← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122257

شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن

الطيبي

Полный текст (3 308 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

الفصل الثاني ٣٥٢٦ - عن أبي ذر، قال: قال: رسول الله ﷺ : ((من كشف سترا فأدخل بصره في البيت قبل أن يؤذن له، فرأي عورة أهله؛ فقد أتى حدا لا يحل له أن يأتيه، ولو أنه حين أدخل بصره، فاستقبله رجل ففقأ عينه، ما غيرت عليه، وإن مر الرجل علي باب لا ستر له غير مغلق، فنظر؛ فلا خطيئة عليه، إنما الخطيئة علي أهل البيت)) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب. [٣٥٢٦] ٣٥٢٧ - وعن جابر، قال: نهي رسول الله ﷺ أن يتعاطى السيف مسلولا. رواه الترمذي، وأبو داود. [٣٥٢٧] ٣٥٢٨ - وعن الحسن، عن سمرة، أن رسول الله ﷺ نهي أن يقد السير بين أصبعين. رواه أبو داود. [٣٥٢٨] ــ الإضافة فيه ليست كالإضافة في بيت الله وناقة الله للتشريف، بل الكلام وارد علي التمثيل والاستعارة. وسئل سهل بن عبد الله عن عبد الله عن قوله تعالي: ﴿إني جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ قال: صورة الملك الذي تولاها فخلق آدم عليها وملكه من ملكه ما تولي، وسئل عن معنى ذلك فذكر ((خلق آدم علي صورته)). هذا أقصى ما يمكن أن يقال في هذا المقام. والله أعلم بالصواب. الفصل الثاني الحديث الأول عن أبي ذر ﵁: قوله: ((عورة أهله)) وهي ما يحاذ الاطلاع عليه وسميت عورة لاختلال تستر الناس بها وتحفظهم عنها، والعورة الخلل. قوله: ((حدا)) يحتمل أن يراد به العقوبة المانعة عن إعادة الجإني، فالمعنى فقد أتى موجب حد حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، كما ذهب إليه الأشرف والمظهر، وان يراد به الحجز بين الموضوعين كالحمى، وإليه ينظر قوله تعالي: ﴿ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾. فقوله: ((لا يحل له)) صفة فارقة تخص الاحتمال الثاني بالمراد، يدل عليه إيقاع قوله: ((إن مر الرجل علي باب لا ستر له)) مقابلا لقوله: ((من كشف سترا)) إلي آخره، وفيه أن أحد الأمرين واجب إما الستر وإما الغلق. الحديث الثاني والثالث عن الحسن: قوله: ((أن يقد السير)) ((نه)): القد القطع طولا كالشق، ((والسير)) ما يقد من الجلد أي الجلد أي يقطع، وإنما نهي عنه لئلا يقعر الحديد يده، وهي شبيهة بهيئة أن يتعاطى السيف مسلولا.

стр. 1927

٣٥٢٩ - وعن سعيد بن زيد، أن رسول الله ﷺ قال: ((من قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد)) رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي. [٣٥٢٩] ٣٥٣٠ - وعن ابن عمر [﵄]، عن النبي ﷺ قال: لجهنم سبعة أبواب: باب منها لمن سل السيف علي أمتي – أو قال: علي أمة محمد -)) رواه الترمذي، وقالا: هذا حديث غريب. [٣٥٣٠] وحديث أبي هريرة: ((الرجل جبار)) ذكر في ((باب الغصب)) [وهذا الباب خال عن: الفصل الثالث]. (٣) باب القسامة الفصل الأول ٣٥٣١ - عن رافع بن خديج، وسهل بن أبي حثمة، أنهما حدثا أن عبد الله بن ــ الحديث الرابع والخامس عن سعيد: قوله: ((دون دينه)) ((دون)) ههنا بمعنى قدام، كقول الشاعر: تريك القذى من* دونها وهي دونه وهذا إنما يكون إذا قصد المخالف من الكافر المبتدع خذلانه في دينه أو توهينه فيه، وهو يذب عنه ويحجز بينه وبين ما أراد كالحامي يذب عن حميته. وانشد للفرزدق: أنا الزائد الحامي الذمار وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي باب القسامة المغرب: القسم اليمين، يقال: اقسم بالله إقساما، والقسامة اسم منه وضع موضوع الإقسام، ثم قيل للذين يقسمون: قسامة. وقيل: هي الأيمان تقسم علي أولياء الدم. ((مح)): قال القاضي عياض: حديث القسامة أصل من أصول الشرع، وقاعدة من أحكام الدين، وركن من أركان مصالح العباد. وبه اخذ العلماء كافة من الصحابة والتابعين ومن

стр. 1928

سهل ومحيصة بن مسعود أتيا خيبر، فتفرقا في النخل، فقتل عبد الله بن سهل، فجاء عبد الرحمن بن سهل وحويصة ومحيصة ابنا مسعود إلي النبي ﷺ ، فتكلموا في أمر صاحبهم، فبدأ عبد الرحمن، وكان أصغر القوم، فقال له النبي ﷺ : ((كبر الكبر)) – قال يحيى بن سعيد: يعني ليلي الكلام الأكبر – فتكلموا فقال النبي ﷺ : ((استحقوا قتيلكم – أو قال: صاحبكم – بأيمان خمسين منكم)). قالوا: يا رسول الله! أمر لم نره. قال: ((فتبرئكم يهود في أيمان خمسين منهم؟)) قالوا: يا رسول الله! قوم كفار. ففداهم رسول الله ﷺ من قبله. وفي رواية: ((تحلفون خمسين يمينا، وتستحقون قاتلكم – أو صاحبكم -)) فوداه رسول الله ﷺ من عنده بمائة ناقة. متفق عليه. وهذا الباب خال عن الفصل الثاني. ــ بعدهم، وإن اختلفوا في كيفية الأخذ به. وروي عن جماعة إبطال القسامة. واختلف القائلون بها فيما إذا كان القتل عمدا هل يجب القصاص بها أم لا؟ فقال جماعة من العلماء: يجب وهو قول مالك وأحمد وإسحاق، وقول الشافعي في القديم. وقال الكوفيون والشافعي أصح قوليه: لا يجب بل تجب الدية، واختلفوا فيمن يحلف في القسامة، فقال مالك والشافعي والجمهور: تحلف الورثة ويجب الحق بحلفهم. ((حس)): صورة قتيل القسامة أن يوجد قتيل وادعي وليه علي رجل أو علي جماعة قتله، وكان عليهم لوث ظاهر، وهو ما يغلب علي الظن صدق المدعي، كأن وجد محلتهم وكان بين القتيل وبينهم عداوة كقتيل خيبر. الفصل الأول الحدي الأول عن رافع: قوله: ((كبر الكبر)) وفي أكثر الروايات ((الكبر الكبر)). ((نه)): يقال: فلان كبر قومه – بالضم – إذا كان أقعدهم في النسب، وهو أن ينتسب إلي جده الأكبر بآباء أقل عددا من باقي عشيرته. وتقدير الحديث: ليبدأ الأكبر بالكلام، أو قدموا الأكبر إرشادا إلي الأدب في تقديم الأسن، ويروى ((كبر الكبير)) أي قدم الأكبر. ((مح)): المقتول عبد الله وله أخ اسمه عبد الرحمن، ولهما إبنا عم محيصة وحويصة، - وهما أكبر سنا من عبد الرحمن – فلما أراد عبد الرحمن أخو القتيل أن يتكلم، قيل له: كبر الأكبر أي ليتكلم من هو أكبر منك، وحقيقة الدعوى إنما هي لعبد الرحمن لا حق فيها لابني عمه، وإنما أمر النبي ﷺ أن يتكلم الأكبر – وهو حويصة – لأنه لم يكن المراد بكلامه حقيقة الدعوى، بل

стр. 1929

الفصل الثالث ٣٥٣٢ - عن رافع بن خديج، قال: أصبح رجل من الأنصار مقتولا بخيبر، فانطلق أولياؤه إلي النبي ﷺ فذكرا ذلك له، فقال: ((ألكم شاهدان يشهدان علي قاتل صاحبكم؟)) قالوا: يا رسول الله! لم يكن ثم أحد من المسلمين، وإنما هم يهود، وقد يجترئون علي أعظم من هذا، قال: ((فاختاروا منهم خمسين فاستحلفوهم)) فأبوا، فوداه رسول الله ﷺ من عنده. رواه أبو داود. [٣٥٣٢] ــ سماع صورة القضية، فإذا أريد حقيقة الدعوى تكلم صاحبها. ويحتمل أن عبد الرحمن وكل حويصة في الدعوى. فإن قيل: كيف عرضت اليمين علي الثلاثة والوارث هو عبد الرحمن خاصة واليمين عليه؟ والجواب: أطلق الجواب، لأنه غير ملتبس أن المراد به الوارث لما سمع كلام الجمع في صورة القتيل، وكيفية ما جرى له وإن كانت حقيقة الدعوى وقت الحاجة مختصة بالوارث. وأما ما يروى ((فتستحقون قاتلكم))، فمعناه ثبت حقكم علي من حلفتم عليه. وفيه فضيلة السن عند التساوي في الفضائل، كالإمامة وولاية النكاح وغير ذلك. قوله: ((استحقوا قتيلكم)) ((قض)): يريد باستحقاق القتيل استحقاقه ديته، ويدل عليه ماروى مالك بإسناده عن سهل بن حثمة أنه ﷺ قال: ((إما أن تؤدوا صاحبكم وإما أن تؤذنوا بحرب من الله ورسوله))، فيحلف المدعي خمسين ويستحق دية قتيله دون القصاص لضعف الحجة، فإن اليمين ابتداء دخيل في الأسباب. وقال أصحابي أبي حنيفة: لا يبدأ بيمين المدعي بل يختار الإمام خمسين رجلا من صلحاء أهل المحلة التي وجد فيها القتيل، وحصل اللوث في حقهم، ويحلفهم علي أنهم ما قتلوه ولا عرفوا له قاتلا، ثم يأخذ الدية من أرباب الخطة، فإن لم يعرف فمن سكانها. وهو يخالف الحديث من وجهين: الأول: أن الروايات الصحيحة كلها متطابقة علي أنه ﷺ بدأ بالمدعين، وجعل يمين الرد علي اليهود. والثاني: أنه قال: ((فتبرئكم يهود من أيمان خمسين))، فإيجاب الدية معها يخالف النص والقياس أيضا، أو ليس في شيء من الأصول اليمين مع الغرامة، بل إنما شرعت للبرآة والاستحقاق، وفيه أن من توجه عليه الحف أولا فلم يحلف رد الحلف علي الآخر، وأن من توجه عليه اليمين حلف وإن كافرا. وقال مالك: لا تقبل أيمان الكفرة علي المسلمين كما لا تقبل شهادتهم. وإنما ودي رسول الله ﷺ من قبله، أي من عند نفسه، لأنه كره إبطال الدم وإهداره، ولم ير غير اليمين علي اليهود ولم يكن القوم راضين بأيمانهم واثقين عليها. الفصل الثالث الحديث الأول عن رافع: قوله: ((وإنما هم يهود)) في تعريف المبتدأ والخبر، وإيتان ((إنما)) المفيد للحصر مع من يعرفهم حق المعرفة إيذان بأن المراد به الوصف الذي اشتهر وتعورف منهم من المكر والخديعة والنفاق، علي نحو قول الشاعر:

стр. 1930

(٤) باب قتل أهل الردة والسعادة بالفساد الفصل الأول ٣٥٣٣ - عن عكرمة، قال: أتي علي بزنادقة، فأحرقهم فبلغ ذلك ابن عباس، فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم لنهي رسول الله ﷺ : ((لا تعذبوا بعذاب الله)) ولقتلتهم لقول رسول الله ﷺ : ((من بدل دينه فاقتلوه)) رواه البخاري. ــ أنا أبو النجم وشعري شعري يعني ليس لنا شاهدان وهم أدهي وأنكر من أن يباشروا قتل المسلمين بما يؤاخذون. وقوله: ((وقد يجترئون علي أعظم من هذا)) يعني من أهل النفاق ومخادعة الله ورسوله، وقتل الأنبياء بغير حق وتحريف الكلم عن مواضعه. والله أعلم بالصواب. باب قتل أهل الردة والسعادة بالفساد الفصل الأول الحديث الأول عن عكرمة: قوله: ((بزنادقة)) ((قض)): الزنادقة قوم من المجوس يقال لهم: الثنوية، يقولون بمبدأين: أحدهما النور وهو مبدأ الخيرات، والثاني الظلمة وهو مبدأ الشرور. ويقال: إنه معرب مأخوذ من الزند، وهو كتاب بالفهلوية كان لزرادشت المجوسي، ثم استعمل لكل ملحد في الدين. وجمعه الزنادقة والهاء فيه بدل الياء المحذوفة، فإن أصله زناديق. والمراد به قوم ارتدوا عن الإسلام؛ لما أورد أبو داود في كتابه: أن عليا ﵁ أحرق ناسا ارتدوا عن الإسلام. وقيل: قوم من السبئية أصحاب عبد الله بن سبأ، أظهر الإسلام ابتغاء للفتنة وتضليلا للأمة، فسعى أولا في إثارة الفتنة علي عثمان، حتى جرى عليه ما جرى، ثم انصرف إلي الشيعة واخذ في تضليل جهالهم حتى اعتقدوا أن عليا ﵁ هو المعبود، فعلم بذلك علي فأخذهم واستتابهم فلم يتوبوا، فحفر لهم حفرا وأشعل النار فيها، ثم أمر بأن يرمى بهم فيها. والإحراق بالنار وإن نهي عنه كما ذكر ابن عباس ﵄، لكن جوز للتشديد بالكفار والمبالغة في النكاية والنكال كالمثلة. أقول: فإن قلت: ((ولقتلهم)) عطف علي جواب ((لو)) فلم أتى باللام في الثاني وعدل عن الأول؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن ((لو)) لما لم تكن مخلصة للشرط كإن ولا عاملة قبلها، وإنما سرى فيها معنى الشرط اتفاقا من حيث تعليق أحد الأمرين بالآخر، افتقرت في الجواب إلي ما ينصب علما علي هذا التعليق وهو اللام. فإذا حذفت بعد ذلك لم يبال بإسقاطه استغناء

