Полный текст (3 308 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
٣٣٧٧ - وعن البراء بن عازب، قال: صالح النبي ﷺ يوم الحديبية علي ثلاثة أشياء: علي أن من أتاه من المشركين رده إليهم، ومن أتاهم من المسلمين لم يردوه، وعلي أن يدخلها من قابل ويقيم بها ثلاثة أيام، فلما دخلها ومضى الأجل خرج، فتبعته ابنة حمزة تنادي: يا عم! فتناولها علي، فأخذ بيدها، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر. قال علي: أنا أخذتها وهي بنت عمي. وقال جعفر: بنت عمي وخالتها تحتي. وقال زيد: بنت أخي فقضى بها النبي ﷺ لخالتها، وقال: ((الخالة بمنزلة الأم)). وقال لعلي: ((أنت مني وأنا منك)). وقال لجعفر: ((أشبهت خلقي وخلقي)). وقال لزيد: ((أنت أخونا ومولانا)). متفق عليه.
الفصل الثاني
٣٣٧٨ - وعن عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عبد الله بن عمرو: أن امرأة قالت: يا رسول الله! إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وإن أباه طلقني، وأراد أن ينزعه مني. فقال رسول الله ﷺ : ((أنت أحق بهم ما لم تنكحي)) رواه احمد، وأبو داود. [٣٣٧٨]
٣٣٧٩ - وعن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ خير غلاما بين أبيه وأمه. رواه الترمذي. [٣٣٧٩]
٣٣٨٠ - وعنه، قال: جاءت امرأة إلي رسول الله ﷺ فقالت: إن زوجي يريد أن
ــ
المبلغ بعد استكمال تسع سنين يحكم ببلوغه، وكذلك إذا حاضت الجارية بعد تسع، ولا حيض ولا احتلام قبل بلوغ التسع.
الحديث الثاني عن البراء: قوله: ((قال زيد: بنت أخي)) ذكر صاحب جامع الأصول في قسم أسماء الرجال، أن زيدا هذا هو زيد بن حارثة، آخى بينه وبين عمه حمزة، وفي الفائق: لما قال ﷺ لزيد: ((أنت أخونا ومولانا)) حجل أي رفع رجلا وقفز علي الأخرى من الفرح – انتهي كلامه. لعل المراد بقوله: ((أخونا)) هذه المؤاخاة، وبقوله: ((مولانا)) ما روى أنه كان يدعى بحب رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 1857
يذهب بابني، وقد سقإني ونفعني فقال النبي ﷺ : ((هذا أبوك، وهذه أمك، فخذ بيد أيهما شئت)). فاخذ بيد أمه، فانطلقت به. رواه أبو داود، والنسائي، والدارمي. [٣٣٨٠]
الفصل الثالث
٣٣٨١ - عن هلال بن أسامة، عن أبي ميمونة سليمان مولي لأهل المدينة، قال: بينا أنا جالس مع أبي هريرة جاءته امرأة فارسية، معها ابن لها، وقد طلقها زوجها، فادعياه، فرطنت له تقول: يا أبا هريرة! زوجي يريد أن يذهب بابني. فقال أبو هريرة: أستهما عليه. رطن لها بذلك. فجاء زوجها، وقال: من يحاقني في ابني؟ فقال أبو هريرة: اللهم إني لا أقول هذا إلا إني كنت قاعدا مع رسول الله ﷺ ، فأتته امرأة، فقالت: يا رسول الله! إن زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد نفعني، وسقإني من بئر أبي عنبة - وعند النسائي: من عذب الماء - فقال رسول الله ﷺ : ((أستهما عليه)). فقال زوجها من يحاقني في ولدي؟ فقال رسول الله ﷺ : ((هذا أبوك وهذه، أمك فخذ بيد أيهما شئت)) فأخذ بيد أمه. رواه أبو داود، والنسائي لكنه ذكر المسند. [٣٣٨١]
ورواه الدارمي عن هلال بن أسامة.
ــ
الفصل الثاني
الحديث الأول والثاني والثالث عن عمرو: قوله: ((حجري له حواء)) الحجر يفتح ويكسر وجمعه حجور، والحواء اسم المكان الذي يحوي الشيء أي يضمه ويجمعه، ولعل هذا الصبي ما بلغ سن التميز، فقدم الأم لحضانته، والصبي في حديث أبي هريرة كان مميزا فخيره.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن خلال: قوله: ((فرطنت له)) ((نه)): الرطانة بفتح الراء وكسرها والتراطن كلام لا يفهمه الجمهور، وإنما هو مواضعة بين اثنين أو جماعة، والعرب تخص بالرطانة غالبا كلام العجم. وقوله: ((أستهما)) أي اقترعا. وقوله: ((من يحاقني)) أي ينازعني في حقي ويختصم. أقول: قوله: ((إلا إني)) أي إلا لإني.
стр. 1858
كتاب العتق
الفصل الأول
٣٣٨٢ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أعتق رقبة مسلمة أعتق الله بكل عضو منه عضوا من النار حتى فرجه بفرجه)). متفق عليه.
٣٣٨٣ - وعن أبي ذر، قال: سألت النبي ﷺ : أي العمل أفضل؟ قال: ((إيمان بالله، وجهاد في سبيله)) قال: قلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال: ((أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها)). قلت: فإن لم أفعل؟ قال: ((تعين صانعا أو تصنع لأخرق)). قلت: فإن لم أفعل؟ قال: ((تدع الناس من الشر، فإنها صدقة تصدق بها علي نفسك)). متفق عليه.
ــ
كتاب العتق
المغرب: العتق الخروج من المملوكية، يقال: عتق العبد عتقا وعتاقا وعتاقة وهو عتيق وأعتقه مولاه، ثم جعل عبارة عن الكرم وما يتصل به كالحرية، فقيل: فرس عتيق رائع، وعتاق الخيل والطير كرائمها. وقيل: مدار التركيب علي التقدم، ومنه العاتق لما بين المنكب والعنق لتقدمه، والعتيق القديم.
الفصل الأول
الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((رقبة مسلمة)) ((نه)): الرقبة في الأصل العنق، فجعلت كناية عن جميع ذات الإنسان تسمية للشيء ببعضه. فإذا قال: أعتق رقبة فكأنه قال: أعتق عبدا أو أمة. قوله: ((حتى فرجه بفرجه)) ((شف)): إنما خص الفرج بالذكر؛ لأنه محل أكبر الكبائر بعد الشرك، وهو كقولهم: مات الناس حتى الكرام، فيفد قوة. ((مظ)): ذكر الفرج للتحقير نسبة إلي باقي الأعضاء. ((خط)) يستحب عند بعض أهل العلم أن لا يكون العبد المعتق خصيا؛ كيلا يكون ناقص العضو؛ ليكون معتقه قد نال الموعود في عتق أعضائه كلها من النار بإعتاقه إياه من الرق في الدنيا.
الحديث الثاني عن أبي ذر: قوله: ((لأخرق)) ((نه)): الخرق - بالضم - الجهل والحمق، وقد خرق يخرق خرقا فهو أخرق. ((قض)): الأخرق هنا الذي لا يحسن صنعة ولا يهتدي إليها. وفيه ((تدع الناس من الشر)) أي تكف عنهم شرك ((فإنها صدقة)) الضمير للمصدر الذي دل عليه الفعل، وأنثه لتإنيث الخبر ((تصدق بها علي نفسك)) أي تتصدق بهذه الصدقة علي نفسك من أنها محافظة لها عما يريدها ويعود وباله إليها.
стр. 1859
الفصل الثاني
٣٣٨٤ - عن البراء بن عازب، قال: جاء أعرابي إلي النبي ﷺ فقال: علمني عملا يدخلني الجنة. قال: ((لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة أعتق النسمة وفك الرقبة)). قال: أوليسا واحدا؟ قال: ((لا؛ عتق النسمة: أن تفرد بعتقها. وفك الرقبة: أن تعين في ثمنها، والمنحة: الوكوف، والفيء علي ذي الرحم الظالم، فإن لم تطق ذلك فأطعم الجائع، واسق الظمآن، وأمر بالمعروف، وانه عن المنكر، فإن لم تطق ذلك فكف لسانك إلا من خير)). رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [٣٣٨٤]
٣٣٨٥ - وعن عمرو بن عبسة، أن النبي ﷺ قال: ((من بنى مسجدا ليذكر الله فيه، بني له بيت في الجنة. ومن أعتق نفسا مسلمة، كانت فديته من جهنم. ومن شاب شيبة في سبيل الله، كانت له نورا يوم القيامة)). رواه في ((شرح السنة)). [٣٣٨٥]
ــ
الفصل الثاني
الحديث الأول والثاني عن البراء: قوله: ((لئن كنت أقصرت)) ((قض)): اللام موطئة للقسم، ومعنى الشرطية أنك إن أقصرت في العبارة فقد أطلت في الطلب، أو سألت عن أمر ذي طول وعرض. و ((النسمة)) النفس، ووجه الفرق المذكور أن العتق إزالة الرق، وذلك لا يكون إلا من المالك الذي يعتق، وأما الفك فهو السعي في التخليص، فيكون من غيره كمن أدى النجم * عن المكاتب أو أعانه فيه. و ((المحنة)) العطية في الأصل، وغلبت في لبون من ناقة أو شاة يعطيها صاحبها بعض المحاويج؛ لينتفع بلبنها ما دامت تدر. و ((الوكوف)) العزيزة الدر من وكف البيت وكفا ووكيفا ووكافا، إذا قطر. و ((الفئ)) التعطيف والرجوع إليه بالبر. والرواية المشهورة فيهما النصب علي تقدير وامنح المنحة، وآثر الفئ علي ذي الرحم؛ ليحسن العطف علي الجملة السابقة، وإن صحت الرواية بالرفع فيهما علي الابتداء، والتقدير: ومما يدخل الجنة المنحة والفئ.
стр. 1860
الفصل الثالث
٣٣٨٦ - عن الغريف بن [عياش] الديلمي، قال: أتينا واثلة بن الأسقع، فقلنا: حدثنا حديثا ليس فيه زيادة ولا نقصان، فقضب وقال: إن أحدكم ليقرأ ومصحفه معلق في بيته فيزيد وينقص. فقلنا: إنما أردنا حديثا سمعته من النبي ﷺ فقال: أتينا رسول الله ﷺ في صاحب لنا أوجب – يعني النار – بالقتل. فقال: ((أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوا منه من النار)). رواه أبو داود، والنسائي. [٣٣٨٦]
٣٣٨٧ - وعن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أفضل الصدقة الشفاعة، بها تفك الرقبة)). رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [٣٣٨٧]
ــ
الفصل الثالث
الحديث الأول عن الغريف: قوله: ((معلق في بيته)) تأكيد، يعني يقرأه ليلا ونهارا لا يغيب عنه ساعة. وفي قوله: ((فيزيد وينقص)) مبالغة لا أنه تجوز الزيادة والنقصان. وفيه جواز رواية الحديث بالمعنى، ونقصان الألفاظ وزيادتها مع رعاية المعنى والمقصد منه. وقوله: ((فقلنا: إنما أردنا حديثا سمعته)) معناه ما أردنا بقولنا: حديثا ليس فيه زيادة ولا نقصان ما عنيت به من انتفاء الزيادة في الألفاظ، وإنما أردنا حديثا سمعته.
الحديث الثاني عن سمرة: قوله: ((تفك الرقبة)) ((بها)) متعلق ((تفك)) فقدم عليه، ولو روى شفاعة نكرة كان صفة له. ولو ذهب إلي أن الشفاعة جنس علي منوال قولهم:
ولقد أمر علي اللئيم يسبني
لبعد المرمى. ولو قيل بأنه حال كان أبعد وأبعد. وأما إذا أريد بفك الرقبة خلاص الرجل من الشدة والعذاب بسبب الشفاعة علي أن تكون الجملة استئنافية، كأنه لما قيل: أفضل الصدقة الشفاعة، قيل: لماذا؟ أجيب: بها يتخلص الإنسان من الشدة – لتم الكلام وصح المعنى – كقوله تعالي: ﴿مَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا﴾ لكن خرج من الباب.
стр. 1861
(١) باب إعتاق العبد المشترك وشراء القريب
والعتق في المرض
الفصل الأول
٣٣٨٨ - عن ابن عمر [﵄]، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أعتق شركا له في عبد، وكان له مال يبلغ ثمن العبد، قوم العبد عليه قيمة عدل، فأعطي شركاؤه حصصهم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق)). متفق عليه.
٣٣٨٩ - وعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: ((من أعتق شقصا في عبد أعتق كله إن كان له مال، فإن لم يكن له مال استسعي العبد غير مشقوق عليه)). متفق عليه.
ــ
باب إعتاق العبد المشترك
الفصل الأول
الحديث الأول عن ابن عمر ﵄: قوله: ((شركا له)) أي حصة ونصيبا. ((حس)): فيه دليل علي أن من أعتق نصيبه من عبد مشترك بينه وبين غيره وهو موسر بقيمة نصيب الشريك يعتق كله عليه بنفس الإعتاق، ولا يتوقف علي أداء القيمة ولا علي الاستسعاء، ويكون ولاءه كله للمعتق. والدليل علي أن العتق لا يتوقف علي الأداء أنه لو لم يعتق قبل الأداء لما وجبت القيمة، وإنما تجب علي تقدير انتقال أو قرض أو إتلاف، ولم يوجد الأخيران فتعين الأول وهو الانتقال إليه. وإن كان معسرا أعتق نصيبه، ونصيب الشريك رقيق، لا يكلف إعتاقه ولا يستسعى العبد في فكه. وهو قول الشافعي. ((مح)): من أعتق نصيبه من عبد مشترك قوم عليه باقيه إذا كان موسرا بقيمة باقيه، سواء كان العبد مسلما أو كافرا، وسواء كان الشريك مسلما أو كافرا، ولا خيار للشريك في هذا، ولا للعبد ولا للمعتق، بل ينفذ الحكم وإن كرهوه كلهم؛ مراعاة لحق الله تعالي في الحرية.
الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((شقصا)) ((نه)) الشقص والشقيص النصيب في العين المشتركة من كل شيء. قوله ((استسعى)) ((مح)): الاستعساء أن يكلف العبد الاكتساب والطلب حتى يحصل قيمة رضي * الشريك الآخر بها، فإذا دفعها إليه عتق، كذا فسره الجمهور. وقال بعضهم: هو أن يخدم سيده الذي لم يعتق بقدر ماله فيه من الرق، فعلي هذا تتفق الأحاديث. ومعنى ((غير مشقوق عليه)) أي لا يكلف ما يشق عليه. ((حس)): ((غير مشقوق عليه)) قال بعضهم: أي لا يستغلي عليه في الثمن.
стр. 1862
٣٣٩٠ - وعن عمران بن حصين: أن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند موته لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله ﷺ ، فجزأهم أثلاثا، ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين وأرق أربعة، وقال له قولا شديدا. رواه مسلم، ورواه النسائي عنه وذكر: ((لقد هممت أن لا أصلي عليه)) بدل: وقال له قولا شديدا. وفي رواية أبي داود: قال: ((لو شهدته قبل أن يدفن لم يدفن في مقابر المسلمين)).
٣٣٩١ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه)) رواه مسمل.
ــ
((مح)): قال القاضي: في ذكر الاستسعاء هنا خلاف بين الرواة، قال الدارقطني: روى هذا الحديث شعبة وهشام [عن] * قتادة – وهما أثبت – فلم بذكرا فيه الاستسعاء ووافقهم ** همام، ففصل الاستسعاء عن الحديث [فجعله] * من رأي قتادة. قال: وعلي هذا أخرجه البخاري وهو الصواب. قال الدارقطني: وسمعت أبا بكر النيسابوري يقول: ما أحسن ما رواه همام وضبطه! ففصل قول قتادة عن الحديث. قال بعضهم: إسقاط السعاية من الحديث أولي من ذكرها؛ ولأنها ليست في الأحاديث الأخر من رواية ابن عمر. وقال ابن عبد البر: الذين لم يذكروا السعاية أثبت ممن ذكرها.
الحديث الثالث عن عمران: قوله: ((فجزأهم أثلاثا)) ((أثلاثا)) مصدر، ((حس)): فيه دليل علي أن العتق المنجز في مرض الموت كالمعلق بالموت في الاعتبار من الثلث، وكذلك التبرع المنجز في مرض الموت. قوله: ((قولا شديدا)) ((مح)): معناه: قال في شأنه قولا شديدا؛ كراهة لفعله وتغليظا عليه، والرواية الأخرى: ((لقد هممت أن لا أصلي عليه)) مفسرة له. وهذا محمول علي أن النبي ﷺ وحده كان يترك الصلاة عليه تشديدا وتغليظا وزجرا لغيره عن مثل فعله، وأما الصلاة عليه فلا بد منها من بعض الصحابة.
الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((فيعتقه)) ((قض)): ذهب بعض أهل الظاهر إلي أن الأب لا يعتق علي ولده إذا تملكه، وإلا لم يصح ترتيب الإعتاق علي الشراء. والجمهور علي أنه يعتق بمجرد التملك من غير أن ينشيء فيه عتقا، وأن قوله: ((فيعتقه)) معناه فيعتقه بالشراء لا بإنشاء عتق، والترتيب باعتبار الحكم دون الإنشاء.
((حس)): قالوا: إذا اشترى الرجل أحدا من آبائه أو أمهاته، أو أحدا من أولاده وأولاد أولاده، أو ملكه بسبب آخر يعتق عليه من غير أن ينشيء فيه عتقا. ((مظ)): فعلي هذا الفاء في ((فيعتقه)) للسببية، يعني فيعتقه بسبب شرائه، ولا يحتاج إلي قوله: أعتقتك بعد الشراء، بل عتق
стр. 1863
٣٣٩٢ - وعن جابر: أن رجلا من الأنصار دبر مملوكا ولم يكن له مال غيره، فبلغ النبي ﷺ ، فقال: ((من يشتريه مني؟)) فاشتراه نعيم بن النحام بثمانمائة درهم. متفق عليه، وفي رواية لمسلم: فاشتراه نعيم بن عبد الله العدوي بثمانمائة درهم، فجاء بها إلي النبي ﷺ ، فدفعها إليه ثم قال: ((ابدأ بنفسك فتصدق عليها؛ فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا)) يقول: فبين يديك وعن يمينك [وعن] * شمالك.
ــ
بنفس الشراء. ومن ذهب إلي أنه لا يعتق بنفس الشراء يجعل الفاء في ((فيعتقه)) للتعقيب لا للسببية، وإذا صح الشراء ثبت الملك، والملك قيد التصرف.
أقول: هذا وأمثاله مما لا يشفي الغليل؛ لأن الأبوة تقتضي المالكية كما سبق في حديث عمرو بن شعيب ((أنت ومالك لوالدك)) وقوله تعالي: ﴿وعَلي المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ﴾ والشراء من مقدمات الملك، والعتق من مقتضياته، كما تقرر في علم الأصول أن من قال: اعتق عبدك عني، يقتضي تمليكه إياه ثم عتقه عنه، فالجميع بينهما جمع بين المتنافيين.
والحديث من باب التعليق بالمحال للمبالغة، المعنى: لا يجزى ولد والده إلا أن يملكه فيعتقه وهو محال، فالمجازاة محال، كما في قوله تعالي: ﴿ولا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إلَاّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾، الكشاف: يعني إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف فانكحوه فلا يحل لكم غيره، وذلك غير ممكن، والغرض المبالغة في تحريمه، وسد الطريق إلي إباحته، كما يعلق بالمحال. ويجوز أن تكون الفاء كما في قوله تعالي: ﴿فَتُوبُوا إلي بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ إذا جعلت التوبة نفس القتل. وقوله: ((مملوكا)) نصب علي الحال من الضمير المنصوب في ((يجده)).
الحديث الخامس عن جابر: قوله: ((دبر مملوكا له)) ((حس)): اختلفوا في بيع المدبر، فأجازه جماعة علي الإطلاق، واليه ذهب الشافعي وأحمد. وروى عن عائشة ﵂: أنها باعت مدبرة لها سحرتها، فأمرت ابن أختها أن يبيعها من الأعراب ممن يسيء ملكتها. وقال جماعة: لا يجوز بيعه إذا كان التدبير مطلقا، وهو أن يقول: إذا مت فأنت حر من غير أن يقيد بشرط أو زمان، أو قاسوا المدبر علي أم الولد؛ لتعلق عتق كل واحد منهما بموت المولي علي الإطلاق، [وتأولوا] ** علي التدبير المقيد وهو أن يقول: إن مت من مرضي هذا أو في شهري
стр. 1864
الفصل الثاني
٣٣٩٣ - عن الحسن، عن سمرة، عن رسول الله ﷺ قال: ((من ملك ذا رحم محرم فهو حر)). رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه. [٣٣٩٣]
٣٣٩٤ - وعن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: ((إذا ولدت أمة الرجل منه فهي معتقة عن دبر منه – أو بعده -)). رواه الدارمي. [٣٣٩٤]
ــ
هذا فأنت حر؛ فإنه يجوز بيع هذا المدبر عندهم. والأول أولي؛ لأن الحديث جاء في بيع المدبر إذا أطلق، يفهم منه التدبير المطلق لا غيره، وليس كأم الولد؛ لأن سبب العتق في أم الولد أشد تأكيدا منه في المدبر، بدليل أن استغراق التركة بالدين لا يمنع عتق أم الولد ويمنع عتق المدبر، وأن أم الولد تعتق من رأس المال، والمدبر عتقه من الثلث، فظهر الفرق بينهما. واتفقوا علي جواز وطء المدبرة كما يجوز وطء أم الولد.
قوله: ((فهكذا وهكذا)) جواب للشرط، كناية عن التفريق أشتاتا علي من جاء عن يمينه وشماله وأمامه. فقوله: ((فبين يديك)) – إلي آخره – تفسير للتفريق، ((وهكذا)) نصب علي المصدر.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن الحسن: قوله: ((من ملك ذا رحم محرم)) ((مح)): اختلفوا في عتق الأقارب إذا ملكوا، فقال أهل الظاهر: لا يعتق أحد منهم بمجرد الملك سواء الوالد والولد وغيرهما، بل لا بن من إنشاء عتق. واحتجوا بحديث أبي هريرة. وقال الجمهور: يحصل العتق في الأصول وإن علو، وفي الفروع وإن سفلوا بمجرد الملك، سواء المسلم والكافر. وتحريره: أنه يعتق عمودى النسب بكل حال. واختلفوا فيما ورائهما، فقال الشافعي وأصحابه: لا يعتق غيرهما بالملك، وقال مالك: يعتق الإخوة أيضا، وعنه رواية أنه يعتق جميع ذوي الأرحام المحرمة، ورواية ثالثة كمذهب الشافعي. وقال أبو حنيفة: يعتق جميع ذوي [الأرحام] * المحرمة. ((قض)) قال أبو داود في كتابه: لم يحدث هذا الحديث مسندا [إلد] ** حماد بن سلمة، وقد شك فيه، ولهذا لم يقل به الشافعي، واقتصر علي عتق الأصول والفروع.
((حس)): وحديث سمرة لا يعرف مسندا إلا من حديث حماد بن سلمة، ورواه بعضهم عن قتادة عن الحسن عن عمرو، ورواه بعضهم عن الحسن مرسلا. أقول: [يشم] * من سياق
стр. 1865
٣٣٩٥ - وعن جابر، قال: بعنا أمهات الأولاد علي عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر، فلما كان عمر نهانا عنه، فانتهينا. رواه أبو داود. [٣٣٩٥]
ــ
الحديث معنى الاستحباب؛ إذ جعل الخبر من باب الإخبار والتنبيه علي تحري الأولي، إذ لم يقل: من ملك ذا رحم محرم فيعتقه أو يحرره، بل قيل: ((فهو حر)) والجملة الاسمية التي تقتضي الدوام والثبوت في الأزمنة الماضية والآتية تنبئ عن هذا؛ لأنه ما كان في الأزمنة الماضية حرا، وكذا في الآتية.
الحديث الثاني والثالث عن جابر: قوله: ((بعنا أمهات الأولاد)) ((تو)): يحتمل أن النسخ لم يبلغ العموم في عهد الرسالة، ويحتمل أن بيعهم في زمان النبي ﷺ كان قبل النسخ، وهذا أولي التأولين. وأما بيعهم في خلافة أبي بكر، فلعل ذلك كان في فرد قضية، فلم يعلم به أبو بكر ﵁ ولا من كان عنده علم بذلك، فحسب جابر أن الناس كانوا علي تجويزه، فحدث ما تقرر عنده في أول الأمر، فلما اشتهر نسخه في زمان عمر ﵁ عاد إلي قول الجماعة، يدل عليه قوله: ((فلما كان عمر نهانا عنه فانتهينا)). وقوله هذا من أقوى الدلائل علي بطلان بيع أمهات الأولاد، وذلك أن الصحابة لو لم يعلموا أن الحق مع عمر ﵁ لم يتابعوه عليه، ولم يسكتوا عنه أيضا، ولو علموا أنه يقول من رأي واجتهاد، لجوزوا خلافه لا سيما الفقهاء منهم، وإن وافقه بعضهم خالفة آخرون، يشهد بصحة هذا التأويل حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ : ((إذا ولدت أمة الرجل منه فهي معتقة عن دبر منه)).
فإن قيل: أو ليس علي ﵁ قد خالف القائلين ببطلانه؟ قيل: لم ينقل عن علي ﵁ خلاف اجتماع آراء الصحابة علي ما قال عمر ﵁، ولم يصح عنه أنه قضى بجواز بيعهن أو أمر بالقضاء به، بل الذي صح عنه أنه كان مترددا في القول به، وقد سئل شريح عن قضائه فيه أيام خلافته بالكوفة، فحديثه أنه يقضي فيه بما اتفق عليه الصحابة عند نهي عمر عن بيعهن منذ ولاه عمر ﵁ القضاء بها، فقال لشريح: فاقض فيه بما كنت تقضي حين يكون للناس جماعة، وترى فيه رأيا، وفاوض فيه علماء الصحابة. وهذا الذي نقل عنه محمول علي أن النسخ لم يبلغه، أو لم يحضر المدينة يوم فاوض عمر ﵁ علماء الصحابة فيه. وجملة القول أن إجماعهم في زمانه علي ما حكم هو به لا يدخله النقض بأن يرى أحدهم بعد ذلك خلافه اجتهادا، والقوم رأوا ذلك توقيفا، لا سيما ولم يقطع عمر ﵁ القول بخلافه، وإنما تردد فيه ترددا.
стр. 1866
٣٣٩٦ - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أعتق عبدا وله مال، فمال العبد له إلا أن يشترط السيد)). رواه أبو داود، وابن ماجه. [٣٣٩٦]
٣٣٩٧ - وعن أبي المليح، عن أبيه: أن رجلا اعتق شقصا من غلام، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال: ((ليس لله شريك)) فأجاز عتقه. رواه أبو داود. [٣٣٩٧]
٣٣٩٨ - وعن سفينة، قال: كنت مملوكا لأم سلمة، فقالت: أعتقك وأشترط عليك أن تخدم رسول الله ﷺ ما عشت فقلت: إن لم تشترطي علي ما فارقت رسول الله ﷺ ما عشت، أعتقتني واشترطت علي. رواه أبو داود، وابن ماجه. [٣٣٩٨]
٣٣٩٩ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: ((المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم)). رواه أبو داود. [٣٣٩٩]
ــ
الحديث الرابع عن ابن عمر ﵄: قوله: ((فمال العبد)) ((قض)): يريد بمال العبد ما في يده وحصل بكسبه، وإضافته إلي العبد إضافة الاختصاص دون التملك، والضمير في ((له)) في قوله: ((فمال العبد له)) لمن أعتق ((إلا أن يشترط السيد)) أي للعبد، فيكون منحة منه وتصدقا.
الحديث الخامس عن أبي المليح: قوله: ((ليس لله شريك)) ((مظ)): يعني الأولي أن يعتق جميع عبده؛ فإن العتق لله سبحانه، فإن أعتق بعضه فيكون أمر سيده نافذا فيه بعد، فهو كشريك له تعالي صورة. أقول: قد سبق أن السيد والمملوك في كونهما مخلوقين لله سواء، إلا أن الله تعالي فضل بعضهم علي بعض وجعله تحت تصرفه تمتعا. وإذا رجع بعضه إلي الأصل سرى بالغلبة إلي البعض الآخر؛ إذ ليس لله شريك في شيء من الأشياء.
