Полный текст (3 308 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
١٥٥ - وعنه، قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام. فقال رسول الله ﷺ : ((لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم و (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ ومَا أُنزِلَ إلَيْنَا))) الآية. رواه البخاري.
١٥٦ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع)) رواه مسلم. [١٥٦]
ــ
الحديث السادس عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لا تصدقوا أهل الكتاب)) يعني إذا حدثت اليهود والنصارى بشيء من التوراة والإنجيل لا تصدقوهم، لعلهم حدثوكم بما هو محرف ومختلط منهما، ولا تكذبوهم أيضاً لاحتمال أن يكونوا حقا وصدقاً، بل قولوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ ومَا أُنزِلَ إلَيْنَا ومَا أُنزِلَ إلَى إبْرَاهِيمَ﴾ الآية، إن كان حقا آمنا به لأنا آمنا بجميع الرسل، وبما أنزل إليهم من الله تعالى، وإن لم يكن حقا فلا نؤمن به، ولا نصدقه أبداً. ((حس)): هذا أصل في وجوب التوقف عما يشكل من الأمور والعلوم، فلا يقضي فيه بجواز ولا بطلان، وعلى هذا كان السلف. سئل عثمان ﵁ عن الجمع بين الأختين من ملك اليمين، قال: أحلتهما آية، وحرمتهما آية. ولم يقض فيه بشيء.
الحديث السابع عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((كفى بالمرء كذباً)) ((مظ)): ((كذباً)) منصوب على التمييز، و ((أن يحدث)) فاعل ((كفى)) و ((بالمرء)) مفعوله، يعني لو لم يكن للرجل كذب إلا تحدثيه بكل ما سمع – من غير تبينه أنه صدق أو كذب – يكفيه وحسبه من الكذب؛ لأن الرجل إذا تحدث بكل ما سمع لم يخلص من الكذب؛ لأن جميع ما يسمع الرجل لا يكون صدقاً، بل يكون بعضه كذباً. وهذا زجر عن التحدث بشيء لم يعلم صدقه، بل يلزم على الرجل أن يبحث في كل ما سمع من الحكايات والأخبار، وخاصة من أحاديث الرسول ﵊، فإن علم صدقه يتحدث، وإلا فلا يتحدث.
أقول: لعل محيي السنة مال إلى أن الحديث ورد في الأحاديث النبوية خاصة، حيث أورد هذا الحديث في باب الاعتصام بالكتاب والسنة، ويعضده ما روي: ((حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج)).
стр. 212
١٥٧ - وعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من نبي بعثه الله في أمته قبلي إلا كان له في أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته، ويتقدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن
ــ
الحديث الثامن عشر عن ابن مسعود: قوله: ((في أمته قبلي)) ((تو)): هذا الحرف أعنى ((في أمة)) وجدنا في نسخ المصابيح ((في أمته)) بزيادة هاء، ونحن نرويه بغير هاء عن كتاب مسلم وغيره، وهو الصواب، والأمثل في فصيح الكلام.
قال المؤلف: وقد وجدت في كتاب الحميدي والجامع والمشارق بغير هاء، وفي صحيح مسلم كما في المصابيح.
((مظ)) الرواية بالهاء أصح. وأقول: إن قوله: ((نبي)) نكرة، والمناسب أن يؤتى ((أمة)) نكرة، إذ المعنى ما من نبي من الأنبياء في أمة من الأمم، لاقتضاء ((ما)) النافية و ((من)) الاستغراقية ذلك، ولأن قوله: ((كان له من أمته)) عبارة عن النكرة، فهو كالتعريف باللام بعد النكرة.
((الحواري)) الناصر، وأصله أن أصحاب عيسى ﵇ كانوا قصارين يبيضون الثياب، فلما صاروا أنصاره قيل لكل ناصر لنبيه: حواري، وهو الوجه المستقيم؛ لأنهم خلصان الأنبياء، ولأن حواري الرجل صفوته وخالصته الذي أخلص ونقى من كل عيب. و ((الخلف)) بالتحريك والتسكين، وخص الأول بالخلف الصدق، والثاني بالسوء، ويجمع خلف على أخلاف، كسلف وأسلاف، وخلف على خلوف، كعدل وعدول، والمعنى أنه يجيء من بعد أولئك السلف الصالح أناس لا خير فيهم، ولا خلاق لهم في أمور الديانات.
وقوله: ((حبة خردل)) يعني أدنى مراتب أهل الإيمان تضطرب قلوبهم لظهور المنكر، ويكون منه في جهد وعناء، حتى لا يستقر، ولا ينقطع النزاع عنها، فإن استقرت على ذلك وانقطع عنها النزاع الذي هو حق الإيمان وسمت المؤمنين وسمتهم – أذنت بأنها خالية عن القوى الإيمانية، عرية عن الصفات النورانية.
وأقول: إن ذهب إلى الرواية الصحيحة يكون ((من قبلي)) صفة ((أمة))، وإلى الأخرى يجوز أن يتعلق بـ ((نعت))، أو يكون حالا من ((أمته))، و ((أصحاب)) يجوز أن يكون عطفاً تفسيرياً على ((الحواريون))، وأن يكون الأصحاب غير الحواريين. و ((ثم)) ههنا يجوز أن يجري على الحقيقة، وعلى معنى البعد في المرتبة. والضمير في ((أنها)) للقصة، والجملة بعدها مفسرة لها، وصف الخلوف بوصفين مقابلين، لما وصف الأصحاب بهما فهم تصلفوا، حيث قالوا: فعلنا ما أمرنا به من واجبات الدين، وفضائل الأعمال، ولم يفعلوا شيئاً من ذلك، بل فعلوا ما نهوا عنه، وهو
стр. 213
جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل)) رواه مسلم [١٥٧]
١٥٨ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من دعا إلى هدى كان له
ــ
المعنى بقوله: ((ويفعلون ما لا يؤمرون)) إذ فعل ما لم يؤمر به شرعاً من البدع المنهي عنها، ومنه قوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ بخلاف السلف الصالح؛ فإنهم لا اقتدوا بهدي نبي الله انخرطوا في سلك الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
والفاء في ((فمن جاهدهم)) جزاء شرط محذوف، والتنكير في ((مؤمن)) للتنويع، فإن الأول دل على كمال الإيمان، والثالث عن نقصانه، والمتوسط على القصد فيه، وفي ((حبة خردل)) على نفيه بالكلية، وهي اسم ليس، و ((وراء ذلك)) خبره، و ((من الإيمان)) صفتها، قدمت فصارت حالا منها. وذهب المظهر إلى أن الإشارة بذلك إلى الإيمان في المرتبة الثالثة، ويحتمل أن يشار به إلى المذكور كله، أي ليس وراء ما ذكرت من مراتب الإيمان مرتبة قط؛ لأن من لم ينكر بالقلب رضي بالمنكر، والرضي بالمنكر كفر، فتكون هذه الجملة المصدرة بليس معطوفة على الجملة قبلها بكمالها.
الحديث التاسع عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((من دعا إلى هدى)) ((قض)): أفعال العباد وإن كانت غير موجبة ولا مقتضية للثواب والعقاب بذواتها إلا أنه تعالى أجرى عادته بربط الثواب والعقاب بها ارتباط المسببات بالأسباب، وفعل العبد ما له تأثير في صدوره بوجه، فكما يترتب الثواب والعقاب على ما يباشره ويزاوله، يترتب كل منهما على ما هو سبب عن فعله. كالإرشاد إليه، الحث عليه، ولما كانت الجهة التي بها استوجب المسبب للأجر والجزاء غير الجهة التي استوجب بها المباشر – لم ينقص أجره من أجره شيئاً.
أقول: ((هدى)) وهو إما الدلالة الموصلة إلى البغية، أو مطلق الإرشاد، وهو في الحديث ما يهتدي به من الأعمال الصالحة، وهو بحسب التنكير مطلق شائع في جنس ما يقال له: هدى، يطلق على القليل والكثير، والعظيم والحقير، فأعظمه هدى من دعا إلى الله، وعمل صالحا، وقال إنني من المسلمين، وأدناه هدى من دعا إلى إماطة الأذى عن طريق المؤمنين، ومن ثم عظم شأن الفقيه الداعي المنذر، حتى فضل واحد منهم على ألف عابد؛ لأن نفعه يعم الأشخاص
стр. 214
من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً. ومن دعا إلى ضلالة، كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه. لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً)) رواه مسلم [١٥٨]
١٥٩ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((بدأ الإسلام غريباً، وسيعود كما بدأ، فطوبى للغرباء)) رواه مسلم [١٥٩].
ــ
والأعصار إلى يوم الدين، ونرجو من رحمة الله وكرمه أن يكون سعينا في هذا الكتاب منتظماً في هذا السلك، ويرحم الله عبداً قال: آمينا.
الحديث العشرون عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((بدأ الإسلام)) ((مح)): بدأ بالهمزة من الابتداء، كذا ضبطناه. ((تو)): يريد أن الإسلام لما بدأ في أول الوهلة نهض بإقامته والذب عنه أناس قليلون من أشياع الرسول ﷺ ، ونزاع القبائل فشردوهم عن البلاد، ونفوهم عن عقر الديار، يصبح أحدهم معتزلا مهجوراً، ويبيت منتبذاً وحداناً كالغرباء، ثم يعود آخراً إلى ما كان عليه، لا يكاد يوجد من القليلين إلا الأفراد. ويحتمل أن تكون المماثلة بين الحالة الأولى والحالة الأخيرة لقلة من كانوا يتدينون به في الأول، وقلة من كانوا يعملون به في الآخر، فطوبى للغرباء المتمسكين بحبله المتشبثين بذيله.
أقول: لا يخلو إما أن يستعار الإسلام للمسلمين، فالغربة هي القرينة، فيرجع معنى الوحدة والوحشة إلى نفس المسلمين، وإما أن يجري الإسلام على الحقيقة، فالكلام فيه على التشبيه، والوحدة والوحشة باعتبار ضعف الإسلام وقلته، فعلى هذا ((غريباً)) إما حال، أي بدأ الإسلام مشابهاً للغرباء، أو مفعولا مطلقاً، أي الإسلام ظهر ظهور الغرباء حين بدأ فريداً وحيداً، لا مأوى له، حتى تبوأ دار الإسلام أعنى طيبة، فطوبى له وطاب عيشاً، ثم أتم الله نوره، فانبث في الآفاق فبلغ مشارق الأرض ومغاربها، فيعود في آخر الأمر وحيداً فريداً شريداً إلى طيبة كما بدأ، فطوبى له ولهفى عليه، كما ورد: ((الإيمان يأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى حجرها)) فعلى هذا ((طوبى)) ترشيح الاستعارة والله أعلم.
стр. 215
١٦٠ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى حجرها)). متفق عليه.
وسنذكر حديث أبي هريرة: ((ذروني ما تركتكم)) في كتاب المناسك، وحديثي معاوية وجابر: ((لا يزال من أمتي)) و (الآخر): لا يزال طائفة من أمتي)) في باب: ثواب هذه الأمة، إن شاء الله تعالى.
الفصل الثاني
١٦١ - عن ربيعة الجرشي، قال: أتى نبي الله ﷺ ، فقيل له: لتنم عينك،
ــ
الحديث الحادي والعشرون عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((ليأرز)) أي ينضم إليها وينقبض، يقال: أرز يأرز أرزاً أروزاً. ومنه الأروز للبخيل، سمي به لأنه ينقبض إذا سئل، والمأرز الملجأ أيضاً. قيل: يحتمل أن يكون هذا إخباراً منه ﷺ عما كان في ابتداء الهجرة، ويحتمل أنه أخبر عن آخر الزمان حين يقل الإسلام، فينضم إلى المدينة، فيبقى فيها، شبه الإيمان وفرار الناس من آفات المخالفين والتجاءهم إلى المدينة – بانضمام الحية في حجرها، ولعل هذه الدابة أشد فراراً وانضماماً من غيرها، فشبه بها بمجرد هذا المعنى، فإن المماثلة يكفي في اعتبارها بعض الأوصاف، والله أعلم.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن ربيعة قوله: ((أتى)) ((مظ)): أي أتى ملك إلى رسول الله ﷺ وقال له ذلك، ومعناه لا تنظر بعينك إلى شيء، ولا تصغ بأذنك إلى شيء، ولا تجر شيئاً في قلبك، أي كن حاضراً حضوراً تاماً لتفهم هذا المثل، فأجابه رسول الله ﷺ بأني قد فعلت ما تأمرني، ((فقيل لي)) أي قال ذلك الملك.
أقول – والله أعلم -: قوله: ((لتنم عينك)) الأوامر الثلاث واردة على الجوارح ظاهراً وهي في الحقيقة لرسول الله ﷺ بأن يجمع بين هؤلاء الخلال الثلاث في نفسه، وأن يكون نائم العين، حاضراً بالسمع والقلب، على ما سبق في الحديث الخامس من الباب: ((إن العين نائمة والقلب يقظان))، وعلى هذا جوابه قال: فنامت إلى آخره، أي امتثلت لما أمرت به، ويجوز أن لا يكون ثم قول ولا جواب، كما قال الله تعالى: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ وقال سبحانه: ﴿إذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ العَالَمِينَ﴾.
