانتفي)) الفاء سببية أي الملاعنة لانتفاء الرجل من ولد المرأة وإلحاقه بها. وقوله: ((لا سبيل لك عليها)) أي لا تسلط لك عليها كانت سببا ولا تملك منها حلها. وهذا معنى ((علي)) في ((عليها)) كقوله تعالي: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ (٤١) إنَّمَا السَّبِيلُ عَلي الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ وهذا الكلام بعد قوله: ((حسابكما علي الله)).
((غب)): الملاعنة تدل علي مذهب الشافعي، وهو أن الفرقة تحصل بنفس الملاعنة، فيحمل قوله: ((ففرق بينهما)) في الحديث السابق علي هذا، وقوله: ((مالي)) فاعل فعل محذوف. فلما قال له: ((لا سبل لك عليها)) قال: أيذهب مالي؟ أي المهر، والباء في قوله: ((بما استحللت)) باء البدل والمقابلة. وقوله: ((فذاك)) إشارة إلي قوله: ((مالي)) أي إن صدقت فهذا الطلب بعيد؛ لأنه
стр. 1822
صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها فذاك أبعد وأبعد لك منها)) متفق عليه.
٣٣٠٧ - وعن ابن عباس: أن هلال بن أمية، قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سمحاء، فقال النبي ﷺ : ((البينة أو حدا في ظهرك)). فقال: يا رسول الله! إذا رأي أحدنا علي امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة؟! فجعل النبي ﷺ يقول: ((البينة، وإلا حد في ظهرك)) فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، فلينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد، فنزل جبريل، وأنزل عليه: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ فقرأ حتى بلغ ﴿إن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فجاء هلال فشهد والنبي ﷺ يقول: ((إن الله يعلم
ــ
بدل البضع، وإن كذبت فأبعد وأبعد لك، اللام في ((لك)) لبيان متعلقة بـ ((أبعد)) الأول كما في قوله تعالي: ﴿هيت لك﴾ وأبعد الثاني مقحم للتأكيد. ((مح)) فيه أن الخصمين المتكاذبين لا يعاقب أحد منهما، وإن علمنا كذب أحدهما علي الإبهام. وفيه دليل علي استقرار المهر بالدخول، وعلي ثبوت مهر الملاعنة المدخول بها. وفيه أيضا أنه لو صدقته وأقرت بالزنا، لم يسقط مهرها.
الحديث الرابع عن ابن عباس ﵄: قوله: ((قذف امرأته)) ((تو)): هذا من أول لعان كان في الإسلام وفيث نزلت الآية. ((مح)): اختلفوا في نزول آية اللعان، هل هي بسبب عويمر العجلإني أم بسبب هلال بن أمية؟ فقال بعضهم بالأول، واستدلوا بقوله ﷺ لعويمر: ((نزلت فيك)) كما سبق، وبعضهم اثإني واستدلوا بما ذكر مسلم في قصة هلال: وكان أول رجل لاعن في الإسلام. قال ابن الصباغ من أصحابنا: إن معنى قوله ﷺ لعويمر: ((نزلت فيك)) أي نزلت في شأنك في قصة هلال؛ لأن ذلك حكم شامل لجميع الناس. قال الشيخ محيي الدين: ويحتمل أنها نزلت فيهما جميعا، فلعلهما سألا في وقتين متقاربين، فنزلت فيهما، وسبق هلال باللعان. وقيل: إن آية اللعان نزلت في شعبان في سنة تسع من الهجرة.
قوله: ((ينطلق)) جواب ((إذا)) وإنما لم يجزم؛ لأن الشرط ماض. ((ويلتمس)) حال من ضمير ((ينطلق)) ويجوز أن تكون ((إذا)) ظرفا مبتدأ، و ((ينطلق)) خبره، و ((يلتمس)) خبر بعد خبر أو حال. وفي الجملة معنى الاستفهمام علي سبيل الاستبعاد. ونظيره إذا قام زيد إذا قام عمرو أي وقت قيام زيد وقت قيام عمرو. قوله: ((البينة)) ((تو)): أي أقم البينة ((أو حدا)) نصب علي المصدر، أي تحد حدا. وقوله: ((وإلا حد في ظهرك)) التقدير: وإن لم تقم البينة فيثبت حد في ظهرك. قوله: ((فشهد)) أي لا عن.
стр. 1823
أن أحد كما كاذب، فهل منكما تائب؟)) ثم قامت، فشهدت فلما كانت عند الخامسة وقفوها، وقالوا: إنها موجبة. فقال ابن عباس: فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت. وقال النبي ﷺ : ((أبصروها، فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين، خدلج الساقين؛ فهو لشريك بن سمحاء، فجاءت به كذلك، فقال النبي ﷺ : ((لولا ما مضى من كتاب الله؛ لكان لي ولها شأن)). رواه البخاري.
ــ
قوله: ((فلما كانت عند الحامسة)) ((قض)): أي عند الخامسة من شهادتها حبسوها ومنعوها عن المضي فيها، وهددوا وقالوا لها: إنها موجبة. وقيل: معنى ((وقفوها)) أطلعوها علي حكم الخامسة، وهو أن اللعان إنما يتم به ويترتب علي آثاره، وأنا موجبة للعن مؤدية إلي العذاب إن كانت كاذبة. ((فتلكأت)) أي توقفت، يقال: تلكأ في الأمر تلكؤ إذا تبطأ عنه وتوقف فيه. ((ونكصت)) في تكذيب الزوج، ودعوى البراءة عما رماها به. ((لا أفضح قومي سائر اليوم)) أي جميع الأيام وأبد الدهر وفيما بقي من الأيام بالإعراض عن اللعان والرجوع إلي تصديق الزوج، وأريد بـ ((اليوم)) الجنس؛ ولذلك أجراه مجرى العام والسائر كما يطلق للباقي يطلق للجميع. ((فمضت)) أي في الخامسة وأتمتها. و ((أكحل العينين)) الذي يعلو جفون عينيه سواد مثل الكحل من غير اكتحال، ويقال: رجل كحيل وامرأة كحلاء. ((سابغ الأليتين)) كبيرهما، يقال للشيء إذا كان تاما وافيا وافرا: إنه سابغ، وفي إتيان الولد علي الوصف الذي ذكره ﷺ هنا وفي قصة عويمر بأحد الوصفين المذكورين مع جواز أن يكون علي خلاف ذلك معجزة وإخبار بالغيب.
قوله: ((لولا ما مضى من كتاب الله)) أي من حكمه بدرء الحد عن المرأة بلعانها لكان لي ولها شأن في إقامة الحد عليها. وفي ذكر ((شأن)) وتنكيره تهويل وتفخيم لما كان يريد أن يفعل بها، أي لفعلت بها لتضاعف ذنبها ما يكون عبرة للناظرين وتذكرة للسامعين. وفي الحديث دليل علي أن الحاكم لا يلتفت إلي المظنة والأمارات، وإنما يحكم بظاهر ما تقتضيه الحجج والأيمان.
قال الإمام الشافعي ﵁ في مسنده في باب أبطال الاستحسان: فقال رسول الله ﷺ فيما بلغنا: ((إن أمره لبين لولا ما قضى الله)) يعني إنه لمن زنا لولا ما قضى الله من أن لا يحكم علي أحد إلا بإقرار أو اعتراف علي نفسه، لا يحل بدلالة غير واحد منهما وإن كانت بينه، فقال: ((لولا ما قضى الله لكان لي فيها قضاء غيره))، ولم يعرض لشريك ولا للمرأة. والله أعلم, وأنفذ الحكم وهو يعلم أن أحدهما كاذب، ثم علم أن الزوج هو الصادق – انتهي
стр. 1824
٣٣٠٨ - وعن أبي هريرة، قال: قال سعد بن عبادة: لو وجدت مع أهلي رجلا لم أمسه حتى آتي بأربعة شهداء؟ قال رسول الله ﷺ : ((نعم)). قال: كلا، والذي
ــ
كلام الإمام. وفي الحديث أن لعان الرجل يقدم علي لعان المرأة؛ لأنه مثبت وهذا دارئ، والدرء إنما يحتاج إليه بعد الإثبات.
الحديث الخامس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لم أمسه)) جواب ((لو)) ((مظ)): حرف الاستفهام هنا مقدر. أقول: والوجه أن تكون ((لو)) مع جوابها إخبار علي سبيل الإنكار، وفي كلام الله تعالي مثل هذا غير عزيز، ويدل علي الإنكار قوله: ((كلا))، وفي الحديث الثاني ((لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح)). وأما جوابه ﷺ : ((نعم)) فحمل كلامه علي الاستفهام من الأسلوب الحكيم و ((إن)) في قوله: ((إن كنت)) هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة، وضمير الشأن محذوف، وفي الكلام تأكيد. و ((اسمعوا)) ضمن معنى الإصغاء، وعدي بـ ((إلي)) وفيه اعتذار منه ﷺ لسعد وأن ما قاله قاله عن غيرة. وفي ذكر السيد هنا إشارة إلي أن الغيرة من شيم كرام الناس وساداتهم؛ ولذلك أتبعه بقوله: ((وأنا أغير منه، والله أغير مني)).
[((مظ))] *: يشبه أن مراجعة سعد النبي ﷺ كان طمعا في الرخصة لا ردا لقوله ﷺ ، فلما أبي ذلك رسول الله ﷺ سكت وانقاد. ((مح)): ليس قوله: ((كلا)) ردا لكلام رسول الله ﷺ ومخالفة لأمره، وإنما معناه الإخبار عن حال نفسه عند رؤية الرجل مع امرأته واستيلاء الغضب عليه؛ فإنه حيثئذ يعالجه بالسيف. أقول: إن رسول الله ﷺ لما تلقى سؤاله بقوله: ((نعم)) علي الأسلوب الحكيم، وأجرى إنكاره مجرى الاستفسار، بين بقوله: ((كلا)) أي ما أردت الاستفسار بل أردت الإنكار.
((نه)): الغيرة هي الحمية والأنفة، يقال: رجل غيور وامرأة غيور بناء مبالغة كشكور وكفور؛ لأن فعولا يشترك فيه الذكر والأنثى. ((حس)): الغيرة من الله تعالي الزجر والله غيور أي زجور يزجر عن المعاصي؛ لأن الغيرة تغير يعترى الإنسان عند رؤية ما يكرهه علي الأهل، وهو علي الله محال.
الحديث السادس عن المغيرة: قوله: ((مصفح)) ((مح)): هو بكسر الفاء أي غير ضارب بصفح السيف – وهو جانبه – بل بحده. قوله: ((أتعجبون من غيرة سعد؟)) فإن قلت: كيف التوفيق بين قوله: ((إنه لغيور)) وقوله هنا: أتعجبون من غيرته؟ فإن الجملة الأولي دلت علي أنهم أنكروا غيرته حتى رد إنكارهم ((فإن)) و ((اللام))، وها هنا دل التعجب علي أنهم كانوا مثبتين لغيرته جاهلين بسبها. قلت: قول سعد في الحديث الأول: ((كلا)) إلي آخره حملهم علي التعجب من مثل سعد سيد الأنصار كيف يقول مثل ذلك بحضرة رسول الله ﷺ وما بعثه علي ذلك؟ فبين رسول الله ﷺ ما تعجبوا منه، وهو إثبات الغرة. وقوله: ((أتعجبون من غيرة سعد)) وارد
стр. 1825
بعثك بالحق إن كنت لأعاجله بالسيف قبل ذلك. قال رسول الله ﷺ : ((اسمعوا إلي ما يقول سيدكم، إنه لغيور، وأنا أغير منه، والله أغير مني)). رواه مسلم.
٣٣٠٩ - وعن المغيرة، قال: قال سعد بن عبادة: لو رأيت رجلا مع امرأتي
ــ
علي قوله: ((إنه لغيور)) يعني لا تعجبوا من غيرته؛ فإن الله أغير منه. وقوله: ((والله أغير منى)) عطف علي المقسم عليه وهو قوله: ((أنا أغير منه)) وقوله: ((ولا أحد أحب)) ((لا)) هنا بمعنى ليس، وقد ذكر الاسم والخبر معها كأن النحويين غفلوا عن هذا الحديث؛ حيث اكتفوا بقوله: ((أنا ابن قيس لا براح)). وقوله: ((العذر)) فاعل لـ ((أحب)) [والمسألة كحلية] *.
قوله: ((ومن أجل غيرة الله حرم الله الفواحش)) يعني أن الله تعالي لما غار علي عباده وإمائه الفواحش، شرح تحريمها ورتب علي مرتكبها العقاب في الدنيا والآخرة؛ لينزجروا عنها. ومعنى ((ما ظهر منها وما بطن)) أي ما أعلن منه وما أسر. وقيل: ما عمل وما نوى وقيل: ظاهرة الزنا في الحوإنيت وباطنه الصديقة في السر.
قوله: ((العذر من الله)) ((مح)): العذر هنا بمعنى الإعذار، أي إزالة العذر، - يعني أن الله تعالي بعث المبشرين والمنذرين لئلا يكون للناس علي الله حجة، كما قال تعالي: ﴿ومَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾. و ((المدحة)) بكسر الميم المدح، ومعناه أنه تعالي لما وعدها ورغب فيها. كثر سؤال العباد إياها منه والثناء عليه.
أقول: وفيه أن السيد إذا لم يكن غيورا كان مواليه غير مؤدبين، ومن لم يصن عرضه عن اللوم يكون مشقا لأسنة الطاعنين، ومن وعد الناس معروفا ثم وفي بوعده، حسن ثناؤه وكثر حامدون. فإن قلت: أليس النائل إذا كان عن فجاءة كان أكمل من التأخير، والناس لمسرته أمدح؟ قال أبو الطيب:
وأجز الأمير الذي نعماه فاجئة بغير قول ونعمى القوم أقوال
قلت: ليس كذلك؛ لأن الأول حاز كرم الفعال مع صدق المقال، وكان ذلك أقوم لأود المجتدى وأصلح لتهذيب أخلاقه؛ لأنه إذا علق الرجاء به تحرى الأصوب فالأصوب لنيله، ثم إذا قارنه عرف حق النعمة وقام بمواجب الشكر، ولهذا كانت دعواهم في الدنيا: الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين، والحمد لله الذي هدانا لهذا. وسأل فقير كبيرا حاجة، فقال: أسوفك اليوم بالوعد، وأسرك غدا بالإنجاز لتذوق حلاوة الأمل، وأتزين بحلية الوفاء.