стр. 1931

٣٥٣٤ - وعن عبد الله بن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن النار لا يعذب بها إلا الله)) رواه البخاري. ٣٥٣٥ - وعن علي [﵁]، قال: سمعت من رسول الله ﷺ يقول: سيخرج قوم في آخر الزمان حداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، لا يجاوز أيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة)) متفق عليه. ــ لشهرة أمره، علي أن الجواب منفي ب ((لم)) وهي مانعة لدخولها. وثإنيا: أن هذه اللام مفيدة معنى التوكيد لا محالة، فأدخل في الثاني، لأن القتل أهم وأحرى من غيره لورود النص ((إن النار لا يعذب بها إلا الله)) لأنه أشد العذاب؛ ولذلك أوعد بها الكفار، والاجتهاد يضمحل عنده. ولعل عليا ﵁ لم يقف عليه واجتهد. ((تو)): كان ذلك منه عن رأي واجتهاد لا عن توقيف؛ ولهذا لما قول ابن عباس ﵄: ((لو كنت أنا لم احرقهم)) الحديث، قال: ويح أم ابن عباس. وأكثر أهل العلم علي أن القول ورد مورود المدح والإعجاب بقوله. وينصره ما جاء في رواية أخرى عن شرح السنة: فبلغ ذلك عليا فقال: صدق ابن عباس ﵄. وقوله: ((لو كنت أنا)) تأكيد للضمير المتصل، والخبر محذوف أي لو كنت أنا بدله. الحديث الثاني والثالث عن علي ﵁: قوله: ((حداث الأسنان)) ((نه)): حداثة السن كناية عن الشباب وأول العمر، والسفه في الأصل الخفة والطيش، وسفه فلان رأيه إذا كان مضطربا لا استقامة له. والأحلام العقول واحدها حلم بالكسر. قوله: ((من خير قول البرية)) وفي المصابيح ((من قول خير البرية)) ((شف)): المراد ب ((خير البرية)) النبي ﷺ ، وفي الكتاب بتقديم الخير علي القول. ((مظ)): أراد بخير قول البرية القرآن. أقوال: وهذا الوجه أولي؛ لأن ((يقولون)) هنا بمعنى يحدثون أو يأخذون من خير ما يتكلم به البرية. وينصره ما روى في شرح السنة: وكان ابن عمر ﵄ يرى الخوارج شرار خلق الله تعالي، وقال: إنهم انطلقوا إلي آيات نزلت في الكفار فجعلوها علي المؤمنين. وما ورد في حديث أبي سعيد ((يدعون إلي كتاب الله وليسوا منا في شيء)). قوله: ((حناجرهم)) ((نه)): الحنجرة رأس الغلصمة حيث تراه ناتئا من خارج الحلق، والجمع الحناجر. ((فا)): المروق الخروج، ومنه المرق وهو الماء الذي يستخرج من اللحم عند الطبخ

стр. 1932

٣٥٣٦ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يكون أمتي فرقتين، فيخرج من بينهما مارقة يلي قتلهم أولاهم بالحق)) رواه مسلم. ٣٥٣٧ - وعن جرير، قال: قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع: ((لا ترجعن بعدي كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض)) متفق عليه. ــ للائندام به. ((مظ)) *: أراد ب ((الدين)) الطاعة، أي إنهم يخرجون من طاعة الإمام المفترض الطاعة وينسلخون منها. قوله: ((من الرمية)) هي فعيلة بمعنى مفعول، والياء فيه لنقل اللفظ من الوصفية إلي الاسمية. ((نه)): الرمية الصيد الذي ترميه فتقصده، يريد أن دخولهم في الدين ثم خروجهم منه ولم يتمسكوا منه بشيء، كالسهم الذي دخل في الرمية ثم نفذ فيها وتخرج منها، ولم يعلق به منها شيء. ((مظ)) *: أجمع علماء المسلمين علي أن الخوارج – علي ضلالتهم – فرقة من فرق المسلمين، وأجازوا مناكحتهم وأكل ذبائحهم، وقبول شهادتهم، وسئل علي ﵁ عنهم فقيل: أكفار هم فقال: من الكفر فروا. فقيل: من هم؟ قال: قوم أصابتهم فتنة فعموا وصموا. الحديث الرابع عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((يلي قتلهم)) أي يباشر قتلهم، يقال: ولي الرجل البيع ولاية. ((شف)): قوله: ((يلي قتلهم)) إلي آخره صفة ل ((مارقة)) أي يلي قتل المارقة وهي الخوارج أولي أمتي بالحق. أقول: ويحتمل أن يراد بالحق الله سبحانه وتعالي بدلالة قوله في الحديث الآتي: ((كان أولي بالله منهم)). فإن قلت: قوله: ((من بينهما)) يقتضي أن تكون إحدى الفرقتين علي الحق، والأخرى علي الباطل. وقوله: ((من بينهما)) يقتضي أن تكون المارقة خارجة منهما معا. قلت: هو كقوله تعالي: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ والْمَرْجَانُ﴾ ((الكشاف)): لما التقيا وصارا كالشيء الواحد جاز أن يقال: يخرجان منهما كما يقال: يخرجان من البحر ولا يخرجان من جميع البحر ولكن من بعضه، وتقول: خرجت من البلدة وإنما خرجت من محلة من محاله، بل من دار واحدة من دوره؛ ولهذا يحسن أن يرجع أحد الضميرين في الصفة إلي المارقة والآخر إلي قوله: ((أمتي)).

стр. 1933

٣٥٣٨ - وعن أبي بكرة، عن النبي ﷺ قال: ((إذا التقى المسلمان حمل أحدهما علي أخيه السلاح؛ فهما في جرف جهنم، فإذا قتل أحدهما صاحبه، دخلاها جميعا)). وفي رواية عنه: قال: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار)) قلت: هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: ((إنه كان حريصا علي قتل صاحبه)) متفق عليه. ٣٥٣٩ - وعن أنس، قال: قدم علي النبي ﷺ نفر من عكل فأسلموا، فاجتووا المدينة، فأمرهم أن يأتوا إبل الصدقة، فيشربوا من أبوابها وألبانها، ففعلوا فصحوا، ــ الحديث الخامس عن جرير ﵁: قوله: ((لا ترجعن بعدي كفارا)) ((مح)): فيه سبعة أقوال: أحدهما: أن ذلك كفر في حق المستحيل بغير حق. وثإنيها: أن المراد كفر النعمة وحق الإسلام. وثالثها: أنه يقرب من الكفر ويؤدي إليه. ورابعها: أنه فعل الكفار. وخامسها: نفي حقيقة الكفر أي لا تكفروا بل دوموا مسلمين. وسادسا عن الخطابي: معناه المتكفر بالسلاح، يقال: تكفر الرجل بسلاحه إذا لبسه. وسابعها عنه أيضا: معناه لا يكفر بعضكم بعضا فتستحلوا قتل بعضكم بعضا. واظهر الأقوال القول الرابع، وهو اختيار القاضي عياض. وقوله: ((يضرب)) بسكون الباء ضبطه بعض العلماء، قال أبو البقاء: هو جواب النهي علي تقرير الشرط، أي أن ترجعوا يضرب بعضكم. أقول: علي الرواية المشهورة استئناف وارد علي بيان النهي، أي أن كأن سائلا قال: كيف نرجع كفارا؟ فقيل: يضرب بعضكم رقاب بعض فعل الكفار، أو يقال: لم نرجع كفارا بعد كوننا مسلمين؟ قيل: ضرب بعضكم رقاب بعض يؤدي إلي الكفر. الحديث السادس عن أبي بكرة: قوله: ((حمل أحدهما)) حال، و ((قد)) مقدرة، والمعنى إذا التقى المسلمان حاملان كل واحد منهما علي الآخر السلاح، ولابد من هذا التقدير ليطابق الشرط الجزاء، وهو قوله: ((فهما في جرف جهنم)) والجرف ما يجرفه السيول من الأودية. وقوله: ((فإذا قتل)) مع جوابه عطف علي الشرط الأول. وقوله: ((هذا القاتل)) أي هذا الحكم ظاهر في شأن القاتل؛ لأنه ظالم فما بال المقتول المظلوم؟. الحديث السابع عن انس ﵁: قوله: ((نفر)) ((قض)): النفر بالتحريك قوم من ثلاثة إلي عشرة، وقد قبل: إنهم كانوا ثمإنية. و ((عكل)) اسم قبيلة أو بلدة، والمراد بها هاهنا القبيلة، ((فاجتووا المدينة)) أي كرهوا هواء المدينة واستوخموها، ولم يوافقهم المقام بها. وإنما مثل بهم رسول الله ﷺ مع نهيه عن المثلة، إما لعظم جرمهم؛ فإنهم جمعوا بين الارتداد ونبذ العهد والاغتيال، وقتل النفس ونهب المال، أو لأنهم فعلوا ذلك بالرعاة فاقتص

стр. 1934

فارتدوا، وقتلوا رعاتها، واستاقوا الإبل، فبعث في آثارهم، فأتي بهم فقطع أيديهم، وأرجلهم، وسمل أعينهم، ثم لم يحسمهم حتى ماتوا. وفي رواية: فسمروا أعينهم، وفي رواية: أمر بمسامير فأحميت فكحلهم بها، وطرحهم بالحرة يستقون فيما يسقون حتى ماتوا. متفق عليه. الفصل الثاني ٣٥٤٠ – عن عمران بن حصين، قال: كان رسول الله ﷺ يحثنا علي الصدقة، وينهانا عن المثلة. رواه أبو داود. [٣٥٤٠] ٣٥٤١ - ورواه النسائي عن أنس. [٣٥٤١] ٣٥٤٢ - وعن عبد الرحمن بن عبد الله، عن أبيه، قال: كنا مع رسول الله ﷺ في ــ منهم بمثل صنيعهم. و ((السمل)) فقأ العين، يقال: سملت عينه إذا فقأتها بحديدة محماة أو نحوها. وقوله: ((ثم لم يحسمهم)) أي لم يقطع دماً بالكي ونحوه حتى ماتوا. ((مح)): اختلفوا في معنى الحديث، فقيل: كان هذا قبل نزول الحدود، وآية المحاربة مع قطاع الطريق، والنهي عن المثلة فهو منسوخ. وقيل: ليس بمنسوخ، وفيه نزلت الآية. وإنما فعل ذلك ﷺ قصاصاً. وقيل: النهي عن المثلة نهي تنزيه. وأما قوله: ((فما يسقون)) فليس فيه أن النبي ﷺ أمر بذلك ولا نهي عن السقي. وقد أجمعوا علي أن من وجب عليه القتل واستسقى لا يمنع الماء قصداً فيجتمع عليه عذابان. وقيل: كان منع الماء هنا قصاصاً. وقال أصحابنا: لا يجوز لمن معه من الماء ما يحتاج إليه للطهارة أن يسقيه مرتداً يخاف الموت من العطش، ولو كان ذمياً أو بهيمة وجب سقيه، ولم يجز الوضوء به حينئذ. واستدل أصحاب مالك وأحمد بهذا الحديث أن بول ما يؤكل وروثه طاهران. وأجاب أصحابنا وغيرهم من القائلين بنجاستهما بأن شربهم الأبوال كان للتداوي وهو جائز بكل النجاسات سوى المسكرات، وإنما أجاز شربهم أبوال إبل الصدقة، لأنها للمحتاجين من المسلمين وهؤلاء منهم. الفصل الثاني الحديث الأول والثاني عن عبد الرحمن: قوله: ((فرأينا حمرة)) ((فا)): هي طائر صغير

стр. 1935

سفر، فانطلق لحاجته، فرأينا حمرة معها فرخان، فأخذنا فرخيها. فجاءت الحمرة فجعلت تفرش، فجاء النبي ﷺ ، فقال: ((من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها)). ورأي قرية نمل قد حرقناها، قال: ((من حرق هذه؟)) فقلنا: نحن. قال: ((إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار)) رواه أبو داود. [٣٥٤٢] ٣٥٤٣ - وعن أبي سعيد الخدري، وأنس بن مالك، عن رسول الله ﷺ قال: ((سيكون في أمتي اختلاف وفرقة، قوم يحسنون القيل ويسيئون الفعل، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، لا يرجعون حتى ــ كالعصفور، وتكون دهساء وكدراء ورقشاء، والدهساء هي التي يكون لها غبرة تضرب إلي الحمرة. قوله: ((تفرش)) ((نه)): هو أن تفرش جناحيها، وتقرب من الأرض وترفرف. والتفريش أن ترتفع وتظلل بجناحيها علي من تحتها. قوله: ((لا ينبغي أن يعذب)) ((قص)): إنما منع التعذيب بالنار؛ لأنه أشد العذاب؛ ولذلك أوعد بها الكفار. أقول: لعل المنع من التعذيب بها في الدنيا؛ لأن الله تعالي جعل النار فيها لمنافع الناس وارتفاقهم، فلا يصح منهم أن يستعملوها في الإضرار، ولكن له أن يستعملها فيه؛ لأنه ربها ومالكها يفعل ما يشاء من التعذيب بها والمنع منه، وإليه أشار بقوله: ((رب النار)) وقد جمع الله تعالي الاستعمالين في قوله: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً ومَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ﴾ أي تذكيراً لنار جهنم لتكون حاضرة للناس يذكرون ما أوعد به، وعلقنا بها أسباب المعايش كلها. الحديث الثالث عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((سيكون في أمتي اختلاف)) فيه وجهان أحدهما: أن يقدر مضاف أي أهل اختلاف وفرقة. وقوله: ((قوم يحسنون)) إلي آخره، بدل منه وموضع له، وثإنيهما: أن يراد به نفس الاختلاف، أي سيحدث فيهم اختلاف وتفرق، فيتفرقون فرقتين فرقة حق وفرقة باطل. ويؤيد هذا التأويل قوله ﷺ في الفصل الأول: ((تكون أمتي فرقتين فيخرج من بينهما مارقة، يلي قتلهم أولاهم بالحق)) فقوم مبتدأ موصوف بما بعده، والخبر ((يقرءون القرآن)) بيان لإحدى الفرقتين، وتركت الثانية للظهور. قوله: ((يحسنون القيل)) أي القول، يقال: قلت قولا وقالا وقيلا، قال الله تعالي: ﴿ومَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً﴾. قوله: ((لا يجاوز تراقيهم)) ((نه)): التراقي جمع ترقوه، وهي العظم الذي بين ثغر النحر والعاتق، وهما ترقوتان من الجانبين. ووزنها فعلوة – بالفتح – انتهي كلامه. وفيه وجوه أحدها:

стр. 1936

يرتد السهم علي فوقه، هم شر الخلق والخليقة، طوبى لمن قتلهم وقتلوه. يدعون إلي كتاب الله وليسوا منا في شيء، من قاتلهم كان أولي بالله منهم)) قالوا: يا رسول الله! ما سيماهم؟ قال: ((التحليق)) رواه أبو داود. [٣٥٤٣] ــ أنه لا يتجاوز أثر قراءتهم عن مخارج الحروف والأصوات، ولا يتعدى إلي القلوب والجوارح، فلا يعتقدون وفق ما يقتضي اعتقاداً، ولا يعملون بما يوجب عملاً. وثإنيهما: أن قراءتهم لا يرفعها الله ولا يقبلها، وكأنها لم تتجاوز حلوقهم. وثالثها: أنهم لا يعملون بالقرآن فلا يثابون علي قراءته، ولا يحصل لهم غير القراءة. قوله: ((مروق السهم)) مصدر أي مثل مروق السهم، ضرب مثلهم في دخولهم في الدين وخروجهم منه بالسهم الذي لا يكاد يلاقيه شيء من الدم لسرعة نفوذه، تنبيهاً علي أنهم لا يتمسكون من الدين بشيء، ولا يلوون عليه. وقد أشار إلي هذا المعنى في غير هذه الرواية بقوله: ((سبق الفرث والدم)). قوله: ((حتى يرتد السهم علي فوقه)) كقوله تعالي: ﴿ارْتَدُّوا عَلي أَدْبَارِهِم﴾ والفوق موضع الوتر من السهم، وهذا من التعليق بالمحال علي رجوعهم إلي الدين بما يعد من المستحيلات؛ مبالغة في إصرارهم علي ما هم عليه حسما للطمع في رجوعهم إلي الدين، كما قال تعالي: ﴿ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الجَمَلُ فِي سَمِّ الخِيَاطِ﴾ وفيه من اللطف أنه راعى بين التمثيلين المناسبة في أمر واحد، مثل أولا خروجهم من الدين بخروج السهم من الرمية، وثإنياً فرض دخولهم فيه ورجوعهم إليه برجوع السهم علي فوقه إلي ما خرج منه من التوتر. قوله: ((هم شر الخلق والخليقة)) ((نه)): ((الخلق)) الناس، و ((الخليقة)) البهائم. وقيل: هما بمعنى واحد ويريد بهما جميع الخلائق. ((تو)): ((الخليقة)) في الأصل مصدر وإنما جاء باللفظين تأكيداً للمعنى الذي أراده وهو استيعاب أصناف الخلق، ويحتمل أنه أراد بـ ((الخلقية)) من خلق، وبـ ((الخلق)) من سيخلق. ((قض)): ((هم شر الخلق))؛ لأنهم جمعوا بن الكفر والمراء فاستبطنوا الكفر، وزعموا أنهم أعرف الناس بالإيمان وأشدهم تمسكاً بالقرآن فضلوا وأضلوا. قوله: ((طوبى لمن قتلهم)) أصله فعلي من الطيب، فلما ضمت الطاء انقلبت الياء واواً، والمعنى أصاب خيراً من قتلهم؛ فإنه غاز وإن قتلوه فإنه شهيد. قوله: ((وليسوا منا في شيء)): ((شف)): هذا القول بعد قوله: ((يدعون إلي كتاب الله)) إرشاد إلي شدة العلاقة بين النبي ﷺ وبين كتاب الله، وإلا فمقتضى التركيب: ليسوا من كتاب الله في شيء. أقول: ولو قيل: ليسوا من كتاب الله في شيء، أوهم أن يكونوا جهالا ليس لهم نصيب من كتاب الله قط كأكثر العوام. وقوله: ((ليسوا منا في شيء)) يدل علي أنهم ليسوا من عداد