стр. 216
ولتسمع أذنك، وليعقل قلبك. قال: فنامت عيني، وسمعت أذناي، وعقل قلبي)). قال: فقيل لي: سيد بنى داراً، فصنع فيها مأدبة وأرسل داعياً؛ فمن أجاب الداعي، دخل الدار، وأكل من المأدبة، ورضي عنه السيد، ومن ثم يجب الداعي، لم يدخل الدار، ولم يأكل من المأدبة، وسخط عليه السيد)). ((قال: فالله السيد، ومحمد الداعي، والدار الإسلام، والمأدبة الجنة)) رواه الدارمي [١٦١].
١٦٢ - وعن أبي رافع، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته، يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدري، ما وجدنا
ــ
((الكشاف)) معنى ((قال له ربه أسلم)) أخطر بباله النظر في الدلائل المؤدية إلى المعرفة والإسلام، فقال: أسلمت، أي فنظر وعرف، والمعنى أراد الله أن يجمع فيه ﷺ بين أولئك المعاني، فأجمعت فيه. والقول يستعار كثيراً فيما لا نطق فيه، كما قال الشاعر:
إذا قالت الأنساع للبطن ألحفي يقول سني للنواة طني
وقال الجدار للوتد لم تشقني قال سل عمن يدقني
قوله: ((فقيل لي سيد)) القول هذا على حقيقته من الملائكة كما في ذلك الحديث، و ((سيد)) مبتدأ والخبر ((بنى)) أي سيد عظيم الشأن كثير الإحسان. ((شف)): يجوز أن يكون مبتدأ مخصوصاً بالصفة، والخبر محذوف، وأن يكون خبراً محذوف المبتدأ – انتهى كلامه.
فإن قلت: كيف شبه في ذلك الحديث الجنة بالدار، وفي هذا الإسلام بالدار، وجعل الجنة مأدبة؟ قلت: لما كان الإسلام سبباً لدخول الجنة اكتفى في ذلك الحديث بالمسبب عن السبب، ولما كانت الدعوة إلى الجنة لا تتم إلا بالدعوة إلى الإسلام كما قال الله تعالى: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلَى دَارِ السَّلامِ ويَهْدِي مَن يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ – استقام وضع كل منهما مقام الآخر، وحين كان نعيم الجنة وبهجتها هو المطلوب الأولى جعل الجنة نفس المأدبة مبالغة فيهما.
الحديث الثاني عن أبي رافع: قوله: ((لا ألفين)) ألفيت الشيء إذا وجدته، وهو كقولك: لا أرينك. ههنا نهى رسول الله ﷺ نفسه عن أن تراهم على هذه الحالة، والمراد نهيهم عن أن يكونوا على تلك الحالة، فإنهم إذا كانوا عليها وجدهم ﷺ كذلك، فهو من باب إطلاق المسبب
стр. 217
في كتاب الله اتبعناه)). رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) [١٦٢].
١٦٣ - وعن المقدام بن معدي كرب، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: حرام عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، وإن ما
ــ
على السبب، ومن الكناية الإيمائية. و ((الأريكة)) سرير مزين من قبة أو بيت، فإذا لم يكن فيه سرير فهو حجلة. ((حس)): أراد بهذه الصفة أصحاب الترفة والبدعة الذين لزموا البيوت، وصدوا عن طلب العلم والحديث. ((مظ)): أراد بالوصف التكبر والسلطنة، و ((مما أمرت به)) بدل من ((أمري))، ومعنى ((لا أدري)) لا أدري غير القرآن، ولا اتبع غيره.
أقول: يجوز أن يراد بقوله: ((الأمر من أمري)) الأمر الذي هو بمعنى الشأن، ويكون ((مما أمرت به أو نهيت عنه)) بياناً للأمر الذي هو الشأن؛ لأنه أعم من الأمر والنهي. وقوله: ((فيقول: لا أدري)) مرتب على ((يأتيه))، والجملة كما هي حال أخرى من المفعول، ويكون النهي منصباً على المجموع، أي لا ألفين أحدكم حاله أنه يتكئ ويأتيه الأمر فيقول: لا أدري.
الحديث الثالث عن المقداد: قوله: ((إلا إني أوتيت)) ((نه)): يحتمل هذا وجهين من التأويل: أحدهما أنه أوتى من الوحي الباطن غير المتلو مثل ما أعطى من الظاهر، والثاني أنه أوتي الكتاب وحياً، وأوتي من التأويل مثله، أي أذن له أن يبين ما في الكتاب، فيعمم ويخصص، ويزيد وينقص، فيكون ذلك في وجوب العمل به ولزوم قبوله كالظاهر المتلو من القرآن. وقيل: ((ومثله معه)) أي أحكاماً ومواعظ وأمثالاً تماثل القرآن في كونها وحياً، أو كونها واجبة القبول، وتنزه نطق رسوله عن الهوى، وأمر بمتابعته فيما يأمر وينهي، فقال عز من قائل: ﴿ومَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى﴾ وقال الله تعالى: ﴿ومَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ومَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ أو يماثله في المقدار، ويدل على هذا قوله ﷺ في حديث العرباض التالي لهذا الحديث: ((إنها لمثل القرآن أو أكثر)).
وقوله: ((ألا يوشك)) أي أنبهكم بأنه قريب أن يقول رجل شبعان. ((قض)): إنما وصفه بـ ((الشبعان)) لأن الحامل له على هذا القول إما البلادة وسوء الفهم، ومن أسبابه الشبع وشره
стр. 218
حرم رسول الله ﷺ كما حرم الله؛ ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي، ولا كل ناب من السباع، ولا لقطة معاهد إلا أن يستغنى عنها صاحبها, ومن نزل بقوم, فعليهم أن
ــ
الطعام وكثرة الأكل, وإما البطر والحماقة, ومن موجباته التنعم والغرور بالمال والجاه, والشبع يكنى به عن ذلك, ((وعلى أريكته)) متعلق بمحذوف في حيز الحال, أي متكئا أو جالسا, وهو تأكيد وتقرير لحماقة القائل وبطره وسوء أدبه. ((خط)): ذكره على ما ذهب إليه الخوارج والظواهر, فإنهم تعلقوا بظاهر القرآن وتركوا السنة التي ضمنت بيان الكتاب فتحيروا وضلوا. قوله: ((ألا لا يحل لكم)) إلى آخره, بيان للقسم الذي يثبت بالسنة, ولم يوجد له ذكر في الكتاب, ومنه: ((ولا لقطة معاهد إلا أن يستغنى عنها صاحبها)). ((خط)): معناه إلا أن يتركها صاحبها لمن أخذها استغناء عنها. ((شف)): ((يقروه)) بفتح الياء, يقال: قريت الضيف قرى, مثل قليته قلى, وقراء إذا أحسنت إليه, إذا كسرت القاف قصرت, إذا فتحت مددت.
وقوله: ((فعليهم أن يقروه)) أي سنة واستحبابا لا فرضا وإيجابا, فإن قرى الضيف غير واجب قطعا, لحديث الأعرابي, وهو قوله: ((هل على غيرهن يا رسول الله؟ فقال ﷺ : لا, إلا أن تطوع)). وقوله: ((فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه)) أي فله أن يتبعهم ويجازيهم من صنيعهم بأن يأخذ من مالهم مثل قراه, يقال: أعقبه بطاعته إذا جازاه. قلت: فهو من باب الإفعال, وبعضهم يجعله من باب التفعيل, والمعقب الطالب, قال لبيد:
طلب المعقب حقه المظلوم
قال في نهاية الجزري: أي فله أن يأخذ منهم عوضا عما حرموه من القرى, ويقال: عقبهم مشددا ومخففا وأعقبهم إذا أخذ منهم عقبى, وعقبه وهو أن يأخذ منهم بدلا عما فاته, وهذا في المضطر الذي لا يجد طعاما, ويخاف على نفسه التلف, ويحتمل أن الأمر بأخذه مقدار القرى من مال المنزو لبه كان من جملة العقوبات التي نسخت بوجوب الزكاة, ومما يؤيد هذا الاحتمال قوله ﷺ في آخر حديث العرباض: ((وإن الله لم يحل لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب – إلى قوله – ولا أكل ثمارهم – إلى قوله – إذا أعطوكم الذي عليهم من الجزية)).
أقول: قول من قال: إن المراد بالمثل العدد هو الوجه, ويؤيده الحديث التالي كما سبق, ومطابقته للرد, فإن قول الرجل: ((فما وجدتم من حلال فأحلوه)) يشعر بأن الكتاب استوعب جميع الأحكام الحلال والحرام, ويعضده ما في حديث العرباض, وقوله: ((يظن أن الله لم يحرم شيئا إلا ما في هذا القرآن)) حيث أتى بأداة الحصر, فالرد إنما يستقيم إذا حمل على العدد, وأيضا قوله: ((معه)) صفة لمثله؛ لأن المثل متوغل في الإبهام, لا يتعرف بلإضافة, فمعناه أوتيت مثل الكتاب مصاحبا مع الكتاب أحكام وسنن مثله في العدد أو أكثر, ولأن قوله: ((ألا لا يحل
стр. 219
يقروه, فإن لم يقروه, فله أن يعقبهم بمثل قراه)) رواه أبو داود, وروى الدارمي نحوه, وكذا ابن ماجه إلى قوله: ((كما حرم الله)) [١٦٣]
ــ
الحمار الأهلى)) شروع في تعديل مسائل تتعلق بالأحكام تمثيلا لا تحديدا, فعلى هذا التمسك بالحديث على جواز نسخ القرآن بالحديث خلافا للشافعي ؤضي الله عنه ضعيف.
اعلم أن كلمة التبيه مركبة من همزة الاستفهام ولا النافية معطية معنى يحقق ما بعدها, ولكونها بهذه المثابة لا يكاد يقع ما بعدها إلا كانت مصدرة بما يصدر به جواب القسم وشقيقها إما, وتكررها في هذا الحديث توبيخ وتقريع نشأ من عظيم على من ترك السنة والعمل با لحديث, استغناء عنها بالكتاب, هذا مع الكتاب فكيف بمن رجح الرأي على الحديث؟ وإذا سمع حديثا من الأحاديث الصحيحة قال: لا علي بأن أعمل بها, فإن لي مذهبا أتبعه. وفي قوله: ((ومثله)) استعارة بأنه ﷺ ما تكلم ولا عمل من تلقاء نفسه, بل بإذن الله تعالى.
وقيل: ما أوتي الرسول غير القرآن على أنواع: أحدها الأحاديث القدسية التي أسندها إلى رب العزة, وثانيها ما ألهم, وثالثها ما أرى في المنام, ورابعها ما نفث جبريل ﵇ في روعه, أي في قلبه. و ((على أريكته)) يجوز أن يكون صفة بعد صفة لرجل, فتكون الصفة الثانية تكميلا للذم؛ فإن الأولى تدل على الدعة والبطر, والثانية على التكبر والتجبر. ويجوز أن تكون حالا من ((رجل)) لا تصافه بشبعان فيكون تتميما ومبالغة في بطره وأشره, وفيه تشنيع عظيم ونهي فظيع على ذلك القائل.
قوله: ((إنما رسول الله ﷺ ) يحتمل أن يكون من كلام الراوي كما ذهبوا إليه, وأن يكون من كلامه ﷺ من باب الاستدراج ولإرخاء العنان على سبيل التجرد, كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ لا إلَهَ إلَاّ هُو يُحْيِي ويُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ النَّبِيِّ﴾ تنبيها به على أن من اسمه رسول الله ونبيه وخيرته من خلقه حقيق بأن يستقل بأحكام سوى ما أنزله الله عليه. قالوا في ((وإنما)) للحال من قوله: ((رجل شبعان)) , والعامل ((يوشك)) , وهي مقررة لجهة الإشكال, أي كيف يقول ما يقول والحال أن رسول الله ﷺ بين ظهرانيه؟ هذا هو الوجه؛ لأن الذهاب إلى أنه من كلام الراوي تخلل بين كلامي رسول الله ﷺ تعسف بعيد من الفصاحة.
أما بيان النظم فإنه ﷺ قرر أولا بقوله: ((ألا إني أوتيت الكتاب)) أنه ﷺ شرع أيضا أحكاما
стр. 220
١٦٤ - وعن العرياض بن سارية, قال: قام رسول الله ﷺ فقال: ((أيحسب أحدكم متكئا على أريكته يظن أن الله لم يحرم شيئا إلا ما في هذا القرآن؟! ألا وإني
ــ
في الدين سوى القرآن, وثنى بتوبيخ من أنكر ذلك, وجعله متكبرا بطرا طاغيا, وثلث بما يشعر بالتعليل, وأن له أن يستقل بالأحكام, وربع ببيان صور معدودة تحقيقا للمطلوب كما مر. قوله: ((ومن نزل بقوم)) إلى آخره, أخرجه من سياق المبهمات, حيث لم يقل: لا يحل للمضيف أن لا يكرم ضيفه, وأبرزه في معرض الشرط والجزاء دلالة على أن ذلك ليس بمحرم, ولكنه خارج عن سمة أهل المروءة, وهدى أهل الإيمان, وليتأهل فاعله أن يخذل, ويستهجن فعله, ويجازى بكل قبيح.
