Полный текст (3 308 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.
стр. 2206
٤٠٦٢ - وعنه، قال: كان فيما احتج فيه عمر أن قال: كانت لرسول الله ﷺ ثلاث صفايا بنو النضير وخيبر وفدك: فأما بنو النضير فكانت حبساً لنوائبه، وأما فدك فكانت حبساً لأبناء السبيل، وأما خيبر فجزأها رسول الله ﷺ ثلاثة أجزاء: جزأين بين المسلمين، وجزء نفقة لأهله، فما فضل عن نفقة أهله جعله بين فقراء المهاجرين. رواه أبو داود. [٤٠٦٢]
الفصل الثالث
٤٠٦٣ - عن المغيرة، قال: إن عمر بن عبد العزيز جمع بني مروان حين استخلف، فقال: إن رسول الله ﷺ كانت له فدك، فكان ينفق منها، ويعود منها على صغير بني هاشم، ويزوج منها أيمهم، وإن فاطمة سألته أن يجعلها لها فأبى، فكانت كذلك في حياة رسول الله ﷺ حتى مضى لسبيله، فلما ولي أبو بكر عمل فيها
ــ
فيه بين الولد البار والعاق، وسهم الغنيمة يسوى فيه بين الشجاع الذي حصل الفتح على يديه، وبين الجبان إذا شهدا جميعاً الوقعة.
الحديث السادس عن مالك: قوله: ((ثلاث صفايا)) ((مظ)): الصفي ما يصطفيه الإمام من عرض الغنيمة من سبى قبل أن يقسم، من عبد أو جارية أو فرس أو سيف أو غيرهما. وكان رسول الله ﷺ مخصوصاً بذلك مع الخمس له خاصة، وليس ذلك لواحد من الأئمة بعده. قالت عائشة ﵂: كانت صفية من الصفي. أي كانت صفية بنت حيي بن أحطب زوجة رسول الله ﷺ من صفي المغنم.
قوله: ((فكانت حبساً)) هو بالضم أي محبوسة لحوائجه، والنوائب جمع نائبة وهي ما ينوب الإنسان أي ينزل به من المهمات والحوائج.
قوله: ((ثلاثة أجزاء)) ((حس)): إنما فعل النبي ﷺ ذلك؛ لأن خيبر كانت لها قرى كثيرة فتح بعضها عنوة، وكان للنبي ﷺ منها خمس الخمس، وفتح بعضها صلحاً من غير قتال وإيجاف خيل وركاب، فكان فيئاً خالصاً لرسول الله ﷺ ، يضعه حيث أراه الله تعالى من حاجته ونوائبه ومصالح المسلمين. فاقتضت القسمة والتعديل أن يكون الجميع بينه وبين الجيش أثلاثاً.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن المغيرة: قوله: ((ويعود منها على صغير بني هاشم)) قال في أساس
стр. 2207
بما عمل رسول الله ﷺ في حياته حتى مضى لسبيله، فلما أن ولي عمر بن الخطاب، عمل فيها بمثل ما عملا حتى مضى لسبيله، ثم اقتطعها مروان، ثم صارت لعمر بن عبد العزيز، فرأيت أمراً منعه رسول الله ﷺ فاطمة ليس لي بحق، وإني أشهدكم أني رددتها على ما كانت. يعني على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر. رواه أبو داود. [٤٠٦٣]
كتاب الصيد والذبائح
الفصل الأول
٤٠٦٤ - عن عدي بن حاتم، قال: قال لي رسول الله،: ((إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله، فإن أمسك عليك فأدركته حياً فاذبحه، وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فلكه، وإن أكل فلا تأكل؛ فإنما أمسك على نفسه، فإن وجدت مع كلبك كلباً غيره وقد قتل فلا تأكل؛ فإنك لا تدري أيهما قتل. وإذا رميت بسهمك فاذكر اسم الله؛ فإن غاب عنك يوماً فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل إن شئت، وإن وجدته غريقاً في الماء فلا تأكل)) متفق عليه.