стр. 1937

٣٥٤٤ - وعن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، إلا بإحدى ثلاث، زناً بعد إحصان فإنه يرجم، ورجل خرج محارباً لله ورسوله فإنه يقتل أو يصلب أو ينفي من الأرض أو يقتل نفساً فيقتل بها)) رواه أبو داود. [٣٥٤٤] ٣٥٤٥ - وعن ابن أبي ليلي، قال: حدثنا أصحاب محمد ﷺ أنهم كانوا يسيرون مع رسول الله ﷺ ، فنام رجل منهم، فانطلق بعضهم إلي حبل معه، فأخذه، ففزع، فقال رسول الله ﷺ : ((لا يحل لمسلم أن يروع مسلماً)). رواه أبو داود. [٣٥٤٥] ٣٥٤٦ - وعن أبي الدرداء، عن رسول الله ﷺ ، قال: ((من أخذ أرضاً بجزيتها ــ المسلمين، ولا لهم نصيب من الإسلام. وهو ينظر إلي معنى قوله: ((يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)). قوله: ((أولي بالله منهم)) ((شف)): الضمير في ((منهم)) عائد إلي الأمة، أي أن من قاتلهم من أمتي أولي بالله من باقي أمتي. أقول: هذا علي تأويل الوجه الأول في قوله: ((في أمتي اختلاف وفرقة)) أي أهل اختلاف. وأما علي الوجه الثاني فالضمير راجع إلي الفرقة الباطلة، ويكون أفعل كما في قوله تعالي: ﴿أَيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا﴾ وقولهم: العسل أحلي من الخل، فمعناه أن المقاتل أبلغ في الولاية منهم في العداوة. قوله: ((التحليق)) أي علامتهم التحليق، وإنما أتى بهذا البناء إما لتعريف مبالغتهم في الحلق أو لإكثارهم منه. وفيه وجهان، أحدهما: استئصال الشعر من الرأس، وهو لا يدل علي أن الحلق مذموم، فإن الشيم والحلي المحمودة قد يتزين به الخبيث تلبيساً ترويجاً لخبثه وإفساده علي الناس، وهو كوصفهم بالصلاة والصيام. ثإنيهما: أن يراد به تحليق القوم وإجلاسهم حلقاً حلقاً. الحديث الرابع عن عائشة ﵂: قوله: ((يشهد أن لا إله إلا الله)) صفة مميزة لـ ((مسلم)) لا كاشفة، يعني إظهاره الشهادتين كاف في حقن دمه. وقوله: ((محارباً لله)) اللام صلة؛ لأن اسم الفاعل عمله ضعيف، فيؤتي بها توكيداً وهو من قوله تعالي: ﴿إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ الآية. وفي رواية المصابيح ((محارباً بالله)) فالباء زائدة في المفعول به، كقوله تعالي: ﴿ولا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلي التَّهْلُكَةِ﴾.

стр. 1938

فقد استقال هجرته، ومن نزع صغار كافر من عنقه فجعله في عنقه فقد ولي الإسلام ظهره)) رواه أبو داود. [٣٥٤٦] ٣٥٤٧ - وعن جرير بن عبد الله، قال: بعث رسول الله ﷺ سرية إلي خثعم، فاعتصم ناس منهم بالسجود، فأسرع فيهم القتل، فبلغ ذلك النبي ﷺ فأمر لهم بنصف ــ الحديث الخامس والسادس عن أبي الدرداء: قوله: ((بجزيتها)) يحتمل أن يكون صفة لـ ((أرضاً)) أي متلبسة بجزيتها. ((مظ)): معنى الجزية هاهنا الخراج، يعني المسلم إذا اشترى أرضاً خراجية من كافر فإن الخراج لا يسقط عنه. وإلي هذا ذهب أصحاب أبي حنيفة، والخراج عند الشافعي علي وجهين: أحدهما جزية، والآخر بمعنى الكراء والأجرة، فإذا فتحت الأرض صلحاً علي أن أرضها لأهلها، فما وضع عليها من خراج فمجراه مجرى الجزية التي تؤخذ من رءوسهم، فمن أسلم منهم سقط ما عليه من الخراج، كما يسقط ما علي رقبته من الجزية، ولزمه العشر فيما أخرجت أرضه. ويحتمل أن يكون حالاً من الفاعل. ((تو)): أريد بالجزية في الحديث الخراج الذي يوضع علي الأرض التي تترك في يد الذمي فيأخذها المسلم عنه متكفلا بما يلزمه من ذاك. وتسميته بالجزية؛ لأنه يجري في الموضوع علي الأرض المتروكة في أيدي أهل الذمة، مجراها فيما يؤخذ من رءوسهم. وإنما قال: ((فقد استقال هجرته)) لأن المهاجر له الحظ الأوفر والقدح المعلي في مال الفيء يؤخذ من أهل الذمة ويرد عليه، فإذا أقام نفسه في مقام الذمي في أداء ما يلزمه من الخراج، فقد أحل نفسه في ذلك محل من عليه ذلك بعد أن كان له، فصار كالمستقيل عن هجرته بتبخيس حق نفسه. ((قض)): ومن تحمل جزية كافر وتحمل عنه صغاره، فكأنه ولي الإسلام من حيث إنه بذل إعزاز الدين بالتزام ذل الكفر وتحمل صغاره، وللعلماء في صحة ضمان المسلم عن الذمي بالجزية خلاف. ولمن منع أن يتمسك بهذا الحديث. أقول: قوله: ((ومن نزع صغار كافر)) إلي آخره تذييل وهو أن يقطع الكلام بما يعم ويشتمل علي المعنى السابق، وتوكيد لا محل له من الإعراب. وكذلك هنا؛ لأن معنى الأول أخص من الثاني، والثاني مقرر له ومؤكد لمعناه وأعم. فإن قلت: قد تعورف واشتهر أن ضرب الجزية كناية عن الذلة والصغار، فما بال الهجرة كنى بها عن العزة؟ قلت: لأنها مبدأ عزة الإسلام ومنشأ رفعته؛ حيث نصر الله صاحبها بالأنصار وأعز الدين بهم، وفل شوكة المشركين وقطع شأفتهم واستأصلها. الحديث السابع عن جرير ﵁: قوله: ((بنصف العقل)) ((مظ)): إنما لم يكمل لهم الدية بعد علمه ﷺ بإسلامهم؛ لأنهم أعانوا علي أنفسهم بمقامهم بين ظهرإني الكفار، فكانوا كمن هلك بجناية نفسه وجناية غيره فتسقط حصة جنايته من الدية. ((تو)): قوله: ((أنا بريء)) يحتمل أن يكون المراد منه البراءة من دمه، وأن تكون البراءة من موالاته.

стр. 1939

العقل، وقال: ((أنا بريء من كل مسلم مقيم بين أظهر المشركين)) قالوا: يا رسول الله! لم؟ قال: ((لا تتراءى ناراهما)) رواه أبو داود. [٣٥٤٧] ٣٥٤٨ - وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: ((الإيمان قيد الفتك، لا يفتك مؤمن)) رواه أبو داود. [٣٥٤٨] ــ قوله: ((لا تتراءى ناراهما)) هو علة لبراءته ﷺ منهم، يعني لا يصح ولا يستقيم للمسلم أن يساكن الكافر ويقترب منه، ولكن يبعد بحيث لا تتراءى ناراهما، فهو كناية عن البعد البعيد. وذكروا فيه وجوهاً: أولها: قال أبو عبيدة: أي لا ينزل المسلم بالموضع الذي يرى ناره المشرك إذا أوقد، ولكنه ينزل مع المسلمين في دراهم؛ لأن المشرك لا عهد له ولا أمان. وثإنيها: قال أبو الهيثم: لا يتسم المسلم بسمة المشرك ولا يتشبه به في هديه وشكله، ولا يتخلق بأخلاقه من قولك: ما نار نعمك أي ما سمتها. وثالثها: قال أبو حمزة: أي لا يجتمعان في الآخرة لبعد كل منهما عن صاحبه. ورابعها: قال في الفائق: معناه يجب عليهما أن يتباعد منزلاهما بحيث إذا أوقدت فيهما ناران لم تلج إحداهما للأخرى. وإسناد التراءى إلي النار كقولهم: دور بني فلان متناظرة. والتراءى تفاعل من الرؤية، يقال: تراءى القوم، إذا رأي بعضهم بعضاً. وخامسها: قال القاضي: أي ينبغي أن لا يسكن مسلم حيث كافر ولا يدنو منه حيث تتقابل نارهما وتقرب إحداهما من الأخرى، حتى يرى كل منهما نار الآخر، فنزل رؤية الموقد منزلة رؤيتها إن كان لها، وهو من قول أبي عبيدة. وسادسها: قال التوربشتي: أراد نار الحرب، أي هما علي طرفين متباعدين؛ فإن المسلم يحارب لله ورسوله مع الشيطان وحزبه، ويدعو إلي الله بحزبه، والكافر يحارب الله ورسوله ويدعو إلي الشيطان، فكيف يتفقان ويصلح أن يجتمعان. ((مظ)): فيه دليل علي أن المسلم إن كان أسيراً في أيدي الكفار، وأمكنه الخلاص والانفلات منهم، لم يحل له المقام معهم، وإن حلفوه أن لا يخرج كان الواجب أن يخرج إلا أنه إن كان مكرهاً علي اليمين لم تلزمه الكفارة. الحديث الثامن عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((قيد)) أي منع. ((نه)): أي أن الإيمان يمنع من الفتك كما يمنع القيد عن التصرف، فكأنه جعل الفتك مقيداً. ومنه قولهم في صفة الفرس: هو قيد الأوابد يريدون أنه يلحقها بسرعة، فكأنها مقيدة لا تعدو والفتك أن يأتي الرجل صاحبه وهو عار غافل فيشتد عليه فيقتله. والغيلة أن يخدعه ثم يقتله في موضع خفي. قوله: ((لا يفتك)) ((تو)): هو خبر معناه النهي أي لا يفعل ذلك؛ لأنه محرم عليه وهو ممنوع عنه، ويجوز فهي الجزم علي النهي، ومن الناس من يتوهم أنه علي بناء المفعول فيرويه كذلك، وليس بقويم رواية ومعنى.

стр. 1940

فإن قيل: قد بعض رسول الله ﷺ محمد بن مسلمة الخزرجي في نفر إلي كعب بن الأشرف فقتلوه، وبعث عبد الله بن عتيك الأوسي في نفر إلي رافع، وعبد الله بن إنيس الجهني إلي سفيان بن خالد، فكيف التوفيق بين هذا الحديث، وبين تلك القضايا التي أمر بها؟ قلت: يحتمل أن النهي عن الفتك كان بعدها وهو الأظهر، لأن أولاها كانت في السنة الثالثة، والثانية في الرابعة، والثالثة بعد الخندق في الخامسة، وإسلام أبي هريرة كان عام خيبر في السابعة. ويحتمل أن يكون ذلك خصيصي لرسول الله ﷺ لما أيده من العصمة ويحتمل أن تكون تلك القضايا بأمر سماوي؛ لما ظهر من المقتولين من الغدر برسول الله ﷺ والتعرض له بما لا يجوز ذكره من القول والمبالغة في الأذية والتحريض عليه. واختار القاضي هذا الوجه ولخصه، وقال: المعنى أن الإيمان منع ذلك وحرمه فلا ينبغي للمؤمن أن يفعله، لأن المقصود به إن كان مسلماً فظاهر، وإن كان كافراً فلابد من تقديم تدبير واستتابة، إذ ليس المقصود بالذات قتله، بل الاستكمال والحمل علي الإسلام علي ما يمكن، هذا إذا لم يدع إليه داع، فإن كان كما إذا علم أنه مصر علي كفره حريص علي قتل المسلمين منتهز للفرص منهم، وأن دفعه لا يتيسر إلا بهذا فلا حرج فيه. أقول: هذا هو الوجه، والذهاب إلي النسخ والتخصيص بعيد، لأن الظاهر يقتضي أن تذكر الجملة الأولي بعد الأخرى، فإن التعليل مؤخر عن المعلل، لكن قدمت اعتباراً للرتبة وبياناً لشرف الإيمان، وأن من خصائصه وخصائل أهله النصيحة لكل أحد حتى الكفار، كما ورد ((الدين النصيحة)) فعلي من اتصف بصفة الإيمان أن يتحلي بها ويجتنب عن صفة العتاة والمردة من الفتك، فإذا الكلام جار علي أصالة الإيمان، وذكر المؤمن تابع له، فإذا أخر كان بالعكس، فعلي هذا لا يفتقر في الحديث إلي إلزام النسخ والتكليف فيه من جهة المعإني. وأما من جهة البيان، فإن التركيب من الاستعارة التمثيلية؛ فإنه ﷺ شبه العادة المستمرة والشريعة الثابتة في الجاهلية من الفتك والغيلة، في اطرادها وإطلاقها بالوحوش الأوابد والإبل الشوارد، وشبه الإسلام بالخيل السوابق والجياد العواتق، وشبه نسخه لتلك الشريعة الباطلة وهدمه لتلك القاعدة الزائغة بالقيد علي تلك الأوابد. قال امرؤ القيس: بمنجرد قيد الأوابد هيكل ثم أدخل صورة المشبه في جنس صورة المشبه به ثم حذف المشبه به وجعل القرينة الدالة عليه ما يخص المشبه به من القيد، فإذا كان الشأن هذا فكيف يذهب إلي جعل الفتك من خصائص من بعث لإتمام مكارم الأخلاق، وقلع رذائلها من سنحها صلوات الله وسلامه عليه؟ والحديث من جوامع الكلم التي خص بها هذا النبي الكريم ﷺ عرفه من ذاق معرفة خواص التركيب، واعتلي ذروة علم المعإني، وامتطى غارب علم البيان. والله أعلم.