فإن قلت: دلت هذه الصور على المحرمات, فأين ذكر ما أحله ﷺ قلت: الأصل في الأشياء الإباحة إلا ما خصه الدليل؛ لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ فخصت منها أشياء بنص التنزيل, وبقي ما عداها في معرض التحليل, فخص منها بنص الحديث بعض, فبقي سائرها على أصل الإباحة, وكأنه ﷺ نص على تحليلها, فلا يزيد ولا ينقص. والله أعلم.
الحديث الرابع عن العرباض: قوله: ((أيحسب)) ((شف)): ((يظن)) بدل من ((يحسب)) بدل الفعل من الفعل, و ((عن أشياء)) متعلق بلنهي فحسب, ومتعلق الأمر والوعظ محذوف, أي أمرت ووعظت بأشياء, ونهيت عن أشياء. أقول: يجوز أن يكون التكرار للتأكيد, كما في قوله تعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا ويُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ﴾ والواو في قوله: ((ألا وإني)) كالواو في ((وإنما حرام)) في الحديث السابق؛ لأن الهمزة في ((أيحسب)) للإنكار, وكذا في ((ألا)) فلمعنى أيحسب أحدكم أن الله خص المحرمات في القرآن؟ والحال أني قد حرمت, وأحللت, ووعظت. فأقحم حرف التنبيه المتضمن للإنكار بين الحال وعاملها, كما أقحم حرف الإنكار بين المبتدأ والخبر, في قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ﴾ جاءت الهمزة مؤكدة معادة بين المبتدأ المتضمن للشرط وبين الخبر, ذكره الزجاج.
((مظ)) ((أو)): في قوله: ((أو أكثر)) ليس للشك, بل إنه ﷺ كان يزداد علما طورا بعد طور, وإلهاما من قبل الله تعالى ومكاشفة لحظة بلحظة, فكوشف له أن ما أوتي من الأحكام غير القرآن مثله, ثم كوشف له بالزيادة متصلا به.
стр. 221
والله قد أمرت ووعظت ونهيت عن أشياء إنها لمثل القرآن أو أكثر, وإن الله لم يحل لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلا بإذن, ولا ضرب نسائهم, ولا أكل ثمارهم إذا أعطوكم الذي عليهم)) رواه أبو داود وفي إسناده: أشعث بن شعبة المصيصي, قد تكلم فيه. [١٦٤].
١٦٥ - وعنه, قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم, ثم أقبل علينا بوجهه فوعظنا موعظة بليغة, ذرفت منها العيون, ووجلت منها القلوب. فقال رجل:
ــ
أقول: يمكن أن يقال: ((أو)) هذه مثلها في قوله تعالى: ﴿وأَرْسَلْنَاهُ إلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ أي بل يزيدون. وقوله: (إن الله لم يحل)) إلى آخر الحديث كناية عن عدم التعرض لهم بأبدانهم في المسكن والأهل والمال إذا أعطوا الجزية, وإنما وضع قوله: ((الذي عليهم)) موضوع الجزية ليؤذن بفخامة العلة, وبأن عدم التعرض معلل بأداء ما عليهم, ولو صرح بها لم يفخم.
الحديث الخامس عن العرباض: قوله: ((ذات يوم)) سبق معناه في حديث جبريل. ((تو)): ((بليغة)) أي بالغ فيها بالإنذار والتخويف, كقوله تعالى: ﴿وقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا﴾ ((قض)): البلاغة وجازة اللفظ وكثرة المعنى مع البيان. أقول: والأول هو الوجه, لقوله: ((ذرفت منها العيون)) , أي منها الدمع, وكان ذلك لاستيلاء الخشية على القلوب, وتأثير الرقة فيها.
أقول: فإسناد الذرف إلى العيون كإسناد الفيض إليها في قوله تعالى: ﴿أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ كأن أعينهم ذرفت مكان الدمع مبالغة فيها, وفائدة تقديم ((ذرفت العيون)) على ((وجلت القلوب)) ومقره التأخير – على ما قاله الشيخ – للإشعار بأن الموعظة أثرت فيهم, وأخذت منهم بمجامعهم ظاهرا وباطنا.
قوله: ((إنهما لم يذكرا الصلاة)) أي الترمذي وابن ماجه لم يأتيا بصدر الحديث, وهو قوله: ((صلى بنا رسول الله ﷺ ) كما في المصابيح, فإنه افتتح بقوله: ((وعظنا رسول الله ﷺ ). قوله: ((موعظة مودع)) فائدة هذا القيد أن المودع عند الوداع لا يترك شيئا مما يهم المودع ويفتقر إليه إلا ويورده ويستقصي فيه.
стр. 222
يا رسول الله! كأن هذه موعظة مودع فأوصانا, فقال: ((أوصيكم بتقوى الله, والسمع والطاعة, وإن كان عبدا حبشيا, فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين, تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجد, وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة)) رواه أحمد وأبو داود, والترمذي وابن ماجه إلا أنهما لم يذكرا الصلاة. [١٦٥]
ــ
قوله: ((والسمع والطاعة)) أي أوصيكم بقبول قول الأمير وطاعته, وبما أمركم به ولو كان أدنى خلق, وهذا وارد على سبيل المبالغة لا التحقيق, كما جاء: ((من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة)) يعني لا تستنكفوا عن طاعة من ولى عليكم ولو كان عبدا حبشيا, إذ لو استنكفتم عنه لأدى إلى إثارة الحروب, وتهيج الفتن, وظهور الفساد في الأرض, فعليكم بالصبر والمداراة حتى يأتي أمر الله. والفاء في ((فإنه)) للتسبيب, جعلت ما بعدها سببا لما قبلها, يعني من قبل وصيتي, والتزم تقوى الله, وقبل طاعة من ولي عليه, ولم تهيج الفتن – أمن بعدي مما يرى من الاختلاف الكثير, وتشعيب الآراء, ووقوع الفتن. ثم أكد تلك الوصية بقوله: ((فعليكم بسنتي)) على سبيل الالتفات, وعطف عليه قوله: ((وإياكم ومحدثات الأمور)) تقريرا بعد تقرير, أو توكيدا بعد توكيد. وكذا قوله: ((تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ)) تشديد على تشديد. والمراد بالخلفاء الراشدين أبو بكر, وعمر وعثمان, وعلي – ﵃ أجمعين -. ((تو)) ليس معناه انتفاء الخلافة عن غيرهم؛ لأن النبي ﷺ قال: ((يكون في أمتي اثني عشر خليفة)) وإنما المراد تفخيم أمرهم, وتصويب رأيهم, والشهادة لهم بالتفوق فيما يمتازون به عن غيرهم. وإنما ذكر سنتهم في مقابلة سنته؛ لأنه علم أنهم لا يخطئون فيما يستخرجونه من سنته بالاجتهاد, ولأنه ﷺ عرف أن بعض سنته لا تشتهر إلا في زمانهم, فأضاف إليهم دفعا لتوهم من ذهب إلى رد تلك السنة, فأطلق القول باتباع سنتهم سدا لهذا الباب. و ((النواجذ)) الأضراس, وقيل: الضواحك, وقيل: الأنياب, والعض بالنواجذ مثل في التمسك بهذه الوصية بجميع ما يمكن من الأسباب المعنية عليه, كمن يتمسك بشيء ثم يستعين عليه بأسنانه استظهارا للمحافظة.
((حس)): في الحديث دليل على أن واحد من الخلفاء الراشدين إذا قال قولا وخالفه غيره من
стр. 223
١٦٦ - وعن عبد الله بن مسعود, قال: خط لنا رسول الله ﷺ خطا, ثم قال: ((هذا سبيل الله)) , ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله, وقال: هذه سبل, على كل
ــ
الصحابة كان المصير إلى قوله أولى, وإليه ذهب الشافعي ﵁ في القديم, قال: والحديث يدل على تفضيل الخلفاء الراشدين على غيرهم من الصحابة, وترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة. والله أعلم.
الحديث السادس عن عبد الله قوله: ((خط لنا خطا)) أي خط لأجلنا تقريبا وتفهيما لنا؛ لأن التصوير والتمثيل إنما يسلك ويصار إليه لإبراز المعاني المحتجبة, ورفع الأستار عن الرموز المكنونة, لتظهر في صورة المشاهد المحسوس, فيساعد فيه الوهم العقل, ويصالحه عليه.
((قض)): ((سبيل الله)) هو الدين القويم والطريق المستقيم, وهما الاعتقاد الحق والعمل الصالح, وذلك لا تتعدد أنحاؤه, ولا تختلف جهاته, لكن له درجات ومنازل, يقطعها السالك بعلمه وعمله, فمن زلت قدمه وانحرف عن أحد هذه المنازل فقد ضل سواء السبيل, وتباعد عن المقصد والمقصود, ولا يزال سيره وسعيه يزيد له انهماكا في الضلالة, وبعدا له عن المرمى, إلا أن يتداركه الله بفضله فيلهمه أنه ليس على الطريق, هذا مقام التوبة, ثم ينكص على عقبيه حتى يلحق بالمقام الذي انحرف عنه, وهو الإنابة, ثم يأخذ منها في سلوك ما يليها, وهو السداد. ((مظ)) قوله: ((هذا سبيل الله, ثم خط خطوطا)) إشارة إلى القصد بين الإفراط والتفريط؛ لأن سبيل أهل البدع مائل إلى جانب من الحق, مثاله مسئلة القدر والجبر, فالجبري مائل عن طريق الحق بقوله: لا كسب ولا اختار للعبد, فإنه تفريط؛ لأنه يؤدي إلى إبطال الكتب والرسل, والقدري أيضا مائل عنه؛ لأنهم يجعلون الخلق خالقا لأفعالهم, فإنه إفراط لما يفضي إلى الشرك؛ فطريق أهل السنة هو القصد, لأنهم يقولون: إن كل ما يجري على العباد بقضاء الله وقدره, ويثبتون الكسب للعبد.
وأقول – والله أعلم -: ((هذا سبيل الله)) وقوله: ((هذا صراطي)) أضيف إلى رب العزة, وعرف تفخيما وتعظيما لشأنهما, ونكر حين نسب إلى رسول الله ﷺ في قوله تعالى: ﴿إنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ مدحا, وثبوتها بشأن رسول الله ﷺ أي أنك على صراط, وتهدي إلى صراط, أي صراط الله العزيز الحميد, ثم عرف في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ﴾ تعليما للعباد, وإرشادا لهم إلى طلب هذا البغية السنية, والرفعة العلية, والثبات عليها والمواظبة لها, ولرفعة شأنهما جيء بالفاء في قوله: ﴿فَاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾
стр. 224
سبيل منها شيطان يدعو إليه)) , وقرأ: ﴿وأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ الآية)). رواه أحمد والنسائي, والدارمي. [١٦٦].
١٦٧ - وعن عبد الله بن عمرو, قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يؤمن أحدكم
ــ
وإلى هذا الصراط لمح رسول الله ﷺ في حديث عبد الله بن عمرو بقوله: ((ما أنا عليه وأصحابي)) وفي حديث معاوية: بقوله ((وهي الجماعة)) وتلك الخطوط التي خطت على اليمين والشمال مشار بها إلى مذاهب أهل الأهواء والبدع الذين تفرقوا على ثنتسن وسبعين ملة.
فإن قلت: ما وثوقك على أنك على الصراط المستقيم؟ فإن كل واحد من الفرق يدعي أنه عليها دون غيره؟ قلت: ليس ذلك بالادعاء والتثبيت باستعمال الوهم القاصر, والقول الزاعم, بل بالنقل عن جهابذة هذه الصنعة وعلماء أهل الحديث الذين جمعوا صحاح الحديث في أمور رسول الله ﷺ , وأحواله وأفعاله, وحركاته وسكناته, وكذا أحوال الصحابة من المهاجرين والأنصار, والذين اتبعوهم بإحسان, مثل جامع الإمام محمد بن إسماعيل البخاري, ومسلم بن حجاج, وغيرهما من الثقات المشهورين الذين اتفق أهل الشرق والغرب على صحة ما أوردوه في كتبهم من أمور االنبي وأصحابه, ومن تكفل باستنباط معانيها, وكشف مشكلاتها, كالإمام أبي سليمان الخطابي, والإمام محيي السنة أبي محمد البغوي والإمام محيي الدين النووي جزاهم الله عن المسلمين خيرا وجعل سعيهم في الدين مشكورا ثم بعد النقل ينظر من ذا الذي تمسك بهديهم, واقتفى أثرهم, واهتدى بسيرتهم في الأصول والفروع, فنحكم من الذين هم هم. والله أعلم بالصواب.
الحديث السابع عن عبد الله بن عمرو: قوله: ((لا يؤمن أحدكم)) ((تو)): الحديث محمول على نفى الكمال اتساعا, كما في قوله ﷺ : ((لا يؤمن أحدكم حتى يؤمن جاره بوائقه)) فهو لوجهين: من غير كلفة وكراهية. وذلك حين يذهب عنه كدر النفس, وتبقى صفوتها, فتحلى بالصفات النورانية, وتؤيد بالتقوى الروحانية, وهذه حالة نادرة لا توجد إلا في المحفوظين من أولياء الله – ومن الله المعونة في تيسير كل عسير. ثانيهما أنه يعتقد مخالفة هواه, فإنه إذا اعتقد ذلك وعرفه بالفرضية على نفسه فقد جعل هواه تبعا للشرع وإن يستقيم في المعاملة به.