الحديث السابع عن أبي هريرة: قوله: ((وغيرة الله أن لا يأتى)) مبتدأ وخبر، ولا يستقيم حمل الخبر علي المبتدأ إلا بتقديم اللام، أي غيرة الله ثابتة لأجل أن لا يأتى.
стр. 1826
لضربته بالسيف غير مصفح، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: ((أتعجبون من غيرة سعد؟ والله لأنا أغير منه، والله أغير مني، ومن أجل غيرة الله حرم الله الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك بعث المنذرين والمبشرين، ولا أحد أحب إليه المدحة من الله، ومن أجل ذلك وعد الجنة)). متفق عليه.
٣٣١٠ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ " ((إن الله تعالي يغار، وإن المؤمن يغار، وغيرة الله أن لا يأتي المؤمن ما حرم الله)). متفق عليه.
ــ
الحديث الثامن عن أبي هريرة: قوله: ((هل فيها من أورق؟)) ((قض)): قال الأصمعي: الأورق من الإبل الذي في لونه بياض إلي سواد، وهو أطيب الإبل لحما، وليس بمحمود في سيره وعمله عندهم، من الورقة وهو اللون الرمادي. ومنه قيل للحمامة [والذئية] *: ورقاء، وورق جمعه كحمر جمع أحمر.
وقوله: ((فأنى ترى ذلك جاءها؟)) أي فمن أين جاءها هذا اللون وأبواها ليسا بهذا اللون؟. قال: ((عرق نزعها)) أي قلعها وأخرجها من ألوان فحلها ولقاحها. وفي المثل: العرق نزاع، والعرق [النجار] **. والأصل مأخوذ من عرق الشجر، يقال: أعرق الرجل إذا صار عريقا، وهو الذي له عرق من الكرم، والمعنى أن ورقتها إنما جاء؛ لأنه كان في أصولها البعيدة ما كان بهذا اللون، أو بألوان تحصل الورقة من اختلاطها؛ فإن أمزجة الأصول قد تورث؛ ولذلك تورث الأمراض، والألوان تتبعها. وفائدة الحديث المنع عن نفي الولد بمجرد الأمارات الضعيفة، بل لا بد من تحقق وظهور دليل قوي، كأن لم يكن وطئها، أو أتت بولد قبل ستة أشهر من مبدأ وطئها.
أقول: فإن قلت: لم لم يعتبر وصف اللون في هذا الحديث؟ واعتبر الأوصاف في حديث شريك بن سمحاء؛ حيث قال: ((إن جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين خدلج الساقين فهو لشريك))؟ قلت: إنما لم يعتبر وصف اللون هنا ليدفع التهم؛ لأن الأصل براءة ساحة المسلمين، ولم يكن اعتبار الأوصاف هناك لدفع التهمة، بل لينبه علي أن تلك الأمارات الجلية الظاهرة مضمحلة عند وجود نص كتاب الله تعالي، فكيف بالآراء الخفية؟ ولو شئت قلت: إن الصورتين مستويتان؛ لأن لعانها بالحقيقة ادعاء براءة ساحتها عما نسب إليها، وهو قد غلب علي رمي الزوج ولعانه، وحصول ما يقرر ذلك من وجود الولد من ماء السفاح والله أعلم.
((مح)): فيه أن التعريض بنفي الولد ليس نفيا، وأن التعريض بالقذف ليس قذفا. وهو مذهب الشافعي وموافقيه. وفيه إثبات القياس والاعتبار بالأشباه وضرب الأمثل. وفيه الاحتياط للأنساب وإلحاق الولد بمجرد الإمكان والاحتمال.
стр. 1827
٣٣١١ - وعنه، أن أعرابيا أتى رسول الله ﷺ فقال: إن امرأتي ولدت غلاما أسود وإني أنكرته. فقال له رسول الله ﷺ : ((هل لك من إبل؟)) قال: نعم قال: ((فما ألوانها؟)) قال: حمر. قال: ((هل فيها من أورق؟)) قال: إن فيها لورقا. قال: ((فأنى ترى ذلك جاءها))؟ قال: عرق نزعها. قال: ((فلعل هذا عرق نزعة)) ولم يرخص له في الانتفاس منه. متفق عليه.
٣٣١٢ - وعن عائشة، قالت: كان عتبة بن أبي وقاص عهد إلي أخيه سعد بن أبي وقاص: أن ابن وليدة زمعة مني، فاقبضه إليك، فلما كان عام الفتح أخذه سعد، فقال: إنه ابن أخي. وقال عبد بن زمعة: أخي، فتساوقا إلي رسول الله ﷺ ، فقال سعد: يا رسول الله! إن أخي كان عهد إلي فيه. وقال عبد بن زمعة: أخي وابن وليدة أبي، ولد علي فراشه. فقال رسول الله ﷺ : ((هو لك يا عبد بن زمعة، الولد
ــ
الحديث التاسع عن عائشة ﵂: قوله: ((ابن وليدة)) ((قض)): الوليدة الأمة، وكانت العرب في جاهليتهم يتخذون الولائد ويضربون عليهن الضرائب فيكتسبن بالفجور، وكانت السادة أيضا لا يجتنبونهن فيأتوهن، فإذا أتت الوليدة بولد وقد استفرشها السيد وزنى بها غيره أيضا، فإن استحلقه أهدهما ألحق به ونسب إليه، وإن استحلقه كل واحد منهما وتنازعا فيه عرض علي القافة. وكان عتبة قد صنع هذا الصنيع في جاهليته بوليدة زمعة، وحسب أن الولد له، فعهد إلي أخيه – أي أوصى إليه – بأن يضمه إلي نفسه وينسبه إلي أخيه حيثما احتضر، وكان كافرا، فلما كان عام الفتح أزمع سعد علي أن ينفذ وصيته وينتزعه، فأبي ذلك عبد بن زمعة، وترافعا إلي رسول الله ﷺ ، فحكم أن الولد للسيد الذي ولد علي فراشه، وليس للزإني من فعله سوى الوبال والنكال. وأبطل ما كانوا عليه في جاهليتهم من إثبات الولد بالزنا.
وفي هذا الحديث أن الدعوى تجري في النسب كما تجري في الأموال، وأن الأمة تصير فراشا بالوطء، وأن السيد إذا أقر بالوطء ثم أتت بولد يمكن أن يكون منه لحقه. وإن وطئها غيره. وأن إقرار الوارث فيه كإقرارة.
قوله: ((الولد للفراش)) ((مح)): ما تصير به المرأة فراشا إن كانت زوجة فمجرد عقد النكاح. ونقلوا في هذا الإجماع، وشرطوا فيه إمكان الوطء، فإن لم يكن بأن نكح المشرقي مغربية، ولم يفارق واحدا منهما وطنه، ثم أتت بولد لستة أشهر أو أكثر لم يلحق. هذا قول مالك والشافعي، إلا أن أبا حنيفة لم يشترط الإمكان، حتى لو طلق عقب العقد وأتت بولد لستة أشهر لحقه الولد. وهذا ضعيف ظاهر الفساد. وإن كانت أمة فعند الشافعي ومالك تصير فراشا
стр. 1828
للفراش، وللعاهر الحجر)) ثم لسودة بنت زمعة: ((احتجبي منه)) لما رأي من شبهه بعتبة، فما رآها حتى لقي الله. وفي رواية: قال: ((هو أخوك يا عبد بن زمعة من أجل أنه ولد علي فراش أبيه)). متفق عليه.
٣٣١٣ - وعنها، قالت: دخل علي رسول الله ﷺ ذات يوم وهو مسرور، فقال: ((أي عائشة! ألم تري أن مجززا المدلجي دخل، فلما رأي أسامة وزيدا وعليهما قطيفة قد غطيا رءوسهما وبدت أقدامها، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض)). متفق عليه.
ــ
للوطء بمجرد الملك. فإذا أتت بولد بعد الوطء بمدة الإمكان ألحقوه. وقال أبو حنيفة: لا تصير فراشا إلا إذا ولدت، وقال: لأنها لو صارت فراشا بالوطء لصارت بعد الملك كالزوجة.
قال أصحابنا: الفرق أن الزوجة تراد للوطء خاصة، فجعل الشرع العقد عليها كالوطء، وأما الأمة فتراد لملك الرقبة وأنواع من المنافع؛ ولهذا يجوز أن يملك أختين وأما وبنتها، بخلاف النكاح، فلم يصر نفس الملك فراشا، فإذا حصل الوطء صارت كالحرة فصارت فراشا.
واحتج بعض الحنفية بهذا الحديث علي أن الوطء بالزنا، له حكم الوطء بالنكاح في حرمة المصاهرة. وقال الشافعي ومالك وغيرهم: لا أثر لوطء الزنا، بل للزإني أن يتزوج أم المزني بها وبنتها. وزاد الشافعي وجوز نكاح البنت المتولدة من مائه بالزنا. قالوا: ووجا الاحتجاج أن سودة أمرت بالاحتجاب. وهذا احتجاج ضعيف؛ لأن هذا علي تقدير كونه من الزنا، فهو أجنبي من سودة لا يحل الظهور له، سواء ألحق بالزإني أو لا، ولا تعلق له بالمسألة المذكورة.
وفيه أن حكم الحاكم لا يحل الأمر في الباطن، فإذا حكم بشهادة شاهدي زور أو نحو ذلك لم يحل المحكوم به للمحكوم له؛ لأنه ﷺ حكم به لعبد بن زمعة أنه أخ له، ولسودة بالاحتجاب، واحتمل بسبب الشبه أن يكون من عتبة، فلو كان الحكم يحل الباطن لما أمرها بالاحتجاب. وقوله: ((للعاهر الحجر)) مضى شرحه في باب الوصية في الفصل الثاني. والله أعلم.
الحديث العاشر عن عائشة ﵂: قوله: ((أن مجزرا)) ((مح)): - بضم الميم – وفتح الجيم والزايين المنقوطتين الأولي منهما مشددة – وهو من بين مدلج، وكان القيافة فيهم وفي بني أسد، تعترف لهم العرب بذلك، وكانت الجاهلية تقدح في نسب أسامة؛ لكونه أسود شديد السواد، وكان زيد أبيض فأبيض، فلما قضى هذا القائف بإلحاق نسبه مع اختلاف اللون وكانت الجاهلية تعتمد قول القائف، فرح النبي ﷺ ؛ لكونه زاجرا لهم عن الطعن في نسبه.
стр. 1829
٣٣١٤ - وعن سعد بن أبي وقاص، وأبي بكرة، قالا: قال رسول الله ﷺ : ((من ادعى إلي غير أبيه وهو يعلم [أنه غير أبيه] فالجنة عليه حرام)). متفق عليه.
٣٣١٥ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا ترغبوا عن آبائكم، فمن رغب عن أبيه فقد كفر)). متفق عليه.
وذكر حديث عائشة ((ما من أحد أغير من الله)) في ((باب صلاة الخسوف)).
ــ
وكانت أم أسامة حبشية سوداء اسمها بركة، وكنيتها أم أيمن. واختلفوا في العمل بقول القائف، واتفق القائلون به علي أن يشترط فيه العدالة، وهل يشترط فيه العدد أم يكتفي بواحد. فالأصح الاكتفاء بواحد.
((قض)): فيه دليل علي اعتبار قول القائف في الأنساب، وأن له مدخلا في إثبات وإلا لما استبشر به ولأنكر عليه؛ إذ لا يجوز أن يقال رجما بالغيب ما يحتمل أن يوافق الحق في بعض الصور وفاقا، وخصوصا ما يكون صوابه غير معتبر، وخطؤه قذف محصنة، ولا الاستدلال بما ليس بدليل، وإليه ذهب عمر وابن عباس وأنس وغيرهم من الصحابة ﵃. وبه قال عطاء ومالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وعامة أهل الحديث. وقالوا: إذا ادعى رجلان أو أكثر نسب مولود مجهول النسب، ولم تكن له بينة، أو اشتركوا في وطء امرأة بالشبهة، فأتت بولد يمكن أن يكون من كل واحد منهم وتنازعوا فيه حكم القائف؛ فبأيهم ألحقه لحقه. ولم يعتبره أصحاب أبي حنيفة بل قالوا: يلحق الولد بهم جميعا. وقال أبو يوسف: يلحق برجلين وثلاث، ولا يلحق بأكثر ولا بامرأتين. وقال أبو حنيفة: يلحق بهما أيضا. وكل ذلك ضعيف.
قوله: ((قد غطيا رءوسهما)) فيه دليل علي أن أقل الجمع اثنان، وليس هو من وادى قوله تعالي: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ لأنه قد يقال: شخص له قلوب باعتبار دواعيه؛ لأن القلوب مكان الدواعي.
الحديث الحادي عشر والثاني عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((من ادعى)) ((نه)): الدعوة بالكسر في النسب، وهو أن ينسب الإنسان إلي غير أبيه وعشيرته، وقد كانوا يفعلونه، فنهي عنه، والادعاء إلي غير الأب مع العلم به حرام، فمن اعتقد إباحته كفر لمخالفة الإجماع، ومن لم يعتقد إباحته، فمعنى كفره وجهان: أحدهما أنه أشبه فعله فعل الكفار، والثاني: أنه كافر نعمة الإسلام. أقول: ومعنى قوله: ((فالجنة عليه حرام)) علي الأول ظاهر، وعلي الثاني تغليظ.
стр. 1830
الفصل الثاني
٣٣١٦ - وعن أبي هريرة، أنه سمع النبي ﷺ يقول لما نزلت آية الملاعنة: ((أيما امرأة أدخلت علي قوم من ليس منهم؛ فليست من الله في شيء، ولن يدخلها الله جنته، وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه، احتجب الله منه وفضحه علي رءوس الخلائق في الأولين والآخرين)). رواه أبو داود، والنسائي، والدارمي. [٣٣١٦]
٣٣١٧ - وعن ابن عباس، قال: جاء رجل إلي النبي ﷺ فقال: إن لي امرأة لا ترد يد لامس. فقال النبي ﷺ : ((طلقها)) قال: إني أحبها. قال: ((فأمسكها إذن)).