ــ
البلاغة: يقال: عاد علينا فلان بمعروفه وهذا الأمر أعود عليك، أي أرفق بك من غيره، وما أكثر عائدة فلان على قومه؛ وإنه لكثير العوائد عليهم. قوله: ((مضى لسبيله)) أي لما هيأ له من الكرامة والنعيم والوصول إلى لقاء الله تعالى. وقوله: ((اقتطعها)) القطيعة الطائفة من أرض الخراج يقطعها السلطان من يريد. وإنما وضع قوله: ((لعمر بن عبد العزيز)) موضع ((لي)) ملتفتاً ليشعر بأن نفسه غير راضية بهذا.
كتاب الصيد والذبائح
الفصل الأول
الحديث الأول عن عدي: قوله: ((فإن أمسك عليك)) أي إن حبسه لك كما قال في أساس البلاغة: أمسك عليك زوجك وأمسكت عليه ماله حبسته. ((حس)): هذا الحديث يتضمن فوائد من أحكام الصيد، منها: أن من أرسل كلباً على صيد فقتله يكون حلالا. وكذلك جميع الجوارح المعلمة من الفهد والبازي والصقر ونحوها، والشرط أن تكون الجارحة معلمة، ولا يحل قتل غير المعلم. والتعليم أن يوجد فيه ثلاث شرائط: إذا أشلى استشلى، وإذا زجر
стр. 2208
٤٠٦٥ - وعنه، قال: قلت: يا رسول الله! إنا نرسل الكلاب المعلمة، قال: ((كل ما أمسكن عليك)) قلت: وإن قتلن؟ قال: ((وإن قتلن)) قلت: إنا نرمي بالمعراض. قال: ((كل ما خزق، وما أصاب بعرضه فقتل فإنه وقيذ فلا تأكل)) متفق عليه.
٤٠٦٦ - وعن أبي ثعلبة الخشني، قال: قلت: يا نبي الله! إنا بأرض قوم أهل الكتاب. أفنأكل في آنيتهم: وبأرض صيد أصيد بقوسي وبكلبي الذي ليس بمعلم
ــ
انزجر، وإذا أخذ الصيد أمسك ولم يأكل. فإذا فعل ذلك مراراً وأقلها ثلاثة كان معلما يحل بعد ذلك قتيله.
قوله: ((إذا أرسلت كلبك)) دليل على أن الإرسال من جهة الصائد شرط، حتى لو خرج الكلب بنفسه وأخذ صيداً وقتله لا يكون حلالا، وفيه بيان أن ذكر اسم الله شرط على الذبيحة حالة ما تذبح أو في الصيد حالة ما يرسل الجارحة أو السهم. فلو ترك التسمية؟ اختلفوا فيه: فذهب جماعة إلى أنه حلال. روى ذلك عن ابن عباس ﵄، وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد.
وقالوا: المراد من ذكر اسم الله ذكر القلب، وهو أن يكون إرساله الكلب على قصد الاصطياد به لا على وجه اللعب. وذهب قوم إلى أنه لا يحل سواء ترك عامداً أو ناسياً، وهو الأشبه بظاهر الكتاب والسنة. روى ذلك عن ابن سيرين والشعبي. وبه قال أبو ثور وداود. وذهب قوم إلى أنه لو ترك التسمية عامداً لا يحل وإن ترك ناسياً يحل، وهو قول الثوري وأصحاب أبي حنيفة وإسحاق.
الحديث الثاني عن عدي: قوله: ((بالمعراض)) ((مح)): هو بكسر الميم خشبة ثقيلة أو عصى في طرفها حديدة. وقد تكون بغير حديدة هذا هو الصحيح في تفسيره. وقال الهروي: هو سهم لا ريش فيه ولا نصل. وقيل: سهم طويل له أربع قدد رقاق، فإذا رمى به اعترض. وقيل: هو عودة رقيق الطرفين غليظ الوسط إذا رمى به ذهب مستوياً. و ((الخزق)) بالخاء والزاي المعجمتين معناه نفذ. والوقيذ والموقوذ هو الذي يقتل بغير محدود من عصى أو حجر أو غيرهما. واتفقوا على أنه إذا اصطاد بالمعراض فقتل الصيد بحده حل، فإن قتله بعرضه لم يحل، وقالوا: لا يحل ما قتله بالبندقة مطلقاً لحديث المعراض. وقال مكحول والأوزاعي وغيرهما من فقهاء الشام: يحل ما قتل بالمعراض والبندقة.
