← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122257

شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن

الطيبي

Полный текст (3 308 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

٣٥٨٢ - وعن عمرو بن العاص، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما من قوم يظهر فيهم الزنا إلا أخذوا بالسنة، وما من قوم يظهر فيهم الرشا إلا أخذوا بالرعب)). رواه أحمد. [٣٥٨٢] ٣٥٨٣ - وعن ابن عباس، وأبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: ((ملعون من عمل عمل قوم لوط)). رواه رزين. [٣٥٨٣] ٣٥٨٤ - وفي رواية له عن ابن عباس: أن عليا [﵁] أحرقهما، وأبا بكر هدم عليهما حائطاً. ٣٥٨٥ - وعنه، أن رسول الله ﷺ قال: ((لا ينظر الله إلي رجل أتى رجلاً أو امرأة في دبرها)). رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب. [٣٥٨٥] ٣٥٨٦ - وعنه، أنه قال: ((من أتى بهيمة فلا حد عليه)). رواه الترمذي، ــ يرجم)) بدل اشتمال من الضمير المجرور في ((به)) وعدى ((أخرج)) بالهمزة وبالباء توكيداً، كما في قوله تعالي: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾. قال الحريري في درة الغواص: قيل: في جواز الجمع بين حرفي التعدية في قراءة ضم التاء عدة أقوال: والأحسن أنما زيدت التاء؛ لأن إنباتها الدهن بعد إنبات الثمر الذي يخرج الدهن منه، فلما كان الفعل في المعنى قد تعلق بمفعولين يكونان في حال بعد حال، وهما الثمرة والدهن، احتيج إلي تقويته في التعدي بالباء. و ((الوظيف)) مستدق الذراع والساق من الإبل والخيل ونحوهما، والجمع الأوظفة، والفاءات المذكورة بعد ((لما)) في قوله: ((فلما رجم – إلي قوله – فقتله)) كل واحدة تصلح للعطف، إما علي الشرط أو علي الجزاء إلا قوله: ((فوجد)) فإنه لا تصلح لأن تكون عطفاً علي الجزاء، وقوله: ((فقال: هلا تركتموه)) يصلح للجزاء. وهذا فيه إشكال؛ لأن جواب ((لما)) لا تدخله الفاء علي اللغة الفصيحة وقد يجوز أن يقدر الجزاء، ويقال: تقديره لما رجم وكان كيت وكيت، علمنا حكم الرجم وما يترتب عليه حينئذ لا تكون الفاء إلا للعطف. الحديث الثالث عن عمرو: قوله: ((بالسنة)) ((نه)): هي الجدب، يقال: أخذتهم السنة إذا أجدبوا وأقحطوا، وهي من الأسماء الغالبة نحو الدابة في الفرس، والمال في الإبل. أقول: لعل الحكمة في استجلاب الزنا القحط أن الزنا يؤدي إلي إبطال النسل، والسنة لازمة لإهلاك الحرث وليس الفساد إلا كذلك، كما قال تعالي: ﴿ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ﴾ والحاكم إنما

стр. 1962

وأبو داود، وقال الترمذي: عن سفيان الثوري، أنه قال: وهذا أصح من الحديث الأول وهو: ((من أتى بهيمة فاقتلوه)) والعمل علي هذا عند أهل العلم. ٣٥٨٧ - وعن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أقيموا حدود الله في القريب والبعيد، ولا تأخذكم في الله لومة لائم)). رواه ابن ماجه. [٣٥٨٧] ٣٥٨٨ - وعن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: ((إقامة حد من حدود الله خير من مطر أربعين ليلة في بلاد الله)). رواه ابن ماجه. [٣٥٨٨] ٣٥٨٩ - ورواه النسائي عن أبي هريرة. (١) باب قطع السرقة الفصل الأول ٣٥٩٠ - عن عائشة، عن النبي ﷺ ، قال: ((لا تقطع يد السارق إلا بربع دينار فصاعداً)). متفق عليه. ــ ينفذ حكمه ويمضى أمره في الوضيع والشريف إذا تنزه عن الرشوة، فإذا تلطخ بها خاف ورعب. الحديث الرابع إلي السابع عن عبادة: قوله: ((ولا تأخذكم)) عطف علي ((أقيموا)) فيكون نهياً تأكيداً للأمر، ويجوز أن يكون خبراً بمعنى النهي، ((والقريب البعيد)) يحتمل أن يراد بهما القرب والبعد في النسب، أو القوة والضعف، والثاني أنسب؛ لأن المعنى أقيموا حدود الله في كل أحد ولا تخافوا لومة لائم، والتنكير في ((لائم)) للشيوع. الحديث الثامن عن ابن عمر ﵄: قوله: ((إقامة حد من حدود الله)) وذلك أن في إقامتها زجراً للخلق عن المعاصي والذنوب، وسبباً لفتح أبواب السماء وإرخاء غرابها، وفي العقود عنها والتهاون بها انهماك لهم في المعاصي، وذلك سبب لأخذهم بالسنين والجدب وإهلاك الخلق، كما ورد ((إن الحبارى لتموت هزلاً بذنب بني آدم)) أي أن الله تعالي يحبس عنها بشؤم ذنوبهم القطر. وخص الحبارى بالذكر؛ لأنها أبعد الطير نجعة، فربما تذبح بالبصرة ويوجد في حواصلها الحبة الخضراء وبين البصرة وبين منابتها ميسرة أيام، وتخصيص الليلة بالأمطار تتميم لمعنى الخصب.

стр. 1963

٣٥٩١ - وعن ابن عمر، قال: قطع النبي ﷺ يد سارق في مجن ثمنه ثلاثة دراهم. متفق عليه. ٣٥٩٢ - وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: ((لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده)). متفق عليه. ــ باب قطع السرقة المغرب: سرق منه مالا وسرقه سرقاً وسرقة إذا أخذه في خفاء وحيلة، وفتح الراء في السرق لغة، وأما السكون فلم نسمعه - انتهي كلامه. والإضافة إلي المفعول علي حذف المضاف أي قطع أهل السرقة. الفصل الأول الحديث الأول عن عائشة ﵂: قوله: ((إلا بربع دينار)) ((مح)): اتفقوا علي قطع يد السارق، واختلفوا في اشتراط النصاب وقدره. فقال الشافعي: النصاب ربع دينار ذهباً أو ما قيمته ربع دينار، وهو قول عائشة وعمر بن عبد العزيز والأوزاعي والليث وأبي ثور وإسحاق وغيرهم، وقال مالك وأحمد وإسحاق في رواية: يقطع في ربع دينار أو ثلاثة دراهم أو ما قيمة أحدهما. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يقطع إلا في عشرة دراهم أو ما قيمته ذلك. والصحيح ما قاله الشافعي؛ لأن النبي ﷺ بين النصاب بلفظه في الحديث ((وأنه ربع دينار))، وأما رواية ابن عمر أنه ﷺ ((قطع يد سارق في مجن قيمته ثلاثة دراهم)) فمحمولة علي أن هذا القدر ربع دينار فصاعداً، أو علي أنها قضية عين لا عموم لها. ولا يجوز ترك صريح اللفظ في تحديد النصاب للمحتمل، بل يجب حملها علي موافقة لفظه. وأما الرواية الأخرى ((لم تقطع يد سارق في أقل من ثمن المجن)) فمحمولة علي أنه كان ربع دينار. وأما ما يحتج به بعض الحنفية وغيرهم من رواية جاءت ((قطع في مجن قيمته عشرة دراهم)) وفي رواية ((خمسة)) فهي ضعيفة لا يعمل بها لو انفردت، فكيف وهي مخالفة لصريح الأحاديث الصحيحة الصريحة، مع أنه يمكن حملها علي أنه كانت قيمته عشرة دراهم اتفاقاً، لا أنه شرط ذلك في قطع السارق. وأما رواية ((لعن الله السارق يسرق البيضة والحبل فتقطع يده)) فقال جماعة: المراد بهما بيضة الحديد وحبل السفينة، وكل واحد مهما يساوي أكثر من ربع دينار، وأنكره المحققون وقالوا: ليس هذا السياق موضع استعمالهما، بل البلاغة تأباه؛ لأنه لا يذم في العادة من خاطر بيده في شيء له قدر، وإنما يذم من خاطر فيما لا قدر له، فالمراد التنبيه علي عظم ما خسر يده في مقابلة حقير من المال، فربع دينار يشارك البيضة والحبل في الحقارة، والمراد جنس البيضة وجنس الحبال. وقيل: هو علي عادة الولاة سياسة لا قطعاً جائزاً شرعاً. وقيل: إن النبي ﷺ قال هذا عند نزول آية السرقة مجملة من غير بيان نصاب، ثم بين ذلك النصاب. - والله أعلم.

стр. 1964

الفصل الثاني ٣٥٩٣ - عن رافع بن خديج، عن النبي ﷺ ، وقال: ((لا قطع في ثمر ولا كثر)). رواه مالك والترمذي، وأبو داود، والنسائي، والدارمي، وابن ماجه. ٣٥٩٤ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص، عن رسول الله ﷺ : أنه سئل عن الثمر المعلق قال: ((من سرق منه شيئاً بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن؛ فعليه القطع)). رواه أبو داود، والنسائي. [٣٥٩٤] ــ الحديث الثاني والثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لعن الله السارق)) ((مح)): فيه جواز لعن غير المعين من العصاة؛ لأنه لعن الجنس مطلقاً، قال تعالي: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلي الظَّالِمِينَ﴾ وأم المعين فلا يجوز لعنه. أقول: لعل المراد من اللعن الإهانة والخذلان، كأنه قيل: لما استعمل أعز شيء عنده في أهون شيء وأحقره خذله الله وأهانه حتى قطع. الفصل الثاني الحديث الأول عن رافع: قوله: ((في ثمر)) ((نه)) الثمر الرطب ما دام علي رأس النخلة فإذا قطع فهو الرطب، فإذا كنز – بالكاف والنون والزاي – فهو التمر. قوله: ((ولا كثر)) ((فا)): الكثر جمار النخل وهو شحمه الذي يخرج الكافور، وهو وعاء الطلع من جوفه سمي جماراً وكثراً؛ لأنه أصل الكوافير، والمحل الذي يجتمع ويكثر فيه. ((حس)): ذهب أبو حنيفة إلي ظاهر الحديث فلم يوجب القطع في سرقه شيء من الفواكه الرطبة، سواء كانت محرزة أو غير محرزة، وقاس عليه اللحوم والألبان والأشربة والجوز، وأوجب الآخرون القطع في جمعيها إذا كانت محرزة، وهو قول مالك والشافعي، وتأول الشافعي الحديث علي الثمار المعلقة غير المحرزة، وقال: نخيل المدينة لا حوائط لأكثرها، فلا تكون محرزة، والدليل عليه حديث عمرو بن شعيب. وفيه دليل علي أن ما كان منها محرزاً يجب القطع بسرقته. الحديث الثاني عن عمرو: قوله: ((قال: من سرق منه شيئاً)) إلي آخره. فإن قلت: كيف طابق هذا جواباً عن سؤاله عن الثمر المعلق، فإنه سئل هل تقطع في سرقة الثمر المعلق؟ وكان ظاهر الجواب أن يقال: لا، فلم أطنب ذلك الإطناب؟ قلت: ليجيب عنه معللا كأنه قيل: لا يقطع لأنه لم يسرق من الحرز، قوله ((أن يؤويه الجرين)) ((نه)): هو موضع تجفيف. التمر، وهو له كالبيدر للحنطة، ويجمع علي جرن بضمتين.

стр. 1965

٣٥٩٥ - وعن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين المكي، أن رسول الله ﷺ قال: ((لا قطع في ثمر معلق، ولا في حريسة جبل، فإذا آواه المراح والجرين، فالقطع فيما بلغ ثمن المجن)). رواه مالك. ٣٥٩٦ - وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليس علي المنتهب قطع، ومن انتهب نهبة مشهورة فليس منا)). رواه أبو داود. ٣٥٩٧ - وعنه، عن النبي ﷺ ، قال: ((ليس علي خائن، ولا منتهب، ولا مختلس قطع)). رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي. ٣٥٩٨ - وروى في ((شرح السنة)): أن صفوان بن أمية قدم المدينة، فنام في المسجد، وتوسد رداءه، فجاء سارق، وأخذ رداءه، فأخذه صفوان، فجاء به إلي رسول الله ﷺ ، فأمر أن تقطع يده. فقال صفوان: إني لم أرد هذا، هو عليه صدفة. فقال رسول الله ﷺ : ((فهلا قبل أن تأتيني به)). ــ ((مح)): قالوا: الحرز مشروط فلا قطع إلا فيما سرق من حرز، والمعتبر فيه العرف فما لم يعده العرف حرزاً لذلك الشيء فليس بحرز له، ويشترط أن لا يكون للسارق في المسروق شبهة، فإن كنت لم يقطع، ويشترط أن يطالب المسروق منه بالمال. الحديث الثالث عن عبد الله: قوله: ((ولا في حريسة جبل)) ((نه)): الحريسة فعلية بمعنى مفعلة أي أن لها من يحرسها ويحفظها. ومنهم من يجعل الحريسة السرقة نفسها. يقال: حرس يحرس حرساً إذا سرق فهو حارس ومحترس، أي ليس فيما يسرق من الجبل قطع. ومنه الحديث إنه سئل عن حريسة الجبل فقال: ((فيها غرم مثلها وجلدات نكالا، فإذا أواها المراح)) – وهو ما تأوى إليه الإبل والغنم بالليل – ففيها القطع)). ويقال للشاة التي يدركها الليل قبل أن تصل إلي مراحها: حريسة. وفلان يأكل الحريسات إذا سرق أغنام الناس وأكلها، والاحتراس أن يسرق الشيء من المرعي. الحديث الرابع إلي السابع عن جابر: قوله: ((ولا مختلس)) المغرب: الاختلاس أخذ الشيء من ظاهر بسرعة. ((مظ)): ليس علي المغير والمختلس والخائن قطع، ولو كان المأخوذ نصاباً أو قيمته؛ لأن شرطه إخراج ما هو نصاب أو قيمته من الحرز. ((مح)): قال القاضي عياض: شرع الله تعالي إيجاب القطع علي السرقة، ولم يجعل ذلك في

