Полный текст (3 308 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
٣٤٥٥ - وعن جندب بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : ((كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح، فجزع فأخذ سكيناً، فحز بها يده فمارقأ الدم حتى مات. قال الله تعالي: بادرني عبدي بنفسه فحرمت عليه الجنة)) متفق عليه.
٣٤٥٦ - وعن جابر: أن الطفيل بن عمرو الدوسي لما هاجر النبي ﷺ إلي المدينة هاجر إليه، وهاجر معه رجل من قومه، فمرض فجزع، فأخذ مشاقص له، فقطع بها براجمه، فشخبت يداه، حتى مات، فرآه الطفيل بن عمرو في منامه وهيئته حسنة ورآه مغطياً يديه. فقال له: ما صنع بك ربك؟ فقال: غفر لي بهجرتي إلي نبيه ﷺ . فقال: ما لي أراك مغطياً يديك؟ قال: قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت، فقصها الطفيل علي رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : ((اللهم وليديه فاغفر)) رواه مسلم.
ــ
الحديث الثامن والتاسع عن جندب: قوله: ((فما رقأ الدم)) ((نه)): يقال: رقأ الدمع والدم والعرق يرقأ رقواً انقطع، والاسم منه الرقو بالفتح.
الحديث العاشر عن جابر: قوله: ((مشاقص)) ((نه)): المشقص نصل السهم إذا كان طويلا غير عريض. و ((البراجيم)) هي العقد التي في ظهور الأصابع يجتمع فيها الوسخ، الواحدة برجمة بالضم. والشخب السيلان، وأصل الشخب ما خرج من تحت يد الحالب عند كل غمزة. ((تو)): هذا الحديث وإن كان فيه ذكر رؤيا الصحابي للاعتبار بما يؤول تعبيره، فإن قول النبي ﷺ ((اللهم وليديه فاغفر)) من جملة ما ذكرنا من الأحاديث الدالة علي أن الخلود غير واقع في حق من أتى بالشهادتين وإن قتل نفسه؛ لأن النبي ﷺ دعا للجإني علي نفسه بالمغفرة، ولا يجوز في حقه أن يستغفر لمن وجب عليه الخلود بعد أن نهي عنه، مع ما يدل علي كونه صحيح الحال في قصة الرؤيا من ذكر الهيئة الحسنة.
أقول: قوله: ((وليديه فاغفر)) عطف من حيث المعنى علي قوله: ((قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت)) لأن التقدير: قيل لي غفرنا لك سائر أعضائك إلا يديك، فقال رسول الله ﷺ : ((اللهم ليديه فاغفر)) اللام متعلق بقوله: ((فاغفر)) والفاء داخلة لمعنى الشرط، كأنه قيل: وما كان فلا تحرمه غفرانك، نحو قوله تعالي: ﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ كأنه قيل: وما كان فلا تدع تكبيره؛ ففيه التأكيد والمبالغة ليطابق التشفع الوعيد بقوله: ((لن نصلح ما أفسدت))؛ فإن ((لن)) لتأكيد النفي في المستقبل.
стр. 1892
٣٤٥٧ - وعن أبي شريح الكعبي، عن رسول الله ﷺ ، قال: ((ثم أنتم يا خزاعة! قد قتلتم هذا القتيل من هذيل، وأنا والله عاقله، من قتل بعده قتيلاً فأهله بين خيرتين: إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العقل)). رواه الترمذي، والشافعي. [٣٤٥٧]
وفي ((شرح السنة)) بإسناده. وصرح: بأنه ليس في ((الصحيحين)) عن أبي شريح، وقال:
٣٤٥٨ - وأخرجاه من رواية أبي هريرة، يعني بمعناه.
٣٤٥٩ - وعن أنس: أن يهودياً رض رأس جارية بين حجرين فقيل لها: من فعل بك هذا؟ أفلان أفلان؟ حتى سمي اليهودي فأومأت برأسها فجيء باليهودي، فاعترف، فأمر به رسول الله ﷺ فرض رأسه بالحجارة. متفق عليه.
ــ
الحديث الحادي عشر عن أبي شريح: قوله: ((ثم أنتم يا خزاعة)) ((قض)): هذا من تتمة خطبة خطبها رسول الله ﷺ يوم الفتح، ومقدمتها مذكورة في الفصل الأول في باب حرم مكة من كتاب الحج، وكانت خزاعة قتلت في عام الفتح في تلك الأيام بمكة رجلاً بقتيل لهم في الجاهلية، وأدى رسول الله ﷺ ديته عنهم. قوله: ((وأنا والله عاقله)) أي مؤدي ديته من العقل وهو الدية، سميت به؛ لأن إبلها تعقل بقضاء ولي الدم؛ أو لأنها تعقل دم القاتل عن السفك.
وقوله: ((فأهله بين خيرتين)) يدل علي أن ولي الدم مخير بينهما، فلو عفي عن القصاص علي الدية أخذ بها القاتل، وهو المروي عن ابن عباس، وقول سعيد بن المسيب والشعبي وابن سيرين وقتادة. وإليه ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق. وقيل: لا تثبت الدية إلا برضي القاتل، وهو قول الحسن والنخعي، وإليه ذهب مالك وأصحاب أبي حنيفة.
((خط)): فيه دليل علي أن الدية مستحقة لأهله كلهم، ويدخل في ذلك الرجال والنساء والزوجات؛ لأنهم جميعاً أهله، وفيه دليل علي أن بعضهم إذا كان غائباً أو طفلاً لم يكن للباقين القصاص، حتى يبلغ الطفل ويقدم الغائب. وهو قول الشافعي.
الحديث الثاني عشر عن أنس ﵁: قوله: ((رض)) ((نه)): الرض الدق الجريش.
((حس)): فيه دليل علي أن الرجل يقتل بالمرأة كما تقتل المرأة به. وهو قول عامة أهل العلم إلا
стр. 1893
٣٤٦٠ - وعنه، قال: كسرت الربيع – وهي عمة أنس بن مالك – ثنية جارية من الأنصار، فأتوا النبي ﷺ ، فأمر بالقصاص، فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك: لا والله لا تكسر ثنيتها يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ : ((يا أنس! كتاب الله القصاص)). فرضي القوم وقبلوا الأرش. فقال رسول الله ﷺ : ((إن من عباد الله من لو أقسم علي الله لأبره)). متفق عليه.
ــ
ما حكي عن الحسن البصري وعطاء. وفيه دليل علي أن القتل بالحجر المثقل الذي يحصل به القتل غالباً يوجب القصاص، وهو قول أكثر أهل العلم، وإليه ذهب مالك والشافعي. ولم يوجب بعضهم القصاص إذا كان القتل بالمثقل، وهو قول أصحاب أبي حنيفة. وفيه دليل علي جواز اعتبار جهة القتل، فيقتص من القاتل بمثل فعله.
((مح)): إذا كانت الجناية شبه عمد، فإن قتل بما لا يقصد به القتل غالباً فتعمد القتل به، كالعصا والسوط واللطمة والقضيب والبندقة ونحوها، فقال مالك والليث: يجب فيه القود، وقال الشافعي وأبو حنيفة والأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق، وغيرهم من الصحابة والتابعين: لاقصاص فيه. وفيه جواز سؤال الجريح من جرحك، وفائدته أن يعرف المتهم فيطلب، فإن أقر ثبت عليه القتل، وإن أنكر فعليه اليمين، ولا يلزم شيء بمجرد قول المقتول، وهو مذهب الجمهور. ومذهب مالك ثبوت القتل بمجرد قول المجروح، وتعلق بهذا الحديث في إحدى الروايتين عن مسلم.
الحديث الثالث عشر عن أنس ﵁: قوله: ((ثنية جارية)) ((قض)): الثنية واحدة الثنايا، والحديث يدل علي ثبوت القصاص في الأسنان. وقول أنس: ((لا والله لا تكسر ثنيتها)) لم يرد به الرد علي الرسول ﷺ والإنكار لحكمه، وإنما قاله توقعاً ورجاء من فضله تعالي أن يرضي خصمها، ويلقي في قلبها أن تعفو عنها ابتغاء مرضاته؛ ولذلك قال النبي ﷺ حين رضي القوم بالأرش ما قال.
وقوله: ((كتاب الله القصاص)) أي حكمه أو حكم الكتاب علي حذف المضاف، ويكون إشارة إلي قوله تعالي: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ وقوله تعالي: ﴿وإنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ وقوله تعالي: ﴿والْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ أو إلي قوله تعالي: ﴿وكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ – إلي قوله - والسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾. إن قلنا: بأنا متعبدون بشرع من قلبنا ما لم يرد له نسخ في شرعنا. أقول: ((لا)) في قوله: ((لا والله))
стр. 1894
٣٤٦١ - وعن أبي جحيفة، قال: سألت علياً [﵁]: هل عندكم شيء ليس في القرآن؟ فقال: والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، ما عندنا إلا ما في القرآن، إلا
ــ
ليس رداً للحكم بل نفي لوقوعه، وقوله: ((والله لا تكسر)) إخبار عن عدم الوقوع، وذلك بما كان له عند الله من القرب والزلفي والثقة بفضل تعالي ولطفه في حقه أنه لا يخيبه بل يلهمهم العفو، يدل عليه ما في رواية لمسلم ((لا والله لا يقتصن منها أبداً)) ولذلك أتبعه بقوله: ((إن من عباد الله من لو أقسم علي الله لأبره)) حيث جعله من زمرة عباد الله المخلصين وأولياء الله المصطفين.
((مح)): فيه جواز الحلف فيما يظن الإنسان وقوعه، وجواز الثناء علي من لا يخاف الفتنة بذلك، واستحباب العفو عن القصاص، والشفاعة في العفو، وأن الخيرة في القصاص والدية إلي مستحقه لا إلي المستحق عليه، وإثبات القصاص بالرجل والمرأة، ووجوب القصاص في السن وهو مجمع عليه إذا قلعها كلها، وفي كسر بعضها وكسر سائر العظام خلاف، والأكثرون علي أنه لا قصاص.
الحديث الرابع عشر عن أبي جحيفة: قوله: ((فلق الحبة)) ((تو)): أي شقها فأخرج منها النبات الغض و ((برأ النسمة)) أي خلقها، والنسمة النفس، وكل دابة فيها روح فهي نسمة، يشير بذلك إلي أن المحلوف به سبحانه هو الذي فطر الرزق وخلق المرزوق، وكذلك كان يحلف إذا اجتهد في يمينه.
قوله: ((إلا فهما)) ((خط)): يعني ما يفهم من فحوى كلامه ويستدرك من باطن معإنيه التي هي غير الظاهر من نصه والمتلقي من لفظه. ويدخل في ذلك جميع وجوه القياس والاستنباط التي يتوصل إليها من طريق الفهم والتفهم.
((قض)): إنما سأله ذلك؛ لأن الشيعة يزعمون أنه ﷺ خص أهل بيته – لاسيما علياً ﵁ – بأسرار من علم الوحي لم يذكره لغيره؛ أو لأنه كان يرى منه علما وتحقيقاً لا يجده عند غيره، فحلف أنه ليس عنده شيء من ذلك سوى القرآن؛ فإنه ﷺ لم يخص بالتبليغ والإرشاد قوماً دون قوم، وإنما وقع التفاوت من قبل الفهم واستعداد الاستنباط، فمن رزق فهما وإدراكاً وفق للتأمل في آياته والتدبر في معإنيه فتح عليه أبواب العلم. واستثنى ما في الصحيفة احتياطاً؛ لاحتمال أن يكون فيها ما لا يكون عند غيره، فيكون منفرداً بالعلم به. والظاهر أن ((ما في الصحيفة)) عطف علي ((ما في القرآن)) [وإلا ففيه استثناء منقطع وقع استدراكاً عن مقتضى الحصر المفهوم من قوله: ((ما عندنا إلا ما في القرآن] فإنه إذا لم يكن عنده إلا ما في القرآن، والقرآن كما هو عنده فهو عند غيره، فيكون ما عنده من العلوم يكون عند غيره، لكن التفاوت واقع غير منكر ولا مدافع، فبين أنه جاء من قبل الفهم والقدرة علي الاستنباط واستخراج المعإني وإدراك اللطائف والرموز.
стр. 1895
فهما يعطي رجل في كتابه وما في الصحيفة. قلت: ما في الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر. رواه البخاري.
وذكر حديث ابن مسعود: ((لا تقتل نفس ظلماً)) في ((كتاب العلم)).
ــ
قيل: ((الصحيفة)) صحيفة كانت في علاقة سيفه، وكان فيها من الأحكام غير ما ذكر في الحديث، ولعله لم يذكر جملة ما فيها؛ إذ التفصيل لم يكن مقصودا، أو ذكر ولم يحفظه الراوي. والعقل الدية، يريد أن فيها ذكر ما يجب – كدية النفس والأعضاء – من الإبل، وذكر أسنانها وعددها وسائر أحكامها، و ((فكاك الأسير)) أي فيها حكمه والترغيب فيه، وأنه من أنواع البر الذي ينبغي أن يهتم به.
((ولا يقتل مسلم بكافر)) عام يدل علي أن المؤمن لا يقتل بكافر قصاصاً، سواء الحربي والذمي. وهو قول عمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت ﵃، وبه قال عطاء وعكرمة والحسن وعمر بن عبد العزيز، وإليه ذهب الثوري وابن شبرمة والأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق. وقيل: يقتل بالذمي، والحديث مخصوص بغيره، وهو قول الشعبي والنخعي، وإليه مذهب (مالك) وأصحاب أبي حنيفة؛ لما روى عبد الرحمن بن السلمإني أن رجلا من المسلمين قتل رجلا من أهل الذمة، فرفع ذلك إلي النبي ﷺ فقال: ((أنا أحق من أوفي بذمته)) ثم أمر به فقتل.
وأجيب عنه بأنه منقطع لا احتجاج به، ثم إنه أخطأ؛ إذ قيل: إن القاتل كان عمرو بن أمية الضمري، وقد عاش بعد الرسول ﷺ سنين، ومتروك بالإجماع؛ لأنه روى أن الكافر كان رسولا فيكون مستأمنا، والمستأمن لا يقتل به المسلم وفاقاً، وإن صح فهو منسوخ؛ لأنه روى أنه كان قبل الفتح وقد قال ﷺ يوم الفتح في خطبة خطبها علي درج البيت: ((ولا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده)).