الحديث السادس عن سفينة: قوله: ((وأشترط عليه)) ((خط)): هذا وعد عبر عنه باسم الشرط، وأكثر الفقهاء لا يصححون إبقاء الشرط بعد العتق؛ لأنه شرط لا يلاقي ملكا، ومنافع الحر لا يملكها غيره إلا بإجارة أو ما في معناها. ((حس)): لو قال أحد لعبد: أعتقتك علي أن تخدمني شهرا، فقبل، عتق في الحال وعليه خدمة شهر. ولو قال: علي أن تخدمني أبدا، أو قال مطلقا، فقبل، عتق في الحال وعليه قيمة رقبته للمولي. وهذا الشرط إن كان مقرونا بالعتق فعلي العبد القيمة ولا خدمة، وإن كان بعد العتق فلا يلزم الشرط ولا شيء علي العبد عند أكثر الفقهاء.
стр. 1867
٣٤٠٠ - وعن أم سلمة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إذا كان عند مكاتب إحداكن وفاء فلتحتجب منه)). رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه. [٣٤٠٠]
٣٤٠١ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ قال: ((من كاتب عبده علي مائة أوقية فأداها إلا عشر أواق – أو قال: عشرة دنإنير – ثم عجز فهو رقيق)). رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه. [٣٤٠١]
٣٤٠٢ - وعن ابن عباس، عن النبي ﷺ ، قال: ((إذا أصاب المكاتب حدا أو ميراثا ورث بحساب ما عتق منه)). رواه أبو داود، والترمذي. وفي رواية له قال: ((يودي المكاتب بحصة ما أدى دية حر، وما بقي دية عبد)). وضعفه. [٣٤٠٢]
ــ
الحديث السابع والثامن عن أم سلمة: قوله: ((فلتحتجب)) ((قض)): هذا أمر محمول علي التورع والاحتياط؛ لأنه بصدد أن يعتق بالأداء لا أنه يعتق بمجرد أن يكون واجدا للنجم؛ فإنه لا يعتق ما لم يؤد الجميع؛ لقوله ﷺ : ((المكاتب عبد ما بقي عليه درهم)) ولعله قصد به منع المكاتب عن تأخير الأداء بعد التمكن؛ ليستبيح به النظر إلي السيد، وسد هذا الباب عليه. ((تو)): قالت أم سلمة لنبهان: ماذا بقي عليك من كتابتك؟ قال: ألفا درهم، قالت: فما عندك؟ فقال: نعم، قالت: ادفع ما بقي عليك وعليك السلام، ثم ألقت دونه الحجاب، فبكى وقال: لا أعطيه أبدا، قالت: إنك والله يا بني لن ترإني أبدا، إن رسول الله ﷺ عهد إلينا أنه إذا كان لعبد إحداكن وفاء بما بقي عليه من كتابته، فاضربن دونه الحجاب.
الحديث التاسع والعاشر عن ابن عباس ﵄: قوله: ((يودى)) ((شف)): هو بتخفيف الدال مجهولا من ودى يدى دية أي أعطى الدية، وانتصب ((دية حر)) مفعولا به، ومفعول ((ما أدى)) أي من النجوم محذوف عائد إلي الموصول، أي بحصة ما أداه من النجوم يعطى دية حر، وبحصة ما بقي دية عبد، ((نه)): معنى الحديث أن المكاتب إذا جنى عليه جناية وقد أدى بعض كتابته، فإن الجإني عليه أن يدفع إلي ورثته بقدر ما كان أدى من كتابته دية حر، ويدفع إلي مولاه بقدر ما بقي من كتابته ديه عبد، أو كاتب علي ألف وقيمته مائة، فأدى خمسمائة ثم قتل، فلورثة العبد خمسمائة نصف دية حر، ولمولاه خمسون نصف قيمته. ((قض)): وهو دليل علي أن المكاتب يعتق بقدر ما يؤديه من النجم، وكذا الحديث الذي روى قبله، وبه قال النخعى وحده ومع ما فيه من الطعن معارض بحديثي عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
стр. 1868
الفصل الثالث
٣٤٠٣ - عن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري: أن أمه أرادت أن تعتق، فأخرت ذلك إلي أن تصبح، فماتت. قال عبد الرحمن: فقلت للقاسم بن محمد: أينفعها أن أعتق عنها؟ فقال القاسم: أتى سعد بن عبادة رسول الله ﷺ فقال: ((إن أمي هلكت، فهل ينفعها أن أعتق عنها؟ فقال رسول الله ﷺ : ((نعم)) رواه مالك. [٣٤٠٣]
٣٤٠٤ - وعن يحيى بن سعيد، قال: توفي عبد الرحمن بن أبي بكر في نوم نامه، فأعتقت عنه عائشة أخته رقابا كثيرة. رواه مالك. [٣٤٠٤]
٣٤٠٥ - وعن عبد الله بن عمر [﵄]، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من اشترى عبدا فلم يشترط ماله فلا شيء له)). رواه الدارمي. [٣٤٠٥]
كتاب الأيمان والنذور
الفصل الأول
٣٤٠٦ - عن ابن عمر [﵄]: أكثر ما كان النبي ﷺ يحلف: ((لا، ومقلب القلوب)). رواه البخاري.
ــ
الفصل الثالث
الحديث الأول والثاني والثالث عن يحيى بن سعيد: قوله: ((نامه)) أي نام فيه صفة مؤكدة لـ ((نوم)) والغرض بيانه أنه مات فجاءة، فيحتمل وجهين: أحدهما: أنه كان عليه عتق فلم يتمكن من الوصية لما فاجأه، فأعتقت عنه رقابا كثيرة، وأن تكون فجعت عليه وحزنت؛ لأن موت الفجأة أسف من الله ففدت عنه رقابا كثيرة. والله أعلم بالصواب.
باب الأيمان والنذور
المغرب: اليمين خلاف اليسار، وإنما سمي القسم يمينا؛ لأنهم كانوا يتمساحون أيمانهم حالة التحالف، وقد يسمى المحلوف عليه يمينا لتلبسه بها. وهي مؤنثة في جميع المعإني،
стр. 1869
٣٤٠٧ - وعنه، أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله ينهاكم أن تحلفوا بأبائكم. من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت)) متفق عليه.
٣٤٠٨ - وعن عبد الرحمن بن سمرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تحلفوا بالطواغي ولا بآبائكم)). رواه مسلم.
ــ
وتجمع علي أيمن كرغيف وأرغف، وأيم محذوف منه، والهمزة للقطع، وهو قول الكوفيين وإليه ذهب الزجاج. وعند سيبويه هي كلمة بنفسها وضعت للقسم، ليست جمعا لشيء والهمزة فيها للوصل. ((غب)): النذر أن توجب علي نفسك ما ليس بواجب؛ لحدوث أمر، يقال: نذرت لله نذرا، قال الله تعالي: ﴿إني نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾.
الفصل الأول
الحديث الأول عن ابن عمر ﵄: قوله: ((أكثر ما كان)) ((أكثر)) مبتدأ و ((ما)) مصدرية، والوقت مقدر و ((كان)) تامة. ((ويحلف)) حال سد مسد الخبر. وقوله: ((لا ومقلب القلوب)) معمول لقوله: ((يحلف)) أي يحلف بهذا القول، ولا نفي للكلام السابق، ((ومقلب القلوب)) إنشاء قسم، ونظيره قولك: أخطب ما يكون الأمير قائما. وقد مر الكلام في تخصيص هذا القول.
الحديث الثاني والثالث عن عبد الرحمن: قوله: ((بالطواغي)) ((قض)): الطواغي جمع طاغية، وهي فاعلة من الطغيان، والمراد به الأصنام، سميت بذلك؛ لأنها سبب الطغيان فهي كالفاعلة له وقيل: الطاغية مصدر كالعافية، سميت بها الصنم مبالغة ثم جمعت علي صواع. وكانت العرب في جاهليتهم يحلفون بها وبآبائهم فنهوا عن ذلك ليكونوا علي تيقظ في محاوراتهم، حتى لا يسبق بهم لسانهم جريا علي ما تعودوه.
((مح)): قالوا: الحكمة في النهي عن الحلف بغير الله تعالي أن الحلف يقتضي تعظيم المحلوف به. وحقيقة العظمة مختصة بالله تعالي، ولا يضاهي به غيره، وقد جاء عن ابن عباس: ((لأن أحلف بالله تعالي مائة مرة فآثم خير من أن أحلف بغيره فأبره)). ويكره الحلف بغير أسماء الله تعالي وصفاته، سواء في ذلك النبي ﷺ والكعبة والملائكة والأمانة والحياة والروح وغير ذلك، ومن أشدها كراهة الحلف بالأمانة.
стр. 1870
٣٤٠٩ - وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: ((من حلف فقال في حلفه: باللات والعزى؛ فليقل: لا إله إلا الله. ومن قال لصاحيه: تعال أقامرك؛ فليتصدق)) متفق عليه.
٣٤١٠ - وعن ثابت بن الضحاك، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من حلف علي
ــ
فإن قيل: قد أقسم الله بمخلوقاته، كقوله تعالي: ((والصافات، والذاريات)) فالجواب أن الله تعالي يقسم بما شاء من مخلوقاته تنبيها علي شرفها. وأنشد في المعنى:
ويقبح من سواك الشيء عندي وتفعله فيحسن منك ذاكا
فإن قيل: هذا الحديث مخالف لقوله ﷺ : ((أفلح وأبيه)) فجوابه أن هذه كلمة تجري علي اللسان لا يقصد بها اليمين. ((قض)): بل هو من جملة ما يزاد في الكلام لمجرد التقرير والتأكيد ولا يراد به القسم، كما تزاد صيغة النداء لمجرد الاختصاص دون القصد إلي النداء.
الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((فليقل: لا إله إلا الله)) ((حس)): فيه دليل علي أنه لا كفارة علي من حلف بغير الإسلام بل يأثم به وتلزمه التوبة؛ لأنه ﷺ جعل عقوبته في دينه، ولم يوجب في ماله شيئا. وإنما أمره بكلمة التوحيد؛ لأن اليمين إنما تكون بالمعبود، فإذا حلف باللات والعزى، فقد ضاهي الكفار في ذلك؛ فأمره أن يتداركه بكلمة التوحيد.
أقول: إنما قرن القمار بذكر الأصنام؛ تأسيا بالتنزيل في قوله: ﴿إنَّمَا الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأَنصَابُ والأَزْلامُ﴾ فمن حلف بالأصنام فقد أشركها بالله في التعظيم، فوجب تداركها بكلمة التوحيد، ومن دعا إلي المقامرة فوافق أهل الجاهلية في تصدقهم بالميسر، فكفارته التصدق بقدر ما جعله خطرا، أو بما تيسر مما يصدق عليه اسم الصدقة، وفيه أن من دعا إلي اللعب فكفارته التصدق، فكيف بمن لعب؟ ((مح)): قال القاضي: فيه دلالة لمذهب الجمهور علي أن العزم علي المعصية إذا استقر في القلب، أو تكلم باللسان يكتب عليه ذنب.
الحديث الخامس عن ثابت: قوله: ((علي ملة غير الإسلام)) ((قض)): الحلف بغير الإسلام مثل أن يقول الرجل: إن فعل كذا فهو يهودي، أو برئ من الإسلام. وقوله: ((فهو كما قال)) ظاهره أنه يختل بهذا الحلف إسلامه، ويصير كما قال، ويحتمل أن يعلق ذلك بالحنث؛ لما روى بريدة أنه ﷺ قال: ((من قال: إني بريء من الإسلام، فإن كان كاذبا فهو كما قال، وإن كان صادقا فلن يرجع إلي الإسلام سالما))، ولعل المراد به التهديد والمبالغة في الوعيد، لا الحكم بأنه صار يهوديا أو بريئا من الإسلام، وكأنه قال: فهو مستحق لمثل عذاب ما قال، ونظيره قوله
стр. 1871
ملة غير الإسلام كاذبا، فهو كما قال. وليس علي ابن آدم نذر فيما لا يملك، ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم القيامة، ومن لعن مؤمنا فهو كقتله، ومن قذف مؤمنا بكفر فهو كقتله، ومن ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها، لم يزده الله إلا قلة)). متفق عليه.
٣٤١١ - وعن أبي موسى، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إني والله إن شاء الله لا
ــ
ﷺ : ((من ترك صلاة فقد كفر)) أي استوجب عقوبة من كفر، وهذا النوع من الكلام هل يسمى في عرف الشرع يمينا؟ وهل تتعلق الكفارة بالحنث فيه؟ فذهب النخعي والأوزاعي والثوري وأصحاب أبي حنيفة وأحمد وإسحاق إلي أنه يمين، تجب الكفارة بالحنث فيها. وقال مالك والشافعي وأبو عبيد: إنه ليس بيمين ولا كفارة فيه، لكن القائل به أثم صدق فيه أو كذب، وهو قول أهل المدينة. ويدل عليه أنه ﷺ رتب عليه الإثم مطلقا، ولم يتعرض للكفارة.
وقوله: ((ليس علي ابن آدم نذر فيما لا يملك)) معناه أنه لو نذر بعتق عبد لا يملكه، أو ليضحي بشاة غيره أو نحو ذلك، لم يلزمه الوفاء به، وإن دخل ذلك في ملكه. وفي رواية ((ولا نذر فيما لا يملك)) أي لا صحة له ولا عبرة. وقوله: ((من لعن مؤمنا فهو كقتله)) أي في التحريم أو العقاب، والضمير للمصدر الذي دل عليه الفعل، أي فلعنه كقتله. وكذا الضمير في قوله: ((ومن قذف مؤمنا بكفر فهو كقتله)) ووجه التشبيه هاهنا أظهر؛ لأن النسبة إلي الكفر الموجب للقتل، فالقاذف بالكفر تسبب إليه، والمتسبب إلي الشيء كفاعله. والقذف في الأصل الرمي، ثم شاع عرفا في الرمي بالزنا، ثم استعير للرمي بكل ما يعاب به ويحيق به ضر.
قوله: ((ليتكثر بها)) قيد للدعوى الكاذبة. فإن قلت: مفهومه أنه إذا لم يكن الغرض استكثار المال، لم يترتب عليه هذا الحكم. قلت: للقيد فائدة سوى المفهوم، وهي مزيد الشناعة علي الدعوى الكاذبة واستهجان الغرض فيها، يعني ارتكاب هذا الأمر العظيم لهذا الغرض الحقير غير مبارك.