стр. 1966

٣٥٩٩ - وروى نحوه ابن ماجه، عن عبد الله بن صفوان، عن أبيه. ٣٦٠٠ - والدرامي عن ابن عباس. ٣٦٠١ - وعن بسر بن أرطاة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا تقطع الأيدي في الغزو)). رواه الترمذي، والدارمي. وأبو داود، والنسائي، إلا أنهما قالا: ((في السفر)) بدل ((الغزو)) [٣٦٠١]. ــ غيرها كالاختلاس والانتهاب والغضب؛ لأن ذلك قليل بالنسبة إلي السرقة؛ ولأنه يمكن استرجاع هذا النوع بالاستغاثة إلي ولاة الأمور، ويسهل إقامة البينة عليه بخلافها، فيعظم أمرها واشتدت عقوبتها؛ ليكون أبلغ في الزجر عنها. قوله: ((فهلا قبل أن تأتيني به؟)) أي فهلا تصدقت وتركت حقك قبل وصوله إلي؛ فالآن قطعة واجب ليس لك حق فيه بل هو حق الشرع. الحديث الثامن عن بسر: قوله: ((لا تقطع الأيدي في الغزو)) [((مظ))]: يشبه أن يكون إنما أسقط عنه العزو الحد؛ لأنه لم يكن إماماً، وإنما كان أميراً أو صاحب جيش، وأمير الجيش لا يقيم الحدود في أرض الحرب علي مذهب بعض الفقهاء، إلا إن يكون إماماً أو أميراً واسع المملكة، كصاحب العراق أو الشام أو مصر فإنه يقيم الحدود في عسكره، وهو قول أبي حنيفة. وقال الأوزاعي: لا يقطع أمير العسكر حتى يقفل من الدرب فإذا قفل قطع، وأما أكثر الفقهاء فإنهم لا يفرقون بين أرض الحرب وغيرها، ويرون إقامة الحدود علي من ارتكبها، كما يرون وجوب إقامة الفرائض والعبادات عليهم في دار الإسلام والحرب سواء. ((تو)): ولعل الأوزاعي رأي فيه احتمال افتتان المقطوع بأن يلحق بدار الحرب، أو رأي أنه إذا قطعت يده والأمير متوجه إلي العدو، ولم يتمكن من الدفع ولا يغني غني فيترك إلي أن يقفل الجيش. ((قض)): ولعله ﷺ أراد به المنع من القطع فيما يؤخذ من المغانم. أقول: هذا التركيب من باب ترتيب الحكم علي الوصف المناسب؛ إذ لا بد من جمع الأيدي، والتقييد بعزو من عانده، فالمناسب أن يقال: لا تقطع أيديهم لئلا تقع الفرقة والوهن فيمن يجاهد في سبيل الله؛ ولإرادة التفرق والوهن ورد ((اجعل الفساق يداً يداً)) أي فرق بينهم. وقولهم: [((تفرقوا أيدي سبا))] والسفر المذكور في الرواية الأخرى مطلق يحمل علي المقيد.

стр. 1967

٣٦٠٢ - وعن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال في السارق: ((إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله، ثم إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله)). رواه في ((شرح السنة)). ٣٠٦٢ - وعن جابر، قال: جيء بسارق إلي النبي ﷺ قال: ((اقطعوه)) فقطع. ثم جيء به الثانية، فقال: ((اقطعوه)) فقطع. ثم جيء به الثالثة، فقال: ((اقطعوه)) فقطع. ثم جيء به الرابعة، فقال: ((اقطعوه)) فقطع. فأتى به الخامسة، فقال: ((اقتلوه))، فانطلقنا به، فقتلناه، ثم اجتررناه، فألقيناه في بئر، ورمينا عليه الحجارة. رواه أبو داود، والنسائي. ــ الحديث التاسع والعاشر عن جابر: قوله: ((فأتى به)) أصله فأتوا به النبي ﷺ فأقيم المفعول الأول مقام الفاعل، وهو ضمير النبي ﷺ ويحتمل أن يكون الجار والمجرور قد أقيم مقام الفاعل وكذا القول في ((جيء به)). ((حس)): اتفقوا علي أن السارق إذا سرق أول مرة تقطع يده اليمنى، ثم إذا سرق ثإنياً تقطع رجله اليسرى. واختلفوا فيما إذا سرق ثالثاً بعد قطع يده ورجله فذهب أكثرهم إلي أنه تقطع يده اليسرى ثم إذا سرق رابعاً تقطع رجله اليمنى، ثم إذا سرق بعده يعزر ويحبس. وهو المروي عن أبي بكر ﵁ وإليه ذهب مالك والشافعي، وقال قوم: إن سرق بعد ما قطعت إحدى يديه ورجليه لم يقطع وحبس، ويروي ذلك عن علي ﵁ وهو مذهب أبي حنيفة. ((مظ)): لا أعلم أحداً من الفقهاء يبيح دم السارق وإن تكررت منه السرقة مرة بعد أخرى، إلا أنه قد يخرج علي مذهب بعض الفقهاء أنه يباح دمه، وهو أن يكون هذا من المفسدين في الأرض، وللإمام أن يجتهد في تعزير المفسد، ويبلغ به ما يرى من العقوبة وإن زاد علي مقدار الحد، وإن رأي أن يقتل قتل. ويعزى ذلك إلي مالك بن أنس. والحديث إن كان ثابتاً فهو يؤيد هذا الرأي – انتهي كلامه. وقيل: هذا منسوخ بقوله ﷺ : ((لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزإني، والمفارق لدينه التارك للجماعة)). أقول: وفي قوله: ((ثم اجتررناه فألقيناه في بئر ورمينا عليه الحجارة)) دليل علي أن مثل هذه الإهانة والصغار لا يحل بحال المسلم وإن ارتكب الكبائر؛ فإنه قد يعزر ويصلي عليه لاسيما بعد إقامة الحد وتطهيره، فلعله ارتد ووقف ﷺ علي ارتداده، كما فعل بالعرنيين من المثلة والعقوبة الشديدة ولأمر ما غير العبارة، فأتى في هذه

стр. 1968

٣٦٠٤ - وروى في ((شرح السنة)) في قطع السارق، عن النبي ﷺ : ((اقطعوه ثم احسموه)). ٣٦٠٥ - وعن فضالة بن عبيد، قال: أتي رسول الله ﷺ بسارق، فقطعت يده، ثم أمر بها فعلقت في عنقه. رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. ٣٦٠٦ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا سرق المملوك فبعه ولو بنش)). رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه. الفصل الثالث ٣٦٠٧ - عن عائشة، قالت: أتي رسول الله ﷺ بسارق فقطعه، فقالوا: ما كنا نراك تبلغ به هذا. قال: ((لو كانت فاطمة لقطعتها)). رواه النسائي. ٣٦٠٨ - وعن ابن عمرو، قال: جاء رجل إلي عمر بغلام له. فقال: اقطع يده، فإنه سرق مرآة لامرأتي. فقال عمر [﵁]: لا قطع عليه وهو خادمكم، أخذ متاعكم. رواه مالك. ــ المرة بالفاء المستدعية للتعقيب بلا مهلة، وفي المرات الأربع بحرف التراخي، ولعل الرجل بعد القطع تكلم بكلمة موجبة للقتل، والحسم القطع، وأراد به قطع الدم عنه بالكي. الحديث العاشر والحادي عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله ((ولو بنش)) ((نه)): النش نصف الأوقية، وهو عشرون درهماً، والأوقية أربعون. ((حس)): قالوا: العبد إذا سرق قطع آبقاً كان غير آبق. يروي عن ابن عمر أن عبداً له سرق وكان آبقاً فأرسل به إلي سعيد بن العاص ليقطع يده، فأبي سعيد وقال: لا تقطع يد الآبق إذا سرق، فقال عبد الله: في أي كتاب وجدت هذا فأمر به عبد الله، فقطعت يده. وعن عمر بن عبد العزيز أنه أمر به، وهو قول مالك والشافعي وعامة أهل العلم. الفصل الثالث الحديث الأول عن عائشة ﵂: قوله: ((ما كنا نراك)) أي ما نظنك أنك تقطعه بل ترحم عليه وترأف به، فأجاب أن هذا حق من حقوق الله وجب علي إمضاؤه، ولا تسع

стр. 1969

٣٦٠٩ - وعن أبي ذر، قال: قال لي رسول الله ﷺ : ((يا أبا ذر)) قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك قال: ((كيف أنت إذا أصاب الناس موت يكون البيت فيه بالوصيف)) – يعني القبر – قلت: الله ورسوله أعلم. قال: ((عليك بالصبر)) قال حماد ابن أبي سليمان: تقطع يد النباش؛ لأنه دخل علي الميت بيته. رواه أبو داود. (٢) باب الشفاعة في الحدود الفصل الأول ٣٦١٠ - عن عائشة [﵂]، أن قريشاً أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ . فكلمه أسامة. فقال رسول الله ﷺ : ((أتشفع في حد من حدود الله؟)) ثم قام فاختطب، ثم قال: ((إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد! وايم الله، ــ المسامحة فيه، ولو صدر ذلك عن بضعة منى لقطعتها، وكأنه ﷺ لمح إلي قوله تعالي: ﴿ولا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾. الحديث الثالث عن أبي ذر: قوله: ((بالوصيف)) ((نه)): الوصيف العبد والأمة وصيفة وجمعهما وصفاء ووصائف يريد أنه يكثر الموت، حتى يصير موضع قبر يشتري بعبد من كثرة الموتى، وقبر الميت بيته – انتهي كلامه. واستدل حماد بتسمية القبر البيت علي أن القبر حرز للميت فتقطع يد النباش. وقوله ((بيته)) يجوز أن يكون مجروراً علي البدل من ((الميت))، ومنصوباً علي التفسير والتمييز كقوله تعالي: ﴿ومَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إبْرَاهِيمَ إلَاّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ أو علي تقدير ((أعنى)) والله أعلم. باب الشفاعة في الحدود الفصل الأول الحديث الأول عن عائشة ﵂: قوله: ((أهمهم)) ((تو)): يقال: أهمني الأمر إذا أقلقك وأحزنك، والمرأة المخزومية هي فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد بنت أخي أبي سلمة، وإنما ضرب المثل بفاطمة بنت محمد ﷺ ؛ لأنها كانت أعز أهله عليه ثم لأنها كانت سمية

стр. 1970

لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)). متفق عليه. وفي رواية لمسلم، قالت: كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي ﷺ بقطع يدها، فأتى أهلها أسامة فكلموه، فكلم رسول الله ﷺ فيها، ثم ذكر الحديث بنحو ما تقدم. الفصل الثاني ٣٦١١ - عن عبد الله بن عمر، قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من حالت شفاعته دون حد من حدود الله؛ فقد ضاد الله. ومن خاصم في باطل وهو يعلمه؛ لم يزل في سخط الله تعالي حتى ينزع. ومن قال في مؤمن ما ليس فيه؛ أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال)). رواه أحمد، وأبو داود. وفي رواية للبيهقي في ــ لها. قوله: ((ومن يجترئ عليه إلا أسامة)) عطف علي محذوف أي لا يجترئ عليه منا أحد لمهابته، ولما لا تأخذه في دين الله رأفة، وما يجترئ عليه إلا أسامة. ((مح)): معنى يجترئ يتجاسر عليه بطريق الإدلال، وهذه منقبة ظاهرة لأسامة. وقوله: ((تستعير المتاع)) المراد أنها قطعت بالسرقة، وإنما ذكرت العارية تعريفاً لها لا لأنها سبب القطع. وإنما لم تذكر السرقة في هذه الرواية؛ لأن المقصود منها عند الراوي ذكر منع الشفاعة في الحدود لا الإخبار عن السرقة. قال الجمهور: لا قطع علي من جحد العارية، وقال أحمد وإسحاق: يجب القطع في ذلك، وقد أجمعوا علي تحريم الشفاعة في الحد بعد بلوغه إلي الإمام لهذا الحديث، وعلي أنه يحرم التشفيع فيه، فأما قبل البلوغ فقد أجاز فيها أكثر العلماء إذا لم يكن المشفوع فيه صاحب شر وأذى للناس، وأما المعاصي التي يجب فيها التعزيز فتجوز الشفاعة والتشفيع فيها، سواء بلغت الإمام أم لا؛ لأنها أهون، بل هي مستحبة إذا لم يكن المشفوع فيه صاحب أذى. الفصل الثاني الحديث الأول عن عبد الله بن عمر ﵄: قوله: ((من حالت شفاعته دون حد)) أي قدامه فيحجز عن الحد بعد وجوبه عليه بأن بلغ الإمام، وإنما قال: ((فقد ضاد الله)) لأن حدود الله حماه ومن استباح حمى الله وتعدى طوره، ونازع الله تعالي فيما حماه فقد ضاد الله. قوله: ((ردغة الخبال)) ((نه)): جاء تفسيرها في الحديث أنها عصارة أهل النار، والردغة – بسكون الدال وفتحها – طين ووحل كثير، ويجمع علي ردغ ورداغ. والخبال في الأصل الفساد، ويكون في الأفعال والأبدان والعقول. ((قض)): وخروجه مما قال أن يتوب عنه ويستحل من المقول فيه.