((شف)): فيه إرشاد للعالم أن الفهم أن يستخرج من القرآن بفهمه، ويستنبط بفكره وتدبره ما لم يكن منقولا من المفسرين، لكن بشرط موافقته للأصول الشرعية، ففيه فتح الباب علي ذوي الألباب. أقول: قول القاضي: والظاهر أن ((ما في الصحيفة)) عطف علي ((ما في القرآن)) لعله تعريض بتوجيه الشيخ التوربشتي، حيث قال: حلف حلفه أن ليس عنده من ذلك شيء سوى القرآن ثم استثناه استثناءً أراد به استدراك معنى اشتبه عليهم معرفته، فقال: ((إلا فهما يعطي رجل في كتابه)) والمعنى أن التفاوت في العلوم لم يوجد من قبل البلاغ، وإنما وقع من قبل الفهم، ثم قرن بذلك ((ما في الصحيفة)) احتياطاً في يمينه وحذراً من أن يكون ما في الصحيفة عند غيره، فحسب أنه عطف علي قوله: ((إلا فهما)) ولو ذهب إلي إجراء المتصل مجرى المنقطع علي عكس قول الشاعر:
стр. 1896
الفصل الثاني
٣٤٦٢ – * عن عبد الله بن عمرو، أن النبي ﷺ قال: ((لزوال الدنيا أهون علي الله من قتل رجل مسلم)). رواه الترمذي، والنسائي. ووقفه بعضهم، وهو الأصح. [٣٤٦٢]
٣٤٦٣ - ورواه ابن ماجه عن البراء بن عازب. [٣٤٦٣]
ــ
وبلدة ليس فيها إنيس إلا اليعافير وإلا العيس
فيؤول قوله: ((إلا فهما يعطي)) بقوله: ما يستنبط من كلام الله تعالي بفهم رزقه الله تعالي لم يستبعد، فيكون المعنى: ليس عندنا شيء قط إلا ما في القرآن، وما في الفهم من الاستنباط منه، وما في الصحيفة. وقد علم وحقق أن الاستنباط من القرآن منه، وأن ما في الصحيفة لا يخلو من أن يكون منصوصاً في القرآن أو مستنبطاً منه، فليزم أن لا شيء خارجاً عنه كما قال تعالي: ﴿ولا رَطْبٍ ولا يَابِسٍ إلَاّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾. وهذا فن غريب وأسلوب عجيب، فحينئذ يحسن رد زعم من زعم أن النبي ﷺ خص أهل بيته من علم الوحي بما لم يفض به إلي غيرهم، ومن زعم أنه ﷺ جعله خليفة بعده.
قال أبو الحسن الصنعإني في الدر الملتقط: ومن الموضوع قولهم: قال في المرض الذي توفي فيه: يا علي! ادع بصحيفة وداوة، فأملي رسول الله ﷺ ، وكتب علي وشهد جبريل، ثم طويت الصحيفة. قال الراوي: فمن حدثكم أنه يعلم ما في الصحيفة إلا الذي أملاها وكتبها وشهدها فلا تصدقوه. وقولهم: وصيي وموضع سري وخليفتي في أهلي، وخير من أخلف بعدي، علي بن أبي طالب. والله أعلم.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن عبد الله: قوله: ((لزوال الدنيا)) الدنيا هنا عبارة عن الدار القربى التي هي معبر إلي دار الأخرى وهي مزرعة لها، وما خلقت السموات والأرض إلا لتكون مسارح أنظار المتبصرين ومتعبدات المطيعين، وإليه الإشارة بقوله تعالي: ﴿ويَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً﴾ أي بغير حكمة، بل خلقتها لأن تجعلها مساكن للمكلفين وأدلة لهم علي معرفتك، فمن حاول قتل من خلق الدنيا لأجله فقد حاول زوال الدنيا. وبهذا لمح ما ورد في الحديث الصحيح ((لا تقوم الساعة علي أحد يقول: الله الله)).
قوله: ((ووقفه بعضهم)) أي بعض الرواة لم يرفع الحديث إلي النبي ﷺ بل وقفه علي الصحابي.
стр. 1897
٣٤٦٤ - وعن أبي سعيد، وأبي هريرة، عن رسول الله ﷺ ، قال: ((لو أن أهل السماء والأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب. [٣٤٦٤]
٣٤٦٥ - وعن ابن عباس، عن النبي ﷺ ، قال: يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة، ناصيته ورأسه بيده، وأوداجه تشخب دماً، يقول: يا رب! قتلني، حتى يدنيه من العرش)). رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه. [٣٤٦٥]
٣٤٦٦ - وعن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، أن عثمان بن عفان [﵁] أشرف يوم الدار، فقال: أنشدكم بالله أتعلمون أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: زني بعد إحصان، أو كفر بعد إسلام، أو قتل نفس بغير حق فقتل به))؟ فو الله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام، ولا ارتددت منذ
ــ
الحديث الثاني عن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄: قوله: ((لأكبهم الله)) كبه لوجهه أي صرعه فأكب هو، وهذا من النوادر أن يكون أفعل لازما وفعل متعدياً، قاله الجوهري. وقال الزمخشري: لا يكون بناء أفعل مطاوعاً لفعل، بل همزة أكب للصيرورة أو للدخول، فمعناه صار ذا كب أو دخل في الكب، ومطاوع فعل انفعل نحو كب وانكب وقطع وانقطع.
((تو)): والصواب كبهم الله، ولعل ما في الحديث سهو من بعض الرواة. أقول: وفيه نظر؛ لم لا يجوز هذا علي الأصل؟ وكلام رسول الله ﷺ أولي أن يتبع؛ ولأن الجوهري ناف والرواة مثبتون. قوله: ((لو أن أهل السماء)) ((لو)) للمضي و ((أن أهل السماء)) فاعل، والتقدير لو ثبت اشتراك أهل السماء والأرض.
الحديث الثالث عن ابن عباس ﵄: قوله: ((وأوداجه)) ((نه)): هي ما أحاط العنق من العروق التي يقطعها الذابح، واحدها ودج بالتحريك. وقيل: الودجان عرقان غليظان عن جانبي نقرة النحر. وقيل: عبر عن المثني بصيغة الجمع للأمن من الالتباس، كقوله تعالي: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾. وقوله: ((وناصية رأسه بيده)) جملة اسمية وقعت حالا من الفاعل أو المفعول، وقد اكتفي فيها بالضمير. ويجوز أن يكون استئنافاً علي تقدير السؤال عن كيفية المجيء به.
الحديث الرابع عن أبي أمامة: قوله: ((فقتل به)) تقرير ومزبته توضيح للمعنى.
стр. 1898
بايعت رسول الله ﷺ ، ولا قتلت النفس التي حرم الله فبم تقتلونني؟ رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه وللدارمي لفظ الحديث. [٣٤٦٦]
٣٤٦٧ - وعن أبي الدرداء، عن رسول الله ﷺ ، قال: ((لا يزال المؤمن معنقاً صالحاً، ما لم يصب دماً حراماً، فإذا أصاب دماً حراماً بلح)) رواه أبو داود. [٣٤٦٧]
٣٤٦٨ - وعنه، عن رسول الله ﷺ . قال: ((كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا من مات مشركاً أو من يقتل مؤمناً متعمداً)). رواه أبو داود. [٣٤٦٨]
ــ
الحديث الخامس عن أبي الدرداء: قوله: ((معنقاً)) ((قض)): المعنق المسرع في المشي من العنق وهو الإسراع والخطو الفسيح، وجمعه معإنيق. والتبليح الإعياء، والمعنى أن المؤمن لا يزال موفقاً للخيرات مسارعاً إليها ما لم يصب دماً حراماً، فإذا أصاب ذلك أعيي وانقطع عنه ذلك؛ لشؤم ما ارتكب من الإثم. وقال أبو عبيدة: معنقاً منبسطاً في سيره، يعني في القيامة. ((تو)): لا أرى هذا سديداً؛ لأن قوله: ((معنقاً)) مشروط بقوله: ((ما لم يصب دماً حراماً)) ولا يصح أن يصيب دماً حراماً في القيامة.
أقول: لعل مراده أن هذا إخبار من النبي ﷺ عن الأحوال الآتية، أي لا يزال المؤمن منبسطاً في سيره يوم القيامة ما لم يصب في الدنيا دماً حراماً، ونحوه في المعنى حديث أبي هريرة: ((من أعان علي قتل المؤمن بشطر كلمة، لقي الله مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله)). ويجوز أن يقع السبب والمسبب في الدنيا، والمعنى لا يزال المؤمن في سعة من دينه ترجى له رحمة الله ولطفه، ولو باشر الكبائر سوى القتل، فإذا قتل أعيي وضاقت عليه، علي ما سبق في الحديث الثاني من الفصل الأول.
الحديث السادس عن أبي الدرداء: قوله: ((إلا من مات)) ((شف)): لا بد من إضمار مضاف إما في المستثنى أو في المستثنى منه، أي كل قارف ذنب أو إلا ذنب من مات مشركاً ((مظ)): ((ومن يقتل مؤمناً متعمداً)) أي إذا كان مستحلا دمه. أقول: قوله: ((إلا من مات مشركاً)) من قوله تعالي: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ وقوله: ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا﴾ من قوله تعالي: ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ الآية، وقد ثبت عند المعتزلة أن حكم الشرك بما دونه من الكبائر سواء، لا يغفران قبل التوبة ويغفران بعدها، وظاهر الحديث يساعد قولهم.
стр. 1899
٣٤٦٩ - ورواه النسائي عن معاوية. [٣٤٦٩]
ــ
الكشاف في قوله تعالي: ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا﴾: فإن قلت: هل فيها دليل علي خلود من لم يتب من أهل الكبائر؟ قلت: ما أبين الدليل فيها، وهو تناول قوله: ((ومن يقتل)) أي قاتل كان من مسلم أو كافر تائب أو غير تائب، إلا أن التائب أخرجه الدليل، فمن ادعى إخراج المسلم علي التائب فليأت بدليل مثله. وقد أتينا في فتوح الغيب بالدليل، وهو أن الذي يقتضيه نظم الآيات أن الآية من أسلوب التغليظ كقوله تعالي: ﴿ولِلَّهِ عَلي النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ - إلي قوله - ومَن كَفَرَ﴾ وبيان أن قوله تعالي: ﴿ومَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا﴾ دل علي أن قتل المؤمن ليس من شأن المؤمن، ولا يستقيم منه ولا يصح له ذلك؛ فإنه إن فعل خرج عن أن يقال: إنه مؤمن؛ لأن ((كان)) هنا نحو ((كان)) في قوله تعالي ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ والمعنى فلم يصح ولم يستقم، وقد نص علي هذا في الكشاف.
ثم استثنى من هذا العام قتل الخطأ تأكيداً ومبالغة، أي لا يصح ولا يستقيم إلا في هذه الحالة، وهذه الحالة منافية لقتل العمد، فإذا لا يصح منه قتل العمد البتة، ثم ذيل هذه المبالغة تغليظاً وتشديداً بقوله: ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ولَعَنَهُ وأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ يعني كيف يستقيم القتل من المؤمن عمداً، وإنه من شأن الكفار الذين جزاؤهم خلود في النار وحلول غضب الله ولعنه عليهم؟ وعلي هذا الأسلوب فسر قوله تعالي: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ - إلي قوله - والْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ جعل ترك الزكاة من صفات الكفار، أي الكافرون هم الذين يتركون الزكاة، فعلي المؤمن أن لا يتصف بصفتهم. وكتابه سبحانه مشحون من هذا الأسلوب، فعلي هذا الحديث كالآية في التغليظ.
والحق أنه إن صدر عن المؤمن مثل هذا الذنب فمات ولم يتب، فحكمه إلي الله تعالي إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه بقدر ما يشاء ثم يخرجه إلي الجنة. فإن قلت: لم خص إحدى القرينتين يعني من مات بالماضي والأخرى بالمضارع؟ قلت: تقرر عند علماء المعإني أن نحو فلان يقرى الضيف ويحمي الحريم يفيد الاستمرار، وأن ذلك من شأنه ودأبه، وقد سبق آنفاً أن قتل العمد من شأن الكفار ودأبهم، وليس من شأن لمؤمن؛ فلذلك كان بالمضارع أجدر.
стр. 1900
٣٤٧٠ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تقام الحدود في المساجد، ولا يقاد بالولد الوالد)). رواه الترمذي، والدارمي. [٣٤٧٠]
٣٤٧١ - وعن أبي رمثة، قال: أتيت رسول الله ﷺ مع أبي، فقال: ((من هذا الذي معك؟)) قال: ابني أشهد به. قال: ((أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه)). رواه أبو داود، والنسائي. وزاد في ((شرح السنة)) في أوله قال: دخلت مع أبي علي رسول الله ﷺ ، فرأي أبي الذي بظهر رسول الله ﷺ ، فقال: دعني أعالج الذي بظهرك فإني طبيب. فقال: ((أنت رفيق والله الطبيب)). [٣٤٧١]
ــ
الحديث السابع عن ابن عباس ﵄: قوله: ((لا تقام الحدود)) ((مظ)): أي صيانة للمساجد وحفظ حرمتها، هذا علي سبيل الأولوية، أما لو التجأ من عليه القصاص إلي الحرم فجائز استيفاؤه منه في الحرم، سواء كان القصاص واجباً عليه في النفس أو في الطرف. فتبسط الأنطاع ويقتل في الحرم تعجيلاً لاستيفاء هذا الحق، هذا علي مذهب الشافعي. وعند أبي حنيفة يستوفي قصاص النفس في الحرم، بل يضيق عليه الأمر حتى يخرج بنفسه فيقتل.
قوله: ((ولا يقاد بالولد)) ((شف)): يجوز أن يكون المعنى لا يتقص والد بقتله ولده، وأن يكون معناه لا يقتل الواحد بعوض الولد الذي وجب عليه القصاص بأن قتل الولد أحداً ظلماً، وكان في الجاهلية أن يقتل الابن بالقصاص الواجب علي الأب وبالعكس، فنهي الشرع عن ذلك. أقول: والوجه الأول أوجه، وعلل بأن الوالد سبب وجوده فلا يجوز أن يكون سبباً لعدمه. وحكم الأجداد والجدات مع الأحفاد حكم الوالد مع الوالد بخلاف العكس.
الحديث الثامن عن أبي رمثة: قوله: ((أشهد به)) تقرير لقوله: ((ابني)) وفائدته التزام ضمان الجنايات عنه علي ما كانوا عليه في جاهليتهم من مؤاخذة كل واحد من المتوالدين بجناية الآخر؛ ولهذا رد ﷺ عليه بقوله: ((أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه)) وهو يحتمل وجهين، أي أنه لا يجني جناية يكون القصاص أو الضمان فيها عليك، أو أن لفظه خبر ومعناه نهي، أي لا يجني عليك ولا تجني عليه، وهذا المعنى لا يناسب ما قبله ولا الباب.