стр. 1941

٣٥٤٩ - وعن جرير، عن النبي ﷺ ، قال: إذا أبق العبد إلي الشرك فقد حل دمه)). رواه أبو داود. [٣٥٤٩] ٣٥٥٠ - وعن علي ﵁، أن يهودية كانت تشتم النبي ﷺ وتقع فيه، فخنقها رجل حتى ماتت، فأبطل النبي ﷺ دمها. رواه أبو داود. [٣٥٥٠] ٣٥٥١ - وعن جندب، قال: قال رسول الله ﷺ : ((حد الساحر ضربة بالسيف)). رواه الترمذي. [٣٥٥١] ــ الحديث التاسع عن جرير: قوله: ((إلي الشرك)) ((نه)): أي إذا هرب مملوك إلي دار الشرك فظفر أحد من المسلمين بقتله فلا شيء عليه، فإن لم يرتد عن دينه فقد فعل ما يهدر به دمه من جواره المشتركين وتركه دار الإسلام، وقد سبق أنه لا تتراءى ناراهما. الحديث العاشر عن علي ﵁: قوله: ((وتقع فيه)) عداه بـ ((في)) لتضمين معنى الطعن. ((نه)). يقال: وقعت فيه إذا اغتبته وذممته. ((مظ)): وفيه أن الذمي إذا لم يكف لسانه عن الله ورسوله ودينه، فهو حربي مباح الدم. الحديث الحادي عشر عن جندب: قوله: ((ضربة السيف)) يروي بالتاء والهاء والثاني أولي، وكان من الظاهر أن يقال: حد الساحر القتل فعدل إلي ما هو عليه تصويراً له، وأن لا يتجاوز منه إلي أمر آخر. ((حس)): اختلفوا في قتله، فذهب جماعة من الصحابة وغيرهم إلي أنه يقتل، روى عن حفصة ﵂: أن جارية لها سحرتها فأمرت بها فقتلت. وروى أن عمر ﵁: كتب أن اقتلوا كل ساحر وساحرة. قال الراوي: فقتلنا ثلاث سواحر، وعند الشافعي ﵀ يقتل إن كان الذي يسحر به كفرا إن لم يتب فإن لم يبلغ عمله الكفر فلا يقتل، وتعلم السحر ليس كفراً عنده، إلا أن يعتقد قلب الأعيان. ((قض)): الساحر إذا لم يتم سحره إلا بدعوة كوكب أو شيء يوجب كفراً يجب قتله، لأنه استعان في تحصيله بالتقرب إلي الشيطان مما لا يستقل به الإنسان، وذلك لا يتسب إلا لمن يناسبه في الشرارة وخبث النفس فإن التناسب شرط في النظام والتعاون، وبهذا يميز الساحر عن النبي والولي. وأما ما يتعجب منه كما يفعله أصحاب الحيل بمعونة الآلات والأدوية، أو يريه صاحب خفة اليد فغير حرام. وتسميته سحراً علي التجوز؛ لما فيه من الدقة، لأنه في الأصل مما خفي سببه. ((مح)): يحرم فعل السحر بالإجماع. وأما تعليمه وتعلمه ففيه ثلاثة أوجه: الصحيح الذي قطع به الجمهور أنهما حرامان، والثاني مكروهان، والثالث مباحان. وقال أيضاً: اعلم أن التكهن وإتيان الكهان، والتنجيم، والضرب بالرمل، والشعير بالحصى، وبالشعبدة

стр. 1942

الفصل الثالث ٣٥٥٢ - عن أسامة بن شريك، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أيما رجل خرج يفرق بين أمتي فاضربوا عنقه)). رواه النسائي. [٣٥٥٢] ٣٥٥٣ - وعن شريك بن شهاب، كنت أتمنى أن ألقى رجلاً من أصحاب النبي ﷺ أسأله عن الخوارج، فلقيت أبا برزة في يوم عيد في نفر من أصحابه، فقلت له: هل سمعت رسول الله ﷺ يذكر الخوارج؟ قال: نعم، سمعت رسول الله ﷺ بأذني، ورأيته بعيني: أتى رسول الله ﷺ بمال فقسمه، فأعطى من عن يمينه ومن عن ــ وتعليمها حرام. وأخذ العوض عليها حرام بالنص الصحيح في حلوان الكاهن، واعلم أن وراء العلوم الشرعية أشياء تسمى علوماً، منها حرام ومكروه ومباح، فالمحرم كالفلسفة والشعبدة، والرمل وعلوم الطبيعيين، وكذا السحر علي الصحيح، وتتفاوت درجات تحريمه، والمكروه كأشعار المولدين المشتملة علي الغزل والبطالة، والمباح كأشعارهم التي ليس فيها سخف، ولا ما ينشط إلي الشر ولا يثبط من الخير. الفصل الثالث الحديث الأول عن أسامة: قوله: ((خرج يفرق)) فيه شائبة من معنى أفعال المقاربة أي جعل يفرق، أو هو مطاوع خرجته فخرج أي مهر من صنعة التفريق بين المسلمين، فعلي هذا ((يفرق)) حال. ((مح)): فيه الأمر بقتال من خرج علي الإمام، أو أراد تفريق كلمة المسلمين ونحو ذلك، فينبغي أن ينهي أولا وإن لم ينته قوتل، فإن لم يندفع شره إلا بقتله فقتله كان هدراً. الحديث الثاني عن شريك: قوله: ((أسأله)) إما صفة ((رجلا)) أو حال منه لوصفه، وقوله: ((يذكر الخوارج)) حال مزال عن كونه مضافاً إلي رسول الله ﷺ ، تقديره: سمعت ذكر رسول الله ﷺ الخوارج، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، ثم جيء بعده بـ ((يذكر)) جملة حالية دلالة علي المحذوف، وقوله: ((أتى رسول الله ﷺ بمال)) إلي آخره حال من مفعول ((رأيته)) أي رأيته في حالة كونه مأتيا بمال، وكل من ذكر قوله: ((بأذني وبعيني)) وتكرير رسول الله ﷺ إيذان بتحقيق الأمر وتثبته في الرواية، وأنها مما لا يستراب فيه: قوله ((رجل أسود)) خبر مبتدأ محذوف وارد علي الذم والشتم؛ لأن دمامة الصورة تدل علي خباثة السريرة. قوله: ((مطموم الشعر)) ((نه)): يقال: طم شعره جذه واستأصله. قوله: ((بعدي)) أي متجاوزاً عني. المغرب: يقولون: وإن كان ليس بالذي لا يعدله يعني ليس بنهاية في الجود، وكأنهم أخذوا من قولهم: هذا ليس مما ليس بعده غاية في الجود،

стр. 1943

شماله، ولم يعط من وراءه شيئاً. فقام رجل من ورائه فقال: يا محمد! ما عدلت في القسمة. رجل أسود مطموم الشعر، عليه ثوبان أبيضان، فغضب رسول الله ﷺ غضباً شديداً وقال: ((والله لا تجدون بعدي رجلاً هو أعدل مني)) ثم قال: ((يخرج في آخر الزمان قوم كأن هذا منهم، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، سيماهم التحليق، لا يزالون يخرجون، حتى يخرج آخرهم مع المسيح الدجال، فإذا لقيتموهم، هم شر الخلق والخليقة)). رواه النسائي. [٣٥٥٣] ٣٥٥٤ - وعن أبي غالب، رأي أبو أمامة رءوساً منصوبةً علي درج دمشق، فقال أبو أمامة: ((كلاب النار، شر قتلي تحت أديم السماء، خير قتلي من قتلوه)) ثم قرأ ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وجُوهٌ وتَسْوَدُّ وجُوهٌ﴾ الآية. قيل لأبي أمامة: أنت سمعت من رسول الله ﷺ ؟ قال: لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين أو ثلاثاً حتى عد سبعاً ما حدثتكموه. رواه الترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن. [٣٥٥٤] ــ وربما اختصر الكلام فقالوا: ليس بعده، ثم أدخل عليه ((لا)) النافية للجنس، واستعملوه استعمال الاسم المتمكن انتهي كلامه. وقوله: ((كأن هذا منهم)) أي من شيعتهم ومقتفي سيرتهم، كقوله تعالي: ﴿الْمُنَافِقُونَ والْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضٍ﴾. وقوله: ((هم شر الخلق)) جزاء للشرط، وإنما لم يؤت بالفاء؛ لأن الشرط ماض، كذا قال أبو البقاء في قوله تعالي: ﴿وإنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ ومع هذا لابد من التأويل، أي فإذا لقيتموهم فاعلموا أنهم شرار خلق الله تعالي فاقتلوهم، كما قال: ((طوبى لمن قتلهم وقتلوه)). ووجه آخر أن يكون الجزاء محذوفاً والجملة بعده استئنافية لبيان الموجب، وعطف قوله: ((الخليقة)) علي ((الخلق)) ولابد من المغايرة فلا يحمل الشر علي التفضيل مبالغة، أي هم شر سجية وشر خلقاً، وفي عكسه: ((اللهم كما حسنت خلقي حسن خلقي)). الحديث الثالث عن أبي غالب: قوله: ((علي درج دمشق)) الجوهري: قولهم: حل درج الضب أي طريقه والجمع الأدراج. وقولهم: رجعت أدراجي أي رجعت في الطريق الذي جئت منه، والدرجة المرقاة والجمع الدرج، ولعل المراد في الحديث هذا القول؛ لقوله: ((منصوبة)). وقوله: ((كلاب النار)) خبر مبتدأ محذوف، ((وشر قتلي)) يجوز أنه خبر مبتدأ محذوف، أو خبر بعد خبر أو بدل، وقوله ((خير قتلي)) مبتدأ و ((من قتلوه)) خبره، وكان من الظاهر العكس ففعل اهتماماً، كقول الشاعر:

стр. 1944

كتاب الحدود الفصل الأول ٣٥٥٥ - عن أبي هريرة، وزيد بن خالد: أن رجلين اختصما إلي رسول الله ﷺ ، فقال أحدهما: اقض بيننا بكتاب الله وقال الآخر: أجل يا رسول الله! فاقض بيننا بكتاب الله، وائذن لي أن أتكلم. قال: ((تكلم)) قال: إن ابني كان عسيفاً علي هذا، ــ ألا إن خير الناس حياً وميتاً أسير ثقيف عندها في السلاسل و ((أديم السماء)) وجهها كما يسمى وجه الأرض أديماً قوله: ثم قرأ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وجُوهٌ﴾ لمح به إلي التفصيل في قوله تعالي: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إيمَانِكُمْ﴾ فيقال لهم: أكفرتم؟ والهمزة للتوبيخ والتعجب من حالهم، فقيل: هم المرتدون، وقيل: هم أهل البدع والأهواء، وعن أبي أمامة: هم الخوارج. والله أعلم بالصواب. كتاب الحدود ((غب)): الحد الحاجز بين الشيئين الذي يمنع اختلاط أحدهما بالآخر، وحد الزنى والخمر سمى به لكونه مانعاً لمتعاطيه عن معادوة مثله، ومانعاً لغيره أن يسلك مسلكه. الفصل الأول الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((إن ابني كان عسيفاً علي هذا)) ((تو)): العسيف الأجير، وإنما قال: ((علي هذا)) لما يتوجه للأجير علي المستأجر من الأجرة، بخلاف مالو قال: عسيفاً لهذا؛ لما يتوجه للمستأجر عليه من الخدمة والعمل. أقول: يريد أن قوله: ((علي هذا)) صفة مميزة لـ ((أجير)) أي أجير ثابت الأجرة عليه، وإنما يكون كذلك إذا لابس العمل وأتمه، ولو قيل: لهذا، لم يكن كذلك. قوله: ((فاقض)) الفاء جزاء شرط محذوف، أي إذا اتفقت معه بما عرض علي جنابك فاقض، فوضع كلمة التصديق موضع الشرط. قوله: ((بكتاب الله)) ((قض)): أي بحكمه، إذ ليس في القرآن الرجم، قال تعالي: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ﴾ أي الحكم بأن يؤاخذ علي جهالة، ويحتمل أن يراد به القرآن، وكان ذلك قبل أن تنسخ آية الرجم لفظاً، وإنما سأل المترافعان أن يحكم بينهما بحكم الله، وهما يعلمان أنه لا يحكم إلا بحكم الله، ليفصل بينهم بالحكم الصرف، لا بالنصائح والترغيب فيما هو الأرفق بهما؛ إذ للحاكم أن يفعل ذلك ولكن برضا الخصمين. والحديث يدل علي

стр. 1945

فزنى بامرأته، فأخبروني أن علي ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة وجارية لي، ثم إني سألت أهل العلم، فأخبروني أن علي ابني جلد مائة وتغريب عام، وإنما الرجل علي امرأته. فقال رسول الله ﷺ : ((أما والذي نفسي بيده، لأقضين بينكما بكتاب الله، أما غنمك وجاريتك فرد عليك، وأما ابنك؛ فعليه جلد مائة، وتغريب عام، وأما أنت يا إنيس! فاغد إلي امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها)) فاعترفت، فرجمها. متفق عليه. ٣٥٥٦ - وعن زيد بن خالد، قال: سمعت النبي ﷺ يأمر فيمن زنى ولم يحصن، جلد مائة وتغريب عام، رواه البخاري. ــ جواز الإفتاء في زمانه، فإن أبا الزإني قال: ((سألت أهل العلم فأخبروني أن علي ابني جلد مائة وتغريب عام))، وأن الرسول ﷺ لم ينكر عليه، وأن حد البكر جلد مائة وتغريب عام، وأن حضور الإمام ليس بشرط في إقامتها؛ فإنه ﷺ بعث إنيس بن ضحاك الأسلمي لها، وأن الاستبانة فيها جائزة. ((حس)): فيه جواز أن للحاكم أن يبدأ بسماع كلام أي الخصمين شاء. وفي قوله: ((فرد عليك)) دليل علي أن المأخوذ بحكم البيع الفاسد والصلح الفاسد مستحق الرد علي صاحبه غير مملوك للآخذ. وفيه أن من أقر بالزنا علي نفسه مرة يقام الحد عليه، ولا يشترط فيه التكرار كما لو أقر بالسرقة مرة واحدة يقطع، ولو أقر بالقتل مرة واحدة يقتص منه، وإليه ذهب الشافعي. وقال أصحاب أبي حنيفة: ينبغي أن يقر أربع مرات في أربعة مجالس، فإذا أقر أربع مرات في مجلس واحد فهو كإقرار واحد. ((مح)): قالوا: إن بعث إنيس إليها محمول علي إعلامها، بأن أبا العسيف قذفها بابنه فيعرفها بأن لها عنده حد القذف، هل هي طالبة به أم تعفو عنه أو تعترف بالزنا فإن اعترفت فلا يحد القاذف وعليها الرجم، لما كانت محصنة. ولابد من هذا التأويل؛ لأن ظاهره أنه بعث لطلب إقامة حد الزنا وتحسيسه، وهذا غير مراد؛ لأن حد الزنا لا يتحسس ولا ينقر عنه، بل لو أقر به الزإني استحب أن يلقن الرجوع. كما سيجيء. وفيه أنه يستحب للقاضي أن يصبر علي قول أحد الخصمين: اقض بالحق، ويجوز ذلك إذا تعدى عليه خصمه ونحو ذلك. والله أعلم. الحديث الثاني عن زيد: قوله: ((ولم يحصن)) ((نه)): الإحصان المنع، والمرأة تكون محصنة بالإسلام والعفاف والحرية والتزويج، يقال: أحصنت المرأة فهي محصنة ومحصنة، وكذلك الرجل، والمحصن بالفتح يكون بمعنى الفاعل والمفعول وهو أحد الثلاثة التي جئن نوادراً، يقال: أحصن فهو محصن، وأسهب فهو مسهب، وألفح فهو ملفح. ((حس)): هو الذي اجتمع فيه أربع شرائط: العقل، والبلوغ، والحرية، والإصابة في النكاح الصحيح.