رواه أبو داود، والنسائي وقال النسائي: رفعه أحد الرواة إلي ابن عباس، وأحدهم لم يرفعه. قال: وهذا الحديث ليس بثابت. [٣٣١٧]
ــ
الفصل الثاني
الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((ولن يدخلها الله جنته)) ((تو)): أي مع من يدخلها من المحسنين بل يؤخرها أو يعذبها ما شاء، إلا أن تكون كافرة فيجب عليها الخلود. وذكر النظر تحقيق لسوء صنيعه وتعظيم للذنب الذي ارتكبه؛ حيث لم يرض بالفرقة حتى أماط جلباب الحياء عن وجهه. أقول: يريد أن قوله: ((وهو ينظر إليه)) تتميم للمعنى ومبالغة فيه. وقوله: ((في الأولين)) يحتمل أن يكون ظرفا لـ ((فضحه)) و ((علي رءوس الخلائق)) حالا من الضمير المنصوب، ويحتمل أن يكون حالا مؤكدة من الخلائق، أي علي رءوس الخلائق أجمعين.
الحديث الثاني عن ابن عباس ﵄: قوله: ((لا ترد يد لامس)) ((حس)): معناه أنها مطاوعة لمن أرادها لا ترد يده. [((تو))] *: هذا وإن كان اللفظ يقتضيه احتمالا، فإن قوله ﷺ : ((فأمسكها إذن)) يأباه، ومعاذ الله أن يأذن رسول الله ﷺ في إمساك من لا تماسك لها عن الفاحشة فضلا من أن يأمر به، وإنما الوجه فيه أن الرجل شكا إليه خرقها وتهاونها بحفظ ما في البيت والتبرع ببذله لمن أراده.
((قض)): هذا الوجه ضعيف؛ لأن إمساك الفاجرة غير محرم حتى لا يؤذن فيه سيما إذا كان الرجل مولعا بها؛ فإنه ربما يخاف علي نفسه أن لا يصطبر عنها لو طلقها، فيقع هو أيضا في الفجور، بل الواجب عليه أن يؤدبها ويجتهد في حفظها. ((حس)). فيه دليل علي جواز نكاح الفاجرة، وإن كان الاختيار غير ذلك، وهو قول أكثر أهل العلم.
стр. 1831
٣٣١٨ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ قضى أن كل مستلحق استلحق بعد أبيه الذي يدعى له ادعاه ورثته فقضى أن كل من كان من أمة يملكها يوم أصابها فقد لحق بمن استلحقه وليس له مما قسم قبله من الميراث شيء، وما أدرك من ميراث لم يقسم فله نصيبه، ولا يلحق إذا كان أبوه الذي يدعى له أنكره، فإن كان من أمة لم يملكها أو من حرة عاهر بها فإنه لا يلحق به ولا يرث، وإن كان الذي يدعى له هو الذي ادعاه فهو ولد زنية من حرة كان أو أمة. رواه أبو داود. [٣٣١٨]
٣٣١٩ - وعن جابر بن عتيك، أن نبي الله ﷺ قال: ((من الغيرة ما يحب الله، ومنها ما يبغض الله، فأما التي يحبها الله فالغيرة في الريبة، وأما التي يبغضها الله فالغيرة في غير ريبة، وإن من الخيلاء ما يبغض الله، ومنها ما يحب الله؛ فأما الخيلاء التي يحب الله فاختيال الرجل عند القتال، واختياله عند الصدقة، وأما التي يبغض الله فاختياله في الفخر)). وفي رواية: ((في البغي)). رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي. [٣٣١٩]
ــ
الحديث الثالث عن عمر ﵁: قوله: ((مستلحق)) هو بفتح الحاء الذي طلب الورثة أن يلحقوه بهم، واستلحقه أي ادعاه. وقوله: ((استلحقه)) صفة لقوله: ((مستلحق)) وقوله: ((ادعاه ورثته)) خبر ((أن)) والفاء في ((فقضى)) تفصيلية، أي أراد رسول الله ﷺ أن يقضى فقضى، كما في قوله تعالي: ﴿فَتُوبُوا إلي بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾. ((مظ)): هذه الأحكام قضى بها الرسول ﷺ في أوائل الإسلام ومبادئ الشرع، وهي أن الراجل إذا مات واستلحق له ورثته ولدا، فإن كان الرجل الذي يدعى الولد له ورثة قد أنكر أنه منه، لم يلحق به ولم يرث منه. وإن لم يكن أنكره فإن كان من أمته لحقه وورث منه ما لم يقسم بعد ماله، ولم يرث ما قسم قبل الاستلحاق. وإن كان من أمة غيره كابن وليدة زمعة، أو من حرة زنى بها لا يلحق به ولا يرث، بل لو استلجقه الواطئ لم يلحق به؛ فإن الزنا لا يثبت النسب.
الحديث الرابع عن جابر: قوله: ((فالغيرة في الريبة)) أي في مواضع التهم وما تردد فيه النفس فتظهر فائدتها وهي الرهبة والنزجار. وإن لم تكن موقعها فتورث البغض والشنآن والفتن.
قوله: ((وإن من الخيلاء)) ((نه)): الخيلاء – بالضم والكسر – الكبر والعجب، يقال: اختال فهو مختال، وفيه خيلاء ومخيلة وكبر، والخيلاء في الصدقة أن تهزه الأريحية والسخاء فيعطيها طيبة بها نفسه، فلا يستكثر كثيرا ولا يعطى منها شيئا إلا وهو له مستقل، وأما الحرب فأن يتقدم فيها بنشاط وقوة ونخوة وجنان.
стр. 1832
الفصل الثالث
٣٣٢٠ - عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قام رجل، فقال: يا رسول الله! إن فلانا ابني؛ هاهرت بأمه في الجاهلية. فقال رسول الله ﷺ : ((لا دعوة في الإسلام، ذهب أمر الجاهلية، الولد للفراش، وللعاهر الحجر)). رواه أبو داود.
٣٣٢١ - وعنه، أن النبي ﷺ قال: ((أربع من النساء لا ملاعنة بينهن: النصرإنية تحت المسلم، واليهودية تحت المسلم، والحرة تحت المملوك، والمملوكة تحت الحر)) رواه ابن ماجة. [٣٣٢١]
٣٣٢٢ - وعن ابن عباس: أن النبي ﷺ أمر رجلا حين أمر المتلاعنين أن يتلاعنا أن يضع يده عن الخامسة علي فيه، وقال: ((إنها موجبة)). رواه النسائي. [٣٣٢٢]
٣٣٢٣ - وعن عائشة: أن رسول الله ﷺ خرج من عندها ليلا، قالت: فغرت عليه، فجاء، فرأي ما أصنع. فقال: ((مالك يا عائشة! أغرت؟)) فقلت: وما لي لا يغار مثلي علي مثلك. فقال رسول الله ﷺ : ((لقد جاءك شيطانك)) قالت: يا رسول الله! أمعي شيطان؟ قال: ((نعم)). قلت: ومعك يا رسول الله؟ قال: ((نعم! ولكن أعانني الله عليه حتى أسلم)). رواه مسلم.
ــ
الفصل الثالث
الحديث الأول عن عمرو: قوله: ((ابني)) خبر ((إن)). قوله: ((عاهرت)) مستأنف بيان لإثبات الدعوة؛ ولذلك رده ﷺ بقوله: ((لا دعوة في الإسلام)).
الحديث الثاني عن عمرو: قوله ((بينهن)) وبين أزواجهن، ولا بد من هذا التقدير؛ لأن قوله: ((النصرإنية)) إلي آخره تفصيل له.
الحديث الثالث والرابع عن عائشة ﵂: قوله: ((لا يغار)) حال من المجرور و ((مثلي)) وضع موضع الضمير الراجع إلي ذي الحال، وهو من قولهم: مثلك يجود أي أنت تجود، يعني كيف لا يغار من هو علي صفتي من المحبة ولها ضرائر علي من هو علي صفتك من النبوة والمنزلة من الله تعالي، وقد خرج في مثل هذا الوقت من عندها؟ وفي قوله: ((لقد جاءت شيطانك)) إشارة إلي ما مر في حديث جابر بن عتيك من قوله: ((أما التي يبغضها الله فالغيرة في غير ريبة)) يعني كيف تغيرين علي؟ ترين إني أحيف عليك؟ أي ليس هذا بموضع ريبة، وبقية الحديث مضى شرحه في باب الوسوسة.
стр. 1833
(١٥) باب العدة
الفصل الأول
٣٣٢٤ - عن أبي سلمة، عن فاطمة بنت قيس: أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو غائب، فأرسل إليها وكيله الشعير بسخطته، فقال: والله، مالك علينا من شيء. فجاءت رسول الله ﷺ ، فذكرت ذلك له فقال: ((ليس لك نفقة)). فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: ((تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدي عند ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى، تضعين ثيابك فإذا حللت فآذنيني)). قالت: فلما حللت ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطبإني. فقال: ((أما أبو الجهم فلا يضع
ــ
باب العدة
الفصل الأول
الحديث الأول عن أبي سلمة: قوله: ((البتة)) ((قض)): البتة الطلقات الثلاث أو الطلقة الثالثة، فإنها بتة من حيث إنها قاطعة لعلقة النكاح. ((فسخطته)) أي استقلته، يقال: سخط عطاءه، أي استقله ولم يرض به. قوله: ((ليس لك نفقة)) ((مح)): اختلفوا في المطلقة البائن الحامل، هل لها السكنى والنفقة؟ فقال عمر ﵁ وأبو حنيفة وآخرون: لها السكنى والنفقة؛ لقوله تعالي: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وجْدِكُمْ﴾ وأما النفقة فلأنها محبوسة عليه. وقد قال عمر ﵁: ((لا ندع كتاب ربنا بقول امرأة)). وقال ابن عباس وأحمد: لا سكنى لها ولا نفقة، لهذا الحديث. وقال مالك والشافعي وآخرون: لها السكنى، لقوله تعالي: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وجْدِكُمْ﴾ ولا نفقة لها لهذا الحديث؛ ولقوله تعالي: ﴿وإن كُنَّ أُوْلاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ فمفهومه أنهن إذا لم يكن حوامل لا ينفق عليهن. وأجاب هؤلاء عن حديث فاطمة في سقوط السكنى بما قاله سعيد بن المسيب وغيره: إنها كانت امرأة لسنة واستطالت علي أحمائها، فأمرها بالانتقال إلي بيت أم شريك ثم بالانتقال إلي بيت ابن أم مكتوم؛ لأنه لا يبصرها، ولا يتردد إلي بيته من يتردد إلي بيت أم شريك، حتى إذا وضعت ثيابها للتبرز نظروا إليها.
وقد احتج بعض الناس بهذا علي جواز نظر المرأة إلي الأجنبي بخلاف نظره إليها، وهو
стр. 1834
عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له؛ انكحي أسامة بن زيد)) فكرهته، ثم قال: ((انكحي أسامة)) فنكحته، فجعل الله فيه خيرا واغتبطت. وفي رواية عنها: ((فأما أبو جهم فرجل ضراب للنساء)). رواه مسلم. وفي رواية: أن زوجها طلقها ثلاثا، فأتت النبي ﷺ فقال: ((لا نفقة لك إلا أن تكوني حاملا)).
٣٣٢٥ - وعن عائشة، قالت: إن فاطمة كانت في مكان وحش، فخيف علي ناحيتها، فلذلك رخص لها النبي ﷺ – تعني في النقلة – وفي رواية: قالت: ما الفاطمة؟ ألا تتقي الله؟ تعني في قولها لا سكنى ولا نفقة. رواه البخاري.
ــ
ضعيف. والصحيح الذي عليه الجمهور أنه يحرم علي المرأة النظر إلي الأجنبي كما يحرم عليه النظر إليها؛ لقوله تعالي: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ الآية، ولحديث أم سلمة: ((أفعمياوان أنتما؟)) علي ما سبق. وأيضا ليس في هذا الحديث رخصة لها في النظر إليه، بل في أنها آمنة عنده من نظر غيره، وهي مأمورة بغض بصرها عنه. وفيه جواز التعريض بخطبة البائن. وفي قوله: ((فلا يضع العصا عن عاتقه)) كناية عن كثرة الأسفار أو عن كثرة الضرب. وهذا هو الأصح، بدليل الرواية الأخرى أنه ضراب للنساء. وفيه دليل علي جواز ذكر الإنسان بما فيه عند المشاورة وطلب النصيحة، ولا يكون هذا من الغيبة المحرمة.
أبو جهم هذا هو المذكور في حديث الأنبجإنية، غير أبي جهم المذكور في التيمم وفي المرور بين يدي المصلي. وأما إشارته ﷺ بنكاح أسامة؛ فلما علمه من دينه وفضله وحسن طرائقه وكرم شمائله، فنصحها بذلك، فكرهت لكونه مولي أسود جدا. وكرر عليها للحث علي زواجه لما علم من مصلحتها في ذلك، وكان كذلك، ولهذا قالت: ((أغتبطت)) أي صرت بحيث اغتبطني النساء بحظ كان لي منه.
((حس)): فيه دليل علي أن المال معتبر في الكفاءة، وعلي أن الرجل إذا لم يجد نفقة أهله وطلبت المرأة فراقه فرق بينهما، وعلي جواز الخطبة علي خطبة الغير إذا لم تأذن ولم تركن إليه، وعلي جواز تزوج المرأة من غير كفؤ برضاها؛ فإن فاطمة هذه كانت قرشية وأسامة من الموالي.
الحديث الثاني عن عائشة ﵂: قوله: ((وحش)) ((نه)): الوحشة الخلوة والهم، وأوحش المكان إذا صار وحشا، وكذلك توحش والمعنى في مكان خلاء لا ساكن فيه. وقوله:
стр. 1835
٣٣٢٦ - وعن سعيد بن المسيب، قال: إنما نقلت فاطمة لطول لسانها علي أحمائها. رواه في ((شرح السنة)).
٣٣٢٧ - وعن جابر، قال: طلقت خالتي ثلاثا، فأرادت أن تجد نخلها، فزجرها رجل أن تخرج، فأتت النبي ﷺ ، فقال: ((بلي، فجدي نخلك، فإنه عسى أن تصدقي أو تفعلي معروفا)). رواه مسلم,
٣٣٢٨ - وعن المسور بن مخرمة: أن سبيعة الأسلمية نفست بعد وفاة زوجها بليال، فجاءت النبي ﷺ ، فاستأذنته أن تنكح، فأذن لها، فنكحت. رواه البخاري.