قوله: ((الذي بظهر سول الله ﷺ ) يريد بن خاتم النبوة وكان ناتئاً، وظن أن سلعة تولدت من فضلان البدن، فرد ﷺ كلامه بأن أخرجه منه مدرجاً إلي غيره، يعني ليس هذا مما يعالج
стр. 1901
٣٤٧٢ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن سراقة بن مالك، قال: حضرت رسول الله ﷺ يقيد الأب من ابنه، ولا يقيد الابن من أبيه. رواه الترمذي، وضعفه. [٣٤٧٢]
٣٤٧٣ - وعن الحسن، عن سمرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه)). رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه، والدارمي. وزاد النسائي في رواية أخرى: ((ومن خصى عبده خصيناه)). [٣٤٧٣]
ــ
بل يفتقر كلامك إلي العلاج، حيث سميت نفسك بالطبيب والله هو الطبيب، فهو من الأسلوب الحكيم في الصنعة البديعية.
قوله: ((أنت رفيق)) ((حس)): أي أنت ترفق بالمريض وتحميه ما يخشى أن لا يحتمل بدمه، وتطعمه ما ترى أنه أرفق به. والطبيب هو العالم بحقيقة الداء والدواء، والقادر علي الصحة والشفاء، وليس ذلك إلا الله. الواحد القهار.
((مظ)): تسمية الله تعالي بالطبيب أن يذكر في حال الاستشفاء اللهم أنت المصحح والممرض والمداوي والطبيب ونحو ذلك. ولا يقال: يا طبيب، كما يقال: يا حكيم، يا رحيم؛ فإن ذلك بعيد من الأدب؛ ولأن أسماء الله تعالي توقيفية، قال الله تعالي: ﴿ولِلَّهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾.
الحديث التاسع عن عمرو: قوله: ((يقيد)) ((نه)): القود القصاص، وقتل القاتل بدل القتيل، وقد أقدته به أقيده إقادة، واستقدت الحاكم سألته أن يقيدني.
الحديث العاشر عن الحسن: قوله: ((قتلناه)) ((خط)): هذا زجر ليرتدعوا فلا يقدموا علي ذلك، كما قال ﷺ في شارب الخمر: ((إذا شرب فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه)) ثم قال في الرابعة أو الخامسة: ((فإن عاد فاقتلوه)) ثم لم يقتله حين جيء به وقد شرب رابعاً أو خامساً. وقد تأوله بعضهم علي أنه إنما جاء في عبد كان يملكه، فزال عن ملكه فصار كفؤاً له بالحرية. وذهب بعضهم إلي أن الحديث منسوخ بقوله تعالي: ﴿الحُرُّ بِالْحُرِّ والْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ وقوله تعالي: ﴿والْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾. ((حس)): فذهب عامة أهل العلم إلي أن طرف الحر لا يقطع بطرف العبد، فيثبت بهذا الاتفاق علي أن الحديث محمول علي الزجر أو الردع، أو هو منسوخ.
стр. 1902
٣٤٧٤ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ قال: ((من قتل متعمداً دفع إلي أولياء المقتول؛ فإن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا أخذوا الدية: وهي ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة. وما صالحوا عليه فهم لهم)). رواه الترمذي. [٣٤٧٤]
٣٤٧٥ - وعن علي [﵁] عن النبي ﷺ ، قال: ((المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم، وهم يد علي من سواهم، ألا لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده)). رواه أبو داود، والنسائي. [٣٤٧٥]
ــ
الحديث الحادي عشر عن عمرو: قوله: ((وأربعون خلفة)) ((نه)): الخلفة بفتح الخاء وكسر اللام الحامل من النوق، وتجمع علي خلفات وخلائف، وقد خلفت إذا حملت.
الحديث الثاني عشر عن علي ﵁ قوله: هذا الحديث من جملة ما قد كان في الصحيفة التي كانت في قراب سيفه، قوله: ((تتكافأ دماؤهم)) ((فا)): التكافؤ التساوي أي تتساوي في القصاص والديات لا فضل فيها لشريف علي وضيع.
((حس)): يريد به أن دماء المسلمين متساوية في القصاص، يقاد الشريف منهم بالوضيع والكبير بالصغير والعالم بالجاهل والرجل بالمرأة، وإن كان المقتول شريفاً أو عالماً والقاتل وضيعاً أو جاهلاً، لا يقتل به غير قاتله، علي خلاف ما كان يفعله أهل الجاهلية، وكانوا لا يرضون في دم الشريف بالاستقادة من قاتله الوضيع. حتى يقتلوا عدة من قبيلة القاتل.
قوله: ((ويسعى بذمتهم)) ((فا)): الذمة الأمان، ومنها سمى المعاهد ذمياً؛ لأنه أومن علي ماله ودمه للجزية، أي إذا أعطى أدنى رجل منهم أماناً فليس للباقين إخفاره. ((حس)): أي إن واحداً من المسلمين إذا أمن كافراً حرم علي عامة المسلمين دمه، وإن كان هذا المجير أدناهم، مثل أن يكون عبداً أو امرأة أو عسيفاً تابعاً، أو نحو ذلك، فلا تخفروا ذمته.
قوله: ((ويرد عليهم أقصاهم)) فيه وجهان، أحدهما: أن بعض المسلمين وإن كان قاصي الدار عن بلاد الكفر إذا عقد للكافر عقداً في الأمان، لم يكن لأحد منهم نقضه وإن كان أقرب داراً من المعقود له.
وثإنيهما: إذا دخل العسكر دار الحرب، فوجه الإمام سرية منهم، فما غنمت من شيء أخذت
стр. 1903
٣٤٧٦ - ورواه ابن ماجه عن ابن عباس. [٣٤٧٦]
ــ
منه ما سمى لها، ويرد علي العسكر الذين خلفهم؛ لأنهم وإن لم يشهدوا الغنيمة كانوا ردء السرايا، وكذا في النهاية، وهو اختيار القاضي. والأول هو الظاهر لما يلزم من الثاني التعمية والألغاز؛ لأن مفعول ((يرد)) غير مذكور، وليس في الكلام ما يدل عليه بخلاف الأول؛ لأنه يدل عليه قوله: ((ويسعى بذمتهم)) وليس بين القرينتين تكرار؛ لأن المعنى يجير بعهدهم أدناهم منزلة وأبعدهم منزلا، وينصر الوجه الثاني الحديث السادس من الفصل الثاني في باب الديات وسيجيء بيانه.
قوله: ((وهم يد علي من سواهم)) قال أبو عبيدة: إن المسلمين لا يسعهم التخاذل بل يعاونون بعضهم بعضاً علي جميع الأديان والملل، وقد سبق تحقيق هذا التركيب وبيان مجازه. قوله: ((ولا ذو عهد في عهده)) ((قض)): أي لا يقتل في كفره ما دام معاهداً غير ناقض. وقالت الحنفية: معناه ولا يقتل ذو عهد في عهده بكافر قصاصاً، ولا شك أن الكافر الذي لا يقتل به المعاهد هو الحربي، دون الذمي فينبغي أن يكون المراد بالكافر الذي لا يقتل به المسلم هو الحربي تسوية بين المعطوف والمعطوف عليه، وهو ضعيف؛ لأنه إضمار من غير حاجة، ولا دليل يقتضيه، وأن التسوية بين المعطوف والمعطوف عليه غير لازمة، ثم إنه يفضى إلي أن يؤول قوله: ((لا يقتل مؤمن بكافر)) إلي أنه لا يقتل بحربي فيكون لغواً لا فائدة فيه. ((تو)): لولا أن المراد ما ذهب إليه الأصحاب لكان الكلام خالياً عن الفائدة؛ لحصول الإجماع علي أن المعاهد لا يقتل في عهده.
((حس)): فائدته أن النبي ﷺ لما أسقط القود عن المسلم إذا قتل الكافر أوجب ذلك توهين حرمة دماء الكفار، فلم يؤمن من وقوع شبهة لبعض السامعين في حرمة دمائهم، وإقدام المسرع من المسلمين إلي قتلهم، فأعاد القول في خطر دمائهم؛ دفعاً للشبهة وقطعاً لتأويل المتأول.
أقول: هذا هو الذي يقتضيه سياق الحديث ونظم الكلام؛ فإن قوله: ((المسلمون تتكافؤ دماؤهم – إلي قوله – وهم يد علي من سواهم)) يدل علي إعلاء كلمة الإسلام وإعزاز أهله، وتوهين أمر الكفر وإرغام حزبه. فإذا قتل بعد ذلك لا يقتل من أعزه الله بالإسلام ورفع درجته بمن ضربت عليه الذلة والمسكنة بتنافر النظام. وإذا ذهب إلي ما ذكره محيي السنة كان ذلك تتميما لمدحهم وصوناً لهم من نقض العهد، فتتجاوب مقدمة الكلام وسياقته، ونحوه قوله تعالي: ﴿إذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ فإن هذا القول يوهم أن قولهم: ﴿نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ هو المراد بما كذبوا به، فاستدرك ذلك بقوله: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ صيانة لذلك التوهم. وقوله:
فسقى ديارك غير مفسدها صوب الغمام وديمة تهمي
٣٤٧٧ - وعن أبي شريح الخزاعي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من أصيب بدم أو خبل – والخبل: الجرح – فهو بالخيار بين إحدى ثلاث: فإن أراد الرابعة فخذوا علي يديه: بين أن يقتص أو يعفو، أو يأخذ العقل. فإن أخذ من ذلك شيئاً؛ ثم عدا بعد ذلك فله النار خالداً فيها مخلداً أبداً)). رواه الدارمي. [٣٤٧٧]
٣٤٧٨ - وعن طاوس، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ قال: ((من قتل في عمية في رمي يكون بينهم بالحجارة، أو جلد بالسياط، أو ضرب بعصاً؛ فهو خطأ، وعقله عقل الخطأ. ومن قتل عمداً فهو قود. ومن حال دونه فعليه لعنة الله وغضبه، لا يقبل منه صرف ولا عدل)) رواه أبو داود، والنسائي. [٣٤٧٨]
стр. 1904
ــ
فإن قوله: غير مفسدها تتميم للصيانة.
((شف)): قال الحافظ أبو موسى: يحتمل هذا الحديث وجهاً آخر. وهو أن يكون معناه لا يقتل مؤمن بأحد من الكفار ولا معاهد ببعض الكفار وهو الحربي، ولا ينكر أن يكون لفظة واحدة يعطف عليها شيئان، يكون أحدهما راجعاً علي جميعها والآخر علي بعضها.
الحديث الثالث عشر عن أبي شريح: قوله: ((أو خبل)) الخبل بفتح الخاء المعجمة وسكون الباء فساد الأعضاء، يقال: خبل الحب قبله إذا أفسده، خبله ويخبله خبلا، ورجل خبل ومختبل، أي من أصيب بقتل نفس أو قطع عضو، يقال: بنو فلان يطالبون بدم أو خبل أي بقطع أيد وأرجل. أقول: قوله: ((بين أن يقتص)) بدل من قوله: ((بين إحدى ثلاث)) وتوضيح لما أريد من التقسيم الحاصر، وقوله: ((فإن أراد الرابعة)) يدل علي الحصر، فيكون قوله: ((فإن أخذ)) إلي آخره أيضاً كالتوضيح لقوله: ((فإن أراد الرابعة فخذوا علي يديه)) يعني من أراد الرابعة فهو متعد متجاوز طوره فيستحق النار، وهو من قوله تعالي: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ - إلي قوله - فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وبيان الخلود والتأبيد قد سبق في الفصل الأول في حديث أبي هريرة.
الحديث الرابع عشر عن طاوس: قوله: ((في رمي)) إلي آخره. كالبيان لقوله: ((في عمية)) ((قض)): أي في حال يعمى فيها أمره، فلا يتبين قاتله ولا حال فتله. يقال: فلان في عميته أي جهله، ويقال: العمية أن يضرب الإنسان بما لا يقصد به القتل كحجر صغير وعصا خفيفة. فأفضى إلي القتل، من التعمية وهو التلبيس، والقتل بمثل ذلك تسميه الفقهاء شبه عمد.
стр. 1905
٣٤٧٩ - وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا أعفي من قتل بعد أخذ الدية)). رواه أبو داود. [٣٤٧٩]
٣٤٨٠ - وعن أبي الدرداء، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما من رجل يصاب بشيء في جسده، فتصدق به إلا رفعه الله به درجة وحط عنه خطيئة)). رواه الترمذي، وابن ماجه. [٣٤٨٠]
الفصل الثالث
٣٤٨١ - عن سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب قتل نفراً خمسة أو سبعة برجل واحد قتلوه قتل غيلة. وقال عمر: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لتقلتهم جميعاً. رواه مالك. [٣٤٨١]
٣٤٨٢ - وروى البخاري عن ابن عمر نحوه.
ــ
وقوله: ((ومن قتل عمداً فهو قود)) ((من)) مبتدأ متضمن لمعني الشرط؛ ولذا جاء الفاء في خبره، وهو مبتدأ ثان راجع إلي ((من)) و ((قود)) خبره، أي بصدد أن يقاد منه واستوجب له، أطلق المصدر علي المفعول واستعمله باعتبار ما يؤول إليه للمبالغة. و ((من حال دونه)) أي منع المستحق من القصاص فعليه ما عليه.
الحديث الخامس عشر عن جابر: قوله: ((لا أعفي)) ((قض)): أي لا أدع القاتل بعد أخذ الدية فيعفي عنه ويرضي منه بالدية لعظم جرمه. والمراد منه التغليظ عليه والتفظيع لما ارتكبه.
الحديث السادس عشر عن أبي الدرداء: قوله: ((فتصدق)) مرتب علي قوله:
((يصاب)) ومخصص له؛ لأن المصاب به يحتمل أن يكون سماوياً، وأن يكون من العباد، فخص بالثاني لدلالة قوله: ((فتصدق)) وهو العفو عن الجإني.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن سعيد: قوله: ((غيلة)) ((نه)): أي في خفية واغتيال، وهو أن يخدع ويقتل في موضع لا يراه فيه أحد. والغيلة فعلة من الاغتيال. وقوله: ((تمالأ عليه أهل صنعاء)) أي تساعدوا واجتمعوا وتعاونوا – انتهي كلامه. وتخصيص ذكر صنعاء إما لأن هؤلاء الرجال منها أو هو مثل عند العرب في الكثرة، وصنعاء موضع باليمن.
стр. 1906
٣٤٨٣ - وعن جندب، قال: حدثني فلان أن رسول الله ﷺ قال: ((يجيء المقتول بقاتله يوم القيامة فيقول: سل هذا فيم قتلني؟ فيقول: قتلته علي ملك فلان)). قال جندب: فاتقها. رواه النسائي. [٣٤٨٣]
٣٤٨٤ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أعان علي قتل مؤمن بشطر كلمة؛ لقي الله، مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله)). رواه ابن ماجه. [٣٤٨٤]
٣٤٨٥ - وعن ابن عمر [﵄] عن النبي ﷺ قال: ((إذا أمسك الرجل الرجل وقتله الآخر، يقتل الذي تقل ويحبس الذي أمسك)). رواه الدارقطني.