стр. 1946

٣٥٥٧ - وعن عمر [﵁]، قال: إن الله بعث محمداً بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله تعالي آية الرجم، رجم رسول الله ﷺ ، ورجمنا بعده، والرجم في كتاب الله حق علي من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف. متفق عليه. ٣٥٥٨ - وعن عبادة بن الصامت، أن النبي ﷺ قال: ((خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم)). رواه مسلم. ــ الحديث الثالث عن عمر ﵁: قوله: ((آية الرجم)) اسم ((كان)) و ((من)) التبعيضية في ((مما أنزل)) خبره، وإنما جعل قوله: ((إن الله بعث محمداً بالحق وأنزل عليه الكتاب)) مقدمة للكلام ورفعاً للريبة ودفعاً للتهمة، يدل عليه قوله في تمام هذا الحديث بعد قوله: ((ورجمنا بعده)) ((فأخشى إن طال بالناس زمن أن يقولوا: ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله؛ فإن الرجم في كتاب الله حق))، وفي آخره ((وايم الله لولا أن يقول الناس زاد في كتاب الله لكتبتها)) أخرجه الأئمة إلا النسائي، وفي رواية ابن ماجه: وقد قرأ بها ((الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة)). الحديث الرابع عن عبادة: قوله: ((قد جعل الله لهن سبيلا)) ((تو)): كان هذا القول حين شرع الحد في الزإني والزإنية، والسبيل هاهنا الحد؛ لأنه لم يكن مشروعاً ذلك الوقت، وكان الحكم فيه ما ذكر في كتاب الله ﴿واللَاّتِي يَأْتِينَ الفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ المَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً﴾. أقول: التكرير في قوله: ((خذوا عني)) يدل علي ظهور أمر قد خفي شأنه واهتم بيانه؛ فإن قوله: ((قد جعل الله لهن سبيلا)) مبهم في التنزيل، ولم يعلم ما تلك السبيل؟ أي الحد الثابت في حق المحصن وغيره، فقوله: ((البكر بالبكر)) إلي آخره بيان لمبهم وتفصيل للمجمل وعلي طريقة الاستئناف مصداقاً لقوله تعالي: ﴿وأَنزَلْنَا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ ولَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ والتقسيم حاصر من حيث المفهوم؛ لأن اللاتي يأتين الفاحشة لا يخلو إما أن تكون بكراً أو ثيباً، والأولي إما زنت بالبكر أو بالثيب، والثانية أيضاً كذلك، فبين في الحديث ما حد البكر بالبكر والثيب بالثيب، وترك ذكر الثيب مع البكر لظهوره، ولحديث عسيف علي ما سبق. ((مح)): اختلفوا في هذه الآية، فقيل: هي محكمة وهذا الحديث مفسر لها. وقيل: منسوخة بالآية التي في أول سورة النور. وقيل: إن آية النور في البكرين وهذه الآية في الثيبين.

стр. 1947

٣٥٥٩ - وعن عبد الله بن عمر: أن اليهود جاءوا إلي رسول الله ﷺ فذكروا له أن رجلاً منهم وامرأة زنيا فقال لهم رسول الله ﷺ : ((ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟)) قالوا: نفضحهم ويجلدون. قال عبد الله بن سلام: فيها الرجم. فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهما يده علي آية الرجم، فقرأ الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال عبد الله بن سلام: ارفع يدك فرفع، فإذا فيها آية الرجم. فقالوا: صدق يا محمد فيها آية الرجم. فأمر بهما النبي ﷺ فرجما. وفي رواية: قال: ارفع يدك، فرفع فإذا فيها آية الرجم تلوح، فقال: يا محمد إن فيها آية الرجم، ولكنا نتكاتمه بيننا، فأمر بهما فرجما. متفق عليه. ــ قوله: ((البكر بالبكر)) مبتدأ و ((جلد مائة)) خبره، أي حد زنا البكر جلد مائة ((مح)): هو ليس علي سبيل الاشتراط، بل حد البكر الجلد والتغريب سواء زنى ببكر أو ثيب، وحد الثيب الرجم، سواء زنى بثيب أو ببكر، فهو شبيه بالتقييد الذي يخرج علي الغالب. واعلم أن المراد بالبكر من الرجال والنساء من لم يجامع في نكاح صحيح، وهو حر بالغ عاقل سواء جامع بوطء شبهة، أو نكاح فاسد أو غيرهما. والمراد بالثيب عكس ذلك سواء في كل ذلك، المسلم والكافر والرشيد والمحجوز عليه بسفه. وأجمعوا علي وجوب جلد الزإني البكر مائة، ورجم المحصن وهو الثيب. واختلفوا في جلد الثيب مع الرجم، فقالت طائفة: يجلد ثم يرجم. وبه قال علي ﵁ والحسن والحسين وإسحاق، وداود وأهل الظاهر، وبعض أصحاب الشافعي. وقال الجمهور: الواجب الرجم وحده، واحتجوا بأن النبي ﷺ اقتصر علي رجم الثيب في أحاديث كثيرة، منها قضية ماعز، وقضية المرأة الغامدية، وقضية المرأة مع العسيف, وحديث الجمع بين الجلد والرجم منسوخ، لأنه كان في بدء الأمر. وأما تغريب عام ففيه حجة للشافعي والجماهير، أنه يجب نفي سنة رجلاً كان أو امرأة. وقال الحسن: لا يجب النفي. وقال مالك والأوزاعي: لا نفي علي النساء، وروى مثله عن علي ﵁. قالوا: لأنها عورة، وفي نفيها تضييع لها وتعريض للفتنة، وأما العبد والأمة ففيهما أقوال للشافعي، وأصحها تغريب نصف سنة. الحديث الخامس عن عبد الله: قوله: ((نفضحهم ويجلدون)) أي لا نجد في التوراة حكم الرجم بل نجد أنا نفضحهم ويجلدون. وإنما أتى أحد الفعلين مجهولا والآخر معروفاً؛ ليشعر بأن الفضيحة كانت موكولة إليهم وإلي اجتهادهم، أن شاءوا [سخموا] وجه الزإني بالفحم أو عزوره، والجلد لم يكن كذلك. ((مح)): فيه دليل لوجوب حد الزنى علي الكافر، وأنه يصح نكاحه، وإنما علي المحصن الرجم ولا يجلد مع الرجم، إذ لو لم يصح نكاحه لم يثبت إحصانه ولم يرجم. وفيه أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع، وأن الكفار إذا تحاكموا إلينا يحكم القاضي بينهم بحكم

стр. 1948

٣٥٦٠ - وعن أبي هريرة: قال: أتى النبي ﷺ رجل وهو في المسجد، فناداه: يا رسول الله! إني زنيت، فأعرض عنه النبي ﷺ ، فتنحى لشق وجهه الذي أعرض قبله فقال: إني زنيت فأعرض عنه النبي ﷺ فلما شهد أربع شهادات دعاه النبي ﷺ فقال: ((أبك جنون؟)) قال: لا. فقال: ((أحصنت)) قال: نعم يا رسول الله! قال: ((اذهبوا به فارجموه)) قال ابن شهاب: فأخبرني من سمع جابر بن عبد الله يقول: فرجمناه بالمدينة، فلما أذلقته الحجارة هرب حتى أدركناه بالحرة، فرجمناه حتى مات. متفق عليه. ــ شرعنا. قالوا: سؤاله ﷺ ((ما تجدون في التوارة)): ليس لتقليدهم ولا لمعرفة الحكم منهم، وإنما هو لإلزامهم ما يعتقدونه في كتابهم، ولإظهار ما كتموه من حكم التوارة، وأرادوا تعطيل نصها ففضحهم بذلك، ولعله ﷺ قد أوحى إليه أن الرجم في التوراة موجود في أيديهم، لم يغيروه كما غيروا أشياء، أو أخبر بذلك من أسلم منهم. فإن قيل: كيف رجمهما بما ذكرت اليهود من قولهم: إن رجلا منهم وامرأة زنيا، إذ لا اعتبار بشهادتهم؟ قلنا: الظاهر أنهما أقرا بذلك أو شهد عليهما أربعة من المسلمين؛ لاحتمال ما جاء في سنن أبي داود وغيره: ((أنه شهد عليهما أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها)). الحديث السادس عن أبي هريرة ﵁: ((فتنحى لشق وجهه)) ((حس)): أي قصد الجهة التي إليها وجهه ونحا نحوها من قولك: نحوت الشيء أنحوه. قوله: ((أربع شهادات)) ((شف)) أي أقر علي نفسه أربع مرات، كأنه شهد علي نفسه بإقراره بما يوجب الحد. قوله: ((أذلقته الحجارة)) ((فا)): أذلقه فذلق إذا أجهده حتى تفلق، وأذلقت الضب إذا صببت الماء في حجره ليخرج، والسنان المزلق الذي نفذ حتى صار نافذاً ماضياً أي مسته الحجارة بحدة طرفها. ((حس)): يحتج بهذا الحديث من يشترط التكرار في الإقرار بالزنا حتى يقام عليه الحد، ويحتج أبو حنيفة بمجيئه من الجوانب الأربعة علي أنه يشترط أن يقر أربع مرات في أربع مجالس، ومن لم يشترط التكرار قال: إنما رده مرة بعد أخرى لشبهة داخلة في أمره، ولذلك سأل فقال: ((أبك جنون؟)) فأخبر أن ليس به جنون، قال: ((أشربت خمراً؟)) فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح الخمر، فقال: ((أزنيت؟)) قال: نعم فأمر به فرجم. فرده مرة بعد أخرى للكشف عن حاله لا أن التكرار فيه شرط. وفيه دليل علي أن المرجوم لا يشد ولا يربط ولا يجعل في الحفرة، لأنه لو كان شيء من ذلك لم يمكنه الفرار والهرب. واختلفوا فيه، فقال قوم: لا يحفر مطلقاً. وقيل: يحفر للمرأة لا للرجل. ((مح)): إنما قال: ((أبك جنون؟)) لتحقق حاله؛ فإن الغالب أن الإنسان لا يصبر علي إقرار ما يقتضى إهلاكه، مع أن له طريقاً إلي سقوط الإثم بالتوبة، وهذا مبالغة في تحقيق حال المسلم

стр. 1949

وفي رواية للبخاري: عن جابر بعد قوله: قال: نعم فأمر به فرجم بالمصلي، فلما أذلقته الحجارة فر فأدرك، فرجم حتى مات. فقال له النبي ﷺ خيراً وصلي عليه. ٣٥٦١ - وعن ابن عباس، قال: لما أتى ماعز بن مالك النبي ﷺ فقال له: ((لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت؟)) قال: لا يا رسول الله! قال: ((أنكتها؟)) لا يكنى، قال: نعم، فعند ذلك أمر برجمه. رواه البخاري. ٣٥٦٢ - وعن بريدة، قال: جاء ماعز بن مالك إلي النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ــ وصيانة دمه. وفيه إشارة إلي أن إقرار المجنون باطل، وأن الحدود لا تجري عليه. وفي سؤاله ((أحصنت؟)) إشارة إلي أن علي الإمام أن يسأل عن شرط الرجم من الإحصان وغيره، سواء ثبت بالإقرار أم بالبينة. وفيه مؤاخذة الإنسان بإقراره. وفيه تعريض بالعفو عن حد الزنا إذا رجع عن الإقرار. وفيه دليل علي أن الرجم كاف ولا يجلد. قوله: ((فرجم بالمصلي)) ((مح)): قالوا: المراد به مصلي الجنائز، ويشهد له الرواية الأخرى ((في بقيع الغرقد))، وهو موضع الجنائز بالمدينة. قال البخاري: فيه دليل علي أن مصلي الجنائز والأعياد إذا لم يجعل مسجداً لا يثبت له حكم المسجد؛ إذ لو كان له حكمه لاجتنب الرجم فيه لتلطخه بالدماء. وقال الدارمي من أصحابنا: إن مصلي العيد وغيره إذا لم يكن مسجداً هل يثبت له حكم المسجد؟ فيه وجهان: أصحهما ليس له حكم المسجد. قوله: ((أدركناه بالحرة)) ((مح)): اختلفوا في المحصن إذا أقر بالزنا، وشرعوا في رجمه فهرب هل يترك أم يتبع ليقام عليه الحد؟ قال الشافعي وأحمد وغيرهما: يترك ولكن يستقال له، فإن رجع عن الإقرار ترك، وإن أعاده رجم، واحتجوا بما جاء في رواية أبي داود أن النبي ﷺ قال: ((هلا تركتموه فلعله يتوب، فيتوب الله عليه))، وقال مالك وغيره: إنه يتبع ويرجم، لأن النبي ﷺ لم يلزمهم ديته مع أنهم قتلوه بعد هربه، وأجيب عن هذا بأنه لم يصرح بالرجوع، وقد ثبت عليه الحد. الحديث السابع عن ابن عباس ﵄: قوله: ((أنكتها)) مقول القول و ((لا يكنى)) حال، أي قال ذلك مصرحاً غير [مكنى] عنه، وهذا التصريح تصريح في استحباب التعريض بالعفو إذا كنى الجإني ولم يصرح. ((مح)): فيه استحباب تلقين المقر بالزنا والسرقة وغيرهما بالرجوع، وبما يعتذر به من شبهة فيقبل رجوعه؛ لأن الحدود مبنية علي المساهلة والدرء، بخلاف حقوق الآدميين وحقوق الله تعالي المالية كالزكاة والكفارة وغيرهما؛ فإنه لا يجوز التلقين فيها. الحديث الثامن عن بريدة: قوله: ((فرجع غير بعيد)) أي غير زمان بعيد لقوله تعالي: ﴿فَمَكَثَ

