← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122257

شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن

الطيبي

Полный текст (3 308 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

كتاب العلم الفصل الأول ١٩٨ - عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : ((بلغوا عني ولو آية، ــ كتاب العلم الفصل الأول الحديث الأول عن عبد الله: قوله: ((بلغوا)) ((مظ)) في الآية معان كثيرة: منها أن يراد بها الكلام المفيد، نحو ((من صمت نجا))، و ((الدين النصيحة)) أي بلغوا عني أحاديثي ولو كانت قليلة. ومنها التحريض على نشر العلم، ومنها جواز تبليغ بعض الحديث، كما هو عادة صاحب المصابيح، ومشارق الأنوار، ولا بأس به، إذ الغرض تبليغ لفظ الحديث مفيداً، سواء كان تاماً أم لا. فإن قيل: لم حرض النبي ﷺ على تبليغ الأحاديث دون القرآن؟ قلنا: لوجهين: أحدهما أنه أيضاً داخل في هذا الأمر؛ لأنه ﷺ مبلغهما. وثانيهما أن طباع المسلمين مائلة إلى قراءة القرآن وتعليمه وتعلمه ونشره، ولأنه قد تكفل الله بحفظه واشتهاره، لقوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ فإن كان كذلك فلا يحتاج إلى التحريض، وأما الأحاديث فليست كذلك. و ((الحرج)) الضيق والإثم، رخص ﷺ التحدث عن بني إسرائيل وإن لم يعلموا صحته بالإسناد والراوي لبعد الزمان بينهم. فإن قيل: قد ورد النهي عن الاشتغال بما جاء عنهم، وقيل فيه: ((أمتهوكون أنتم؟ ورخص هنا، فكيف التوفيق؟ قلنا: المراد بالتحدث هنا بقصصهم من قتلهم أنفسهم لتوبتهم من عبادة العجل، وتفصيل القصص المذكورة في القرآن، ونحو ذلك؛ لأن في ذلك عبرة وموعظة لأولي الألباب. وأما النهي فوارد على كتاب التوراة، وما يتعلق بالعمل من الأحكام؛ لأن جميع الشرائع والأديان والكتب منسوخة بشريعة نبينا ﷺ . [يقال: تبوأ الدار أي اتخذها مسكنا، وأصله البواء، وهو مساواة الأجزاء في المكان، يقال: مكان بواء إذا لم يكن نابياً بنازله]. ((قض)): قال: ((ولو آية))، ولم يقل: حديثاً؛ لأن الأمر بتبليغ الحديث يفهم من هذا بطريق الأولوية؛ فإن الآيات مع انتشارها، وكثرة حملتها، وتكفل الله بحفظها،

стр. 247

وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمداً، فليتبوأ مقعده من النار)). رواه البخاري. ــ وصونها عن الضياع والتحريف- واجبة التبليغ، فالحديث- ولا شيء فيه مما ذكر- أولى بأن يحدث عنه بالتبليغ. ((حس)): ليس في الحديث إباحة الكذب على بني إسرائيل، بل معناه الرخصة في الحديث عنهم بلا إسناد؛ لأنه أمر قد تعذ في الإخبار عنهم؛ لطول المدة، ووقوع الفترة. وفيه إيجاب التحرز عن الكذب على الرسول ﷺ بأن لا يحدث عنه إلا بما يصح بنقل الإسناد والتثبت فيه. قال عبد الله بن المبارك: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء. وأقول- والله أعلم- قوله: ((بلغوا عني)): يحتمل وجهين: أحدهما أن يراد إيصال السند بنقل العدل الثقة عن مثله إلى منتهاه؛ لأن التبليغ من البلوغ، وهو انتهاء الشيء إلى غايته. وثانيهما أداء اللفظ كما سمعه من غير تغيير. والمطلوب في الحديث كلا الوجهين؛ لوقوع قوله: ((بلغوا عني)) مقابلاً لقوله: ((حدثوا عن بين إسرائيل ولا حرج)) إذ ليس في التحديث ما في التبليغ من الحرج والتضييق. ويعضد هذا التأويل الآية والحديث، أما الآية فقوله تعالى: ﴿يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾ أي وإن لم تفعل كما هو حقه فما لغت ما أمرت به. وأما الحديث فهو قوله: ((نصر الله عبداً سمع مقالتي فحفظها ووعاها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه))، وسيجيء شرحه إن شاء الله تعالى. وأما قوله: ((ولو آية)) أي علامة، فهو تتميم ومبالغة، أي لو كان المبلغ والمؤدى فعلاً، أو إشارة باليد والأصابع. وها هو الإمام محمد بن إسماعيل البخاري عقد باباً طويلاً في هذا المعنى، ثم رتب على ما ذكر الوعيد البليغ. وقوله: ((ومن كذب على متعمداً)) يعني من لم يبلغ حق التبليغ، ولم يحتط في الأداء، ولم يراع صحة الإسناد، وحدث عني بلا حرج- دخل في زمرة الكاذبين، كما ورد: ((كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع)) والأمر بالتبوء تهكم وتغليظ؛ إذ لو قيل: كان مقعده في النار، لم يكن كذلك: وأيضاً فيه إشارة إلى معنى القصد في الذنب وجزائه، أي كما أنه قصد في الكذب التعمد فليقصد في جزائه التبوء. ((غب)): الآية هي العلامة الظاهرة وحقيقته لكل شيء ظاهر هو ملازم لشيء لا يظهر ظهوره، فمتى أدرك مدرك الظاهر منهما علم أنه أدرك الآخر الذي لم يدركه بذاته. قال ابن الصلاح في كتابه إن حديث: ((من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) من المتواتر، وليس في الأحاديث ما في مرتبته من، فإن ناقليه من الصحابة العدد الجم، وهو في الصحيحين مروي عن جماعة منهم، وروي بعض الحفاظ أنه رواه رسول الله ﷺ اثنان

стр. 248

١٩٩ - وعن سمرة بن جندب، والمغيرة بن شعبة، قالا: قال رسول الله ﷺ ((من حدث عني بحديث يرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين)). رواه مسلم. ٢٠٠ - وعن معاوية، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي)). متفق عليه. ــ وستون من الصحابة، وفيهم العشرة المشهود لهم بالجنة. وقيل: أكثر من ذلك. وقيل: لا يعرف حديث اجتمع عليه العشرة إلا هذا. قال الشيخ: ثم لم يزل عدده على هذا، وأنه في الازدياد وهلم جرا على التوالي والاستمرار. وقال: المتواتر عبارة عن الخبر الذي ينقله من يحصل العلم بصدقه ضرورة، ولابد في إسناده من استمرار هذا الشرط في روايته من أوله إلى منتهاه. والحديث الثاني عن سمرة: قوله: ((يرى)) ((شف)): وإنما سماه كاذباً؛ لأنه يعين المفترى، وشاركه بسبب إشاعته ونشره، فهو كمن أعان ظالماً على ظلمه. ((مح)): ((يرى)) ضبطناه بضم الياء، و ((الكاذبين)) بكسر الباء وفتح النون على الجمع، وهذا هو المشهور في اللفظتين. قال القاضي عياض: الرواية فيه عندنا على صحيح مسلم في حديث سمرة ((الكاذبين)) بفتح الباء وكسر النون على التثنية، واحتج به على أن الراوي له يشارك البادي بهذا الكذب. ثم رواه أبو نعيم من رواية المغيرة ((الكاذبين أو الكاذبين)) على الشك في التثنية والجمع، وذكر بعض الأئمة جواز فتح الياء من: (يرى) بمعنى يعلم، وهو ظاهر حسن. فأما من ضم الياء فمعناه يظن، ويجوز أن يكون الفتح بمعنى يظن، وقد حكى رأي بمعنى ظن. وقيل: إنه لا يأثم إلا برواية ما يعلمه، أو يظنه كذباً، أما ما لا يعلمه، ولا يظنه فلا إثم عليه في روايته، وإن ظنه غيره كذباً أو علماً. وأقول: قوله: ((أحد الكاذبين)) من باب قولك: القلم أحد اللسانين، والخال أحد الأبوين، وقد مر بيانه. الحديث الثالث عن معاوية: قوله: ((يفقهه)) ((نه)): الفقه في العلم: الفهم، يقال: فقه الرجل يفقه فقهاً إذا علم. وفقه- بالضمر- يفقه إذا صار فقيهاً عالماً. وجعله العرف خاصاً بعلم الشريعة، وتخصيصاً بعلم الفروق. وإنما خص علم الشريعة بالفقه؛ لأنه علم مستنبط بالقوانين والأدلة، والأقيسة، والنظر الدقيق بخلاف اللغة، والنحو، والصرف. روي أن سلمان نزل على نبطية بالعراق، فقال لها: هل هاهنا مكان نظيف أصلي فيه، فقالت: طهر قلبك وصل حيث شئت: فقال: فقهت. أي فهمت وفطنت الحق، ولو قال: علمت، لم يقع هذا الموقع. وعن الدارمي عن عمران قال: قلت للحسن يوماً في شيء قاله: يا أبا سعيد! ليس هكذا يقول الفقهاء، فقال: ويحك، هل رأيت فقيهاً قط؟ وإنما الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بأمر دينه، والمداوم على عبادة ربه. ((قض)): ((إنما أنا قاسم)) أي أنا أقسم بينكم، فألقى إلى كل واحد ما يليق به، والله سبحانه يوفق من يشاء منكم لفهمه، والتفكر في معناه، والعمل بمقتضاه. ((تو)): أعلم أصحابه-

стр. 249

٢٠١ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الناس معادن كمعان الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا)). رواه مسلم. [٢٠١] ــ ﵃ أنه ﷺ لم يفضل في قسمة ما أوحي إليه أحداً من أمته على الآخر، بل سوى في البلاغ، وعدل في القسمة، وإنما التفاوت في الفهم، وهو واقع من طريق العطاء، ولقد كان بعض الصحابة يسمع الحديث فلا يفهم منه إلا الظاهر الجلي، ويسمعه آخر منهم أو من القرن الذي يليهم أو ممن أتى بعدهم فيستنبط منه مسائل كثيرة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وأقول: الواو في قوله: ((وإنما أنا قاسم)) للحال من فاعل ((يفقهه))، أو من مفعوله، وإذا كان الثاني فالمعنى أن الله تعالى يعطي كلا ممن أراد أن يفقهه استعداداً لدرك المعاني على ما قدره، ثم يلهمني بإلقاء ما هو لائق باستعداد كل واحد، وعليه كلام القاضي. وإذا كان الأول فالمعنى أني ألقي ما يسنح لي وأسوي فيه، ولا أرجح بعضهم على بعض، فالله تعالى يوافق كلا منهم على ما أراد وشاء من العطاء، وعليه كلام التوربشتي. الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((الناس معادن)) المعدن المستقر والمستوطن، من: عدنت البلد إذا توطنته، ومنه المعدن المستقر الجواهر والفلزات. و ((معادن)) خبر مبتدأ ولا يستقيم حمله عليه إلا بأحد وجهين: إما أن يكون محمولا عليه بالتشبيه، كقولك: زيد أسد، فيكون ((كمعادن الذهب)) بدلاً منه، وإما أن يكون المعادن مجازاً من التفاوت، فالمعنى الناس متفاوتون تفاوتاً مثل تفاوت معادن الذهب والفضة فالمراد بالتفاوت تفاوت النسب في الشرف والصنعة، يدل عليه قوله ﷺ في حديث آخر: ((فعن معادن العرب تسألوني؟ قالوا: نعم)) أي أصولها التي ينسبون إليها، ويتفاخرون بها. وإنما جعلت معادن لما فيها من الاستعدادات المتفاوتة، فمنها قابلة لفيض الله تعالى على مراتب المعادن، ومنها غير قابلة لها. وقوله: ((خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا)) جملة مبينة بعد التفاوت الحاصل بعد فيض الله تعالى عليها من العلم والحكمة. قال الله تعالى: ((من يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً)) شبههم بالمعادن في كونها أوعية للجواهر النفيسة والفلزات المنتفعة بها، المعنى بهما في الإنسان كونه أوعية العلوم والحكم، فالتفاوت في الجاهلية بحسب الأنساب، وشرف الآباء، وكرم الأصل، وفي الإسلام بحسب العلم والحكم، فالشرف الأول موروث، والثاني مكتسب. فإن قلت: ما فائدة التقييد بقوله: ((إذا فقهوا))؛ لأن كل من أسلم، وكان شريفاً في الجاهلية فهو خير من الذي لم يكن له شرف فيها، سواء فقه أو لم يفقه؟ قلت: ليس كذلك؛ فإن

стр. 250

٢٠٢ - وعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا حسد إلا في اثنتين: ــ الإيمان يرفع التفاوت المعتبرة في الجاهلية، فإذا تحلى الرجل بالعلم والحكمة استجلب النسب الأصلي فيجتمع شرف النسب مع شرف الحسب، انظر إلى المنقبة السنية كيف رد تيمنها وبركتها ما رفعه الإسلام من الشرف الموورث؟ وفهم من ذلك أن الوضيع المسلم المتحلي بالعلم أرفع منزلة من الشريف المسلم العاطل. ونعم ما قال الأحنف: كل عز لم ((يوطد) بعلم فإلى ذلك ما يصير قال: ولا الشرف الموروث لا در دره بمحتسب إلا بآخر مكتسب وقال لآخر: إن السرى إذا سرى فبنفسه وابن السرى إذا سرى أسراهما روي أن فزارياً شكى إلى عمر بن الخطاب ﵁ من لطمة لطمها جبلة بن الأيهم، فأمر بالقصاص، فقال جبلة: أتقتص مني وأنا ملك وهو سوقة؟ فقال عمر: شملك وإياه الإسلام، فما تفضله إلا بالعاقبة. الحديث الخامس عن ابن مسعود: قوله: ((لا حسد)) أي لا رخصة فيه، ((حس)): المراد من الحسد ههنا الغبطة، وهي تمني الرجل مثل ما لأخيه من غير أن يتمنى زواله عنه، والمذموم ما يتمنى الزوال، وهو المسمى بالحسد، ومعنى الحديث: الترغيب في التصدق بالمال، وتعليم العلم، وقيل: إن فيه تخصيصاً لإباحة نوع من الحسد، وإن كانت جملته محظورة. وإنما رخص فيهما لما يتضمن مصلحة في الدين. قال أبو تمام: وما حاسد في المكرمات بحاسد وكما رخص في الكذب لتضمن فائدة هي فوق آفة الكذب. وقيل: معناه لا يحسن الحسد إن حسن في موضع إلا في هذين الموضعين. أقول: أثبت الحسد في الحديث لإرادة المبالغة في تحصيل النعمتين الخطيرتين، يعني ولو حصلتا بهذا الطريق المذموم فينبغي أن لا يتحرى ويجتهد في تحصيلها، فكيف بالطريق المحمود؟ بل أقول: هو الطريق المحمود لذاته، والمأمور في قوله تعالى: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ والمرغب فيه بقوله: ﴿والسابقون السابقون أولئك المقربون﴾ فإن السبق هو روم نيل ما لصاحبه واختصاصك به. قالت الخنساء.