((مظ)) يجوز أن يحمل هذا على نفي أصل الإيمان, أي يكون تابعا مقتديا لما جئت به من الشرع من الاعتقاد, لا عن الإكراه وخوف السيف مثل المنافقين. وأقول: إنما قيل: ((هواه تبعا)) ولم
стр. 225
حتى يكون هواه تبعا لما جئت به)). رواه في ((شرح السنة)) , قال النووي في ((أربعينه)): هذا حديث صحيح, رويناه في ((كتاب الحجة)) بإسناد صحيح. [١٦٧].
١٦٨ - وعن بلال بن الحارث المزني, قال قال رسول الله ﷺ : ((من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي, فإن له من الأجر مثل أجور من عمل بها من غير أن
ــ
يقل: ((هو تابع)) للإيذان بالمبالغة, وأن هواه الذي هو معبوده في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ﴾ ومالكه من قوله ﷺ : ((تعس عبد الدينار, وعبد الدرهم, وعبد الخميصة)) إذا كانا تابعين للشرع كان أبلغ ما يقال: إنه تابع له.
ويؤيده ما ذكره الشيخ التوربشتي من أنه محمول على نفي الكمال, أن النفس في أصل خلقها مجبولة على الميل إلى الشهوات النفسانية, والركون إلى استيفاء اللذات الجسمانية, فيستدعى في قهرها على طبيعتها جاذبة قوية تقمعها من أصلها, وإيمانا كاملا على اتباع الشرع, كما قال:
الظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فلعله لا يظلم
أي علة قوية وباعثة عظيمة, وما أحسن موقع ((حتى)) التدريجية؛ لأنها مؤذنة بأن المضارع المنفي ب ((لا)) إنما كملت على سبيل التدريج, حتى بلغت إلى درجة ألجأت الهوى إلى اتباع الشرع. ونظيره في الإثبات قوله ﷺ : ((إن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا)) وقد سبق بيانه, والفرق أن المنفي لم يزل في التناقص حتى يستكمل المثبت, والمثبت لم يزل في التزايد حتى ينتهي إلى الكمال – والله أعلم.
الحديث الثامن عن بلال: قوله: ((أحيا)) ((مظ)): السنة ما وضعه رسول الله ﷺ من أحكام الدين, وهي قد تكون فرضا كزكاة الفطر, وغير فرض كصلاة العيد, وصلاة الجماعة, وقراءة القرآن في غير الصلاة. وتحصيل العلم وما أشبه ذلك وإحياؤها أن يعمل بها, ويحرض الناس عليها, ويحثهم على إقامتها.
((شف)): نظم الحديث يقتضي ((من سنني)) بصسغة الجمع, لكن الرواية بصيغة المفرد, ((وبدعة
стр. 226
ينقص من أجورهم شيئا؛ ومن ابتدع بدعة ضلالة لا (يرضاها) الله ورسوله, كان عليه (من الإثم) مثل آثام من عمل بها لا ينقص من (أوزارهم) شيئا)) رواه الترمذي. [١٦٨].
١٦٩ - ورواه ابن ماجه عن كثير بن عبد الله بن عمرو, عن أبيه عن جده.
١٧٠ - وعن عمرو بن عوف, قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الدين ليأرز إلى
ــ
ضلالة)) يروى بالإضافة, ويجوز أن ينتصب نعتا ومنعوتا. أقول: قوله: ((من سنتي)) على ما أورد مفردا جنس شائع في أفراد, و ((أحيا)) استعير للعمل بها, وحث الناس عليها, و ((أميتت)) استعارة أخرى لما يقابلها من الترك, ومنع الناس بإقامتها, وهي كالترشيح للاستعارة الأولى, وقوبل قوله: ((أحي سنة من سنتي قد أميتت)) بقوله: ((ابتدع بدعة ضلالة لا يرضاها الله تعالى ورسوله)) , ووصف السنة بقوله: ((من سنتي)) لتمتاز عن سائر السنن, فإن السنة عبارة عن وصع الشيء ورسمه ليقتدي به, ووصف البدعة وبينهما بقوله: ((ضلالة)) ليشير بأن بعضا من البدعة ليس من الضلالة, كما سبق في تقسيمها. وقوبل قوله: ((قد أميتت)) بقوله: ((لا يرضاها الله ورسوله)) وذلك لأن المبتدع إنما يميت السنة لأنه لا يرضاها, ولا يحب أن يعمل بها.
الحديث التاسع عن عمر بن عوف: قوله: ((إلى الحجاز)) مكة والمدينة وما ينضم إليهما من البلاد, سميت بذلك لأنها حجزت بين نجد والغور. قوله: ((ليعقلن)) جواب للقسم, والجملة معطوفة على خبر ((إن)) على تقدير: أقسم بالله. و ((الدين)) مظهر وضع موضوع المضمر, ويجوز
стр. 227
الحجاز كما تأرز الحية إلى جحرها, وليعقلن الدين من الحجاز معقل الأروية من رأس الجبل. إن الدين بدأ غريبا وسيعود كما بدأ, فطوبى للغرباء وهم الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنتي)) رواه الترمذي. [١٧٠].
١٧١ - وعن عبد الله بن عمرو, قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليأتين على أمتي كما أتى على إسرائيل حذو النعل بالنعل, حتى إن كان منهم من أتى أمة علانية,
ــ
أن يكون العطف للجملة على الجملة, وإنما ضوعف أدوات التأكيد وأقيم المظهر موضوع المضمر لأن هذا التمثيل أشرف وأحسن وأنسب بالدين, وكان الاهتمام بهذه الجملة أشد.
((نه)): ((ليعقلن)) ليتحصن به, ويعتصم ويلتجئ إليه, كما يلتجئ الوعل إلى رأس الجبل, و ((الأروية)) الأنثى من الوعول, كأنه ﷺ خص الأنثى بالذكر لأنها أقدر على التمكن مما توعر من الجبال. و ((معقل)) مصدر بمعنى العقل, يجوز أن يكون اسم مكان. وقيل: معناه أن بعد انضمام أهل الدين إلى الحجاز ينقرضون عنه, ولم يبق منهم فيه أحد.
الشارحون: في أكثر نسخ المصابيح: زيد بن ملحة عن أبيه عن جده, وهو غلط لأن زيد بن ملحة جاهلي جد عمرو بن عوف. والصواب رواه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده. وقد مضى شرحه مستقصى في الفصل الأول من الباب في الحديث التاسع.
الحديث العاشر عن عبد الله بن عمرو قوله: ((ليأتين)) الإتيان المجيء بسهولة, وعدى بعلى لمعنى الغلبة المؤدية إلى الهلاك, ومنه قوله تعالى: ﴿مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إلَاّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ ((تو)) المراد ((بالأمة)) من تجمعهم دائرة الدعوة من أهل القبلة لأنه أضافهم إلى نفسه, وأكثر ما ورد في الحديث على هذا الأسلوب فإن المراد منه أهل القبلة, ولو ذهب إلى أن
стр. 228
لكان في أمتي من يصنع ذلك. وإن بني إسرائيل تفرقت ثنتين وسبعين ملة, وتفرق أمتي على ثلاث وسبعين ملة, كلهم في النار إلا ملة واحدة)). قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: ((ما أنا عليه وأصحابي)) رواه الترمذي [١٧١].
ــ
المراد أمة الدعوة فله وجه, وحينئذ يتناول أصناف أهل الكفر. والملة في الأصل ما شرع الله تعالى لعباده على ألسنة الأنبياء, ليتوصلوا به إلى جوار الله, ويستعمل في جملة الشرائع دون آحادها, ثم اتسعت فاستعملت في الملل الباطلة, فقيل: الكفر كله ملة واحدة. والمعنى أنهم يفترقون فرقا يتدين كل واحد منها بخلاف ما تتدين به الأخرى, فسمى طريقتهم ملة مجازا.
وإذا حمل الملة على أهل القبلة فمعنى قوله: ((كلهم في النار)) أنهم متعرضون لما يدخلهم النار من الأفعال الردية.
أو المعنى أنهم يدخلونها بذنوبهم, ثم يخرج منها من لم تفض به بدعته إلى الكفر برحمته, و ((إلا ملة واحدة)) أي أهل ملة واحدة, وكشف بقوله: ((ما أنا عليه وأصحابي)) عما سألوه بقولهم: (من هي))؛ لأن سرت في عروقهم ومفاصلهم, و ((يتجارى)) أكثر ما يستعمل في الحديث لأن كل واحد منها يجري مع صاحبه. و ((الأهواء)) جمع هوى, وهو الميل إلى ماتشتهي النفس, ويقال: سمي بذلك لأنه يهوي بصاحبه في الدنيا إلى الداهية, وفي الآخرة إلى الهاوية. وإنما جمعها إيذانا باختلاف أهوائهم وآرائهم, ويسلك كل منهم من الحيرة والضلال فجا غير فج الآخر. والكلب داء يعتري الإنسان من عضة الكلب, وهو داء يأخذه شبه الجنون فيكلب بلحوم الناس, فإذا عض إنسانا كلب ويستولي عليه شبه الماليخوليا.
((مظ)): ((حذو النعل بالنعل)) جعل الشيء مثل شيء آخر, وهو منصوب على المصدر, بعني أفعال بعض أمتي في القبح مثل أفعال بني إسرائيل. أقول: ذهب إلى أن فاعل ((ليأتين)) مقدر, يدل عليه سياق الكلام, والكاف منصوب على المصدر, وذهب الأشرفي إلى أنه فاعل, وقدر المعنى أنه عليهم مثل ما أتى على بني إسرائيل. وقال: ولعل المراد ب ((الأم)) زوجة الأب’ والتقييد بالعلانية لبيان وقاحته, وصفاقة وجهه.
قوله: ((لكان في أمتي)) اللام فيه جواب ((إن)) على تأويل ((لو)) كما أن ((لو)) تأتي بمعنى ((إن)) و ((حتى)) هي الداخلة على الجملة الشرطية. وقوله: ((ما أنا عليه وأصحابي)) روى محيي السنة عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله: ((إن الله تعالى نظر في قلوب العباد, فاختار محمدا ﷺ ,
стр. 229
١٧٢ - وفي رواية أحمد, وأبي داود, عن معاوية: ((ثنتان وسبعون في النار, وواحدة في الجنة, وهي الجماعة, وإنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه, لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله)) [١٧٢].
ــ
فبعثه برسالته، وانتخبه بعلمه, ثم نظر في قلوب الناس, فاختار له أصحابا, فجعلهم أنصار دينه ووزراء نبيه, فما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن, وما رأوه قبيحا فهو عند الله قبيح)).
((حس)): ((الجماعة)) عند أهل العلم أهل الفقه والعلم. قال شريح: إن السنة قد سبقت قياسكم, فاتبع ولاتبتدع, فإنك لن تضل ما أخذت بالأثر. وقال الشعبي: إنما الرأي بمنزلة الميتة إذا احتجت إليها أكلتها, قال سفيان في تفسير الجماعة: لو أن فقيها على رأس الجبل لكان هو الجماعة.
قوله في رواية معاوية: واحدة في الحنة)) ((مظ)): إنه متصل بقوله: ((كلهم في النار)) وقدر كلهم وواحدة في الجنة. وفيه نظر, لأنه إذا أريد بكلهم ثلاث وسبعون ملة كيف يعطف عليه ((وواحدة))؟ والرواية الصحيحة في سنن أبي داود: ((إن هذه الأمة ستفرق على ثلاث وسبعين, ثنتان وسبعون في النار, وواحدة في الجنة, وهي الجماعة)) أقول: قوله: ((وإن بني إسرائيل)) صرح به بعد أن ذكره تقبيحا لصنيعهم, وأن ذلك دأبهم وعادتهم, و ((إن)) في قوله: ((إن منهم)) مكسورة في جامع الأصول, وهي شرطية, و ((لكان)) جواب قسم محذوف, وهو جزاء الشرط. وفي قوله: ((على ثلاث وسبعين ملة)) إشارة إلى أنهم ساووا بني إسرائيل في تلك الأحوال القبيحة, وزادوا في ارتكاب البدع بدرجة.
وقوله: ((ماأنا عليه وأصحابي)) الظاهر أن يقال: من كان على ما أنا عليه وأصحابي, لأنه جواب عن قولهم: ((من هي؟)) فعدل إلى ((ما)) , وأراد بها الوصفية, أي هم المهتدون المتمسكون بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي, كقوله تعالى: ﴿ونَفْسٍ ومَا سَوَّاهَا﴾ أي القادر العظيم الشأن سواها. والواو في ((وهي الجماعة)) كما هي في قوله تعالى ﴿وإنَّ مِنَ الحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ﴾ دخلت على الجملة المثبة, و ((تلك الأهواء)) إشارة إلى ما يتضمن نعنى ثنتين وسبعين ملة من هذه الأمة غير الأمة [المحققة] *, ووضع الأهواء موضوع البدع وضعا للسبب موضوع المسبب, لأن هوى الرجل هو الذي يحمله على إبداع ذلك الرأي الفاسد.