стр. 1971

((شعب الإيمان)): ((من أعان علي خصومة لا يدري أحق أم باطل؛ فهو في سخط الله حتى ينزع)). ٣٦١٢ - وعن أبي أمية المخزومي: أن النبي ﷺ أتى بلص قد اعترف اعترافاً، ولم يوجد معه متاع. فقال له رسول الله ﷺ : ((ما إخالك سرقت)). قال: بلي، فأعاد عليه مرتين أو ثلاثاً، كل ذلك يعترف، فأمر به فقطع، وجيء به فقال له رسول الله ﷺ : ((استغفر الله، وتب إليه)). فقال: استغفر الله، وأتوب إليه، فقال رسول الله ــ ((شف)): ويجوز أن يكون المعنى أسكنه الله ردغة الخبال ما لم يخرج من إثم ما قال، فإذا خرج من إثمه أي إذا استوفي عقوبة إثمه لم يسكنه الله ردغة الخبال، بل ينجيه الله تعالي منه ويتركه. أقول: ((حتى)) علي ما ذهب إليه القاضي غاية فعل المغتاب، فيكون في الدنيا فيجب التأويل في قوله: ((أسكنه الله ردغة الخبال)) بسخط الله تعالي وغضبه الذي هو سبب في إسكانه ردغة الخبال، يؤيده القرينة السابقة واللاحقة؛ لأن النزع في القرينة الأولي مفسر بترك الخصومة الباطلة، وعلي هذا في الثالثة، والحيلولة بالشفاعة أعظمها؛ لأنها مضادة الله تعالي ولم يذكر فيه النزع. ثم الاغتياب لوضع المسبب موضع السبب تصويراً لتهجن أمر المغتاب، وكأنه فيها الآن. – والله أعلم. الحديث الثاني عن أبي أمية: قوله: ((ما إخالك سرقت)) ((قض)): إخال من خال يخال إذا ظن. والعرب يكسرون الهمزة فيه غير بني أسد، فإنهم يفتحونها علي القياس، وبهذا الحديث يستشهد علي أن للإمام أن يعرض للسارق بالرجوع، فإن رجع بعد الاعتراف قبل الحكم لا يسقط الحد كما في الزنا، وهو أصح القولين المحكيين عن الشافعي ﵁. ولمن زعم أن السرقة لا تثبت بالإقرار مرة واحدة – كأحمد وأبي يوسف وزفر – أن يتمسك به أيضاً؛ لأنه لو ثبت بإقراره الأول لوجب عليه إقامة الحد ويحرم تلقينه بالرجوع؛ لقوله ﷺ في حديث عبد الله بن عمر: ((تعافوا في الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب)). وجوابه أنه ﷺ إنما لقنه لما رأي أن له مخرجاً عنه بالرجوع، وقد قال ﷺ : ((ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرجاً فخلوا سبيله)) وإنما لم يجب حيث لم يكن له مخرج. ((خط)): وجه قوله ﷺ : ((ما إخالك سرقت)) عندي أنه ظن بالمعترف غفلة عن السرقة وأحكامها أو لم يعرف معناها، فأحب أن يتبين ذلك منه يقيناً، وقد نقل تلقين السارق عن جماعة من الصحابة. أقول: ويمكن أن يقال: إنه ﷺ ظن ما ظن لما اعترف الرجل ذلك الاعتراف، والحال أنه لم يوجد معه متاع أي متاع ما، فإن هذه الإمارة كافية في الظن بالخير بالمسلمين.

стр. 1972

صلى الله عليه وسلم: ((اللهم تب عليه)) ثلاثاً. رواه أبو دواد، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي هكذا وجدت في ((الأصول الأربعة)) و ((جامع الأصول)) و ((شعب الإيمان)) و ((معالم السنن)) عن أبي أمية. ٣٦١٣ - وفي نسخ ((المصابيح)): عن أبي رمثة، بالراء، والثاء المثلثة، بدل الهمزة والياء. (٣) باب حد الخمر الفصل الأول ٣٦١٤ - عن أنس، أن النبي ﷺ ضرب في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر [﵁] أربعين. متفق عليه. ــ وقوله: ((كل ذلك)) ظرف ((يعترف))، قدم للاهتمام، أي لم يعترف في كل من تلك المرات، وذكره ((ذلك)) باعتبار المذكور، والجملة صفة لقوله: ((ثلاثاً)) و ((ثلاثا)) نصب علي المصدرية، وعامله ((فأعاد)) والأمر بالاستغفار بعد القطع، وتكرير رسول الله ﷺ الاستغفار له تأكيد وتقرير لتوبته. قوله: ((وفي نسخ المصابيح: عن أبي رمثة)) يريد أن الناسخ لعله صحف وقصر الهمزة، وأمال آخرها فأثتبه علي الناسخين فكتبوه رمثة. وسيأتي ذكر أمية المخزومي في أسماء الرجال. باب حد الخمر ((غب)): الخمر ستر الشيء، ويقال لما يتستر به: خمار، والخمر سمى به لكونه خامراً لمقر العقل، وهو عند بعض الناس اسم لكل مسكر، وعند بعضهم اسم للمتخذ من العنب والتمر. الفصل الأول الحديث الأول عن أنس ﵁: قوله: ((بالجريد)) الجريدة السعفة وجمعها جرايد، وسميت بها لكونها مجردة عن الخوص. ((حس)): اختلفوا في حد شارب الخمر، فذهب قوم والشافعي إلي أن الحد أربعون جلدة، وقوم إلي أنه ثمانون، وروى أن عمر ﵁ اتشار علياً ﵁، فقال: أرى أن يجلد ثمإنين؛ فإنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذي، وإذا هذي افترى، أو كما قال: فجلد عمر ثمإنين. قال: وما زاد علي الأربعين كان تعزيراً، وللإمام أن يزيد في العقوبة إذا أدى إليه اجتهاده. وروى أن [عمر] قال لعلي ﵄ في رجل شرب الخمر: أقم عليه الحد، قال علي للحسن: أقم، فقال الحسن: ولي حارها من تولي قارها، فقال علي لعبد الله بن جعفر:

стр. 1973

٣٦١٥ - وفي رواية عنه: أن النبي ﷺ كان يضرب في الخمر بالنعال والجريد أربعين. ٣٦١٦ - وعن السائب بن يزيد، قال: كان يؤتى بالشارب علي عهد رسول الله ﷺ وإمرة أبي بكر، وصدراً من خلافة عمر، فنقوم عليه بأيدينا، ونعالنا، وأرديتنا، حتى كان آخر إمرة عمر، فجلد أربعين، حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمإنين. رواه البخاري. الفصل الثاني ٣٦١٧ - عن جابر، عن النبي ﷺ ، قال: ((من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد ــ أقم عليه الحد، قال: فأخذ السوط فجلده، وعلي ﵁ يعد، فلما بلغ أربعين قال: حسبك؛ جلد النبي ﷺ أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وعمر ثمإنين وكل سنة، وهذا أحب إلي. وفي قول علي عند الأربعين: ((حسبك)) دليل علي أنه الأصل في الحد، وما وراء ذلك فهو تعزير، ولو كان حداً لما كان لأحد فيه الخيار. وقوله: ((ولي حارها)) أي ولي العقوبة والضرب من تولي العمل والنفع، والقار البارد. وقال الأصمعي: ولي شديدها من ولي هنيها. أقول: الضميران المؤنثان راجعان إلي الخلافة، وهو تعريض بعثمان ﵁، يعني ولي مشاق الخلافة من تولي ملاذها؛ فإن الحرارة والبرودة مثلان للمشقة واللذة. ((تو)): ((وكل سنة)) أي كل واحدة من القضيتين مبناها علي السنة، فسمي كلاهما سنة؛ لأنهما أخذتا من السنة، ويبين هذا المعنى قوله ﷺ : ((فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين)). ((مح)): قول علي ﵁: ((وكل سنة)) يدل علي أن عليا كان معظما لآثار عمر، وأن حكمه وقوله سنة وأمره حق، وكذلك أبو بكر، بخلاف ما يفترى الشيعة عليه. الحديث الثاني عن السائب: قوله: ((وإمرة أبي بكر)) الإمرة – بالكسر – الإمارة. وقوله: ((إذا عتوا وفسقوا)) أي أفسدوا وانهمكوا في الطغيان، وأصل العتو التجبر التكبر، وقد عتا يعتو عتوا فهو عات. وقوله: ((بأيدينا)) حال والمعنى نقوم عليه ونتشمر له ونتجلد ضاربين بأيدينا. ((مح)): أجمعوا علي حصول حد الخمر بالجريد وأطراف الثياب، واختلفوا في جوازه بالسوط وفيه وجهان لأصحابنا، أصحهما الجواز وأما إذا ضرب بالسوط فينبغي أن يكون السوط سوطاً معتدلا في الحجم بين القضيب والعصا، وضرباً بين بين، فلا يرفع يده فوق رأسه، ولا يكتفي بالوضع، فيرفع رفعاً معتدلا. الفصل الثاني الحديث الأول عن جابر: قوله: ((فضربه ولم يقتله)) هذه قرينة ناهضة علي أن قوله: ((فاقتلوه))

стр. 1974

في الرابعة فاقتلوه)) قال: ثم أتى النبي ﷺ بعد ذلك برجل قد شرب في الرابعة، فضربه ولم يقتله. رواه الترمذي. ٣٦١٨ - ورواه أبو داود، عن قبيصة بن ذؤيب. ٣٦١٩ - وفي أخرى لهما، وللنسائي، وابن ماجه، والدارمي، عن نفر من أصحاب رسول الله، منهم ابن عمر، ومعاوية، وأبو هريرة، والشريد، إلي قوله: ((فاقتلوه)). ٣٦٢٠ - وعن عبد الرحمن بن الأزهر، قال: كإني أنظر إلي رسول الله ﷺ إذ أتى برجل قد شرب الخمر، فقال للناس: ((اضربوه)) فمنهم من ضربه بالنعال، ومنهم من ضربه بالعصا، ومنهم من ضربه بالميتخة. قال ابن وهب: يعني الجردية الرطبة، ثم أخذ رسول الله ﷺ تراباً من الأرض، فرمى به في وجهه. رواه أبو داود. ــ مجاز عن الضرب المبرح مبالغة لما عتا وتمرد، ولا يبعد أن عمر أخذ الجلد ثمإنين من هذا المعنى. ((خط)): قد يراد بالأمر الوعيد ولا يراد به وقوع الفعل، وإنما يقصد به الردع والتحذير، كقوله ﷺ : ((من قبل عبد قتلناه)) وهو لو قتل عبد نفسه لم يقتل به في قول عامة الفقهاء. وقال أبو عيسى: إنما كان هذا في أول الأمر ثم نسخ. ((مح)): أجمع المسلمون علي تحريم شرب الخمر وعلي وجوب الحد علي شاربها سواء شرب شرباً قليلاً أو كثيراً، وعلي أنه لا يقتل وإن تكرر ذلك منه. وحكى القاضي عياض عن طائفة شاذة أنهم قالوا: يقتل بعد جلده أربع مرات لهذا الحديث، وهو باطل مخالف للإجماع، والحديث منسوخ، قيل نسخه قوله: ((لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث)) الحديث. وحد العبد علي نصف حد الحر كما في الزنا والقذف. واختلفوا فيمن شرب النبيذ وهو ما سوى عصير العنب من الأنبذة المسكرة، فقال مالك والشافعي والجمهور: هو حرام يجلد [فيه كجلد شارب الخمر سواء كان يعتقد إباحته أو تحريمه، وقال أبو حنيفة والكوفيون: لا يحرم ولا يحد، وقال أبو ثور: هو حرام يجلد بحده] بشر به من يعتقد تحريمه دون من يعتقد إباحته. الحديث الثاني عن عبد الرحمن: قوله: ((بالميتخة)) ((نه)): هذه اللفظة قد اختلف في ضبطها، فقيل: هي بكسر الميم وتشديد التاء، وبفتح الميم مع التشديد، وبكسر الميم وسكون الياء قبل التاء، وبكسر الميم وتقديم الياء الساكنة علي التاء. قال الأزهري: وهذه كلها أسماء لجرائد النخل، وأصل العرجون. وقيل: هو اسم للعصا، وقيل: القضيب الدقيق اللين. وقيل: كل ما ضرب به من جريد أو عصا أو درة وغير ذلك.

стр. 1975

٣٦٢١ - وعن أبي هريرة، قال: إن رسول الله أتى برجل قد شرب [الخمر]. فقال: ((اضربوه)) فمنا الضارب بيده، والضارب بثوبه. والضارب بنعله. ثم قال: ((بكتوه)) فأقبلوا عليه يقولون: ما اتقيت الله، ما خشيت الله، وما استحييت من رسول الله ﷺ فقال بعض القوم: أخزاك الله. قال: ((لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان، ولكن قولوا: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه)). رواه أبو داود. [٣٦٢١] ٣٦٢٢ - وعن ابن عباس، قال: شرب رجل، فسكر، فلقي يميل في الفخ، ــ وأصلها فيما قيل من تيخ الله رقبته بالسهم إذا ضربه. وقيل: من تيخه العذاب وطيخه إذا ألح عليه، فأبدلت التاء من الطاء، ومنه الحديث: أنه خرج وفي يده ميتخة في طرفها خوص معتمدا علي ثابت بن قيس. قوله: ((تراباً من الأرض)) رمى به إرغاماً له واستهجاناً لما ارتكبه؛ فإنه أزال أشرف الأشياء ومقر تكاليف الله ومعرفته بأخس الأشياء وأخبثها. الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((بكتوه)) ((فا)): التبكيت استقباله بما يكره من ذم وتقريع، وأن يقال له: يا فاسق! ما اتقيت الله، ما خشيت الله. أقول: المناسب في هذا المقام أن يفسر التبكيت بما فسره به الزمخشري في أساس البلاغة، قال: يقال: بكته بالحجة وبكته عليه يقال بكته حتى أسكته، وبكته قرعه علي الأمر وألزمه بما عيي بالجواب عنه، وبكته بالعصا ضربه. فقوله ﷺ : ((ما اتقيت الله، ما خشيت الله، وما استحييت من رسول الله ﷺ ) كل ذلك إلزام له وإسكات بما يعيي عن الجواب؛ إذ ليس له أن يقول: ما أتقيه ولا أستحيي منه. ومعنى ((استغفر الله)) مطابق لهذا التفسير؛ لأن الاستغفار إنما يصدر عمن يتقي الله ويخشاه، فحينئذ لا يستقيم أن يقال له: يا فاسق ولا أخزاك الله. قوله: ((لا تعينوا عليه الشيطان)) ((قض)): أي بنحو هذا الدعاء؛ فإنه تعالي إذا أخزاه استحوذ عليه الشيطان؛ أو لأنه إذا سمع منكم ذلك أيس من رحمة الله وانهمك في المعاصي، أو حمله اللجاج والغضب علي الإصرار، فيصير الدعاء وصلة ومعونة في إغوائه وتسويله. الحديث الرابع عن ابن عباس ﵄: قوله: ((يميل في الفخ)) ((تو)): الفج الطريق الواسع بين الجبلين، وأرى أن ذلك بمكة؛ لأن دار العباس بها واقعة في أحد شعابها؛ إذ ليست الدار التي تنسب إلي العباس بالمدينة في فج من الفجاج ولا مقاربة منه. أقول: يمكن أن يستعار للزقاق الواسع الفج فيكون بالمدينة.