الحديث السادس عن أبي موسى: قوله: ((إني والله)) الحديث أوله: قال أبو موسى: ((أتينا النبي ﷺ نفر من الأشعريين)). قال المالكي: فيه شاهد علي ما ذهب إليه الأخفش من جواز أن يبدل من ضمير الحاضر بدل كل من كل فيما لا يدل علي إحاطة. وعليه حمل الأخفش قوله تعالي: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلي يَوْمِ القِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ﴾. وإنما قيدت ببدل الكل من الكل؛ احترازا من البعض والاشتمال؛ فإنهما جائزان بالاتفاق، وقيدت بلا يدل علي
стр. 1872
أحلف علي يمين فأرى غيرها خيرا منها؛ إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير)). متفق عليه.
٣٤١٢ - وعن عبد الرحمن بن سمرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يا عبد الرحمن بن سمرة! لا تسأل الإمارة، فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أوتيتها عن غير مسألة أعنت عليها، وإذا حلفت علي يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك وأت الذي هو خير)). وفي رواية: ((فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك)) , متفق عليه.
ــ
الإحاطة؛ لأن الدال عليها جائز بالإجماع، كقوله تعالي: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأَوَّلِنَا وآخِرِنَا﴾ وشهد بصحة ما ذهب إليه الأخفش:
وشوهاء تغدوني إلي صارخ الورى بمستليم مثل الفتيق المدخل
أقول: هو عند علماء البديع تجريد، كأنه جرد من نفسه مستليما وهو مبالغة.
قوله: ((لا أحلف علي يمين)) جواب القسم و ((إن شاء الله)) معترضة، والقسيمة خبر ((إن)) الكشاف: سمي المحلوف عليه يمينا لتلبسه باليمين. ((نه)): الحلف هو اليمين، كما تقول: حلف يحلف حلقا، وأصلها العقد بالعزم والنية، فخالف بين اللفظين، أي ((حلف)) و ((علي يمين)) تأكيدا لعقده وإعلاما أن لغو اليمين لا ينعقد.
أقول: يؤيد هذا الوجه ما روى النسائي عن أبي موسى قال: قال النبي ﷺ : ((ما علي الأرض يمين أحلف عليها فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيته)) فإنه لا يدل إلا علي التأكيد: لأن ((أحلف عليها)) صفة مؤكدة لـ ((يمين))، نحو أمس الدابر لا يعود، أي من حلف علي حلف، كقول المتنبي:
أرق علي أرق ومثلي يأرق
والمعنى من حلف يمينا جزما لا لغوا ثم بدا له أمر آخر إمضاؤه أفضل من إبرار يمينه، فليأت ذلك الأمر وليكفر عن يمينه، فعلي هذا ((يمين)) مصدر مؤكدة لقوله: ((أحلف)). ((حس)): اختلفوا في تقديم كفارة اليمين علي الحنث، فذهب أكثر الصحابة وغيرهم إلي جوازه وإليه ذهب الشافعي، ومالك، وأحمد، إلا أن الشافعي يقول: إن كفر بالصوم قبل الحنث فلا يجوز، وإنما يجوز العتق أو الإطعام أو الكسوة، كما يجوز تقديم الزكاة علي الحول، ولا يجوز تعجيل صوم رمضان قبل وقته.
стр. 1873
٣٤١٣ - وعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: ((من حلف علي يمين فرأي خيرا منها فليكفر عن يمينه، وليفعل)). رواه مسلم.
٣٤١٤ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((والله لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن يعطي كفارته التي افترض الله عليه)). متفق عليه.
٣٤١٥ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يمينك علي ما يصدقك عليه صاحبك)). رواه مسلم.
ــ
الحديث السابع عن عبد الرحمن: قوله: ((وكلت إليها)) معناه أن الإمارة أم شاق لا يخرج عن عهدتها إلا الأفراد من الرجال، فلا تسألها عن تشرف نفس، فإنك إن سألتها تركت معها، فلا يعينك الله عليها، وإن أوتيت من غير مسألة أعانك الله عليها.
الحديث الثامن والتاسع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لأن يلج)) ((قض)): يقال: لججت ألج – بكسر الماضي وفتح المضارع، وبالعكس – لجا ولجاجة، يريد به أن الرجل إذا حلف علي شيء وأصر عليه لجاجا مع أهله، كان ذلك أدخل في الوزر وأفضى إلي الإثم من أن يحنث في يمينه ويكفر عنها؛ لأنه جعل الله تعالي بذلك عرضة الامتناع عن البر والمواساة مع الأهل والإصرار علي اللجاج، وقد نهي عن ذلك بقوله: ﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ﴾ الآية، و ((آثم)) اسم تفضيل أصله أن يطلق للاج الآثم فأطلقه للجاج الموجب للإثم علي سبيل الاتساع، والمراد به أنه يوجب مزيدا ثم مطلقا بالإضافة إلي ما نسب إليه؛ فإنه أمر مندوب علي ما تشهد به الأحاديث المتقدمة عليه لا إثم فيه. وقيل: معناه أنه كان يتحرج عن الحنث والتأثم فيه، ويرى ذلك، فاللجاج إثم علي زعمه وحسبانه.
أقول: قوله: والمراد به أنه يوجب مزيدا ثم مطلقا، فيه نظر؛ لأن ((من)) التفصيلية في قوله: ((من أن يعطى)) تنافي الإطلاق؛ لأن آثم حينئذ تكون بمعنى اسم الفاعل وهو لا يتعدى بـ ((من)) كما في قولهم: الناقص والأشج أعدلا بني مروان، ويوسف أحسن إخوته في وجه. ولا يستبعد أن يقال: إنه من باب قولهم: الصيف أحر من الشتاء، يعني إثم اللجاج في بابه أبلغ من ثواب إعطاء الكفارة في بابه. وكذا في قوله: أصله أن يطلق للاج الآثم فأطلقه – إلي آخره، بحث؛ لأن المعنى استمراره علي عدم الحنث وإدامة الضرر علي أهله أكثر إثما من الحنث. وفائدة ذكر الأهل في هذا المقام مبالغة كما سبق في حديث ثابت بن الضحاك.
الحديث العاشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((يمينك)) مبتدأ و ((علي ما يصدقك)) خبر،
стр. 1874
٣٤١٦ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((اليمين علي نية المستحلف)). رواه مسلم.
٣٤١٧ - وعن عائشة [﵂] قالت: أنزلت هذه الآية: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ في قول الرجل: لا والله، وعلي الله. رواه البخاري وفي ((شرح السنة)) لفظ ((المصابيح)) وقال: رفعه بعضهم عن عائشة [﵂].
ــ
أي واقع عليه لا تؤثر فيه التورية. ((مح)): الحديث محمول علي استحلاف القاضي أو نائبه، فإذا حلفه القاضي فحلف وورى ونوى غير ما نوى القاضي، انعقدت يمينه علي ما نوى القاضي ولا تنفعه التورية، وعليه الإجماع. وأما إذا حلف بغير استحلاف القاضي وورى فتنفعه التورية ولا يحنث، سواء حلف ابتداء من غير تحليف أو حلفه القاضي أو نائبه. وحاصله: أن الحلف علي نية الحالف في كل الأحوال، إلا إذا استحلفه القاضي أو نائبه في دعوى توجه عليها، وأما إذا حلف عند القاضي ولم يستحلفه فالاعتبار بنية الحالف، وأما إذا استحلفه القاضي بالطلاق فتنفعه التورية؛ لأن القاضي ليس له التحليف بالطلاق والعتاق، وإنما يستحلف بالله.
واعلم أن التورية وإن كانت لا يحنث بها، فلا يجوز فعلها حيث يبطل بها حق مستحق. وهذا تفصيل مذهب الشافعي وأصحابه. ويحكى عن مالك أن ما كان من ذلك علي وجه المكر والخديعة فهو فيه حانث آثم، وما كان علي وجه العذر فلا بأس به – انتهي كلامه. وروى سويد بن حنظلة أنه قال: ((خرجنا نريد رسول الله ﷺ ، ومعنا وائل بن حجر الحضرمي، فأخذه عدو له، فتحرج القوم أن يحلفوا، وحلفت أنه أخي فخلوا سبيله، فأتيت النبي ﷺ فأخبرته فقال: ((صدقت، المسلم أخو المسلم)).
الحديث الحادي عشر والثاني عشر عن عائشة ﵂: قوله: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ﴾ الكشاف: اللغو الساقط الذي لا يعتد به من كلام وغيره؛ ولذلك قيل لما لا يعتد به في الدابة من أولاد الإبل: لغو، واللغو من اليمين الساقط الذي لا يعتد به في الأيمان، وهو الذي لا عقد معه، والدليل عليه ﴿ولَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ﴾.
قوله: ((رفعه بعضهم عن عائشة)) أي رفع الحديث بعضهم إلي النبي ﷺ متجاوزا عن عائشة، وذلك أن قوله: ((عن عائشة قالت: أنزلت)) ظاهر في أنه موقوف عليها. فإن قلت: كيف ساغ ذكر الموقوف وهو ضعيف في صحيح البخاري؟ قلت: مثل هذا ليس بموقوف. قال ابن الصلاح: تفسير الصحابي موقوف إلا فيما يتعلق بسبب نزول آية، وما نحن فيه من هذا القبيل.
стр. 1875
الفصل الثاني
٣٤١٨ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تحلفوا بآبائكم، ولا بأمهاتكم، ولا بالأنداد، ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون)). [٣٤١٨]
٣٤١٩ - وعن ابن عمر [﵄] قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من حلف بغير الله فقد أشرك)). رواه الترمذي. [٣٤١٩]
٣٤٢٠ - وعنه، بريدة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من حلف بالأمانة فليس منا)). رواه أبو داود. [٣٤٢٠]
٣٤٢١ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من قال: إني بريء من الإسلام؛ فإن كان كاذبا فهو كما قال، وإن كان صادقا فلن يرجع إلي الإسلام سالما)). رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه. [٣٤٢١]
٣٤٢٢ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: كان رسول الله ﷺ إذا اجتهد في اليمين
ــ
الفصل الثاني
الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((ولا بالأنداد)) ((نه)): هي جمع ند – بالكسر – وهو مثل الشيء يضاده في أموره ويناده – أي يخالفه – ويريد بها ما كانوا يتخذونه آلهة من دون الله.
الحديث الثاني والثالث عن بريدة: قوله: ((فليس منا)) ((قض)): أي من ذوي أسوتنا بل هو من المتشبهين بغيرنا؛ فإنه من ديدن أهل الكتاب. ولعله أراد به الوعيد عليه؛ فإنه حلف بغير الله. ولا تتعلق به الكفارة وفاقا، واختلفوا فيما إذا قال: وأمانة الله، فذهب الأكثرون إلي أنه لا كفارة فيه. وقال أبو حنيفة: إنه يمين تجب الكفارة بالحنث فيه، كما لو قال: بقدرة الله وعلمه؛ لأنها من صفاته؛ إذ في أسمائه الأمين.
الحديث الرابع والخامس عن أبي سعيد: قوله: ((إذا اجتهد ((نه)): الاجتهاد بذل الوسع في
стр. 1876
قال: ((لا، والذي نفس أبي القاسم بيده)). رواه أبو داود. [٣٤٢٢]
٣٤٢٣ - وعن أبي هريرة، قال: كانت يمين رسول الله ﷺ إذا حلف: لا، وأستغفر الله)). رواه أبو داود وابن ماجه. [٣٤٢٣]
٣٤٢٤ - وعن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: ((من حلف علي يمين فقال: إن شاء الله فلا حنث عليه)). رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي، وذكر الترمذي جماعة وقفوه علي ابن عمر. [٣٤٢٤]
ــ
طلب الأمر، وهو افتعال من الجهد والطاقة. أقول: وإنما كان هذا القسم بليغا في بابه لما فيه من إظهار قدرة الله تعالي وتنجيز نفسه الزكية الطاهرة عن الدنس دنس الأيام وأنها غريض منقوشة عند الله تعالي، فتكون أشرف أقسم القسم.
الحديث السادس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لا وأستغفر الله)) ((قض)): أي أستغفر الله إن كان الأمر علي خلاف ذلك، وهو وإن لم يكن يمينا لكنه شابهه من حيث أنه أكد الكلام وقرره، وأعرب عن تحرجه بالكذب فيه وتحرزه عنه؛ فلذلك سماه يمينا. أقول: والوجه أن يقال: إن الواو في قوله: ((وأستغفر الله)) للعطف وهو يقتضي معطوفا عليه محذوفا، والقرينة لفظة ((لا)) لأنها لا تخلو إما أن تكون توطئة للقسم، كما في قوله تعالي: ﴿لا أُقْسِمُ﴾ أو رد للكلام السابق وإنشاء قسم، وعلي كلا التقديرين: المعنى لا أقسم بالله وأستغفر الله. ويؤيده ما ذهب إليه المظهر من قوله: ((إذا حلف رسول الله ﷺ يمين لغو كان يقول: ((وأستغفر الله)) عقيبه تداركا لما جرى علي لسانه من غير قصد، وإن كان معفوا عنه، لما نطق به القرآن، ليكون به دليلا لأمته علي الاحتراز عنه.
الحديث السابع عن ابن عمر: قوله: ((إن شاء الله)) ((حس)) العمل علي هذا عند أكثر أهل العلم، وهو أن الاستثناء إذا كان موصولا باليمين، أو مفصولا عنها بسكتة يسيرة كالسكتة للذكر أو للعي أو للتنفس، فلا حنث عليه، ولا فرق بين اليمين بالله أو بالطلاق أو بالعتاق واختلفوا في الاستثناء إذا كان منفصلا عن اليمين، فذهب أكثرهم إلي أن لا يعمل به إن طال الفصل أو اشتغل بكلام آخر بينهما ثم استثنى. وقيل: يجوز الاستثناء ما دام الحالف في المجلس. قيل: وما لم يقمن وقيل: ما دام في ذلك الأمر، وقال: ابن عباس: له الاستثناء بعد حين، وقال مجاهد: بعد سنتين، وقال سعيد بن جبير: بعد أربعة أشهر. أقول: والفاء في قوله: ((فقال إن شاء الله)) تشعر بالاتصال فإنها موضوع لغير التراخي، وأما إجراء ((إن شاء الله)) مجرى الاستثناء فعلي المجاز، كأنه قال: أحلف بالله تعالي ((أنى أفعل كذا، ولا يمنعني من ذلك مانع إلا مشيئة الله تعالي.