الحديث الثالث عن أبي ثعلبة قوله: ((أفنأكل)) الهمزة يجوز أن تكون مقحمة؛ لأن الكلام سيق للاستخبار. وقوله: ((أفنأكل)) معطوف على ما قبل الهمزة، وأن يكون على معناه فيقدر
стр. 2209
وبكلبي المعلم، فما يصلح؟ قال: ((أما ما ذكرت من آنية أهل الكتاب، فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها، وما صدت بقوسك فذكرت اسم الله فكل، وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله فكل، وما صدت بكلبك غير معلم فأدركت ذكاته فكل)) متفق عليه.
٤٠٦٧ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا رميت بسهمك فغاب عنك فأدركته فكل ما لم ينتن)) رواه مسلم.
٤٠٦٨ - وعنه، عن النبي ﷺ قال في الذي يدرك صيده بعد ثلاث: ((فكله ما لم ينتن)) رواه مسلم.
٤٠٦٩ - وعن عائشة، قالت: قالوا: يا رسول الله! إن هنا أقواماً حديث عهدهم بشرك يأتوننا بلحمان لا ندري أيذكرون اسم الله عليها أم لا؟ قال: ((اذكروا أنتم اسم الله وكلوا)) رواه البخاري.
ــ
معطوف عليه بعدها، أي: أتأذن لنا فنأكل في آنيتهم؟. وقوله: ((فذكرت اسم الله)) عطف على ((صدت بقوسك)) على تقدير القصد والإرادة أو تفسير للمجمل.
((مح)): ذكر هذا الحديث البخاري ومسلم مطلقاً، وذكره أبو داود مقيداً. قال: ((إنا نجاور أهل الكتاب وهم يطبخون في قدرهم الخنزير ويشربون في آنيتهم الخمر. فقال ﷺ : ((إن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها)) الحديث. وقد يقال: هذا الحديث مخالف لقول الفقهاء؛ فإنهم يقولون: إن استعمال أواني المشركين لا كراهة فيها بعد الغسل، سواء وجد غيرها أم لا. والحديث يقتضي الكراهة مطلقاً؟. فالجواب إنما نهى عن الأكل فيها؛ لأنهم يطبخون فيها الخنزير ويشربون فيها الخمر. فالنهي بعد الغسل للاستقذار كما يكره الأكل في المحجمة المغسولة. وأما الفقهاء فمرادهم مطلق آنية الكفار التي ليست مستعملة في النجاسات.
الحديث الرابع والخامس عن أبي ثعلبة: قوله: ((فكله)) الفاء جزاء شرط محذوف، أي قال ﷺ في شأن المدرك: ((إذا أدركت فكله)) و ((ما لم ينتن)) روي بضم الياء وفتحها من أنتن الشيء ونتن إذا صار ذا نتن. ((مح)): النهي عن أكل المنتن محمول على التنزيه لا على التحريم، وكذا سائر الأطعمة المنتنة إلا أن يخاف منه ضرر.
الحديث السادس عن عائشة ﵂: قوله: ((اذكروا أنتم اسم الله)) ((حس)): احتج من لم يجعل التسمية شرطاً بهذا الحديث؛ لأنه لو كانت التسمية شرط الإباحة، لكان الشك
стр. 2210
٤٠٧٠ - وعن أبي الطفيل، قال: سئل علي: هل خصكم رسول الله ﷺ بشيء؟ فقال: ما خصنا بشيء لم يعم به الناس إلا ما في قراب سيفي هذا، فأخرج صحيفة فيها: ((لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من سرق منار الأرض – وفي رواية من غير منار الأرض – ولعن الله من لعن والده، ولعن الله من آوى محدثاً)) رواه مسلم.