ــ
الحديث الثاني عن جندب: قوله: ((علي ملك فلان)) فإن قلت: كيف طابق هذا قوله: ((فيم قتلني))؛ لأنه سأل عن سبب قتله وأجاب بما لا يطابقه؟ قلت: قوله: ((علي ملك فلان)) معناه علي عهد ملك فلان من السلاطين وزمانه أي في نصرته، لقوله تعالي: ﴿مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلي مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ فالضمير في قوله: ((فاتقها)) عائد إلي النصرة، كأن جندباً ينصح رجلا أراد هذه الفعلة، واستشهد بهذا الحديث، ثم قال: فإذا سمعت بذلك فاتقها، هذا إذا كانت الرواية بضم الميم في الملك، وإذا روى بالكسر كان المعنى قتلته علي مشاجرة بيني وبينه في ملك زيد، فالضمير في ((فاتقها)) راجع إلي المشاجرة. والله أعلم بالمراد.
الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((شطر كلمة)) يراد به ((اق)) من اقتل. وقوله: ((آيس من رحمة الله)) كناية عن كونه كافراً؛ لقوله تعالي: ﴿إنَّهُ لا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إلَاّ القَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ يعني يفضحه علي رءوس الأشهاد بهذه السمة الفظيعة بين كريمتيه، وهذا من باب التغليظ والتشديد ولا يرى أبلغ منه.
الحديث الرابع عن ابن عمر ﵄: قوله: ((ويحبس الذي أمسك)) ((قض)): لو أمسك أحد رجلاً حتى قتله آخر فلا قود علي الممسك كما لو أمسك امرأة حتى زنى بها آخر لا حد علي الممسك وقال مالك: إن أمسكه وهو يرى أنه يريد قتله قتلا جميعاً، وإن أمسكه وهو يرى أنه يريد الضرب، فإنه يقبل الضارب ويعاقب الممسك أشد العقوبة ويسجن سنة.
стр. 1907
(١) باب الديات
الفصل الأول
٣٤٨٦ - عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: ((هذه وهذه سواء)) يعني الخنصر والإبهام. رواه البخاري.
٣٤٨٧ - وعن أبي هريرة، قال قضى رسول الله ﷺ في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتاً بغرة: عبد أو أمة، ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت، فقضى رسول الله ﷺ بأن ميراثها لبنيها وزوجها، والعقل علي عصبتها. متفق عليه.
٣٤٨٨ - وعنه، قال: اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر، فقتلتها وما في بطنها، فقضى رسول الله ﷺ أن دية جنينها غرة: عبد أو وليدة، وقضى بدية المرأة علي عاقلتها، وورثها ولدها ومن معهم. متفق عليه.
ــ
باب الديات
المغرب: الدية مصدر ودي القاتل المقتول إذا أعطى وليه المال الذي هو بدل النفس، ثم قيل لذلك المال: الدية تسمية بالمصدر ولذا جمعت، وهي مثل عدة في حذف الفاء.
الفصل الأول
الحديث الأول عن ابن عباس ﵄: قوله: ((يعني الخنصر والإبهام)) ((حس)): يجب في كل إصبع يقطعها عشر من الإبل، وإذا قطع أنملة من أنامله ففيها ثلث دية إصبع إلا أنملة الإبهام؛ فإن فيها نصف دية إصبع؛ لأنه ليس فيها إلا أنملتان. لا فرق فيه بين أنامل اليد والرجل.
الحديث الثاني والثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((الغرة)) ((نه)): الغرة العبد نفسه أو الأمة، وأصل الغرة البياض الذي يكون في وجه الفرس. وكان أبو عمرو بن العلاء يقول: الغرة عبد أبيض أو أمة بيضاء يسمى غره لبياضه، فلا يقبل في الجنين عبد أسود ولا جارية سوداء، وليس ذلك شرطاً عند الفقهاء. ((مح)): الرواية فيها ((غرة)) بالتنوين وما بعده بدل منه. ورواه بعضهم بالإضافة والأول أوجه، و ((أو)) في قوله: ((أو أمة)) للتقسيم لا للشك.
стр. 1908
٣٤٨٩ - وعن المغيرة بن شعبة: أن امرأتين كانتا ضرتين، فرمت إحداهما الأخرى بحجر أو عمود فسطاط، فألقت جنينها، فقضى رسول الله ﷺ في الجنين
ــ
قوله: ((والعقل)) ((حس)): العقل هو الدية وسمى بذلك؛ لأنه من العقل وهو الشد، وذلك أن القاتل كان يأتي بالإبل فيعقلها في فناء المقتول، وبه سميت العصبة التي تحمل العقل عاقلة. وقيل: سميت به عاقلة؛ لأنه من المنع والعقل هو المنع، وبه سمى العقل المركب في الإنسان؛ لأنه يمنعه عما لا يحسن.
((مح)): واتفقوا علي أن دية الجنين هي الغرة سواء كان الجنين ذكراً أو أنثى، وسواء كان كامل الخلقة أو ناقصها إذا تصور فيها خلق آدمي. وإنما كان كذلك؛ لأن الجنين قد يخفي فيكثر فيه النزاع، وضبطه الشارع بما يقطع النزاع. ثم تكون الغرة لورثة الجنين جميعهم، وهذا شخص يورث ولا يرث، ولا يعرف له نظير إلا من بعضه حر وبعضه رقيق؛ فإنه لا يرث عندنا ولكن يورث علي الأصح، هذا إذا انفصل الجنين ميتاً أما إذا انفصل حياً ثم مات فتجب فيه كمال دية الكبير، فإن كان ذكراً وجب مائة بعير، وإن كان أنثى فخمسون. وسواء فيه العمد والخطأ. ومتى وجبت الغرة فهي علي العاقلة لا علي الجإني.
((ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت)). قال العلماء: هذا الكلام قد يوهم خلاف مراده، فالصواب أن المرأة التي ماتت هي المجني عليها أم الجنين لا الجإنية. وقد صرح به في حديث آخر بقوله: ((فقتلها وما في بطنها)) فيكون المراد بقوله: ((التي قضى عليها بالغرة)) أي التي قضى لها بالغرة فعبر بـ ((عليها)) عن ((لها)) والحجر فيه محمول علي حجر صغير لا يقصد به القتل غالباً، فيكون شبه عمد تجب فيه الدية علي العاقلة، وليس علي الجإني قصاص ولادية. وهذا مذهب الشافعي والجماهير. و ((لحيان)) بفتح اللام وكسرها، والذي أشهر وهم بطن من هذيل. وفي قوله: ((والعقل علي عصبتها)) دليل علي ما قاله الفقهاء: إن دية الخطأ علي العاقلة، وإنها تختص بعصبات القاتل، سوى آبائه وأبنائه.
أقول: ونظير التعبير بـ ((عليها)) عن ((لها)) قوله تعالي: ﴿لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلي النَّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ أي لكم فضمن معنى الرقيب، فالمعنى فحفظ عليها حقها قاضياً لها بالغرة. فعلي هذا الضمير في قوله: ((علي عاقلتها)) للجإنية ((وفي ورثتها)) للدية و ((في ولدها)) للمجني عليها. وجمع الضمير في ((معهم))؛ ليدل علي أن الولد في معنى الجمع. ((ومن معهم)) هو الزوج بدلالة قوله في الحديث السابق: ((بأن ميراثها لبنيها وزوجها)). هذا إذا كان الحديثان في قضية واحدة وهو الظاهر، وأما إذا كانا في قضيتين فالمعنى بقوله: ((قضى عليها)) هي الجإنية، فيكون ميراثها لبنيها وزوجها، والدية علي عصبتها.
الحديث الرابع عن المغيرة: قوله: ((أو عمود فسطاط)) ((نه)): هو ضرب من الأبنية في السفر
стр. 1909
غرة: عبداً أو أمة، وجعله علي عصبة المرأة. هذه رواية الترمذي، وفي رواية مسلم: قال: ضربت امرأة ضرتها بعمود فسطاط وهي حبلي، فقتلتها. قال: وإحداهما لحيإنية. قال: فجعل رسول الله ﷺ دية المقتولة علي عصبة القاتلة وغرة لما في بطنها.
الفصل الثاني
٣٤٩٠ - عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ قال: ((ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا؛ مائة من الإبل: منها أربعون في بطونها أولادها)) رواه النسائي، وابن ماجه، والدارمي. [٣٤٩٠]
٣٤٩١ - ورواه أبو داود عنه، وعن ابن عمر.
وفي ((شرح السنة)) لفظ ((المصابيح)) عن ابن عمر. [٣٤٩١]
ــ
دون السرادق. ((مح)): هذا محمول علي أنه عمود صغير لا يقصد به القتل غالباً كما مر في الحجر.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن عبد الله: قوله: ((الخطأ شبه العمد)) فيه وجوه من الإعراب أحدها: أن يكون ((شبه العمد)) صفة ((الخطأ)) وهو معرفة وجاز؛ لأن قوله: ((شبه العمد)) وقع بين الضدين. وثإنيها: أن يراد بالخطأ الجنس فهو بمنزلة النكرة. و ((ما)) علي التقديرين إما موصولة أو موصوفة بدلاً أو بياناً. وثالثها: أن يكون ((شبه العمد)) بدلاً من ((الخطأ)) و ((ما كان)) بدلاً من البدل، وعلي هذا يجوز أن يكون التابع والمتبوع معرفتين أو نكرتين أو مختلفتين. وقوله: ((مائة)) خبر ((إن)).
((حس)): الحديث يدل علي إثبات العمد الخطأ في القتل، وزعم بعضهم أن القتل لا يكون إلا عمداً محضاً أو خطأ محضاً، فأما شبه العمد فلا نعرفه وهو قول مالك، واستدل أبو حنيفة بحديث عبد الله بن عمرو، وعلي أن القتل بالمثقل شبه عمد لا يوجب القصاص، ولا حجة له فيه؛ لأن الحديث في السوط والعصا الخفيفة التي لا يقصد بها القتل، وذلك لان الغالب من أمر السياط والعصي أنها تكون خفيفة، والقتل الحاصل بها يكون قتلا بطريق شبه العمد. فأما المثقل الكبير فملحق بالمحدد الذي هو معد للقتل. واتفقوا علي أن دية الحر المسلم مائة من
стр. 1910
٣٤٩٢ - وعن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ كتب إلي أهل اليمن، وكان في كتابه: ((أن من اعتبط مؤمناً قتلاً؛ فإنه قود يده إلا أن يرضي أولياء المقتول))، وفيه: ((أن الرجل يقتل بالمرأة)) وفيه: ((في النفس الدية مائة من الإبل، وعلي أهل الذهب ألف دينار، وفي الأنف إذا أوعب جدعه الدية مائة من الإبل، وفي الأسنان الدية، وفي الشفتين الدية، وفي البيضتين الدية، وفي الذكر الدية، وفي الصلب، وفي العينين الدية، وفي الرجل الواحدة نصف الدية، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية، وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل، وفي كل أصبع من أصابع اليد والرجل عشر من الإبل، وفي السن خمس من الإبل)) رواه النسائي، والدارمي. وفي رواية مالك: ((وفي العين خمسون، وفي اليد خمسون، وفي الرجل خمسون، وفي الموضحة خمس)). [٣٤٩٢]
ــ
الإبل. ثم هي في العمد المحض مغلظة في مال الجإني حالة، وفي شبه العمد مغلظة علي العاقلة مؤجلة، وفي الخطأ مخففة علي العاقلة مؤجلة. والتغليظ والتخفيف يكون في أسنان الإبل إلي آخر ما قال.
الحديث الثاني عن أبي بكر ﵁: قوله: ((من اعتبط)) ((نه)): أي قتله من غير جناية من قولهم: عبطت الناقة واعتبطتها إذا قتلتها وليست بها علة، ويقال: مات فلان عبطة، أي شاباً من غير هرم ومرض مخوف. أقول قوله: ((قتلاً)) مفعول مطلق لأنه نوع منه. وقوله: ((فإنه)) جواب الشرط، وكان الظاهر أن يقال: يقتص منه؛ لأنه سبب له فأقيم السبب مقام المسبب، والاستثناء من المسبب في الحقيقة، وإلي هذا لمح القاضي بقوله: أي أن يقتل قصاصاً بما جنته يده وكان مقتول يده قصاصاً، إذا لو لم يجن لما اقتص منه. وأصل القود الانقياد، ثم سمى به الاقتصاص؛ لما فيه من انقياد الجإني له بما جناه.
و ((أوعب)) أي استوعب جدعه واستوصل حيث لا يبقى منه شيء. و ((مائة من الإبل)) يدل علي أن الدية من الإبل. و ((المأمومة)) التي تصل إلي جلدة فوق الدماغ تسمى أم الدماغ، واشتقاق المأمومة منه. و ((الجائفة)) الطعنة التي تصل إلي جوف من الأجواف. و ((المنقلة)) بالكسر الشجة التي تنقل العظم، أي تكسره فتخرجه عن محله. و ((الموضحة)) الجراحة التي ترفع اللحم من العظم وتوضحه. وأمثال هذه التقديرات تعبد محض لا طريق إلي معرفته إلا التوقيف.
قوله: ((وعلي أهل الذهب أهل دينار)) ((حس)): اختلفوا في أصل الدية وفي قدر الواجب فيها من الدراهم والدنإنير، فذهب بعضهم إلي أن الأصل فيها الإبل، وإذا عدمت تجب قيمتها ما بلغت، وهو قول الشافعي في الجديد، ودليله ما روى عمرو بن شعيب قال: ((كان رسول الله ﷺ يقوم دية الخطأ علي أهل القرى أربعمائة دينار)) الحديث. ويؤول حديث عمر رضي الله عنه
стр. 1911
٣٤٩٣ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قضى رسول الله ﷺ في المواضح خمساً خمساً من الإبل، وفي الأسنان خمساً خمساً من الإبل. رواه أبو داود، والنسائي، والدارمي. وروى الترمذي، وابن ماجه، الفصل الأول. [٣٤٩٣]
٣٤٩٤ - وعن ابن عباس، قال: جعل رسول الله ﷺ أصابع اليدين والرجلين سواء. رواه أبو داود، والترمذي. [٣٤٩٤]
٣٤٩٥ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الأصابع سواء، والأسنان سواء، الثنية والضرس سواء، هذه وهذه سواء)) رواه أبو داود. [٣٤٩٥]
٣٤٩٦ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: خطب رسول الله ﷺ عام الفتح ثم قال: ((أيها الناس! إنه لا حلف في الإسلام، وما كان من حلف في
ــ
علي أن قيمة الإبل كانت قد بلغت في زمانه اثني عشر ألف درهم أو ألف دينار. ويدل عليه ما روى عمرو بن شعيب: ((كانت قيمة الدية علي عهد رسول الله ﷺ ثمانمائة دينار)) الحديث.