стр. 1877
الفصل الثالث
٣٤٢٥ - عن أبي الأحوص عوف بن مالك، عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله! أرأيت ابن عم لي آتيه أسأله فلا يعطيني ولا يصلني، ثم يحتاج إلي فيأتيني فيسألني، وقد حلفت أن لا أعطيه ولا أصله، فأمرني أن آتي الذي هو خير وأكفر عن يميني. رواه النسائي، وابن ماجه، وفي رواية قال: قلت: يا رسول الله! يأتيني ابن عمري فأحلف أن لا أعطيه ولا أصله قال: ((كفر عن يمينك)). [٣٤٢٥]
(١) باب في النذور
الفصل الأول
٣٤٢٦ - عن أبي هريرة، وابن عمر [﵃] قالا: قال رسول الله ﷺ : ((لا تنذروا؛ فإن النذر لا يغني من القدر شيئاً، وإنما يستخرج به من البخيل)). متفق عليه.
ــ
الفصل الثالث
الحديث الأول عن أبي الأحوص: قوله: ((هو خير)) ليس هو للتفضيل؛ لأن المعنى دائر بين قطع الصلة ومنع المعروف ووصلها وإعطائه، وقد حض عليه في قوله: ((صل من قطعك، وأعط من حرمك، واعف عمن ظلمك)) ونهي عن الخلتين أبلغ نهي.
باب في النذور
الفصل الأول
الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لا تنذروا)) ((قض)): عادة الناس تعليق النذور علي حصول المنافع ودفع المضار فنهي عنه؛ فإن ذلك فعل البخلاء؛ إذ السخي إذا أراد أن يتقرب إلي الله تعالي استعجل فيه وأتى به في الحال، والبخيل لا تطاوعه نفسه بإخراج شيء من يده إلا في مقابلة عوض يستوفيه أولاً، فيلتزمه في مقابلة ما سيحصل له، ويعقله علي جلب نفع أو دفع ضرر، وذلك لا يغني عن القدر شيئاً، أي نذره لا يسوق إليه خيراً لم يقدر له ولا يرد عنه شراً قضى عليه، ولكن النذر قد يوافق القدر، فيخرج من البخيل ما لولاه لم يكن يريد أن يخرجه.
((خط)): معنى نهيه عن النذر إنما هو لتأكيد الأمر وتحذير التهاون به بعد إيحابه، ولو كان معناه الزجر عنه حتى لا يفعل، لكان في ذلك إبطال حكمه وإسقاط لزوم الوفاء به؛ إذا صار معصية. وإنما وجه الحديث أنه أعلمهم أن ذلك أمر لا يجلب لهم في العاجل نفعاً، ولا يصرف عنهم ضراً، ولا يرد شيئاً قضاه الله تعالي، يقول: فلا تنذروا علي أنكم تدركون شيئاً
٣٤٢٧ - وعن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه)) رواه البخاري.
٣٤٢٨ - وعن عمران بن حصين، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا وفاء لنذر في معصية ولا فيما لا يملك العبد)). رواه مسلم. وفي رواية: ((لا نذر في معصية الله)).
٣٤٢٩ - وعن عقبة بن عامر، عن رسول الله ﷺ ، قال: ((كفارة النذر كفارة اليمين)). رواه مسلم.
ــ
стр. 1878
لم يقدره الله لكم أو تصرفون عن أنفسكم ما جرى القضاء به عليكم. وإذا فعلتم ذلك فاخرجوا منه بالوفاء؛ فإن الذي نذرتموه لازم لكم.
أقول: تحريره أنه علل النهي بقوله: ((فإن النذر لا يغني من القدر ونبه به علي أن النذر المنهي عنه هو النذر المقيد الذي يعتقد أنه يغني من القدر بنفسه، كما زعموا. وكم نرى في عهدنا جماعة يعتقدون ذلك؛ لما شاهدوا من غالب الأحوال حصول المطالب بالنذر. وأما إذا نذر واعتقد أن الله تعالي هو الذي يسهل الأمور، وهو الضار النافع، والنذور كالذرائع والوسائل، فيكون الوفاء بالنذر طاعة، ولا يكون منهياً عنه، كيف وقد مدح الله تعالي الخيرة من عباده بقوله جل ثناؤه: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ويَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ ﴿نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾؟ وأما معنى ((وإنما يستخرج به من البخيل)) فإن الله تعالي يحب البذل والإنفاق، فمن سمحت أريحته فذاك، وإلا فشرع النذور ليستخرج بها مال البخيل اضطراراً، فيتسمح ويفوز بما يحبه الله تعالي من البذل.
الحديث الثاني والثالث والرابع عن عائشة ﵂: قوله: ((فليطعه)) ((حس)): فيه دليل علي أن من نذر طاعة يلزمه الوفاء به، وإن لم يكن معلقاً بشيء، وأن من نذر معصية لا يجوز الوفاء به، ولا يلزمه الكفارة؛ إذ لو كانت فيه قيمة الكفارة، لأشبه أن يكون ﷺ بينه، فعلي هذا لو نذر صوم يوم العيد لا يجب عليه شيء، ولو نذر نحر ولده باطل. وإليه ذهب جماعة من أصحاب النبي ﷺ ، وهو قول مالك والشافعي. فأما إذا نذر مطلقاً فقال: علي نذر ولم يسم شيئاً، فعليه كفارة اليمين؛ لما روى عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : ((كفارة النذر إذا لم يسم كفارة اليمين)). وروى عن ابن عباس أنه قال: ((من نذر نذراً لم يسمه فكفارته كفارة اليمين، ومن نذر شيئاً لا يطيقه فكفارته كفارة اليمين))
стр. 1879
٣٤٣٠ - وعن ابن عباس [﵄] قال: بينا النبي ﷺ يخطب إذا هو برجل قائم، فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم. فقال النبي ﷺ : ((مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه)) رواه البخاري.
٣٤٣١ - وعن انس أن النبي ﷺ رأي شيخاً يهادي بين ابنيه، فقال: ((ما بال هذا؟)) قالوا: نذر أن يمشي إلي بيت الله قال: إن الله تعالي عن تعذيب هذا نفسه لغني)). وأمره أن يركب. متفق عليه.
ــ
الحديث الخامس عن ابن عباس: قوله: ((فسأل عنه)) ((قض)): الظاهر من اللفظ أن المسئول عنه هو اسمه؛ ولذلك أجيب بذكر اسمه، وأن ما بعده زيادة في الجواب. ويحتمل أن يكون المسئول عنه حاله فيكون الأمر بالعكس. ولعل السؤال لما كان محتملا لكل واحد من الأمرين، أجابوا بهما جميعاً. وأبو إسرائيل هذا رجل من بني عامر بن لؤي من بطون قريش. وأمره ﷺ بالوفاء بالصوم والمخالفة لما سواه، يدل علي أن النذر لا يصح إلا فيما فيه قربة، وما لا قربة فيه فنذره لغو لا عبرة به. وبه قال ابن عمر وغيره من الصحابة، وهو مذهب مالك والشافعي. وقيل: إن كان المنذور مباحاً يجب الإتيان به؛ لما روى أن امرأة قالت: يا رسول الله! إني نذرت أن أضرب علي رأسك بالدف، قال: ((أوفي بنذرك)). وإن كان محرماً تجب كفارة اليمين؛ لما روت عائشة أنه ﷺ قال: ((لا نذر في معصية وكفارته كفارة اليمين)) ولما روى عن عقبة أنه ﷺ قال: ((كفارة النذر كفارة اليمين)).
والجواب عن الأول أنها لما قصدت بذلك إظهار الفرح بمقدم رسول الله ﷺ ، والمسرة بنصر ﷺ للمؤمنين، وكانت فيه مساءة الكفار والمنافقين، التحق بالقربات، مع أن الغالب في أمثال هذا الأمر أن يراد به الإذن دون الوجود. وعن الثاني أنه حديث ضعيف لم يثبت عن الثقات. وعن الثالث أنه ليس من هذا الباب؛ إذ الرواية الصحيحة عنه ﷺ أنه قال: ((كفارة النذر إذا لم يسم كفارة اليمين)) وذلك مثل أن تقول: لله علي نذر، ولم يسم شيئاً.
وقال أصحاب أبي حنيفة: لو نذر صوم يوم العيد لزمه صوم يوم، ولو نذر نحر ولده لزمه ذبح شاة، ولو نذر ذبح والده اتفقوا علي أنه لا يلزمه ذلك. ولعل الفرق أن ذبح الولد كان قبل الإسلام ينذرونه ويعدونه قربة بخلاف ذبح الوالد.
الحديث السادس عن أنس ﵁: وقوله: ((يهادي)) ((تو)): يقال: جاء فلان يهادي بين اثنين، إذا كان يمشي بينها معتمداً عليهما من ضعف به ((مظ)): اختلفوا فيمن نذر أن يمشي إلي
стр. 1880
٣٤٣٢ - وفي رواية لمسلم عن أبي هريرة قال: ((اركب أيها الشيخ! فإن الله غني عنك وعن نذرك)).
٣٤٣٣ - وعن ابن عباس: أن سعد بن عبادة [﵃] استفتى النبي ﷺ في نذر كان علي أمه فتوفيت قبل أن تقضيه فأفتاه أن يقضيه عنها. متفق عليه.
٣٤٣٤ - وعن كعب بن مالك، قال: قلت يا رسول الله! إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلي الله وإلي رسوله. فقال رسول الله ﷺ : ((أمسك بعض مالك فهو خير لك)). قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر. متفق عليه. وهذا طرف من حديث مطول.
ــ
بيت الله، فقال الشافعي: يمشي إن أطاق المشي، فإن عجز أراق دماً وركب. وقال أصحاب أبي حنيفة: يركب ويريق دماً سواء أطاق المشي أو لم يطقه.
الحديث السابع عن ابن عباس ﵁: قوله: ((فأفتاه أن يقضيه)) ((مح)): قال القاضي عياض: اختلفوا في نذر أم سعد هذا، فقيل: كان نذراً مطلقاً، وقيل: كان صوماً، وقيل: كان عتقاً، وقيل: صدقة. واستدل كل قائل بأحاديث جاءت في قصة أم سعد، والأظهر أنه كان نذراً في المال أو نذراً مبهما، ويعضده ما رواه الدارقطني من حديث مالك، فقال له يعني النبي ﷺ : ((استق عنها الماء)).
ومذهب الجمهور أن الوارث لا يلزمه قضاء النذر الواجب علي الميت إذا كان غير مالي. وإذا كان مالياً كفارة أو نذر أو زكاة ولم يخلف تركة لا يلزمه، لكن يستحب له ذلك. وقال أهل الظاهر: يلزمه بهذا الحديث؛ لقوله: ((فأفتاه أن يقضيه عنها)). ودليلنا أن الوارث لم يلزمه، وحديث سعد يحتمل أنه قضى من تركتها أو تبرع به، وليس في الحديث تصريح بالتزامه ذلك، وأما غير المال فقد سبق بيانه.
الحديث الثامن عن كعب: قوله: ((أن أنخلع)) ((نه)): أي أخرج مه جميعه وأتصدق به، فأعرى منه كما يعري الإنسان إذا خلع ثوبه. أقول: هذا الانخلاع ليس بظاهر في معنى كفارة النذر، وإنما هو إما كفارة كما ذهب إليه المظهر، كأنه قال: ما أنا فيه يقتضي خلع مالي صدقة مكفرة، وإما شكراً كما في شرح مسلم. قال: فيه استحباب الصدقة وشكر النعم المتجددة لاسيما بأعظم منها.
وذلك أن كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية هم الذين تخلفوا عن رسول الله ﷺ في خروجه إلي غزوة تبوك، ثم ندموا من سوء صنيعهم ذلك، فتابوا إلي الله تعالي، فقبل توبتهم بعد أيام، وأنزل الله تعالي فيهم ﴿وعَلي الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ
стр. 1881
الفصل الثاني
٣٤٣٥ - عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : لا نذر في معصية، وكفارته كفارة اليمين)). رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي. [٣٤٣٥]
٣٤٣٦ - وعن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قال: ((من نذر نذراً لم يسمه؛ فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذراً لا يطيقه؛ فكفارته كفارة يمين ومن نذر نذراً أطاقه فليف به)) رواه أبو داود، وابن ماجه، ووقفه بعضهم علي ابن عباس. [٣٤٣٦]
ــ
الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ الآية، فأراد كعب أن يتصدق بجميع ماله شكراً لله تعالي لقبول توبته، فقال: ((إن من توبتي – أي من تمامها – أن أنخلع من مالي)). ولعل ذكره في باب النذر؛ لأنه أشبه النذر في أن أوجب علي نفسه ما ليس بواجب لحدوث أمر. ((مح)): وإنما أمره ﷺ بالاقتصار علي الصدقة ببعضه خوفاً من تضرره، وأن لا يتصبر علي إنفاقه. ولا يخالف هذا صدقة أبي بكر ﵁ بجميع ماله؛ لأنه كان صابراً راضياً.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن عائشة ﵂: قوله: ((لا نذر)) أي لا وفاء في نذر معصية، فإن نذر أحد فيها فعليه الكفارة، وكفارته كفارة يمين. وإنما قدر الوفاء؛ لأن ((لا)) لنفي الجنس فإنه يقتضي نفي الماهية، فإذا نقيت ينتفي ما يتعلق بها وهو غير صحيح؛ لقوله بعده: ((وكفارته كفارة يمين)) فإذن يتعين تقدير الوفاء، ويؤيده قوله في الفصل الثالث في حديث عمران: ((ومن كان نذر في معصية فذلك الشيطان، ولا وفاء به)).