وأما تقرير التشبيه فهو أنه ﷺ شبه حال الزائغين من أهل البدع في استيلاء تلك الأهواء
стр. 230
١٧٣ - وعن ابن عمر, قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله لا يجمع أمتي – أو قال: أمة محمد – على ضلالة, ويج الله على الجماعة, ومن شذ شذ في النار)). رواه الترمذي [١٧٣].
ــ
عليهم, وذهابها في كل واد مرد, وفي سريان تلك الضلالة منهم إلى الغير يدعونهم إليها, ثم تنفرهم من العلم, وامتناعهم من قبوله حتى يهلكوا جهلا – بحال صاحب الكلب, وسريان تلك العلة في عروقه ومفاصله, وحصول شبه الجنون منه ثم تعديه إلى الغير – بعقره إياه, وتنفره من الماء, وامتناعه عنه حتى يهلك عطشا. ولعمري
١
عن هذا التمثيل أبلغ وأشنع من تمثيل بلعم بن باعوراء في قوله تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾ والله أعلم.
الحديث الحادي عشر عن ابن عمر: قوله: ((لا يجمع)) ((تو)): من الله تعالى على هذه الأمة بالنصرة والحفظ, أو من عليهم بالتوفيق لموافقة الجماعة. ((ومن شذ)) أي انفراد عن الجمهور والسواد الأعظم فقد شذ فيما يدخله النار, أو شذ في أمر النار. ((مظ)): في الحديث دليل على أن إجماع الأمة حق, والإجماع هو إجماع علماء المسلمين.
أقول: قوله: ((أو قال أمة محمد)) تردد من الراوي, ولعل هذا أظهر في الدراية لأن التخصيص يدل على امتياز أمته من سائر الأمم بهذه الفضيلة, وأن كون المنسوب إليه من اسمه محمد يقتضي هذه ثم عقبه بقوله: ((ويد الله على الجماعة)) , ومعنى ((على)) كمعنى ((فوق)) في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ فهو كناية عن النصرة والغلبة؛ لأن من بايع
стр. 231
١٧٤ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((اتبعوا السواد الأعظم, فإنه من شذ شذ في النار)) رواه ((ابن ماجه من حديث أنس)).
ــ
الإمام الحق فكأنما بايع الله, ومن بايع الله فإنه ينصره, ويخذل أعداءه. أي هو ناصرهم ومصيرهم غالبين على من سواهم, فينبغي لمن ينتمي إلى محمد ﷺ أن لا يفارقهم, ومن فارقهم خلع ربقة الطاعة من عنقه, وخرج عن نصرة الله تعالى فدخل النار, فالواو في قوله: ((ومن شذ)) للعطف على معنى الحصول في الوجود, وتفويض ترتب الثانية على الأولى إلى فهم السامع الفطن الذكي كما تقرر في علم المعاني.
ويحتمل أن يضمن ((يد الله)) معنى الإحسان والإنعام بالتوفيق على استنباط الأحكام, وعلى الاطلاع على ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه من الاعتقاد المستقيم, والأخلاق الفاضلة, فإن ((ضلالة)) لفظ مطلق شامل لمعنى أنواع الضلالة من الاجتماع على إمام يقتدون به, وعلى حكم يستنبطونه, وعلى اعتقاد يعتقدونه فالمناسب أن يعبر بالضلالة عن الباطل؛ لأنه يجمع المعاني الثلاثة التي يستدعيها باب التمسك بالكتاب والسنة على سبيل الاشتراك المسمى بعموم المجاز. والله أعلم.
الحديث الثاني عشر عن ابن عمر: قوله: ((السواد الأعظم)) ((غب)) السواد يعبر به عن الجماعة الكثيرة, والسيد: المتولي للسواد الكثير, ولما كان من شرط المتولي للجماعة أن يكون مهذب النفس قيل لكل من كان فاضلا في نفسه: سيد, ويقال: ساد القوم يسودهم, ولا يقال: سيد الثوب والفرس.
((مظ)): المعنى انظروا إلى الناس وإلى ماهم عليه, فما عليه الأكثر من علماء المسلمين من الاعتقاد والقول والفعل فاتبعوهم فيه, فإنه هو الحق, وما عداه باطل. هذا في الأصول, كالاعتقاد في أركان الإسلام, وأما الفروع ففي نحو بطلان الوضوء بمس الفرج ولمس النساء وأشباههما فلا حاجة فيها إلى وجوب الإجماع, بل كل من أفتى فيه من المجتهدين كمالك, والشافعي, وأبي حنيفة, وأحمد – ﵃ – يجوز العمل به.
стр. 232
١٧٥ - وعن أنس, قال: قال لي رسول الله ﷺ : ((يابني إن قدرت أن تصبح وتمسي وليس في قلبك غش لأحد فافعل)). ثم قال: ((يابني! وذلك من سنتي, ومن أحب سنتي فقد أحبني, ومن أحبني كان معي في الجنة)) رواه الترمذي. [١٧٥].
١٧٦ - وعن أبي هريرة, قال: قال رسول الله ﷺ : ((من تمسك بسنتي عند فساد أمتي, فله أجر مائة شهيد)) رواه [١٧٦].
ــ
الحديث الثالث عشر عن أنس: قوله: ((أن تصبح)) أي تدخل في وقت الصبح, وقوله: ((ليس)) حال تنازع فيه الفعلان, والمراد بهما الديمومة و ((الغش)) نقيض النصح الذي هو إرادة الخير لأحد, والغش مأخوذ من الغشش وهو المشرب الكدر, و ((أحد)) عام شامل للمؤمن والكافر, فإن نصيحة الكافر أن يجتهد في إيمانه, وسيعى في خلاصه من ورطة الهلاك باليد, واللسان, وبالتأليف بما يقدر عليه من المال. وقوله: ((فافعل)) جزاء كناية عما سبق في الشرط من المعنى, أي إن فعلت ما نصحتك به فقد أوتيت بأمر عظيم, ولهذا أشار بقوله: ((ذلك)) للإشعار بأنه رفيع المنزلة, بعيد المتناول. وأخبر عنه بقوله: ((من سنتي)) وعقبه بقوله: ((ومن أحب)) إلى آخره.
الحديث الرابع عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله ((فله أجر مائة شهيد)) (مظ)): وذلك لأنه يلحقه مشقة في ذلك الوقت بإحياء السنة والعمل بها, فهو كالشهيد الذي قاتل الكفار لإحياء الدين حتى قتل. أقول: قيل: ((فساد أمتي)) ولم يقل: إفسادهم لأنه أبلغ, كأن ذواتهم قد فسدت, فلا يصدر منهم صلاح ولا ينجع الوعظ فيهم, ولا ينزلون عن منكر فعلوه ولا يفعلون معروفا أمروا به, ولا سيما إذا ظهر ذلك في العلماء منهم, والمقتفين لآثارهم.
стр. 233
١٧٧ - وعن جابر, عن النبي ﷺ حين أتاه عمر فقال: إنا نسمع أحاديث من يهود تعجبنا, أفترى أن نكتب بعضها؟ فقال: ((أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى؟! لقد جئتكم بها بيضاء نقية, ولو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي)) رواه أحمد, والبيهقي في كتاب ((شعب الإيمان)) [١٧٧].
ــ
إلى الماء يسعى من يغص بلقمة فقل: أين يسعى من يغص بماء؟
ولن يرتجي برئي ولا كشف علتي إذا جاء دائي من مكان دوائي
فإذا المجاهدة معهم أصعب وأشق من المجاهدة مع الكفار, ولذلك ضوعف أجر من جاهدهم على من جاهد الكفار أضعافا كثيرة.
الحديث الخامس عشر عن جابر: قوله: ((من يهود)) ((الزمخشري)):الأصل في يهودي ومجوسي أن يستعملا بغير لام التعريف, لأنهما علمان خاصان لقومين أو لقبيلتين, وإنما جوز تعريفهما بالام, لأنه أجرى يهوديا مجرى شعيرة وشعير. ((فا)): تهوك وتهور أخوان في معنى وقع في الأمر بغير روية: وقيل: التهوك والتهفك الاضراب في القول, وأن يكون على غير استقامة, ((حس)): أي متحيرون أنتم في الإسلام, لا تعرفون دينكم حتى تأخذوه من أهل الكتاب؟ والضمير في ((بها)) للملة الحنيفة.
((تو)): وصفها بالبياض تنبيها على كرمها وفضلها؛ لأن البياض لما كان أفضل لون عند العرب عبر به الفضل والكرم, حتى قيل لمن يتدنس بمعاب: هو أبيض الوجه, ونقيه قريب من هذا المعنى. ويحتمل أن يراد أنها مصونة عن التبديل والتحريف, خالية عن التكاليف الشاقة, وأشار بذلك إلى أنه أتاهم بالأعلى والأفضل, واستبدال الأدنى عند مظنة التحير, وقد شهد التنزيل على نقلة تلك الأحاديث بالفسق والفرية, فلا يؤمن منهم اللبس على المؤمنين في أمر دينهم, وإنما أنكر عليهم لأن طلبهم يشعر بأنهم اعتقدوا نقصلن ما أتى به النبي ﷺ و ((بيضاء نقية)) منصوبان على الحال, وكلاهما عبارة عن الظهور والصفاء, والخلوص عن الشك والشبهة, واليسر, لا مشقة فيها, كما في دين اليهود من قطعهم موضع النجاسة من الثوب, وإخراج ربع أموالهم للزكاة, وغيرهما من العسر. و ((ما وسعه)) أي ماينبغي له أن يفعل إلا اتباعي, فإذا كانت هذه حال موسى فكيف بكم تطلبون من هؤلاء المحرفين ما تنتفعون به؟.
أقول: قوله: ((أفترى)) الفاء فيه تستدعي معطوفا عليه, أي أيحسن ذلك فترى أن نكتب؟
و ((بيضاء نقية)) حالان مترادفان من الضمير المفسر بالملة, ((ولو كان موسى حيا)) حال متداخلة من
стр. 234
١٧٨ - وعن أبي سعيد الخدري, قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أكل طيبا, وعمل في سنة, وأمن الناس بوائقه, دخل الجنة)) فقال رجل: يارسول الله! إن هذا اليوم لكثير في الناس؟ قال: ((وسيكون في قرون بعدي)) رواه الترمذي [١٧٨].
ــ
الضمير في البيضاء استعارة لسطوع براهين هذه الملة المستقيمة, ووضوح دلائلها القويمة مما له بياض ونقاوة.
الحديث السادس عشر عن أبي سعيد: قوله: ((من أكل طيبا)) ((تو)): أي حلالا, وعمل في موافقة سنة, وإنما نكرها لأن كل عمل يفتقر إلى معرفة سنة وردت فيه. و ((بوائقه)) مفسرة في بعض الأحاديث, فروى: ظلمه وغشه, وقيل: غوائله وشره, والبائقة الداهية. وقوله: ((إن هذا اليوم لكثير)) أي الذي تصفه, يحتمل أن الرجل قال ذلك حمدا لله تعالى وتحدثا بنعمته, ثم قال: ((وسيكون في قرون بعدي)) ليوقفه على أن ذلك غير مختص بالقرن الأول. ويحتمل أنه فهم من قوله: ((من أكل طيبا)) إلى آخر التحريض على الخصال المذكورة, والزجر عن مخالفته, ووجد الناس يتدينون بذلك, ويحرصون عليه, فخاف أن النبي ﷺ اطلع على خلاف ذلك في مستقبل الأمر منهم, فأحب أن يستكشف عنه, فقال هذا القول, فعرف رسول الله ﷺ منه ذلك, فأجابه ﷺ بقوله: ((وسيكون في قرون بعدي) فاختصر الكلام اعتمادا على فهم السامع, وتحويلا للأمر المحذر.
وأقول: أراد الشيخ أن ((سنة)) نكرة وضعت موضع المعرفة لإرادة استغراق الجنس بحسب أفراده, كما في قوله تعالى: ﴿ولَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلامٌ﴾ ولم يقل: شجرا, إرادة تقصيها شجرة شجرة, حتى لا يبقى من جنس الشجر ولا واحدة إلا وقد بريت أقلاما. وفائدته أن كل عمل واجب ومندوب ومباح وردت فيه سنة ينبغي مراعاتها, حتى قضاءالحاجة, وإماطة الأذى عن طريق المسلمين فكل من راعاها بأسرها في حركاته سكناته فقد اتصف بهذه الخصلة. وأول الظرف بقوله: ((في موافقة سنة)) فقدر المضاف ليستقيم المعنى. ويمكن أن يقال: إنه وقع ((في سنة)) ظرفا للعمل إشعارا بأنها مكان العمل ومقره, فإن كل عمل لا يوقع في سنة فليس بعمل, ولا يعتد به. وقوله: ((من أكل طيبا)) يجوز أن يحمل على ظاهر الإخبار كما في الوجه الأول, وأن يحمل على معنى الأمر, والحث على فعل هذه الحال, والنهي عن أضدادها,
стр. 235
١٧٩ - وعن أبي هريرة, قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنكم في زمان ترك نمكم عشر ما أمر به هلك, ثم يأتي زمان من عمل منهم بعشر ما أمر به نجا)) رواه الترمذي [١٧٩].