стр. 1976

فانطلق به إلي رسول الله ﷺ ، فلما حاذى دار العباس، انفلت فدخل علي العباس، فالتزمه، فذكر ذلك النبي ﷺ ، فضحك وقال: ((أفعلها؟)) ولم يأمر فيه بشيء. رواه أبو داود. [٣٦٢٢] الفصل الثالث ٣٦٢٣ - عن عمير بن سعيد النخعي، قال: سمعت علي بن أبي طالب يقول: ما كنت لأقيم علي أحد حداً فيموت، فأجد في نفسي منه شيئاً، إلا صاحب الخمر، فإنه لو مات وديته، وذلك أن رسول الله ﷺ لم يسنه. متفق عليه. ــ وقوله: ((أفعلها)) الضمير للمذكورات من الانفلات والدخول والالتزام. ويجوز أن يكون للمصدر أي أفعل الفعلة، كما في قوله: ((واجعله الوارث منا)) فالفعل حينئذ بمنزلة اللازم كناية عن المذكورات، كما في قوله تعالي: ﴿فَإن لَّمْ تَفْعَلُوا﴾ بعد قوله: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾. ((خط)): هذا دليل علي أن حد الخمر أخف الحدود، وأن الخطر فيه أيسر منه في سائر الفواحش. وقد يحتمل أن يكون إنما لم يعرض له بعد دخوله دار العباس من أجل أنه لم يكن ثبت عليه الحد بإقرار منه أو شهادة عدول. وإنما لقي في الطريق يميل فظن به السكر فلم يكشف عنه رسول الله ﷺ وتركه علي ذلك. الفصل الثالث الحديث الأول عن عمير: قوله: ((لأقيم)) دخل اللام في خبر ((كان)) تأكيداً للنفي، كقوله تعالي: ﴿ومَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمَانَكُمْ﴾ وقوله: ((فيموت)) مسبب عن ((أقيم)) وقوله: ((فأجد)) مسبب عن مجموع السبب والمسبب. والاستثناء في قوله: ((إلا صاحب الخمر)) منقطع، أي لكن أجد من حد صاحب الخمر إذا مات شيئاً، ويجوز أن يقدر: ما أجد من موت أحد يقام عليه الحد شيئاً إلا من موت صاحب الخمر فيكون متصلا. قوله: ((لم يسنه)) ((مح)): أي لم يقدر فيه حداً مضبوطاً، وقد أجمعوا علي أن من وجب عليه الحد فجلده الإمام أو جلاده الحد الشرعي فمات، فلا دية فيه ولا كفارة علي الإمام، ولا علي جلاده ولا في بيت المال. وأما من مات بالتعزير فمذهبنا وجوب ضمانه بالدية والكفارة. أقول: يمكن أن يراد بقوله: ((لم يسنه)) الحد الذي يؤدي إلي التعزير كما سيأتي بعد، وسبق بيانه في حديث أنس ومشاورة عمر علياً ﵄، وحديث عثمان معه، وقوله: ((حسبك)) وتلخيص

стр. 1977

٣٦٢٤ - وعن ثور بن زيد الديلمي، قال: إن عمر استشار في حد الخمر فقال له علي: أرى أن تجلده ثمإنين جلدة، فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فجلد عمر [﵁] في حد الخمر ثمإنين. رواه مالك. (٤) باب مالا يدعى علي المحدود الفصل الأول ٣٦٢٥ - عن عمر بن الخطاب [﵁] أن رجلاً اسمه عبد الله يلقب حماراً، كان يضحك النبي ﷺ [وكان النبي ﷺ ] قد جلده في الشراب، فأتي به يوماً، فأمر به فجلد. فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به. فقال النبي ﷺ : ((لا تلعنوه، فو الله ما علمت أنه يحب الله ورسوله)). رواه البخاري. ــ المعنى انه إنما خاف من سنة سنها عمر وقرره برأي علي ﵄، لا مما سنه رسول الله ﷺ من جلد أربعين. وقد استدل عليه الشيخ محيي الدين بدلائل علي إثباته وروينا في شرح السنة في حديث أنس أن علياً قال لجعفر لما بلغ أربعين: ((حسبك، جلد النبي ﷺ أربعين وجلد أبو بكر أربعين، وعمر ثمإنين، فكل سنة، وهذا أحب إلي)). وقد أورده الشيخ محيي الدين أيضاً في شرح صحيح مسلم. فإن قلت: كيف قال: إن الثمإنين أحب إلي ثم خاف منه؟ قلت: إن المحبة والخوف تتفاوت بحسب الأشخاص والأوقات. الحديث الثاني عن ثور: قوله: ((إذا شرب سكر – إلي قوله – افترى)) جعل سبب السبب سبباً، وأجرى علي الأول ما علي الأخير، فحد شارب الخمر حد القاذف تغليظاً وذلك لعتوه وتماديه في الفساد، كما أشار إليه في حديث السائب في الفصل الأول بقوله: ((حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمإنين)) وما هذا شأنه يكون مبنياً علي الاجتهاد، وحق لمثله أن يقال: وذلك أن رسول الله ﷺ لم يسنه، ويؤدي عمن مات منه احتياطاً. بابا ما لا يدعي علي المحدود الفصل الأول الحديث الأول والثاني عن عمر ﵁: قوله: ((ما يؤتى به)) ((ما)) مصدرية أي ما أكثر إتيانه كقولك: ما أحسن زيداً. قوله: ((فو الله ما علمت)) ((مظ)): ((ما)) موصولة و ((أن)) مع

стр. 1978

٣٦٢٦ - وعن أبي هريرة قال: أتي النبي ﷺ برجل قد شرب، فقال: ((اضربوه)) فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه، فلما انصرف قال بعض القوم: أخزاك الله. قال: ((لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشطان)). رواه البخاري. الفصل الثاني ٣٦٢٧ - عن أبي هريرة، قال: جاء الأسلمي إلي نبي الله ﷺ ، فشهد علي نفسه أنه أصاب امرأة حراماً، أربع مرات، كل ذلك يعرض عنه، فأقبل في الخامسة، فقال: ((أنكتها؟)) قال: نعم. قال: ((حتى غاب ذلك منك في ذلك منها)) قال: نعم قال: ((كما يغيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر؟)) قال: نعم. قال: ((هل تدري ــ اسمه وخبره سد مفعولي ((علمت))؛ لكونه مشتملا علي المنسوب والمنسوب إليه، والضمير في ((أنه)) يعود إلي الموصولة، والموصول مع صلته خبر مبتدأ محذوف، تقديره هو الذي علمت والجملة جواب القسم. وفيه تعسف، وفي مطالع الأنوار: معناه فو الله الذي علمته أنه يحب الله ورسوله، فعلي هذا علم بمعنى عرف، و ((أنه)) خبر الموصول. وفيه أيضاً: أو تجعل ((ما)) نافية والتاء للخطاب علي طريق التقرير له ويصح علي هذا كسر ((أنه)) وفتحها، والكسر علي جواب القسم. وفيه أن ((ما)) صلة تأكيداً، أي لقد علمت. أقول: وكأن جعل ((ما)) نافية أظهر لوجه اقتضاء القسم أن يتلقى بحرف النفي وأن واللام بخلاف الموصولة؛ ولأن الجملة القسمية جيء بها مؤكدة لمعنى النهي ومقررة للإنكار، ويؤيده رواية شرح السنة: ((فو الله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله)) لأن معنى الحصر في هذه الرواية بمنزلة تاء الخطاب في تلك الرواية؛ لإرادة الرد ومزيد الإنكار علي المخاطب. وفيه أن محبة الله ومحبة رسوله موجبتان للزلفي من الله والقربى منه، ولا يجوز لعنه لأنه طرد من الله تعالي وبعد من رحمته. الفصل الثاني الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((أتيت منها حراماً؟)) جواب عن قوله: ((أتدري ما الزنا؟)) فإنه مستدرك لما سبق من قوله: ((أصاب امرأة حراماً)) وتصريحه بقوله: ((نعم)) في جوب ((أنكتها؟)) ثم قوله: ((فما تريد بهذا القول؟)) كل ذلك تعلل وسوق للمعلوم مساق المجهول لعله يرجع عن شهادته تلك؛ إيذاناً بأن حق الله تعالي علي المساهلة، وعلي أن للإمام أن يعرض [عن] المحدود بإنكار موجبه.

стр. 1979

ما الزنا؟)) قال: نعم؛ أتيت منها حراماً ما يأتي الرجل من أهله حلالاً. قال: ((فما تريد بهذا القول؟)) قال: أريد أن تطهرني، فأمر به فرجم، فسمع نبي الله ﷺ رجلين من أصحابه يقول أحدهما لصاحبه: انظر إلي هذا الذي ستر الله عليه، فلم تدعه نفسه حتى رجم رجم الكلب، فسكت عنهما، ثم سار ساعة حتى مر بجيفة حمار شائل برجله، فقال: ((أين فلان وفلان؟)) فقالا: نحن ذان يا رسول الله فقال: ((انزلا فكلا من جيفة هذا الحمار)) فقالا: يا نبي الله من يأكل من هذا؟ قال: ((فما نلتما من عرض أخيكما آنفاً أشد من أكل منه، والذي نفسي بيده، إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها)) رواه أبو داود. [٣٦٢٧] ٣٦٢٨ - وعن خزيمة بن ثابت، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أصاب ذنباً أقيم عليه حد ذلك الذنب فهو كفارته)). رواه في ((شرح السنة)) ٣٦٢٩ - وعن علي [﵁] عن النبي ﷺ قال: ((من أصاب حداً فجعل عقوبته في الدنيا فالله أعدل من أن يثني علي عبده العقوبة في الآخرة، ومن أصاب حداً فستره الله عليه وعفا عنه فالله أكرم من أن يعود في شيء قد عفا عنه)). رواه الترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث غريب. [وهذا الباب خال عن الفصل الثالث] ــ قوله: ((فما نلتما)) ((مظ)): ((ما)) الموصولة مع صلتها مبتدأ، و ((أشد)) خبره والعائد محذوف أي ما نلتماه. الحديث الثاني والثالث عن علي ﵁: قوله: ((من أصاب حدا)) أي ذنبا يوجب الحد فأقيم المسبب مقام السبب. ويجوز أن يراد بالحد المحرم من قوله تعالي: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا﴾ أي تلك محارمه. وقوله: ((فستر)) مع قوله: ((وعفا عنه)) معا عطف علي الشرط، أي من ستر الله عليه وتاب فوضع غفران الله موضع التوبة إشعاراً بترجيح جانب الغفران، وأن الذنب مطلوب له؛ ولذلك وضع المظهر موضع المضمر في الجزاء، ووصفه بالكرم. وفيه حث علي الستر والتوبة، وأنه أولي وأحرى من الإظهار.

стр. 1980

(٥) باب التعزير الفصل الأول ٣٦٣٠ - وعن أبي بردة بن نيار، عن النبي ﷺ قال: ((لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حد من حدود الله)). متفق عليه. الفصل الثاني ٣٦٣١ - عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: ((إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه)). رواه أبو داود. [٣٦٣١] ــ ((حس)): قال الشافعي: وأحب لمن أصاب ذنباً فستره الله عليه أن يستر علي نفسه ويتوب فيما بينه وبين ربه. وكذلك روى عن أبي بكر وعمر أنهما أمرا أن يستر علي نفسه. وقال به الزبير بن العوام وابن عباس ﵃. باب التعزير المغرب: التعزير تأديب دون الحد، وأصله من العزر بمعنى الرد والردع الفصل الأول الحديث الأول عن أبي بردة: قوله: ((لا يجلد فوق عشر جلدات)) ((مح)): قال أصحابنا: هذا الحديث منسوخ، واستدلوا بأن الصحابة رضوان الله عليهم أجميعن جاوزوا عشرة أسواط. وقال أصحاب مالك: إنه كان مختصاً بزمن النبي ﷺ وهو ضعيف. وقال جمهور أصحابنا: لا يبلغ تعزير كل إنسان أدنى الحدود كالشرب، فلا يبلغ تعزير العبد عشرين سوطاً، ولا تعزير الحر أربعين. وقال أحمد بن حنبل والأشهب المالكي وبعض أصحابنا: لا تجوز الزيادة علي عشرة. وقال مالك وأصحابه وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور والطحاوي: لا ضبط لعدد الضربات، بل ذلك إلي رأي الإمام، فله أن يزيد علي قدر الحدود. ((حس)): مذهب أكثر الفقهاء أن التعزير أدب يقصر عن مبلغ أقل الحدود؛ لأن الجناية الموجبة للتعزير قاصرة عما يوجب الحد، كما أن الحكومة الواجبة بالجناية علي العضو وإن قبح شينها، تكون قاصرة عن كمال دية ذلك العضو. الفصل الثاني الحديث الأول والثاني عن ابن عباس ﵄: قوله: ((يا يهودي)) فيه تورية وإيهام،