٣٣٢٩ - وعن أم سلمة، قالت: جاءت امرأة إلي النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! إن ابنتي توفي عنها زوجها، وقد اشتكت عينها، أفنكحلها؟ فقال رسول الله ﷺ : ((لا)) مرتين أو ثلاثا، كل ذلك يقول: ((لا)). ثم قال: ((إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة علي رأس الحول)). متفق عليه.
ــ
((في قولها: لا سكنى ولا نفقة)) يعني ألا تخاف الله تعالي فاطمة في هذا القول أن لا سكنى للبائن ولا نفقة لها؟ فكيف تستغني بذلك وهو مثل قول عمر: ((لا ندع كتاب ربنا بقول امرأة))؟ وهو يحتمل وجهين: أحدهما: ما ذهب إليه عمر بن الخطاب ﵁ أن لها السكنى والنفقة. وثإنيهما: ما ذهب إليه الشافعي ومالك أن لها السكنى ولا نفقة.
الحديث الثالث والرابع عن جابر: قوله: ((أن تجد)) ((نه)): الجداد – بالفتح والكسر – صرام النخل وهو قطع ثمرتها، يقال: جد الثمرة يجدها جدا – انتهي كلامه. وقوله: ((بلي)) تقرير للنفي أي أتت النبي ﷺ وسألت: أليس يسوغ لي الخروج للجداد؟ فقال: بلي اخرجي فجدي. وقوله: ((فإنه عسى)) تعليل للخروج، ويعلم منه أنه لولا التصدق لما جاز لها الخروج. و ((أو)) في قوله: ((أو تفعلي معروفا)) للتنويع، يعني أن يبلغ مالك نصابا فتؤدي زكاته، وإلا فافعلي معروفا من التصدق والتقرب والتهادي. وفيه أن حفظ المال واقتناءه لفعل المعروف مرخص.
((مح)): فيه دليل علي جواز خروج المعتدة البائنة للحاجة، ولا يجوز لها الخروج في عدة الوفاة، ووافقهم أبو حنيفة في عدة الوفاة.
الحديث الخامس عن أم سلمة: قوله: ((إحداكن ترمي بالبعرة)) ((قض)): كان من عاداتهم في الجاهلية أن المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت بيتا ضيقا، ولبست شر ثيابها، ولم تمس طيبا ولا شيئا في زينة حتى تمر بها سنة، ثم تؤتى بدابة حمار أو شاة أو طير، فتكسر بها ما كانت
стр. 1836
٣٣٣٠ - وعن أم حبيبة، وزينب بنت جحش، عن رسول الله ﷺ ، قال: ((لا يحل لامرأة أن تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد علي ميت فوق ثلاث ليال، إلا علي زوج أربعة أشهر وعشرا)) متفق عيه.
٣٣٣١ - وعن أم عطية، أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تحد امرأة علي ميت فوق ثلاث إلا علي زوج أربعة أشهر وعشرا، ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب، ولا تجتحل، ولا تمس طيبا، إلا إذا طهرت نبذة من قسط أو أظفار)) متفق عليه. وزاد أبو داود: ((ولا تختضب)).
ــ
فيه من العدة بأن تمسح بها قبلها، ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها، وتنقطع بذلك عدتها. فأشار الرسول ﷺ بذلك إلي أن ما شرع في الإسلام للمتوفي عنها زوجها من التربص أربعة أشهر وعشرا في مسكنها، وترك التزين والتطيب في تلك المدة يسير في جنب ما تكابده في الجاهلية. ((حس)): كانت عدة المتوفي عنها زوجها في الابتداء حولا كاملا ثم نسخ بأربعة أشهر وعشرا قوله: ((كل ذلك يقول: لا)) صفة مؤكدة لقوله: ((ثلاثا)).
الحديث السادس عن أم حبيبة: قوله: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله)) نفي بمعنى النهي علي سبيل التأكيد، والوصف بالإيمان إشعار بالتعليل، وأن من آمن بالله وبعقابه لا يجترئ علي مثله من العظائم. والسياق بعبارته إن دل علي اختصاص المؤمن به دل بإشارته وكونه من عظائم الشيءون من مخالفة أمر الله ورسوله علي غيره. هذا معنى قول الشيخ محيي الدين في تأويل الحديث الآتي.
الحديث السابع عن أم عطية: قوله: ((لا تحد)) ((نه)): الحد المنع والفصل بين الشيئين، وأحدث المرأة علي زوجها تحد فهي محد وحاد تحد فهي حاد، إذا حزنت عليه ولبست ثياب الحزن وتركت الزينة. والقسط ضرب من الطيب. وقيل: هو العود، والقسط عقار معروف في الأدوية طيب الريح، تبخر به النفساء والأطفال. والأظفار جنس من الطيب لا واحد له من جنسه. وقيل: واحدة ظفر، وقيل: هو شيء من العطر أسود، والقطعة منه شبيهة بالظفر. والعصب برود يمنية يعصب غزلها، أي يجمع ويشد ثم يصبغ وينسج، فيأتي موشيا لبقاء ما عصب منه أبيض لم يأخذه صبغ، يقال: برد عصب بالتنوين وبالإضافة. وقيل: هي برود مخططة. والعصب الفتل، فيكون النهي للمعتدة بما صبغ بعد النسج. والنبذة بضم النون شيء يسير. ((مح)): القسط والأظفار نوعان من البخور، وليس المقصود بهما الطيب، ورخص في استعمالهما للمغتسلة من الحيض لإزالة الرائحة الكريحة يتبع به أثر الدم لا للتطيب.
стр. 1837
الفصل الثاني
٣٣٣٢ - عن زينب بنت كعب: أن الفريعة بنت مالك بن سنان – وهي أخت أبي سعيد الخدري – أخبرتها أنها جاءت إلي رسول الله ﷺ تسأله أن ترجع إلي أهلها
ــ
وفي الحديث دليل علي وجوب الإحداد علي المعتدة من وفاة زوجها، وهو مجمع عليه في الجملة، وإن اختلفوا في تفصيله، فذهب الشافعي والجمهور إلي التسوية بين المدخول بها وغيرها، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، بكرا أو ثيبا، حرة أو أمة، مسلمة أو كافرة. وقال أبو حنيفة والكوفيون وبعض المالكية: لا يجب علي الكتابية بل يختص بالمسلمة؛ لقوله ﷺ : ((لا مرأة تؤمن بالله واليوم الآخر))، وتأويل الجمهور بأن الاختصاص إنما هو، لأن المؤمن هو الذي يستمر خطاب الشارع عليه وينتفع به وينقاد له.
وقال أبو حنيفة: لا إحداد أيضا علي الصغيرة ولا علي الأمة. وجوابه أن الصغيرة إنما دخلت في الحكم، لكونها نادرة فسلكت في الحكم علي سبيل الغلبة، والتقيد بقوله: ((أربعة أشهر وعشرا)) خرج علي غالب المعتدات اللاتي يعتددن بالأشهر، أما إذا كانت حاملا فعدتها بالحمل ويلزمها الإحداد حتى تضع، سواء قصرت المدة أو طالت.
وقالوا: الحكمة في وجوب الاحداد في عدة الوفاة دون الطلاق، أن الزينة والتطيب يستدعيان النكاح فنهت عنه زجرا؛ لأن الميت لا يتمكن من منع معتدته من النكاح، بخلاف المطلق الحي؛ فإنه يستغنى بوجوده عن زاجر آخر. وجعلت أربعة أشهر؛ لأن فيها ينفخ الروح في الولد، وعشرا للاحتياط.
أقول: الاستثناء في قوله: ((إلا علي زوج)) متصل إذا جعل قوله: ((أربعة أشهر)) منصوبا بمقدر بيانا لقوله: ((فوق ثلاث)) أي أعني أو أذكر، فهو من باب قوله: ما اخترت إلا منكم رفيقا؛ لكون ما بعد ((إلا)) شيئين، فيقدم المفسر – أعني أربعة أشهر – علي الاستثناء، تقديره: لا تحد المرأة علي ميت فوق ثلاث – أعني أربعة أشهر – إلا علي زوج، أو من باب قولك: ما ضرب أحد أحدا إلا زيد عمرا، وإذا جعل معمولا لـ ((تحد)) مضمرا كان أو منقطعا. فالتقدير: لا تحد امرأة علي ميت فوق ثلاث، لكن تحد علي زوج أربعة أشهر.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن زينب: قوله: ((امكثي في بيتك)) ((حس)): اختلفوا في السكنى للمعتدة عن الوفاة. وللشافعي فيه قولان: فعلي الأصح لها السكنى، وبه قال عمر وعثمان وعبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود. وقالوا: إذنه ﷺ لفريعة أولا صار منسوخا بقوله: ((امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله)). وفيه دليل علي جواز نسخ الحكم قبل الفعل. والقول الثاني أن لا سكنى لها بل تعتد حيث شاءت. وهو قول علي وابن عباس وعائشة ﵃؛ لأن النبي ﷺ أذن لفريعة أن ترجع إلي أهلها. وقوله لها آخرا: ((امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله)) أمر استحباب – انتهي كلامه. ((حتى يبلغ الكتاب أجله)) أي حتى تنقضي العدة. وإنما سميت العدة
стр. 1838
في بني خدرة، فإن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا فقتلوه. قالت: فسألت رسول الله ﷺ أن أرجع إلي أهلي فإن زوجي لم يتركني في منزل يملكه ولا نفقة. فقالت: قال رسول الله ﷺ : ((نعم)). فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة أو في المسجد، دعإني، فقال: ((امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله)) قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا. رواه مالك، والترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي. [٣٣٣٢]
٣٣٣٣ - وعن أم سلمة، قالت: دخل علي رسول الله ﷺ حين توفي أبو سلمة وقد جعلت علي صبرا. فقال: ((ما هذا يا أم سلمة!؟)). فقلت: إنما هو صبر ليس فيه طيب. فقال: إنه يشهب الوجه فلا تجعليه إلا بالليل، وتنزعيه بالنهار، ولا تمتشطي بالطيب ولا بالحناء فإنه خضاب)). قلت: بأي شيء أمتشط؟ يا رسول الله! قال: ((بالسدر تغلفين به راسك)) رواه أبو داود، والنسائي. [٣٣٣٣]
ــ
كتابا؛ لأنها فريضة من الله سبحانه وتعالي، كما قال تعالي: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ أي فرض,
الحديث الثاني عن أم سلمة: قوله: ((يشب الوجه)) ((فا)): أي يوقده ويزيد في لونه، من شببت النار إذا أوقدتها، والشبوب ما يوقد به النار. وعلل المنع به؛ لأن فيه تزيينا للوجه وتحسينا له. ((قوله)): ((وتنزعيه بالنهار)) عطف علي قوله: ((فلا تجعليه)) علي معنى واجعليه بالليل وانزعيه بالنهار؛ لأن ((إلا)) في الاستثناء المفرغ لغو، والكلام مثبت، وحذف النون في ((تنزعيه)) للتخفيف، وهو خبر في معنى الأمر. والباء في قوله: ((بالطيب)) حال من المشط؛ لأن التقدير: لا تستعملي المشط مطيبا. وكذا قوله: ((بالسدر))، وقوله: ((تغلفين)) أيضا حال من فاعل ((امتشطي)) أو استئناف بيانا. ((تو)): ((تغلفين)) مفتوحة التاء، والأصل تتغلفين فحذف إحدى التائين، وهو من قولك: تغلف الرجل بالغالية وغلف بها لحيته غلفا من قولك: غلفت القرورة أي جعلتها في الغلاف – انتهي كلامه. وفي جامع الأصول، وفي بعض نسخ المصابيح بضم التاء من التغليف، وهو جعل الشيء غلافا لشيء، والفرق أن التفعيل فيه تكلف. والمعنى لا تكثرين السدر علي شعرك، حتى يصير غلافا له فيحويه، كتغطية الغلاف المغلوف، بخلاف الثاني.
стр. 1839
٣٣٣٤ - وعنها، عن النبي ﷺ قال: ((المتوفي عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب، ولا الممشقة، والا الحلي، ولا تختضب، ولا تكتحل)). رواه أبو داود، والنسائي. [٣٣٣٤]
الفصل الثالث
٣٣٣٥ - عن سليمان بن يسار: أن الأحوص هلك بالشام حين دخلت امرأته في الدم من الحيضة الثالثة، وقد كان طلقها، فكتب معاوية بن أبي سفيان إلي زيد بن ثابت يسأله عن ذلك. فكتب إليه زيد: إنها إذا دخلت في الدم من الحيضة الثالثة فقد برئت منه وبريء منها، لا يرثها ولا ترثه. رواه مالك. [٣٣٣٥]
٣٣٣٦ - وعن سعيد بن المسيب، قال: قال عمر بن الخطاب، ﵁: إيما امرأة طلقت فحاضت حيضة أو حيضتين، ثم رفعتها حيضتها؛ فإنها تنتظر تسعة أشهر، فإن بان بها حمل فذلكن وإلا اعتدت بعد التسعة الأشهر ثلاثة أشهر ثم حلت. رواه مالك. [٣٣٣٦]
ــ
الحديث الثالث عن أم سلمة: قوله: ((المعصفر)) ((قض)): المعصفر المصبوغ بالعصفر، والممشقة المصبوغة بالمشق – بسكر الميم – وهو الطين الأحمر الذي يسمى مغرة. والتإنيث علي إرادة الحلة والثياب.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن سليمان: قوله: ((فقد برئت منه)) فيه تصريح بأن المراد من الأقراء الثلاثة. في قوله تعالي: ﴿والْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ الأطهار.
الحديث الثاني عن سعيد: قوله: ((رفعتها حيضتها)) هكذا وجدنا في الموطأ وجامع الأصول. فـ ((حيضتها)) فاعل ((رفعتها)) والضمير في ((رفعتها)) منصوب بنزع الخافض، أي رفعت حيضتها عنها، أي انقطعت. وقوله: ((فإنها تنتظر)) جواب للشرط. وقوله: ((فذلك)) مبتدأ وخبره محذوف أي فذلك ظاهر حكمه. و ((إن)) في ((إن لا)) شرطية، أي إن لم يتبين حملها اعتدت بعد التسعة ثلاثة أشهر.