١٨٠ - وعن أبي أمامة, قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما ضل قوم بعد هدي كانوا عليه إلا أوتوا الجدل)) ثم قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إلَاّ جَدَلاً بَلْ
ــ
كأن ﷺ أشار بذلك إلى أن هذه الخلال شاقة يجب العمل بها, وقيل فاعلها, كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ فقال الرجل: إن مثل هؤلاء الشاكرين لكثير في يومنا هذا, فأتى بإن واللام تقريرا وتأكيدا لكلامه, فأجابه ﷺ وقرر كلام الرجل, وعطف عليه الجواب, أي نعم هم كثيرون اليوم, وسيكون بعدي أي وسيكونون بعدي و ((بعدي)) على الوجه الأول محمول على التابعين ومن يلونهم, وعلى الثاني دونهم من الأمم القاصية, كما ورد في الحديث المشهور, والله أعلم.
الحديث السابع عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((إنكم في زمان)) الجملة الشرطية بعد صفة لزمان, والراجع محذوف, أي من ترك منكم فيه. الشارحون: لا يجوز صرف هذا إلى عموم المأمورات, لما عرف أن أحدا لا يعذر إذا ترك ما عليه من الفرض المختص به, وإنما ورد في الأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر, يعني إنكم في زمان عزة الدين, وظهور الحق, ونزول الوحي, ومشاهدات المعجزات, وبين ظهراني رسول الله ﷺ فلا يعذر أحدكم في التهاون, بخلاف من يأتي بعدكم في زمان تشيع فيه الفتن, ويتوارى الحق, ويقل أنصار الدين.
وأقول: لعل هذا المعنى غير مناسب لباب التمسك بالكتاب والسنة, بل حمله على مامر في الحديث السابق – وهو قوله ﷺ : ((من عمل في سنة)) على ما بيناه – كان أنسب, ويلزم منه معنى الأمر بالمعروف, أو النهي عن المنكر بالطريق الأولى, ويجري معنى قوله: ((مما أمر به)) في أمر الندب.
الحديث الثامن عشر عن أبي أمامة: قوله: ((أوتوا)) حال, و ((قد)) مقدرة, والمستثنى منه أعم عام الأحوال, وصاحبها الضمير المستقر في خبر ((كان)) , والمعنى ما ضل قوم مهديون كائنين على حال من الأحوال إلا على إيتاء الجدل. يعني من ترك سبيل الهدى وركب متن الضلال عارفا بذلك لابد أن يسلك طريق العناد واللجاج, ولا يتمشى له ذلك إلا بالجدل. فإن قلت:
стр. 236
هم قوم خصمون). رواه أحمد, والترمذي, وابن ماجه. [١٨٠].
١٨١ - وعن أنس بن مالك, أن رسول الله ﷺ كان يقول: ((لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم, فإن قوما شددوا على أنفسهم, فشدد الله عليهم, فتلك يقاياهم في الصوامع, والديار ﴿رَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾)). رواه أبو داود [١٨١].
ــ
كيف طابق هذا المعنى الآية حتى استشهد بها؟ قلت: من حيث إنهم عرفوا الحق بالبراهين الساطعة ثم عاندوا وانتهزوا مجالا للطعن, فلما تمكنوا مما التمسوه جادلوا الحق بالباطل, وكذا دأب* الفرق الزائغة من الزنادقة وغيرها.
((قض)): المراد بهذا الجدل العناد, والمراء, والتعصب في ترويج مذهبهم, وآراء مشايخهم, من غير أن يكون لهم نصرة على ماهو الحق, وذلك محرم, أما المناظرة لإظهار الحق, واستكشاف الحال, واستعلام ما ليس معلوما عنده, أو تعليم غيره ما هو عنده ففرض على الكفاية, خارج عما نطق به الحديث. ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إلَاّ جَدَلاً﴾ أي ما قالوه لك: ﴿وقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ وأرادوا به أن الملائكة خير أم عيسى؟ فإذا عبد النصارى عيسى فنحن نعبد الملائكة, ما قالوا ذلك إلا جدلا وعنادا, لا دليل وبرهان, ولم يسألوا ذلك لطلب الحق بل لمخاصمتك, وإيذائك بالباطل.
الحديث التاسع عشر عن أنس: قوله: ((فيشدد)) نصب على جواب النهي, والفاء في ((فإن قوما)) سبب للفعل المنهي المسبب عنه الشدة. والفاء في ((فتلك)) للتعقيب, و ((تلك)) إشارة إلى ما في الذهن من تصور جماعة باقية من أولئك المشددين, والخبر بيان له, كما في قوله تعالى: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾.
قوله: ﴿ورَهْبَانِيَّةً﴾ وهي ترهبهم في الجبال, فارين من الفتنة في الدين, مخلصين أنفسهم للعبادة, ومعناها الفعلة المنسوبة إلى الرهبان وهو الخائف, فعلان من رهب, كخشيان
стр. 237
١٨٢ - وعن أبي هريرة, قال: قال رسول الله ﷺ : ((نزل القرآن على خمسة أوجه: حلال, وحرام, ومحكم, ومتشابه, وأمثال. فأحلوا الحلال, وحرموا الحرام, واعملوا بالمحكم, وآمنوا بالمتشابه, واعتبروا بالأمثال)). هذا لفظ المصابيح, وروى البيهقي في ((شعب الإيمان)) ولفظه: ((فاعملوا بالحلال, واجتنبوا الحرام واتبعوا المحكم)) [١٨٢].
١٨٣ - وعن ابن عباس, قال: قال رسول الله ﷺ : ((الأمر ثلاثة: أمر بين رشده فاتبعه, وأمر بين غيه فاجتنبه, وأمر اختلف فيه فكله إلى الله ) رواه أحمد. [١٨٣].
ــ
من خشي, انتصابهما بفعل مضمر يفسره الظاهر, وهو ((ابتدعوها)) , يعني أحدثوها من عند أنفسهم, ولم نفرضها على أنفسهم, ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله, فما رعوها حق رعايتها, ومن التشدد فعل بني إسرائيل من أمر البقرة وذبحها.
الحديث العسرون عن أبي هريرة قوله: ((محكم ومتشابه)) قد سبق معناهما, وطريق الحصر فيهما في الفصل الأول من هذا الباب, فهو على هذا من عطف العام على الخاص, وعكسه عطفا على الحلال والحرام, ثم عطف الأمثال عليها, فينبغي أن يحملا على التصديق, وما يتعلق بالاعتقادات من إثبات الصفات لله تعالى, وأمر الحشر والنشر, ومن صرح بذكر الإيمان في قوله: ((وآمنوا بالمتشابه)).
الحديث الحادي والعشرون عن ابن عباس: قوله: ((اختلف فيه)) ((مظ)): يعني ما علمت كونه حقا بالنص فاعمل به, وما علمت بطلانه بالنص فاجتنبه, وما لم يثبت حكمه بالشرع فلا تقل فيه شيئا, وفوض أمره إلى الله مثل متشابهات القرآن, وأمر القيامة. ((واختلف فيه)) يحتمل أن
стр. 238
الفصل الثالث
١٨٤ - عن معاذ بن جبل, قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم, يأخذ الشاذة والقاصية والناحية, وإياكم والشعاب, وعليكم بالجماعة والعامة)) رواه أحمد [١٨٤].
١٨٥ - وعن أبي ذر, قال: قال رسول الله ﷺ : ((من فارق الجماعة شبرا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه)) رواه أحمد, وأبو داود. [١٨٥].
ــ
يكون معناه اشتبه وخفى حكمه, ويحتمل أن يرا اختلاف الناس فيه من تلقاء أنفسهم. أقول: الأولى أن يفسر هذا الحديث بما ورد في آخر الفصل الثالث في حديث أبي ثعلبة.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن معاذ: قوله: ((إن الشيطان ذئب الإنسان)) الذئب مستعار للإفساد والإهلاك, أي إن الشيطان مفسد للإنسان ومهلكه, كذئب أرسل إلى قطيع من الغنم. و ((يأخذ الشاذة)) صفة الذئب, لأنه بمنزلة النكرة, كما في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ ويجوز أن يكون حالا, والعامل معنى التشبيه, وهو تمثيل مثل حالة مفارقة الجماعة والسواد الأعظم وانقطاعه عنهم واعتزاله عن صحبتهم ثم تسلط الشيطان عليه وإغوائه, بحالة شاة قاصية شاذة عن قطيع الغنم, ثم افتراس الذئب إياها بسبب انقطاعها. ووصف الشاة بصفات ثلاث, ف ((الشاذة)) هي النافرة التي لم تؤنس, و ((القاصية)) التي قصدت البعد لا عن التنفر, و ((الناحية)) هي التي غفلت عنها, وبقيت في جانب منها, فإن الناحية هي التي صارت في ناحية من الأرض. و ((الشعاب)) من الشعب, وهو من الوادي ما اجتمع منه طرف وتفرق طرف, ولذلك قيل: شعبت الشيء إذا جمعته, وشعبته إذا فرقته. ولما فرغ من التمثيل أكده بقوله: ((إياكم والشعاب)) وعقبه بقوله: ((ربقة الإسلام)) الربقة عروة في حبل يجعل في عنق ابهيمة أو يدها تمسكها, فاستعارها لانقياد الرجل واستسلامه لأحكام الشرع, وخلعها لارتداده وخروجه عن طاعة الله ومتابعة رسوله.
стр. 239
١٨٦ - وعن مالك بن أنس مرسلا قال: قال رسول الله ﷺ : ((تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة رسوله)) رواه في ((الموطأ)) [١٨٦].
١٨٧ - وعن غضيف بن الحراث الثمالي، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما أحدث قوم بدعة إلى رفع مثلها من السنة؛ فتمسك بسنة خير من إحداث بدعة)) رواه أحمد [١٨٧].
ــ
الحديث الثالث عن مالك: قوله: ((تركت فيكم أمرين)) سيأتي شرحه مستقصى في باب مناقب أهل البيت إن شاء الله تعالى.
الحديث الرابع عن غضيف: قوله: ((مثلها)) جعل أحد الضدين مثل الآخر لشبه التناسب بين الضدين وإخطار كل منهما بالبال مع ذكر الآخر، وحدوثه عند ارتفاع الآخر، وعليه قوله تعالى: ﴿جاء الحق وزهق الباطل﴾، فكما أن إحداث السنة يقتضي رفع البدعة، كذلك عكسه، ولذلك قال: ((فتمسك بسنة)) نزرة ((خير من إحداث بدعة مستحسنة))، كما إذا أحيي آداب الخلاء مثلاً على ما ورد في السنة، فهو خير من بناء رباط أو مدرسة، والسر فيه هو أن من راعي هذا الأدب فإنه يوفقه ويلطف به، حتى يترقى منه إلى ما هو أعلى منه، فلا يزال في الترقي والصعود إلى أن يبلغ مقام القرب، ومخدع الوصل كما قال: ((وما يزال عبدي يتقرب إلى النوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به)) الحديث. ومن تركه يؤديه ذلك إلى ترك الأفضل، حتى ينتقل إلى مقام الرين والطبع، فالفاء في ((فتمسك)) جزاء شرط محذوف.
стр. 240
١٨٨ - وعن حسان. قال: ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها، ثم لا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة. رواه الدارمي [١٨٨].
١٨٩ - وعن إبراهيم بن ميسرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من وقر صاحب بدعة، فقد أعان على هدم الإسلام)) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) مرسلاً [١٨٩].
ــ
ويمكن أن يحمل هذا على باب قوله تعالى: ((أي الفريقين خير مقاماً)) وقولهم: ((العسل أحلى من الخل، والصيف أحر من الشتاء)) يعني أن السنة في بابها أبلغ من البدعة في بابها، وذلك أن قوله ﷺ : ((خير الهدي هدي محمد)) المراد بالهدي الطريقة التي لا شر فيها، وخيرها سنة محمد، وقوله: ((شر الأمور محدثاتها)) هذه الأمور لا خير فيها، وشرها البدعة، فيلزم من هذا أن يكون هدى محمد في بابه أبلغ من الشر في بابه، لأن الخير غالباً غالب على الشر وقامع له، كما قال الله تعالى: ((جاء الحق وزهق الباطل)).
الحديث الخامس عن حسان: قوله: ((لا يعيدها إلى يوم القيامة)) وذلك أن السنة القديمة كانت متأصلة مستقرة مكانها، فلما أزيلت عن مقرها لم يمكن إعادتها كما كانت أبداً، فمثلها كمثل شجرة ضربت عروقها في تخوم الأرض، فلا يكون إعادتها بعد قلعها مثل ما كانت في أصلها، قال الله تعالى: ((مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة)) الآية.
الحديث السادس عن إبراهيم: قوله: ((من وقر)) الوقار السكون والحلم، يقال: هو وقور ووقار، قال الله تعالى: ((ما لكم لا ترجون لله وقاراً)). قوله: ((على هدم الإسلام)) وذلك أن المبتدع مخالف للسنة ومائل عن الاستقامة، [ومن وقره حاول اعوجاج الاستقامة] لأن معاونة
стр. 241
١٩٠ - وعن ابن عباس، قال: من تعلم كتاب الله ثم اتبع ما فيه؛ هداه الله من الضلالة في الدنيا، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب.