٤٠٧١ - وعن رافع بن خديج، قال: قلت: يا رسول الله! إنا لاقو العدو غداً، وليست معنا مدي أفتذبح بالقصب؟ قال: ((ما أنهر الدم وذكر اسم الله؛ فكل
ــ
في وجودها مانعاً من أكلها كالشك في أصل الذبح، واحتج من شرط التسمية بقوله تعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ فتأوله من لم يرها شرطاً على أن المراد منه ما ذكر عليه غير اسم الله بدليل أنه قال: ((وإنه لفسق)) والفسق في ذكر غير اسم الله كما قال في آخر السورة: ﴿قُل لَاّ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا - إلى قوله - أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾.
أقول: ((حديث عهدهم)) إما جملة اسمية قدم خبرها على اسمها ووقعت صفة ((لأقواما)) أو يكون ((حديث)) خبراً ثانياً لـ ((إن)) و ((عهدهم)) فاعلا له. قوله: ((اذكروا أنتم اسم الله وكلوا)) من الأسلوب الحكيم كأنه قيل لهم: لا تهتموا بذلك ولا تسألوا عنها، فالذي يهمكم الآن أن تذكروا اسم الله عليها، نظيره قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والْحَجِّ﴾ ومنه قول محمد بن الحنيفة: كل الجبن عرضا. قال الأصمعي: يعني اعتراضه، واشتر ممن وجدته، ولا تسأل عن عمله: أمن عمل أهل الكتاب أم من عمل المجوس؟
الحديث السابع عن أبي الطفيل: قوله: ((ما خصنا بشيء)) سبق القول فيه وفي بيان التخصيص. قوله: ((منار الأرض)) ((تو)): المنار العلم والحد بين الأرضين، وذلك بأن يسويه أو يغيره ليستبيح بذلك ما ليس له بحق من ملك أو طريق. و ((محدثا)) بكسر الدال وهو الذي جني على غيره جناية. وإيواؤه إجارته من خصمه والحيلولة بينه وبين ما يحق استيفاؤه. ويدخل في ذلك الجاني على الإسلام بإحداث بدعة، إذا جماه عن التعرض له والأخذ على يده لدفع عاديته. ((وآوى)) يجوز بقصر الألف أيضاً فإنه يتعدى ولا يتعدى.
الحديث الثامن عن رافع: قوله: ((مدى)) هي جمع مدية. قوله: ((ما أنهر)) الإنهار الإسالة
стр. 2211
ليس السن والظفر، وسأحدثك عنه: ((أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبش)) وأصبنا نهب إبل وغنم فند منها بعير، فرماه رجل بسهم فحبسه، فقال رسول الله ﷺ : ((إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش، فإذا غلبكم منها شيء فافعلوا به هكذا)) متفق عليه.
ــ
والصب بكثرة وهو مشبه بجري الماء في النهر، يقال: أنهر الدم وأنهرته، و ((ما)) يجوز أن تكون شرطية أو موصولة. وقوله: ((فكل جزاء أو خبر، واللام في ((الدم)) بدل من المضاف إليه أي دم صيد. و ((ذكر اسم الله)) حال منه. وقوله: ((أصبنا)) عطف على قلت، على تقدير الحصول والوجود، أي حصل منا القول والإصابة، والسين في سأحدثك لتأكيد الإثبات في المضارع.
قوله: ((ليس السن)) ((فا)): ((ليس)) تقع في كلمات الاستثناء، يقولون: جاء القوم ليس زيداً بمعنى إلا زيداً، وتقديره عند النحويين: ليس بعضهم زيداً، ولا يكون بعضهم زيداً، [ومؤاده مؤدى] إلا. قوله: ((أما السن فعظم)) ((قض)): هو قياس حذف عنه المقدمة الثانية لتقررها وظهورها عندهم، وهي أن كل عظم لا يحل الذبح به، وذكره دليلا على استثناء السن.