стр. 1981

٣٦٣٢ - وعن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: ((إذا قال الرجل للرجل: يا يهودي! فاضربوه عشرين. وإذا قال: يا مخبث فاضربوه عشرين. ومن وقع علي ذات محرم فاقتلوه)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب. [٣٦٣٢] ٣٦٣٣ - وعن عمر [﵁] أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا وجدتم الرجل قد غل في سبيل الله؛ فأحرقوا متاعه واضربوه)). رواه الترمذي، وأبو داود، وقال الترمذي: هذا حديث غريب. [٣٦٣٣] [وهذا الباب خال عن الفصل الثالث] (٦) باب بيان الخمر ووعيد شاربها الفصل الأول ٣٦٣٤ - عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: ((الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والعنبة)) رواه مسلم. ــ لأنه يحتمل أن يراد به الكفر والذلة؛ لأن اليهود مثل في الذلة والصغار، والحمل علي الثاني أرجح للدرء في الحدود، وعلي هذا المخنث. قوله: ((فاقتلوه)) ((خط)): حكم أحمد بظاهر الحديث، وقال غيره: هذا زجر وإلا حكمه حكم سائر الزناة، يرجم إن كان محصناً ويجلد إن لم يكن محصناً. الحديث الثالث عن عمر ﵁: قوله: ((فأحرقوا متاعه)) ((تو)): إحراق المتاع كان في أول الأمر بالمدينة ثم نسخ. ((خط)): أما تأديبه بعقوبة في نفسه علي سوء فعله فلا أعلم من أهل العلم فيه خلافاً، وأما عقوبته في ماله فقد اختلف العلماء فيه، فقال الحسن البصري: يحرق ماله إلا أن يكون حيواناً أو مصحفاً. وبه قال جماعة من العلماء إلا أنه لا يحرق ما قد غل؛ لأنه حق الغانمين يرد عليهم. قال الشافعي: يعاقب الرجل في بدنه دون ماله. باب بيان الخمر ووعيد شاربها الفصل الأول الحديث الأول والثاني عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((الخمر من هاتين الشجرتين)) بيان لحصول الخمر منهما غالباً، وليس للحصر لخلو التركيب عن أداته، ولأن عمر رضي الله

стр. 1982

٣٦٣٥ - وعن ابن عمر [﵄] قال: خطب عمر [﵁] علي منبر رسول الله ﷺ فقال: إنه قد نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة أشياء: العنب، والتمر، والحنطة، والشعير، والعسل. والخمر ما خامر العقل. رواه البخاري. ٣٦٣٦ - وعن أنس، قال: لقد حرمت الخمر حين حرمت، وما نجد خمر الأعناب إلا قليلاً، وعامة خمرنا البسر والتمر. رواه البخاري. ٣٦٣٧ - وعن عائشة، قالت: سئل رسول الله ﷺ عن البتع وهو نبيذ العسل فقال: ((كل شراب أسكر فهو حرام)). متفق عليه. ٣٦٣٨ - وعن ابن عمر [﵄] قال: قال رسول الله ﷺ : ((كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها لم يتب؛ لم يشربها في الآخرة)) رواه مسلم. ــ عنه زاد عليه إلي خمسة، وتعداد عمر أيضاً ليس للحصر لتعقيبه بقوله: ((والخمر ما خامر العقل)). الحديث الثالث عن أنس ﵁: قوله: ((لقد حرمت الخمر)) فيه إخبار بأن الخمر حرمها الله تعالي بأن أنزل علي رسوله تحريمها، وأن رسول الله ﷺ نص علي تحريمها؛ لأن الصحابي إذا قال: أمرنا أو حرم أو شبه ذلك كان مرفوعاً إلي رسول الله ﷺ . الحديث الرابع عن عائشة ﵂: قوله: ((كل شراب أسكر)) جواب عن سؤالهم عن البتع، يدل علي تحريم كل ما أسكر، وعلي جواز القياس باطراد العلة وعلة هذا قوله: ((كل مسكر خمر)). ((مح)): فيه تصريح بتحريم جميع الأنبذة المسكرة، وأن كلها تسمى خمراً سواء في ذلك [الفضيخ] ونبيذ التمر والرطب والبسر والشعير والزبيب والذرة والعسل وغيرهما، هذا مذهبنا وبه قال مالك وأحمد والجماهير من السلف والخلف. وقال أبو حنيفة: إنما يحرم عصير ثمرات النخيل والعنب قليلها وكثيرها إلا أن تطبخ حتى ينقص ثلثها. وأما نقيع التمر والزبيب فقال: يحل مطبوخها وإن مسته النار شيئاً قليلا من غير اعتبار كما اعتبر الثلث في سلافة العنب. قال: [النيء] منه حرام، ولكن لا يحد شاربه، هذا كله ما لم يسكر، فإن أسكر فهو حرام بالإجماع. الحديث الخامس عن ابن عمر ﵄: قوله: ((لم يشربها في الآخرة)) ((نه)): هذا من باب التعليق بالبيان أراد أنه لم يدخل الجنة؛ لأن الخمر من شراب أهل الجنة، فإذا لم يشربها في الآخرة لم يدخل الجنة.

стр. 1983

٣٦٣٩ - وعن جابر، أن رجلاً قدم من اليمين، فسأل النبي ﷺ عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يقال له: المزر، فقال النبي ﷺ : ((أو مسكر هو؟)) قال: نعم. قال: ((كل مسكر حرام، إن علي الله عهداً لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال)). قالوا: يا رسول الله! وما طينة الخبال؟ قال: ((عرق أهل النار – أو عصارة أهل النار)) رواه مسلم. ٣٦٤٠ - وعن أبي قتادة: أن النبي ﷺ نهي عن خليط التمر والبسر، وعن خليط الزبيب والتمر، وعن خليط الزهو والرطب. وقال: ((انتبذوا كل واحد علي حدة)). رواه مسلم. ــ ((مح)): قيل: يدخل الجنة ويحرم عليها شربها؛ فإنها من فاخر أشربة أهل الجنة، فيحرمها هذا العاصي بشربها في الدنيا. وقيل: إنه ينسى شهوتها؛ لأن الجنة فيها كل ما تشتهي الأنفس. وقيل: لا يشتهيها وإن ذكرها، فيكون هذا نقص عظيم لحرمانه أشرف نعيم الجنة. الحديث السادس عن جابر: قوله: ((الذرة)) قال الجوهري: الذرة حب معروف، وأصله ذرو أو ذري والهاء عوض. قوله: ((إن علي الله عهداً)) ضمن عهدا معنى الحتم وعداه بـ ((علي))، قال تعالي: ﴿كَانَ عَلي رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًا﴾ أي كان ورودهم وسقيهم من طينة الخبال واجباً علي الله وعيداً، أوجبه علي نفسه وأوعد عليه وعزم علي أن لا يكون غيرهما، وفيهما معنى الحلف والقسم؛ لقوله ﷺ : ((إلا تحلة القسم)) وقوله: ((حلف ربي : بعزتي! لا يشرب عبد من عبيدي جرعة من خمر إلا سقيته من الصديد مثلها)). وقوله: ((لمن يشرب)) اللام بيان كأنه لم قيل: إن علي الله عهداً قيل: هذا العهد لمن؟ قيل: لمن يشرب المسكر، نحوه قوله تعالي: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾. الحديث السابع عن أبي قتادة: قوله: ((نهي عن خليط التمر)) ((قض)): إنما نهي عن الخلط، وجوز إنباذ كل واحد وحده؛ لأنه ربما أسرع التغير إلي أحد الجنسين، فيفسد الآخر، وربما لم يظهر فيتناوله محرماً. ((مظ)): قال مالك وأحمد: يحرم شرب نبيذ خلط فيه شيئان، وإن لم يسكر؛ عملا بظاهر الحديث، وهو أحد قولي الشافعي، وقال أبو حنيفة: لم يحرم إن لم يكن مسكراً وهو القول الثاني للشافعي.

стр. 1984

٣٦٤١ - وعن أنس، أن النبي ﷺ سئل عن الخمر يتخذ خلاً؟ فقال: ((لا)). رواه مسلم. ٣٦٤٢ - وعن وائل الحضرمي، أن طارق بن سويد سأل النبي ﷺ عن الخمر، فنهاه. فقال: إنما أصنعها للدواء، فقال: ((إنه ليس بدواء ولكنه داء)). رواه مسلم. الفصل الثاني ٣٦٤٣ - عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من شرب الخمر لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحاً، فإن تاب تاب الله عليه. فإن عاد لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحاً، فإن تاب تاب الله عليه. فإن عاد لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحاً، فإن تاب تاب الله عليه. فإن عاد في الرابعة لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحاً، فإن تاب لم يتب الله عليه وسقاه من نهر الخبال)) رواه الترمذي. [٣٦٤٣] ــ الحديث الثامن عن أنس ﵁: قوله: ((فقال: لا)) ((مح)): هذا دليل الشافعي والجمهور علي أنه لا يجوز تخليل الخمر بنحو خبز أو بصل أو غيرهما مما يلقي فيها، فهي باقية علي نجاستها، وينجس ما ألقى فيها، فلا يطهر أبداً. أما إذا نقلت من الشمس إلي الظل ومن الظل إلي الشمس، ففي طهارتها وجهان: أصحهما تطهر عند أصحابنا. وقال الأوزاعي والليث أبو حنيفة: تطهر بالتخليل. وعن مالك ثلاث روايات: أصحها أن التخليل حرام، فلو خللها عصى وطهرت. الحديث التاسع عن وائل: قوله: ((إنه ليس بدواء)) ((مح)): فيه تصريح بأنها ليست بدواء فيحرم التداوي بها، فإذا لم يكن فيها دواء فكأنه تناولها بلا سبب، وأما إذا غص بلقمة ولم يجد ما يسيغها به إلا الخمر فيلزمه الإساغة بها؛ لأن حصول الشفاء بها حينئذ مقطوع به، بخلاف التداوي. الفصل الثاني الحديث الأول عن عبد الله: قوله: ((لم يقبل الله صلاة له)) ((شف)): إنما خص الصلاة بالذكر لأنها أفضل عبادات البدن، أي إذا لم تقبل منه الصلاة التي هي أفضل عبادات البدن، فلأن لا تقبل له عبادة أصلا كان أولي.

стр. 1985

٣٦٤٤ - ورواه النسائي، وابن ماجه، والدارمي، عن عبد الله بن عمرو. [٣٦٤٤] ٣٦٤٥ - وعن جابر، أن رسول الله ﷺ قال: ((ما أسكر كثيره فقليله حرام)) رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه. [٣٦٤٥] ٣٦٤٦ - وعن عائشة، عن رسول الله ﷺ قال: ((ما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام)). رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود. [٣٦٤٦] ــ ((مظ)): وهذا وأمثاله مبني علي الزجر ولا يسقط عنه فرض الصلاة إذا أداها بشرائطها، ولكن ليس ثواب صلاة الفاسق كثواب صلاة الصالح، بل الفسق ينفي كمال الصلاة وغيرها من الطاعات. وقوله: ((فإن تاب لم يتب الله عليه)) أي فإن تاب بلسانه، وقلبه عازم علي أن يعود إليه لا تقبل توبته، أما لو تاب علي الإخلاص ثم اتفق عوده إلي ذلك الذنب، ثم تاب توبة قبلت توبته، وإن اتفقت ألف مرة. أقول: قد نقلنا غير مرة عن الشيخ محيي الدين: أن لكل طاعة اعتبارين: أحدهما سقوط القضاء عن المؤدي، وثإنيهما ترتب حصول الثواب عليه، فهذا المصلي وإن سقط عند القضاء فلا يترتب علي فعله الثواب، فعبر عن عدم ترتب الثواب بعدم قبول الصلاة. ويمكن أن يقال: إن قوله: ((إن تاب لم يتب الله عليه)) محمول علي إصراره وموته علي ما كان عليه؛ فإن عدم قبول التوبة لازم للموت علي الكفر والمعاصي، كأنه قيل: من فعل ذلك وأصر عليه ومات مات عاصياً؛ ولذلك عقبه بقوله: ((وسقاه من نهر الخبال)). ونظيره قوله تعالي: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ الكشاف: فإن قلت: قد علم أن المرتد كيفما ازداد كفراً فإنه مقبول التوبة إذا تاب، فما معنى لن تقبل توبتهم؟ قلت: جعلت عبارة عن الموت علي الكفر؛ لأن الذي لا تقبل توبته من الكفار هو الذي يموت علي الكفر وكأنه قال: إن اليهود والمرتدين مائتون علي الكفر داخلون في جملة من لا تقبل توبتهم.