وفي رواية، قال: من اقتدى بكتاب الله لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، ثم تلا هذه الآية: ﴿فمن تبع هداي فلا يضل ولا يشقى﴾ رواه رزين.
١٩١ - وعن ابن مسعود، أن رسول الله ﷺ قال: ((ضرب الله مثلا صراطاً مستقيماً، وعن جنبتي الصراط سوران، فيهما أبوب مفتحة، وعلى الأبواب ستور
ــ
نقيض الشيء معاونة لدفع ذلك الشيء. وكان من حق الظاهر أن يقال: من وقر المبتدع فقد استخف بالسنة. فوضع موضعه: ((فقد أعان على هدم الإسلام)) ليؤذن بأن مستخف السنة مستخف للإسلام، ومستخفه هادم لبنيانه، وهو من باب التغليظ، فإذا كان حال الموقر هذا فما بال حال المبتدع؟ وفيه أن من وقر صاحب سنة كان الحكم بخلافه.
الحديث السابع عن ابن عباس: قوله: ((هداه الله)) ضمن ((هدى)) معنى أمن، فعداه بمن إلى المفعول الثاني، أي أمنه الله من ارتكاب المعاصي، والانحراف من الطريق المستقيم. ((ووقاه سوء الحساب)) عبارة عن كونه من أصحاب اليمين، فكما أنه أمن في الدنيا من الضلال كذلك يأمن في الآخرة من العذاب، وفيه أن سعادة الدارين منوطة بمتابعة كتاب الله، والاعتصام بسنة رسول الله ﷺ .
الحديث الثامن عن ابن مسعود: قوله: ((صراط مستقيماً)) بدل من ((مثلا)) لا على إهدار المبدل، فقولك: زيد رأيت غلامه رجلا صالحاً، إذ لو أسقطت غلامه لم يتبين. و ((سوران)) مبتدأ، و ((عن جنبتي)) خبره، والجملة حال من ((صراطاً)) و ((فيهما أبواب)) الجملة صفة لسوران، و ((على الأبواب)) الجملة حال من ضمير البواب في ((مفتحة لي)) ووضع الظاهر موضع الضمير الراجع إلى صاحبها. و ((عند رأس)) الجملة معطوفة على ((وعن جنبتي الصراط)) و ((يقول)) صفة ((داع))، و ((لا تعوجوا)) عطف على ((استقيموا)) على الطرد والعكس؛ لأن مفهوم كل منهما مقرر لمنطوق الآخر، وبالعكس، ((وفوق ذلك)) عطف على ((رأس الصراط))، والمشار إليه بـ ((ذلك)) الصراط، و ((كلما)) ظرف يستدعي الجواب، وهو قوله: ((قال))، ((شيئاً)) أي قدراً يسيراً منها، و ((ويحك)) زجر له من تلك الهمة، وهي كلمة ترحم وتوجع، تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها. و ((تلجة)) أي تدخل الباب، وتقع في محارم الله تعالى. هذا يدل على أن قوله: ((أبوبا مفتحة)) أي مردودة غير مغلقة. ((ثم فسره)) أي أراد أن يفسر فأخبر، نظيره قوله ﷺ : ((أل إن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه)) فالسور بمنزلة الحمى، وحولها بمنزلة الباب والستر، فحينئذ لا يقصر ضرب المثل بالباب والسور فقط، فلذلك لم يأت بضمير الفصل بين تينك الجملتين، كما أتى به في الجمل الثلاث. و ((مرخاة)) أي مدلاة ومسدلة،
стр. 242
مرخاة، وعند رأس الصراط داع يقول: استقيموا على الصراط ولا تعوجوا، وفوق ذلك داع يدعو، كلما هم عبد أن يفتح شيئاً من تلك الأبواب قال: ويحك! لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه)). ثم فسره فأخبر: ((أن الصراط هو الإسلام، وأن الأبواب المفتحة محارم الله، وأن الستور المرخاة حدود الله، وأن الداعي على رأس الصراط هو القرآن، وأن الداعي من فوق واعظ الله في قلب كل مؤمن)) رواه رزين، ورواه أحمد [١٩١].
١٩٢ - والبيهقي في ((شعب الإيمان)) عن النواس بن سمعان، وكذا الترمذي عنه إلا أنه ذكر أخصر منه. [١٩٢].
ــ
من: أرخيت الشيء إرخاء. و ((حدود الله)) الحد الفاصل بين العبد ومحارم الله تعالى، كما قال الله تعالى: ﴿تلك حدود الله فلا تقربوها﴾.
و ((واعظ الله)) هو لمة الملك في قلب المؤمن، واللمة الأخرى هي لمة الشيطان، وإنما جعل لمة الملك التي هي واعظ الله فوق داعي القرآن لأنه إنما ينتفع به إذا كان المحل قابلاً، ومن ثم قال الله تعالى: ﴿هدى للمتقين﴾ وفي قوله: ((وعن جنبتي الصراط سوران)) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل﴾ والسبل هي الخطوط التي على يمين الصراط ويساره كالسورين، والمشار إليه بـ ((هذا)) ما دل عليه قوله تعالى: ﴿أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً﴾ الآية، فإن تلك الخطوط أشار بها في الحديث السابق إلى الاعتقادات الفاسدة، والأهواء الزائغة التي ينبئ عنها قوله تعالى: ﴿ألا تشركوا به شيئاً﴾.
стр. 243
١٩٣ - وعن ابن مسعود، قال: من كان مستنا؛ فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة. أولئك أصحاب محمد ﷺ كانوا أفضل هذه الأمة، أبرها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، اختارهم الله لصحبة نبيه، ولإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم على آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم. رواه رزنين [١٩٣].
ــ
وفي هذا الحديث إلى المحارم التي لمح إليها قوله تعالى: ﴿ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن﴾.
الحديث التاسع عن ابن مسعود: قوله: ((مستنا)) ((غب)): يقال: تنح عن سنن الطريق وسننه، وسنة الوجه طريقته، وسنة النبي ﷺ طريقته التي كان يتحراها، وإنما أخرج الجملة مخرج الشرط والجزاء تنبيهاً به على الاجتهاد، وتحرى طريق الصواب بنفسه بالاستنباط من معاني الكتاب والسنة، فإن لم يتمكن منها فليقتد بأصحاب الرسول الله ﷺ ، لأنهم نجوم الهدى، بأيهم تقتدي تهتدي. كان ابن مسعود ﵁ يوصي القرون الآتية بعد قرون الصحابة والتابعين باقتفاء أثرهم، والاقتداء بسيرهم وأخلاقهم.
قوله: ((الفتنة)) وهي كالبلاء في أنهما يستعملان فيما يدفع إليه الإنسان من الشدة والرخاء، وهما في الشدة أظهر معنى وأكثر استعمالاً. وإنما قال: ((فإن الوحي لا نؤمن)) لأن أصحاب النبي ﷺ قد أمنوا منها، كما قال الله تعالى: ﴿إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم﴾ أي أنهم صروا على التقوى أقوياء على احتمال مشاقها، وضرب الله قلوبهم بأنواع المحن والتكاليف الصعبة لأجل التقوى، فإن حقيقة القوى لا تعلم إلا عند المحن والشدائد والاصطبار عليها، أو أخلص قلوبهم للتقوى، من قولهم: امتحن الذهب وفتنه، إذا أذابه فخلص إبريزه من خبثه ونقاه. وعن عمر ﵁: ((أذهب الشهوات عن قلوبهم)).
وقوله: ((أولئك أصحاب محمد)) إشارة إلى قوله: ((من مات)) فاعتبر أولاً اللفظ وأفرد قوله: ((مات))، وثانياً المعنى، وجمعه بقوله: ((أولئك)) و ((هذه الأمة)) إشارة إلى ما في الذهن من جميع أمة محمد ﷺ إلى انقراض العالم. قوله: ((فاعرفوا لهم فضلهم)) لهم مجمل، فسر بقوله: ((فضلهم)) للتفخيم والعظيم، كأنه لما [تلفظ] بـ ((لهم)) فأبهم ولم يعرف ما يوجب العرفان،
стр. 244
١٩٤ - وعن جابر، أن عمر بن الخطاب، ﵄، أتى رسول الله ﷺ بنسخة من التوراة، فقال: يا رسول الله! هذه نسخة من التوراة، فسكت، فجعل يقرأ ووجه رسول الله ﷺ يتغير. فقال أبو بكر: ثكلتك الثواكل! ما ترى ما بوجه رسول الله ﷺ ؟! فنظر عمر إلى وجه رسول الله ﷺ فقال: أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله، رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبياً. فقال رسول الله ﷺ : ((والذي نفس محمد بيده، لو بدا لكم موسى فاتبعتموني وتركتموني لضللتم عن سواء السبيل؛ ولو كان حياً وأدرك نبوتي لا تبعني)) رواه الدارمي [١٩٤].
١٩٥ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((كلامي لا ينسخ كلام الله، وكلام الله ينسخ كلامي، وكلام الله ينسخ بعضه بعضاً)). [١٩٥].
ــ
ففسر بقوله: ((فضلهم)) كما قال الله تعالى: ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ و ﴿رب اشرح لي صدري﴾ والمراد بالعرفان: ما يلازمه من متابعتهم، ومحبتهم، والتخلق بأخلاقهم، فإذا قوله ((واتبعوهم على آثارهم)) إلى آخره عطف على ((اعرفوا)) على سبيل البيان، فقوله: ((على إثرهم)) حال مؤكدة من فاعل ((اتبعوا))، كقوله تعالى: ﴿ثم وليتم مدبرين﴾ ويجوز أن يكون من المفعول، والله أعلم، رزقنا الله متابعتهم في الدنيا، ومرافقتهم في العقبى، وحسن أولئك رفيقا.
الحديث العاشر عن جابر: قوله: ((فجعل)) جعل بمعنى طفق أي طفق يقرأ، و ((ما ترى ما بوجه)) ما الأولى نافية، والهمزة مقدرة، والثانية موصولة أو موصوفة. ((ثكلتك الثواكل)) مضى شرحه في الفصل الثاني من باب الإيمان في حديث معاذ، ((ومن غضب الله)) توطئة لقوله: ((وغضب رسوله))، نحو: أعجبني زيد وكرمه، إيذاناً بأن غضب رسول الله ﷺ غضب الله. ((ورضينا)) اعتذار مما صدر عنه، جمع الضمير إرشاداً للسامعين، وتنبيهاً للغافلين، وموقع هذه الجملة بعد الاستعاذة موقع الشروع في المقصود من الكلام بعد التثبت، كتمهيد العذر، والله أعلم.
стр. 245
١٩٦ - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن أحاديثنا ينسخ بعضها بعضاً كنسخ القرآن)). [١٩٦].
١٩٧ - وعن أبي ثعلبة الخشني، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم حرمات فلا تنتهكوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وسكت عن أشاء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها)). روى الأحاديث الثلاثة الدارقطني. [١٩٧]
ــ
الحديث الحادي عشر إلى الثالث عشر ظاهر.
стр. 246
كتاب العلم
الفصل الأول
١٩٨ - عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : ((بلغوا عني ولو آية،
ــ
كتاب العلم
الفصل الأول
الحديث الأول عن عبد الله: قوله: ((بلغوا)) ((مظ)) في الآية معان كثيرة: منها أن يراد بها الكلام المفيد، نحو ((من صمت نجا))، و ((الدين النصيحة)) أي بلغوا عني أحاديثي ولو كانت قليلة. ومنها التحريض على نشر العلم، ومنها جواز تبليغ بعض الحديث، كما هو عادة صاحب المصابيح، ومشارق الأنوار، ولا بأس به، إذ الغرض تبليغ لفظ الحديث مفيداً، سواء كان تاماً أم لا.
فإن قيل: لم حرض النبي ﷺ على تبليغ الأحاديث دون القرآن؟ قلنا: لوجهين: أحدهما أنه أيضاً داخل في هذا الأمر؛ لأنه ﷺ مبلغهما. وثانيهما أن طباع المسلمين مائلة إلى قراءة القرآن وتعليمه وتعلمه ونشره، ولأنه قد تكفل الله بحفظه واشتهاره، لقوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ فإن كان كذلك فلا يحتاج إلى التحريض، وأما الأحاديث فليست كذلك. و ((الحرج)) الضيق والإثم، رخص ﷺ التحدث عن بني إسرائيل وإن لم يعلموا صحته بالإسناد والراوي لبعد الزمان بينهم.
فإن قيل: قد ورد النهي عن الاشتغال بما جاء عنهم، وقيل فيه: ((أمتهوكون أنتم؟ ورخص هنا، فكيف التوفيق؟ قلنا: المراد بالتحدث هنا بقصصهم من قتلهم أنفسهم لتوبتهم من عبادة العجل، وتفصيل القصص المذكورة في القرآن، ونحو ذلك؛ لأن في ذلك عبرة وموعظة لأولي الألباب. وأما النهي فوارد على كتاب التوراة، وما يتعلق بالعمل من الأحكام؛ لأن جميع الشرائع والأديان والكتب منسوخة بشريعة نبينا ﷺ . [يقال: تبوأ الدار أي اتخذها مسكنا، وأصله البواء، وهو مساواة الأجزاء في المكان، يقال: مكان بواء إذا لم يكن نابياً بنازله].