стр. 251

رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق.، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها)). متفق عليه. ٢٠٣ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا مات الإنسان انقطع ــ وما بلغت كف امرئ متناولاً من المجد إلا والذي نال أطول وهو الحسد المباح الذي سبق ذكره. وكيف لا؟ وكل واحدة من هاتيك الخصلتين بلغت غاية لا أمد فوقها، ولو اجتمعنا في امرئ بلغ من العلياء كل مكان. وقوله: ((فسلطه على هلكته)) فيه مبالغتان: إحداهما التسليط، فإن يدل على الغلبة وقهر النفس المجبولة على الشح البالغ. ثانيتهما قوله: ((على هلكته)) فإنه يدل على أنه لا يبقى من المال باقياً، فلما أوهم القرينتان للإسراف والتبذير المقول فيهما لا خير في السرف- كمله بقوله: ((في الحق))، كما قيل: لا سرف في الخير. وكذا القرينة الأخرى اشتملت على مبالغات: إحداها ((الحكمة)) فإنها تدل على علم دقيق مع إيقان في العمل. وثانيتها ((يقضي)) أي يقضي بين الناس، وهي مرتبته ﷺ . وثالثتها ((يعلمها))، وهي أيضاً من مرتبة سيدنا النبي ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿ويعلمهم الكتاب والحكمة﴾. وروي: ((لا حسد إلا في اثنين))، فيكون ((رجل)) بدلاً منه. وروى ((في اثنتين)) أي خصلتين، فلابد من تقدير مضاف ليستقيم المعنى، فإذا روي ((اثنين)) يقدر: في شأن اثنين، وإذا روي ((اثنتين)) يقدر: خصلة رجل. ((نه)): الحكمة عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، ويقال لمن يحسن دقائق الصناعات ويتقنها: حكيم، وهذا الحديث على ما تقرر شاهد صدق على وجوب أداء لفظ الحديث من غير إبدال، إذ لو وضع مكان ((لا حسد)) لا غبطة، ومكان ((سلط)) ((ملك))، وغيرهما، وأبدلت الحكمة بالعلم، وهلم جرا لفاتت تلك الفوائد المقصودة. والله أعلم. الحديث السادس عن أبي هريرة: قوله: ((إلا من .... صدقة)) وفي بعض نسخ المصابيح أسقطوا لفظة ((إلا)) وهي مثبتة في صحيح مسلم، وكتاب الحميدي، وجامع الأصول، والمشارق وهو إلى آخره بدل من قوله: ((إلا من ثلاثة)) فعلى التكرير فيه مزيد تقرير، واعتناء شأنها، والاستثناء متصل، تقديره: ينقطع عنه ثواب أعماله من كل شيء من الصلاة والزكاة والحج، ولا ينقطع ثواب أعماله من هذه الثلاثة. والمعنى إذا مات الإنسان لا يكتب له بعده أجر أعماله؛ لأنه جزاء العمل، وهو ينقطع بموته، إلا فعلا دائم الخير، مستمر النفع، مثل وقف أرض، أو تصنيف كتاب، أو تعليم مسألة يعمل بها، أو ولد صالح، وكل منها يلحق أجره إليه. وإنما جعل ولد

стр. 252

عمله إلا من ثلاثة أشياء: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)). رواه مسلم. [٢٠٣] ــ جعل ولد صالح من جنس العمل لأنه هو السبب في وجوده، وسبب لصلاحه بإرشاده إلى الهدى، كما جعل نفس العمل في قوله تعالى: ﴿إنه عمل غير صالح﴾. وأما فائدة القيد بـ ((الولد يدعو له)) مع أن الغير من المسلمين لو دعا له لنفعه أيضاً- فزيادة للبيان، وتحريض للولد على الدعاء، وأنه كالواجب عليه. ((قض)): قوله ﷺ : ((من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها)) يكاد يخل بهذا الحديث، لاسيما قوله: ((كل ميت يختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله، فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة)) فإنه ينافي [قطرية]. قلت: الحديث الأول داخل في باب علم ينتفع به، فإن وضع السنن وتأسيسها من باب التعليم. وأما قوله: ((كل ميت يختم على عمله)) فمعناه أن الرجل إذا مات لا يزاد في ثواب ما علم، ولا ينقص منه شيء إلا الغازي؛ فإن ثواب مرابطته ينمو ويتضاعف، وليس فيه ما يدل على أن عمله يزاد بضم غيره أو يزاد. يريد أن الحصر يدل على أن الثواب بانضمام الغير يجري له، كأنه قيل: ينقطع عمله المنضم إلى عمل الغير إلا عن ثلاث، والمرابطة ليس بداخلة فيها، فلا يخل بالحصر. وهو ينظر إلى ما يروي التوربشتي عن الطحاوي حيث قال: والذي ذكر عن المرابط، فإنه عمله الذي قدمه في حياته، فينمو له إلى يوم القيامة. وأقول: لعلها داخلة في الصدقة الجارية؛ لأن القصد في المرابطة نصرة المسلمين، ودفع أعداء الدين، والمجاهدة مع الكفار، ودعوتهم إلى الإسلام لينتفعوا في الدارين. ونية المؤمنين خير من عمله، فلا يبعد أن يدخل تحت جنس الصدقة الجارية، كبناء الرباط، وحفر البئر. وفيه تحريض على الجهاد وحيث عليه، ومما يواخيه في الحث حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : ((من احتبس فرساً في سبيل الله إيماناً بالله وتصديقاً بوعده فإن شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة)) رواه البخاري. ((مح)): فيه دليل صحة أصل الوقف، وعظم ثوابه، وبيان فضيلة العلم، والحث على استكثار منه والترغيب في توريثه بالتعليم والتصنيف، وأنه ينبغي أن يختار من العلوم الأنفع فالأنفع. وفيه أن الدعاء يصل ثوابه إلى الميت، وكذلك الصدقة، وهما مجمع عليهما، وكذلك قضاء الدين.

стр. 253

٢٠٤ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة. ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة. ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة. والله في عون ــ الحديث السابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((من نفس)) يقال: نفست عنه كربة تنفيساً إذا رفعته [وفرجته] عنها، مأخوذ من قولهم: أنت في نفس أي سعة، كأن من كان في كربة وضيق سد عنه مداخل الأنفاس، فإذا فرج عنه فتحت [المداخل]. و ((المعسر)) من كربه الدين، وتعسر عليه قضاؤه. ((مظ)): ((ومن ستر)) يجوز أن يراد به الظاهر، وأن يراد ستر من ارتكب ذنباً فلا يفضحه. وإنما عدل ﷺ من المساجد، إلى هذه الصيغة أعني ((من بيوت الله)) ليشمل جميع ما يبني لله تقرباً إليه من المساجد والمدارس، والربط. و ((يتدارسون)) شامل لجميع ما يناط بالقرآن من التعليم والتعلم، والتفسير، والاستكشاف عن دقائق معانيه. و ((السكينة)) هي ما يحصل به السكون والوقار، وصفاء القلب بنور القرآن، وذهاب الظلمة النفسانية، ونزول ضياء الرحمانية. وعن ابن مسعود: ((السكينة مغنم، وتركها مغرم)) و ((غشيتهم)) غطتهم وعلتهم الرحمة، و ((حفت بهم)) أي أحدقتهم، وطافت بهم. قوله: ((فيمن عنده)) قيل المراد بهم الملأ الأعلى، والطبقة الأولى من الملائكة. وذكره سبحانه فيما بينهم للمباهاة بهم. و ((البطء)) نقيض السرعة. ((نه)): أي من أخره عمله السيئ أو تفريطه في العمل الصالح لم ينفعه في الآخر شرف النسب. وأقول: قوله: ((كربة)) أي غماً وشدة، نكرها تقليلاً، وميز بها بعد الإبهام وبينها بقوله: ((من الدنيا)) للإيذان بتعظيم شأن [التنفيس]، يعني أقله المختص بالدنيا يفيد هذه الفائدة، فكيف بالكثير المختص بالعقبى؟ فلذلك لم يقيد هذه القرينة بما قيده في القرينتين الأخيرتين من ذكر الدنيا والآخرة معاً، ولأنهما تخصيص بعد التعميم اهتماماً بشأنهما. ((والله في عون العبد)) تذييل للسابق، لاسيما على دفع المضرة عن أخيه المسلم، وعلى جلب النفع له، ولذلك أخرجه من سياق الشرطية، وبني الخبر على المبتدأ؛ ليقوى به الحكم. وخص العبد بالذكر تشريفاً له بنسبة العبدية إليه، كما شرف رسول الله ﷺ في قوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا﴾ وكرره وقال: ((في عون العبد)) ولم يقل: والله يعينه في كذا، كما قال: ﴿ولكم في القصاص حياة﴾ أي إن الله يوقع العون في العبد ويجعله مكاناً له، مبالغة في الإعانة. ولما فرغ من الحث على الشفقة لخلق الله تعالى أتبعه بما ينبئ عن التعظيم لأمر الله، ولأن العلم وسيلة إلى العمل ومقدمة له، ومن ثم [ختمه] بقوله: ((ومن بطأ به عمله)).

стр. 254

العبد ما كان العبد في عون أخيه. ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة. وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده. ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه)) رواه مسلم [٢٠٤]. ٢٠٥ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل استشهد، فأتى به فعرفه نعمته فعرفها، قال: ما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت قال: كذبت؛ ولكنك قاتلت لأن يقال: جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، ــ قوله: ((ومن سلك طريقاً)) التنكير فيه للشيوع، أي تسبب بسبب أي سبب كان، من مفارقة الأوطان، والضرب في البلدان، والإنفاق فيه، والتعلم والتعليم، والتصنيف، والكدح فيه، مما لا يحصى كثرة. ((ومن بطأ به عمله)) أيضاً تذييل بمعنى التعظيم لأمر الله، فالواو فيه وفي قوله: ((والله في عون العبد)) استئنافية، وبقية الواوات عاطفة، وأخرج مخرج الحصر خصوصاً بما وإلا؛ ليقطع الحكم به، ويكمل العناية بشأنها، والله أعلم. الحديث الثامن عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((إن أول الناس)) ((شف)): ((يقضي)) صفة للناس، وهو نكرة معنى، أي أول ناس يقضي عليه يوم القيامة رجل. انتهى كلامه. قوله: ((فعرفه)) هذا التعريف للتبكيت، وإلزام المنعم عليه، ولذلك أتبعه بقوله: ((فعرفها)) أي اعترف بها، والفاء في ((فعرفه)) للتعقيب، وفي ((فعرفها)) للتسبيب، وفي [فما عملت] جزاء شرط محذوف هو مقول القول، أي إذا كان مقرراً عندك أمن تلك النعمة الموجبة للشكر مني فما فعلت في حق تلك النعمة؟ وهي منح القوة، والشجاعة، وتهيئة آلة المحاربة لإعلاء كلمات الله، يعني كيف أديت شكرها؟ وقوله: ((فيك)) أي في جهتك خالصاً لك، أداء لحق تلك النعمة. والتكذيب راجع إلى هذه الدعوى. و ((جريء)) أي مقدام، يقول منه: جرأ الرجل جراء بالمد. قال في الصحاح: وأما الجريء المقدام فهو من باب الهمز. ((وقرأ القرآن)) أي على ظهر قلبه من غير تأمل في معانيه. وفيه تنبيه على أن مجرد قراءته كاف في الاعتبار. قال المؤلف: ((نعمته)) على صيغة المفرد أولاً، وعلى الجمع في الأخيرين، هكذا جاء في صحيح مسلم، والجمع بين الصحيحين، والحميدي، وجامع الأصول، وفي الرياض للنواوي، وفي بعض نسخ المصابيح. ولعل الفرق لأجل اعتبار الإفراد في الأولى والكثرة في الأخيرين.