صورة المسألة أن الواجب علي ذوات الأقراء أن يتربصن ثلاثة قروء، وعلي ذوات الأحمال وضع الحمل، فظهرت من انقطاع الدم عنها بعد الحيضتين أنها ليست من ذوات الأقراء، ومن
стр. 1840
(١٦) باب الاستبراء
الفصل الأول
٣٣٣٧ - عن أبي الدرداء، قال: مر النبي ﷺ بامرأة مجح، فسأل عنها. فقالوا: أمة لفلان. قال: ((أيلم بها؟)) قالوا: نعم. قال: ((لقد هممت أن ألعنه لعنا يدخل معه في قبره، كيف يستخدمه وهو لا يحل له؟ أم كيف يورثه وهو لا يحل له؟)) رواه مسلم.
ــ
مضي مدة وضع الحمل أنها ليست من ذوات الأحمال أيضا. فظهر أيضا أنها من اللآئي يئسن من المحيض، فوجب التبرص بالأشهر. وأدخل لام التعريف علي ((التسعة)) المضافة، وهو موافق لمذهب الكوفيين نحو الثلاثة الأثواب.
((مح)): من انقطع دمها إن انقطع لعارض يعرف كالرضاع أو نفاس أو داء باطن، صبرت حتى تحيض فتعتد بالأقراء، أو تبلغ سن اليأس فتعتد بالأشهر، ولا يبالي بطول مدة الانتظار. وإن انقطع لا لعلة تعرف فالقول الجديد أنه كالانقطاع لعارض، والقديم أنها تتربص تسعة أشهر، وفي قول: أربع سنين، وفي قول مخرج: ستة أشهر، ثم بعد التربص تعتد بثلاثة أشهر.
باب الاستبراء
المغرب: برئ من الدين والعيب براءة، ومنه استبراء الجارية طلب براءة رحمها من الحمل.
الفصل الأول
الحديث الأول عن أبي الدرداء: قوله: ((بامرأة مجح)) ((قض)): المجح – الجيم قبل الحاء – الحمل المقرب التي دنت ولادتها، من أجحت السبعة إذا عظمت بطنها ودنت ولادتها. والإلمام بالمرأة من كنايات الوطء. وإنما هم بلعنه؛ لتركه الاستبراء، فإنه إذا ألم بأمته التي يملكها وهي حامل، كان تاركا للاستبراء. وقوله: ((كيف يستخدمه)) إلي آخره إشارة إلي ما في ترك الاستبراء من المعنى المقتضي للعن، والضمير المنصوب في ((يستخدمه ويورثه)) للولد.
وبيانه أنه إذا لم يستبرئ وألم بها، فأتت بولد بزمان يمكن أن يكون منه، وأن يكون ممن ألم بها قبله، فإن استخدمه استخدام العبيد فلعله كان منه، فيكون مستعبدا لولده قاطعا لنسبه عن نفسه فيستحق اللعن. وإن استحلقه وادعاه لنفسه فلعله لم يكن منه، فيكون مورثه وليس له أن يورثه، فيستحق اللعن.
((شف)): الضمير المرفوع في قوله: ((وهو لا يحل له)) عائد إلي مصدر ((يستخدمه ويورثه)) الدالين عليه، أي كيف يستخدمه والاستخدام لا يحل له؟ أم كيف يورثه والتوريث لا يحل له؟ أقول: ((أم)) في قوله: ((أم كيف يورثه)) منقطعة إضراب عن الإنكار إلي أبلغ منه.
стр. 1841
٣٣٣٨ - عن أبي سعيد الخدري، رفعه إلي النبي ﷺ ، قال في سبايا اوطاس: ((لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة)) رواه أحمد، وأبو داود، والدارمي. [٤٣٣٨]
ــ
الفصل الثاني
الحديث الأول عن أبي سعيد: قوله: ((في سبايا)) ((حس)) فيه أنواع من الفقه، منها: أن الزوجين إذا سبيا أو أحدهما يرتفع بينهما النكاح، ولم يختلف العلماء في سبي أحد الزوجين دون الآخر أنه يوجب ارتفاع النكاح؛ لأن النبي ﷺ أباح وطأهن بعد وضع الحمل أو مرور حيضة بها، من غير فصل بين ذوات أزواج وغيرها، وبين من سبيت منهن مع الزوج أو وحدها، وكان في ذلك السبي كل هذه الأنواع، فدل أن الحكم في جميع ذلك واحد، والي هذا ذهب مالك والشافعي، وقال أصحاب أبي حنيفة: إذا سبيا معا فهما علي نكاحهما.
ومنها: أن وطء الحبالي من السبايا لا يجوز. ومنها: بيان أن استبراء الحامل يكون بوضع الحمل، واستبراء غير الحامل ممن كانت تحيض بحيضة بخلاف العدة؛ فإنها تكون بالأطهار؛ لأن النبي ﷺ قال في حديث عمر: ((يطلقها طاهرا قبل أن يمسها، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء)) فجعل رسول الله ﷺ العدة بالأطهار والاستبراء بالحيض. ومنها: بيان أنه لا بد من حيضة كاملة بعد حدوث الملك، حتى لو اشتراها وهي حائض لا يعتد بتلك الحيضة. وقال الحسن: إذا اشتراها حائضا أجرأت عن الاستبراء. وإن كانت الأمة ممن لا تحيض فاستبراؤها بمضي شهر. وقال الزهري: بثلاثة أشهر. وفيه مستدل لمن ذهب إلي أن الحامل لا تحيض، وأن الذم الذي تراه الحامل لا يكون حيضا، وإن كان في حينه وعلي وصفه؛ لأن النبي ﷺ جعل الحيض دليل براءة الرحم. وفيه أن استحداث الملك في الأمة يوجب الاستبراء، سواء كانت بكرا أو ثيبا تملكها من رجل أو امرأة. وكذلك المكاتبة إذا عجزت، والمبيعة إذا عادت إلي بائعها بإقالة، أو ردت بعيب، فل يحل وطأها إلا بعد الاستبراء.
واتفق أهل العلم علي تحريم الوطء علي المالك في زمان الاستبراء. واختلفوا في المباشرة سوى الوطء. فذهب قوم إلي تحريمها وهو كالوطء. وهو قول الشافعي، وله قول آخر إنها تحرم في المشتراة ولا تحرم في المسبية؛ لأن المشتراة ربما تكون حاملا بولد الغير فلم يملكها المشتري، والحمل في المسبية لا يمنع الملك والله أعلم.
стр. 1842
٣٣٣٩ - وعن رويفع بن ثابت الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ يوم حنين: ((لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه. زرع غيره)) يعني إتيان الحبالي ((ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقع علي امرأة من السبي حتى يستبرئها، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيع مغنما حتى يقسم)) رواه أبو داود. ورواه الترمذي إلي قوله ((زرع غيره)). [٣٣٣٩]
الفصل الثالث
٣٣٤٠ - عن مالك، قال: بلغني أن رسول الله ﷺ كان يأمر باستبراء الإماء بحيضة إن كانت ممن تحيض، وثلاثة أشهر إن كانت ممن لا تحيض، وينهي عن سقي ماء الغير.
٣٣٤١ - وعن ابن عمر: أنه قال: إذا وهبت الوليدة التي توطأ، أو بيعت، أو أعتقت فلتسبرئ رحمها بحيضة ولا تستبرئ العذراء)) رواهما رزين.
ــ
الفصل الثالث
الحديث الأول عن مالك: قوله: ((وثلاثة أشهر إن كانت ممن لا تحيض)) ((مح)): إن كانت المشتراة من ذوات الأشهر فهل تستبرئ بشهر أم بثلاثة؟ قولان، أظهرهما عند الجمهور بشهر؛ لأنه بدل قرء. ورجح صاحب المهذب وجماعة الثلاثة.
الحديث الثاني عن ابن عمر ﵄: قوله: ((ولا يستبرئ العذراء)) أي البكر. ((مح)): سبب الاستبراء حصول الملك، فمن ملك جارية بإرث أو هبة أو غيرهما لزمه استبراؤها، سواء كان الانتقال إليه ممن يتصور اشتغال الرحم بمائه، أو ممن لا يتصور كامرأة وصبي ونحوهما، وسواء كانت الأمة صغيرة أو آيسة أو غيرهما بكرا أو ثيبا، وسواء استبرأها البائغ قبل البيع أم لا. وعن ابن شريح في البكر أنه لا يجب. و (عن المزنى) * في الزنا أنه إنما يجب استبراء الحامل والموطوءة. قال الرويإني: وأنا أميل إلي هذا. واحتج الشافعي بإطلاق الأحاديث في سبايا أوطاس، مع العلم بأن فيهن الصغار والأبكار والأثياب.
стр. 1843
(١٧) باب النفقات وحق المملوك
الفصل الأول
٣٣٤٢ - عن عائشة [﵂] قالت: إن هندا بنت عتبة، قالك: يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي، إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم. فقال: ((خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)) متفق عليه.
ــ
باب النفقات وحق المملوك
((غب)): نفق الشيء مضى ونفذ، ونفقت الدرهم تنفق، والنفقة اسم لما ينفق، قال تعالي: ﴿ومَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ﴾.
الفصل الأول
الحديث الأول عن عائشة ﵂: قوله: ((ما يكفيني وولدي)) قال الحريري في درة الغواص: فإن قيل: كيف جاز العطف علي المضمرين المرفوع والمنصوب بغير تكرير، وامتنع العطف علي المضمر المجرور إلا بالتكرير؟ فالجواب عنه أنه لما جاز أن يعطف الظاهر عليهما، ولما لم يجز أن يعطف المضمر المجرور علي الظاهر إلا بتكرير الجار في مثل قولك: مررت بزيد وبك، لم يجز أن يعطف الظاهر علي المضمر إلا بتكريره أيضا، نحو مررت بك وبزيد وهذا من لطائف علم العربية ومحاسن الفروق النحوية. قوله: ((شحيح)) هو فعيل من الشح، ومعناه البخل مع حرص، وذلك فيما كان عادة لا عارض قال تعالي: ﴿وأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ﴾.
((مح)): فيه فوائد، منها: وجوب نفقة الزوج، ومنها: وجوب نفقة الأولاد الصغار. ومنها: أن نفقة القريب مقدرة بالكفاية، ونفقة الزوجة مقدرة بالأمداد، علي الموسر كل يوم مدان، وعلي المعسر مد، وعلي المتوسط مد ونصف. وهذا الحديث يرده. ومنها: جواز سماع كلام الأجنبية عند الإفتاء والحكم، وكذا ما في معناه ومنها: جواز ذكر الإنسان بما يكرهه إذا كان للاستفتاء. ومنها: أن من له علي غيره حق وهو عاجز عن استيفائه يجوز له أن يأخذ من ماله قدر حقه بغير إذنه، ومنعه مالك وأبو حنيفة. ومنها: جواز إطلاق الفتوى والمراد تعليقها، ولا يفتقر أن يقول المفتى: إذا ثبت ما ذكرت يكون كذا، كما أطلق النبي ﷺ . ولو علق فلا بأس. ومنها: أن للمرأة مدخلا في كفالة أولادها والإنفاق عليهم من مال أبيهم. قال أصحابنا: هل لها الاستقلال بالأخذ من ماله بغير إذن القاضي؟ فيه وجهان مبنيان علي وجهين لأصحابنا، بناء علي أن إذن النبي ﷺ لهند كان إفتاء أو قضاء؟ والأصح الأول، فتجري في
стр. 1844
٣٣٤٣ - وعن جابر بن سمرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أعطى الله أحدكم خيرا فليبدأ بنفسه وأهل بيته)) رواه مسلم.
٣٣٤٤ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق)) رواه مسلم.
ــ
كل امرأة أشبهتها وعلي الثاني وهو أن يكون قضاء لا يجري علي غيرها إلا بإذن القاضي. ومنها: الاعتماد علي العرف في الأمور التي ليس فيها تحديد شرعي. ومنها: جواز خروج الزوجة من بيتها لحاجتها إذا أذن لها زوجها، أو علمت رضاه به. واستدل به جماعة علي جواز القضاء علي الغائب، وليس بذلك؛ لأن هذه القضية كانت إفتاء لا قضاء كما مر.
((حس)): ومنها: أن القاضي له أن يقضي بعلمه؛ لأن النبي ﷺ لم يكلفها بالبينة. ومنها: أنه يجوز أن يبيع ما ليس من جنس حقه، فيستوفي حقه من ثمنه. وذلك لأن من المعلوم أن منزل الرجل الشحيح لا يجمع كل ما يحتاج إليه أهله وولده من النفقة والكسوة وسائر المرافق التي تلزمه لهم. وهذا قول الشافعي. وفيه دليل علي أنه يجب علي الرجل نفقة الوالدين والمولودين؛ لأنه إذا وجب عليه نفقة ولده فوجوب نفقة والده عليه مع عظم حرمته أولي، ولا تجب نفقة من كان منهم موسرا أو قويا سويا يمكنه تحصيل نفقته. ولا تجب نفقة غيرهما من الأقارب. وإذا احتاج الأب المعسر * إلي نكاح، فعلي الولد إعفافه بأن يعطيه مهر امرأة، أو ثمن جارية ثم عليه نفقتها، ولا يجب علي الأب إعفاف ولده.
الحديث الثاني والثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((طعامه وكسوته)) يجوز أن تكون الإضافة فيهما إلي المفعول، وعليه كلام المظهر، قال: يجب علي السيد نفقة رقيقة خبزا وإداما قدر ما يكفيه من غالب قوت مماليك البلد وغالب الإدام والكسوة، وأن يكون إلي الفاعل، وعليه ظاهر الحديث الآتي، وأوله محيي السنة بقوله: هذا خطاب مع العرب الذين لبوس عامتهم وأطعمتهم متقاربة، يأكلون الجشب ويلبسون الخشن. والجشب هو الغليظ الخشن من الطعام. ((مح)): الأمر بإطعامهم مما يأكل السيد وإلباسهم محمول علي الاستحباب، ويجب علي السيد نفقة المملوك وكسوته بالمعروف بحسب البلدان والأشخاص، سواء كان من جنس نفقة السيد ولباسه أو دونه أو فوقه، حتى لو قتر السيد علي نفسه تقتيرا جارجا عن عادة إمثاله، إما زهدا وإما شحا، لا يحل له التقتير علي المملوك، وإلزامه بموافقته إلا برضاه.