стр. 1986

٣٦٤٧ - وعن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن من الحنطة خمراً، ومن الشعير خمراً، ومن التمر خمراً، ومن الزبيب خمراً، ومن العسل خمراً)). رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه وقال الترمذي: هذا حديث غريب. ٣٦٤٨ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: كان عندنا خمر ليتيم، فلما نزلت (المائدة) سألت رسول الله ﷺ عنه، وقلت: إنه ليتيم. فقال: ((أهريقوه)). رواه الترمذي. [٣٦٤٨] ــ الحديث الثالث عن عائشة ﵂: قوله: ((الفرق)) ((نه)): الفرق بالتحريك مكيال يسع ستة عشر عشر رطلا، وهي اثنا عشر مداً وثلاثة أصوع عند أهل الحجاز. وقيل: الفرق خمسة أقساط والقسط نصف صاع. وأما ((الفرق)) بالسكون فمائة وعشرون رطلا، ومنه الحديث ((ما أسكر الفرق منه فالحسوة منه حرام)). أقول: الفرق وملء الكف كلاهما عبارتان عن التكثير والتقليل لا التحديد، يؤيده الحديث السابق. الحديث الرابع إلي آخر الفصل عن أبي سعيد: قوله: ((فلما نزلت المائدة)) ((خط)): يريد الآية التي فيها تحريم الخمر وهي قوله تعالي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنَّمَا الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ الآيتين. وفيهما دلائل سبعة علي تحريم الخمر: أحدها قوله: ((رجس)) والرجس هو النجس وكل نجس حرام، والثاني قوله: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ وما هو من عمله فهو حرام. والثالث قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ وما أمر الله باجتنابه فهو حرام. والرابع قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وما علق رجاء الفلاح باجتنابه فالإتيان به حرام. والخامس ﴿إنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَدَاوَةَ والْبَغْضَاءَ فِي الخَمْرِ والْمَيْسِرِ﴾ وما هو سبب وقوع العداوة والبغضاء بين المسلمين فهو حرام. والسادس قوله: ﴿ويَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ﴾ وما يصد به الشيطان المسلمين عن ذكر الله وعن الصلاة فهو حرام. والسابع قوله: ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ معناه انتهوا، وما أمر الله عباده بالانتهاء عنه فالإتيان به حرام – الكشاف – قوله: ﴿فَهَلْ أَنتُم

стр. 1987

٣٦٤٩ - وعن أنس، عن أبي طلحة: أنه قال: يا نبي الله! إني اشتريت خمراً لأيتام في حجري. قال: ((أهرق الخمر واكسر الدنان)). رواه الترمذي. [٣٦٤٩] الفصل الثالث ٣٦٥٠ - عن أم سلمة، قالت: نهي رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر. رواه أبو داود. [٣٦٥٠] ــ مُّنتَهُونَ﴾ من أبلغ ما ينهي به كأنه قيل: قد تلي عليكم ما فيها من أنواع الصوارف والموانع فهل أنتم مع هذه الصوارف منتهون أم أنتم علي ما كنتم عليه؟ كأن لم توعظوا ولم تزجروا. أقول: ويمكن أن يحمل قوله: ((فهل أنتم منتهون)) علي الاختصاص؛ لأنه تقرر في علم المعإني أن ((أهل)) لطلب النسبة ولها مزيد اختصاص بالفعلية، فإذا سلكت مع الإسمية كانت لنكتة، فالكلام في هذا المقام جار علي الفاعل لا الفعل؛ لأن الخطاب مع المؤمنين لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنَّمَا الخَمْرُ﴾ كأنه قيل: يا أيها الذين خصكم بالإيمان وشرفكم بالنبي المبعوث إلي الأميين ليزكيكم ويطهركم! إنما هذه الرذائل أنجاس وأرجاس لا تليق بحالكم، فهل أنتم سالكون سبيل الطهارة والتزكية من بين سائر الأمم، لما خصكم بهذا النبي المكرم أم أنتم كسائر الأمم السالفة كأن لم توعظوا؟ نحوه قوله تعالي: ﴿إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾. والضمير في ((عنه)) راجع إلي ((خمر)) علي حذف المضاف، أي سألنا عن شأن خمر يتيم وفي ((أنه)) وفي ((أهريقوه)) إلي المعنى المسئول عنه. الفصل الثالث الحديث الأول عن أم سلمة: قوله: ((ومفتر)) ((نه)): المفتر الذي إذا شرب أحمى الجسد وصار فيه فتور، وهو ضعف وانكسار ويقال: أفتر الرجل فهو مفتر إذا ضعفت جفونه وانكسر طرفه. فإما أن يكون أفتره بمعنى فتره أي جعله فاتراً، وإما أن يكون أفتر الشراب إذا أفتر شاربه، كأقطف الرجل إذا قطفت دابته. أقول: لا يبعد أن يستدل به علي تحريم [البنج] والبر شعثاً ونحوهما، مما يفتر ويزيل العقل؛ لأن العلة وهي إزالة العقل مطردة فيها. [قال: لا يقع من عظيم قوم وإن قلت مشاراً إليه بالتعظيم ولع الخمر، بالعقول رمى الخمر بتنجيسها وبالتحريم].

стр. 1988

٣٦٥١ - وعن ديلم الحميري، قال: قلت لرسول اله ﷺ : يا رسول الله! إنا بأرض باردة، ونعالج فيها عملاً شديداً، وإنا نتخذ شراباً من هذا القمح نتقوى به علي أعمالنا، وعلي برد بلادنا. قال: ((هل يسكر؟)) قلت: نعم. قال: ((فاجتنبوه)). قلت: إن الناس غير تاركيه. قال: ((إن لم يتركوه فقاتلوهم)). رواه أبو داود. [٣٦٥١] ٣٦٥٢ - وعن عبد الله بن عمرو: أن النبي ﷺ نهي عن الخمر والميسر والكوبة والغبيراء، وقال: ((كل مسكر حرام)). رواه أبو داود. ٣٦٥٣ - وعنه، عن النبي ﷺ : ((لا يدخل الجنة عاق، ولا قمار، ولا منان. ولا مدمن خمر)). رواه الدارمي. وفي رواية له: ((ولا ولد زنية)) بدل ((قمار)). ٣٦٥٤ - وعن أبي أمامة، قال: قال النبي ﷺ : ((إن الله تعالي بعثني رحمة ــ الحديث الثاني عن ديلم: قوله: ((نعالج)) أي نمارس ونزاول، و ((القمح)) البر، وإنما أتى بهذا ووصفه به، لمزيد البيان، وأنه من هذا الجنس وليس من جنس ما يتخذ منه السكر، كالعنب والزبيب والتمر. الحديث الثالث عن عبد الله: قوله: ((والكوبة)) ((نه)): هي النرد، وقيل: الطبل وقيل: [البربط]، و ((الغبيراء)) ضرب من الشراب يتخذه الحبش من الذرة، ويسمى [السكركة] أي هي مثل الخمر الذي يتعارفها جميع الناس لا فصل بينهما في التحريم الحديث الرابع عن عبد الله: قوله: ((والمنان)) المنان هو الذي لا يعطي شيئاً إلا منه واعتد به علي من أعطاه، وهو مذموم؛ لأن المنة تفسد الصنيعة، ويحتمل أن يراد به انقطاع للرحم من أي قطع، ومنه قوله: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ ويؤيد هذا الاحتمال حديث أبي موسى الذي يأتي. وقوله: ((لا يدخل الجنة)) أشد وعيداً من لو قيل: يدخل النار لأنه يرجى منه الخلاص، وفيه تغليظ وتشديد علي ولد الزنية تعريضاً بالزإني لئلا تورطه في السفاح، فيكون سبباً لشقاوة نسمة بريئة. ومما يؤذن أن تغليظ وتشديد سلوك ولد الزنية في قرن العاق والمنان والقمار ومدمن الخمر، ولا ارتياب أنهم ليسوا من زمرة من لا يدخل الجنة أبداً. وقيل: إن النطفة إذا خبثت خبث الناشيء منها، فيجترئ علي كل معصية فتؤديه إلي الكفر الموجب للخلود. الحديث الخامس عن أبي أمامة: قوله: ((المعازف)) ((نه)): العزف اللعب بالمعازف وهي

стр. 1989

للعالمين، وهدى للعالمين، وأمرني ربي بمحق المعازف، والمزامير، والأوثان، والصلب، وأمر الجاهلية. وحلف ربي : بعزتي لا يشرب عبد من عبيدي جرعة من خمر إلا سقيته من الصديد مثلها، ولا يتركها من مخافتي إلا سقيته من حياض القدس)). رواه أحمد. [٣٦٥٤] ٣٦٥٥ - وعن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: ((ثلاثة قد حرم الله عليهم الجنة: مدمن الخمر، والعاق، والديوث الذي يقر في أهله الخبث)). رواه أحمد، والنسائي. [٣٦٥٥] ٣٦٥٦ - وعن أبي موسى الأشعري، أن النبي ﷺ : قال: ((ثلاثة لا تدخل الجنة: مدمن الخمر، وقاطع الرحم، ومصدق بالسحر)). رواه أحمد. ٣٦٥٧ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((مدمن الخمر إن مات لقي الله كعابد وثن)). رواه أحمد. [٣٦٥٧] ٣٦٥٨ - وروى ابن ماجه، عن أبي هريرة. ــ الدفوف وغيرها مما يضرب. وقيل: إن كل لعب عزف، و ((المزامير)) جمع مزمار وهي القصبة التي يرمز بها. و ((الأوثان)) الأصنام. و ((الصلب)) جمع صليب. قوله: ((وحلف ربي)) أفرد هذا النوع الخبيث من سائر ما تقدم من الخبائث، وجعله مصدراً بالحلف والقسم بعدما جعله مقدمة الكل فبعثه ﷺ رحمة وهدى، للإيذان بأن أخبث الخبائث وأبلغ ما يبعد عن رحمة الله تعالي، ويقرب إلي الضلال، هي أم الخبائث. ثم انظر كم التفاوت بين من يسقيه ربه من حياض القدس الشراب الطهور، ومن يسقى في درك جهنم صديد أهل النار. الحديث السادس عن ابن عمر: قوله: ((الذي يقر في أهله)) أي الذي يرى فيهن ما يسوءه ولا يغار عليه ولا يمنعهن، فيقر في أهله الخبث. الحديث السابع والثامن عن ابن عباس: قوله: ((إن مات)) ((إن)) للشك فيقتضي أن يكون لقاء

стр. 1990

٣٦٥٩ - والبيهقي في ((شعب الإيمان)) عن محمد بن عبيد الله، عن أبيه. وقال: ذكر البخاري في التاريخ، عن محمد بن عبد الله، عن أبيه. ٣٦٦٠ - وعن أبي موسى، أنه كان يقول: ما أبالي شربت الخمر أو عبدت هذه السارية دون الله. رواه النسائي. كتاب الإمارة والقضاء الفصل الأول ٣٦٦١ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصإني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصإني؛ وإنما الإمام جنة يقاتل من ورائه، ويتقى به، فإن أمر بتقوى الله وعدل فإن له بذلك أجراً، وإن قال بغيره فإن عليه منه)). متفق عليه. ــ شارب الخمر بربه تعالي بعد الموت مشابها بلقاء عابد الوثن الله تعالي، وليس كذلك، فهو من الشرط الذي يورده الواثق بأمره المدل بحجته. الحديث التاسع عن أبي موسى: قوله: ((ما أبالي)) أي ما أبالي في تسويتي بين هذين الأمرين، وجعلهما منخرطين في سلك واحد مبالغة، وهو أبلغ مما مر في الحديث السابق من قوله: ((لقي الله تعالي كعابد وثن)) لتصريح أداة التشبيه فيه وخلوه عنه هنا، و ((دون الله)) حال مؤكدة أي عبدتها متجاوزاً عن الله تعالي والله أعلم بالصواب. كتاب الإمارة والقضاء المغرب: الإمارة الإمرة وقد أمره إذا جعله أميراً. الفصل الأول الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((ومن يطع الأمير فقد أطاعني)) ((خط)): كانت قريش ومن يليهم من العرب لا يعرفون الإمارة، ولا يدينون لغير رؤساء قبائلهم، فلما كان الإسلام وولي عليهم الأمراء أنكرته نفوسهم وامتنع بعضهم من الطاعة، وإنما قال لهم ﷺ هذا القول؛ ليعلمهم أن طاعتهم مربوطة بطاعته، وليطاوعوا الأمراء الذين كان النبي ﷺ يوليهم فلا يستعصوا عليهم. قوله: ((ويتقى به)) بيان لقوله: ((يقاتل من ورائه)) والبيان مع المبين تفسير لقوله: ((وإنما الإمام جنة)) ((مح)): أي هو كالساتر لأنه يمنع العدو من أذى المسلمين، ويمنع الناس بعضهم من بعض ويحمي بيضة الإسلام، ويتقيه الناس ويخافون سطوته. ومعنى ((يقاتل من ورائه)) أي يقاتل معه الكفار والبغاة والخوارج، وسائر أهل الفساد وينصر عليهم. قوله: ((وإن قال بغيره))

стр. 1991

٣٦٦٢ - وعن أم الحصين، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إن أمر عليكم عبد مجدع يقودكم بكتاب الله، فاسمعوا له وأطيعوا)). رواه مسلم. ٣٦٦٣ - وعن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: ((اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة)) رواه البخاري. ــ ((حس)): أي حكم، يقال: ((قال الرجل)) إذا حكم، ومنه القيل وهو الملك الذي ينفذ قوله وحكمه. ((تو)): ((قال بغيره)) أي أحبه وأخذ به إيثاراً له وميلاً إليه، وذلك مثل قولك: فلان يقول بالقدر ونحو ذلك، فالمعنى أنه يحبه ويؤثره. ((قض)): ((قال بغيره)) أي أمر بما ليس فيه تقوى ولا عدل، بدليل أنه جعل قسيم ((فإن أمر بتقوى الله وعدل))، ويحتمل أن يكون المراد به القول المطلق أو أعم منه، وهو ما يراه ويؤثره من قولهم: فلان يقول بالقدر، أي إن رأي غير ذلك وآثره قولا كان أو فعلا؛ ليكون مقابلا لقسيمه بقطريه، وسد الطرق المخالفة المؤدية إلي هيج الفتن. قوله: ((فإن عليه منه)) [كذا وجدنا ((منه)) بحرف الجر في الصحيحين وكتاب الحميدي وجامع الأصول ((تو)): ((منه)) أي عليه وزر من صنيعه ذلك، وقد وجدناه في أكثر نسخ المصابيح ((فإن عليه منة)). بتشديد النون مع ضم الميم وبتاء التإنيث آخره – علي أنها كلمة واحدة وهو تصحيف غير محتمل لوجه هاهنا، وإنما هو حرف الجر مع الضمير المتصل به. ((قض)): ((فإن عليه منه))] أي وزراً وثقلا، وهو في الأصل مشترك بين القوة والضعف. أقول: قوله: ((فإن أمر بتقوى الله)) إلي آخره مرتب علي قوله: ((ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصإني)) وقوله: ((وإنما الإمام – إلي قوله – ويتقي به)) معترض بينما لتأكيد الأمر بطاعته سواء كان عادلا أو لم يكن؛ إيذاناً بأنه مفترض الطاعة لتلك الفوائد المذكورة. ((مح)): فيه حث علي السمع والطاعة في جميع الأحوال، وسببها اجتماع كلمة المسلمين؛ فإن الخلاف سبب لفساد أحوالهم في دينهم ودنياهم. الحديث الثاني عن أم حصين: قوله: ((مجدع)) ((قض)): المجدع المقطوع الأنف، ((يقودكم)) يسوقكم بالأمر والنهي علي ما هو مقتضى كتاب الله وحكمه. وهذا وأمثال ذلك حث علي المداراة والموافقة والتحرز عما يثير الفتن، ويؤدي إلي اختلاف الكلمة. الحديث الثالث عن أنس ﵁: قوله: ((وإن استعمل عليكم)) ((شف)): قيل: معناه وإن استعمله الإمام الأعظم علي القوم؛ لأن العبد الحبشي لا يكون هو الإمام الأعظم؛ فإن الأئمة من قريش، وقيل: المراد به الإمام الأعظم علي سبيل الفرض والتقدير، وهو مبالغة في الأمر بطاعته والنهي عن شقاقه ومخالفته. ((خط)): قد يضرب المثل بما لا يكاد يصح في الوجود. قوله: ((كأن رأسه زبيبة)) صفة أخرى لعبد أي يشبه رأسه بالزبيبة؛ إما لصغره وإما لأن شعر رأسه [مقططا] كالزبيبة تحقيراً لشأنه. ((شف)): أي اسمعوه وأطيعوه وإن كان حقيراً.