((مح)): قال أصحابنا: فهمنا أن العظام لا يحل الذبح بها؛ لتعليل النبي ﷺ في قوله: ((أم السن فعظم)) فهذا تصريح بأن العلة كونه عظما، وكل ما صدق عليه اسم العظم لا يجوز الزكاة به، وبه قال الشافعي وأصحابه وجمهور العلماء، وقال أبو حنيفة: لا يجوز بالسن والعظم المتصلين ويجوز بالمنفصلين. وعن مالك روايات: أشهرها جوازه بالعظم دون السن كيف كان. و ((أما الظفر فمدى الحبش)) معناه أنهم كفار وقد نهيتكم عن [التشبه] بهم وبشعارهم.
أقول: فإن قلت: إن كان الذبح بالظفر محرماً؛ لكونه تشبهاً بالكفار فكان ينبغي تحريمه بالسكين أيضاً. قلت: إنهار الدم بالسكين هو الأصل. وأما المحلقات المتفرعة عليه فيعتبر فيه التشبه لضعفها.
قوله: ((فند)) أي نفر واستعصى. و ((الأوابد)) جمع آبدة وهي التي تأبدت به أي توحشت. ((حس)): فيه دليل على أن الحيوان الإنسي إذا توحش ونفر فلم يقدر على قطع مذبحه، يصير جمع بدنه في حكم المذبح، كالصيد الذي لا يقدر عليه. وكذلك لو وقع بعير في بئر منكوساً. فلم يقدر على قطع حلقومه فطعن في موضع في بدنه فمات كان حلالا. روى في حديث أبي العشراء وهو الحديث الثاني من أحاديث حسان هذا الباب أنه قال: ((لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك)) وأراد به غير المقدور عليه، وعلى عكسه لو استأنس الصيد وصار مقدوراً عليه لا يحل إلا بقطع مذبحه باتفاق أهل العلم.
قوله: ((إن لهذه الإبل)) ((تو)) ((هذه)) إشارة إلى جنس الإبل. واللام فيه تفيد معنى ((من)). أقول:
стр. 2212
٤٠٧٢ - وعن كعب بن مالك، أنه كان له غنم ترعى بسلع، فأبصرت جارية لنا بشاة من غنمنا موتاً فكسرت حجراً فذبحتها به، فسأل النبي ﷺ ، فأمره بأكلها. رواه البخاري.
٤٠٧٣ - وعن شداد بن أوس، عن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله ﵎ كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته)) رواه مسلم.
٤٠٧٤ - وعن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ ينهي أن تصبر بهيمة أو غيرها للقتل. متفق عليه.
٤٠٧٥ - وعنه، أن النبي ﷺ لعن من اتخذ شيئاً فيه الروح غرضاً. متفق عليه.
ــ
ويمكن أن تحمل اللام على معناه، والبعضية تستفاد من اسم ((إن))؛ لأنه نكرة كما قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾ أي بعض الليل.
الحديث التاسع عن كعب: قوله: ((بسلع)) هو بفتح السين وسكون اللام، اسم جبل بالمدينة. وقوله: ((موتا)) أي أثر موت على حذف المضاف.
الحديث العاشر عن شداد: قوله: ((كتب)) أي أوجب وفرض مبالغة؛ لأن الإحسان هنا مستحب وضمن ((الإحسان)) معنى التفضل. وعداه بـ ((على)) والمراد بالتفضل إراحة الذبيحة بتحديد الشفرة وتعجيل إمرارها وغيره. و ((القتلة)) بكسر القاف: الحالة التي عليها القاتل في قتله كالجلسة والركبة. والمراد بقوله: ((وليرح)) أي ليتركه حتى يستريح ويبرد من قولهم: أراح الرجل إذا رجعت إليه نفسه بعد الإعياء، والاسم الراحة.
((مح)): قوله: ((فأحسنوا الذبح)) ((يروى بفتح الذال بغير هاء في أكثر النسخ، وفي بعضها بكسر الذال، وبالهاء كالقتلة. ويستحب أن لا يحد السكين بحضرة الذبيحة، وأن لا يذبح واحدة بحضرة الأخرى ولا يجرها إلى مذبحها. وقوله ﷺ : ((فأحسنوا القتلة)) عام في كل قتيل من الذبائح، والقتل قصاصاً وحداً ونحو ذلك. وهذا الحديث من الجوامع.