стр. 1950

طهرني فقال: ((ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه)) قال: فرجع غير بعيد، ثم جاء فقال: يا رسول الله! طهرني. فقال النبي ﷺ مثل ذلك، حتى إذا كانت الرابعة قال له رسول الله ﷺ ((فيم أطهرك؟)) قال: من الزنا. قال رسول الله ﷺ : ((أبه جنون؟)) فأخبر أنه ليس بمجنون. فقال: ((أشرب خمراً؟)) فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر. فقال: ((أزنيت؟)) قال: نعم فأمر به فرجم، فلبثوا يومين، أو ثلاثة، ثم جاء رسول الله ﷺ فقال: ((استغفروا لماعز بن مالك، لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم)) ثم جاءته امرأة من غامد من الأزد، فقالت: يا رسول الله طهرني. ــ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أي غير زمان بعيد، كقولك: عن قريب. قوله: ((ويحك)) ((نه)): ويح كلمة ترحم وتوجع، يقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها، وقد تقال بمعنى المدح والتعجب، وهي منصوبة علي المصدر، وقد ترفع وتضاف ولا تضاف، يقال: ويح زيد ويحاً له وويح له. قوله: ((فيم أطهرك)) وفي نسخ المصابيح ((مم أطهرك؟)) والرواية الأولي في صحيح مسلم وكتاب الحميدي. ((مح)): ((فيم)) بالفاء والياء التحتإنية بنقطتين في جميع النسخ وهو صحيح، وفيه معنى التسبب. أقول: ((ما)) يسأل بها عن عموم الأحوال، و ((من)) الابتدائية في الجواب مضمن معنى السبب، لأنها لإنشاء الابتداء، فخصت ((ما)) به لتطابقها، كأنه قيل: في أي سبب أطهرك؟ فأجاب بسبب الزنا، ونظيره في المعنى قوله تعالي: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ لأن في قوله: ((من رب السموات)) معنى المالكية، كأنه قيل: لمن السموات والأرض؟ قوله: ((فاستنكه)) الجوهري: استنكهت الرجل فنكه في وجهي ينكه نكهاً، أمرته بأن ينكه ليعلم أشارب هو أم غير شارب؟ والنكهة ريح الفم. قوله: ((لو قسمت بين أمتي لوسعتهم)) أي لكفتهم سعة، يعني توبة تستوجب مغفرة ورحمة تستوعبان جماعة كثيرة من الخلق، يدل عليه قوله في الغامدية: ((لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له)). فإن قلت: فإذن ما فائدة قوله ﷺ : ((استغفروا لماعز؟)) قلت: فائدة قوله: ﴿إذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ والْفَتْحُ - إلي قوله - واسْتَغْفِرْهُ﴾ وقوله تعالي: ﴿إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ فإن الثاني طلب مزيد الغفران وما يستدعيه من الترقي في المقامات والثبات عليها، ومنه قوله تعالي: ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ وقوله: ((إنها حبلي)) جملة مستأنفة بيان لموجب قياسها علي حال ماعز، والعلة غير جامعة، فكأنها قالت: إني غير متمكنة من الإنكار بعد

стр. 1951

فقال: ((ويحك ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه)) فقال: تريد أن ترددني كما رددت ماعز بن مالك: إنها حبلي من الزنا. فقال: ((أنت؟)) قالت: نعم. قال لها: ((حتى تضعي ما في بطنك)) قال: فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت، فأتى النبي ﷺ ، فقال: قد وضعت الغامدية فقال: ((إذن لا نرجمها وندع ولدها صغيراً، ليس له من يرضعه)) فقام رجل من الأنصار، فقال: إلي رضاعة با نبي الله! قال: فرجمها. وفي رواية: أنه قال لها: ((اذهبي حتى تلدي)) فلما ولدت قال: ((اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه)). فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبر. فقالت: هذا يا نبي الله قد فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع الصبي إلي رجل من المسلمين، ثم أمر بها فحفر لها إلي صدرها، وأمر الناس فرجموها. فيقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها، فتنضح ــ الإقرار لظهور الحبل بخلافه، وقوله: ((أنها حبلي)) علي الغيبة حكاية قولها: إني حبلي، يدل عليه قوله ﷺ : ((أنت)) لأنه تقرير لما تكلمت به، وقوله ((حتى تضعي)) غاية لجواب قولها: طهرني أي لم أطهرك حتى تضعي. قوله: ((فكفلها)) ((مح)): أي قام بمئونها ومصالحها، وليس هو من الكفالة التي بمعنى الضمان؛ لأنها غير جائزة في حدود الله تعالي. قوله: ((إذن)) هو جواب وجزاء يعني إذا وضعت الغامدية فلا نرجمها ونترك ولدها. قوله: ((بالصبي)) حال من فاعل ((أتته)) وضمير المفعول راجع إلي رسول الله ﷺ . ((مح)) الرواية الأخيرة مخالفة للأولي، فإن الثانية صريحة في أن رجمها كان بعد الفطام وأكل الخبز، والأولي ظاهرة في أن رجمها عقيب الولادة فوجب تأويل الأولي لصراحة الثانية، ليتفقا؛ لأنها قضية واحدة والروايتان صحيحتان، فقوله في الأول: ((فقام رجل من الأنصار فقال: إلي رضاعه)) , [إنما قاله بعد الفطام، والمراد بالرضاعة كفالته وتربيته. سماه رضاعاً مجازاً. أقول: ويحتمل أن يقال: إن معنى قوله: ((إلي رضاعه))] أي إني أتكفل مئونة المرضعة لترضع ولدها كما كفل الرجل مئونتها حين كانت حاملا، فإذن الفاء في قوله: ((فرجمها)) فصيحة أي سلمها رسول الله ﷺ إليه مع ولدها فرضعته حتى فطمته، وأتته به في يده كسرة خبز، فدفع الصبي إلي غيرها فأمر برجمها. قوله: ((فيقبل)) ((تو)): يروى هذا اللفظ بالياء ذات النقطتين من تحت بين يدي القاف واللام علي زنة الماضي من التقبيل، وليس بشيء معنى ورواية، وإنما أتاهم الغلط من حيث إن الراوي أتى به علي بناء المضارع من الإقبال، كأنه يريد حكاية الحال الماضية، وروى أنه لو كان من الإقبال الماضي لأتى به علي زنة الماضي [لكونه أشبه بنسق الكلام وصحح القاضي هذه

стр. 1952

الدم علي وجه خالد، فسبها، فقال النبي ﷺ : ((مهلا يا خالد فو الذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له)) ثم أمر بها فصلي عليها ودفنت. رواه مسلم. ــ الرواية، وقال في بعض النسخ: فقبل بالباء علي صيغة الماضي] من التقبيل وهو التتبع، أي يتبعها بحجر. أقول: قد تقرر في علم المعإني أن القصة إذا كانت عجيبة الشأن يعدل من الماضي إلي المضارع لتصوير تلك الحالة مشاهدة واستحضاراً لتعجب السامع منها، قال تأبط شراً: بإني قد لقيت الغول يهوي بشهب كالحصيفة صحصحان فأضربها بلا دهش فخرت صريعاً لليدين والجران قال: فأضربها بعد قوله: لقيت، تصويراً لتلك الحالة التي شجع فيها، ولا ارتياب أن قصة خالد ﵁ بعد الفراغ من شأن الغامدية، إنما أتى به الراوي استحضاراً لما فعل خالد، وما قال ﷺ من قوله: ((مهلا)) ومعناه تريث وأنصت ومن تمثيل توبتها بتوبة العشار. ((مح)): قوله: ((فتنضح)) روى بالحاء المهملة وبالمعجمة، والأكثرون علي المهملة، ومعناه ترشش وانصب. ((مح)): النضح قريب من النصح، وقيل: بالمعجمة الأثر يبقى في الثوب والجسد، وبالمهملة الفعل نفسه. وقيل: هو بالمعجمة ما فعل تعمداً، وبالمهملة من غير تعمد. والمكس الضريبة التي يأخذها الماكس وهو العشار. ((مح)): فيه أن المكس من أعظم الذنوب والمعاصي الموبقات، وذلك لكثرة مطالبات الناس له ومظلماتهم عنده لتكرر ذلك منه، وأخذ أموال الناس بغير حقها وصرفها في غير وجهها. قوله: ((فصلي عليها)) ((مح)): قال القاضي عياض: هي بفتح اللام والصاد عند جماهير رواة صحيح مسلم وعند الطبري بضم الصاد، قال: وكذا هو رواية ابن أبي شيبة وأبي داود. واختلفوا في الصلاة علي المرجوم، وكرهها مالك وأحمد للإمام ولأهل الفضل دون باقي الناس، وقال الشافعي وآخرون: يصلي عليه الإمام وأهل الفضل وغيرهم. واتفقوا علي الصلاة علي الفساق والمقتولين في المحاربة والحدود وأولاد الزنا سوى قتادة، فإنه منع من أن يصلي علي أولاد الزنا. وفي الحديث دليل علي أن الحد يكفر ذنب المعصية التي حد لها. فإن قيل: ما بال ماعز والغامدية لم يقنعا بالتوبة، وهي محصلة غرضهما من سقوط الإثم، فأصر علي الإقرار فرجما؟ فالجواب أن تحصيل البراءة بالحد متيقن لاسيما بمشاهدة رسول الله ﷺ ، وأما التوبة فيخاف أن لا تكون نصوحاً، وأن يخل بشيء من شروطها. وفيه احتجاج لأصحاب مالك وجمهور الحجازيين أنه يحد من وجه منه ريح الخمر. وإن لم تقم عليه بينة ولم يقر. ومذهب الشافعي وأبي حنيفة أنه لا يحد بمجرد الريح بل لابد من بينة أو إقرار. وفيه أنه لا ترجم الحبلي حتى تضع سواء كان حملها من زنا أو غيره، لئلا يقتل

стр. 1953

٣٥٦٣ - وعن أبي هريرة، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((إذا زنت أمة أحدكم، فتبين زناها، فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت فليجلدها الحد ولا يثرب، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر)). متفق عليه. ٣٥٦٤ - وعن علي [﵁]، قال: يأيها الناس أقيموا علي أرقائكم الحد من أحصن منهم ومن لم يحصن؛ فإن أمة لرسول الله ﷺ زنت فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديث عهد بنفاس، فخشيت إن أنا جلدتها أن أقتلها فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فقال: ((أحسنت)). رواه مسلم. وفي رواية أبي داود: قال: ((دعها حتى ينقطع دمها، ثم أقم عليه الحد؛ وأقيموا الحدود علي ما ملكت أيمانكم)). ــ البريء من الذنب، وكذا لا تجلد، وأنه إن وجب عليها قصاص وهي حامل لا يقتص منها حتى تضع حملها وتضع ولدها. الحديث التاسع عن أبي هريرة: قوله: ((الحد)) مفعول مطلق أي فليحدها حد المشروع. قوله: ((ولا يثرب عليها)) ((قض)): التثريب التإنيب والتعيير. كان تأديب الزناة قبل شرع الحد هو التثريب وحده، فأمرهم بالجلد ونهي عن الاقتصار بالتثريب. وقيل: المراد به النهي عن التثريب بعد الجلد؛ فإن كفارة لما ارتكبه، ولعله إنما سقط التغريب عن المماليك نظراً للسادة وصيانة لحقوقهم. ((مح)): فيه دليل علي وجوب حد الزنى علي الإماء أو العبيد، وأن السيد يقيم الحد عليهما، وله أن يتفحص عن جرمهما ويسمع البينة عليهما. وهذا مذهبنا ومذهب مالك وأحمد وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم. وقال أبو حنيفة في طائفة: ليس له ذلك. وهذا الحديث صريح في الدلالة للجمهور. وفيه دليل علي أن العبد والأمة لا يرجمان وإن كانا متزوجين. وفيه أنه لا يوبخ الزإني بل يقام عليه الحد فحسب، وفيه أن الزإني إذا تكرر منه الزنا تكرر عليه الحد فأما إذا زنى مرات ولم يحد فيكفي حد واحد للجميع. وفيه ترك مخالطة الفساق وأهل المعاصي. وهذا البيع مأمور به مستحب وليس بواجب. وقال أهل الظاهر: وفيه وجواز بيع الشيء الثمين بثمن حقير إذا كان البائع عالماً به، وإن كان جاهلا ففيه خلاف لأصحاب مالك، فإنهم لا يحوزونه خلافاً للجمهور، وعلي البائع بيان حال السلعة وعيبها للمشتري. فإن قيل: كيف يكره شيئاً لنفسه ويرتضيه لأخيه المسلم؟ فالجواب لعل الزإنية تستعفف عند المشتري بنفسها أو يصونها، أو بالإحسان إليها والتوسعة عليها أو يزوجها. الحديث العاشر عن علي ﵁: قوله: ((أن أقتلها)) هو مفعول ((فخشيت)) و ((جلدتها)) مفسر لعامل ((أنا)) المقدم بعد ((إن)) الشرطية كقول الحماسي: وإن هو لم يحمل علي النفس ضيمها فليس إلي حسن الثناء سبيل

стр. 1954

الفصل الثاني ٣٥٦٥ - عن أبي هريرة، قال: جاء ماعز الأسلمي إلي رسول الله ﷺ فقال: إنه قد زنى، فأعرض عنه، ثم جاء من شقه الآخر، فقال: إنه قد زنى فأعرض عنه، ثم جاء من شقه الآخر فقال: يا رسول الله! إنه قد زنى، فأمر به في الرابعة، فأخرج إلي الحرة، فرجم بالحجارة. فلما وجد مس الحجارة، فر يشتد، حتى مر برجل معه لحى جمل فضربه به، وضربه الناس حتى مات. فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ أنه فر حين وجد مس الحجارة ومس الموت، فقال رسول الله ﷺ : ((هلا تركتموه)) رواه الترمذي، وابن ماجه. وفي رواية: ((هلا تركتموه لعله أن يتوب فيتوب الله عليه)). [٣٥٦٥] ــ وجواب الشرط محذوف دل عليه الكلام المفترض فيه من الفعل ومفعوله، وتقييد الأرقاء بالإحصان مع أن الحرية شرط للإحصان، يراد به كونهن مزوجات؛ لقوله تعالي: ﴿فَإذَا أُحْصِنَّ فَإنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلي المُحْصَنَاتِ مِنَ العَذَابِ﴾ حيث وصفهن بالإحصان، ﴿فَإذَا أُحْصِنَّ﴾ وحكم عليهن بنصف ما علي المحصنات من العقوبة. ((مح)): فيه دليل علي أن الجلد واجب علي الأمة الزإنية، وأن النفساء والمريضة ونحوهما يؤخر جلدهما إلي البرء. الفصل الثاني الحديث الأول عن أبي هريرة: قوله: ((يشتد)) حال، واللحى العظم الذي عليه الأسنان. وقوله: ((ذلك)) إذا جعل الإشارة إلي المذكور السابق من فراره من الحجارة، كان قوله: ((أنه فر حين وجد مس الحجارة)) تكراراً لأنه بيان لـ ((ذلك)) فيجب أن يكون ((ذلك)) مبهما، وقد فسر بما بعده كقوله تعالي: ﴿وقَضَيْنَا إلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ﴾ ولعله كرر لزيادة البيان. وقوله: ((ومس الموت)) عطف علي ((مس الحجارة)) علي سبيل البيان، كقوله تعالي: ﴿وإنَّ مِنَ الحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ﴾ عطف علي قوله: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ بياناً. فإن قلت: إذا كان رسول الله ﷺ وآخذهم بقتله حيث فر، فهل يلزمهم القود إذن؟

стр. 1955

٣٥٦٦ - وعن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال لماعز بن مالك: ((أحق ما بلغني عنك؟)) قال: وما بلغك عني؟)) قال: وما بلغك عني؟ قال: ((بلغني أنك قد وقعت علي جارية آل فلان)) قال: نعم، فشهد أربع شهادات، فأمر به فرجم. رواه مسلم. ــ قلت: لا؛ لأنه ﷺ آخذهم بشبهة عرضت تصلح أن يدفع بها الحد، فقد عرضت لهم شبهة أيضاً وهي إمضاء حكم رسول الله ﷺ ، فلا جناح عليهم. ((حس)): فيه دليل علي أن من أقر علي نفسه بالزنا أو رجع في حال إقامة الحد، وقال: كذبت وما زنيت أو رجعت سقط ما بقي من الحد عنه، وكذلك السارق وشارب الخمر. الحديث الثاني عن ابن عباس: قوله: ((أحق ما بلغني؟)) إلي قوله: ((رواه مسلم)) فيه تنبيه من المؤلف علي أن هذا الحديث غير مقر في مكانه، بل مكانه الفصل السابق. فإن قلت: كيف التوفيق بين هذا الحديث وبين حديث بريدة؟ فإن هذا يدل علي أنه ﷺ كان عارفاً بزنا ماعز، فاستنطقه ليقر به ليقيم عليه الحد، وحديث بريدة وأبي هريرة ويزيد بن نعيم يدل علي أنه ﷺ لم يكن عارفاً به، فجاء ماعز فأقر فأعرض عنه مراراً، ثم جرت بعد ذلك أحوال جمة ثم رجم. قلت: للبلغاء مقامات وأساليب، فمن مقام يقتضي الإيجاز فيقتصرون علي كلمات معدودة، ومن مقام يقتضي الإطناب فيطنبون فيه كل الإطناب، قال: يرمون بالخطب الطوال وتارة وحي الملاحظ خيفة الرقباء فابن عباس سلك طريق الاختصار، فأخذ من أول القصة وآخرها؛ إذا كان قصده بيان رجم الزإني المحصن بعد إقراره، وبريدة وأبو هريرة ويزيد سلكوا سبيل الإطناب في بيان مسائل مهمة للأمة. وذلك لا يبعد أنه ﷺ بلغه حديث ماعز، فأحضره بين يديه فاستنطقه؛ لينكر ما نسب إليه لدرء الحد، فلما أقر أعرض عنه فجاءه من قبل اليمين بعد ما كان ماثلا بين يديه، فأعرض عنه فجاءه من قبل الشمال، يدل عليه حديث أبي هريرة ((ثم جاء من شقه الآخر)) وكل ذلك ليرجع عما أقر، فلما لم يجد فيه ذلك، قال: ((أبه جنون؟)) إلي آخره، ونظير سلوك ابن عباس في أخذ القصة أولها وآخرها قوله تعالي: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إلي فِرْعَوْنَ رَسُولاً (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وبِيلاً﴾ فالفاء في ((فأخذناه)) كالفاء في ((فأمر به فرجم)) فالفاء تستدعي حالات وتارات وشيءوناً لا تكاد تنضبط إلي أن يتصل إلي أول القصة من قوله: ﴿أَرْسَلْنَا ... فَعَصَى﴾. والله أعلم.