قوله: ((إلا ما يطيق)) ((حس)): يعني إلا ما يطيق الدوام عليه، لا ما يطيق يوما أو يومين أم ثلاثة ونحو ذلك، ثم يعجز، وجملة ذلك ما لا يضر ببدنه الضرر البين.
стр. 1845
٣٣٤٥ - وعن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن جعل الله أخاه تحت يديه فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس، ولا يكلفه من العمل ما يغلبه؛ فإن كلفه ما يغلبه فليعنه عليه)) متفق عليه.
٣٣٤٦ - وعن عبد الله بن عمرو جاءه قهرمان له، فقال له: أعطيت الرقيق قوتهم؟ قال: لا. قال: فانطلق فأعظهم؛ فإن رسول الله ﷺ قال: ((كفي بالرجل إثما أن يحبس عمن يملك قوته)). وفي رواية: ((كفي بالمرء إثما أن يضيع من يقوت)) رواه مسلم.
٣٣٤٧ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا صنع لأحدكم خادمه طعامه، ثم جاءه به وقد ولي حره ودخانه فليقعده معه فليأكل، وإن كان الطعام مشفوها قليلا فليضع في يده منه أكلة أو أكلتين)) رواه مسلم.
ــ
الحديث الرابع عن أبي ذر ﵁: قوله: ((إخوانكم)) فيه وجهان: أحدهما: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي مماليككم إخوانكم، واعتبار الأخوة إما من جهة آدم أي إنكم متفرعون من أصل واحد، أو من جهة الدين؛ فيكون قوله: ((جعلهم الله)) حالا، لما في الكلام من معنى التشبيه. ويجوز أن يكون مبتدأ، ((وجعلهم الله)) خبر، فعلي هذا ((إخوانكم)) مستعار لطي ذكر المشبه. وفي تخصيص الذكر بالأخوة إشعار بعلة المواساة في الارتفاق، وأن ذلك مستحب؛ لأنه وارد علي سبيل التعطف عليهم، وهو غير واجب، وناسب لهذا أن يقال: فليعنه؛ لأن الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه المسلم.
الحديث الخامس عن عبد الله: قوله: ((أن يحبس (()) ((مظ)): ((أن)) مع ما بعده مبتدأ، و ((كفي)) خبر مقدم مثل بئس رجلا زيدن أو خبر مبتدأ محذوف. و ((إثما)) تمييز. قوله: ((فهرمان)) ((نه)): هو الخازن والوكيل الحافظ لما تحت يده، والقائم بأمور الرجل بلغة الفرس. وقوله: ((يقوت)) من قاته يقوته إذا أعطاه قوته، ويقال: أقاته يقيته أراد من تلزمه نفقته من أهله وعياله وعبيده.
الحديث السادس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((وقد ولي حره)) ((تو)): ((ولي)) يجوز أن يكون من الولاية، أي تولي ذلكن وأن يكون من الولاء وهو القرب والدنو. والمعنى أنه قاسى كلفه إيجاده وحملها عنك، فينبغي أن تشاركه في الحظ منه. ((فا)): المشفوه القليل، وأصله الماء الذي كثرت عليه الشفاه حتى قل. وقيل: أراد أن كان مكثورا عليه، أي كثرت عليه أكلته. و ((الأكلة)) بالفتح اللقمة. ((تو)): قول من يفسر المشفوه بالقليل فـ ((قليلا)) بدل منه،
стр. 1846
٣٣٤٨ - وعن عبد الله بن عمر [﵄] أن رسول الله ﷺ قال: ((إن العبد إذا نصح لسيده، وأحسن عبادة الله؛ فله أجره مرتين)) متفق عليه.
٣٣٤٩ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((نعما للمملوك أن يتوفاه الله بحسن عبادة ربه وطاعة سيده، نعما له)) متفق عليه.
٣٣٥٠ - وعن جرير، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة)).وفي رواية عنه قال: ((أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم)) رواه مسلم.
٣٣٥١ - وعن أبي هريرة، قال: سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: ((من قذف مملوكة وهو بريء مما قال؛ جلد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال)) متفق عليه.
ــ
ويحتمل أن يكون تفسيرا له. ((مح)): الرواية ((الأكلة)) بضم الهمزة وفيه الحث علي مكارم الأخلاق والمواساة في الطعام، لاسيما في حق من صنعه وحمله؛ لأنه ولي حرة ودخانه، وتعلقت به نفسه وشم رائحته، وهذا كله محمول علي الاستحباب.
الحديث السابع عن عبد الله بن عمر ﵄: قوله: ((إذا نصح لسيده)) يقال: نصحته ونصحت له، واللام مزيدة للمبالغة، ونصيحته العبد للسيد امتثال أمره، والقيام علي ما عليه من حقوق سيده.
الحديث الثامن عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((نعما للمملوك)) فيه ثلاث لغات: أحدهما: كسر النون مع إسكان العين، والثانية كسرها، والثالثة فتح النون مع كسر العين. و ((ما)) في ((نعما)) نكرة غير موصولة ولا موصوفة بمعنى شيء، و ((أن يتوفاه)) مخصوص بالمدح، تقديره: نعم شيء للمملوك توفيه إياه.
الحديث التاسع عن جرير: قوله: ((فقد برئت منه الذمة)) ((مظ)): يعني إذا أبق إلي ديار الكفار وارتد فقد بريء منه عهد الإسلام ويجوز قتله، وإن أبق إلي بلد من بلاد الإسلام لا علي نية الارتداد لا يجوز قتله، بل هو وارد علي سبيل التهديد والمبالغة في جواز ضربه. ((وكفر)) أي ستر نعمة السيد عليه – انتهي كلامه. وقوله: ((لم تقبل له صلاة)) أي لا تكون عند الله مقبولة، وإن كانت مجزئة في الشرع.
الحديث العاشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((إلا أن يكون كما قال)) الاستثناء
стр. 1847
٣٣٥٢ - وعن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من ضرب غلاما له حدا لم يأته، أو لطمه؛ فإن كغارته أن يعتقه)) رواه مسلم.
٣٣٥٣ - وعن أبي مسعود الأنصاري، قال: كنت أضرب غلاما لي، فسمعت من خلفي صوتا: ((اعلم أبا مسعود! لله أقدر عليك منك عليه)) فالتفت فإذا هو رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله! هو حر لوجه الله. فقال: ((أما لو لم تفعل للفحتك النار – أو لمستك النار -)) رواه مسلم.
ــ
مشكل؛ لأن قوله: ((وهو بريء)) يأباه، اللهم إلا أن يأول قوله: ((برىء)) أي يعتقد أو يظن براءته ويكون العبد كما في قذفه لا ما اعتقده، فحينئذ لا يجلد لكونه صادقا فيه. وفيه أن مرجع الصدق والكذب إلي مطابقة الواقع لا اعتقاد المخبر. ولو رجع إلي اعتقاد المخبر لترتب عليه الجلد. ((مح)): فيه إشارة إلي أنه لا حد علي قاذف العبد في الدنيا، وهذا مجمع عليه، لكن يعزر قاذفه؛ لأن العبد ليس بمحصن، سواء فيه من هو كامل الرق أو شائبة الحرية، كالمدبر والمكاتب وأم الولد
الحديث الحادي عشر والثاني عشر عن أبي مسعود الأنصاري: قوله: ((لم يأته)) صفة ((حدا)) والضمير المنصوب راجع إليه أي لم يأت بموجبه، فحذف المضاف وهو تقييد لما أطلق في الحديث الآتي لأبي مسعود. قوله: ((لله أقدر)) علق عمل ((اعلم)) باللام الابتدائية، و ((اله)) مبتدأ و ((أقدر)) خبره و ((عليك)) صلة ((أقدر)) و ((منك)) أي من قدرتك، كما ذهب إليه المظهر؛ لأن المعنى يأباه، بل هو حال من الكاف، أي أقدر منك حال كزنك قادرا عليه، أو متعلق بمحذوف علي سبيل البيان، كأنه لما قيل: ((الله أقدر عليك منك)). قيل: قدرتك علي من؟ قيل: عليه. كما في قوله تعالي: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ الكاشف ((معه)) لا يخلو إما أن يتعلق ب ((بلغ)) أو ب ((السعي)) أو بمحذوف، ولا يصح تعلقه ب ((بلغ)) لاقتضائه بلوغها معا حد السعي لأن صلة المصدر لا تتقدم عليه، فبقي أن يكون بيانا كأنه لما قال: فلما بلغ معه الحد الذي قدر فيه علي السعي قيل: مع من؟ قال: مع أبيه. وهذا أسلوب غريب يقرب في التفضيل من قولهم: العسل أحلي من الخل. ((مح)): فيه الحث علي الرفق بالمماليك وحسن صحبتهم. وأجمع المسلمون علي أن عتقه بهذا ليس واجبا وإنما هو مندوب، رجاء كفارة ذنبه وإزالة إثم ظلمه.
стр. 1848
الفصل الثاني
٣٣٥٤ - عن عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: إن لي مالا، وإن والدي يحتاج إلي مالي. قال: ((أنت ومالك لوالدك، إن أولادكم من أطيب كسبكم، كلوا من كسب أولادكم)) رواه أبو داود، وابن ماجه. [٣٣٥٤]
٣٣٥٥ - وعنه، عن أبيه، عن جده: أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: إني فقير ليس لي شيء، ولي يتيم. فقال: ((كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبادر ولا متأثل)) رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه. [٣٣٥٥]
ــ
الفصل الثاني
الحديث الأول عن عمرو: قوله ((إن أولادكم من أطيب كسبكم)) ((قض)): أي من أطيب ما وجد بسببكم وبتوسط سعيكم، أو اكتساب أولادكم من أطيب كسبكم، فحذف المضاف.
وفي الحديث دليل علي وجوب نفقة الوالد علي ولده، وأنه لو سرق شيئا من ماله أو ألم بأمته، لا حد عليه؛ لشبهة الملك. أقول: لا حاجة إلي التقدير؛ لأن قوله: ((أولادكم من أطيب كسبكم)) خطاب عام، وتعليل لقوله: ((أنت ومالك لوالدك)) وإذا كلن الولد كسبا للوالد لا بمعنى أنه طلبه وسعى في تحصيله؛ لأن الكسب معناه الطلب والسعي في تحري الرزق والمعيشة والمال تبع له، كأن الولد نفس الكسب مبالغة. وقد أشار إليه التنزيل بقوله: ﴿وعَلي المَوْلُودِ لَهُ﴾ سماه مولودا له إذانا لأن الوالدات إنما ولدن لهم؛ ولذلك ينسبون إليهم، وأنشد للمأمون بن الرشيد:
فإنما أمهات الناس أوعية مستودعات والآباء أبناء
فإن قلت: الانتقال من قوله: أنت ومالك لوالدك، إلي قوله: ((إن أولادكم من أطيب كسبكم)) هل يسمى التفاتا؟ قلت: لا؛ لأنه ليس انتقالا من إحدى الصيغ الثلاثة إلي الأخرى – أعني الحكاية والخطاب والغيبة – لمفهوم واحد، بل هو انتقال من الخاص إلي العام فيكون تلوينا للخطاب.
الحديث الثاني عن عمرو بن شعيب: قوله: ((ولي يتيم)) ((قض)): أضاف اليتيم إلي نفسه؛ لأنه كان قيمه، ولذلك رخص له أن يأكل من ماله بالمعروف، فلا يسرف في الأكل فيأكل منه أكثر مما يحتاج إليه، ولا يبذر فيتخذ منه أطعمة لا تليق بالفقراء ويعد ذلك تبذيرا منهم. وروي ((ولا مبادر)) بالدال غير المعجمة، أي من استعجال ومبادرة إلي أخذه قبل أن يفتقر إليه
стр. 1849
٣٣٥٦ - وعن أم سلمه، عن النبي ﷺ أنه كان يقول في مرضه: ((الصلاة وما ملكت أيمانكم)) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [٣٣٥٦]
٣٣٥٧ - وروى أحمد، وأبو داود عن علي نحوه. [٣٣٥٧]
ــ
مخافة أن يبلغ الصبي فينتزع ماله من يده. ((ولا متأثل)) أي جامع مالا من اليتيم، مثل أن يتخذ من ماله رأس المال من قوله تعالي: ﴿ولا تَأْكُلُوهَا إسْرَافًا وبِدَارًا﴾.
فإن قلت: أين الموافقة، فإن قوله: ((ولا متأثل)) ليس في التنزيل؟ قلت: لعله كالتفسير لقوله: ((ولا مبادر)) أي يبادر في تصرف مال اليتيم ويجعله رأس المال؛ ليربح به مخافة أن يبلغ فينتزع ماله من يده، فإذا بلغ أعطاه رأس ماله، واخذ الربح لنفسه. وقوله: ((ليس لي شيء)) صفة مؤكدة ل ((فقير)) علي تفسير الشافعي للفقير، ومميزة علي تفسير أبي حنيفة له.
الحديث الثالث عن أم سلمه: قوله: ﴿ومَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ((نه)): يريد الإحسان إلي الرقيق والتخفيف عنهم. وقيل: أراد حقوق الزكاة وإخراجها من الأموال التي تملكها الأيدي، كأنه علم بما يكون من أهل الردة وإنكارهم وجوب الزكاة وامتناعهم من أدائها إلي القائم بعده، فقطع حجتهم بأن جعل آخر كلامه الوصية بالصلاة والزكاة. فعقل أبو بكر ﵁ هذا المعنى حتى قال: ((لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة)). ((مظ)): وإنما قال: أراد به الزكاة؛ لأن القرآن والحديث إذا ذكر فيهما الصلاة فالغالب ذكر الزكاة بعده.
((قض)): وفي حذف الفعل – وهو إما ((أحفظوا)) أي أحفظوها بالمواظبة عليها وما ملكت أيمانكم بحسن الملكية والقيام بما يحتاجون إليه من الكسوة والطعام، أو ((احذروه)) أي احذروا تضييعها وخافوا ما رتب عليه من العذاب – تفخيم للأمر وتعظيم لشأنه.