стр. 255

فأتى به فعرفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيه القرآن: قال: كذبت؛ ولكنك تعلمت العلم ليقال: إنك عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فأتى به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك. قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار)). رواه مسلم. [٢٠٥] ٢٠٦ - عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً؛ اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا)). متفق عليه. ٢٠٧ - وعن شقيق كان عبد الله بن مسعود يذكر الناس في كل خميس فقال له ــ الحديث التاسع عن عبد الله قوله: ((انتزاعاً)) مفعول مطلق [على] معنى ((يقبض)) نحو ((رجع القهقري، و ((ينتزعه)) صفة مبينة للنوع، و ((حتى)) هي التي تدخل على الجملة، وهي هنا الشرط والجزاء قوله: ((اتخذ الناس رءوساً جهالاً)) قال الشيخ محيي الدين: ضبطناه في البخاري ((رءوساً)) بالمد بضم الهمزة وبالتنوين جمع رأس، وضبطوه في مسلم هنا بوجهين: أحدهما هذا، والثاني [((رؤساء)) بالمد جمع رئيس، وكلاهما صحيح، والأول أشهر. وفي التحذير عن اتخاذ الجهال رؤوساً. الحديث العاشر عن شقيق: قوله: ((يتخولنا)) أي يتعهدنا، التخول التعهد، وحسن الرعاية، يقال: تخولت الريح الأرض إذا تعهدتها، والخائل المتعهد للشيء الحافظ له. والمعنى أنه كان يتفقد بالموعظة في مظان القبول، ولا يكثر علينا لئلا نسأم، وكان أبو عمرو يقول: إنما [هو] يتخوننا، والتخون التعهد، قال ذو الرمة: لا ينعش الطرف إلا ما تخونه داع يناديه باسم الماء مبغوم

стр. 256

رجل: يا أبا عبد الرحمن! لوددت أنك ذكرتنا في كل يوم. قال: أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملكم، وإني أتخولكم بالموعظة كما كان رسول الله ﷺ يتخولنا بها مخافة السآمة علينا. متفق عليه. ٢٠٨ - وعن أنس، قال: كان النبي ﷺ إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً حتى تفهم عنه، وإذا أتى على قوم فسلم عليهم سلم عليهم ثلاثاً. رواه البخاري. ٢٠٩ - وعن أبي مسعود الأنصاري، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إنه ــ وقد رد على الأعمش روايته باللام، وكان الأصمعي يقول: ظلمه أبو عمرو، يقال: يتخولنا ويتخوننا جميعاً. قلت: والرواية باللام أكثر، وزعم بعضهم أن الصواب يتحولنا- بالحاء- المهملة- وهو أن يتفقد أحوالهم التي ينشطون فيها للموعظة فيعظهم فيها، ولا يكثر عليهم فيملوا. ومن الناس من يرويه كذلك، ولكن الرواية في الصحاح بالخاء المعجمة. الحديث الحادي عشر عن أنس: قوله: ((إذا تكلم)) ((تو)): أراد بالكلمة الجملة المفيدة. وقوله: ((أعادها ثلاثاً)) فإنه مبين بقوله: ((حتى يفهم عنه)). وأما قوله: ((إذا سلم سلم عليهم ثلاثاً)) فإنه يفتقر إلى البيان؛ لأنا لم نجد سنة مشروعة، وقد ذهب بعض العلماء في معناه إلى التسليم الاستئذان، واستدل بحديث سعد بن عبادة: ((أن النبي ﷺ جاءه وهو في بيته، وسلم، [فلم] يجبه، ثم سلم ثانياً، ثم ثالثاً)) الحديث الأول، وفي هذا التأويل نظر؛ لأن تسليمة الاستئذان [تثنى] ذا حصل الإذن بالأولى، ولا تثلث إذا حصل بالثانية؛ ثم أنه ذكره بحرف ((إذا)) المقتضية لتكرار الفعل كرة بعد أخرى، وتسليمه ثلاثاً على باب سعد أمر نادر، ولم يذكر عنه في غير هذا الحديث. والوجه فيه أن نقول: معناه كان النبي ﷺ أتى على قوم سلم تسليمه الاستئذان، وإذا دخل سلم تسليمة التحية، ثم إذا قام من المجلس سلم تسليمة الوداع، وهي في معنى الدعاء. وهذه التسليمات كلها مسنونة، وكان النبي ﷺ يواظب عليها، ولا مزيد في السنة على هذه الأقسام. الحديث الثاني عشر عن أبي مسعود: قوله: ((إنه أبدع بي)) اسم ((إن)) ضمير الشأن، والجملة المفسرة خبره. ((فا)): أبدعت الراحلة إذا انقطعت عن السير لكلال أو ظلع جعل انقطاعها عما كانت مستمرة عليه من عادة السير إبداعاً منها، أي إنشاء أمر خارج عما اعتيد فيها وألف، واتسع فيه حتى قيل: أبدعت حجة فلان، وأبدع بره بشكري، وإذا لم يف شكره ببره. ومعنى ((أبدع بالرجل)) انقطع به راحلته، كقولك: سار زيد بعمرو، فإذا بنيت الفعل للمفعول به وحذفت الفاعل قلت: سير بعمرو، فأقمت الجار والمجرور مقام الفاعل، وأن المعنى في سير بعمرو سير عمرو، كذلك المعنى في انقطع بالرجل قطع الرجل، أي قطع عن السير.

стр. 257

أبدع بي فاحملني. فقال: ((ما عندي)). فقال: رجل: يا رسول الله! أنا أدله على من يحمله. فقال رسول الله ﷺ : ((من دل على خير فله مثل أجر فاعله)). رواه مسلم. [٢٠٩]. ٢١٠ - وعن جرير، قال: كنا في صدر النهار عند رسول الله ﷺ ، فجاءه قوم عراة مجتابي النمار أو العباء، متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتمعر وجه رسول الله ﷺ لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالا فأذن، وأقام فصلى ثم خطب فقال: ﴿يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس ــ قوله: ((من دل على خير)) وإنما أجاب ﷺ بقوله: ((من دل على خير فله مثل أجر فاعله)) بدل ((نعم)) ليشمل جميع هذه الخصلة الحميدة، ويدخل فيه السائل دخولا أولياً وإيراد الحديث في هذا الباب لمناسبة التعليم الفعلي؛ لأن التعليم أعم من أن يكون فعلياً أو قولياً. الحديث الثالث عشر عن جرير: قوله: ((مجتابي)) هو بالجيم وبعد الألف باء موحدة. و ((النمار)) جمع نمرة، وهي كساء من صوف مخطط. ومعنى مجتابيها لابسوها، وقد خرقوها في رءوسهم، والعطف في ((بل كلهم)) للحصر، وهو من قصر الموصوف على الصفة، أي لا يتجاوز عن مضر إلى غيرهم. وكذا العطف في (بل قد عجزت)، وفائدته التأكيد، ورفع توهم التجوز. ((نه)): (التعمر) التغير، وأصله قلة النضارة وعدم إشراق اللون، من قولهم: مكان أمعر: إذا (كان) أحدب. قوله: ﴿خلقكم من نفس واحدة﴾ هذا على تأويل أن يكون الخطاب بقوله: ﴿يأيها الناس﴾ للذين بعث إليهم رسول الله من مضر، وأراد بالتلاوة من هذه الآية قوله: ﴿واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام﴾، أي اتقوا الله الذي خلقكم، واتقوا الله الذي تناشدون، واتقوا الأرحام فلا تقطعوها، وقد أذن إذ قرن الأرحام باسمه أن صلتها منه بمكان ومنزلة عظيمة. وقوله: ((والآية)) بالنصب عطف من حيث المعنى على قوله: ﴿يأيها الناس اتقوا﴾ على تأويل قال (بقرأ)، أي قرأ هذه الآية والآية التي في الحشر. وقوله: ((تصدق)) لعل الظاهر ليتصدق رجل، ولام الأمر [للغائب] محذوف، وجوزه ابن الأنباري، ونقل عن بعض أهل اللغة أن ((نبك)) في قوله: ((قف نبك)) مجزوم على تأويل [للغائب] قال: التقدير: قفا فلنبك.

стр. 258

واحدة﴾ إلى آخر الآية ﴿إن الله كان عليكم رقيبا﴾، والآية التي في الحشر ﴿اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد﴾ تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوابه، من صاع بره، من صاع تمره، حتى قال: ولو بشق تمرة)). قال: فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من ــ واحتج بقوله تعالى: ﴿ذرهم يأكلوا ويتمتعوا﴾ أي ذرهم فليأكلوا. وكذلك قوله تعالى: ﴿قل للذين آمنوا يغفروا للذين﴾ أي قل لهم: فليغفروا. ولو حمل ((تصدق)) على الفعل الماشي لم يساعد عليه قوله: ((ولو بشق تمرة))؛ إذ المعنى ليتصدق رجل ولو بشق تمرة. وكذا قوله: ((فجاء رجل من الأنصار بصرة)) إلى آخره يأبى الإخبار؛ لأنه بيان كون المأمورين [امتثلوا] أمره ﷺ عقيب الحث على التصدق، فجاء كل رجل بما في وسعه. ولمن يجريه على الإخبار وجه، لكن فيه تعسف غير خاف. و ((رجل)) نكرة وضعت موضع الجمع المعرف، فأفاد الاستغراق في أفراده، وإن لم يكن في سياق النفي، كقوله تعالى: ﴿وول أنما في الأرض من شجرة أقلام﴾ فإن ((شجرة)) وقعت موقع الأشجار، فأفادت الاستغراق، ومن ثم كرر ((من)) في الحديث مراراً ولم يعطف. أي ليتصدق رجل من ديناره ودرهمه، وهلم جرا. و ((من)) في ((من ديناره)) يجوز)) أن تكون تبعيضية منصوبة المحل، و ((ديناره ودرهمه)) جنس، أي: ليتصدق ببعض ما عنده من هذا الجنس، وأن تكون ابتدائية متعلقة بالفعل، فالإضافة في ((ديناره ودرهمه)) بمعنى اللام، أي ليتصدق بما هو مختص به وهو مفتقر إليه، على نحو قوله تعالى: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾. والكومة من الطعام [الصبرة]، وأصل الكوم ما ارتفع من الشيء. و ((يتهلل)) يستنير ويظهر عليه أمارات السرور. ((والمدهن)) نقرة في الجبل ليستنقع فيها الماء من المطر. والمدهن أيضا ما جعل فيه الدهن، والمدهنة تأنيث المدهن. شبه صفاء وجهه ﵊ لإشراق السرور بصفاء هذا الماء المجتمع في الحجر، أو بصفاء الدهن. هذا ما شرحه الحميدي في غريبه، وقد جاء في كتاب النسائي وفي بعض نسخ مسلم: ((مذهبة) بذال معجمة وفتح الهاء وبعدها باء موحدة، فإن صحت الرواية فهو من الشيء المذهب المموه بالذهب، هكذا في جامع الأصول. ((مح)): ((مذهبة))

стр. 259

طعام وثياب. حتى رأيت وجه رسول الله ﷺ يتهلل كأنه مذهبه فقال رسول الله ﷺ : ((من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء)). رواه مسلم. [٢١٠]. ٢١١ - وعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه أول من سن القتل)). متفق عليه. وسنذكر حديث معاوية: ((لا يزال من أمتي)) في باب ثواب هذه الأمة إن شاء الله تعالى. ــ هو بالذال المعجمة وفتح الهاء وبالباء الموحدة، قال القاضي عياض وغيره: وصحفه بعضهم فقال: مدهن بدال مهملة وفتح الهاء والنون، وكذا ضبطه الحميدي، والصحيح المشهور هو الأول، والمراد به على الوجهين الصفاء والاستنارة. ((تو)): ((من سن سنة)) أي يأتي بطريق مرضية يقتدي به فيها. وفي عامة نسخ المصابيح: ((فله أجرها))، وهو غير سديد رواية ومعنى، وإنما الصواب ((أجره))، والضمير يعود إلى صاحب الطريقة، أي له أجر علمه، وأجر من عمل بسنته، فظن بعض الناس أن الضمير راجع إلى السنة، وقد وهم فيه بعض المتأخرين من رواة الكتابين، وليس ذلك من رواية الشيخين في شيء. قال المؤلف: أما قوله: ((وليس ذلك من رواية الشيخين)) فجوابه أن البخاري ما أورد هذا الحديث في جامعه، وهو من أفرد مسلم، ووجد في نسخ متعددة من نسخ مسلم ((أجرها))، وعلى هذا شرح الإمام محيي الدين النواوي. وقوله: ((وهو غير سديد)) وكذا قوله: ((فظن بعض الناس أن الضمير راجع إلى السنة)) فجوابه أن الإضافة يكفي في استقامتها أدنى ملابسة .. فإن السنة الحسنة لما كانت سبباً في ثبت أجر عاملها أضيف الأجر إليها بهذا، كما إذا رأيت بناء رفيعاً قلت: هذا بناء الأمير. أو أن المضاف محذوف، أي فله أجر عملها، فيكن من إضافة المصدر إلى المفعول. الحديث الرابع عشر عن عبد الله بن مسعود: قوله: ((على ابن آدم الأول)) إنما قيد ابن آدم بـ ((الأول)) لئلا يشبه؛ لأن في بني آدم كثرة، وهذا يدل على أن قابيل كان أول مولود من بني آدم، و ((الكفل)) النصيب والحظ، يقال للحظ الذي فيه الكفاية: الكفل، كأنه يكفل بأمر صاحبه، وكم من مثل هذه الألفاظ قد استعملت في معان قد اختصت بها، ثم شاعت واتسعت في غيرها، وحقيقة المعنى في قوله: ((كفل من دمها)) أي نصيب تكفل بأمره، فهو فيه جزاء ما ارتكبه من الإثم، وعقوبة ما سنه من القتل، ويجوز أن يكون ((الكفل)) بمعنى الكفيل، يعني أنه أقام كفيلاً بفعله الذي سنه في الناس يسلمه إلى عذاب الله- انتهى كلامه.

стр. 260

الفصل الثاني ٢١٢ - عن كثير بين قيس، قال: كنت جالساً مع أبي الدرداء في مسجد دمشق، فجاء رجل فقال: يا أبا الدرداء! إني جئتك من مدينة رسول الله ﷺ ما جئت لحاجة. قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله ــ وسببه أن قابيل قتل أخاه هابيل حين أوحى الله تعالى إلى آدم أن يزوج [كلا] من البطنين توأم الآخر، وكانت توأم قابيل أجمل، فحسد عليها أخاه هابيل، فقتله، وهما أول قاتل ومقتول من بني آدم. الفصل الثاني الحديث الأول عن كثير: قوله: ((ما جئت لحاجة)) أي حاجة أخرى غير أن أسمع منك الحديث، وتحديث أبي الدرداء بما حدثه يحتمل أن يكون مطلوب الرجل بعينه، أو يكون بيان أن سعيه مشكور عند الله، ومطلبه من أسنى المطالب، ولم يذكر هنا ما هو مطلوبه، والأول أغرب وأقرب. وإنما أطلق الطريق والعلم ليشملا ي جنسها أي طريق كان، من مفارقة الأوطان، والضرب في البلدان إلى غير ذلك كما سبق، و ((علماً)) أي علم كان من علوم الدين، قليلاً كان أو كثيراً، رفيعاً أو غير رفيع. وقيد ((طريقاً)) بقوله: ((من طرق الجنة)) ليشير إلى أنه تعالى يوفقه للأعمال الصالحة، فيوصله بها إلى الجنة، ويسهل عليه ما يزيد به علمه؛ لأنه أيضاً طريق من طرق الجنة، بل هو أقربها وأعظمها؛ لأن صحة الأعمال وقبولها متوقفة على العلم. والضمير المجرور في ((به)) عائد إلى ((من))، والباء للتعدية، أي يوفقه أن يسلك طريق الجنة. ويجوز أن يرجع الضمير إلى العلم، والباء للسببية، ويكون سلك بمعنى سهل، والعائد إلى ((من)) محذوف، والمعنى سهل الله له بسبب العلم طريقاً من طرق الجنة، فعلى الوجه الأول ((سلك)) من السلوك، فعدي بالباء، وعلى الثاني من السلك، والمفعول محذوف، كقوله تعالى: ((يسلكه عذاباً صعداً)) قيل: عذاباً مفعول ثان. وعلى التقديرين نسبة سلك إلى الله تعالى على طريق المشاكلة، ((وإن الملائكة ...)) جملة معطوفة على الجملة الشرطية، وكذا الجمل الآتية المصدرة بـ ((إن)) على سبيل الترقي. ووضع الأجنحة يحتمل أن يكون حقيقة وإن لم يشاهد، أي بكف أجنحتها عن الطيران، وتنزل لسماع الذكر، كما ورد: ((إلا ونزلت عليهم بالسكينة، وحفت بهم الملائكة)) وأن يكون