الحديث الثالث عن عمرو: قوله: وفي الأسنان خمساً خمساً)) فإن قلت: كيف يوافق هذا قوله: في الحديث السابق وفي الأسنان الدية))؟ قلت: اعتبر في الجمع هنا أفراده وهناك حقيقته، مثاله في التعريف حقيقة الجنس واستغراقه؛ ولذلك كرر ((خمساً)) ليستوعب الدية الكاملة باعتبار أجناسها. قال ابن الحاجب: العرب تكرر الشيء مرتين؛ ليستوعب تفصيل جميع جنسه باعتبار المعنى الذي دل عليه اللفظ المكرر.
الحديث الرابع والخامس عن ابن عباس ﵄: قوله: ((الثنية والضرس)) المغرب: الثنية واحدة الثنايا وهي الأسنان المقدمة اثنان فوق واثنان أسفل؛ لأن كلا منهما مضمومة إلي صاحبتها، والأضراس ما سوى الثنايا من الأسنان، والواحد ضرس يذكر ويؤنث ذكرهما تقريراً لمعنى قوله: ((الأسنان سواء)) أي لا تفاوت فيما ظهر منها وما بطن، وما يفتقر إليها كل الافتقار وما ليس كذلك. والمراد بقوله: ((هذه وهذه)) الخنصر والإبهام، يؤيده تفسيرهما في الحديث الأول من الباب بقوله: ((يعني الخنصر والبنصر)).
الحديث السادس عن عمرو بن شعيب: قوله: ((لا حلف في الإسلام)) فيه وجهان، وأحدهما: ما ذكره في النهاية، أصل الحلف المعاقدة والمعاهدة علي التعاضد والتساعد
стр. 1912
الجاهلية فإن الإسلام لا يزيده إلا شدة، المؤمنون يد علي من سواهم، يجير عليهم أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم، يرد سراياهم علي قعيدتهم، لا يقتل مؤمن بكافر، دية الكافر نصف دية المسلم، لا جلب ولا جنب، لا تؤخذ صدقاتهم إلا في دورهم)). وفي رواية قال: ((دية المعاهد نصف دية الحر)) رواه أبو داود. [٣٤٩٦]
ــ
والاتفاق، فما كان منه في الجاهلية علي الفتن والقتال والغارات؛ فذلك الذي ورد النهي عنه في الإسلام بقوله ﷺ : ((لا حلف في الإسلام)) وما كان منه في الجاهلية علي نصرة المظلوم وصلة الأرحام كحلف المطيبين وما جرى مجراه، فذلك الذي قال فيه رسول الله ﷺ : ((وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة)).
و ((حلف المطيبين)) هو الذي اجتمع بنو هاشم وبنو زهرة وتيم في دار ابن جدعان في الجاهلية، وجعلوا طيباً في جفنة وغمسوا أيديهم فيه، وتحالفوا علي التناصر والأخذ للمظلوم من الظالم، فسموا المطيبين. وأما الأحلاف فهم ست قبائل: عبد الدار وجمح ومخزوم وعدي وكعب وسهم، سموا بذلك؛ لأنه لما أرادت بنو عبد مناف أخذ ما في أيدي عبد الدار من الحجابة والرفادة واللواء والسقاية، وأثبت عبد الدار عقد كل قوم علي أمرهم حلفاً مؤكداً علي أن لا يتخاذلوا. فسموا الأحلاف لذلك. وكان رسول الله ﷺ من المطيبين، وعمر من الأحلاف.
وثإنيهما: ما ذكره التوربشتي ولخصه القاضي، كان أهل الجاهلية يتعاهدون فيعاقد الرجل الرجل، ويقول له: دمي دمك وهدمي هدمك وثأري ثأرك وحربي حربك وسلمي سلمك، ترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك، وتعقل عني وأعقل عنك. فيعدون الحليف من القوم الذين دخل في حلفهم ويقررون له وعليه مقتضى الحلف والمعاقدة غنماً وغرماً، فلما جاء الإسلام قررهم علي ذلك؛ لاشتماله علي مصالح من حقن الدماء والنصر علي الأعداء، وحفظ العهود والتألف بين الناس، حتى كان يوم الفتح فنفي ما أحدث في الإسلام لما في رابطة الدين من الحث علي التعاضد والتعاون ما نعتهم من المخالفة. وقرر ما صدر عنهم في أيام الجاهلية وفاء بالعهود وحفظاً للحقوق. لكن نسخ من أحكامه التوارث وتحمل الجنايات، بالنصوص الدالة علي اختصاص ذلك بأشخاص مخصوصة وارتباطه بأسباب معينة معدودة.
أقول: يلزم علي الوجه الأول التخصيص؛ لأنه لما نفي جنس الحلف علي الفتن والغارات، وعلي نصرة المظلوم وصلة الأرحام أتبعه قوله: ((وما كان من حلف)) أي حلف صدق واتفاق علي نصرة المظلوم مخصصاً للعام، فلا يلزم النسخ علي مذهبنا، وعلي الوجه الثاني منسوخ. وقوله: ((المؤمنون يد علي من سواهم)) يؤيد الوجه الثاني؛ لأنه جملة مبنية لنفي الحلف المخصوص في
стр. 1913
٣٤٩٧ - وعن خشف بن مالك، عن ابن مسعود، قال: قضى رسول الله ﷺ في دية الخطأ عشرين بيت مخاض، وعشرين ابن مخاض ذكور، وعشرين بنت لبون، وعشرين جذعة، وعشرين حقه)) رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي، والصحيح انه موقوف علي ابن مسعود، وخشف مجهول لا يعرف إلا بهذا الحديث، وروي في ((شرح السنة)) أن النبي ﷺ ودى قتيل خيبر بمائة من إبل الصدقة وليس في أسنان إبل الصدقة ابن مخاض إنما فيها ابن لبون. [٣٤٩٧]
ــ
الإسلام؛ لأن أخوة الإسلام جمعتهم وجعلتهم كيد واحدة، لا يسعهم التخاذل بل يجب علي كل واحد منهم نصرة أخيه. قال تعالي: ﴿إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾. وقوله ((يجير عليهم أدناهم)) كالبيان السابق؛ ولذلك: لم يؤت بالعاطف، يعني إذا كانوا في حكم اليد الواحدة فهم سواء فالأدنى كالأعلي. وكذلك * ((يرد سراياهم علي قعيدتهم)) جيء بلا واو بيانا، وهو ينصر الوجه الثاني في قوله: ((يرد عليهم أقصاهم)) في حديث علي ﵁. في الفصل الثاني من كتاب القصاص، وإن روي بالواو كما في بعض نسخ المصابيح فبالعكس؛ لاقتضاء العطف المغايرة. ((تو)): أراد بالعقيدة الجيوش النازية في دار الحرب يبعثون سراياهم إلي العدو، فما غنمت يرد منه علي القاعدين حصتهم؛ لأنهم كانوا ردء لهم.
قوله: ((دية الكافر)) ((مظ)): ذهب مالك وأحمد إلي أن ديته نصف دية المسلم، غير أن أحمد قال: إذا كان القتل خطأ وإن كان عمدا لم يقد به، ويضاعف عليه باثني عشر ألفا. وقال أصحاب أبي حنيفة: ديته مثل دية المسلم. وقال الشافعي: ديته ثلث دية المسلم. وروي عن عمر ﵁ أنه قال: ((دية اليهودي والنصرإني أربعة آلاف، ودية لمجوسي ثمانمائة)) من شرح السنة.
قوله: ((ولا تؤخذ صدقاتهم)) لو جعلت الواو كما في قولك: جاء زيد وذهب عمرو ينبغي أن يفسر ((لا جلب ولا جنب)) بما يغايره من السباق في الخيل؛ فإن الجلب حينئذ بمعنى الصوت والزجر ليزيد في شأنه، والجنب بمعنى جانب فرس آخر في جنب فرسه. ولو جعلت كما في قولك: أعجبني زيد وكرمه يجب أن يفسر بما يقع مبينا له، فالجلب هو أن ينزل الساعي موضعا ويبعث إلي أرباب المواشي ليجلبوا إليه مواشيهم، فيأخذ صدقاتهم، والجنب هو أن يبعد أرباب المواشي عن مواضيعهم فيشق علي المصدق طلبهم. ولو جعل الواو كما في قوله تعالي: ﴿ولَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وسُلَيْمَانَ عِلْمًا وقَالا الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ لم يبعد، فيجعل قوله ((لا تؤخذ صدقاتهم)) مسببا عن قوله: ((لا جلب ولا جنب)) بأن يخبر عن الأمرين، ويفوض الترتيب إلي الذهن. والله أعلم.
الحديث السابع عن خشف: قوله: ((بنت مخاض)) يحتمل وجهين: أحدهما: أن المراد منه
стр. 1914
٣٤٩٨ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: كانت قيمة الدية علي عهد رسول الله ﷺ ثمانمائة دينار، أو ثمإنية آلاف درهم، ودية أهل الكتاب يومئذ النصف من دية المسلمين. قال: فكلن كذلك حتى استخلف عمر ﵁ فقام خطيبا، فقال: إن الإبل قد غلت. قال: ففرضها عمر علي أهل الذهب ألف دينار، وعلي أهل الورق اثني عشر ألفا، وعلي أهل البقر مائتي بقرة، وعلي أهل الشاء ألفي شاة، وعلي أهل الحلل مائتي حلة. قال: وترك دية أهل الذمة لم يرفعها فيما رفع من الدية. رواه أبو داود. [٣٤٩٨]
ــ
الجنس فيشتمل علي الذكور والإناث. وثإنيهما: الأنثى منه وهو المراد في الحديث؛ لعطف قوله: ((وابن مخاض)) عليه، وتأكيده بقوله: ((ذكور)) بالجر علي الجوار، كما في المثل: جحر ضب خرب، كذا في الترمذي وأبي داود وشرح السنة وبغض نسخ المصابيح، وفي بعضها ((ذكورا)) وهو ظاهر.
قوله: ((وخشف مجهول)) ((تو)): والعجب من مؤلف المصابيح كيف شهد بصحته موقوفا ثم طعن في الذي يرويه عنه. وقوله: ((وخشف مجهول)) قول لم يبتدعه هو بل سبقه به الأولون الذين خالفوا هذا الحديث. وأراه قد نقله الخطابي، وكان عليه أن لا يبادر فيه، وقد ذكره البخاري في تاريخه فقال: خشف بن مالك سمع عمرو بن مسعود. أقول: قوله: وأراه قد نقله الخطابي ليس بطعن، بل قلده وأبا داود والترمذي، وقال أبو داود: وهو قول عبد الله، وقال الترمذي: حديث ابن مسعود لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه. وقد روى عن عبد الله موقوفا.
وفي شرح السنة: خشف بن مالك مجهول لا يعرف إلا بهذا الحديث. وقوله عن البخاري: إن خشفا سمع عمرو بن مسعود لا يجعله من المشهورين، ولعل غرضه في الطعن تقرير مذهبه. قال في شرح السنة: دية الخطأ أخماس عند أكثر أهل العلم، غير أنهم اختلفوا في تقسيمها، فذهب قوم إلي شرح السنة: دية الخطأ أخماس عند أكثر أهل العلم، غير أنهم اختلفوا في تقسيمها، فذهب قوم إلي أنها عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن لبون، وعشرون حقه، وعشرون جذعة، وبه قال الليث ومالك والشافعي. وأبدل قوم بني اللبون ببني المخاض واحتجبوا بحديث خشف.
الحديث الثامن والتاسع عن عمرو: قوله: ((وترك دية أهل الذمة لم يرفعها)) يعني كانت قيمة دية المسلم علي عهد رسول الله ﷺ ثمإنية آلاف درهم مثلا، وقيمة دية أهل الكتاب نصفه أربعة آلاف درهم، فلما رفع عمر ﵁ دية المسلم إلي اثني عشر ألفا، وقر دية الذمي علي ما كان عليه من أربعة آلاف درهم، صار دية الذمي كثلث دية المسلم مطلقا. ولعل من اوجب الثلث نظرا إلي هذا.
стр. 1915
٣٤٩٩ - وعن ابن عباس، عن النبي ﷺ ، أنه جعل الدية اثني عشر ألفا. رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي، والدارمي. [٣٤٩٩]
٣٥٠٠ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: كان رسول الله ﷺ يقوم دية الخطأ علي أهل القرى أربعمائة دينار أو عدلها من الورق، ويقومها علي أثمان الإبل، فإذا غلت رفع في قيمتها، وإذا هاجت رخص نقص من قيمتها، وبلغت علي عهد الرسول ﷺ ما بين أربعمائة دينار إلي ثمانمائة دينار، وعدلها من الورق ثمإنية آلاف درهم. قال: وقضى رسول الله ﷺ علي أهل البقر مائتي بقرة، وعلي أهل الشاء ألفي شاة، وقال رسول الله ﷺ : ((إن العقل ميراث بين ورثة القتيل)). وقضى رسول الله ﷺ أن عقل المرأة بين عصبتها، ولا يرث القاتل شيئا. رواه أبو داود، والنسائي. [٣٥٠٠]
ــ
الحديث العاشر والحادي عشر عن عمرو: قوله: ((وإذا هاجت رخص)) ((قض)): أي ظهرت، من هاج إذا ثار، والتإنيث باعتبار القيمة؛ لأن الرخص رخصها، وهو يدل علي أن الأصل في الدية هو الإبل، فإن أعوزت وجبت قيمتها بالغة ما بلغت، كما قاله الشافعي في الجديد، وأول ما روى من تقدير دراهم أو دنإنير، بأنه تقويم وتعديل باعتبار ما كان في ذلك الزمان لا مطلقا. قوله: ((وعدلها)) مرفوع علي الابتداء، وخبره ((ثمإنية آلاف درهم)).
قوله: ((أن عقل المرأة بين عصبتها)) ((تو)): يعني أن العصبة يتحملون عقل المرأة الذي يجب عليهم بسبب جنايتها تحملهم عن الرجل، وأنها ليست كالعبد في جنايته، إذا العاقلة لا تحمل عنه بل تتعلق الجناية برقبته. ((شف)): يمكن أن يكون معناه أن المرأة المقتولة ديتها تركة بين ورثتها كسائر ما تركه لهم. وهذا يناسب باقي الحديث، وهو قوله: ((لا يرث القاتل شيئا)) لأنه ﷺ لما بين أن دية المرأة المقتولة بين ورثتها دخل القاتل في عمومهم، فخصهم بغير القاتل. ومما يؤيد هذا المعنى الحديث السابق علي هذا الحديث، وهو قوله ﷺ : ((إن العقل ميراث بين ورثة القتيل))، فعلي هذا إنما يتم ويستتب إذا جعل كل واحد من قوله: قال رسول اله ﷺ : ((إن العقل ميراث بين ورثة القتيل)) وقوله: ((وقضى رسول الله ﷺ أن عقل المرأة بين عصبتها ولا يرث القاتل شيئا)) حديثين مستقلين برأسهما، فيكون أحدهما مبينا بالآخر، وإما إذا كانا من حديث واحد عن عمرو بن شعيب، وأخرجه أبو داود والنسائي كما في متن المشكاة. فلا؛ لئلا يلزم التكرار، ويكون قوله: ((ولا يرث القاتل)) متعلقا بقوله: ((إن العقل ميراث)) لا بالثاني؛ ولأن ميراث القتيل لا يختص بالعصبة، بل العصبة مختصة بالعقل. والله أعلم.