стр. 1992

٣٦٦٤ - وعن ابن عمر [﵄]، قال: قال رسول الله ﷺ : ((السمع والطاعة علي المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)). متفق عليه. ٣٦٦٥ - وعن علي [﵁]، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا طاعة في معصية؛ إنما الطاعة في المعروف)). متفق عليه. ٣٦٦٦ - وعن عبادة بن الصامت، قال: بايعنا رسول الله ﷺ علي السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلي أثرة علينا، وعلي أن لا ننازع الأمر أهله، وعلي أن نقول بالحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم. وفي رواية: وعلي أن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان. متفق عليه. ــ الحديث الرابع عن ابن عمر، قوله: ((السمع والطاعة)) ((مظ)): يعني سماع كلام الحاكم وطاعته واجب علي كل مسلم، سواء أمره بما يوافق طبعه أو لم يوافقه، بشرط ألا يأمره بمعصية، فإن أمره بها فلا تجوز طاعته، ولكن لا يجوز له محاربة الإمام. الحديث الخامس والسادس عن عبادة: قوله: ((بايعنا)) عداه بعلي لتضمنه معنى عاهد، و ((علي)) في قوله: ((علي أثرة)) ليست بصلة المبايعة، بل هي متعلقة بمقدر، أي بايعناه علي أن نصبر علي أثرة علينا. قوله: ((وعلي أثرة علينا)) ((نه)): الأثرة – بفتح الهمزة والثاء – اسم من الإيثار، أي يستأثر عليكم فيفضل غيركم في إعطاء نصيبه من الفيء. ((مح)): الأثرة الاستئثار والاختصاص بأمور الدنيا عليكم، أي اسمعوا وأطيعوا وإن اختص الأمراء بالدنيا، ولم يوصلوكم حقكم مما عندهم. وقوله: ((وعلي أن لا ننازع الأمر أهله)) كالبيان والتقرير للسابق؛ لأن معنى عدم المنازعة هو الصبر علي الأثرة. قوله: ((لا نخاف في الله لومة لائم)) إما حال من فاعل ((نقول)) أي غير خائفين أو استئناف. قوله: ((إلا أن تروا)) حكاية قول رسول الله ﷺ والقرائن السابقة معنى ما تلفظ به ﷺ . ((قض)): أي عاهدناه بالتزام السمع والطاعة في حالتي الشدة والرخاء، وتارتي الضراء والسراء. وإنما عبر عن بصيغة المفاعلة للمبالغة أو للإيذان بأنه التزم لهم أيضاً بالأجر والثواب، والشفاعة يوم الحساب علي القيام بما التزموا. ((المنشط والمكره)) مفعلان من النشاط والكراهة

стр. 1993

٣٦٦٧ - وعن ابن عمر [﵄]، قال: كنا إذا بايعنا رسول الله ﷺ علي السمع والطاعة يقول لنا: ((فيما استطعتم)) متفق عليه. ٣٦٦٨ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من رأي من أميره شيئاً يكرهه فليصبر، فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبراً فيموت الامات ميتة جاهلية)) متفق عليه. ــ للمحل، أي فيما فيه نشاطهم وكراهتهم، أو الزمان أي في زمإني انشراح صدورهم وطيب قلوبهم وما يضاد ذلك. قوله: ((كفراً بواحاً)) ((مح)): بواحاً بالواو في أكثر النسخ، وفي بعضها بالراء، يقال: باح الشيء إذا ظهر بواحا وبووحاً، والبواح صفة لمصدر محذوف تقديره أمراً بواحاً، وبراحاً بمعناه من الأرض البراح وهي الأرض البارزة. والمراد بالكفر هنا المعاصي، والمعنى لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتكم، ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكراً محققاً تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم، وقوموا بالحق حيثما كنتم. وأما الخروج عليهم وتنازعهم فمحرم بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين. وأجمع أهل السنة علي أن السلطان لا ينعزل بالفسق؛ لتهيج الفتن في عزله وإراقة الدماء وتفرق ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه، ولا تنعقد إمامة الفاسق ابتداء. وأجمعوا علي أن الإمامة لا تنعقد لكافر ولو طرأ عليه الكفر انعزل، وكذا لو ترك إقامة الصلوات والدعاء إليها، وكذا البدعة. قال القاضي: فلو طرأ عليه كفر وتغيير في الشرع أو بدعة سقطت طاعته، ووجب علي المسلمين خلعه ونصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك. ولا يجب في المبتدع إلا إذا ظنوا القدرة عليه، وإلا فيهاجر المسلم عن أرضه إلي غيرها ويفر بدينه. وقوله: ((برهان)) مبتدأ و ((عندكم)) خبره و ((من الله)) متعلق بالظرف أو حال من المستتر في الظرف، أي برهان حاصل عندكم كائناً من الله، أي من دين الله. ((مح)): أي نأمر بالمعروف وننهي عن المنكر في كل زمان ومكان الكبار والصغار، لا نداهن فيه أحداً ولا نخافه ولا نلتفت إلي الأئمة. الحديث السابع عن ابن عمر: قوله: ((ما استطعتم)) ((مح)): في جميع نسخ مسلم ((فيما استطعت)) علي التكلم أي: قل: فيما استطعت تلقيناً لهم، وهذا من كمال شفقته ﷺ ورأفته بأمته يلقنهم أن يقول أحدهم فيما استطعت؛ لئلا يدخل في عموم بيعته ما لا يطيقه.

стр. 1994

٣٦٦٩ - وعن أبي هريرة [﵁]، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة، فمات؛ مات ميتة جاهلية. ومن قاتل تحت راية عمية، يغضب لعصبية، أو يدعو لعصبية أو ينصر عصبية، فقتل؛ فقتلة جاهلية ومن خرج علي أمتي بسيفه، يضرب برها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده؛ فليس مني ولست منه)). رواه مسلم. ٣٦٧٠ - وعن عوف بن مالك الأشجعي، عن رسول الله ﷺ ، قال: ((خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم، ويصلون عليكم. وشرار أئمتكم ــ الحديث الثامن والتاسع عن أبي هريرة: قوله: ((ميتة جاهلية)) الميتة والقتلة بالكسر. الحالة التي يكون عليها الإنسان من الموت أو القتل، والمعنى أن من خرج عن طاعة الإمام وفارق جماعة الإسلام، وشذ عنهم وخالف إجماعهم ومات علي ذلك، فمات علي هيئة كان يموت عليها أهل الجاهلية؛ لأنهم كانوا لا يرجعون إلي طاعة أمير ولا يتبعون هدى إمام، بل كانوا مستنكفين عنها مستبدين في الأمور، لا يجتمعون في شيء ولا يتفقون علي رأي. قوله: ((تحت راية عمية)) ((مح)): عمية بكسر العين وضمها، وكسر الميم وتشديدها وتشديد الياء لغتان مشهورتان وهي الأمر الأعمى لا يستبين وجهه، كذا قال أحمد بن حنبل والجمهور. وفي الغريبين قال إسحاق: هذا في تخارج القوم وقتل بعضهم بعضاً، وكان أصله من التعمية وهي التلبيس، ومعناه يقاتل بغير بصيرة وعلم تعصبياً كقتال الجاهلية، ولا يعرف المحق من المبطل، وإنما يغضب لعصبية لا لنصرة الدين، والعصبية إعانة قومه علي الظلم. أقول: قوله: ((تحت راية عمية)) كناية عن جماعة مجتمعين علي أمر مجهول لا يعرف أنه حق أو باطل، فيدعون الناس إليه ويقاتلون له. وقوله: ((يغضب لعصبية)) حال إما مؤكدة إذا ذهب إلي أن هذا الأمر في نفسه باطل أو منتقلة إذا فرض أنهم علي الحق. وفيه أن من قاتل تعصباً لا لإظهار دينه ولا لإعلاء كلمة الله، وإن كان المغضوب له محقاً كان علي الباطل. وقوله: ((فقتلة)) خبر مبتدأ محذوف والجملة مع الفاء جواب الشرط. وقوله: ((بسيفه)) يجوز أن يكون حالا أي خرج مشاهراً بسيفه، و ((يضرب)) حال متداخلة. ويجوز أن يكون متعلقاً بقوله: ((يضرب)) والجملة حال والتقديم للاهتمام وإظهار الحرص علي الأذى، ((ولا يتحاشى)) أي ولا يكترث بما يفعله، ولا يخاف وباله وعقوبته، والمراد بالأمة أمة الدعوة، فقوله: ((برها وفاجرها)) يشتمل علي المؤمن والمعاهد والذمي. وقوله: ((ولا يتحاشى من مؤمنها ولا يفي لذي عهد عهده)) كالتفصيل له. الحديث العاشر عن عوف: قوله: ((وتصلون عليهم)) ((شف)): الصلاة هنا بمعنى الدعاء، أي تدعون لهم ويدعون لكم، يدل عليه قوله: ((تلعنونهم ويلعنونكم)) وكذا في شرح مسلم. ((مظ)):

стр. 1995

الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم)) قال: قلنا: يا رسول الله! أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: ((لا. ما أقاموا فيكم الصلاة، لا، ما أقاموا فيكم الصلاة. ألا من ولي عليه وال، فرآه يأتي شيئاً من معصية الله؛ فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يداً من طاعة)) رواه مسلم. ٣٦٧١ - وعن أم سلمة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((يكون عليكم أمراء، تعرفون وتنكرون، فمن أنكر فقد برئ. ومن كره فقد سلم، ولكن من رضي وتابع)). قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: ((لا؛ ما صلوا، لا؛ ما صلوا)) أي: من كره بقلبه وأنكر بقلبه. رواه مسلم. ــ أي يصلون عليكم إذا متم وتصلون عليهم إذا ماتوا عن الطوع والرغبة. أقول: ولعل هذا الوجه أولي أي تحبونهم ويحبونكم ما دمتم في قيد الحياة، فإذا جاء الموت يترحم بعضكم علي بعض ويذكر صاحبه بخير. قوله: ((ما أقاموا فيكم الصلاة)) فيه إشعار بتعظيم أمر الصلاة وأن تركها موجب لنزع اليد من الطاعة، كالكفر علي ما سبق في حديث عبادة بن الصامت في قوله: ((إلا أن تروا كفراً بواحاً)) الحديث، ولذلك كرره. الحديث الحادي عشر عن أم سلمة: قوله: ((تعرفون وتنكرون)) ((قض)): تعرفون وتنكرون صفتان ((لأمراء)) والراجع فيهما محذوف، أي تعرفون بعض أفعالهم وتنكرون بعضها. يريد أن أفعالهم تكون بعضها حسناً وبعضها قبيحاً، فمن قدر أن ينكر عليهم قبائح أفعالهم وسماجة حالهم وأنكر، فقد برئ من المداهنة والنفاق، ومن لم يقدر علي ذلك ولكن أنكر بقلبه وكره ذلك، فقد سلم من مشاركتهم في الوزر والوبال، ولكن من رضي بفعلهم بالقلب وتابعهم في العمل فهو الذي شاركهم في العصيان، واندرج معهم تحت اسم الطغيان. وحذف الخبر في قوله ((من رضي)) لدلالة الحال، وسياق الكلام علي أن حكم هذا القسم ضد ما أثبته لقسيميه، وإنما منع عن مقاتلتهم ما داموا يقيمون الصلاة التي هي عماد الدين وعنوان الإسلام، والفارق بين الكفر والإيمان حذراً من هيج الفتن واختلاف الكلمة، وغير ذلك مما يكون أشد نكاية من احتمال نكرهم، والمصابرة علي ما ينكرون منهم. قوله: ((من كره بقلبه وأنكر بقلبه)) ((مظ)): هذا التفسير غير مستقيم؛ لأن الإنكار يكون باللسان، والكراهة بالقلب ولو كان كلاهما بالقلب لكانا منكرين؛ لأنه لا فرق بينهما بالنسبة إلي القلب. وقد جاء هذا الحديث في رواية أخرى، وفي تلك الرواية: ((من أنكر بلسانه فقد برئ، ومن أنكر بقلبه فقد سلم)).