стр. 261

به طريقاً من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضى لطالب العلم، وإن العالم يستغفر له من في السموات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر)). رواه أحمد والترمذي، وأبو داود، وابن ماجة، والدارمي، وسماه الترمذي قيس بن كثير [٢١٢]. ــ مجازاً عن التواضع، كقوله تعالى: ((واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين)) وقيل: معناه المعونة وتيسير السعي له في طلب العلم. قوله: ((رضي لطالب العلم)) مفعول له، وليس فعلا لفاعل الفعل المعلل، فيقدر مضاف، أي إرادة رضى. قوله: ((وإن العالم)) أثبت لهم العلم، وجعلهم معلمين بعد أن كانوا طالبين متعلمين ترقياً، ووصفهم بما هو أعلى مما وصفهم أولاً، حيث جعل الموجودات من الملائكة والثقلين وغيرهم حتى الحيتان في البحر مستغفرين لهم، طالبين لتخليتهم مما لا ينبغي ولا يليق بهم من الأوضار والأدناس، لأن بركة علمهم وعملهم وإرشادهم وفتواهم سبب لرحمة العالمين. وذكر الحيتان بعد ذكر الملائكة والثقلين تتميم لاستيعاب جميع أنواع الحيوانات على طريقة الرحمن الرحيم، كما بيناه في ((فتوح الغيب)). وأما تخصيص الحيتان بالذكر فللدلالة على أن إنزال المطر وحصول الخير والخصب ببركتهم، كما قال: ((بهم يمطرون، وبهم يرزقون))، حتى الحيتان التي لا تفتقر إلى الماء افتقار غيرها لكونها في جوف الماء تعيش أيضاً ببركتهم، فلما ذكر ما يحصل به التخلية عن النقائص عقبه بما يشير بالتحلية من إثبات النور. ((قض)): العبادة كمال ونور يلازم ذات العابد لا يتخطاه، فشابه نور الكواكب، والعلم كما يوجب للعالم في نفسه فضلاً وشرفا يتعدى منه إلى غيره، فيستضيء بنوره، ويكمل بواسطته، لكنه كمال ليس للعالم من ذاته، بل نور يتلقاه من النبي [صلوات الله عليه]، فلذلك شبه بالقمر- انتهى كلامه. ولا تظنين أن العالم المفضل عاطل عن العمل، ولابد العابد عن العلم، بل إن علم ذلك غالب على عمله، وعمل هذا غالب على علمه، ولذلك جعل العلماء وراث الأنبياء الين فازوا بالحسنيين العلم والعمل، وحازوا الفضيلتين: الكمال والتكميل، وهذا طريقة العارفين بالله، وسبيل السائرين إلى الله.

стр. 262

٢١٣ - وعن أبي أمامة الباهلي، قال: ذكر لرسول الله ﷺ رجلان: أحدهما عابد والآخر عالم، فقال رسول الله ﷺ : ((فضل العالم على العابد كفضلي على ــ كتب شيخنا شيخ الإسلام قطب الزمان أبو حفص السهروردي إلى الإمام فخر الدين الرازي مكتوباً فيه: إذا صفت مصادر العلم وموارده من الهوى أمدته كلمات الله التي تنفد البحار دون نفادها، ويبقى العلم على كمال قوته، لا يضعفه تردده في تجاويف [متحرية الأفكار] وبسعيه وبقوته يتلقى [الفهوم] المستقيمة. وهذه رتبة الراسخين في العلم المتوسمين بصورة العمل، وهم وراث الأنبياء ﵈ [كرعياهم] على العلم، وعلمهم على العمل، فتناوب العلم والعمل فيهم، حتى صفت أعمالهم ولطفت، فصارت مسامرات [سرية]، ومحاورات روحية، فتشكلت الأعمال بالعلوم لمكان لطافتها، وتشكلت العلوم بالأعمال لقوة فعلها، وسرايتها إلى الاستعدادات. وفي إتباع الهوى إخلاد إلى الأرض، قال الله تعالى: ﴿ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه﴾. وقوله: ((ليستغفر)) مجاز من إرادة استقامة حال المستغفر له، من طهارة النفس، ورفعة المنزلة، ورخاء العيش؛ لن الاستغفار من العقلاء حقيقة، ومن الغير مجاز. والفاء في قوله: ((فمن أخذ)) مسببية، أي من ورث العلم ورث حظاً وافراً. ويجوز أن يكون الضمير في ((فمن أخذه)) يعني اسم الإشارة كما في قول الشاعر: فيه سواد وبياض وبلق كأنه في الجلد توليع البهق أي كان ذلك، والمشار إليه جميع المذكورات. ((حس)): عن قتادة باب من العلم يحفظه الرجل لصلاح نفسه، وصلاح من بعده أفضل من عبادة حول. [قال] وعن الثوري قال: وعن الثوري قال: ليس عمل بعد الفرائض أفضل من طلب العلم. وعنه أيضاً: ما أعلم اليوم شيئاً أفضل من طلب العلم، قيل له: ليس لهم نية؟ قال: طلبهم له نية. وعن الحسن قال: من طلب العلم يريد ما عند الله كان خيراً له مما طلعت عليه الشمس. وعن ابن وهب قال: كنت عند مالك قاعداً أسأله، فرآني أجمع كتابي لأقوم، قال مالك: أين تريد؟ قال: قلت: أبادر إلى الصلاة، قال: ليس هذا الذي أنت فيه دون ما تذهب إليه إذا صح فيه النية، أو ما أشبه ذلك. وعن الشافعي قال: طلب العلم أفضل من الصلوة النافلة. الحديث الثاني عن أبي أمامة: قوله: ((كفضلي)) هذا التفضيل موافق للحديث السابق من حيث المبالغة وما به التفضيل؛ فإن المخاطبين بقوله: ((أدناكم)) هم الصحابة رضوان الله عليهم، وقد شبهوا بالنجوم في قوله ﵊: ((أصحابي كالنجوم)) الحديث حسنه الإمام

стр. 263

أدناكم)) ثم قال رسول الله ﷺ : ((إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت، ليصلون على معلم الناس الخير)). رواه الترمذي. [٢١٣]. ٢١٤ - ورواه الدارمي عن مكحول مرسلاً، ولم يذكر: رجلان. وقال: ((فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم، ثم تلا هذه الآية: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾)) وسرد الحديث إلى آخره [٢١٤]. ــ الصنعاني. وشبه ﷺ بالقمر ليلة البدر فيما رويناه عن الترمذي عن جابر بن سمرة قال: ((رأيت رسول الله ﷺ في ليلة أضحيان، فجعلت أنظر إلى رسول الله ﷺ وإلى القمر، وعليه حلة حمراء، فإذا هو أحسن من القمر)). والمبالغة التي تعطيها ((أدناكم)) تقرب منها في قوله ﷺ : ((سائر الكواكب))؛ لأن فضل القمر على بقية الكواكب أجمع يستلزم ذلك التفاوت العظيم بين البدر وبين كوكب هو أدنى الكواكب في الضوء كالسها. وهذا التشبيه ينبهك على أن لابد للعالم من العبادة، وللعابد من العلم؛ لأن تشبيههما برسول الله ﷺ وبالصحابة يستدعي المشاركة فيما فضلوا به من العلم والعمل، وكيف والعلم مقدمة للعمل، وصحة العمل متوقفة على اللعم؟. وقوله: ((إن الله وملائكته)) جملة مستأنفة لبيان التفاوت العظيم بين العالم والعابد، وأن نفع العابد مقصور على نفسه، ونفع العلم متجاوز إلى الخلائق حتى النملة. وكذا قوله تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ استشهاد لبيان علة الفضل؛ لأن العالم الحقيقي أعرف بالله وبجلاله وكبرياء شأنه من العابد الذي غلبت عبادته على علمه، فيكون العالم أتقى منه، قال الله تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ وفي الحديث ((وأرجو أن أكون أتقاكم لله وأعلمكم به)). وأما عطف ((أهل السموات)) على ((الملائكة)) فتخصيص للملائكة بحملة العرش، وسكان [أمكنتها] من السموات والأرض من الملائكة المقربين، كما ثبت في النصوص، وفي ((يصلون))

стр. 264

٢١٥ - وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الناس لكم تبع، وإن رجلاً يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون في الدين، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيراً)). رواه الترمذي. [٢١٥]. ٢١٦ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الكلمة الحكمة ضالة ــ تغليب للعقلاء على غيرهم واشتراك، فإن الصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، ومن الغير الدعاء وطلب الخير. وذكر النملة وتخصيصها مشعر بأن صلوتها لحصول البركة النازلة من السماء، فإن دأب النملة القنية وادخار القوت في جحرها، ثم التدرج منها إلى الحيتان، وإعادة كلمة الغاية للترقي، كما مر في الحديث السابق. والله أعلم. الحديث الثالث عن أبي سعيد: قوله: ((إن الناس لكم تبع)) أي تابعون، فوضع المصدر موضعه مبالغة، نحو: رجل عدل. ((لكم)) خطاب للصحابة، يعني الناس يأتونكم من أقطار الأرض وجوانبها، يطلبون العلم منكم بعدي، لأنكم أخذتم أفعالي وأقوالي، واتبعتموني فيهما، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيراً، وأمروهم بالخير، وعظوهم علوم الدين. والاستيصاء قبول الوصية، وبمعنى التوصية أيضاً، ويعدي بالباء، ويقال: استوصيت زيداً بعمرو خيراً، أي طلبت زيداً أن يفعل بعمرو خيراً. التوربشتي والقاضي: حقيقة ((استوصوا)) اطلبوا الوصية والنصيحة لهم عن أنفسكم. وأقول: هو من باب التجريد، أي ليجرد كل واحد منكم شخصاً من نفسه، ويطلب منه التوصية في حق الطالبين ومراعاة أحوالهم. ((وإن رجالاً يأتونكم)) عطف على ((إن الناس))، و ((يتفقهون)) جملة استئنافية لبيان علة الإتيان، أو حال من الضمير المرفوع في ((يأتوكم)) وهو أقرب إلى الذوق، يعني حق على جميع الناس في مشارق الأرض ومغاربها متابعتكم، وحق عليهم أن يأتوكم جميعاً، ويأخذوا منكم أمر دينهم، فإذا لم يتمكنوا منه فعليهم أن يستنفروا رجالاً يأتونكم ليتفقهوا في الدين، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم. فالتعريف في ((الناس)) لاستغراق الجنس، والتنكير في ((رجالا)) للنوع، أي رجالاً صفت نياتهم، وخلصت عقائدهم، يضربون أكباد الإبل لطلب العلم، وإرشاد الخلق. وفي تصدير الجملة الشرطية بـ ((إذا)) التحقيقية تحقيق للوعد، وإظهار للإخبار عن الغيب، فيكون معجزة. الحديث الرابع عن أبي هريرة: قوله ((الكلمة الحكمة)) ((التوربشتي والأشراف)): ((الكلمة الحكمة))، ويرى بالإضافة، ويروى ((الكلمة الحكيمة)) كلها قريب، والمراد بالكلمة الجملة المفيدة، والحكمة التي أحكمت مبانيها بالعلم والعقل، ويدل على معنى فيه دقة، والحكيم المتقن للأمور الذي له غور فيها، وقال مالك- ﵁: الحكمة الفقه في دين الله، وقال العلم الحكمة، ونور يهدي الله به من يشاء، وليس بكثرة المسائل. و ((ضالته)) أي مطلوبه، أي الحكيم يطلب الحكمة، ربما تكلم بها من ليس لها بأهل، ثم وقعت إلى أهلها، فهو أحق بها

стр. 265

الحكيم. فحيث وجدها فهو أحق بها)). رواه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث غريب، وإبراهيم بن الفضل الراوي يضعف في الحديث. [٢١٦] ــ من الذي قالها، كالضالة إذا وجدها صاحبها فإنه أحق بها من غيره، أي كما أن صاحب الضالة لا ينظر إلى خساسة من وجدها عنده، وكذلك الحكيم لا ينظر إلى خساسة من تفوه بالكلمة الحكمة، بل يأخذها منه أخذ صاحب الضالة إياها ممن هي عنده. والمراد أن الناس متفاوتون في فهم المعاني، واستنباط الحقائق المحتجبة، واستكشاف الأسرار المرموزة، فينبغي أن لا ينكر من قصر فهمه عن إدراك حقائق الآيات ودقائق الأحاديث على من رزق فهما وألهم تحقيقاً، ولا ينازع كما لا ينازع صاحب الضالة في ضالته إذا وجدها. أو كما أن الرجل إذا وجد ضالة في مضيعة فسبيله أن لا يتركها بل يأخذها، ويتفحص عن صاحبها حتى يجده، ويردها عليه، كذلك من سمع كلاماً لم يفهم معناه، أو لا يبلغ كنهه، فعليه أن لا يضيعه، وأن يحمله إلى [من] هو أفقه منه، فلعله يفهم منه ما لا يفهمه، ويستنبط منه مالا يستنبط، أو كما أن صاحب لضالة أخذ ضالته ممن وجدها لا يحل له منع مالكها منها، فإنه أحق بها، كذلك العالم إذا سئل عن معنى ورأى في السائل فطانة واستعداداً لذلك العلم فعليه أن يعلمه إياه، ولا يحل منعه منه. قيل: وفي هذا الحديث دليل على أنه لا يجوز أن تمنح غير الحكيم الحكمة؛ فإنها ليست بضالته، كما لا يجوز تسليم الضالة إلى غير صاحبها. وأقول: إذا روى ((الكلمة الحكمة)) جعلت الكلمة نفس الحكمة مبالغة، كقولهم: رجل عدل، وإذا روى ((الحكيمة)) يكون من الإسناد المجازي؛ لأن الحكيم قائلها، لقوله تعالى: ﴿يس والقرآن الحكيم﴾. ((الجوهري)): الضالة ما ضل من البهيمة: [الذكر] والأنثى، وفي إضافتها إلى الحكيم إشارة إلى أن من سمعها وهو غير عارف بها وجب عله أن يعيها، ويتحرى في تأديتها إلى عارفها؛ لأنه أحق بها وأهلها، وكذلك الحكيم يجب عليه أن يسر بها ويغتنمها، ويراعيها حق رعايتها؛ لأنه أهلها وأحق بها. شبه حالة كلمة الحكمة في أن من سمعها ووعاها، ولزم عليه حفظها [وأداؤها] إلى من يستحقها، ثم انتهاز فرصة الحكيم بها- بحالة بهيمة ضائعة وجدها غير صاحبها، ولزم عليه أن يحتفظ بها، ويوصلها إلى صاحبها، ثم فرح صاحبها بنيل ما ضاع عنه. وفي الحديث دليل على وجوب أداء اللفظ بعينه. أما والله! إن هي إلا كلمة حكيمة ضالة [كل] حكيم.