((تو)): الأظهر أنه أراد بما ملكت أيمانكم المماليك، وإنما قرنه بالصلاة ليعلم أن القيام بمقدار حاجتهم من الكسوة والطعام واجب علي من ملكهم وجوب الصلاة التي لا سعة في تركها، وقد ضم العلماء البهائم المستملكة في هذا الحكم إلي المماليك. وإضافة الملك إلي اليمين كإضافة إلي اليد والاكتساب، والأملاك تضاف إلي الأيدي لتصرف المالك فيها وتمكنه من تحصيلها باليد، وإضافتها إلي اليمين أبلغ وأقعد من إضافتها إلي اليد؛ لكون اليمين أبلغ في القوة والتصرف وأولي بتناول ما كرم وطاب. وإن لي فيه وجها آخر. وهو أن المماليك خصوا بالإضافة إلي الأيمان تنبيها علي شرف الإنسان وكرامته، وتبيينا لتفصيله علي سائر أنواع ما يقع عليه اسم الملك، وتمييزا له بلفظ اليمين ععن جميع ما احتوته الأيدي واشتملت عليه الأملاك.
٣٣٥٨ - وعن أبي بكر الصديق [﵁]، عن النبي ﷺ قال: ((لا يدخل الجنة سيء الملكة)) رواه الترمذي، وابن ماجه. [٣٣٥٨]
٣٣٥٩ - وعن رافع بن مكيث، أن النبي ﷺ قال: ((حسن الملكة يمن، وسوء الخلق شؤم)). رواه أبو داود. ولم أر في غير ((المصابيح)) ما زاد عليه فيه من قوله: ((والصدقة تمنع ميتة السوء، والبر زيادة العمر)). [٣٣٥٩]
ــ
стр. 1850
أقول: والذي يقتضيه ضيق المقام من توصية أمته في آخر عهده، أن يقدر ((احذروا)) كقولهم: أهلك والليل، ورأسك والسيف، وان يكون الحديث من جوامع الكلم، فناب ب ((الصلاة)) عن جميع المأمورات والمنهيات ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهي عَنِ الفَحْشَاءِ والْمُنكَرِ﴾ وب ﴿مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم﴾ عن جميع ما يتصرف فيه ملكا وقهرا؛ ولذلك خص اليمين كما في قول الشاعر:
وكنا الأيمنين إذا التقينا وكان الأيسرين بنو أبينا
فنبه بالصلاة علي تعظيم أمر الله، وب ﴿مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم﴾ علي الشفقة علي خلق الله؛ ولأن ((ما)) عام في ذوي العلم وغيرهم، وإذا خص بذوي العلم يراد به الصفة، وهي تحتمل التعظيم والتحقير، فحمله علي المماليك يقتضي تحقير شأنهم وكونهم مسخرين لمواليهم، والوجه الأول أوجه لعمومه، فيدخل المماليك فيه أيضا.
الحديث الرابع عن أبي بكر الصديق ﵁ قوله: ((سيء الملكة)) ((نه)): أي الذي يسيء صحبة المماليك، يقال: فلان حسن الملكة إذا كلن حسن الصنيع إليهم. أقول: معنى سوء الملكة يدل علي سوء الخلق، وهو شؤم، والشؤم يورث الخذلان ودخول النار، ولذلك قوبل في الحديث الآتي سوء الخلق بحسن الملكة.
الحديث الخامس عن رافع: قوله: ((حسن الملكة يمن)) ((قض)): أي يوجب اليمن؛ إذ الغالب أنهم إذا رأف بهم السيد وأحسن إليهم، كانوا أشفق عليه وأطوع له وأسعى في حقه، وكل ذلك يؤدي إلي اليمن والبركة. وسوء الخلق يورث البغض والنفرة ويثير اللجاج ولعناد، وقصد الأنفس والأحوال.
قوله: ((ميتة السوء)) ((نه)): الميتة – بكسر الميم – الحالة التي يكون عليها الإنسان من موته كالجلسة والركبة، يقال: فلان مات ميتة حسنة أو سيئة. وقوله: ((البر زيادة في العمر)) يحتمل أنه أراد بالزيادة البركة فيه؛ فإن الذي بورك له في عمره يتدارك في اليوم الواحد من
стр. 1851
٣٣٦٠ - وعن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا ضرب أحدكم خادمه فذكر الله، فارفعوا أيديكم)). رواه الترمذي، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) لكن عنده ((فليمسك)) بدل ((فارفعوا أيديكم)). [٣٣٦٠]
٣٣٦١ - وعن أبي أيوب، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة)) رواه الترمذي، والدارمي. [٣٣٦٢]
٣٣٦٢ - وعن علي [﵁]، قال: وهب لي رسول الله ﷺ غلامين أخوين، فبعث أحدهما، فقال لي رسول الله ﷺ : ((يا علي! ما فعل غلامك؟)) فأخبرته. قال: ((رده رده)). رواه الترمذي، وابن ماجه. [٣٣٦٢]
٣٣٦٣ - وعنه، أنه فرق بين جارية وولدها، فنهاه النبي ﷺ ن ذلك، فرد البيع. رواه أبو داود منقطعا. [٣٣٦٣]
ــ
فضل الله ورحمته ما لا يتداركه غيره في السنة من سني عمره، أو أراد أن الله جعل ما علم منه من البر سببا للزيادة في العمر. وسماه زيادة باعتبار طول عمره، وذلك كما جعل التداوي سببا للسلامة والطاعة سببا لنيل الدرجات، وكل ذلك كان مقدرا كالعمر.
الحديث السادس عن أبي سعيد: قوله: ((فذكر الله)) عطف علي الشرط، وجوابه ارفعوا هذا إذا كان الضرب لتأديبه، وأما إذا كان حدا فلا، وكذا استغث مكرا.
الحديث السابع والثامن والتاسع عن علي ﵁: قوله: ((من فرق بين والدة)) أراد به التفريق بين الجارية وولدها بالبيع والهبة وغيرهما. ((حس)): وكذلك حكم الجدة وحكم الأب والجد، وأجاز بعضهم البيع مع الكراهة. وإليه ذهب أصحاب أبي حنيفة كما يجوز التفريق بين البهائم. وقال الشافعي: وإنما كره البيع بين السبايا، فأما لولد فلا بأس.
ورخص أكثرهم في التفريق بين الأخوين في البيع، ومنع بعضهم لحديث علي ﵁. واختلفوا في حد الكبر المبيح للتفريق، قال الشافعي: هو أن يبلغ سبع سنين أو ثمان. وقال الأوزاعي: حتى يستغني عن أبيه. وقال مالك: حتى يثغر. وقال أصحاب أبي حنيفة: حتى يحتلم. وقال أحمد: لا يفرق بينهما وإن كبر واحتلم. وجوز أصحاب أبي حنيفة التفريق
стр. 1852
٣٣٦٤ - وعن جابر، عن النبي ﷺ قال: ((ثلاث من كن فيه يسر اله حتفه، وأدخله جنته: رفق بالضعيف، وشفقة علي الوالدين، وإحسان إلي المملوك)) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب.
٣٣٦٥ - وعن أبي أمامة، أن رسول الله ﷺ وهب لعلي غلاما، فقال: ((لا تضربه فإني نهيت عن ضرب أهل الصلاة، وقد رأيته يصلي)). هذا لفظ ((المصابيح))
٣٣٦٦ - وفي ((المجتبى)) للدراقطني: أن عمر بن الخطاب [﵁]، قال: نهانا رسول الله ﷺ عن ضرب المصلين.
٣٣٦٧ - وعن عبد الله بن عمر [﵄]، قال: جاء رجل إلي النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! كم نعفو عن الخادم؟ فسكت، ثم أعاد عليه الكلام، فصمت، فلما كانت الثالثة قال: ((أعفوا عنه كل يوم سبعين مرة)) رواه أبو داود.
ــ
بين الأخوين الصغيرين، فإن كان احدهما لا يجوز. ((شف)): لم يفرق لني ﷺ في الحديث بين الوالدة ولولد بلفظة ((بين)) وفرق في جزائه حيث كرر ((بين)) في الثاني؛ ليدل علي عظم هذا الأمر، وأنه كما لا يجوز التفريق بينهما في اللفظ بالبين فكيف التفريق بين ذواتهما؟.
أقوال: قال الحريري في درة الغواص: ومن أوهام الخواص أن يدخلوا ((بين)) بين المظهرين وهو وهم، وإنما أعادوا بين المظهر والمضمر قياس علي المجرور بالحرف، كقوله تعالي: ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ والأَرْحَامَ﴾ لأن الضمير المتصل كاسمه، فلا يجوز العطف علي جزء الكلمة، بخلاف المظهر لاستقلاله.
الحديث العاشر عن جابر: قوله: ((حتفه)) ((نه)): يقال: مات حتف أنفه وهو أن بموت علي فراشه، كأنه سقط لأنفه فمات، والحتف الهلاك، كانوا يتخيلون أن روح المريض تخرج من أنفه، فإن جرح خرجت من جراحته.
الحديث الحادي عشر عن أبي أمامة: قوله: ((نهيت عن ضرب أهل الصلاة)) وذلك أن المصلي غالبا لا يأتي بما يستحق عليه الضرب؛ لأن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر، فإذا كان الله رفع عنه الضرب في الدنيا نرجو من كرمه ولطفه في الآخرة بدخول النار ((ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته))
الحديث الثاني عشر عن عبد الله بن عمر ﵄: قوله: ((ثم أعاد)) ((ثم)) فيه تدل
стр. 1853
٣٣٦٨ - ورواه الترمذي، عن عبد الله بن عمرو. [٣٣٦٨]
٣٣٦٩ - وعن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من لاءمكم من مملوكيكم، فأطعموه مما تأكلون، واكسوه مما تكسون، ومن لا يلائمكم منهم فبيعوه، ولا تعذبوا خلق الله)) رواه أحمد، وأبو داود. [٣٣٦٩]
٣٣٧٠ - وعن سهيل بن الحنظلية، قال: مر رسول الله ﷺ ببعير، قد لحق ظهره ببطنه، فقال: ((اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة، فاركبوها صالحة واتركوها صالحة)). رواه أبو داود. [٣٣٧٠]
ــ
علي التراخي بين السؤالين، وذلك يدل علي الاهتمام بشأنه، ومن ثم عقبه بقوله: ((فصمت)) بالفاء السببية، ولم يأت في النوبة الأولي به بناء علي الاعتبار بشأنه، يعني لما رأي ذلك الاهتمام والاعتناء صمت، إما للتفكير وإما لإنزال الوحي. وقوله: ((سبعين مرة)) مبني علي أحد الأمرين الذي هو التكثير دون التحديد. وهو نصب علي المصدر أي سبعين عفوة.
الحديث الثالث عشر عن أبي ذر: قوله: ((من لاءمكم)) ((نه)): أي وافقكم وساعدكم، وقد تخفف الهمزة، لتصير ياء. وفي الحديث يروى بالياء منقلبة عن الهمزة.
قوله: ((لا تعذبوا خلق الله)) يعني أنتم وهم سواء في كونكم خلق الله، ولكم فضل عليهم بأن ملكتم أيمانهم، فإن وافقوكم فأحسنوا إليهم، وإلا فاتركوهم إلي غيركم، وهو من قوله تعالي: ﴿واللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلي بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلي مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ أي جعلكم متفاوتين في الرزق، فرزقكم أفضل مما رزق مماليككم، وهم بشر مثلكم وإخوانكم، وكان ينبغي أن تردوا أفضل ما رزقتم عليهم، حتى تتساووا في الملبس والمطعم.
الحديث الرابع عشر عن سهل: قوله: ((البهائم المعجمة)) ((قض)): المعجمة التي لا تقدر علي النطق؛ فإنها لا تطيق أن تفصح عن حالها، وتتضرع إلي صاحبها من جوعها وعطشها. وفيه دليل علي وجوب علف الدواب، وان الحاكم يجبر المالك عليه. وقوله: ((فاركبوها صالحة)) ترغيب إلي تعهدها بالعلف لتكون مهيئة لائقة لما تريدون منها، فإن أردتم أن تركبوها فاركبوها وهي صالحة للركوب قوية علي المشي، وإن أردتم أن تتركوها للأكل فتعهدوها؛ لتكون سمينة صالحة للأكل.
стр. 1854
الفصل الثالث
٣٣٧١ - عن ابن عباس، قال: لما نزل قوله تعالي: ﴿ولا تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إلَاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، وقوله تعالي: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْمًا﴾ الآية انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فإذا فضل من طعام اليتيم وشرابه شيء حبس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ ، فأنزل الله تعالي: ﴿ويَسْأَلُونَكَ عَنِ اليَتَامَى قُلْ إصْلاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وإن تُخَالِطُوهُمْ فَإخْوَانُكُمْ﴾ فخلطوا طعامهم بطعامهم، وشرابهم بشرابهم. رواه أبو داود، والنسائي. [٣٣٧١]
٣٣٧٢ - وعن أبي موسى، قال: لعن رسول الله ﷺ من فرق بين الوالد وولده، وبين الأخ وبين أخيه. رواه ابن ماجه، والدارقطني. [٣٣٧٢]
٣٣٧٣ - وعن عبد الله بن مسعود، قال: كان النبي ﷺ إذا أتي بالسبي أعطى أهل البيت جميعا، كراهية أن يفرق بينهم. رواه ابن ماجه.
٣٣٧٤ - وعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: ((ألا أنبئكم بشراركم؟ الذي يأكل وحده، ويجلد عبده، ويمنع رفده)). رواه رزين.
ــ
الفصل الثالث
الحديث الأول والثاني والثالث عن عبد الله بن مسعود ﵁: قوله: ((أهل البيت)) ثإني مفعولي ((أعطى)) و ((جميعا)) حال مؤكدة، والمفعول الأول وهو المعطى له متروك منسي؛ لأن الكلام سيق للمعطى، وأنه مما لا ينبغي أن يفرق بين الأهالي؛ ولذلك أكده. ونظيره قوله تعالي: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ الكشاف: وإنما ترك ذكر المفعول به؛ لأن الغرض ذكر المعزز به وهو شمعون وما لطف فيه من التدبير حتى عز الحق وذل الباطل. وإذا كان الكلام منصبا إلي غرض من الأغراض جعل سياقه له وتوجهه إليه، كان ما سواه مرفوض مطروح.
الحديث لرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((وحده)) حال، والرفد العطية والصلة، والمعنى شرار الناس البخيل السيئ الخلق.