стр. 1996

٣٦٧٢ - وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال لنا رسول الله ﷺ : ((إنكم سترون بعدي أثرة، وأموراً تنكرونها)) قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: ((أدوا إليهم حقهم، وسلوا الله حقكم)) متفق عليه. ٣٦٧٣ - وعن وائل بن حجر، قال: سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله ﷺ فقال: يا نبي الله! أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم، ويمنعونا حقنا، فما ــ أقول: وهذا التعليل غير مستقيم، وأول شي يدفعه ما في الحديث من قوله: ((تنكرون)) لأن هذا الإنكار ليس إلا بالقلب لوقوعه قسيما لـ ((تعرفون))، ومعناه علي ما قال الشيخ التوربشتي والقاضي: أي ترون منهم من حسن السيرة ما تعرفون، وترون من سوء السريرة ما تنكرون أي تجهلونه؛ فإن المعروف ما يعرف بالشرع حسنه، والمنكر عكسه؛ ولأن قوله: ((فمن أنكر فقد برئ ومن كره فقد سلم)) تفصيل لـ ((تنكرون)) بشهادة الفاء في ((فمن أنكر)) ولن يكون المفصل مخالفاً للمجمل، ومعناه فمن أنكر ما لا يعرف حسنه في الشرع فقد برئ من النفاق، ومن لم ينكره حق الإنكار بل كرهه بقلبه فقد سلم، ولا بد لمن أنكره بقلبه حق الإنكار، أن يظهره بالمكافحة بلسانه بل يجاهده بيده وجميع جوارحه. وإذا قيد الإنكار بقلبه أفاد هذا المعنى، وإذا خص بلسانه لم يفده، ويدل علي أن الإنكار إذا لم يكن كما ينبغي سمي بالكراهة. قول الشيخ التوربشتي: ومن كره ذلك بقلبه ومنعه الضعف عن إظهار ما يضمر من النكر فقد سلم. وحاشى لمكانة إمام أئمة الدنيا – أعني مسلما – أن يخرج من فيه كلام غير مستقيم لاسيما في تفسير الكلام النبوي، والرواية التي استدل بها المظهر في شرح السنة كذا، ويروي ((فمن أنكر بلسانه فقد برئ ومن كره بقلبه فقد سلم)) ولفظة ((يروى)) ونحوها إنما يستعمله أهل الحديث فيما ليس بقوي. ((مح)): في هذا الحديث معجزة ظاهرة لما أخبر به عن المستقبل، وقد وقع كما أخبر ﷺ ، وفيه أن من عجز عن إزالة المنكر وسكت لا يأثم إذا لم يرض به. وقوله: ((ومن كره فقد سلم)) هذا في حق من لا يستطيع إنكاره بيده ولسانه، فليكرهه بقلبه ويسلم. والله أعلم. الحديث الثاني عشر عن عبد الله بن مسعود ﵁: قوله: ((أثرة)) أي سترون ما يستأثر به من أمور الدنيا فيفضل غيركم عليكم بلا استحقاق في الفيء. والمراد بالأمور أشياء أخر لا تستحسنونها. وسلوا الله حقكم أي لا تكافئوا استئثارهم باستئثاركم، ولا تقاتلوهم لاستيفاء حقكم، بل وفروا إليهم حقهم من السمع والطاعة وحقوق الدين. واسألوا الله من فضله أن يوصل إليكم حقكم من الغنيمة والفيء ونحوهما، وكلوا إليه أمركم.

стр. 1997

تأمرنا؟ قال: ((اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم)). رواه مسلم. ٣٦٧٤ - وعن عبد الله بن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من خلع يداً من طاعة؛ لقي الله يوم القيامة ولا حجة له. ومن مات وليس في عنقه بيعة؛ مات ميتة جاهلية)). رواه مسلم. ٣٦٧٥ - وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: ((كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء، فيكثرون)). قالوا: فما تأمرنا؟ قال: ((فوا بيعة الأول فالأول، أعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم)) متفق عليه. ــ الحديث الثالث عشر عن وائل: قوله: ((فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم)) قدم الجار والمجرور علي عامله للاختصاص، أي ليس علي الأمراء إلا ما حمله الله عليهم من العدل والتسوية، فإذا لم يقيموا بذلك فعليهم الوزر والوبال، وأما أنتم فعليكم ما كلفتم به من السمع والطاعة وأداء الحقوق، فإذا قمتم بما عليكم فالله تعالي يتفضل عليكم ويثيبكم به. وقوله: ((يسألونا)) صفة ((أمراء)) وجزاء الشرط. قوله: ((فما تأمرنا)) علي تأويل الإعلام. الحديث الرابع عشر عن عبد الله بن عمر: قوله: ((من طاعة)) أي طاعة كانت قليلة أو كثيرة. ولما كان وضع اليد كناية عن العهد وإنشاء البيعة لجري العادة علي وضع اليد علي اليد حال العاهدة، كنى عن النقض بخلع اليد ونزعها، يريد من نقض العهد وخلع نفسه عن بيعة الإمام، لقي الله تعالي آثماً لا عذر له. الحديث الخامس عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((تسوسهم)) أي تتولي أمورهم كما تفعل الأمراء والولاة بالرعية. والسياسية القيام علي الشيء بما يصلحه، وهو خبر كان، و ((كلما هلك)) إلي آخره حال من فاعله أي الأنبياء تترى تابع بعضهم بعضاً. وقوله: ((وإنه لا نبي بعدي)) معطوف علي ((كانت بنو إسرائيل)) واسم ((إن)) ضمير الشأن، وإنما خولف بين المعطوف والمعطوف عليه لإرادة الثبات والتوكيد في الثاني. يعني قصة بني إسرائيل كيت وكيت، وقصتنا كيت وكيت. والفاء في ((فما تأمرنا)) جواب شرط محذوف، أي إذا كثر بعدك الخلفاء فوقع التشاجر والتنازع بينهم فما تأمرنا نفعل. والفاء في قوله: ((فالأول)) للتعقيب والتكرير للاستمرار، ولم يرد به في زمان واحد بل

стр. 1998

٣٦٧٦ - وعن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا بويع لخليفتين؛ فاقتلوا الآخر منهما)). رواه مسلم. ٣٦٧٧ - وعن عرفجة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إنه سيكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع؛ فاضربوه بالسيف كائناً من كان)) رواه مسلم. ــ الحكم هذا عند تجدد كل زمان وتجدد بيعة. وقوله: ((أعطوهم حقهم)) كالبدل من قوله: ((فوا بيعة الأول)). وقوله: ((فإن الله سائلهم)) تعليل للأمر بإعطاء حقهم. وفيه اختصار أي فأعطوهم حقهم وإن لم يعطوكم حقكم؛ فإن الله سائلهم عما استرعاهم ويثيبكم بما لكم عليهم من الحق؛ لقوله في الحديث السابق: ((أدوا إليهم حقهم واسألوا الله حقكم)). وقوله: ((عما استرعاهم)) استرعيته الشيء فرعاه، وفي المثل: من استرعى الذئب فقد ظلم، والراعي الوالي، والرعية العامة. الحديث السادس عشر عن أبي سعيد: قوله: ((فاقتلوا الآخر)) ((قض)): قيل: أراد بالقتل المقاتلة؛ لأنها تؤدي إليه من حيث أنه غايتها. وقيل: أراد إبطال بيعته وتوهين أمره من قولهم: قتلت الشراب إذا مزجته وكسرت ثورته بالماء. ومنه قول حسبان ﵁: إن التي ناولتني فرددتها قتلت قلت فهاتها لم تقتل أقول: الأول من الوجهين يستدعي الثاني؛ لأن الآخر منهما خارج علي الأول باغ عليه فتجب المقاتلة معه حتى يفيء إلي أمر الله وإلا قتل، فهو مجاز باعتبار ما يؤول للحث علي دفعة وإبطال بيعته وتوهين أمره. ((مح)): قاتل أهل البغي غير ناقض عهده لهم إن عهد؛ لأنهم حاربوا من يلزم الإمام محاربته. واتفقوا علي أنه لا يجوز أن تعقد الإمامة لخليفتين في عصر واحد، سواء اتسعت دار الإسلام أم لا. قال إمام الحرمين في كتاب الإرشاد: قال أصحابنا: لا يجوز عقدها لشخصين، قال: وعندي أنه لا يجوز عقدها للاثنين في صقع واحد، وإن بعد ما بينهما وتخللت بينهما شسوع فللاحتمال فيه مجال، وهو خارج من القواطع، وحكي المازري هذا. قال الشيخ محيي الدين: هو قول غير سديد مخالف لما عليه السلف والخلف، والظاهر إطلاق الحديث. الحديث السابع عشر والثامن عشر عن عرفجة: قوله: ((هنات وهنات)) ((نه)): أي شرور وفساد، يقال: في فلان هنات أي خصال شر، ولا يقال في الخير، وواحدها هنة، وقد يجمع علي هنوات، وقيل: واحدها هت تإنيث هن، وهو كناية عن كل اسم جنس لا تريد أن تصرح به لشناعته.

стр. 1999

٣٦٧٨ - وعنه: قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من أتاكم وأمركم جميع علي رجل واحد، يريد أن يشق عصاكم، أو يفرق جماعتكم؛ فاقتلوه)) رواه مسلم. ٣٦٧٩ - وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من بايع إماماً، فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه؛ فاضربوا عنق الآخر)) رواه مسلم. ٣٦٨٠ - وعن عبد الرحمن بن سمرة، قال: قال لي رسول الله ﷺ : ((لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها)) متفق عليه. ــ قوله: ((كائناً من كان)) حال فيه معنى الشرط، أي ادفعوا من خرج علي الإمام بالسيف، وإن كان أشرف وأعلم، وترون أنه أحق وأولي، هذا المعنى أظهر في لفظة ((ما)) كما في المتن؛ لأنه مجرى حينئذ علي صفة ذوي العلم، كما في قوله تعالي: ﴿ونَفْسٍ ومَا سَوَّاهَا﴾ أي عظيم القدرة علي الشأن. الحديث الثامن عشر عن عرفجة: قوله: ((أن يشق عصاكم)) ((نه)): يقال: شق العصا أي فارق الجماعة. أقول: هذا تمثيل شبه اجتماع الناس واتفاقهم علي أمر واحد بالعصا إذا لم تشق، وافتراقهم من ذلك الأمر بشق العصا، ثم كنى به عنه فضرب مثلا للتفريق، يدل علي هذا التأويل قوله: ((أمركم جميع علي رجل)) حيث أسند الجميع إلي ((الأمر)) إسناداً مجازياً؛ لأنه سبب اجتماع الناس. الحديث التاسع عشر عن عبد الله: قوله: ((فأعطاه صفقة يده)) ((نه)): الصفقة المرة من التصفيق باليد؛ لأن المتعاهدين يضع أحدهما يده في يد الآخر كما يفعل المتبايعان، والمراد بثمرة القلب خالص العهد. أقول: الفاء في ((فأعطاه)) كما هي في قوله تعالي: ﴿فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ إذا كانت التوبة عين القتل؛ إذ الصفقة الحاصلة بين المتبايعين، وكذلك إعطاء ثمرة القلب التي هي خلاصة الإنسان ليست إلا عين المبايعة. فإذا اجتمع الظاهر والباطن مع صاحبه فوجب أن يقاتل مع من ينازعه، وجمع الضمير في ((فاضربوه)) بعد ما أفرد في ((فليطعه)) نظراً إلي لفظة ((من)) تارة ومعناها أخرى. وقوله: ((عنق الآخر)) وضع موضع عنقه إيذاناً بأن كونه آخراً يستحق ضرب العنق تقريراً للمراد وتحقيقاً له. الحديث العشرون عن عبد الرحمن: قوله: ((وكلت إليها)) أي فوضت إلي الإمارة، ولا شك

стр. 2000

٣٦٨١ - وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: ((إنكم ستحرصون علي الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة، فنعم المرضعة وبئست الفاطمة)) رواه البخاري. ٣٦٨٢ - وعن أبي ذر، قال: قلت: يا رسول الله! ألا تستعملني؟. قال: فضرب بيده علي منكبي، ثم قال: ((يأ أبا ذر! إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها)). وفي رواية. قال له: ((يا أبا ذر، إني أراك ضعيفاً، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرون علي اثنين، ولا تولين مال يتيم)). رواه مسلم. ــ أنها أمر شاق لا يقوم بها أحد بنفسه من غير معاونة من الله إلا أوقع نفسه في ورطة، خسر فيها دنياه وعقباه، وإذا كان كذلك لا يسألها اللبيب الحازم. الحديث الحادي والعشرون عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((فنعم المرضعة)) ((مظ)): لفظة ((نعم وبئس)) إذا كان فاعلها مؤنثاً؛ جاز إلحاق تاء التإنيث وجاز تركها، فلم يلحقها هنا في ((نعم)) وألحقها في بئست. أقول: إنما لم يلحقها بـ ((نعم)) لأن المرضعة مستعارة للإمارة، وهي وإن كانت مؤنثة إلا أن تإنيثها غير حقيقي، وألحقها ببئس نظراً إلي كون الإمارة حينئذ داهية دهياء. وفيه أن ما يناله الأمير من البأساء والضراء أبلغ وأشد مما يناله من النعماء والسراء. وإنما أتى بالتاء في ((المرضع والفاطم)) دلالة علي تصوير تينك الحالتين المتجددتين في الإرضاع والفطام. ((قض)): شبه الولاية بالمرضعة وانقطاعها بالموت أو العزل بالفاطمة، أي نعمت المرضعة الولاية؛ فإنها تدر عليك المنافع واللذات العاجلة، وبئست الفاطمة المنية؛ فإنها تقطع عنك تلك اللذائذ والمنافع، وتبقى عليك الحسرة والتبعة، فلا ينبغي للعاقل أن يلم بلذة تتبعها حسرات. الحديث الثاني والعشرون عن أبي ذر: قوله: ((وإنها أمانة)) تإنيث الضمير إما باعتبار الإمارة المستفادة من معنى قوله: ((ألا تستعملني)) أو باعتبار تإنيث الخبر. وقوله: ((إلا من أخذها)) استثناء منقطع أي خزي وندامة علي من أخذها بغير حقها ولم يؤد الذي عليه فيها، لكن من أخذها بحقها لم تكن خزياً ووبالا عليه. ((مح)): هذا الحديث أصل عظيم في اجتناب الولاية لاسيما لمن كان فيه ضعف عن القيام بوظائفها، والخزي والندامة في حق من لم يكن أهلا لها، أو كان أهلا ولم يعدل فيها فيخزيه الله يوم القيامة ويفضحه ويندم علي ما فرط، فأما من كان أهلا لها وعدل فيها فله فضل عظيم، تظاهرت به الأحاديث الصحيحة كحديث ((سبعة يظلهم الله في ظله)). قوله: ﷺ : ((إن
следующие страницы →