стр. 1916
٣٥٠١ - وعنه، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ قال: ((عقل شبه العمد مغلط، مثل عقل العمد، ولا يقتل صاحبه)) رواه أبو داود. [٣٥٠١]
٢٥٠٢ - وعنه، عن أبيه، عن جده، قال: قضى رسول الله ﷺ في العين القائمة السادة لمكانها بثلث الدية. رواه أبو داود، والنسائي. [٣٥٠٢]
٣٥٠٣ - وعن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قضى رسول الله ﷺ في الجنين بغرة: عبد، أو امة، أو فرس، أو بغل. رواه أبو داود، وقال: روي هذا الحديث حماد بن سلمة وخالد الواسطي عن محمد بن عمرو ولم يذكر: أو فرس أو بغل. [٣٥٠٣]
٣٥٠٤ - وعن عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ قال: ((من تطبب ولم يعلم منه طب فهو ضامن)) رواه أبو داود، والنسائي. [٣٥٠٤]
٣٥٠٥ - وعن عمران بن حصين: لن غلاما لأناس فقراء قطع أذن غلام لأناس
ــ
الحديث الثاني عشر عن عمرو: ((عقل شبه العمد مغلط)) مضى بحثه في الحديث الأول من الفصل الثاني.
الحديث لثالث عشر عن عمرو: قوله: ((القائمة السادة)) ((تو)): أراد بها العين التي لم تخرج من الحدقة ولم يخل موضوعها، فبقيت في رأي العين علي ما كانت ولم تشوه خلقتها، ولم يذهب منها جمال الوجه. والحديث لو صح فإنه يحمل علي أنه أوجب فيها ثلث الدية علي معنى الحكومة. ((حس)): معنى الحكومة أن يقال: لو كان هذا المجروح عبدا كم كان ينتقص بهذه الجراحة من قيمته؟ فيجب من ديته بذلك القدر. وحكومة كل عضو لا تبلغ دية المقدرة، حتى لو جرح رأسه جراحة دون الموضحة، لا تبلغ حكومتها أرش الموضحة وإن فحش شينها.
الحديث الرابع عن محمد: قوله: ((أو فرس أو بغل)) ((مح)): الغرة عند العرب أنفس شيء، وأطلقت هنا علي الإنسان؛ لأن الله تعالي خلقه في أحسن تقويم. وأما ما جاء في بعض الروايات في غير الصحيح: ((أو فرس أو بغل)) فرواية باطلة، وقد أحدثها بعض السلف. ((حس)): قيل: ذكر الفرس والبغل وهم من عيسى بن يونس.
الحديث الخامس عشر عن عمرو: قوله: ((من تطيب)) ((مظ)) *: لا أعلم خلافا في أن المعالج إذا تعدى فتلف المريض كان ضامنا، والمتعاطي علما أو عملا لا يعرفه معتد، فإذا تولد من فعله التلف ضمن الدية وسقط عنه القود؛ لأنه لا يستبد بذلك دون إذن المريض وجناية الطبيب في قول عامة الفقهاء علي عاتقه. والله أعلم.
الحديث السادس عشر عن عمران: قوله: ((أن غلاما لأناس)) ((مظ)) *: هذا الغلام كان حرا
стр. 1917
أغنياء، فأتى النبي ﷺ فقالوا: إنا أناس فقراء، فلم يجعل عليهم شيئا. رواه أبو داود، والنسائي. [٣٥٠٥]
الفصل الثالث
٣٥٠٦ - عن علي [﵁]، أنه قال: دية شبه العمد أثلاثا: ثلاث وثلاثون حقه، وثلاث وثلاثون جذعة، وأربع وثلاثون ثنية إلي بازل عامها كلها خلفات. وفي رواية: قال: في الخطأ أرباعا: خمس وعشرون حقه، وخمس وعشرون جذعة، وخمس وعشرون بنات لبون، وخمس وعشرون بنات مخاض. رواه أبو داود. [٣٥٠٦]
٣٥٠٧ - وعن مجاهد، قال قضى عمر [﵁] في شبه العمد ثلاثين حقه، وثلاثين جذعة، وأربعين خلقة ما بين ثنية إلي بازل عامها. رواه أبو داود. [٣٥٠٧]
ــ
وكان جنايته خطأ، وكانت عاقلته فقراء، فلم يجعل النبي ﷺ عليهم شيئا؛ لأن العاقلة إنما تواسي عن وجد سعة ولا شيء علي الفقير منهم. ولا يجوز أن يكون الغلام المجني عليه عبدا؛ إذ لو كان عبدا لم يكن لاعتذار أهله بالفقر معنى؛ لأن العاقلة لا تتحمل عبدا، فإن الغلام المملوك إذا جنى علي عبد أو حر، فجنايته في رقبته في قول عامة أهل العلم.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن علي ﵁: قوله: ((دية شبه العمد)) مبتئأ، وقوله: ((ثلاث وثلاثون)) خبره، وقد وقع التمييز وهو قوله: ((أثلاثا)) بينهما، كما يقال: التصريف لغة التغيير مثلا، أو نصب علي تقدير ((أعنى))، وعلي هذا قوله: ((خمس وعشرون)) خبر مبتدأه محذوف، ((وأرباعا)) تمييز. وقوله: ((في الخطأ)) من قول الراوي أي قال علي ﵁ في شأن الخطأ: دية الخطأ خمس وعشرون. وقوله: ((إلي بازل عامها)) متصل بقوله: ((ثنية)) بدليل قوله في الحديث الآتي: ((ما بين ثنيته إلي بازل عامها)).
((نه)): الثني من الإبل والثنية، ما دخل في السنة السادسة، والبازل ما تم ثمإني سنين ودخل في التاسعة، وحينئذ يطلع نابه وتكمل قوته، ثم يقال له بعد ذلك بازل عام وبازل عامين. أقول: ومنه حديث علي ﵁ ((بازل عامين حديث سني)) أي يقول البازل: أنا مستجمع الشباب مستكمل القوة، أو كل من رإني مستجمع الشباب مستكمل القوة يقول: هذا بازل عامين.
الحديث الثاني والثالث عن سعيد: قوله: ((يطل)) ((نه)) يقال: طل دمه إذا أهدر. وقوله: ((من
стр. 1918
٣٥٠٨ - وعن سعيد بن المسيب: أن رسول الله ﷺ قضى في الجنين يقتل في بطن أمه بغرة عبد أو وليدة. فقال الذي قضى عليه: كيف أغرم من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل، ومثل ذلك يطل. فقال رسول الله ﷺ : ((إنما هذا من إخوان الكهان)) رواه مالك، والنسائي مرسلا. [٣٥٠٨]
٣٥٠٩ - ورواه أبو داود عنه عن أبي هريرة متصلا.
(٢) باب مالا يضمن من الجنايات
الفصل الأول
٣٥١٠ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((العجماء جرحها جبار، والمعدن جبار، والبئر جبار)) متفق عليه.
ــ
إخوان الكهان)) إنما قال ذلك من اجل سجعه الذي سجعه ولم يعبه بمجرد السجع دون ما يضمن سجعه من الباطل، فإنه قال: كيف ندى من لا أكل ولا شرب ولا استهل ومثل ذلك يطل. وإنما ضرب المثل بالكهان لأنهم كانوا يرجون أقاويلهم الباطلة بإسجاع يروق السامعين، فيستميلون بها القلوب ويستصغون إليها الأسماع. فأما إذا وضع السجع في مواضعه من الكلام فلا ذم فيه، وكيف يذم؟ وقد جاء في كلام رسول الله ﷺ كثيرا.
أقول: راعي في تأخير الاستهلال عن النطق مع الاتفاق في السجع الترقي؛ لأن نفي الاستهلال أبلغ من نفي النطق؛ لما يلزم من نفي الاستهلال نفي النطق من غير عكس، وليس كذلك القرينة السابقة.
باب مالا يضمن من الجنايات
المغرب: الجناية ما يجنيه من شر أي يحدثه، تسمية بالمصدر من جنى عليه شرا، وهو عام إلا أنه خص بما يحرم من الفعل. وأصله من جني الثمرة، وهو أخذه من الشجر.
الفصل الأول
الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((العجماء)) ((مظ)) *: العجماء البهيمة وسميت بها لعجمتها، وكل من لم يقدر علي الكلام فهو أعجمي، ومعنى الجبار الهدر، وإنما يكون جرحها هدرا إذا كانت منفلتة عابرة علي وجهها ليس لها قائد ولا سائق، وقد سبق معنى الحديث وتفاصيله.
стр. 1919
٣٥١١ - وعن يعلي بن أمية، قال: غزوت مع رسول الله ﷺ جيش العسرة، وكان لي أجير، فقاتل إنسانا فعض احدهما يد الآخر، فانتزع المعضوض يده من في العاض، فأندر ثنيه فسقط، فانطلق إلي النبي ﷺ ، فأهدر ثنيه، وقال: ((أيدع يده في فيك تقضمها كالفحل)) متفق عليه.
٣٥١٢ - وعن عبد الله بن عمرو، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من قتل دون ماله فهو شهيد)) متفق عليه.
٣٥١٣ - وعن أبي هريرة، قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله! أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: ((فلا تعطه مالك)) قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: ((قاتله)). قال: أريت إن قتلني؟ قال: ((فأنت شهيد)). قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: ((هو في النار)) رواه مسلم.
ــ
الحديث الثاني والثالث والرابع عن يعلي: قوله: ((غزوت)) غزوت العدو قصدته للقتال غزوا. قوله ((مع رسول الله ﷺ ) حال من الفاعل، و ((جيش العسرة)) حال من رسول الله، المعنى قصدت مصاحبا مع رسول الله ﷺ حال كونه مجهزا جيش العسرة. وفي حديث عثمان انه جهز جيش العسرة وهو جيش غزوة تبوك، سمى به؛ لأنه يذب الناس إلي الغزو في شدة القيظ، وكان وقت إيناع الثمرة وطيب الظلال، فعسر ذلك عليهم وشق، والعسر ضد اليسر وهو الضيق والشدة والصعوبة. و ((فأهدر ثنيه)) أي أسقطها.
قوله: ((أيدع)) ((قض)): ((أيدع يده)) إلي آخره إشارة إلي علة الإهدار، وهو أن ما يدفع به الصائل المجتاز إذا تعين طريقا إلي دفعه مهدر؛ لأن الدافع مضطر إليه، ألجأه الصائل إلي دفعه به. فهو نتيجة فعله، ومسبب من جنايته، فكأنه الذي فعله وجنى به علي نفسه. والقضم الأكل بأطراف الأسنان، يقال: قضمت الناقة شعيرها بالكسر تقضمه قضما.
((حس)): وكذلك لو قصد رجل الفجور بأمره فدفعته عن نفسها فقضمته لا شيء عليها. رفع عمر ﵁ جارية كانت تحتطب فاتبعها رجل فراودها عن نفسها، فرمته بحجر فقتلته، فقال عمر ﵁: هذا قتيل الله، والله لا يودي أبدا. وهو قول الشافعي. وكذا من قصد ماله ودمه وأهله فله دفع القاصد ومقاتليه، وينبغي أن يدفع بالأحسن فالأحسن، فان لم يمتنع إلا بالمقاتلة وقتله فدمه مهدر، وهل له أن يستسلم؟ نظرا إن أريد ماله فله ذلك، وإن أريد دمه ولا يمكنه دفعه إلا بالقتل، فقد ذهب قوم إلي أن له الاستسلام إلا أن يكون القاصد كافرا أو بهيمة. وذهب قوم إلي أن الواجب عليه الاستسلام.
стр. 1920
٣٥١٤ - وعنه، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((لو اطلع في بيتك أحد، ولم تأذن له، فخذفته بحصاة، ففقأت عينه؛ ما كان عليك من جناح)) متفق عليه.
٣٥١٥ - وعن سهل بن سعد: أن رجلا اطلع في جحر في باب رسول الله ﷺ ومع رسول الله ﷺ مدري يحك به رأسه، فقال: ((لو اعلم انك تنظرني لطعنت به في عينيك، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر)) متفق عليه.
٣٥١٦ - وعن عبد الله بن مغفل، انه رأي رجلا يخذف، فقال: لا تخذف فان رسول الله ﷺ نهي عن الخذف، وقال: ((إنه لا يصاد به صيد، ولا ينكأ به عدو؛ ولكنها قد تكسر السن وتفقا العين)) متفق عليه.
ــ
قوله: ((فلا يعطه)) جواب للسؤال وجزاء الشرط محذوف، يدل عليه السؤال كما أن السؤال شرط جزائه محذوف، يعنى إن جاءه رجل بهذه الصفة أفأعطيه أم لا؟ قال: فلا تعطه يعنى إن كان كما وصفته فلا تعطه. وعلي هذا قوله: ((فأنت شهيد)). وأما ما جاء بلا فاء من قوله: ((قاتله، هو في النار)) فعلي الاستئناف بعد تقرير جواب الشرط، كأن قائلا سأل، قال: فماذا قال رسول الله ﷺ في جوابه؟ فأجيب قال كذا.
الحديث الخامس عن أبي هريرة ﵁: وله: ((فخذفته)) ((مح)): هو بالخاء المعجمة،
أي رميته بها من بين أصبعيك. والفقأ بالهمز الشق والنخس، واختلفوا في أنه هل يجوز رميه قبل إنذاره؟ فيه وجهان، أصحهما: جوازه لظاهر هذا الحديث.
الحديث السادس عن سهل: قوله: ((مدرى)) ((نه)): المدرى والمدراة شيء يعمل من حديد أو خشب علي شكل سن من أسنان المشط وأطول منه، يسوى به الشعر الملبد، ويستعمله من لا مشط له. أقول: قوله: ((أعلم أنك تنظرني)) بعد قوله: ((اطلع)) يدل علي أن الاطلاع مع غير قصد النظر لا يترتب هذا الحكم عليه كالمار. و ((إنما جعل الاستئذان من أجل البصر)) معناه أن الاستئذان ما شرع ولا أمر به إلا حذرا من النظر إلي غير المحرم ولولاه لما شرع. ((نه)) *: فيه جواز رمي عين المتطلع بشيء خفيف، ولو فقئت لا ضمان عليه إذا نظر في بيت ليس فيه محرم له.