стр. 1855
٣٣٧٥ - وعن أبي بكر الصديق، ﵁ ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يدخل الجنة سيئ الملكة)). قالوا: يا رسول الله! أليس أخبرتنا أن هذه الأمة أكثر الأمم مملوكين ويتامى؟ قال: ((نعم، فأكرموهم ككرامة أولادكم، وأطعموهم مما تأكلون)). قالوا: فما تنفعنا الدنيا؟ قال: ((فرس تربطه، تقاتل عليه في سبيل الله، ومملوك يكفيك، فإذا صلي فهو أخوك)). رواه ابن ماجه. [٣٣٧٥]
(١٨) باب بلوغ الصغير وحضانته في الصغر
الفصل الأول
٣٣٧٦ - وعن ابن عمر [﵄] قال: عرضت علي رسول الله ﷺ عام أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة، فردني، ثم عرضت عليه عام الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة، فأجازني. فقال عمر بن عبد العزيز: هذا فرق مابين المقاتلة والذرية. متفق عليه.
ــ
الحدي الخامس عن أبي بكر ﵁: قوله: ((أليس أخبرتنا)) توجيه أنك يا رسول الله! ذكرت أن سيئ الملكة لا يدخل الجنة، وان أمتك إذا أكثروا المماليك لا يسعهم مداراتهم فيسيئون معهم، فما بالهم؟ فأجابه ﷺ جواب الحكيم بقوله: ((نعم فأكرموهم)) وذكر اليتامى استطرادا. وكذا الجواب الثاني ((فرس تربطه)) وارد علي ذلك الأسلوب لأن المرابطة ولجهاد مع الكفار ليس من الدنيا.
باب بلوغ الصغير وحضانته في الصغر
المغرب: الحضن ما دون الإبط، والحاضنة المرأة توكل بالصبي فترفعه وتربيه وقد حضنت ولدها حضانة.
الفصل الأول
الحديث الأول عن ابن عمر: قوله: ((فأجازني)) قيل: معناه أجازني في المبايعة. وقيل: كتب الجائزة وهي رزق الغزاة. وقوله: ((هذا فرق مابين المقاتلة)) يريد إذا بلغ الصبي خمس عشرة دخل في زمرة المقاتلين، وأثبت في الديوان اسمه، وإذا لم يبلغها عد من الذرية. ((حس)): العمل علي هذا عند أكثر أهل العلم، قالوا: إذا استكمل الغلام أو الجارية خمس عشرة سنة كان بالغا، وبه قال الشافعي وأحمد وغيرهما، وإذا احتلم واحد منهما قبل بلوغه هذا
стр. 1856
٣٣٧٧ - وعن البراء بن عازب، قال: صالح النبي ﷺ يوم الحديبية علي ثلاثة أشياء: علي أن من أتاه من المشركين رده إليهم، ومن أتاهم من المسلمين لم يردوه، وعلي أن يدخلها من قابل ويقيم بها ثلاثة أيام، فلما دخلها ومضى الأجل خرج، فتبعته ابنة حمزة تنادي: يا عم! فتناولها علي، فأخذ بيدها، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر. قال علي: أنا أخذتها وهي بنت عمي. وقال جعفر: بنت عمي وخالتها تحتي. وقال زيد: بنت أخي فقضى بها النبي ﷺ لخالتها، وقال: ((الخالة بمنزلة الأم)). وقال لعلي: ((أنت مني وأنا منك)). وقال لجعفر: ((أشبهت خلقي وخلقي)). وقال لزيد: ((أنت أخونا ومولانا)). متفق عليه.
الفصل الثاني
٣٣٧٨ - وعن عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عبد الله بن عمرو: أن امرأة قالت: يا رسول الله! إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وإن أباه طلقني، وأراد أن ينزعه مني. فقال رسول الله ﷺ : ((أنت أحق بهم ما لم تنكحي)) رواه احمد، وأبو داود. [٣٣٧٨]
٣٣٧٩ - وعن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ خير غلاما بين أبيه وأمه. رواه الترمذي. [٣٣٧٩]
٣٣٨٠ - وعنه، قال: جاءت امرأة إلي رسول الله ﷺ فقالت: إن زوجي يريد أن
ــ
المبلغ بعد استكمال تسع سنين يحكم ببلوغه، وكذلك إذا حاضت الجارية بعد تسع، ولا حيض ولا احتلام قبل بلوغ التسع.
الحديث الثاني عن البراء: قوله: ((قال زيد: بنت أخي)) ذكر صاحب جامع الأصول في قسم أسماء الرجال، أن زيدا هذا هو زيد بن حارثة، آخى بينه وبين عمه حمزة، وفي الفائق: لما قال ﷺ لزيد: ((أنت أخونا ومولانا)) حجل أي رفع رجلا وقفز علي الأخرى من الفرح – انتهي كلامه. لعل المراد بقوله: ((أخونا)) هذه المؤاخاة، وبقوله: ((مولانا)) ما روى أنه كان يدعى بحب رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 1857
يذهب بابني، وقد سقإني ونفعني فقال النبي ﷺ : ((هذا أبوك، وهذه أمك، فخذ بيد أيهما شئت)). فاخذ بيد أمه، فانطلقت به. رواه أبو داود، والنسائي، والدارمي. [٣٣٨٠]
الفصل الثالث
٣٣٨١ - عن هلال بن أسامة، عن أبي ميمونة سليمان مولي لأهل المدينة، قال: بينا أنا جالس مع أبي هريرة جاءته امرأة فارسية، معها ابن لها، وقد طلقها زوجها، فادعياه، فرطنت له تقول: يا أبا هريرة! زوجي يريد أن يذهب بابني. فقال أبو هريرة: أستهما عليه. رطن لها بذلك. فجاء زوجها، وقال: من يحاقني في ابني؟ فقال أبو هريرة: اللهم إني لا أقول هذا إلا إني كنت قاعدا مع رسول الله ﷺ ، فأتته امرأة، فقالت: يا رسول الله! إن زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد نفعني، وسقإني من بئر أبي عنبة - وعند النسائي: من عذب الماء - فقال رسول الله ﷺ : ((أستهما عليه)). فقال زوجها من يحاقني في ولدي؟ فقال رسول الله ﷺ : ((هذا أبوك وهذه، أمك فخذ بيد أيهما شئت)) فأخذ بيد أمه. رواه أبو داود، والنسائي لكنه ذكر المسند. [٣٣٨١]
ورواه الدارمي عن هلال بن أسامة.
ــ
الفصل الثاني
الحديث الأول والثاني والثالث عن عمرو: قوله: ((حجري له حواء)) الحجر يفتح ويكسر وجمعه حجور، والحواء اسم المكان الذي يحوي الشيء أي يضمه ويجمعه، ولعل هذا الصبي ما بلغ سن التميز، فقدم الأم لحضانته، والصبي في حديث أبي هريرة كان مميزا فخيره.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن خلال: قوله: ((فرطنت له)) ((نه)): الرطانة بفتح الراء وكسرها والتراطن كلام لا يفهمه الجمهور، وإنما هو مواضعة بين اثنين أو جماعة، والعرب تخص بالرطانة غالبا كلام العجم. وقوله: ((أستهما)) أي اقترعا. وقوله: ((من يحاقني)) أي ينازعني في حقي ويختصم. أقول: قوله: ((إلا إني)) أي إلا لإني.
стр. 1858
كتاب العتق
الفصل الأول
٣٣٨٢ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أعتق رقبة مسلمة أعتق الله بكل عضو منه عضوا من النار حتى فرجه بفرجه)). متفق عليه.
٣٣٨٣ - وعن أبي ذر، قال: سألت النبي ﷺ : أي العمل أفضل؟ قال: ((إيمان بالله، وجهاد في سبيله)) قال: قلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال: ((أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها)). قلت: فإن لم أفعل؟ قال: ((تعين صانعا أو تصنع لأخرق)). قلت: فإن لم أفعل؟ قال: ((تدع الناس من الشر، فإنها صدقة تصدق بها علي نفسك)). متفق عليه.
ــ
كتاب العتق
المغرب: العتق الخروج من المملوكية، يقال: عتق العبد عتقا وعتاقا وعتاقة وهو عتيق وأعتقه مولاه، ثم جعل عبارة عن الكرم وما يتصل به كالحرية، فقيل: فرس عتيق رائع، وعتاق الخيل والطير كرائمها. وقيل: مدار التركيب علي التقدم، ومنه العاتق لما بين المنكب والعنق لتقدمه، والعتيق القديم.
الفصل الأول
الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((رقبة مسلمة)) ((نه)): الرقبة في الأصل العنق، فجعلت كناية عن جميع ذات الإنسان تسمية للشيء ببعضه. فإذا قال: أعتق رقبة فكأنه قال: أعتق عبدا أو أمة. قوله: ((حتى فرجه بفرجه)) ((شف)): إنما خص الفرج بالذكر؛ لأنه محل أكبر الكبائر بعد الشرك، وهو كقولهم: مات الناس حتى الكرام، فيفد قوة. ((مظ)): ذكر الفرج للتحقير نسبة إلي باقي الأعضاء. ((خط)) يستحب عند بعض أهل العلم أن لا يكون العبد المعتق خصيا؛ كيلا يكون ناقص العضو؛ ليكون معتقه قد نال الموعود في عتق أعضائه كلها من النار بإعتاقه إياه من الرق في الدنيا.
الحديث الثاني عن أبي ذر: قوله: ((لأخرق)) ((نه)): الخرق - بالضم - الجهل والحمق، وقد خرق يخرق خرقا فهو أخرق. ((قض)): الأخرق هنا الذي لا يحسن صنعة ولا يهتدي إليها. وفيه ((تدع الناس من الشر)) أي تكف عنهم شرك ((فإنها صدقة)) الضمير للمصدر الذي دل عليه الفعل، وأنثه لتإنيث الخبر ((تصدق بها علي نفسك)) أي تتصدق بهذه الصدقة علي نفسك من أنها محافظة لها عما يريدها ويعود وباله إليها.
стр. 1859
الفصل الثاني
٣٣٨٤ - عن البراء بن عازب، قال: جاء أعرابي إلي النبي ﷺ فقال: علمني عملا يدخلني الجنة. قال: ((لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة أعتق النسمة وفك الرقبة)). قال: أوليسا واحدا؟ قال: ((لا؛ عتق النسمة: أن تفرد بعتقها. وفك الرقبة: أن تعين في ثمنها، والمنحة: الوكوف، والفيء علي ذي الرحم الظالم، فإن لم تطق ذلك فأطعم الجائع، واسق الظمآن، وأمر بالمعروف، وانه عن المنكر، فإن لم تطق ذلك فكف لسانك إلا من خير)). رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [٣٣٨٤]
٣٣٨٥ - وعن عمرو بن عبسة، أن النبي ﷺ قال: ((من بنى مسجدا ليذكر الله فيه، بني له بيت في الجنة. ومن أعتق نفسا مسلمة، كانت فديته من جهنم. ومن شاب شيبة في سبيل الله، كانت له نورا يوم القيامة)). رواه في ((شرح السنة)). [٣٣٨٥]
ــ
الفصل الثاني
الحديث الأول والثاني عن البراء: قوله: ((لئن كنت أقصرت)) ((قض)): اللام موطئة للقسم، ومعنى الشرطية أنك إن أقصرت في العبارة فقد أطلت في الطلب، أو سألت عن أمر ذي طول وعرض. و ((النسمة)) النفس، ووجه الفرق المذكور أن العتق إزالة الرق، وذلك لا يكون إلا من المالك الذي يعتق، وأما الفك فهو السعي في التخليص، فيكون من غيره كمن أدى النجم * عن المكاتب أو أعانه فيه. و ((المحنة)) العطية في الأصل، وغلبت في لبون من ناقة أو شاة يعطيها صاحبها بعض المحاويج؛ لينتفع بلبنها ما دامت تدر. و ((الوكوف)) العزيزة الدر من وكف البيت وكفا ووكيفا ووكافا، إذا قطر. و ((الفئ)) التعطيف والرجوع إليه بالبر. والرواية المشهورة فيهما النصب علي تقدير وامنح المنحة، وآثر الفئ علي ذي الرحم؛ ليحسن العطف علي الجملة السابقة، وإن صحت الرواية بالرفع فيهما علي الابتداء، والتقدير: ومما يدخل الجنة المنحة والفئ.
стр. 1860
الفصل الثالث
٣٣٨٦ - عن الغريف بن [عياش] الديلمي، قال: أتينا واثلة بن الأسقع، فقلنا: حدثنا حديثا ليس فيه زيادة ولا نقصان، فقضب وقال: إن أحدكم ليقرأ ومصحفه معلق في بيته فيزيد وينقص. فقلنا: إنما أردنا حديثا سمعته من النبي ﷺ فقال: أتينا رسول الله ﷺ في صاحب لنا أوجب – يعني النار – بالقتل. فقال: ((أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوا منه من النار)). رواه أبو داود، والنسائي. [٣٣٨٦]
٣٣٨٧ - وعن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أفضل الصدقة الشفاعة، بها تفك الرقبة)). رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [٣٣٨٧]
ــ
الفصل الثالث
الحديث الأول عن الغريف: قوله: ((معلق في بيته)) تأكيد، يعني يقرأه ليلا ونهارا لا يغيب عنه ساعة. وفي قوله: ((فيزيد وينقص)) مبالغة لا أنه تجوز الزيادة والنقصان. وفيه جواز رواية الحديث بالمعنى، ونقصان الألفاظ وزيادتها مع رعاية المعنى والمقصد منه. وقوله: ((فقلنا: إنما أردنا حديثا سمعته)) معناه ما أردنا بقولنا: حديثا ليس فيه زيادة ولا نقصان ما عنيت به من انتفاء الزيادة في الألفاظ، وإنما أردنا حديثا سمعته.
الحديث الثاني عن سمرة: قوله: ((تفك الرقبة)) ((بها)) متعلق ((تفك)) فقدم عليه، ولو روى شفاعة نكرة كان صفة له. ولو ذهب إلي أن الشفاعة جنس علي منوال قولهم:
ولقد أمر علي اللئيم يسبني
لبعد المرمى. ولو قيل بأنه حال كان أبعد وأبعد. وأما إذا أريد بفك الرقبة خلاص الرجل من الشدة والعذاب بسبب الشفاعة علي أن تكون الجملة استئنافية، كأنه لما قيل: أفضل الصدقة الشفاعة، قيل: لماذا؟ أجيب: بها يتخلص الإنسان من الشدة – لتم الكلام وصح المعنى – كقوله تعالي: ﴿مَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا﴾ لكن خرج من الباب.
следующие страницы →