الحديث الثاني عن ابن عباس: قوله: ((فكفارته كفارة يمين)) ((مح)): اختلف العلماء في قوله: ((كفارته كفارة اليمين))، فحمله جمهور أصحابنا علي نذر اللجاج، وهو أن يقول الرجل مريداً لامتناع من كلام زيد مثلا: إن كلمت زيداً فلله علي حجة أو غيرها فكلمه، فهو بالخيار بين كفارة يمين وبين ما التزمه. وحمله مالك وكثيرون علي النذر المطلق كقوله: علي نذر، وحمله أحمد وبعض أصحابنا علي نذر المعصية، كمن نذر أن يشرب الخمر. وحمله جماعة
стр. 1882
٣٤٣٧ - وعن ثابت بن الضحاك، قال: نذر رجل علي عهد رسول الله ﷺ أن ينحر إبلاً ببوانة، فأتى رسول الله ﷺ ، فأخبره، فقال رسول الله ﷺ : ((هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟)) قالوا: لا [قال]. ((فهل كان فيه عيد من أعيادهم؟)) قالوا: لا. فقال رسول الله ﷺ : ((أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم)). رواه أبو داود. [٣٤٣٧]
٣٤٣٨ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده [﵁] أن امرأة قالت: يا رسول الله! إني نذرت أن أضرب علي رأسك بالدف. قال: ((أوفي بنذرك)). رواه أبو داود، وزاد رزين: قالت: ونذرت أن أذبح بمكان كذا وكذا، مكان يذبح فيه أهل الجاهلية، فقال: ((هل كان بذلك المكان وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟)) قالت: لا. قال: ((هل كان فيه عيد من أعيادهم؟)) قالت: لا. قال: ((أوف بنذرك)). [٣٤٣٨]
ــ
من فقهاء أصحاب الحديث علي جميع أنواع النذر، وقالوا: هو مخير بين الوفاء بما التزمه وبين كفارة يمين. أقول: قوله: ((ومن نذر نذراً أطاقه فليف به)) يقوي مذهب الأصحاب.
الحديث الثالث عن ثابت بن الضحاك: قوله: ((ببوانة)) ((حس)): هي أسفل مكة دون يلملم. الجوهري: بوانة بالضم اسم موضع. وقال وضاح اليمين:
أيا نخلتي وادي بوانة حبذا إذا نام حراس النخيل جناكما
وربما تحذف الهاء، قال الشاعر:
ماذا تذكرت من الاطمان طوالعاً من نحو ذي بوان
وأما الذي ببلاد فارس فهو شعب بوان بالفتح والتشديد. وفيه أن من نذر أن يضحي في مكان أو يتصدق علي أهل بلد صح نذره ولزمه ذلك.
الحديث الرابع عن عمرو: قوله: ((أن أضرب علي رأسك الدف)) ((خط)): ضرب الدف ليس مما يعد في باب الطاعات التي يتعلق بها النذر، وأحسن حاله أن يكون من باب المباح، غير أنه لما اتصل بإظهار الفرح بسلامة مقدم رسول الله ﷺ ، حين قدم من بعض غزواته وكانت فيه مساءة الكفار وإرغام المنافقين، صار فعله كبعض القرب، لهذا استحب ضرب الدف في النكاح؛ لما فيه من إظهاره والخروج من معنى السفاح الذي لا يظهر. ومما يشبه هذا المعنى قوله النبي ﷺ في هجاء الكفار: ((اهجوا قريشاً فإنه أشد عليها من رشق النبل)).
стр. 1883
٣٤٣٩ - وعن أبي لبابة: أنه قال للنبي ﷺ : إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن انخلع من مالي كله صدقة قال: ((بجزيء عنك الثلث)). رواه رزين. [٣٤٣٩]
٣٤٤٠ - وعن جابر بن عبد الله: أن رجلا قام يوم الفتح فقال: يا رسول الله! إني نذرت لله إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس ركعتين قال: ((صل ها هنا)) ثم أعاد عليه، فقال: ((صل ها هنا)) ثم أعاد عليه فقال: ((شأنك إذن)). رواه أبو داود، والدارمي. [٣٤٤٠]
ــ
الحديث الخامس عن أبي لبابة. جامع الأصول: هو رفاعة بن عبد الله المنذر الأنصاري الأوسي غلبت عليه كنيته. وفي المعالم: هو أبو لبابة عبد المنذر أخو بني عمرو بن عوف، وكانوا حلفاء الأوس، فحاصر النبي ﷺ بني قريظة خمساً وعشرين ليلة، حتى جهدهم الحصار وقذف الله في قلوبهم الرعب، فلما أيقنوا أن رسول الله ﷺ غير منصرف عنهم، قال كعب بن أسيد: يا معشر يهود! إني عارض عليكم خلالا ثلاثاً، فخذوا أيهم شئتم. نبايع هذا الرجل ونصدقه، فو الله لقد تبين لكم أنه نبي مرسل، وأنه الذي تجدونه في كتابكم، قالوا: لا نفارق حكم التوارة. قال: فهلم، فلنقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج إليهم مصلتين بالسيوف، حتى يحكم ﷺ بيننا، قالوا: أنقتل هؤلاء المساكين؟ قال: فإن الليلة ليلة السبت فانزلوا لعلنا نصيب منهم، قالوا: أنفسد سنتنا في السبت؟ ثم إنهم بعثوا إلي رسول الله ﷺ أن ابعث إلينا أبا لبابة لنستشريه في أمرنا،
فأرسله رسول الله ﷺ إليهم، فلما رأوه قام إليه الرجال والنساء والصبيان يبكون في وجهه فرق لهم، فقالوا: يا أبا لبابة! أترى أن ننزل علي حكم محمد؟ قال: نعم وأشار بيده إلي حلقه إنه الذبح.
قال أبو لبابة: فو الله ما زالت قدماي حتى عرفت إني خنت الله ورسوله، ثم انطلق علي وجهه، وربط نفسه في المسجد إلي عمود من عمده، وقال: لا أبرح من مكإني حتى يتوب الله علي، ثم إن الله تعالي أنزل توبته علي رسول الله ﷺ ، فثار الناس إليه ليطلقوه، قال: لا والله حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يطلقني، فأطلقه. وقال في الكشاف: فقال: يا رسول الله! إن من تمام توبتي – الحديث.
الحديث السادس عن جابر: قوله: ((شأنك إذن)) ((شأنك)) نصب علي المفعول به، أي ألزم شأنك، و ((إذن)) جواب وجزاء، أي إذا أبيت أن تصل ها هنا، فافعل ما نذرت به من صلاتك في بيت المقدس. ((حس)): لو نذر أن يصلي في مسجد الرسول ﷺ يخرج عن نذره إذا صلي في المسجد الحرام، ولا يخرج إذ صلي في المسجد الأقصى؛ لقوله ﷺ : ((صلاة في مسجدي هذا
стр. 1884
٣٤٤١ - وعن ابن عباس: أن أخت عقبة بن عامر [﵃] نذرت أن تحج ماشية، وأنها لا تطيق ذلك. فقال النبي ﷺ : ((إن الله لغني عن مشي أختك، فلتركب ولتهد بدنة)). رواه أبو داود، والدارمي، وفي رواية لأبي داود: فأمرها النبي ﷺ أن تركب وتهدي هدياً. وفي رواية له: فقال النبي ﷺ : ((إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئاً، فلتركب ولتحج وتكفر يمينها)). [٣٤٤١]
٣٤٤٢ - وعن عبد الله بن مالك، أن عقبة بن عامر سأل النبي ﷺ عن أخت له نذرت أن تحج حافية غير مختمرة. فقال: ((مروها فلتختمر ولتركب ولتصم ثلاثة أيام)). رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي. [٣٤٤٢]
٣٤٤٣ - وعن سعيد بن المسيب: أن أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث،
ــ
خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام)) ولو نذر أن يصلي في المسجد الحرام فلا يخرج عن نذره بالصلاة في غيره. ولو نذر أن يصلي في المسجد الأقصى، فصلي في المسجد الحرام أو في مسجد الرسول ﷺ يخرج عن النذر، لهذا الحديث.
الحديث السابع عن ابن عباس: قوله: ((نذرت أن تحج)) ((قض)): لما كان المشي في الحج من عداد القربات، وجب بالنذر، والتحق بسائر أعماله التي لا يجوز تركها إلا لمن عجز، ويتعلق بترك الفدية. واختلف في الواجب، فقال علي ﵁: يجب بدنة؛ لقوله ﷺ : ((ولتهد بدنة)) وقال بعضهم: يجب دم شاة كما في مجاورة الميقات، وحملوا الأمر بالبدنة علي الاستحباب. وهو قول مالك وأظهر قولي الشافعي. وقيل: لا يجب فيه شيء، وإنما أمر رسول الله ﷺ بالهدي علي وجه الاستحباب دون الوجوب.
الحديث الثامن عن عبد الله: قوله: ((فلتختمر)) ((خط)) إنما أمره إياها بالاختمار والاستتار فلأن النذر لم ينعقد فيه؛ لأن ذلك معصية، والنساء مأمورات بالاختمار والاستتار. وأما نذر المشي حافية، فالمشي قد يصح فيه النذر وعلي صاحبه أن يمشي ما قدر عليه، وإذا عجز ركب وأهدى هدياً. وقد يحتمل أن تكون أخت عقبة كانت عاجزة عن المشي، بل قد روى ذلك من رواية ابن عباس. فأما ((ولتصم ثلاثة أيام)) فإن الصيام بدل الهدى.
الحديث التاسع عن سعيد: قوله: ((في رتاج الكعبة)) ((نه)): الرتاج الباب، وفي هذا الحديث
стр. 1885
فسأل أحدهما صاحبة القسمة، فقال: إن عدت تسألني القسمة فكل مالي في رتاج الكعبة. فقال له عمر: إن الكعبة غنية عن مالك، كفر عن يمينك، وكلم أخاك فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا يمين عليك ولا نذر في معصية الرب، ولا في قطيعة الرحم، ولا فيما لا يملك)). رواه أبو داود. [٣٤٤٣]
الفصل الثالث
٣٤٤٤ - عن عمران بن حصين، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((النذر نذران: فمن كان نذر في طاعة فذلك لله فيه الوفاء، ومن كان نذر في معصية فذلك للشيطان ولا وفاء فيه. ويكفره ما يكفر اليمين)). رواه النسائي. [٣٤٤٤]
٣٤٤٥ - وعن محمد بن المنتشر، قال: إن رجلاً نذر أن ينحر نفسه إن نجاه الله من عدوه. فسأل ابن عباس، فقال له: سل مسروقاً، فسأله، فقال له: لا تنحر نفسك، فإنك إن كنت مؤمناً قتلت نفسك نفساً مؤمنة، وإن كنت كافراً تعجلت إلي النار، واشتر كبشاً فاذبحه للمساكين، فإن إسحاق خير منك، وفدي بكبش، فأخبر ابن عباس، فقال: هكذا كنت أردت أن أفتيك. رواه رزين.
ــ
الكعبة؛ لأنه أراد أن ماله هدياً إلي الكعبة لا إلي بابها، فكنى بالباب؛ لأنه منه يدخل. وجمع الرتاج رتج. قوله: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا يمين عليك)) أي سمعت ما يؤدي معناه إلي قولك: ((لا يمين عليك)) يعني لا يجب الوفاء بما نذرت، وسمى النذر يميناً، لما يلزم منه ما يلزم من اليمين.
((حس)): اختلفوا في النذر إذا خرج مخرج اليمين مثل أن قال: إن كلمت فلاناً فلله علي عتق رقبة، وإن دخلت الدار فلله علي صوم أو صلاة. فهذا نذر خرج مخرج اليمين لأنه قصد به منع نفسه عن الفعل كالحالف يقصد بيمينه منع نفسه عن الفعل. فذهب أكثر الصحابة ومن بعدهم إلي أنه إذا فعل ذلك الفعل تجب عليه كفارة اليمين، كما لو حنث في يمينه، وإليه ذهب الشافعي، ويدل عليه هذا الحديث وغيره. وقيل: عليه الوفاء بما التزمه، قياساً علي سائر النذور.
الفصل الثالث
الحديث الأول والثاني عن محمد بن المنتشر: قوله: ((هكذا كنت أردت أن أفتيك)) لعله إنما
стр. 1886
كتاب القصاص
الفصل الأول
٣٤٤٦ - عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وإني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزإني، والمارق لدينه التارك للجماعة)) متفق عليه.
ــ
بعثه إلي مسروق احتياطاً؛ لأنه كان أخذ من أم المؤمنين الصديقة ﵂. فعلي المفتي أن لا يستعجل في الفتوى بل يستشير ويرجع إلي النقل.
كتاب القصاص
المغرب: القص القطع، وقصاص الشعر مقطعه ومنتهي منبته من مقدم الرأس إلي حواليه، ومنه القصاص وهو مقاصة ولي القتيل القاتل والمجروح الجارح، وهي مساواته إياه في قتل أو جرح، ثم عمم في كل مساواة.
الفصل الأول
الحديث الأول عن عبد الله بن مسعود ﵁: قوله: ((مسلم)) ((قض)): هو صفة مقيدة لـ ((امرئ)) و ((يشهد)) مع ما هو متعلق به صفة ثإنية جاءت للتوضيح والبيان؛ ليعلم أن المراد بـ ((مسلم)) هو الآتي بالشهادتين، وأن الإتيان بهما كاف للعصمة. وأقول: الظاهر أن ((يشهد)) حال جيء بها مقيدة للموصوف مع صفته؛ إشعاراً بأن الشهادة هي العمدة في حق الدم. ويؤيده قوله ﷺ في حديث أسامة: كيف تصنع بلا إله إلا الله)).
قوله: ((إلا بإحدى ثلاث)) ((قض)): أي خصال ثلاث، قتل النفس بغير الحق وزنى المحصن والارتداد ففصل ذلك بتعداد المتصفين به المستوجبين القتل لأجله فقال: ((النفس بالنفس)) أي يحل قتل النفس قصاصاً بالنفس التي قتلها عدواناً، وهو مخصوص بولي الدم لا يحل قتله لأحد سواه، حتى لو قتله غيره لزمه القصاص. و ((الثيب الزإني)) يريد به الزإني المحصن، وهو المكلف الحر الذي أصاب في نكاح صحيح ثم زنى، فإن للإمام رجمه، وليس لأحاد الناس ذلك. لكن لو قتله مسلم ففي وجوب القصاص عليه خلاف، والأظهر عندنا أنه يجب؛ لأن إباحة دمه لمحافظة أنساب المسلمين وكان له حق فيه. وأما لو قتله ذمي اقتص منه؛ لأنه لا تسلط له علي المسلم بحال. ((والمارق لدينه)) يريد التارك الخارج عنه، من المرق، وهو الماء الذي يخرج من اللحم عند الطبخ، وهو هدر في حق المسلمين لا قصاص علي من قتله، وفيما إذا قتله ذمي خلاف. ((والتارك للجماعة)) صفة مؤكدة لـ ((المارق)) الذي ترك جماعة المسلمين وخرج من جملتهم، وانفرد عن زمرتهم. وفي الحديث دليل لمن زعم أنه لا يقتل أحد دخل في الإسلام بشيء سوى ما عدد كترك الصلاة.