الحديث السابع عن عبد الله: قوله: ((لا ينكأ به)) ((نه)): يقال: نكيت في العدو وأنكى نكاية فأنا ناك إذا أكثرت فيهم الجراح والقتل، وقد يهمز يقال: نكأت القرحة إذا قشرتها. أقول: معنى الحديث أنه رأي رجلا يصيب بالخذف فنهاه؛ لأنه لا يجلب نفعا ولا يدفع ضرا بل هو شر كله.
стр. 1921
٣٥١٧ - وعن أبي موسى، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا مر أحدكم في مسجدنا وفي سوقنا ومعه نبل فليمسك علي نصالها أن يصيب أحدا من المسلمين منها بشيء)) متفق عليه.
٣٥١٨ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يشير أحدكم علي أخيه بالسلاح؛ فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار)) متفق عليه.
ــ
الحديث الثامن عن أبي موسى: قوله: ((في مسجدنا وفي سوقنا)) أي مسجد المسلمين وسوقهم، فأضاف إلي الضمير المفخم إيذانا بالشرف. و ((أمسك)) عدي ب ((علي)) مبالغة في المحافظة والقيض عليها. و ((أن يصيب)) مفعول لأجله علي حذف المضاف، أي كراهة أن يصيب كقوله تعالي: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا﴾. أي كراهة أن تضلوا.
الحديث التاسع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((ينزع في يده)) ((تو)): أي يرمى به في يده كأنه يرفع يده كأنه يرفع يده فيحقق إشارته، ويروى بالغين المعجمة، ومعناه يغر به فيحمله علي تحقيق الضرب حين يشير به عند اللعب والهزل، ونزع الشيطان إغراؤه، ويحتمل أن يكون المعنى يطعن في يده من قولهم: نزعه بكلمة أي طعن فيه. الجوهري: نزغ في القوس نزعا. ((قض)): معناه أنه يرمى به كائنا في يده. أقول: فعلي هذا ((في يده)) حال من الضمير المجرور المقدر، وعلي تقدير الجوهري الظرف متعلق بالفعل علي منوال قول الشاعر:
يجرح في عراقيبها نصلي
أي يوقع نزعه في يد المشير فيستوفيه بما أمكن منه. ومنه قوله تعالي: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ الكشاف: ((النَّازِعَاتِ)) أيدي الغزاة تنزع القسى بإغراق السهام.
والفاء في قوله: ((فيقع)) فصيحة أي ينزع يده فيقتله فيستوجب النار فيقع في حفرتها. وقوله: ((لعل الشيطان)) مفعول ((يدرى))، ويجوز أن يكون ((يدرى)) نازلا منزلة اللام، فينتفي الدراية عنه رأسا، ثم استأنف بقوله: ((لعل)) وقوله: ((لا يشير)) خبر في معنى النهي. ((قض)): يريد به النهي عن الملاعبة بالسلاح، فلعل الشيطان يدخل بين المتلاعبين، فيصير الهزل جدا، واللعاب حرابا، فيضرب أحدهما الأخر فيقتله فيدخل النار بقتله.
стр. 1922
٣٥١٩ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أشار إلي أخيه بحديدة، فإن الملائكة تلعنه حتى يضعها وإن كان أخاه لأبيه وأمه)) رواه البخاري.
٣٥٢٠ - وعن ابن عمر، وأبي هريرة [﵄]، عن النبي ﷺ ، قال: ((من حمل علينا السلاح فليس منا)) رواه البخاري. وزاد مسلم: ((ومن غشنا فليس منا)).
٣٥٢١ - وعن سلمة بن الأكوع، قال: قال رسول الله ﷺ : ( (من سل علينا السيف فليس منا)) رواه مسلم,.
3522 - وعن هشام بن عروة، عن أبيه، أن هشام بن حكيم مر بالشام علي أناس من الأنباط، وقد أقيموا في الشمس وصب علي رؤوسهم الزيت، فقال: ما هذا؟ قيل يعذبون في الخراج. فقال هشام: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا)) رواه مسلم.
ــ
الحديث العاشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((وإن كان أخاه)) تتميم لمعنى الملاعبة وعدم القصد في الإشارة، فبدأ بمطلق الأخوة ثم قيده بالأخوة بالأب والأم؛ ليؤذن بأن اللعب المحض المعرى عن شائبة القصد إذا كان حكمه كذلك، فما ظنك بغيره؟
الحديث الحادي عشر عن ابن عمر وأبي هريرة ﵄: قوله: ((من حمل علينا)) وإنما جمع الضمير ليتناول الأمة أيضا ما سيأتي في الفصل الثالث في قوله: ((من سل السيف علي أمة محمد)). الجار والمجرور يجوز أن يتعلق بالفعل، و ((السلاح)) نصب علي نزع الخافض، يقال: حمل عليه في الحرب حمله، ويجوز أن يكون حالا و ((السلاح)) مفعول، يقال: حملت الشيء أحمله حملا أي حمل السلاح علينا لا لنا، والأول أوجه وأليق بباب ما لا يضمن من الجنايات؛ ولأن قوله: ((فليس منا)) جزاء الشرط وعلي الثاني لا فائدة فيه؛ لأنه يعلم كل أحد أن عدو المسلمين ليس منهم.
الحديث الثاني عشر والثالث عشر عن هشام: قوله: ((من الأنباط)) ((نه)):النبط والنبيط جبل معروف كانوا ينزلون بالبطائح بين العراقين. ((مح)): الأنباط فلاح الأعاجم. قوله: ((لسمعت)) اللام جواب القسم لما في ((أشهد)) من معناه.
стр. 1923
٣٥٢٣ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يوشك إ، طالت بك مدة أن ترى قوما، في أيديهم مثل أذناب البقر، يغدون في غضب الله، ويروحون في سخط الله)). وفي رواية: ((ويروحون في لعنة الله)) رواه مسلم.
٣٥٢٤ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات، رؤوسهم كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها لوجد من مسيرة كذا وكذا)) رواه مسلم.
ــ
الحديث الرابع عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((أن ترى)) اسم ((يوشك)). قوله: ((يغدون ويروحون)) المراد بهما الدوام والاستمرار كما في قوله تعالي: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ والْعَشِيِّ﴾ يعني هم أبدا في غضب الله وسخطه لا يرضي عنهم. وإن أريد بهما الوقتان المخصوصان، فالمعنى يصبحون يؤذون الناس ويروعونهم ولا يرحمون عليهم، فيغضب الله تعالي عليهم بذلك، ويمسون يتفكرون فيما لا يرضي عنهم الله تعالي من الإيذاء والروع.
الحديث الخامس عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((من أهل النار)) صفة ((صنفان)) و ((لم أرهما)) خبر ((صنفان)) ونحو ((لم أرهما)) قوله في الحديث السابق: ((يوشك إن طالت بك مدة أن ترى قوما)). وقوله: ((قوم معهم سياط)) وقوله: ((ونساء كاسيات عاريات)) بيان أو بدل لقوله: ((صنفان)) وما بعدهما صفات لهما. وذكر قوله: ((لا يدخلن الجنة)) صفة للنساء ولم يذكر للرجال مثلها اختصار أو إيجازا.
((مح)): هذا الحديث من المعجزات، وفيه ذم هذبن الصنفين. قيل: معناه كاسيات من نعمة الله، عاريات من شكرها. وقيل: يسترن بعض بدنهن، فهن وإن كن كاسيات للثياب عاريات في الحقيقة. و ((مائلات)) قيل: عن طاعة الله وما يلزمهن حفظه، ((مميلات)) أي يعلمن غيرهن فعلن المذموم، وقيل: مائلا يمشين متبخترات، مميلات لأعناقهن. وقيل: ((مائلات)) تمشطن مشطة الميلاء وهي مشطة البغاء، ((مميلات)) يمشطن غيرهن بتلك المشطة. ومعنى ((رءوسهن كأسنمة البخت)) أي يكبرنها ويعظمنها بلف عمامة أو عصابة أو نحوها.
((قض)): قيل: المميلات اللاتي يملن قلوب الرجال ألي أنفسهن، أو يملن المقانع عن
стр. 1924
٣٥٢٥ - وعنه، قالا: قال رسول الله ﷺ : ((إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه؛ فإن الله خلق آدم علي صورته)) متفق عليه.
ــ
رءوسهن ليظهرن وجوههن ورءوسهن، والمائلات الزائغات عن العفاف واستعمال الطاعة، أو المائلات إلي الهوى والفجور، والمميلات غيرهن في مثل فعلهن من الزيغ والفجور.
قوله: ((لا يدخلن الجنة)) معناه أنهن لا يدخلنها ولا يجدن ريحها حين ما يدخلها ويجد ريحها العفائف المتورعات، لا أنهن لا يدخلن أبدا؛ لقوله ﷺ في حديث أبي ذر: ((وإن زنى وإن سرق)) ثلاثا. والله أعلم. أقول: قوله: ((كاسيات عاريات)) أثبت لهن الكسوة ثم نفاها؛ لأن حقيقة الاكتساء ستر العورة، فإذا لم يتحقق الستر فكأنه لا اكتساء، ومنه قول الشاعر:
خلقوا وما خلقوا لمكرمة فكأنهم خلقوا وما خلقوا
رزقوا وما رزقوا سماح يد فكأنهم رزقوا وما رزقوا
والله أعلم.
الحديث السادس عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((خلق آدم علي صورته)) فيه أقوال، والأول: أن الضمير راجع إلي آدم، وهو اختيار ابن الجوزي، وفيه وجوه، أحدهما: أنه خلق علي صورته التي كان عليها من مبدأ فطرته إلي منقرض عمره ولم تتفاوت قامته ولم تتغير هيئته، بخلاف سائر الناس؛ فإن كل واحد منهم يكون أولا نطفة ثم علقة ثم مضغة، ثم عظاما وأعصابا عارية، ثم عظاما وأعصابا مكسوبة لحما، ثم حيوانا ماجنا في الرحم لا يأكل ولا يشرب، بل يتغذى من عرق كالنبات، ثم يكون مولودا رضيعا، ثم طفلا ثم مترعرعا، ثم مراهقا ثم شابا ثم كهلا ثم شيخا.
وثإنيها: أنه خلق علي صورة حال تختص به لا يشاركه نوع أخر من المخلوقات؛ فإنه يوصف مرة بالعلم وأخرى بالجهل، وتارة بالغواية والعصيان والإخراج من الجنان، ولحظة يتسم بسمة الاجتباء ويتوج بتاج الخلافة والاصطفاء، وبرهة يستعمل بتدبير الأرضين، وساعة يصعد بروحه إلي أعلي عليين، وطورا يشارك البهائم في مأكله ومشربه ومنكحه، وطورا يسابق الكروبيين في فكره وذكره وتسبيحه وتهليله.
وثالثهما: أنه تعالي اخترعها اختراعا عظيما في خلقها؛ إذ كل مخلوق قد تقدم أمثال له، فيخلقون علي صور أمثالهم المتقدمة، وإما آدم فاخترع خلقا جديدا عجيبا ملكي الروح حيوإني الجسم منتصب القامة، فلم يجد علي مثال له تقدم، وكأنه قال: ارتجل صورته اختراعا لا تشبيها بتقدم ولا محاذيا لخلق آخر، بل تولي القديم بنفسه خلق هذه الصورة إبداعا جديدا وخلقا عجيبا، لم يسبقه ما يشبهه بصفة ما. وتعظيم وجه الإنسان إما لأنه أشرف جزء من الإنسان إذ أكثر الحواس فيه؛ أو لأنه إذا عدم عدم الكل بخلاف بقية الأعضاء.
ــ
وفي هذا التأويل إضمار، كأنه قيل: هذا المضروب من أولاد آدم، فاجتنبوا ضرب العضو الأشراف منه احتراما له؛ لأنه يشبه وجه آدم. والثاني أن الضمير راجع إلي المضروب. قال الشيخ محي الدين: وهو رواية مسلم. ويحتمل أن يرجع إلي ((الوجه))
стр. 1925
يعني فليجتنب الوجه؛ فإنه تعالي كرمه وشرفه بأحسن صورة، وجمع فيه المحاسن والحواس والإدراكات، والضرب في الوجه قد ينقصها ويشوه الحسن ويظهر الشين الفاحش ولا يمكن ستره، وخلق آدم ﵇ علي تلك الصورة فلا تضربه تكريما لصورة آدم؛ فإنك إن ضربتها فقد أهنتها. ونظيره ما روي أنه ﷺ قال: ((تسمون أولادكم محمدا فتلعنونهم)) أنكر اللعن إجلالا لاسمه، كما الضرب علي الوجه تعظيما لصورة آدم ﵇.
والثالث: أن الضمير راجع إلي الله تعالي، وهو اختيار الشيخ التوربشتي، قال: وإنما الوجه فيه أن يكون الضمير فيه راجعا إلي الله سبحانه وتعالي تشريفا وتكريما، وكالإضافة في بيت الله وناقة الله؛ لما صح من طرق هذا الحديث: فإن الله تعالي خلق آدم علي صورة الرحمن.
قال الشيخ محي الدين: هذا الحديث بهذا اللفظ ثابت، ورواه بعضهم أن الله خلق آدم علي صورة الرحمن، وهو ليس بثابت عند أهل الحديث، كأن من رواه نقله بالمعنى الذي وقع له وغلط في ذلك انتهي كلامه. وفي هذا القول وجوه: أولها أن يجري علي ظاهره وهو قول ابن قتيبة. ((مح)): قال المازري: وقد غلط ابن قتيبة فيه، وقال: إن لله تعالي صورة لا كالصورة وهو ظاهر الفساد؛ لأن الصورة تفيد التركيب، وكل مركب محدث، وتعالي الله عن ذلك. وقالت المجسمة: جسم ليس كالأجسام؛ لما سمعوا من أهل السنة أنه تعالي شيء لا كالأشياء طردوا هذا الاستعمال. والفرق ظاهر، من ابن قتيبة في قوله: ((صورة لا كالصورة))، مع أن ظاهر الحديث علي رأيه يقتضي خلق آدم علي صورته، فالصورتان علي رأيه سواء، فإذا قال: لا كالصورة ناقص. انتهي كلامه.
وثإنيها: قول القاضي: إن صحت هذه الرواية تعين أن يكون الضمير لله تعالي، ويكون المعنى أن الله تعالي خلق آدم علي صورة اجتباها وجعلها نتيجة من جملة مخلوقاته؛ إذ ما من موجود إلا وله مثال في صورته؛ ولذلك قيل: الإنسان عالم صغير، ثم إن مجمع محاسنه ومظهر لطائف الصنع فيه هو الوجه، فبالحري أنه يحافظ عليه، ويتجوز عما يشوهه فلا يناسب أن يجرح ويقبح. وإن لم يصح يحتمل ذلك.