стр. 1956

٣٥٦٧ - وعن يزيد بن نعيم، عن أبيه أن ماعزاً أتى النبي ﷺ فأقر عنده أربع مرات، فأمر برجمه وقال لهزال: ((لو سترته بثوبك كان خيراً لك)) قال ابن المنكدر: إن هزالاً أمر ماعزاً أن يأتي النبي ﷺ فيخبره. رواه أبو داود. [٣٥٦٧] ٣٥٦٨ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص [﵄] أن رسول الله ﷺ قال: ((تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب)). رواه أبو داود، والنسائي. [٣٥٦٨] ٣٥٦٩ - وعن عائشة، أن النبي ﷺ قال: ((أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود)). رواه أبو داود. [٣٥٦٩] ٣٥٧٠ - وعنها، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج، فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من ــ الحديث الثالث عن يزيد: قوله: ((لو سترته بثوبك)) كناية عن إخفاء أمره وتعريض بصنيعه من هتك ستره. ((تو)): وذلك أن هزال بن نعيم كانت له مولاة اسمها فاطمة، فوقع عليها ماعز، فعلم به هزال فاستحمقه وأشار إليه بالمجيء إلي رسول الله ﷺ والاعتراف بالزنا علي نفسه، وحسن في ذلك شأنه وهو يريد به السوء والهوان. أقول: ولعل ذلك كان نصيحة له من هزال، وهو الظاهر لما سيرد في الفصل الثالث في الحديث الثاني. الحديث الرابع عن عمرو بن شعيب: قوله: ((تعافوا)) ((مظ)): هو خطاب لغير الأئمة، يعني الحدود التي بينكم ينبغي أن يعفوها بعضكم عن بعض من قبل أن يبلغني ذلك، فإذا بلغني وجب علي إقامة الحدود عليكم. الحديث الخامس عن عائشة ﵂: قوله: ((ذوي الهيئات)) [((مظ))]: قال الشافعي في تفسير ذوي الهيئات: هو من لم يظهر منه ذنبه. ((قض)): الهيئة في الأصل صورة أو حالة تعرض لأشياء متعددة، فتصير بسببها مقولا عليها أنها واحدة ثم تطلق علي الخصلة، فيقال: لفلان هيئات أي خصال. والمراد بـ ((ذوي الهيئات)) أصحاب المروءات والخصال الحميدة. وقيل: ذوو الوجوه بين الناس، (وبالعثرات) صغائر الذنوب، وما يندر عنهم من الخطايا، فيكون الاستثناء منقطعاً إذا كانت الهيئة بمعنى الخصلة أو الذنوب مطلقاً، وبالحدود ما يوجبها، فيكون متصلا، والخطاب مع الأئمة وغيرهم ممن يستحق المؤاخذة بها والتأديب عليها. والله أعلم.

стр. 1957

أن يخطئ في العقوبة)). رواه الترمذي، وقال: قد روى عنها ولم يرفع وهو أصح. [٣٥٧٠] ٣٥٧١ - وعن وائل بن حجر، قال: استكرهت امرأة علي عهد النبي ﷺ فدرأ عنها الحد، وأقامه علي الذي أصابها، ولم يذكر أنه جعل لها مهراً. رواه الترمذي. ٣٥٧٢ - وعنه: أن امرأة خرجت علي عهد النبي ﷺ تريد الصلاة، فتلقاها رجل فتجللها. فقضى حجته منها، فصاحت وانطلق، ومرت عصابة من المهاجرين فقالت: إن ذلك الرجل فعل بي كذا وكذا، فأخذوا الرجل، فأتوا به رسول الله ﷺ ، فقال لها: ((اذهبي فقد غفر الله لك)) وقال للرجل الذي وقع عليها: ((ارجموه)) وقال: ((لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقبل منهم)) رواه الترمذي، وأبو داود. [٣٥٧٢]. ٣٥٧٥ - وعن جابر: أن رجلاً زنى بامرأة فأمر به النبي ﷺ فجلد الحد، ثم أخبر أنه محصن فأمر به فرجم. رواه أبو داود. ــ الحديث السادس عن عائشة ﵂: قوله: ((أن يخطئ)) ((مظ)): أي بأن يخطئ أو لأن يخطئ، يعني ادفعوا الحدود ما استطعتم قبل أن تصل إلي، فإن الإمام إذا سلك سبيل الخطأ في العفو الذي صدر منه خير من أن يسلك سبيل الخطأ في الحدود؛ فإن الحدود إذا وصلت إليه وجب عليه الإنفاذ. أقول: نزل معنى هذا الحديث علي معنى الحديث السابق، وهو ((تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب)) وجعل الخطاب في الحديث لعامة المسلمين، ويكن أن ينزل علي حديث أبي هريرة في قصة رجل ويريده في قصة ماعز فيكون الخطاب للأئمة لقوله ﷺ للرجل: ((أبك جنون؟))، ثم قوله: ((أحصنت؟)) ولماعز ((أبه جنون؟)) ثم قوله: ((أشربت؟)) لأن كل هذا تنبيه علي أن للإمام أن يدرأ الحدود بالشبهات، فيكون قوله: ((فإن الإمام)) مظهر أقيم مقام المضمر علي سبيل الالتفات من الغيبة حثاً له علي إظهار الرأفة والرحمة، يعني في حق إمام المسلمين وقائدهم أن يرجح سبيل العفو علي العقوبة، و ((أن)) في ((أن يخطئ)) مصدرية، وهو خبر ((إن)) أي إن الإمام خطؤه في العفو خير من خطئه في العقوبة. الحديث السابع عن وائل: قوله: ((ولم يذكر أنه جعل لها مهراً)) ((مظ)): لا يدل هذا علي عدم وجوب المهر؛ لأنه ثبت وجوبه لها بإيجابه ﷺ في الأحاديث الأخر. الحديث الثامن عن وائل: قوله: ((فتجللها)) ((قض)): أي غشيها وجامعها، من الجلال كنى به عن الوطء كما كنى عنه بالغشيان.

стр. 1958

٣٥٧٤ – وعن سعيد بن سعد بن عبادة، أن سعد بن عبادة أتى النبي ﷺ برجل – كان في الحي – مخدج سقيم، فوجد علي أمة من إمائهم يخبث بها فقال النبي ﷺ : ((خذوا له عثكالاً فيه مائة شمراخ، فاضربوه ضربة)). رواه في ((شرح السنة)) وفي رواية ابن ماجه نحوه [٣٥٧٤] ٣٥٧٥ - وعن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول)). رواه الترمذي وابن ماجه. [٣٥٧٥] ٣٥٧٦ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أتى بهيمة فاقتلوه ــ الحديث التاسع عن جابر: قوله: ((فأمر)) ليس خبر لـ ((أن)) وإن كان اسمها نكرة موصوفة لعدم شيوعه وإبهامه، بل هو معطوف علي محذوف، هو خبر ((أن)) أي أخبر به النبي ﷺ فأمر بقرينة قوله: ((ثم أخبر أنه محصن)). [((قض))]: فيه دليل علي أن أحد الأمرين لا يقوم مقام الآخر، وعلي أن الإمام إذا أمر بشيء من الحدود، ثم بان له أن الواجب غيره، عليه المصير إلي الواجب الشرعي. الحديث العاشر عن سعيد: قوله: ((مخدع سقيم)) المخدع الناقص الخلق والعثكال الغصن الذي يكون عليه أغصان صغار، وكل واحد من تلك الأغصان يسمى شمراخاً، و ((يخبث)) أي يزنى بها، فإن الزنا من [أخبث] الفعل. ((قض)): فيه دليل علي أن الإمام ينبغي أن يراقب المجلود ويحافظ علي حياته، وأن حد المريض لا يؤخر إلا إذا كان له أمد مؤخر كالحبل، لحديث علي ﵁. وقال: مالك وأصحاب أبي حنيفة: يؤخر الحد إلي أن يبرأ، وقد عد الحديث من المراسيل؛ فإن سعيداً لم يدرك النبي ﷺ ولم يذكر أنه سمعه من أبيه أو غيره، وهو وإن كان كذلك فهم محجوجون به؛ إذ المراسيل مقبولة عندهم. الحديث الحادي عشر عن عكرمة: قوله: ((فاقتلوا الفاعل)) ((حس)): اختلفوا في حد اللوطي، فذهب الشافعي في أظهر قوليه، وأبو يوسف ومحمد إلي أن حد الفاعل حد الزنا: إن كان محصنا يرجم، وإن لم يكن محصناً يجلد مائة جلدة، وعلي المفعول به عند الشافعي علي هذا القول جلد مائة وتغريب عام رجلا كان أو امرأة، محصناً كان أو غير محصن؛ لأن التمكين في الدبر لا يحصنها فلا يلزمها حد المحصنات. وذهب قوم إلي أن الواطئ يرجم محصناً كان أو غير محصن، وبه قال مالك وأحمد، والقول الآخر للشافعي أنه يقتل الفاعل والمفعول به، كما هو ظاهر الحديث. وقد قيل في كيفية قتلهما: هدم بناء عليهما، وقيل: رميهما من شاهق كما فعل بقوم لوط، وعند أبي حنيفة يعزر ولا يحد. الحديث الثاني عشر عن ابن عباس: قوله: ((وقد فعل بها)) تحقيق ذلك أن كل ما أوجده الله

стр. 1959

واقتلوها معه)). قيل لابن عباس: ما شأن البهيمة؟ قال: ما سمعت من رسول الله ﷺ في ذلك شيئاً، ولكن أراه كره أن يؤكل لحمها أو ينتفع بها وقد فعل بها ذلك. رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه. [٣٥٧٦] ٣٥٧٧ - وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن أخوف ما أخاف علي أمتي عمل قوم لوط)). رواه الترمذي، وابن ماجه. [٣٥٧٧] ٣٥٧٨ - وعن ابن عباس: أن رجلا من بني بكر بن ليث أتى النبي ﷺ فأقر أنه زنى بامرأة أربع مرات، فجلده مائة، وكان بكراً، ثم سأله البينة علي المرأة فقالت: كذب والله يا رسول الله! فجلد حد الفرية. رواه أبو داود. [٣٥٧٨] ٣٥٧٩ - وعن عائشة، قالت: لما نزل عذري، قام النبي ﷺ علي المنبر، فذكر ذلك، فلما نزل من المنبر أمر بالرجلين والمرأة فضربوا حدهم. رواه أبو داود. [٣٥٧٩] ــ تعالي في هذا العالم جعله صالحاً لفعل خاص، فلا يصلح لذلك العمل سواه؛ فإن المأكول من الحيوان خلق لأكل الإنسان إياه لا لقضاء شهوته منه، والذكر من الإنسان خلق للفاعلية والأنثى للمفعولية ووضع فيهما الشهوة لتكثير النسل بقاء لنوع الإنسان، فإذا عكس كان إبطالاً لتلك الحكمة، وإليه أشار قوله تعالي: ﴿إنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾ أي لا حامل لكم عليه إلا مجرد الشهوة من غير داع آخر، ولا ذم أعظم منه؛ لأنه وصف لهم بالبهيمية، وأنه لا داعي لهم من جهة العقل ألبتة كطلب النسل والتخلي إلي العبادة ونحوه. والله أعلم بالصواب. ((مظ)): قال مالك والشافعي في أظهر قوليه وأحمد وأبو حنيفة: إنه يعزر، وقال إسحاق: يقتل إن عمل ذلك مع العلم بالنهي. والبهيمة قيل: إن كانت مأكولة تقتل، وإلا فوجهان: القتل لظاهر الحديث، وعدم القتل للنهي عن ذبح الحيوان إلا لأكله. الحديث الثالث عشر عن جابر: قوله: ((إن أخوف ما أخاف)) أضاف أفعل إلي ((ما)) وهي نكرة موصوفة؛ ليدل علي أنه إذا استقصى الأشياء المخوف منها شيئاً بعد شيء لم يوجد شيء أخوف من فعل قوم لوط. الحديث الرابع عشر عن ابن عباس: قوله: ((حد الفرية)) الفرية الكذب، والمراد به هاهنا القذف.