стр. 266

٢١٧ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد)). رواه الترمذي، وابن ماجه. [٢١٧]. ٢١٨ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((طلب العلم فريضة على كل مسلم، وواضع العلم عند غير أهله كمقلد الخنازير الجوهر واللؤلؤ والذهب)). رواه ابن ماجه، وروى البيهقي في ((شعب الإيمان)) إلى قوله ((مسلم)). وقال: هذا حديث متنه مشهور، وإسناده ضعيف، وقد روى من أوجه كلها ضعيف. ــ الحديث الخامس عن ابن عباس: قوله: ((أشد من ألف عابد)) لأن الشيطان كلما فتح باباً من الأهواء على الناس، وزين الشهوات في قلوبهم، بين الفقيه العارف بمكائد ومكامن غوائله للمريد السالك ما سد ذلك الباب، ويجعله خائباً خاسراً، بخلاف العابد فإنه ربما يشتغل بالعبادة وهو في حبائل الشيطان، ولا يدري، وقد مر في حديث معرفة اللمتين- لمة الملك ولمة الشيطان ما يوضح هذا المعنى. الحديث السادس عن أنس: قوله: ((طلب العلم فريضة)) ((قض)): المراد من العلم ما لا مندوحة للعبد من تعلمه، لمعرفة الصانع، والعلم بوحدانيته، ونبوة رسوله، وكيفية الصلاة؛ فإن تعلمه فرض عين، وعلى هذا كلام الشارحين. وأقول: قوله: ((وواضع العلم عند غير أهله)) يشعر بأن كل علم يختص باستعداد وله أهل، فإذا وضعه في غير موضعه فقد ظلم، فمثل معنى الظلم بتقليد أخس الحيوان بأنفس الجواهر تهجيناً لذلك الواضع، وتنفيراً عنه، وفي تعقيب هذا التمثيل قوله: ((طلب العلم)) إعلام بأن المراد بالطلب طلب كل من المستعدين بما يليق بحاله ويوافق منزلته، بعد حصول ما هو واجب من الفرائض العامة، وعلى العالم أن يخص كل طالب بما هو مستعد له. قال شيخنا شيخ الإسلام أبو حفص السهروردي- قدس [الله] سره-: اختلف في العلم الذي هو فريضة، قيل: هو علم الإخلاص، ومعرفة آفات النفوس، وما يفسد الأعمال؛ لأن الإخلاص مأمور به، وخدع النفس وغرورها وشهواتها تخرب مباني الإخلاص المأمور به، فصار علم ذلك فرضاً. وقيل: معرفة الخواطر وتفصيلها فريضة؛ لأن الخواطر هي منشأ الفعل، وبذلك يعلم الفرق بين لمة الملك، ولمة الشيطان، وقيل: هو طلب علم الحلال حيث كان أكل الحلال فريضة. وقيل: هو علم البيع، والشراء، والنكاح، والطلاق، إذا أراد الدخول في شيء من ذلك يجب عليه طلب علمه، وقيل: هو علم الفرائض الخمس التي بني عليها الإسلام.

стр. 267

٢١٩ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((خصلتان لا تجتمعان في منافق: حسن سمت، ولا فقه في الدين)). رواه الترمذي. [٢١٩] ٢٢٠ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع)). رواه الترمذي، والدارمي. [٢٢٠] ــ وقيل: هو طلب علم التوحيد بالنظر والاستدلال، أو النقل. وقيل: هو طلب علم الباطن، وهو وما يزداد به العبد يقيناً، وهو الذي يكتسب بصحبة الصالحين، والزهاد المقربين، فهم وراث علم النبي ﷺ . الحديث السابع عن أبي هريرة: قوله: ((حسن سمت)) ((فا)): هو أخذ النهج ولزوم المحجة، وأنشد الأصمعي: خواضع بالركبان خوضاً عيونها وهن إلى البيت العتيق سوامت ثم قيل لكل طريقة ينتجها الإنسان في تحري الخير والتزيي بزي الصالحين. ((تو)): حقيقة الفقه في الدين ما وقع في القلب، ثم ظهر على اللسان، فأفاد العلم، وأورث الخشية والتقوى، فأما ما يتدارس ليتعزز به فإنه بمعزل من الرتبة العظمى؛ لأن الفقه تعلق بلسانه دون قلبه. أقول: قوله: ((خصلتان لا تجتمعان)) ليس المراد أن واحداً منها قد يحصل في المنافق دون الأخرى، بل هو تحريض للمؤمنين على اتصافهم بهما معاً، والاجتناب عن أضدادهما، فإن المنافق من يكون عارياً منهما، وهو من باب التغليظ، ونحوه قوله تعالى: ﴿وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكوة﴾ وليس من المشركين من يزكى، لكن حث للمؤمنين على الأداء، وتخويف من المنع حيث جعله من أوصاف المشركين. و ((حسن)) عطف ((ولا فقه)) على ((حسن سمت)) وهو مثبت؛ لأنه في سياق النفي. الحديث الثامن عن أنس: قوله: ((في سبيل الله)) ((مظ)): وجه مشابهة طلب العلم بالمجاهدة في سبيل الله أنه إحياء الدين، وإذلال الشيطان، وإتعاب النفس، وكسر الهوى واللذة. أقول: ويؤيده قوله تعالى: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ الآية، حض المؤمنين على التفقه في الدين، وأمرهم بأن ينفر من كل منهم طائفة إلى الجهاد، ويبقى طائفة يتفقهون، حتى لا ينقطعوا عن التفقه الذي هو الجهاد الأكبر، وفي قوله ((حتى يرجع)) إشارة إلى أنه بعد الرجوع وإنذار القوم له درجة أعلى من تلك الدرجة؛ لأنه حينئذ وارث الأنبياء في تكميل الناقصين.

стр. 268

٢٢١ - وعن سخبرة الأزدي، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من طلب العلم كان كفارة لما مضى)) رواه الترمذي، والدارمي. وقال الترمذي: هذا حديث ضعيف الإسناد، وأبو داود الراوي يضعف. ٢٢٢ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لن يشبع المؤمن من خير يسمعه حتى يكون منتهاه الجنة)) رواه الترمذي [٢٢٢] ٢٢٣ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من سئل عن علم علمه ثم كتمه؛ ألجم يوم القيامة بلجام من نار)) رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي [٢٢٣]. ٢٢٤ - ورواه ابن ماجه عن أنس. ٢٢٥ - وعن كعب بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من طلب العلم ــ الحديث التاسع عن سخيرة: قوله: ((كان كفارة)) الكفارة ما يستر الذنوب ويزيلها، من: كفر إذا ستر. الحديث العاشر عن أبي سعيد: قوله: ((لن يشبع)) شبه استلذاذه بالمسموع باستلذاذه بالمطعوم؛ لأنه أرغب وأشهى، وأكثر إتعاباً لتحصيله، و ((حتى)) للتدرج في استماع الخبر والترقي في استلذاذه، والعمل به إلى أن يوصله الجنة ويبلغه إليها؛ لأن سماع الخبر سبب العمل، والعمل سبب دخول الجنة ظاهراً. ولما كان قوله: ((لن يشبع)) فعلاً مضارعاً يكون فيه دلالة على الاستمرار تعلق حتى به. الحديث الحادي عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((ثم كتمه)) ((ثم)) فيه استبعادية؛ لأن تعلم العلم إنما كان لنشره، ولدعوة الناس إلى طريق الحق، والكاتم يزاول إبطال هذه الحكمة، وهو بعدي عن الحكيم المتقن. وقوله: ((بلجام)) من باب التشبيه لبيانه بقوله: ((من النار))، كقوله تعالى: ﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ شبه ما يوضع فيه من النار بلجام في الدابة، وهو

стр. 269

ليجاري به العلماء، أو ليماري به السفهاء، أو يصرف به وجوه الناس إليه؛ أدخله الله النار)) رواه الترمذي [٢٢٥]. ٢٢٦ - ورواه ابن ماجه عن ابن عمر. ٢٢٧ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من تعلم علماً مما يبتغي به ــ إنما كان جزاء إمساكه عن قول الحق. وخصم اللجام بالذكر تشبيهاً له بالحيوان الذي سخر ومنع من قصد ما يريده، فإن العالم شأنه أن يدعو الناس إلى الحق، ويرشدهم إلى الطريق المستقيم، قال الله تعالى: ﴿وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيينه للناس ولا تكتمونه﴾ لاسيما وقد سئل عما يضطره إلى الجواب، فإذا امتنع منه جوزي بما امتنع عن الاعتذار، كما قال الله تعالى: ﴿ولا يؤذن لهم فيعتذرون﴾. ويدخل في زمرة من ﴿نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم﴾. ((خط)): هذا في العلم الذي يلزمه تعليمه إياه، ويتعين فرضه عليه، كمن رأى من يريد الإسلام، ويقول: علمني ما الإسلام، وكمن يرى حديث عهد بالإسلام لا يحسن الصلاة وقد حضر وقتها يقول: علمني كيف أصلي، وكن جاء مستفتياً في حلال وحرام يقول: أفتوني وأرشدوني، فإنه يلزم في هذه الأمور أن لا يمنع الجواب، فمن فعل كان آثماً مستحقاً للوعيد، وليس كذلك الأمر في النوافل الأمور التي لا ضرورة بالناس إلى معرفتها. ومنهم من يقول: هو علم الشهادة. الحديث الثاني عشر عن كعب: قوله: ((ليجاري)) ((التوربشتي والقاضي)): المجاراة المفاخرة، مأخوذة من الجري لأن كل واحد من المتفاخرين يجري مجرى الآخر. و ((المماراة)) المحاجة والمجادلة، من المرية، وهو الشك؛ فإن كل واحد من المحتاجين يشك فيما يقول صاحبه، أو يشكك بما يورد على حجته. أو المري، وهو مسح الحالب الضرع ليستنزل ما به من اللبن؛ فإن كلا من المتناظرين يستخرج ما عند صاحبه. و ((السفهاء)) الجهال، فإن عقولهم ناقصة مرجوحة بالإضافة إلى عقول العلماء. أوقل: ههنا ألفاظ متقاربة: المجاراة، والمماراة، والمجادلة. فالأول محظور مطلقاً، لأن المجاراة المقاومة وجعل الرجل نفسه مثل غيره، يعني لا يطلب العلم لله، بل ليقول للعلماء: أنا

стр. 270

وجه الله، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا؛ لم يجد عرف الجنة يوم القيامة)). يعني ريحها. رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه [٢٢٧]. ــ عالم مثلكم، ويتكبر ويترفع على الناس، لذلك فهو مذموم كله، والوعيد مترتب عليه، ولا يستثنى منه. وأما المماراة والمجادلة قد يستثنى منهما كما في قوله تعالى: ﴿فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهراً﴾ أي لا تجادل أهل الكتاب في شأن أصحاب الكهف إلا جدالاً ظاهراً غير متعمق فيه، ولا تجهلهم ولا تعنف بهم في الرد عليهم، كما قال الله تعالى: ﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ أي بالطريقة التي هي أحسن طرق المجادلة، من الرفق واللين من غير فظاظة ولا تعنيف، والسفهاء خفاف الأحلام، فلا تجادلهم، ولا تقل لهم: أنا أعلم وأنتم السفهاء، فتثور الخصومة والشحناء. ويفهم منه أن بعضاً من المراء محمود، وهو أن يمتري الأستاذ التلميذ، فينظر ما مقدار فهمه أو تحصيله، من المراء، وهو مسح الحالب الضر. ولعل منه سؤال جبريل ﵇ رسول الله ﷺ في حضور الصحابة ليريهم الله أنه ﷺ ملئ من العلوم، وعلمه مأخوذ من الوحي، فيزيد رغبتهم ونشاطهم فيه، وهو المعنى بقوله: ((ليعلمكم أمر دينكم)) كما سبق. ((مظ)): ((أو يصرف به)) أي يطلب العلم على نية تحصيل المال والجاه، وصرف وجوه العوام إليه، وجعلهم إياه معقب القدم. الحديث الثالث عشر عن أبي هريرة: قوله: ((عرضاً من الدنيا)) العرض متاح الدنيا وحطامها، ويقال: إن الدنيا عرض حاضر، يأكل منه البر والفاجر، ونكره ليتناول جميع أنواع الأعراض، ويندرج فيه قليله وكثيره. قوله: ((لم يجد عرف الجنة)) ((تو)): قد حمل هذا المعنى على المبالغة في تحريم الجنة على المختص بهذا الوعيد، كقولك: ما شممت قتار قدره، للمبالغة في التبري عن تناول الطعام، أي ما شممت رائحتها، فكيف بالتناول عنها؟ وليس كذلك، فإن المتوعد به إذا كان من أهل الإيمان لابد أن يدخل الجنة، عرفنا ذلك بالنصوص الصحيحة، وذلك أنه مقيد بيوم القيامة، والناس أحوالهم فيه مختلفة، فإن الآمنين من الفزع الأكبر- خصوصاً العلماء الزاهدون- إذا