٣٤٤٧ - وعن ابن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً)) رواه البخاري.
٣٤٤٨ - وعن عبد الله مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أول ما يقضي بين الناس يوم القيامة في الدماء)). متفق عليه.
٣٤٤٩ - وعن المقداد بن الأسود، أنه قال: يا رسول الله! أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفار، فاقتتلنا، فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة،
стр. 1887
ــ
((مح)): المراد بقوله: ((النفس بالنفس)) القصاص بشرطه، قد يستدل به أصحاب أبي حنيفة في قولهم: يقتل المسلم بالذمي والحر بالعبد، والجمهور علي خلافه، منهم مالك والشافعي والليث وأحمد. وأما قوله ﷺ : ((التارك لدينه المفارق للجماعة)) فهو عام في كل من ارتد عن الإسلام بأية ردة كانت، فيجب قتله إن لم يرجع إلي الإسلام. قالوا: ويتناول كل خارج عن الجماعة ببدعة أو نفي إجماع، كالروافض والخوارج وغيرهما. وقد خص من هذا العام الصائل ونحوه فيباح قتله في الدفع، وقد يجاب عن هذا بأنه داخل في المفارق للجماعة، ويكون المراد لا يحل تعمد قتله قصداً إلا في هذه الثلاثة.
أقول: هذا التقرير أبين من تقرير القاضي؛ لأن الشيخ جعل قوله: ((النفس بالنفس)) كناية عن القصاص كأنه قيل لا يحل تعمد قتله قصداً بسبب من الأسباب إلا بسبب القصاص أو بالزنا بشرط الإحصان أو بالارتداد، وسمى المارق لدينا مسلما؛ لأنه مستثنى من قوله: ((لا يحل دم امرئ مسلم)) مجازاً باعتبار ما كان عليه.
الحديث الثاني عن ابن عمر ﵄: قوله: ((في فسحة)) أي سعة من دينه ترجى رحمة الله ولطفه، ولو باشر الكبائر سوى القتل، فإذا قتل ضاقت عليه ودخل في زمرة الآيسين من رحمة الله تعالي، كما ورد في حديث أبي هريرة ((من أعان علي قتل مؤمن، ولو بشطر كلمة، لقي الله مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله)). وقيل: المراد بـ ((شطر الكلمة)) قوله: اق. وهو من باب التغليظ، ويجوز أن ينزل معنى الحديث علي معنى قوله ﷺ في الفصل الثاني: ((لا يزال المؤمن معنقاً صالحاً)) أي المؤمن لا يزال موفقاً للخيرات مسارعاً إليها ((ما لم يصب دماً حراماً)) فإذا أصاب ذلك أعيي وانقطع عنه ذلك بشؤم ما ارتكب من الإثم.
الحديث الثالث عن عبد الله: قوله: ((أول ما يقضي)) ((مح)): هذا لتعظيم أمر الدماء وتأثير خطرها، وليس هذا الحديث مخالفاً لقوله: ((أول ما يحاسب به العبد صلاته)) لأن ذلك في حق الله تعالي، وهذا فيما بين العباد.
الحديث الرابع عن المقداد: قوله: ((ثم لاذ مني بشجرة)) ((قض)): اللياذ العياذ. قوله: ((لا
стр. 1888
فقال: أسلمت لله – وفي رواية: فلما أهويت لأقتله قال: لا إله إلا الله – أأقتله بعد أن قالها؟ قال: ((لا تقتله)). فقال: يا رسول الله! إن قطع إحدى يدي. فقال رسول الله ﷺ : ((لا تقتله)). فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال)). متفق عليه.
٣٤٥٠ - وعن أسامة بن زيد، قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلي أناس من جهينة،
ــ
تقتله)) يستلزم الحكم بإسلامه، ويستفاد منه صحة إسلام المكره، وأن الكافر إذا قال: أسلمت أو أنا مسلم حكم بإسلامه، ومن نهيه عن القتل والتعريض له ثإنياً بعد ما كرر أنه قطع إحدى يديه، أن الحربي إذا جني علم مسلم ثم أسلم لم يؤاخذ بالقصاص؛ إذا لو وجب لرخص له في قطع إحدى يديه قصاصاً. وقوله: ((فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله)) لأنه صار مسلما معصوم الدم كما كنت معصوماً قبل أن فعلت فعلتك التي أباحت دمك قصاصاً، فإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قالها؛ لأنك صرت مباح الدم كما كان هو مباح الدم قبل الإسلام. ولكن السبب يختلف، فإن إباحة دم القاتل بحق القصاص وإباحة دم الكافر بحق الإسلام. وقد تمسك به الخوارج علي تكفير المسلم بارتكاب الكبائر، وحسبوا أن المعنى به المماثلة في الكفر وهو خطأ؛ لأنه تعالي عد القاتل عمداً من أعداد المؤمنين، بل المراد ما ذكرناه.
أقول: ولو حمل علي التغليظ والتشديد كما في قوله تعالي: ﴿ولِلَّهِ عَلي النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلاً ومَن كَفَرَ﴾، وقوله تعالي: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَاّ بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةٌ ولا شَفَاعَةٌ والْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ لجاز؛ فإنه جعل تارك الحج والزكاة في الآيتين من زمرة الكافرين تغليظاً وتشديداً، وإيذاناً بأن ذلك من أوصاف الكفار فينبغي للمسلم أن يحترز منه. وهذا المقام يقتضيه، لأنه أزجر وأردع مما ذهبوا إليه من إهدار الدم؛ ولأن جعله بمنزلة تصريح بأنه ليس علي الحقيقة بل نازل منزلته في الأمر الفظيع الشنيع، وكذلك هو بمنزلتك في الإيمان بواسطة تكلمه بكلمة الشهادة توهيناً لفعله وتعظيما لقوله، والأحاديث السابقة واللاحقة تشهد بصحة ذلك. والله أعلم.
ويقرب منه ما ذكره القاضي عياض، قيل: معناه أنك مثله في مخالفة الأمر وارتكاب الإثم، وإن اختلف الإثمان فيسمى إثمه كفراً وإثمك معصية. قوله: ((أهويت لأقتله)) أهويت بالشيء إذا أو مأت به، ويقال: أهويت له بالسيف.
الحديث الخامس عن أسامة: قوله: ((فهلا شققت)) ((مح)): معناه أنك إنما كلفت العمل
стр. 1889
فأتيت علي رجل منهم، فذهبت أطعنه، فقال: لا إله إلا الله. فطعنته فقتلته، فجئت إلي النبي ﷺ فأخبرته، فقال: ((أقتلته وقد شهد أن لا إله إلا الله؟)) قلت يا رسول الله! إنما فعل ذلك تعوذاً. قال: ((هلا شققت عن قلبه؟!)). متفق عليه.
٣٤٥١ - وفي رواية جندب بن عبد الله البجلي، أن رسول الله ﷺ قال: ((كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟)) قاله مراراً. رواه مسلم.
٣٤٥٢ - وعن عبد الله بن عمرو [﵁]، قال: قال رسول الله ((من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة؛ وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين خريفاً)). رواه البخاري.
ــ
بالظاهر وما ينطق به اللسان، وأما القلب فليس لك طريق إلي معرفة ما فيه. فأنكر عليه امتناعه من العمل بما ظهر باللسان، وقال: ((فهلا شققت عن قلبه))؟ تنظر هل قالها بالقلب واعتقدها وكانت فيه أم لم تكن، بل جرت علي اللسان فحسب؟ يعني وأنت لست بقادر علي هذا، واقتصر علي اللسان ولا تطلب غيره. وفيه دليل للقاعدة المعروفة في الفقه والأصول أن الأحكام يحكم فيها بالظواهر، والله تعالي يتولي السرائر.
((مظ)): يشبه أن يكون المعنى فيه أن الأصل في دماء الكفار الإباحة، وكان عند أسامة أنه إنما تكلم بكلمة التوحيد مستعيذاً من القتل لا مصدقاً به، فقتله علي أنه مباح الدم، وأنه مأمور بقتله، والخطأ عن المجتهد موضوع، أو تأول في قتله أن لا توبة له في هذه الحالة؛ لقوله تعالي: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾. ((قض)): وأيضا هذا الرجل وإن لم يكن محكوماً بإسلامه بما قال، حتى يضم إليه الإقرار بالنبوة، لكنه لما أتى بما هو المقصود والعمدة بالذات كان من حقه أن يمسك عنه حتى يتعرف حاله.
أقول: ليس في سياق هذا الحديث وما تلفظ به ﷺ إشعار بإهدار دم القاتل قصاصاً ولا بالدية، بل فيه الدفع عنه بشبهة ما تمسك به بقوله: ((إنما فعل ذلك تعوذاً)) والزجر والتوبيخ علي فعله والبغي عليه بقوله: ((كيف تصنع بلا إله إلا الله؟)).
الحديث السادس عن عبد الله بن عمرو: قوله: ((من قتل معاهداً) ((قض)): يريد بالمعاهد من كان له مع المسلمين عهد شرعي، سواء كان بعقد جزية أو هدنة من سلطان أو أمان من مسلم. وقوله: ((لم يرح)) فيه روايات ثلاث: بفتح الراء من راح يراح، وبكسر الراء من راح يريح،
стр. 1890
٣٤٥٣ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله،: ((من تردى من جبل فقتل نفسه؛ فهو في نار جهنم يتردى فيها خالداً مخلداً فيها أبداً. ومن تحسي سما فقتل نفسه؛ فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً. ومن قتل نفسه بحديدة؛ فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً)) متفق عليه.
٣٤٥٤ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الذي يخنق نفسه يخنقها في النار، والذي يطعنها يطعنها في النار)) رواه البخاري.
ــ
وبكسره وضم الياء من أراح يريح، والمعنى واحد وهو أنه لم يشم رائحة الجنة ولم يجد ريحها. ولم يرد به أنه لا يجد أصلا بل أول ما يجدها سائر المسلمين الذين لم يقترفوا الكبائر؛ توفيقاً بينه وبين ما تعاضدت به الدلائل النقلية والعقلية، علي أن صاحب الكبيرة إذا كان موحداً محكوماً بإسلامه لا يخلد في النار ولا يحرم من الجنة. وقوله: ((أربعين خريفاً) أي عاماً.
الحديث السابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((من تردي من جبل)) ((قض)): التردي في الأصل التعرض للهلاك من الردي، وشاع في التدهور؛ لإفضائه إلي الهلكة. والمراد به هاهنا أن يتهور الإنسان فيرمي نفسه من جبل. والتحسى ولحسو واحد غير أن فيه تكلفاً. قوله: ((ويتوجأ)) من الوجاء وهو الطعن والإجابة بالسكين ونحوه، كذا في جامع الأصول. وفي المصابيح ((يجأ)) علي وزن يجع، والأول أنسب للقرائن من قوله: ((يتردى ويتحسى)) والضمير في ((بها)) للحديدة. ((قض)): وفي تعذيب الفساق بما هو من جنس أفعالهم حكم لا تخفي علي المتفكرين من أولي الألباب. والظاهر أن المراد من هؤلاء الذين فعلوا ذلك مستحلين له، وإن أريد منه العموم فالمراد من الخلود والتأبيد المكث الطويل المشترك بين دوام الانقطاع له، واستمرار مديد ينقطع بعد حين بعيد لاستعمالها في المعنيين، فيقال: وقف وقفاً مخلداً مؤبداً، وأدخل فلان حبس الأبد، والاشتراك والمجاز خلاف الأصل فيجب جعلهما للقدر المشترك بينهما؛ وللتوفيق بينه وبين ما ذكرنا من الدلائل. فإن قلت: ما تصنع بالحديث الذي يتلوه مروياً عن جندب عن النبي ﷺ بادرني عبدي بنفسه. قلت هو حكاية حال فلا عموم فيها إذ يحتمل أن الرجل كان كافراً أو ارتد لشدة الجراحة أو قتل نفسه مستبيحاً، مع أن قوله: ((فحرمت عليه الجنة)) ليس فيه ما يدل ظناً علي الدوام والإقناط الكلي فضلا عن القطع.
((تو)): لما كان الإنسان بصدد أن يحمله الضجر والحمق والغضب علي إتلاف نفسه، ويسول له الشيطان أن الخطب فيه يسير، وهو أهون من قتل نفس أخرى حرم قتلها عليه، وإذا لم يكن لصنيعه مطالب من قبل الخلق فإن الله يغفر له، أعلم النبي ﷺ المكلفين أنهم مسئولون عن ذلك يوم القيامة، ومعذبون به عذاباً شديداً، فإن ذلك في التحريم كقتل سائر النفوس المحرمة.
стр. 1891
٣٤٥٥ - وعن جندب بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : ((كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح، فجزع فأخذ سكيناً، فحز بها يده فمارقأ الدم حتى مات. قال الله تعالي: بادرني عبدي بنفسه فحرمت عليه الجنة)) متفق عليه.
٣٤٥٦ - وعن جابر: أن الطفيل بن عمرو الدوسي لما هاجر النبي ﷺ إلي المدينة هاجر إليه، وهاجر معه رجل من قومه، فمرض فجزع، فأخذ مشاقص له، فقطع بها براجمه، فشخبت يداه، حتى مات، فرآه الطفيل بن عمرو في منامه وهيئته حسنة ورآه مغطياً يديه. فقال له: ما صنع بك ربك؟ فقال: غفر لي بهجرتي إلي نبيه ﷺ . فقال: ما لي أراك مغطياً يديك؟ قال: قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت، فقصها الطفيل علي رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : ((اللهم وليديه فاغفر)) رواه مسلم.
ــ
الحديث الثامن والتاسع عن جندب: قوله: ((فما رقأ الدم)) ((نه)): يقال: رقأ الدمع والدم والعرق يرقأ رقواً انقطع، والاسم منه الرقو بالفتح.