الحديث الحادي عشر إلى الثالث عشر عن ابن عمر: قوله: ((أن تصبر بهيمة)) ((حس)): أراد به أن يحبس الحيوان فيرمي به إليه حتى يموت، وأصل الصبر الحبس، والغرض الهدف. وقوله: ((لا تتخذوا)) هذا النهي للتحريم؛ لقوله ﷺ : ((لعن الله من فعل هذا))؛ ولأنه تعذيب
стр. 2213
٤٠٧٦ - وعن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: ((لا تتخذوا شيئاً فيه الروح غرضاً)) رواه مسلم.
٤٠٧٧ - وعن جابر، قال: نهى رسول الله ﷺ عن الضرب في الوجه، وعن الوسم في الوجه. رواه مسلم.
٤٠٧٨ - وعنه، أن النبي ﷺ مر عليه حمار وقد وسم في وجهه، قال: ((لعن الله الذي وسمه)). رواه مسلم.
٤٠٧٩ - وعن أنس، قال: غدوت إلى رسول الله ﷺ بعبد الله بن أبي طلحة ليحنكه، فوافيته في يده الميسم يسم إبل الصدقة. متفق عليه.
٤٠٨٠ - وعن هشام بن زيد، عن أنس، قال: دخلت على النبي ﷺ وهو في مربد فرأيته يسم شاء)) حسبته قال: في آذانها. متفق عليه.
ــ
للحيوان وإتلاف لنفسه وتضييع لماليته، وتفويت لذكاته إن كان مذكي، ولمنفعته إن لم يكن مذكي.
الحديث الرابع والخامس عشر عن جابر: قوله: ((لعن الله الذي وسمه)) يحتمل أن يكون الواسم كافراً، وأن يكون للتغليط كما في قوله ﷺ : ((لعن الله من اتخذ شيئاً فيه الروح غرضاً)). ((مح)): الوسم في الوجه منهي عنه بالإجماع، فأما وسم الآدمي فحرام لكراهته؛ ولأنه لا حاجه إليه فلا يجوز تعذيبه، وأما غيره فقال جماعة من أصحابنا: يكره، وقال البغوي: لا يجوز فأشار إلى تحريمه وهو الأظهر لهذا الحديث. واللعن يقتضي التحريم، وأما غير الوجه فمستحب في نعم الزكاة والجزية وجائز في غيرها، وإذا وسم فمستحب أن يسم الغنم في آذانها، والإبل والبقر في أصول أفخاذها، وفائدة الوسم [التمييز].
الحديث السادس عشر عن أنس ﵁: قوله: ((ليحنكه)) ((فا)): التحنيك أن يمضغ التمر ثم يدلكه بحنكه. يقال: حنكته مخففاً ومشدداً. قوله: ((الميسم)) الميسم: الحديدة التي [يكوى] بها، والوسم الكي للعلامة.
الحديث السابع عشر عن هشام: قوله: ((في مربد)) هو بكسر الميم وسكون الراء: الموضع الذي يحبس فيه الإبل وهو مثل الحظيرة للغنم، والمربد هنا يحتمل أن يراد به حظيرة الغنم مجازاً، ويحتمل أنه على ظاهره، وأنه أدخل الغنم في مربد الإبل ليسمها. وضمير المفعول في
стр. 2214
الفصل الثاني
٤٠٨١ - عن عدي بن حاتم، قال: قلت: يا رسول الله! أرأيت أحدنا أصاب صيداً وليس معه سكين، أيذبح بالمروة وشقة العصا؟ فقال: ((أمرر الدم بما شئت، واذكر اسم الله)). رواه أبو داود، والنسائي. [٤٠٨١]
٤٠٨٢ - وعن أبي العشراء عن أبيه، أنه قال: يا رسول الله! أما تكون الذكاة إلا في الحلق واللبة؟ فقال: ((لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك)). رواه الترمذي، أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي وقال أبو داود: وهذه ذكاة المتردي. وقال الترمذي: هذا في الضرورة. [٤٠٨٢]
ــ
((حسبته)) راجع إلى ((أنس)) و [((شيئاً))] ظرف بمعنى ((يسم في شيء)) و ((في آذانها)) بدل من محله أي آذان الغنم؛ لما سبق استحباب وسم الغنم في الآذان.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن عدي: قوله: ((أرأيت أحدنا)) أي أخبر أحدنا والمستخبر عنه قوله: ((أيذبح بالمروة)) و ((المروة)) الحجارة البيضاء وبها سميت مروة مكة، ((وشقة العصا)) شظية تشظى منها. قوله: ((أمرر الدم)) ((تو)): يلحن كثير من المحدثين في هذا اللفظ فيشدون الراء ويحركون الميم ظناً منهم أنه من الإمرار، وليس بقويم، وإنما هو بتخفيف الراء من مرى يمرى إذا مسح الضرع ليدر، والمعنى استخراج الدم وسيله وهو من قول الخطابي.