стр. 271

٢٢٨ - وعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ((نضر الله عبداً سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من ــ وردوه يمدون برائحة الجنة تقوية لقلوبهم، وتسلية لهمومهم، على مقدار مراتبهم، وهذا البائس المبتغي للأغراض الفانية يكون كصاحب أمراض حادثة في دماغه، مانعة من إدراك الروائح، لا يجد رائحة الجنة، ولا يهتدي إليها لأمر أمراض قلبه. أقول: قوله ((لا يتعلمه)) حال إما من فاعل ((تعلم))، ومن مفعوله؛ لأنه تخصيص بالوصف، ويجوز أن يكون صفة أخرى لـ ((علماً)). وفيه أن من تعلم لرضى الله مع إصابة العرض الدنيوي لا يدخل تحت هذا الوعيد؛ لأن ابتغاء وجه الله تعالى يأبى إلا أن يكون متبوعاً غالباً، فيكون العرض تابعاً، قال الله تعالى: ((من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة)). فيه تقريع وتوبيخ للمريد؛ لأن من تعلم العلم أو جاهد لينال عرضاً من أعراض الدنيا يجب أن يوبخ، ويقال في حقه: ما هذه الدناءة؟ أرضيت بالخسيس الفاني وتركت الرفيع الباقي؟ ما لك لا تريد به وجه الله وطلب مرضاته ليمنحك ما تريده، ويتبعه هذا الخسيس أيضاً؟ راغماً أنفه، كما ورد: ((من كان همه الآخرة جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وتأتيه الدنيا وهي راغمة، ومن كانت نيته الدنيا فرق الله ضيعته عليه)). ووصف العلم بـ ((ابتغاء وجه الله)) يجوز أن يكون للتفضلة والتمييز، فإن بعضاً من العلوم مما يستعاذ منه، كما ورد: ((أعوذ بالله من علم لا ينفع)). ويجوز أن يكون للمدح، كما ورد: ((العلوم ثلاثة)) والوعيد من باب التغليظ والتهديد. سمعت بعض العلماء الزاهدين يقول: من طلب الدنيا بالعلوم الدنيوية كان أهون عليه من أن يطلبها بغيرها من العلوم، فهو كمن جر جيفة بآلة من آلات الملاهي، وذاك كمن جرها بأوراق تلك العلوم. ومثله ما روى الإمام أحمد في كتاب الزهد عن بعضهم: ((لأن تطلب الدنيا بالدف والمزمار خير من أن تطلبها بدينك)) والله أعلم بالصواب. الحديث الرابع عشر عن ابن مسعود: قوله: ((نضر الله)) ((تو)): النضرة الحسن والرونق، يتعدى ولا يتعدى، وروي بالتخفيف والتشديد، والمعنى خصه تعالى بالبهجة والسرور لما رزق بعلمه ومعرفته، من القدر والمنزلة بين الناس في الدنيا ونعمة في الآخرة، حتى يرى عليه رونق الرخاء ورفيف النعمة. وإنما خص حافظ سنته ومبلغها بهذا الدعاء؛ لأنه سعى في نضارة العلم وتجديد السنة، فجازاه في دعائه له بما يناسب حاله في المعاملة. قوله: ((ووعاها)) ((خط)): وعى يعي وعياً إذا حفظ كلاماً بقلبه، ودام على حفظه ولم ينسه. قوله: ((ورب حامل فقه)) ((رب)) وضعت للتقليل، فاستعيرت في الحديث للتكثير. وقوله: ((إلى

стр. 272

هو أفقه منه. ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، والنصيحة ــ من هو أفقه منه)) صفة لمدخول ((رب)) استغنى بها عن جوابها، أي رب حامل فقه أداه إلى من هو أفقه منه لا يفقه ما يفقهه المحمول إليه. ((تو)): ((لا يغل)) يروى بفتح الياء وضمها، وكسر العين على الصيغتين، فالأول من الغل الحقد، والثاني من الإغلال الخيانة، والمعنى المؤمن لا يغل، ولا يخون في هذه الأشياء الثلاثة، أو لا يدخله ضغن يزيله عن الحق حين يفعل شيئاً من ذلك. ((فا)): المعنى أن هذه الخلال تستصلح بها القلوب، فمن تمسك بها طهر قلبه من الدغل والفساد. و ((عليهن)) في موضع الحال، أي لا يغل قلب المؤمن كائناً عليهن، وإنما انتصب عن النكرة لتقدمه. ((تو)): وجه التناسب بين قوله: ((نضر الله عبداً)) وبين قوله: ((ثلاث لا يغل)) هو أن يقول: إن النبي ﷺ لما حث من سمع مقالته على أدائها علمهم أن قلب المسلم لا يغل على هذه الأشياء، خشية أن يضنوا بها على ذوي الإحن والحقد لما يقع بينهم من التحاسد والتباغض، وبين أن أداء مقالته إلى من يسمعها من باب إخلاص العمل لله تعالى والنصيحة للمسلمين، فلا يحل له أن يتهاون به، لأنه يخل بالخلال الثلاث. ((قض)): قوله: ((ثلاث)) استئناف تأكيد لما قبله، فإنه ﷺ لما حضر على تعليم السنن ونشرها قفاه برد ما عسى أن يعرض مانعاً- وهو الغل- من ثلاثة أوجه: أحدها أن تعلم الشرائع ونقلها ينبغي أن يكون خالصاً لوجه الله، مبرأ عن شوائب المطامع والأغراض الدنيوية، وما كان كذلك لا يتأثر عن الحقد والحسد. وثانيها أن أداء السنن إلى المسلمين نصيحة لهم، وهي من وظائف الأنبياء، فمن تعرض لذلك وقام به كان خليفة لمن يبلغ عنه، وكما لا يليق بالأنبياء أن يهملوا أعاديهم ولا ينصحوهم لا يحسن من حامل الأخبار وناقل السنن أن يمنحها صديقه ويمنع عدوه. وثالثها أن التناقل ونشر الأحاديث إنما يكون غالباً بين الجماعات، فحث على لزومها، ومنع عن التأبي عنها لحقد وضغينة يكون بينه وبين حاضريها ببيان ما فيها من الفائدة العظمى، وهي إحاطة دعائهم من ورائهم، فيحرسهم عن مكائد الشيطان وتسويله. وأقول: يمكن أن يقال- والله أعلم-: إن قوله: ((ثلاث)) استئناف، وهي المقالة التي استوصى في حقها أن يبلغ، والكلام السابق كالتوطئة والتمهيد لها اعتناء بشأنها، والعض عليها بالنواجذ، كأن قائلاً لما سمع تلك التوصية البليغة اتجه له أن يقول: ما تلك المقالة التي استوجبت ذلك الدعاء المرغب في أداء ما سمع؟ أجيب هن ثلاث. وإنما استوجبت هذه التوصية البليغة؛ لأنها جمعت بين التعظيم لأمر الله تعالى، فإن إخلاص العمل هي مقدمة مطلوبة في

стр. 273

للمسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم)). رواه الشافعي والبيهقي في المدخل [٢٢٨]. ــ كل أعمال صالحة- وبين الشفقة على خلق الله من النصيحة لهم إن كان فوقهم، ومن التبرك بدعائهم والانخراط في سلكهم وأداء حقوقهم إن كان دونهم. ولعل رواية ((يغل)) - بالضم- من الإغلال، يقال: غل شيئاً من المغنم غلولا، وأغل إغلالا، إذا أخذه في خفية- أرجح؛ لأن الخيانة في إخلاص العمل هي رؤية الغير، قال الله تعالى: ﴿ول يشرك بعبادة ربه أحدا﴾ وفي حق المسلمين ترك نصيحتهم وإرادة الخير لهم. فإن النصيحة حق لهم عليه، فإن تركها خانهم. وفي حق نفسه أن يحرمها من تركه دعاء المؤمنين، وإخراجه من زمرتهم، فيكون كالغنم القاضية عن القطيع متعرضاً لمكائد الشيطان وتسويله. قوله: ((فإن دعوتهم)) ((نه)): الدعوة المرة الواحدة من الدعاء، أي تحوطهم وتثبتهم وتحفظهم، يريد بهم أهل السنة والجماعة. وكلام صاحب النهاية يرشد إلى أن الصواب فتح ((من)) موصولاً مفعولاً لـ ((تحيط)). وقد يجوز أن يكون تقدير الكلام: فعليه أن يلزم الجماعة فإن دعوتهم تحيط من ورائهم. قال محيي السنة: اختلف أهل العلم في نقل الحديث بالمعنى، فرخص فيه جماعة، قال واثلة ابن السقع: إذا حدثناكم بالحديث على معناه فحسبكم. وإليه ذهب الحسن، والشعبي، والنخعي. قال أيوب عن ابن سيرين: كنت أسمع الحديث من عشرة، واللفظ مختلف، والمعنى واحد. قال مجاهد: انقص من الحديث إن شئت ولا تزد فيه. قال سفيان الثوري: إن قلت: إني حدثتكم كما سمعت فلا تصدقوني، فإنما هو المعنى. وقال وكيع: إن لم يكن المعنى واسعاً فقد هلك الناس. وذهب قوم إلى إتباع اللفظ، منهم ابن عمر، وهو قول القاسم بن محمد، وابن سيرين، ورجاء بن حيوة، ومالك بن أنس، وابن عيينة، وعبد الوارث، ويزيد بن زريع، ووهيب، وبه قال أحمد، ويحيى. قال محيي الدين النواوي: قال مسلم في حديث أبي معاوية قال: قال رسول الله ﷺ : وفي حديث وكيع يرفعه. وهذا الذي فعله مسلم من احتياطه، ودقيق نظره، وغزير علمه، وثقوب فهمه، فإن أبا معاوية ووكيعاً اختلفت روايتهما، فقال أحدهما: قال أبو هريرة: قال رسول الله،

стр. 274

ــ وقال الآخر: عن أبي هريرة يرفعه. وهذا بمعنى ذلك عند أهل العلم، ولكن أراد مسلم أن لا يروى بالمعنى؛ فإن الرواية بالمعنى حرام عند جماعات من العلماء، وجائزة عند الأكثرين، إلا أن الأولى اجتنابها. أقول- والله أعلم-: في قول محيي السنة: رخص بعضهم، وفي قول محيي الدين: الأولى، إيذاناً بأن العزيمة هو الاحتياط، وأداء اللفظ بعينه، وعليه دل ظاهر الحديث من وجوه أحدها: نفس الدعاء، فإنه ينبئ عن عدم التغيير، لأنه لو وضع موضع ((نضر الله)) رحم الله، أو غفر الله له، وما شاكلهما، لفاتت المنسبة، فإن من حفظ ما سمعه ووعاه وأداه كما سمع من غير تغيير كأنه جعل المعنى غضاً طرياً، ومن بدل وغير فقد جعله مبتذلاً ذاوياً. وثانيها: اختصاص العبد بالذكر دون امرئ مسلم، بمعنى الاستكانة والمضي لأمر الله تعالى ورسوله بلا امتناع، وعدم استنكاف من أداء ما سمع إلى من هو أعلم منه، فإن حقيقة العبودية مشعرة بذلك، ومن ثم ورد قوله: ((بين العبد والكفر ترك الصلاة)) ولم يقل: بين الإيمان والكفر ترك الصلاة، وهو الظاهر. وثالثها: المقالة خصت من بين الكلام، والحديث، والخبر، لأن حقيقة القول هو المركب من الحروف المبرزة، مفرداً كان أو مركباً، ليدل على وجوب أداء اللفظ المسموع، وينصره الحديث الآتي: ((فيبلغه كما سمعه)). ورابعها: أن إرداف ((ووعاها)) ((حفظها)) مشعر بمزيد التقرير؛ لأن الوعي إدامة الحفظ وعدم النسيان. وأوثر ((أدائها)) على ((رواها)) و ((بلغها)) ونحوهما دلالة على أن تلك المقالة مستودعة عنده، واجب أداؤها إلى من أهو أحق بها وأهلها، غير مغير ولا متصرف فيها. وخامسها: تخصيص ذكر الفقه دون العلم؛ ليؤذن بأن الحامل غير عار عن العلم؛ إذ الفقه علم بدقائق العلوم المستنبطة من الأقيسة، ولو قيل: غير عالم، لزم جهله. وسادسها: تكرير ((رب))، وإناطة كل بمعنى يخصها، فإن السامع أحد رجلين: إما أن لا يكون فقيهاً فيجب عليه أن لا يتغير؛ لأنه غير عارف بالألفاظ المترادفة، فيخطئ فيه، أو يكون عارفاً بها، لكنه غير بليغ، فربما يضع أحد المترادفين موضع الآخر، ولا يقف على رعاية المناسبات بين لفظ ولفظ، فإن المناسبة لها خواص ومعان لا يقف عليها إلا ذو دراية بأقانين النظم؛ لأنه يستنبط من ذلك اللفظ المغير أحكامه وأسراراً لا يستنبطها غيره. فإن شئت فتأمل ما رويناه عن البخاري أن البراء بن عازب دعا بقوله: ((اللهم إني أسلمت نفسي إليك)) فلما انتهى إلى قوله: ((بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت)) قال: ((ورسولك الذي أرسلت)) قال رسول الله ﷺ : ((لا، ونبيك الذي أرسلت)) أي لا تقل: ورسولك، بل قل: ونبيك ((نه)) قيل: إن النبي فعيل بمعنى فاعل للمبالغة من: النبأ الخبر،

стр. 275

٢٢٩ - ورواه أحمد، والترمذي، وأبو داود، وابن ماجه، والدارمي، عن زيد ابن ثابت. إلا أن الترمذي، وأبا داود لم يذكرا: ((ثلاث لا يغل عليهن)) إلى آخره. ــ لأنه أنبأ عن الله، وقيل: إنه مشتق من النباوة، وهو الشيء المرتفع، وإنما رد عليه ليختلف اللفظان، ويجمع له التباين من معنى النبوة والرسالة، ويكون تعديداً للنعمة في الحالتين، وتعظيماً للمنة على الوجهين. وقال أبو الحسن الهروي في دلائل النبوة: وهذا القسم من الفصاحة موجود في القرآن والخطب، وكلام البلغاء، فإن من سمع كلام غيره عرف صاحبه، وفرق بين من طبعه وبين غيره، كما هو مشهور بين جرير والفرزدق، ومنه قوله تعالى: ((والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى)) فتفكر في ألفاظها وحسن مواقعها، هل تجد لفظة لو أبدل مكانها غيرها ناب منابها؟ إذ لو قيل: والكوكب إذا سقط، أو غرب، أو أفل، وقيل: ما زاغ نبيكم عن الهوى، أو ما أخطأ رسولكم، أو قيل: ما حاد رسولكم عن الرشد، وما أشبه ذلك هل يغني غناء ما عليه النظم المعجز؟ وهل تجد له طراوة وطلاوة؟ كلا! وعليه فقس جميع الآيات والكلام النبوي. ونعم ما قال من قال: لكل مقام مقال، ولكل لفظة مع صاحبتها مجال. هذا واتفقت الفصحاء من علماء البيان أن للألفاظ أيضاً خواص كما للأدوية، أودعها الله تعالى فيها بلطفه وحكمته، فإذا تحرى الطبيب الحاذق تركيباً حدد وعين أوزان الأدوية وأعددها، كالترياق الأكبر، فإذا نقص أو زيد على القدر المحدود أو غير وبدل دواء بغيره لم تحصل تلك الفائدة المقصودة من ذلك التركيب. وسمعت مشايخنا يقولون: في الأسماء التسعة والتسعين وتخصيص عددها فوائد، لا ينبغي أن يزاد عليها ولا ينقص، ومن ثم أكد رسول الله ﷺ التسعة والتسعين بقوله: ((مائة إلا واحدة)). مثالها كوالد أوصى ولده: إني دفنت لك دفينة في موضع كذا، فإذا خطوت كذا خطوات فزت بها، فالولد إن نقص من تلك الخطوات شيئاً أو زاد عليها شيئاً لم يفز بها. وأن الأطناب والإيجاز، والحذف والإضمار، والتقديم والتأخير، والحصر وعدمه، لاسيما توسيط العاطف بين الجمل وعراها عنه، وطريق المجازات، والكنايات، والتشبيهات، والتحسين الراجع إلى اللفظ والمعنى باب ذو ذيول، وكلام ذو أطراف، قلما يقف عليه إلا المهرة من علماء البيان، وكان رسول الله ﷺ أفصح من نطق بالضاد، وأوتي جوامع الكلم، وكلامه مصبوب في هذه الأساليب، ومسبوك في هذه الأقاليب، فلابد من مراعاتها. ((والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل)).