стр. 1960

الفصل الثالث ٣٥٨٠ - عن نافع: أن صفية بنت أبي عبيد أخبرته أن عبداً من رقيق الإمارة وقع علي وليدة من الحمس فاستكرهها، حتى افتضها فجلده عمر ولم يجلدها، من أجل أنه استكرهها. رواه البخاري. ٣٥٨١ - وعن يزيد بن نعيم بن هزال، عن أبيه، قال: كان ماعز بن مالك يتيماً في حجر أبي فأصاب جارية من الحي، فقال له أبي: ائت رسول الله ﷺ فأخبره بما صنعت لعله يستغفر لك وإنما يريد بذلك رجاء أن يكون له مخرجاً، فأتاه، فقال: يا رسول الله! إني زنيت، فأقم علي كتاب الله، فأعرض عنه، فعاد فقال: يا رسول الله! إني زنيت، فأقم علي كتاب الله، حتى قالها أربع مرات، قال رسول الله ﷺ : ((إنك قد قلتها أربع مرات، فبمن؟)) قال: بفلانة. قال: ((هل ضاجعها؟)) قال: نعم. قال: ((هل باشرتها؟)) قال: نعم قال: ((هل جامعتها؟)) قال: نعم. قال: فأمر به أن يرجم، فأخرج به إلي الحرة، فلما رجم، فوجد مس الحجارة فجزع فخرج يشتد، فلقيه عبد الله بن إنيس، وقد عجز أصحابه، فنزع له بوظيف بعير، فرماه به فقتله، ثم أتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال: ((هلا تركتموه، لعله أن يتوب، فيتوب الله عليه)). رواه أبو داود. [٣٥٨١] ــ الحديث الخامس عشر عن عائشة ﵂: قوله: ((لما نزل عذري)) ((قض)): المراد بالعذر الآية الدالة علي براءتها، شبهتها بالعذر الذي هو يبرئ المعذور من الجرم، وبـ ((الرجلين)) حسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وبـ ((المرأة)) حمنة بنت جحش، فضربوا حدهم حد المفترين انتهي كلامه. وقوله: ((أمر بالرجلين)) أي بحد الرجلين والمرأة علي حذف المضاف، بدلالة قوله: ((فضربوا حدهم)) و ((حدهم)) مفعول مطلق أي فحدوا حدهم. الفصل الثالث الحديث الأول والثاني عن يزيد: قوله: ((أن يكون له مخرجاً)) اسم ((كان)) ضمير يرجع إلي المذكور، وخبره ((مخرجاً)) و ((له)) ظرف لغو، كما في قوله تعالي: ﴿ولَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ المعنى يكون إتيانك وإخبارك رسول الله ﷺ مخرجاً لك، وينصره ما أتبعه من قوله: ((فأتاه فقال)). والفاء في قوله: ((فبمن)) جزاء شرط محذوف، أي إذا كان كما قلت فبمن زينت؟ و ((أن

стр. 1961

٣٥٨٢ - وعن عمرو بن العاص، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما من قوم يظهر فيهم الزنا إلا أخذوا بالسنة، وما من قوم يظهر فيهم الرشا إلا أخذوا بالرعب)). رواه أحمد. [٣٥٨٢] ٣٥٨٣ - وعن ابن عباس، وأبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: ((ملعون من عمل عمل قوم لوط)). رواه رزين. [٣٥٨٣] ٣٥٨٤ - وفي رواية له عن ابن عباس: أن عليا [﵁] أحرقهما، وأبا بكر هدم عليهما حائطاً. ٣٥٨٥ - وعنه، أن رسول الله ﷺ قال: ((لا ينظر الله إلي رجل أتى رجلاً أو امرأة في دبرها)). رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب. [٣٥٨٥] ٣٥٨٦ - وعنه، أنه قال: ((من أتى بهيمة فلا حد عليه)). رواه الترمذي، ــ يرجم)) بدل اشتمال من الضمير المجرور في ((به)) وعدى ((أخرج)) بالهمزة وبالباء توكيداً، كما في قوله تعالي: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾. قال الحريري في درة الغواص: قيل: في جواز الجمع بين حرفي التعدية في قراءة ضم التاء عدة أقوال: والأحسن أنما زيدت التاء؛ لأن إنباتها الدهن بعد إنبات الثمر الذي يخرج الدهن منه، فلما كان الفعل في المعنى قد تعلق بمفعولين يكونان في حال بعد حال، وهما الثمرة والدهن، احتيج إلي تقويته في التعدي بالباء. و ((الوظيف)) مستدق الذراع والساق من الإبل والخيل ونحوهما، والجمع الأوظفة، والفاءات المذكورة بعد ((لما)) في قوله: ((فلما رجم – إلي قوله – فقتله)) كل واحدة تصلح للعطف، إما علي الشرط أو علي الجزاء إلا قوله: ((فوجد)) فإنه لا تصلح لأن تكون عطفاً علي الجزاء، وقوله: ((فقال: هلا تركتموه)) يصلح للجزاء. وهذا فيه إشكال؛ لأن جواب ((لما)) لا تدخله الفاء علي اللغة الفصيحة وقد يجوز أن يقدر الجزاء، ويقال: تقديره لما رجم وكان كيت وكيت، علمنا حكم الرجم وما يترتب عليه حينئذ لا تكون الفاء إلا للعطف. الحديث الثالث عن عمرو: قوله: ((بالسنة)) ((نه)): هي الجدب، يقال: أخذتهم السنة إذا أجدبوا وأقحطوا، وهي من الأسماء الغالبة نحو الدابة في الفرس، والمال في الإبل. أقول: لعل الحكمة في استجلاب الزنا القحط أن الزنا يؤدي إلي إبطال النسل، والسنة لازمة لإهلاك الحرث وليس الفساد إلا كذلك، كما قال تعالي: ﴿ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ﴾ والحاكم إنما

стр. 1962

وأبو داود، وقال الترمذي: عن سفيان الثوري، أنه قال: وهذا أصح من الحديث الأول وهو: ((من أتى بهيمة فاقتلوه)) والعمل علي هذا عند أهل العلم. ٣٥٨٧ - وعن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أقيموا حدود الله في القريب والبعيد، ولا تأخذكم في الله لومة لائم)). رواه ابن ماجه. [٣٥٨٧] ٣٥٨٨ - وعن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: ((إقامة حد من حدود الله خير من مطر أربعين ليلة في بلاد الله)). رواه ابن ماجه. [٣٥٨٨] ٣٥٨٩ - ورواه النسائي عن أبي هريرة. (١) باب قطع السرقة الفصل الأول ٣٥٩٠ - عن عائشة، عن النبي ﷺ ، قال: ((لا تقطع يد السارق إلا بربع دينار فصاعداً)). متفق عليه. ــ ينفذ حكمه ويمضى أمره في الوضيع والشريف إذا تنزه عن الرشوة، فإذا تلطخ بها خاف ورعب. الحديث الرابع إلي السابع عن عبادة: قوله: ((ولا تأخذكم)) عطف علي ((أقيموا)) فيكون نهياً تأكيداً للأمر، ويجوز أن يكون خبراً بمعنى النهي، ((والقريب البعيد)) يحتمل أن يراد بهما القرب والبعد في النسب، أو القوة والضعف، والثاني أنسب؛ لأن المعنى أقيموا حدود الله في كل أحد ولا تخافوا لومة لائم، والتنكير في ((لائم)) للشيوع. الحديث الثامن عن ابن عمر ﵄: قوله: ((إقامة حد من حدود الله)) وذلك أن في إقامتها زجراً للخلق عن المعاصي والذنوب، وسبباً لفتح أبواب السماء وإرخاء غرابها، وفي العقود عنها والتهاون بها انهماك لهم في المعاصي، وذلك سبب لأخذهم بالسنين والجدب وإهلاك الخلق، كما ورد ((إن الحبارى لتموت هزلاً بذنب بني آدم)) أي أن الله تعالي يحبس عنها بشؤم ذنوبهم القطر. وخص الحبارى بالذكر؛ لأنها أبعد الطير نجعة، فربما تذبح بالبصرة ويوجد في حواصلها الحبة الخضراء وبين البصرة وبين منابتها ميسرة أيام، وتخصيص الليلة بالأمطار تتميم لمعنى الخصب.

стр. 1963

٣٥٩١ - وعن ابن عمر، قال: قطع النبي ﷺ يد سارق في مجن ثمنه ثلاثة دراهم. متفق عليه. ٣٥٩٢ - وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: ((لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده)). متفق عليه. ــ باب قطع السرقة المغرب: سرق منه مالا وسرقه سرقاً وسرقة إذا أخذه في خفاء وحيلة، وفتح الراء في السرق لغة، وأما السكون فلم نسمعه - انتهي كلامه. والإضافة إلي المفعول علي حذف المضاف أي قطع أهل السرقة. الفصل الأول الحديث الأول عن عائشة ﵂: قوله: ((إلا بربع دينار)) ((مح)): اتفقوا علي قطع يد السارق، واختلفوا في اشتراط النصاب وقدره. فقال الشافعي: النصاب ربع دينار ذهباً أو ما قيمته ربع دينار، وهو قول عائشة وعمر بن عبد العزيز والأوزاعي والليث وأبي ثور وإسحاق وغيرهم، وقال مالك وأحمد وإسحاق في رواية: يقطع في ربع دينار أو ثلاثة دراهم أو ما قيمة أحدهما. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يقطع إلا في عشرة دراهم أو ما قيمته ذلك. والصحيح ما قاله الشافعي؛ لأن النبي ﷺ بين النصاب بلفظه في الحديث ((وأنه ربع دينار))، وأما رواية ابن عمر أنه ﷺ ((قطع يد سارق في مجن قيمته ثلاثة دراهم)) فمحمولة علي أن هذا القدر ربع دينار فصاعداً، أو علي أنها قضية عين لا عموم لها. ولا يجوز ترك صريح اللفظ في تحديد النصاب للمحتمل، بل يجب حملها علي موافقة لفظه. وأما الرواية الأخرى ((لم تقطع يد سارق في أقل من ثمن المجن)) فمحمولة علي أنه كان ربع دينار. وأما ما يحتج به بعض الحنفية وغيرهم من رواية جاءت ((قطع في مجن قيمته عشرة دراهم)) وفي رواية ((خمسة)) فهي ضعيفة لا يعمل بها لو انفردت، فكيف وهي مخالفة لصريح الأحاديث الصحيحة الصريحة، مع أنه يمكن حملها علي أنه كانت قيمته عشرة دراهم اتفاقاً، لا أنه شرط ذلك في قطع السارق. وأما رواية ((لعن الله السارق يسرق البيضة والحبل فتقطع يده)) فقال جماعة: المراد بهما بيضة الحديد وحبل السفينة، وكل واحد مهما يساوي أكثر من ربع دينار، وأنكره المحققون وقالوا: ليس هذا السياق موضع استعمالهما، بل البلاغة تأباه؛ لأنه لا يذم في العادة من خاطر بيده في شيء له قدر، وإنما يذم من خاطر فيما لا قدر له، فالمراد التنبيه علي عظم ما خسر يده في مقابلة حقير من المال، فربع دينار يشارك البيضة والحبل في الحقارة، والمراد جنس البيضة وجنس الحبال. وقيل: هو علي عادة الولاة سياسة لا قطعاً جائزاً شرعاً. وقيل: إن النبي ﷺ قال هذا عند نزول آية السرقة مجملة من غير بيان نصاب، ثم بين ذلك النصاب. - والله أعلم.

стр. 1964

الفصل الثاني ٣٥٩٣ - عن رافع بن خديج، عن النبي ﷺ ، وقال: ((لا قطع في ثمر ولا كثر)). رواه مالك والترمذي، وأبو داود، والنسائي، والدارمي، وابن ماجه. ٣٥٩٤ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص، عن رسول الله ﷺ : أنه سئل عن الثمر المعلق قال: ((من سرق منه شيئاً بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن؛ فعليه القطع)). رواه أبو داود، والنسائي. [٣٥٩٤] ــ الحديث الثاني والثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لعن الله السارق)) ((مح)): فيه جواز لعن غير المعين من العصاة؛ لأنه لعن الجنس مطلقاً، قال تعالي: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلي الظَّالِمِينَ﴾ وأم المعين فلا يجوز لعنه. أقول: لعل المراد من اللعن الإهانة والخذلان، كأنه قيل: لما استعمل أعز شيء عنده في أهون شيء وأحقره خذله الله وأهانه حتى قطع. الفصل الثاني الحديث الأول عن رافع: قوله: ((في ثمر)) ((نه)) الثمر الرطب ما دام علي رأس النخلة فإذا قطع فهو الرطب، فإذا كنز – بالكاف والنون والزاي – فهو التمر. قوله: ((ولا كثر)) ((فا)): الكثر جمار النخل وهو شحمه الذي يخرج الكافور، وهو وعاء الطلع من جوفه سمي جماراً وكثراً؛ لأنه أصل الكوافير، والمحل الذي يجتمع ويكثر فيه. ((حس)): ذهب أبو حنيفة إلي ظاهر الحديث فلم يوجب القطع في سرقه شيء من الفواكه الرطبة، سواء كانت محرزة أو غير محرزة، وقاس عليه اللحوم والألبان والأشربة والجوز، وأوجب الآخرون القطع في جمعيها إذا كانت محرزة، وهو قول مالك والشافعي، وتأول الشافعي الحديث علي الثمار المعلقة غير المحرزة، وقال: نخيل المدينة لا حوائط لأكثرها، فلا تكون محرزة، والدليل عليه حديث عمرو بن شعيب. وفيه دليل علي أن ما كان منها محرزاً يجب القطع بسرقته. الحديث الثاني عن عمرو: قوله: ((قال: من سرق منه شيئاً)) إلي آخره. فإن قلت: كيف طابق هذا جواباً عن سؤاله عن الثمر المعلق، فإنه سئل هل تقطع في سرقة الثمر المعلق؟ وكان ظاهر الجواب أن يقال: لا، فلم أطنب ذلك الإطناب؟ قلت: ليجيب عنه معللا كأنه قيل: لا يقطع لأنه لم يسرق من الحرز، قوله ((أن يؤويه الجرين)) ((نه)): هو موضع تجفيف. التمر، وهو له كالبيدر للحنطة، ويجمع علي جرن بضمتين.

стр. 1965

٣٥٩٥ - وعن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين المكي، أن رسول الله ﷺ قال: ((لا قطع في ثمر معلق، ولا في حريسة جبل، فإذا آواه المراح والجرين، فالقطع فيما بلغ ثمن المجن)). رواه مالك. ٣٥٩٦ - وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليس علي المنتهب قطع، ومن انتهب نهبة مشهورة فليس منا)). رواه أبو داود. ٣٥٩٧ - وعنه، عن النبي ﷺ ، قال: ((ليس علي خائن، ولا منتهب، ولا مختلس قطع)). رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي. ٣٥٩٨ - وروى في ((شرح السنة)): أن صفوان بن أمية قدم المدينة، فنام في المسجد، وتوسد رداءه، فجاء سارق، وأخذ رداءه، فأخذه صفوان، فجاء به إلي رسول الله ﷺ ، فأمر أن تقطع يده. فقال صفوان: إني لم أرد هذا، هو عليه صدفة. فقال رسول الله ﷺ : ((فهلا قبل أن تأتيني به)). ــ ((مح)): قالوا: الحرز مشروط فلا قطع إلا فيما سرق من حرز، والمعتبر فيه العرف فما لم يعده العرف حرزاً لذلك الشيء فليس بحرز له، ويشترط أن لا يكون للسارق في المسروق شبهة، فإن كنت لم يقطع، ويشترط أن يطالب المسروق منه بالمال. الحديث الثالث عن عبد الله: قوله: ((ولا في حريسة جبل)) ((نه)): الحريسة فعلية بمعنى مفعلة أي أن لها من يحرسها ويحفظها. ومنهم من يجعل الحريسة السرقة نفسها. يقال: حرس يحرس حرساً إذا سرق فهو حارس ومحترس، أي ليس فيما يسرق من الجبل قطع. ومنه الحديث إنه سئل عن حريسة الجبل فقال: ((فيها غرم مثلها وجلدات نكالا، فإذا أواها المراح)) – وهو ما تأوى إليه الإبل والغنم بالليل – ففيها القطع)). ويقال للشاة التي يدركها الليل قبل أن تصل إلي مراحها: حريسة. وفلان يأكل الحريسات إذا سرق أغنام الناس وأكلها، والاحتراس أن يسرق الشيء من المرعي. الحديث الرابع إلي السابع عن جابر: قوله: ((ولا مختلس)) المغرب: الاختلاس أخذ الشيء من ظاهر بسرعة. ((مظ)): ليس علي المغير والمختلس والخائن قطع، ولو كان المأخوذ نصاباً أو قيمته؛ لأن شرطه إخراج ما هو نصاب أو قيمته من الحرز. ((مح)): قال القاضي عياض: شرع الله تعالي إيجاب القطع علي السرقة، ولم يجعل ذلك في
следующие страницы →