وثالثها: قال بعضهم: إن الصورة بمعنى الأمر والشأن أي خلق آدم علي حاله وشأنه في كونه مسجودا للملائكة، مالكا للحيوانات في كونها مسخرة له، تحقيقا لقوله تعالي: ﴿إني جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ تعظيما واحتراما لشانه، كقوله ﷺ : الحجر الأسود يمين الله في الأرض)) لأنه مخصوص بالتقبيل والاستلام تعظيما كيمين الملك في حق من يتقرب إليه. فإذن
стр. 1926
الفصل الثاني
٣٥٢٦ - عن أبي ذر، قال: قال: رسول الله ﷺ : ((من كشف سترا فأدخل بصره في البيت قبل أن يؤذن له، فرأي عورة أهله؛ فقد أتى حدا لا يحل له أن يأتيه، ولو أنه حين أدخل بصره، فاستقبله رجل ففقأ عينه، ما غيرت عليه، وإن مر الرجل علي باب لا ستر له غير مغلق، فنظر؛ فلا خطيئة عليه، إنما الخطيئة علي أهل البيت)) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب. [٣٥٢٦]
٣٥٢٧ - وعن جابر، قال: نهي رسول الله ﷺ أن يتعاطى السيف مسلولا. رواه الترمذي، وأبو داود. [٣٥٢٧]
٣٥٢٨ - وعن الحسن، عن سمرة، أن رسول الله ﷺ نهي أن يقد السير بين أصبعين. رواه أبو داود. [٣٥٢٨]
ــ
الإضافة فيه ليست كالإضافة في بيت الله وناقة الله للتشريف، بل الكلام وارد علي التمثيل والاستعارة.
وسئل سهل بن عبد الله عن عبد الله عن قوله تعالي: ﴿إني جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ قال: صورة الملك الذي تولاها فخلق آدم عليها وملكه من ملكه ما تولي، وسئل عن معنى ذلك فذكر ((خلق آدم علي صورته)). هذا أقصى ما يمكن أن يقال في هذا المقام. والله أعلم بالصواب.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن أبي ذر ﵁: قوله: ((عورة أهله)) وهي ما يحاذ الاطلاع عليه وسميت عورة لاختلال تستر الناس بها وتحفظهم عنها، والعورة الخلل. قوله: ((حدا)) يحتمل أن يراد به العقوبة المانعة عن إعادة الجإني، فالمعنى فقد أتى موجب حد حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، كما ذهب إليه الأشرف والمظهر، وان يراد به الحجز بين الموضوعين كالحمى، وإليه ينظر قوله تعالي: ﴿ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾. فقوله: ((لا يحل له)) صفة فارقة تخص الاحتمال الثاني بالمراد، يدل عليه إيقاع قوله: ((إن مر الرجل علي باب لا ستر له)) مقابلا لقوله: ((من كشف سترا)) إلي آخره، وفيه أن أحد الأمرين واجب إما الستر وإما الغلق.
الحديث الثاني والثالث عن الحسن: قوله: ((أن يقد السير)) ((نه)): القد القطع طولا كالشق، ((والسير)) ما يقد من الجلد أي الجلد أي يقطع، وإنما نهي عنه لئلا يقعر الحديد يده، وهي شبيهة بهيئة أن يتعاطى السيف مسلولا.
стр. 1927
٣٥٢٩ - وعن سعيد بن زيد، أن رسول الله ﷺ قال: ((من قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد)) رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي. [٣٥٢٩]
٣٥٣٠ - وعن ابن عمر [﵄]، عن النبي ﷺ قال: لجهنم سبعة أبواب: باب منها لمن سل السيف علي أمتي – أو قال: علي أمة محمد -)) رواه الترمذي، وقالا: هذا حديث غريب. [٣٥٣٠]
وحديث أبي هريرة: ((الرجل جبار)) ذكر في ((باب الغصب))
[وهذا الباب خال عن: الفصل الثالث].
(٣) باب القسامة
الفصل الأول
٣٥٣١ - عن رافع بن خديج، وسهل بن أبي حثمة، أنهما حدثا أن عبد الله بن
ــ
الحديث الرابع والخامس عن سعيد: قوله: ((دون دينه)) ((دون)) ههنا بمعنى قدام، كقول الشاعر:
تريك القذى من* دونها وهي دونه
وهذا إنما يكون إذا قصد المخالف من الكافر المبتدع خذلانه في دينه أو توهينه فيه، وهو
يذب عنه ويحجز بينه وبين ما أراد كالحامي يذب عن حميته. وانشد للفرزدق:
أنا الزائد الحامي الذمار وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
باب القسامة
المغرب: القسم اليمين، يقال: اقسم بالله إقساما، والقسامة اسم منه وضع موضوع الإقسام، ثم قيل للذين يقسمون: قسامة. وقيل: هي الأيمان تقسم علي أولياء الدم.
((مح)): قال القاضي عياض: حديث القسامة أصل من أصول الشرع، وقاعدة من أحكام الدين، وركن من أركان مصالح العباد. وبه اخذ العلماء كافة من الصحابة والتابعين ومن
стр. 1928
سهل ومحيصة بن مسعود أتيا خيبر، فتفرقا في النخل، فقتل عبد الله بن سهل، فجاء عبد الرحمن بن سهل وحويصة ومحيصة ابنا مسعود إلي النبي ﷺ ، فتكلموا في أمر صاحبهم، فبدأ عبد الرحمن، وكان أصغر القوم، فقال له النبي ﷺ : ((كبر الكبر)) – قال يحيى بن سعيد: يعني ليلي الكلام الأكبر – فتكلموا فقال النبي ﷺ : ((استحقوا قتيلكم – أو قال: صاحبكم – بأيمان خمسين منكم)). قالوا: يا رسول الله! أمر لم نره. قال: ((فتبرئكم يهود في أيمان خمسين منهم؟)) قالوا: يا رسول الله! قوم كفار. ففداهم رسول الله ﷺ من قبله. وفي رواية: ((تحلفون خمسين يمينا، وتستحقون قاتلكم – أو صاحبكم -)) فوداه رسول الله ﷺ من عنده بمائة ناقة. متفق عليه.
وهذا الباب خال عن الفصل الثاني.
ــ
بعدهم، وإن اختلفوا في كيفية الأخذ به. وروي عن جماعة إبطال القسامة. واختلف القائلون بها فيما إذا كان القتل عمدا هل يجب القصاص بها أم لا؟ فقال جماعة من العلماء: يجب وهو قول مالك وأحمد وإسحاق، وقول الشافعي في القديم. وقال الكوفيون والشافعي أصح قوليه: لا يجب بل تجب الدية، واختلفوا فيمن يحلف في القسامة، فقال مالك والشافعي والجمهور: تحلف الورثة ويجب الحق بحلفهم.
((حس)): صورة قتيل القسامة أن يوجد قتيل وادعي وليه علي رجل أو علي جماعة قتله، وكان عليهم لوث ظاهر، وهو ما يغلب علي الظن صدق المدعي، كأن وجد محلتهم وكان بين القتيل وبينهم عداوة كقتيل خيبر.
الفصل الأول
الحدي الأول عن رافع: قوله: ((كبر الكبر)) وفي أكثر الروايات ((الكبر الكبر)). ((نه)): يقال: فلان كبر قومه – بالضم – إذا كان أقعدهم في النسب، وهو أن ينتسب إلي جده الأكبر بآباء أقل عددا من باقي عشيرته. وتقدير الحديث: ليبدأ الأكبر بالكلام، أو قدموا الأكبر إرشادا إلي الأدب في تقديم الأسن، ويروى ((كبر الكبير)) أي قدم الأكبر.
((مح)): المقتول عبد الله وله أخ اسمه عبد الرحمن، ولهما إبنا عم محيصة وحويصة، - وهما أكبر سنا من عبد الرحمن – فلما أراد عبد الرحمن أخو القتيل أن يتكلم، قيل له: كبر الأكبر أي ليتكلم من هو أكبر منك، وحقيقة الدعوى إنما هي لعبد الرحمن لا حق فيها لابني عمه، وإنما أمر النبي ﷺ أن يتكلم الأكبر – وهو حويصة – لأنه لم يكن المراد بكلامه حقيقة الدعوى، بل
стр. 1929
الفصل الثالث
٣٥٣٢ - عن رافع بن خديج، قال: أصبح رجل من الأنصار مقتولا بخيبر، فانطلق أولياؤه إلي النبي ﷺ فذكرا ذلك له، فقال: ((ألكم شاهدان يشهدان علي قاتل صاحبكم؟)) قالوا: يا رسول الله! لم يكن ثم أحد من المسلمين، وإنما هم يهود، وقد يجترئون علي أعظم من هذا، قال: ((فاختاروا منهم خمسين فاستحلفوهم)) فأبوا، فوداه رسول الله ﷺ من عنده. رواه أبو داود. [٣٥٣٢]
ــ
سماع صورة القضية، فإذا أريد حقيقة الدعوى تكلم صاحبها. ويحتمل أن عبد الرحمن وكل حويصة في الدعوى.
فإن قيل: كيف عرضت اليمين علي الثلاثة والوارث هو عبد الرحمن خاصة واليمين عليه؟ والجواب: أطلق الجواب، لأنه غير ملتبس أن المراد به الوارث لما سمع كلام الجمع في صورة القتيل، وكيفية ما جرى له وإن كانت حقيقة الدعوى وقت الحاجة مختصة بالوارث. وأما ما يروى ((فتستحقون قاتلكم))، فمعناه ثبت حقكم علي من حلفتم عليه. وفيه فضيلة السن عند التساوي في الفضائل، كالإمامة وولاية النكاح وغير ذلك. قوله: ((استحقوا قتيلكم)) ((قض)): يريد باستحقاق القتيل استحقاقه ديته، ويدل عليه ماروى مالك بإسناده عن سهل بن حثمة أنه ﷺ قال: ((إما أن تؤدوا صاحبكم وإما أن تؤذنوا بحرب من الله ورسوله))، فيحلف المدعي خمسين ويستحق دية قتيله دون القصاص لضعف الحجة، فإن اليمين ابتداء دخيل في الأسباب. وقال أصحابي أبي حنيفة: لا يبدأ بيمين المدعي بل يختار الإمام خمسين رجلا من صلحاء أهل المحلة التي وجد فيها القتيل، وحصل اللوث في حقهم، ويحلفهم علي أنهم ما قتلوه ولا عرفوا له قاتلا، ثم يأخذ الدية من أرباب الخطة، فإن لم يعرف فمن سكانها. وهو يخالف الحديث من وجهين: الأول: أن الروايات الصحيحة كلها متطابقة علي أنه ﷺ بدأ بالمدعين، وجعل يمين الرد علي اليهود. والثاني: أنه قال: ((فتبرئكم يهود من أيمان خمسين))، فإيجاب الدية معها يخالف النص والقياس أيضا، أو ليس في شيء من الأصول اليمين مع الغرامة، بل إنما شرعت للبرآة والاستحقاق، وفيه أن من توجه عليه الحف أولا فلم يحلف رد الحلف علي الآخر، وأن من توجه عليه اليمين حلف وإن كافرا.
وقال مالك: لا تقبل أيمان الكفرة علي المسلمين كما لا تقبل شهادتهم. وإنما ودي رسول الله ﷺ من قبله، أي من عند نفسه، لأنه كره إبطال الدم وإهداره، ولم ير غير اليمين علي اليهود ولم يكن القوم راضين بأيمانهم واثقين عليها.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن رافع: قوله: ((وإنما هم يهود)) في تعريف المبتدأ والخبر، وإيتان ((إنما)) المفيد للحصر مع من يعرفهم حق المعرفة إيذان بأن المراد به الوصف الذي اشتهر وتعورف منهم من المكر والخديعة والنفاق، علي نحو قول الشاعر:
стр. 1930
(٤) باب قتل أهل الردة والسعادة بالفساد
الفصل الأول
٣٥٣٣ - عن عكرمة، قال: أتي علي بزنادقة، فأحرقهم فبلغ ذلك ابن عباس، فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم لنهي رسول الله ﷺ : ((لا تعذبوا بعذاب الله)) ولقتلتهم لقول رسول الله ﷺ : ((من بدل دينه فاقتلوه)) رواه البخاري.
ــ
أنا أبو النجم وشعري شعري
يعني ليس لنا شاهدان وهم أدهي وأنكر من أن يباشروا قتل المسلمين بما يؤاخذون.
وقوله: ((وقد يجترئون علي أعظم من هذا)) يعني من أهل النفاق ومخادعة الله ورسوله، وقتل الأنبياء بغير حق وتحريف الكلم عن مواضعه. والله أعلم بالصواب.
باب قتل أهل الردة والسعادة بالفساد
الفصل الأول
الحديث الأول عن عكرمة: قوله: ((بزنادقة)) ((قض)): الزنادقة قوم من المجوس يقال لهم: الثنوية، يقولون بمبدأين: أحدهما النور وهو مبدأ الخيرات، والثاني الظلمة وهو مبدأ الشرور.
ويقال: إنه معرب مأخوذ من الزند، وهو كتاب بالفهلوية كان لزرادشت المجوسي، ثم استعمل لكل ملحد في الدين. وجمعه الزنادقة والهاء فيه بدل الياء المحذوفة، فإن أصله زناديق.
والمراد به قوم ارتدوا عن الإسلام؛ لما أورد أبو داود في كتابه: أن عليا ﵁ أحرق ناسا ارتدوا عن الإسلام.
وقيل: قوم من السبئية أصحاب عبد الله بن سبأ، أظهر الإسلام ابتغاء للفتنة وتضليلا للأمة، فسعى أولا في إثارة الفتنة علي عثمان، حتى جرى عليه ما جرى، ثم انصرف إلي الشيعة واخذ في تضليل جهالهم حتى اعتقدوا أن عليا ﵁ هو المعبود، فعلم بذلك علي فأخذهم واستتابهم فلم يتوبوا، فحفر لهم حفرا وأشعل النار فيها، ثم أمر بأن يرمى بهم فيها.
والإحراق بالنار وإن نهي عنه كما ذكر ابن عباس ﵄، لكن جوز للتشديد بالكفار والمبالغة في النكاية والنكال كالمثلة.
أقول: فإن قلت: ((ولقتلهم)) عطف علي جواب ((لو)) فلم أتى باللام في الثاني وعدل عن الأول؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن ((لو)) لما لم تكن مخلصة للشرط كإن ولا عاملة قبلها، وإنما سرى فيها معنى الشرط اتفاقا من حيث تعليق أحد الأمرين بالآخر، افتقرت في الجواب إلي ما ينصب علما علي هذا التعليق وهو اللام. فإذا حذفت بعد ذلك لم يبال بإسقاطه استغناء
следующие страницы →