стр. 276

٢٣٠ - وعن ابن مسعود، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((نضر الله امرأ سمع منا شيئاً فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى له من سامع)) رواه الترمذي وابن ماجه [٢٣٠]. ٢٣١ - ورواه الدارمي عن أبي الدرداء. ٢٣٢ - وعن ابن عباس، ﵁، قال قال رسول الله ﷺ : ((اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم، فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)) رواه الترمذي [٢٣٢] ــ الحديث الخامس عشر عن ابن مسعود: قوله: ((كما سمعه)) إما حال من فاعل ((بلغه))، أو من مفعول، أو مفعول مطلق، و ((ما)) موصولة، أو مصدرية. فإن قلت: ألفاظ هذا الحديث مخالفة لألفاظ الحديث السابق، فما تقول فيه؟ قد سبق أن لكل مقام مقالا، وهذا الحديث عام بخلاف ذلك؛ لما قلنا: إن المراد من ((مقالتي)) تلك الخلال الثلاث، فالمراد بقوله: ((شيئاً)) عموم الأقوال والأفعال الصادرة من النبي ﷺ وأصحابه- رضوان الله عليهم- يدل عليه صيغة ((منا)) بلفظ الجمع، ولهذا وقع ((امرأ)) موقع ((عبداً)) وهو أعم من لفظ العبد، على ما أولناه. وكذا وضع مبلغ أي مبلغ إليه موضع ((فقيه)) وهو أعلم، والسامع أعم من ((حال فقه))، ولهذا وصف المبلغ إليه هنا بالواعي، ونسبة في ذلك الحديث إلى السامع. فيحتمل أن يراد به إيصال السند بنقل الثقة الضابط؛ فإن الواعي قد يطلق على الضابط المتقن، قال الله تعالى: ﴿وتعيها أذن واعية﴾. فتدبر، ليتحقق لك ما قدرناه في الحديث السابق. الحديث السادس عشر عن ابن عباس: قوله: ((الحديث عني)) يجوز أن يراد بالحديث الاسم، والمضاف محذوف، أي احذروا رواية الحديث عني. وأن يكون فعيلاً بمعنى مفعول، و ((عني)) متعلق به. والاستثناء منقطع، المعنى احذروا مما لا تعلمونه من التحديث عني، لكن لا تحذروا مما تعلمونه. و ((متعمداً)) حال من المستتر في ((كذب)) الراجع إلى ((من))، وفيه تشديد في رواية الحديث من غير علم الرواية وسند الحديث إلى الثقات، حيث رتب عليه ((من كذب علي متعمداً)) ونحوه: ((كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع)) والله أعلم.

стр. 277

٢٣٣ - ورواه ابن ماجه عن ابن مسعود وجابر، ولم يذكر: ((اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم)). ٢٣٤ - وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : ((من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار)). وفي رواية: ((ومن قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار)) رواه الترمذي [٢٣٤]. ٢٣٥ - وعن جندب، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ)). رواه الترمذي، وأبو داود [٢٣٥]. ــ الحديث السابع عشر عن ابن عباس: قوله: ((من قال في القرآن برأيه)) سيجيء بيانه في الحديث الآتي. الحديث الثامن عشر عن جندب: قوله: ((فأصاب)) ((تو)): المراد بالرأي قول لا يكون مؤسساً على علوم الكتاب والسنة، بل يكون قولا يقوله برأيه على حسب ما يقتضيه عقله. وعلم التفسير علم يؤخذ من أفواه الرجال كأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، ومن أقوال الأئمة وتأويلاتهم، ثم ينظر فيه بالمقاييس العربية كالحقيقة والمجاز، والمجمل والمفصل، والعام والخاص؛ ثم يتكلم فيه على حسب ما تقتضيه أصول الدين، فيؤول القسم الذي يفتقر فيه إلى التأويل على وجه يشهد بصحته ظاهر التنزيل؛ فمن لم يستجمع هذه الشرائط، وخاض في بيان كتاب الله بالظن والتخمين، فالحري أن يكون قوله مهجوراً، وسعيه مثبوراً، وحسبه من الزاجر مخطئ عند الإصابة، فيباعد ما بين المجتهد والمتكلف! فإن المجتهد مأجور على الخطأ، والمتكلف مأخوذ بالصواب. وقال صاحب جامع الأصول: يحمل النهي على وجهين: أحدهما أن يكون له رأي وميل من طبعه وهواه، فيؤول على وفق رأيه، ولو لم يكن له ذلك الهوى لا يلوح له ذلك. وثانيهما أن يسارع إلى التفسير بظاهر العربية من غير استظهار بالسماع والنقل فيما يتعلق بغرائب القرآن، وما فيه من الإضمار، والتقديم والتأخير، ولا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل أحكام الظاهر. فالمبتدع إذا جاء بمحمل في المتشابه على وفق بدعته فأصاب رأيه- لأن محامل المتشابه كثيرة- فإنه مخطئ في التأويل، حيث لم يرده إلى المحكم، أو إلى ما كان عليه السلف

стр. 278

٢٣٦ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((المراء في القرآن كفر)) رواه أحمد، وأبو داود [٢٣٦]. ٢٣٧ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: سمع النبي ﷺ قوماً يتدارؤون في القرآن، فقال: ((إنما هلك من كان قبلكم بهذا: ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضاً، فلا تكذبوا بعضه ببعض، فما علمتم منه فقولوا، وما جهلتم فكلوه إلى عالمه)) رواه أحمد، وابن ماجه [٢٣٧]. ــ الصالح. وأن الجاهل إذا قال في قوله تعالى: ﴿وآتينا ثمود الناقة مبصرة﴾ الناقة لم تكن عمياء فأصاب الظاهر، وأخطأ المراد بها وآتينا ثمود الناقة آية مبصرة، أي دلالة ظاهرة، ومعجزة باهرة. وقال أيضاً: وما يستعمله الوعاظ في المقاصد الصحيحة تحسيناً للكلام وترغيباً للمستمع نحو قولهم في قوله تعالى: ﴿اذهب إلى فرعون إنه طغى﴾ ويشيرون إلى القلب: إنه طاغ على كل أحد، فهو ممنوع، وإن كان القصد صحيحاً. وقال حجة الإسلام: إن الطامات وهي صرف ألفاظ الشرع من ظواهرها إلى أمور لم تسبق منها إلى الإفهام- كدأب الباطنية- من قبيل البدعة المنهي عنها؛ فإن الصرف عن مقتضى ظاهرها من غير اعتصام فيه بالنقل عن الشارع ومن غير ضرورة تدعو إليه من دليل عقلي حرام. الحديث التاسع عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((المراء)) ((قض)): المراد بـ ((المراء)) فيه التدارؤ، وهو أن يروم تكذيب القرآن ليدفع بعضه ببعض، فيطرق إليه قدحاً وطعناً. ومن حق الناظر في القرآن أن يجتهد في التوفيق بين الآيات، والجمع بين المختلفات، ما أمكنه؛ فإن القرآن يصدق بعضه بعضاً، فإن أشكل عليه من ذلك ولم يتيسر له التوفيق فليعتقد أنه من سوء فهمه، وليكل إلى عالمه، وهو الله تعالى ورسوله ﷺ كما قال الله تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾. ((حس)): قيل: هو المراء في قراءته، وهو أن ينكر بعض القراءات المروية وقد أنزل الله القرآن على سبعة أحرف، فتوعدهم بالكفر لينتهوا عن المراء فيها، والتكذيب بها، إذ كلها قرآن منزل يجب الإيمان به. الحديث العشرون عن عمرو بن شعيب: قوله: ((يتدارءون)) التدارء دفع كل من المتخاصمين قول صاحبه بما يقع له من القول، قال الله تعالى: ويدرءون بالحسنة السيئة﴾. وأشار بهذا

стр. 279

٢٣٨ - وعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أنزل القرآن على سبعة أحرف، لكل آية منها ظهر وبطن، ولكل حد مطلق)). رواه في شرح السنة [٢٣٨]. ــ إلى التدافع الذي كان بينهم. ((ضربوا كتاب الله بعضه ببعض)) بيان لاسم الإشارة، والمضاف محذوف، أي بمثل هذا. ((مظ)): مثال ذلك أن أهل السنة يقولون: إن الخير والشر من الله بدليل قوله تعالى: ﴿قل كل من عند الله﴾. ويقول القدري: ليس كذلك، بدليل قوله تعالى: ﴿ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك﴾ فقد دفع وتأول القدري آية من القرآن بمثلها، وهذا الاختلاف منهي عنه، بل الطريق في الآيات التي بينها تناقض في الظاهر أن يؤخذ ما عليه إجماع المسلمين منها، وتؤول الآية الأخرى على وجه يتفقان فيه، كما نقول: فقد انعقد الإجماع على أن الخير والشر بتقدير الله، وهذا موافق لقوله تعالى: ﴿قل كل من عند الله﴾ لكنه مخالف في الظاهر للآية الأخرى، وفي الحقيقة موافق لها، فإن المفسرين قالوا: إن قوله تعالى: ﴿وما أصابك من حسنة﴾ متصل بما قبلها، والمعنى فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً، يعني المنافقون لا يعلمون ما هو الصواب؛ لأنهم يقولون: ما أصابك من حسنة إلى آخرها. وقيل: الآية مستأنفة، أي ما أصابك يا محمد أو إنسان من حسنة، أي من فتح، وغنيمة، وراحة وغيرها، فمن فضل الله، وما أصابك من سيئة أي من هزيمة، وتلف مال، وجوع، ومرض، وجزاء ما عملت من الذنوب وقوله: ((اضربوا كتاب الله بعضه ببعض)) معناه دفع أهل التوراة الإنجيل، وأهل الإنجيل التوراة. وكذلك دفع أهل التوراة ما لا يوافق مرادهم من التوراة، وكذلك أهل الإنجيل. ((تو)): ((ضربوا)) أي خلطوا بعضه ببعض، فلم يميزوا بين المحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، والمطلق والمقيد، من قولهم: ضربت اللبن بعضه ببعض، أي خلطته. ويحتمل أن يكون بمعنى الصرف، فإن الراكب إن أراد صرف وجه الدابة عن جهتها ضربها بعصاه، أي صرفوا كتاب الله بعضه ببعض عن المراد منه إلى ما مال إليه أهواءهم. أقول: والوجه ما قاله المظهر، لما سبق أن قوله: ((ضربوا بعضه ببعض)) بيان لاسم الإشارة، والمشار إليه ((التدارؤ)) اللهم إلا أن يحمل الضرب والخلط على ما يلزم منه الدفع والتدارؤ. الحديث الحادي والعشرون عن ابن مسعود: قوله: ((على سبعة أحرف)) ((تو)): حرف الشيء

стр. 280

ــ طرفه، وحروف التهجي سميت بذلك؛ لأنها أطراف الكلمة، والمراد بالأحرف في الحديث أطراف اللغة العربية، فكأنه قال: على سبع لغات من لغات العرب: كقريش، وثقيف، وطيء، وهوازن، وأهل اليمن. والنبي ﷺ أرسل إلى كافة الخلائق بهذا الكتاب المبارك، وعامة العرب كانت قبائلهم شتى ولغاتهم مختلفة، وكانوا أمة أمية، فلو كلفوا بالقراءة على حرف واحد لشق عليهم؛ لأنه لو كلف أهل قبيلة أن يقرأ بلغة قبيلة أخرى لم يستطع، وتعذر عليه، ومن نظائره القسم المشترك نحو: الإمالة، والوقف، وتخفيف الهمزة، والتقاء الساكنين، والزيادة والإبدال، والإدغام، فالقريشي إذا كلف الهمز، واليمني إذا كلف تركه، والأسدى إذا كلف الفتح في حروف المضارع عسر عليهم، قال الله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾. وكان من فضل الله ورحمته على هذه الأمة المرحومة إلهام نبيها أن يسأل التخفيف في ذلك، حتى رخص لهم فيه إذا كان المعنى واحداً. ومن الدليل على صحة ما ذكرناه ما روى أن النبي ﷺ أتاه جبريل، فقال: إن الله تعالى يأمرك أن تقرأ أنت وأمتك على حرف واحد، فقال رسول الله ﷺ : أسأل الله معافاته، ومغفرته، إن أمتي لا تطيق ذلك. ثم رجع إليه الثانية فقال: ((إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرفين))، وساق الحديث إلى قوله: ((أن تقرأ القرآن على سبعة أحرف، كلما قرءوا بها أصابوا)). وأقول: ينبغي على هذا أن ينزل قوله: ((لكل آية منها)) إلى آخره، على معنى الاختلاف في القراءات كما فعل المظهر، حيث قال: حرف حد، ولكل حرف مطلع، يعني حد كل حرف معلوم في التلاوة، لا يجوز مخالفتها، مثل عدم جواز إبدال الضاد بحرف آخر، وكذلك سائر الحروف لا يجوز إبدالها بآخر إلا ما جاء في القراءة، ولا ينزل على غيره هذه المعاني؛ لئلا يختل نظم الحديث. فيلزم من هذا التأويل أن يكون لكل حال من أحوال الكلمة- كالإمالة، وإبدال الحرف، والإدغام مثلاً- ظهر وبطن، وحد ومطلع، فيفوت ما يقصد من معنى الحديث كما سنبينه. ((قض)): قيل: أراد بـ ((سبعة أحرف)) أجناس الاختلاف التي تؤول إليها الاختلاف القراءة، وأن اختلافها إما أن يكون في المفردات أو المركبات، والثاني كالتقديم والتأخير، مثل: ﴿وجاءت سكرة الموت بالحق﴾، وجاءت سكرة الحق بالموت. والأول إما أن يكون بوجود الكلمة وعدمها، مثل: ﴿فإن الله هو الغني الحميد﴾، وقرئ بالضمير وعدمه. أو بتبديل الكلمة بغيرها مع اتفاق المعنى، مثل: ﴿كالعهن المنفوش﴾ والصوف المنفوش. واختلافه.