الحديث العاشر عن جابر: قوله: ((مشاقص)) ((نه)): المشقص نصل السهم إذا كان طويلا غير عريض. و ((البراجيم)) هي العقد التي في ظهور الأصابع يجتمع فيها الوسخ، الواحدة برجمة بالضم. والشخب السيلان، وأصل الشخب ما خرج من تحت يد الحالب عند كل غمزة. ((تو)): هذا الحديث وإن كان فيه ذكر رؤيا الصحابي للاعتبار بما يؤول تعبيره، فإن قول النبي ﷺ ((اللهم وليديه فاغفر)) من جملة ما ذكرنا من الأحاديث الدالة علي أن الخلود غير واقع في حق من أتى بالشهادتين وإن قتل نفسه؛ لأن النبي ﷺ دعا للجإني علي نفسه بالمغفرة، ولا يجوز في حقه أن يستغفر لمن وجب عليه الخلود بعد أن نهي عنه، مع ما يدل علي كونه صحيح الحال في قصة الرؤيا من ذكر الهيئة الحسنة.
أقول: قوله: ((وليديه فاغفر)) عطف من حيث المعنى علي قوله: ((قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت)) لأن التقدير: قيل لي غفرنا لك سائر أعضائك إلا يديك، فقال رسول الله ﷺ : ((اللهم ليديه فاغفر)) اللام متعلق بقوله: ((فاغفر)) والفاء داخلة لمعنى الشرط، كأنه قيل: وما كان فلا تحرمه غفرانك، نحو قوله تعالي: ﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ كأنه قيل: وما كان فلا تدع تكبيره؛ ففيه التأكيد والمبالغة ليطابق التشفع الوعيد بقوله: ((لن نصلح ما أفسدت))؛ فإن ((لن)) لتأكيد النفي في المستقبل.
стр. 1892
٣٤٥٧ - وعن أبي شريح الكعبي، عن رسول الله ﷺ ، قال: ((ثم أنتم يا خزاعة! قد قتلتم هذا القتيل من هذيل، وأنا والله عاقله، من قتل بعده قتيلاً فأهله بين خيرتين: إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العقل)). رواه الترمذي، والشافعي. [٣٤٥٧]
وفي ((شرح السنة)) بإسناده. وصرح: بأنه ليس في ((الصحيحين)) عن أبي شريح، وقال:
٣٤٥٨ - وأخرجاه من رواية أبي هريرة، يعني بمعناه.
٣٤٥٩ - وعن أنس: أن يهودياً رض رأس جارية بين حجرين فقيل لها: من فعل بك هذا؟ أفلان أفلان؟ حتى سمي اليهودي فأومأت برأسها فجيء باليهودي، فاعترف، فأمر به رسول الله ﷺ فرض رأسه بالحجارة. متفق عليه.
ــ
الحديث الحادي عشر عن أبي شريح: قوله: ((ثم أنتم يا خزاعة)) ((قض)): هذا من تتمة خطبة خطبها رسول الله ﷺ يوم الفتح، ومقدمتها مذكورة في الفصل الأول في باب حرم مكة من كتاب الحج، وكانت خزاعة قتلت في عام الفتح في تلك الأيام بمكة رجلاً بقتيل لهم في الجاهلية، وأدى رسول الله ﷺ ديته عنهم. قوله: ((وأنا والله عاقله)) أي مؤدي ديته من العقل وهو الدية، سميت به؛ لأن إبلها تعقل بقضاء ولي الدم؛ أو لأنها تعقل دم القاتل عن السفك.
وقوله: ((فأهله بين خيرتين)) يدل علي أن ولي الدم مخير بينهما، فلو عفي عن القصاص علي الدية أخذ بها القاتل، وهو المروي عن ابن عباس، وقول سعيد بن المسيب والشعبي وابن سيرين وقتادة. وإليه ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق. وقيل: لا تثبت الدية إلا برضي القاتل، وهو قول الحسن والنخعي، وإليه ذهب مالك وأصحاب أبي حنيفة.
((خط)): فيه دليل علي أن الدية مستحقة لأهله كلهم، ويدخل في ذلك الرجال والنساء والزوجات؛ لأنهم جميعاً أهله، وفيه دليل علي أن بعضهم إذا كان غائباً أو طفلاً لم يكن للباقين القصاص، حتى يبلغ الطفل ويقدم الغائب. وهو قول الشافعي.
الحديث الثاني عشر عن أنس ﵁: قوله: ((رض)) ((نه)): الرض الدق الجريش.
((حس)): فيه دليل علي أن الرجل يقتل بالمرأة كما تقتل المرأة به. وهو قول عامة أهل العلم إلا
стр. 1893
٣٤٦٠ - وعنه، قال: كسرت الربيع – وهي عمة أنس بن مالك – ثنية جارية من الأنصار، فأتوا النبي ﷺ ، فأمر بالقصاص، فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك: لا والله لا تكسر ثنيتها يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ : ((يا أنس! كتاب الله القصاص)). فرضي القوم وقبلوا الأرش. فقال رسول الله ﷺ : ((إن من عباد الله من لو أقسم علي الله لأبره)). متفق عليه.
ــ
ما حكي عن الحسن البصري وعطاء. وفيه دليل علي أن القتل بالحجر المثقل الذي يحصل به القتل غالباً يوجب القصاص، وهو قول أكثر أهل العلم، وإليه ذهب مالك والشافعي. ولم يوجب بعضهم القصاص إذا كان القتل بالمثقل، وهو قول أصحاب أبي حنيفة. وفيه دليل علي جواز اعتبار جهة القتل، فيقتص من القاتل بمثل فعله.
((مح)): إذا كانت الجناية شبه عمد، فإن قتل بما لا يقصد به القتل غالباً فتعمد القتل به، كالعصا والسوط واللطمة والقضيب والبندقة ونحوها، فقال مالك والليث: يجب فيه القود، وقال الشافعي وأبو حنيفة والأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق، وغيرهم من الصحابة والتابعين: لاقصاص فيه. وفيه جواز سؤال الجريح من جرحك، وفائدته أن يعرف المتهم فيطلب، فإن أقر ثبت عليه القتل، وإن أنكر فعليه اليمين، ولا يلزم شيء بمجرد قول المقتول، وهو مذهب الجمهور. ومذهب مالك ثبوت القتل بمجرد قول المجروح، وتعلق بهذا الحديث في إحدى الروايتين عن مسلم.
الحديث الثالث عشر عن أنس ﵁: قوله: ((ثنية جارية)) ((قض)): الثنية واحدة الثنايا، والحديث يدل علي ثبوت القصاص في الأسنان. وقول أنس: ((لا والله لا تكسر ثنيتها)) لم يرد به الرد علي الرسول ﷺ والإنكار لحكمه، وإنما قاله توقعاً ورجاء من فضله تعالي أن يرضي خصمها، ويلقي في قلبها أن تعفو عنها ابتغاء مرضاته؛ ولذلك قال النبي ﷺ حين رضي القوم بالأرش ما قال.
وقوله: ((كتاب الله القصاص)) أي حكمه أو حكم الكتاب علي حذف المضاف، ويكون إشارة إلي قوله تعالي: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ وقوله تعالي: ﴿وإنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ وقوله تعالي: ﴿والْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ أو إلي قوله تعالي: ﴿وكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ – إلي قوله - والسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾. إن قلنا: بأنا متعبدون بشرع من قلبنا ما لم يرد له نسخ في شرعنا. أقول: ((لا)) في قوله: ((لا والله))
стр. 1894
٣٤٦١ - وعن أبي جحيفة، قال: سألت علياً [﵁]: هل عندكم شيء ليس في القرآن؟ فقال: والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، ما عندنا إلا ما في القرآن، إلا
ــ
ليس رداً للحكم بل نفي لوقوعه، وقوله: ((والله لا تكسر)) إخبار عن عدم الوقوع، وذلك بما كان له عند الله من القرب والزلفي والثقة بفضل تعالي ولطفه في حقه أنه لا يخيبه بل يلهمهم العفو، يدل عليه ما في رواية لمسلم ((لا والله لا يقتصن منها أبداً)) ولذلك أتبعه بقوله: ((إن من عباد الله من لو أقسم علي الله لأبره)) حيث جعله من زمرة عباد الله المخلصين وأولياء الله المصطفين.
((مح)): فيه جواز الحلف فيما يظن الإنسان وقوعه، وجواز الثناء علي من لا يخاف الفتنة بذلك، واستحباب العفو عن القصاص، والشفاعة في العفو، وأن الخيرة في القصاص والدية إلي مستحقه لا إلي المستحق عليه، وإثبات القصاص بالرجل والمرأة، ووجوب القصاص في السن وهو مجمع عليه إذا قلعها كلها، وفي كسر بعضها وكسر سائر العظام خلاف، والأكثرون علي أنه لا قصاص.
الحديث الرابع عشر عن أبي جحيفة: قوله: ((فلق الحبة)) ((تو)): أي شقها فأخرج منها النبات الغض و ((برأ النسمة)) أي خلقها، والنسمة النفس، وكل دابة فيها روح فهي نسمة، يشير بذلك إلي أن المحلوف به سبحانه هو الذي فطر الرزق وخلق المرزوق، وكذلك كان يحلف إذا اجتهد في يمينه.
قوله: ((إلا فهما)) ((خط)): يعني ما يفهم من فحوى كلامه ويستدرك من باطن معإنيه التي هي غير الظاهر من نصه والمتلقي من لفظه. ويدخل في ذلك جميع وجوه القياس والاستنباط التي يتوصل إليها من طريق الفهم والتفهم.
((قض)): إنما سأله ذلك؛ لأن الشيعة يزعمون أنه ﷺ خص أهل بيته – لاسيما علياً ﵁ – بأسرار من علم الوحي لم يذكره لغيره؛ أو لأنه كان يرى منه علما وتحقيقاً لا يجده عند غيره، فحلف أنه ليس عنده شيء من ذلك سوى القرآن؛ فإنه ﷺ لم يخص بالتبليغ والإرشاد قوماً دون قوم، وإنما وقع التفاوت من قبل الفهم واستعداد الاستنباط، فمن رزق فهما وإدراكاً وفق للتأمل في آياته والتدبر في معإنيه فتح عليه أبواب العلم. واستثنى ما في الصحيفة احتياطاً؛ لاحتمال أن يكون فيها ما لا يكون عند غيره، فيكون منفرداً بالعلم به. والظاهر أن ((ما في الصحيفة)) عطف علي ((ما في القرآن)) [وإلا ففيه استثناء منقطع وقع استدراكاً عن مقتضى الحصر المفهوم من قوله: ((ما عندنا إلا ما في القرآن] فإنه إذا لم يكن عنده إلا ما في القرآن، والقرآن كما هو عنده فهو عند غيره، فيكون ما عنده من العلوم يكون عند غيره، لكن التفاوت واقع غير منكر ولا مدافع، فبين أنه جاء من قبل الفهم والقدرة علي الاستنباط واستخراج المعإني وإدراك اللطائف والرموز.
стр. 1895
فهما يعطي رجل في كتابه وما في الصحيفة. قلت: ما في الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر. رواه البخاري.
وذكر حديث ابن مسعود: ((لا تقتل نفس ظلماً)) في ((كتاب العلم)).
ــ
قيل: ((الصحيفة)) صحيفة كانت في علاقة سيفه، وكان فيها من الأحكام غير ما ذكر في الحديث، ولعله لم يذكر جملة ما فيها؛ إذ التفصيل لم يكن مقصودا، أو ذكر ولم يحفظه الراوي. والعقل الدية، يريد أن فيها ذكر ما يجب – كدية النفس والأعضاء – من الإبل، وذكر أسنانها وعددها وسائر أحكامها، و ((فكاك الأسير)) أي فيها حكمه والترغيب فيه، وأنه من أنواع البر الذي ينبغي أن يهتم به.
((ولا يقتل مسلم بكافر)) عام يدل علي أن المؤمن لا يقتل بكافر قصاصاً، سواء الحربي والذمي. وهو قول عمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت ﵃، وبه قال عطاء وعكرمة والحسن وعمر بن عبد العزيز، وإليه ذهب الثوري وابن شبرمة والأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق. وقيل: يقتل بالذمي، والحديث مخصوص بغيره، وهو قول الشعبي والنخعي، وإليه مذهب (مالك) وأصحاب أبي حنيفة؛ لما روى عبد الرحمن بن السلمإني أن رجلا من المسلمين قتل رجلا من أهل الذمة، فرفع ذلك إلي النبي ﷺ فقال: ((أنا أحق من أوفي بذمته)) ثم أمر به فقتل.
وأجيب عنه بأنه منقطع لا احتجاج به، ثم إنه أخطأ؛ إذ قيل: إن القاتل كان عمرو بن أمية الضمري، وقد عاش بعد الرسول ﷺ سنين، ومتروك بالإجماع؛ لأنه روى أن الكافر كان رسولا فيكون مستأمنا، والمستأمن لا يقتل به المسلم وفاقاً، وإن صح فهو منسوخ؛ لأنه روى أنه كان قبل الفتح وقد قال ﷺ يوم الفتح في خطبة خطبها علي درج البيت: ((ولا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده)).
((شف)): فيه إرشاد للعالم أن الفهم أن يستخرج من القرآن بفهمه، ويستنبط بفكره وتدبره ما لم يكن منقولا من المفسرين، لكن بشرط موافقته للأصول الشرعية، ففيه فتح الباب علي ذوي الألباب. أقول: قول القاضي: والظاهر أن ((ما في الصحيفة)) عطف علي ((ما في القرآن)) لعله تعريض بتوجيه الشيخ التوربشتي، حيث قال: حلف حلفه أن ليس عنده من ذلك شيء سوى القرآن ثم استثناه استثناءً أراد به استدراك معنى اشتبه عليهم معرفته، فقال: ((إلا فهما يعطي رجل في كتابه)) والمعنى أن التفاوت في العلوم لم يوجد من قبل البلاغ، وإنما وقع من قبل الفهم، ثم قرن بذلك ((ما في الصحيفة)) احتياطاً في يمينه وحذراً من أن يكون ما في الصحيفة عند غيره، فحسب أنه عطف علي قوله: ((إلا فهما)) ولو ذهب إلي إجراء المتصل مجرى المنقطع علي عكس قول الشاعر:
следующие страницы →