((قض)): قال: ((ولو آية))، ولم يقل: حديثاً؛ لأن الأمر بتبليغ الحديث يفهم من هذا بطريق الأولوية؛ فإن الآيات مع انتشارها، وكثرة حملتها، وتكفل الله بحفظها،
стр. 247
وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمداً، فليتبوأ مقعده من النار)). رواه البخاري.
ــ
وصونها عن الضياع والتحريف- واجبة التبليغ، فالحديث- ولا شيء فيه مما ذكر- أولى بأن يحدث عنه بالتبليغ.
((حس)): ليس في الحديث إباحة الكذب على بني إسرائيل، بل معناه الرخصة في الحديث عنهم بلا إسناد؛ لأنه أمر قد تعذ في الإخبار عنهم؛ لطول المدة، ووقوع الفترة. وفيه إيجاب التحرز عن الكذب على الرسول ﷺ بأن لا يحدث عنه إلا بما يصح بنقل الإسناد والتثبت فيه. قال عبد الله بن المبارك: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء.
وأقول- والله أعلم- قوله: ((بلغوا عني)): يحتمل وجهين: أحدهما أن يراد إيصال السند بنقل العدل الثقة عن مثله إلى منتهاه؛ لأن التبليغ من البلوغ، وهو انتهاء الشيء إلى غايته. وثانيهما أداء اللفظ كما سمعه من غير تغيير. والمطلوب في الحديث كلا الوجهين؛ لوقوع قوله: ((بلغوا عني)) مقابلاً لقوله: ((حدثوا عن بين إسرائيل ولا حرج)) إذ ليس في التحديث ما في التبليغ من الحرج والتضييق. ويعضد هذا التأويل الآية والحديث، أما الآية فقوله تعالى: ﴿يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾ أي وإن لم تفعل كما هو حقه فما لغت ما أمرت به. وأما الحديث فهو قوله: ((نصر الله عبداً سمع مقالتي فحفظها ووعاها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه))، وسيجيء شرحه إن شاء الله تعالى.
وأما قوله: ((ولو آية)) أي علامة، فهو تتميم ومبالغة، أي لو كان المبلغ والمؤدى فعلاً، أو إشارة باليد والأصابع. وها هو الإمام محمد بن إسماعيل البخاري عقد باباً طويلاً في هذا المعنى، ثم رتب على ما ذكر الوعيد البليغ. وقوله: ((ومن كذب على متعمداً)) يعني من لم يبلغ حق التبليغ، ولم يحتط في الأداء، ولم يراع صحة الإسناد، وحدث عني بلا حرج- دخل في زمرة الكاذبين، كما ورد: ((كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع)) والأمر بالتبوء تهكم وتغليظ؛ إذ لو قيل: كان مقعده في النار، لم يكن كذلك: وأيضاً فيه إشارة إلى معنى القصد في الذنب وجزائه، أي كما أنه قصد في الكذب التعمد فليقصد في جزائه التبوء.
((غب)): الآية هي العلامة الظاهرة وحقيقته لكل شيء ظاهر هو ملازم لشيء لا يظهر ظهوره، فمتى أدرك مدرك الظاهر منهما علم أنه أدرك الآخر الذي لم يدركه بذاته.
قال ابن الصلاح في كتابه إن حديث: ((من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) من المتواتر، وليس في الأحاديث ما في مرتبته من، فإن ناقليه من الصحابة العدد الجم، وهو في الصحيحين مروي عن جماعة منهم، وروي بعض الحفاظ أنه رواه رسول الله ﷺ اثنان
стр. 248
١٩٩ - وعن سمرة بن جندب، والمغيرة بن شعبة، قالا: قال رسول الله ﷺ ((من حدث عني بحديث يرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين)). رواه مسلم.
٢٠٠ - وعن معاوية، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي)). متفق عليه.
ــ
وستون من الصحابة، وفيهم العشرة المشهود لهم بالجنة. وقيل: أكثر من ذلك. وقيل: لا يعرف حديث اجتمع عليه العشرة إلا هذا. قال الشيخ: ثم لم يزل عدده على هذا، وأنه في الازدياد وهلم جرا على التوالي والاستمرار. وقال: المتواتر عبارة عن الخبر الذي ينقله من يحصل العلم بصدقه ضرورة، ولابد في إسناده من استمرار هذا الشرط في روايته من أوله إلى منتهاه.
والحديث الثاني عن سمرة: قوله: ((يرى)) ((شف)): وإنما سماه كاذباً؛ لأنه يعين المفترى، وشاركه بسبب إشاعته ونشره، فهو كمن أعان ظالماً على ظلمه. ((مح)): ((يرى)) ضبطناه بضم الياء، و ((الكاذبين)) بكسر الباء وفتح النون على الجمع، وهذا هو المشهور في اللفظتين.
قال القاضي عياض: الرواية فيه عندنا على صحيح مسلم في حديث سمرة ((الكاذبين)) بفتح الباء وكسر النون على التثنية، واحتج به على أن الراوي له يشارك البادي بهذا الكذب. ثم رواه أبو نعيم من رواية المغيرة ((الكاذبين أو الكاذبين)) على الشك في التثنية والجمع، وذكر بعض الأئمة جواز فتح الياء من: (يرى) بمعنى يعلم، وهو ظاهر حسن. فأما من ضم الياء فمعناه يظن، ويجوز أن يكون الفتح بمعنى يظن، وقد حكى رأي بمعنى ظن. وقيل: إنه لا يأثم إلا برواية ما يعلمه، أو يظنه كذباً، أما ما لا يعلمه، ولا يظنه فلا إثم عليه في روايته، وإن ظنه غيره كذباً أو علماً. وأقول: قوله: ((أحد الكاذبين)) من باب قولك: القلم أحد اللسانين، والخال أحد الأبوين، وقد مر بيانه.
الحديث الثالث عن معاوية: قوله: ((يفقهه)) ((نه)): الفقه في العلم: الفهم، يقال: فقه الرجل يفقه فقهاً إذا علم. وفقه- بالضمر- يفقه إذا صار فقيهاً عالماً. وجعله العرف خاصاً بعلم الشريعة، وتخصيصاً بعلم الفروق. وإنما خص علم الشريعة بالفقه؛ لأنه علم مستنبط بالقوانين والأدلة، والأقيسة، والنظر الدقيق بخلاف اللغة، والنحو، والصرف. روي أن سلمان نزل على نبطية بالعراق، فقال لها: هل هاهنا مكان نظيف أصلي فيه، فقالت: طهر قلبك وصل حيث شئت: فقال: فقهت. أي فهمت وفطنت الحق، ولو قال: علمت، لم يقع هذا الموقع. وعن الدارمي عن عمران قال: قلت للحسن يوماً في شيء قاله: يا أبا سعيد! ليس هكذا يقول الفقهاء، فقال: ويحك، هل رأيت فقيهاً قط؟ وإنما الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بأمر دينه، والمداوم على عبادة ربه.
((قض)): ((إنما أنا قاسم)) أي أنا أقسم بينكم، فألقى إلى كل واحد ما يليق به، والله سبحانه يوفق من يشاء منكم لفهمه، والتفكر في معناه، والعمل بمقتضاه. ((تو)): أعلم أصحابه-
стр. 249
٢٠١ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الناس معادن كمعان الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا)). رواه مسلم. [٢٠١]
ــ
﵃ أنه ﷺ لم يفضل في قسمة ما أوحي إليه أحداً من أمته على الآخر، بل سوى في البلاغ، وعدل في القسمة، وإنما التفاوت في الفهم، وهو واقع من طريق العطاء، ولقد كان بعض الصحابة يسمع الحديث فلا يفهم منه إلا الظاهر الجلي، ويسمعه آخر منهم أو من القرن الذي يليهم أو ممن أتى بعدهم فيستنبط منه مسائل كثيرة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
وأقول: الواو في قوله: ((وإنما أنا قاسم)) للحال من فاعل ((يفقهه))، أو من مفعوله، وإذا كان الثاني فالمعنى أن الله تعالى يعطي كلا ممن أراد أن يفقهه استعداداً لدرك المعاني على ما قدره، ثم يلهمني بإلقاء ما هو لائق باستعداد كل واحد، وعليه كلام القاضي. وإذا كان الأول فالمعنى أني ألقي ما يسنح لي وأسوي فيه، ولا أرجح بعضهم على بعض، فالله تعالى يوافق كلا منهم على ما أراد وشاء من العطاء، وعليه كلام التوربشتي.
الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((الناس معادن)) المعدن المستقر والمستوطن، من: عدنت البلد إذا توطنته، ومنه المعدن المستقر الجواهر والفلزات. و ((معادن)) خبر مبتدأ ولا يستقيم حمله عليه إلا بأحد وجهين: إما أن يكون محمولا عليه بالتشبيه، كقولك: زيد أسد، فيكون ((كمعادن الذهب)) بدلاً منه، وإما أن يكون المعادن مجازاً من التفاوت، فالمعنى الناس متفاوتون تفاوتاً مثل تفاوت معادن الذهب والفضة فالمراد بالتفاوت تفاوت النسب في الشرف والصنعة، يدل عليه قوله ﷺ في حديث آخر: ((فعن معادن العرب تسألوني؟ قالوا: نعم)) أي أصولها التي ينسبون إليها، ويتفاخرون بها. وإنما جعلت معادن لما فيها من الاستعدادات المتفاوتة، فمنها قابلة لفيض الله تعالى على مراتب المعادن، ومنها غير قابلة لها.
وقوله: ((خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا)) جملة مبينة بعد التفاوت الحاصل بعد فيض الله تعالى عليها من العلم والحكمة. قال الله تعالى: ((من يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً)) شبههم بالمعادن في كونها أوعية للجواهر النفيسة والفلزات المنتفعة بها، المعنى بهما في الإنسان كونه أوعية العلوم والحكم، فالتفاوت في الجاهلية بحسب الأنساب، وشرف الآباء، وكرم الأصل، وفي الإسلام بحسب العلم والحكم، فالشرف الأول موروث، والثاني مكتسب.
فإن قلت: ما فائدة التقييد بقوله: ((إذا فقهوا))؛ لأن كل من أسلم، وكان شريفاً في الجاهلية فهو خير من الذي لم يكن له شرف فيها، سواء فقه أو لم يفقه؟ قلت: ليس كذلك؛ فإن
стр. 250
٢٠٢ - وعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا حسد إلا في اثنتين:
ــ
الإيمان يرفع التفاوت المعتبرة في الجاهلية، فإذا تحلى الرجل بالعلم والحكمة استجلب النسب الأصلي فيجتمع شرف النسب مع شرف الحسب، انظر إلى المنقبة السنية كيف رد تيمنها وبركتها ما رفعه الإسلام من الشرف الموورث؟ وفهم من ذلك أن الوضيع المسلم المتحلي بالعلم أرفع منزلة من الشريف المسلم العاطل. ونعم ما قال الأحنف:
كل عز لم ((يوطد) بعلم فإلى ذلك ما يصير
قال:
ولا الشرف الموروث لا در دره بمحتسب إلا بآخر مكتسب
وقال لآخر:
إن السرى إذا سرى فبنفسه وابن السرى إذا سرى أسراهما
روي أن فزارياً شكى إلى عمر بن الخطاب ﵁ من لطمة لطمها جبلة بن الأيهم، فأمر بالقصاص، فقال جبلة: أتقتص مني وأنا ملك وهو سوقة؟ فقال عمر: شملك وإياه الإسلام، فما تفضله إلا بالعاقبة.
الحديث الخامس عن ابن مسعود: قوله: ((لا حسد)) أي لا رخصة فيه، ((حس)): المراد من الحسد ههنا الغبطة، وهي تمني الرجل مثل ما لأخيه من غير أن يتمنى زواله عنه، والمذموم ما يتمنى الزوال، وهو المسمى بالحسد، ومعنى الحديث: الترغيب في التصدق بالمال، وتعليم العلم، وقيل: إن فيه تخصيصاً لإباحة نوع من الحسد، وإن كانت جملته محظورة. وإنما رخص فيهما لما يتضمن مصلحة في الدين. قال أبو تمام:
وما حاسد في المكرمات بحاسد
وكما رخص في الكذب لتضمن فائدة هي فوق آفة الكذب. وقيل: معناه لا يحسن الحسد إن حسن في موضع إلا في هذين الموضعين.
أقول: أثبت الحسد في الحديث لإرادة المبالغة في تحصيل النعمتين الخطيرتين، يعني ولو حصلتا بهذا الطريق المذموم فينبغي أن لا يتحرى ويجتهد في تحصيلها، فكيف بالطريق المحمود؟ بل أقول: هو الطريق المحمود لذاته، والمأمور في قوله تعالى: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ والمرغب فيه بقوله: ﴿والسابقون السابقون أولئك المقربون﴾ فإن السبق هو روم نيل ما لصاحبه واختصاصك به. قالت الخنساء.
следующие страницы →