стр. 281

ــ مثل: ﴿وطلح منضود﴾ وطلع منضود أو بتغييرها، إما بتغيير هيآته كإعراب مثل: ((هن أطهر لكم)) بالرفع والنصب، أو صورة مثل: ﴿وانظر إلى العظام كيف ننشزها﴾ وننشرها، أو حرف مثل: باعد، وبعد بين أسفارنا. وقيل: أراد أن في القرآن ما هو مقروء على سبعة أوجه، كقوله تعالى: ﴿فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما﴾ فإنه قرئ بالضم، والفتح، والكسر، منوناً، وغير منون وبالسكون. وقيل: معناه أنه أنزل مشتملاً على سبعة معان: الأمر، والنهي، والقصص، والأمثال، والوعد، والوعيد، والموعظة. وأقول: المعاني السبعة هي العقائد، والأحكام، والأخلاق، والقصص، والأمثال، والوعد، والوعيد. واعلم أن الحديث أيضاً له ظهر وبطن، وحد ومطلع، فلابد من بيان ما يتعلق بظاهره من اللغة، والإعراب، والكشف عما يتعلق بباطنه مما يختص به من التأويل، وبيان المقام والمطلع. أما اللغة فإن ((سبعة)) موضوعة للعدد المخصوص، وحرفه طرفه، يقال: حرف السيف، وحرف السفينة، وحرف الجبل، وحرف الهجاء طرف الكلمة المرتبط بعضها ببعض، والحد الحاجز بين الشيئين الذي يمنع اختلاط أحدهما بالآخر، وحد الدار ما يتميز به. والمطلع المصعد ومكان الاطلاع من موضع عال، وأما الإعراب فإن ((علي)) فيه ليس بصلة ((أنزل)) كما في قوله تعالى: ﴿أنزل على عبده الكتاب﴾، بل هو حال، وقوله: ((لكل آية منها ظهر)) جملة اسمية صفة لـ ((سبعة))، والراجع في ((منها)) للموصوف، وكذا قوله: ((لكل حد مطلع)) صفة له، والعائد محذوف، ويشهد له رواية معالم التنزيل: ((ولكل حرف حد، ولكل حد مطلع)). وأما المقام فإن الحديث وارد في باب العلم وبيان سبعة وجوه القرآن ودقته وغربته. وأما التأويل فإنه ﷺ وصف سعة علم القرآن بلفظة السبعة المعنى به الكثرة لا العدد المخصوص، كما وصفه تعالى بها في قوله تعالى: ﴿ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفذت كلمات الله﴾ والأحرف هنا كالكلمات في الآية، فيجب أن تحمل الأحرف على أجناس الاختلاف التي لا تدخل تحت الحصر، ثم قسم ﷺ كل حرف تارة بالظهر والبطن، وأخرى بالحد والمطلع، فالظهر ما يبينه النقل، والبطن ما يستكشفه التأويل.

стр. 282

٢٣٩ - وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : ((العلم ثلاثة: آية ــ قال الكواشي: لو قيل: ما معنى ﴿لا ريب فيه﴾؟ فتقول: لا شك، فهذا تفسير. فإن قيل: قد نفيت الريب وقد ارتابوا؟ فإن أجبت أنه في نفس صدق، وإذا تؤمل وجد كذلك، فانتفى عنه الريب، فهذا تأويل تلخيصه: التفسير ما يتعلق بالرواية، والتأويل ما يتعلق بالدراية. والحد هو المقام الذي يقتضي اعتبار كل من الظهر والبطن فيه، فلا محيد عنه. والمطلع المكان الذي يشرف منه على توفية خواص كل مقام حقه، وليس للحد والمطلع انتهاء؛ لأن غايتهما طريق العارفين بالله، وما يكون سراً بين الله تعالى وبين المصطفين من أنبيائه وأوليائه. فمطلع الظاهر تعلم العربية، والتمرن فيها، وتتبع ما يتوقف عليه معرفة الظاهر والنقل، ومطلع الباطن بتصفية النفس بالرياضة. ويؤيد هذا التأويل قول محي السنة في معالم التنزيل: قيل: الظهر لفظ القرآن، والبطن تأويله، والمطلع الفهم، وقد يفتح الله على المتدبر والمتفكر من التأويل والمعاني ما لا يفتحه على غيره، ﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾. والتفهم يكون بصدق النية، وتعظيم الحرمة، وطيب الطعمة. وفي شرح السنة: قال أبو الدرداء: لا تفقه كل الفقه حتى ترى للقرآن وجوهاً كثيرة. والله أعلم. الحديث الثاني والعشرون عن عبد الله بن عمرو: قوله: ((العلم ثلاثة)) ((غب)): العلم إدراك الشيء بحقيقته، وذلك ضربان: أحدهما إدراك ذات الشيء، والثاني الحكم على الشيء بوجود شيء هو موجود له، أو نفي شيء هو منفي عنه، فالأول هو المتعدى إلى مفعول واحد، نحو قوله تعالى: ﴿لا تعلمهم نحن نعلمهم﴾، والثاني إلى مفعولين، نحو قوله تعالى: ﴿فإن علمتموهن مؤمنات﴾ - انتهى كلامه. والتعريف في ((العلم)) للعهد، وهو ما علم من الشارع أنه ما هو، وهو العلم النافع في الدين، فإذن العلم مطلق يجب أن يقيد بما يفهم منه المقصود، فيقال: علم الشريعة معرفة بثلاثة أشياء، والتقسيم حاصر، وبيانه أن قوله: ((آية محكمة)) يشتمل على معرفة كتاب الله تعالى وما يتوقف عليه معرفته؛ لأن المحكمة هي التي أحكمت عبارتها، بأن حفظت من الاحتمالات والاشتباه، وكانت أم الكتاب أي أصله، فتحمل المتشابهات عليها، أو ترد إليها، ولا يتم ذلك إلا للماهر الحاذق في علم التفسير والتأويل، الحاوي لمقدمات يفتقر إليها من الأصولين وأقسام العربية.

стр. 283

محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة. وما كان سوى ذلك فهو فضل)) رواه أبو داود، وابن ماجه [٢٣٩]. ٢٤٠ - وعن عوف بن مالك الأشجعي، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يقص إلا أمير أو مأمور أو مختال)) أبو داود [٢٤٠]. ــ وقوله: ((سنة قائمة)) معنى قيام السنة ثباتها ودوامها بالمحافظة عليها، من: قامت السوق إذا نفقت، لأنها إذا حوفظ عليها كانت كالشيء النافق، الذي تتوجه إليه الرغبات، ويتنافس فيه المخلصون، وإذا عطلت وأضيعت كانت كالشيء الكاسد الذي لا يرغب فيه. ودوامها إما أن يكون بحفظ أسانيدها من معرفة أسماء الرجال، والجرح، والتعديل، ومعرفة الأقسام من الصحيح، والحسن، والضعيف، المتشعب منه أنواع كثيرة، وما يتصل بها من المتممات، وإما أن يكون بحفظ متونها من التغيير والتبديل بالإتقان والتيقظ، وبتفهم معانيها واستنباط العلوم الجمة منها؛ لأن جلها بل كلها من جوامع الكلم التي أوتي وخص بها هذا النبي الأمي المكتوب في التوراة والإنجيل، لاسيما هذه الكلمة الفاذة الجامعة مع قصر متنها وقرب طرقها علوم الأولين والآخرين ﷺ . وقوله: ((أو فريضة عادلة)) إذا فسر بما أسلفناه في قوله: ((طلب العلم فريضة)) على ما تكلم فيه العلماء من الفرائض المتكاثرة- كانت شاملة لجميع أنواعها، وإذا ذهب إلى أن ((العادلة)) هي المستقيمة المستنبطة من الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، رجع المعنى إليه، وسميت عادلة لأنها معادلة أي مساوية لما أخذ منها. ونقف من هذا على أن المراد بقوله: ((وما سوى ذلك فهو فضل)) أن الفضل واحد الفضول الذي لا مدخل له في أصل علوم الدين، وما يستعاذ منه حيناً بقوله: ((أعوذ بالله من علم لا ينفع)). قال صاحب المغرب: الفضل الزيادة وقد غلب جمعه على ما لا خير فيه، حتى قيل: فضول بلا فضل، وطول بلا طول. ثم قيل لمن يشتغل بما لا يعنيه: فضولي. وأما الطب فليس بفضول؛ لما ثبت بنصوص السنة الافتقار إليه، والله أعلم. الحديث الثالث والعشرون عن عوف: قوله: ((لا يقص)) القص التحدث بالقصص، ويستعمل في الوعظ. ((مظ)): ((المختال)) هو المتكبر، من: اختال إذا تكبر، والخيلاء التكبر عن تخيل فضيلة تراءت للإنسان من نفسه. ((تو)): قيل: هذا في الخطبة؛ لأن الأمر فيها إلى الأمراء، وإلى

стр. 284

٢٤١ - ورواه الدارمي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وفي روايته: ((أو مراء)) بدل ((أو مختال)) [٢٤١]. ٢٤٢ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أفتي بغير علم كان إثمه على من أفتاه ومن أشار على أخيه بأمر يعلم أن الرشد في غيره فقد خانه)) رواه أبو داود [٢٤٢]. ٢٤٣ - وعن معاوية، قال: إن النبي ﷺ نهى عن الأغلوطات. رواه أبو داود [٢٤٣]. ــ من يتولاها من قبلهم. قلت: وكل من وعظ وقص داخل في غمارهم، وأمر موكول إلى الولاة، فالثالث مختال؛ لأنه نصب نفسه تكبراً وطلباً للرياسة. وأقول: قوله: ((لا يقص)) ليس بنهي، بل هو نفي وإخبار، أي هذا الفعل ليس بصادر إلا عن هؤلاء الثلاثة، وقد علم أن الاقتصاص مندوب إليه، فيجب تخصيصه بالأمير والمأمور، دون المختال؛ لأن ترتب الحكم على الوصف المناسب مشعر بالعلية، وذلك أنه دل ذمة ﵊ الثالث على استحماده الأولين، هذا كما إذا رأيت أمراً خطيراً قلت: لا يخوض في هذا العمل إلا أحد رجلين: حكيم عارف بكيفية الورود فيها والصدور عنها، أو غمر جاهل لا يدري كيف يدخل فيها ويخرج منها، فيهلك. وهذا المعنى أنسب إلى الباب، ولو حمل الحديث على النهي الصريح لزم أن يكون المختال مأموراً. والله أعلم. الحديث الرابع والعشرون عن أبي هريرة: قوله: ((من أفتى)) ((شف)): يجوز أن يكون ((أفتى)) الثاني بمعنى استفتى، أي كان إثمه على من استفتاه؛ فإنه جعله في معرض الإفتاء بغير علم. ويجوز أن يكون الأول مجهولا، أي فإثم إفتائه على من أفتاه، أي الإثم على المفتي دون المستفتي، وإذا عى ((أشار)) بعلى كان بمعنى المشورة، أي استشاره، وسأله كيف أفعل هذا الأمر. الحديث الخامس والعشرون عن معاوية: قوله: ((نهى)) ((فا)): ((الأغلوطة)) أفعولة من الغلط، كالأحدوثة، والأحموقة. ((نه)): أراد المسائل التي يغالط بها العلماء ليزلوا فيهيج بذلك شر

стр. 285

٢٤٤ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((تعلموا الفرائض والقرآن وعلموا الناس فإني مقبوض)). رواه الترمذي [٢٤٤]. ٢٤٥ - وعن أبي الدرداء، قال: كنا مع رسول الله ﷺ فشخص ببصره إلى ــ وفتنة، وإنما نهى عنها لأنها غير نافعة في الدين، لا يكاد يكون إلا فيما يقع إيذاء. ومثله قول ابن مسعود: ((أنذرتكم صعاب النطق)) يريد به المسائل الدقيقة الغامضة. الحديث السادس والعشرون عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((تعلموا)) ((تو)): ذهب بعض الناس إلى أن المراد من ((الفرائض)) ههنا علم المواريث، ولا دليل معه، والظاهر أن المراد منها الفرائض التي فرضها الله تعالى على عبادة. وقيل: ويمكن أنه أراد ﷺ بالفرائض السنن الصادرة منه ﷺ . المشتملة على الأوامر والنواهي الدالة عليها، كأنه قال: تعلموا الكتاب والسنة، ينقطعان بقبضه ﷺ ، إذ أحدهما أوحى إليه، وثانيهما إعلام منه ﷺ للأمة به، ومثل هذا في المعنى قوله: ((هذا أوان أن يختلس العلم من الناس)) أي علم الوحي، وكأنه لما شخص بصره إلى السماء كوشف باقتراب أجله، فأعلم الأمة أنه مقبوض. وأقول: في الحديث: أن رسول الله ﷺ فرض فرائض مثل ما في القرآن، كما سبق في حديث المقدام بن معد يكرب: ((ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه)) وفي حديث العرباض: ((ونهيت عن أشياء إنها لمثل القرآن أو أكثر))، وأنه ﷺ مبين ما في القرآن، فيؤخذ التفسير والتأويل مما بينه وعلمه، وما لم يبينه يحمل على ما بينه، قال الله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس من نزل إليهم ولعلهم يتفكرن﴾ عطف ((ولعلهم يتفكرون)) على مقدر، أي لتبين للناس بعض ما نزل إليهم فيعلموا، ولعلهم يتفكرون فيما لم يتبين ويردونه إلى ما علموه. ((حس)): التأويل المقبول ما يستنبط المعنى مما قبل وما بعد موافقاً للكتاب والسنة، لفظ هذا معناه. والله أعلم. الحديث السابع والعشرون عن أبي الدرداء: قوله: ((يختلس)) أي يختلس فيه، صفة ((أوان))، و ((حتى)) غايته، أي يسلب العم منكم حتى لا تقدروا أن تستنزلوا بسؤالكم شيئاً من العلوم
следующие страницы →