قال صاحب الجامع: والذي قرأته في كتاب أبي داود براءين مظهرتين بغير إدغام، وفي إحدى روايات النسائي كذلك. وقال في النهاية: في حديث آخر: ((كإمرار الحديد على الطست الجديد)) أمررت الشيء أمره إمراراً إذا جعلته يمر أي يذهب، يريد كجر الحديد على الطست. انتهى كلامه. فعلى هذا يكون جر الدم عبارة عن سيلانه؛ لأن سيلانه مستلزم لإمراره والله أعلم.
الحديث الثاني عن أبي العشراء: قوله: ((أما تكون)) أما هنا ليست بحرف التنبيه، بل الهمزة للاستفهام وما هي النافية، وإن كانت حرف التنبيه مركبة منهما، ومجعولة كلمة واحدة. سأل أن الذكاة منحصرة في الحلق واللبة دائماً؟ فأجيب: لا، إلا في حال الضرورة. واللبة هي اللهزمة التي فوق الصدر وفيها تنحر الإبل.
((حس)): قال أبو عيسى: لا نعرف لأبي العشراء عن أبيه غير هذا الحديث.
стр. 2215
٤٠٨٣ - وعن عدي بن حاتم، أن النبي ﷺ قال: ((ما علمت من كلب، أو باز، ثم أرسلته، وذكرت اسم الله فكل مما أمسك عليك)). قلت: وإن قتل؟ قال: ((إذا قتله ولم يأكل منه شيئاً فإنما أمسكه عليك)). رواه أبو داود. [٤٠٨٣]
٤٠٨٤ - وعنه، قال: قلت: يا رسول الله! أرمي الصيد فأجد فيه من الغد سهمي. قال: ((إذا علمت أن سهمك فتله ولم تر فيه أثر سبع فكل)). رواه أبو داود. [٤٠٨٤]
٤٠٨٥ - وعن جابر، قال: نهينا عند صيد كلب المجوس. رواه الترمذي. [٤٠٨٥]
٤٠٨٦ - وعن أبي ثعلبة الخشني، قال: قلت: يا رسول الله! إنا أهل سفر، نمر باليهود والنصارى والمجوس، فلا نجد غير آنيتهم. قال: ((فإن لم تجدوا غيرها، فاغلسوها بالماء ثم كلوا فيها واشربوا)). رواه الترمذي. [٤٠٨٦]
٤٠٨٧ - وعن قبيصة بن هلب، عن أبيه، قال: سألت النبي ﷺ عن طعام النصارى – وفي رواية: سأله رجل، فقال: إن من الطعام طعاماً أتحرج منه – فقال:
ــ
الحديث الثالث عن عدي: قوله: ((إذا قتله)) جيء ((بإذا)) الشرطية جواباً عن قوله: ((وإن قتل))؛ لأن السؤال كان عن تردد؛ لأن إن الشرطية تقتضي عدم الجزم. وأجاب ((بإذا)) التي تقتضي الجزم والتحقيق. وأعاد قوله: ((فإنما أمسكه عليك)) دلالة على تحقق المسئول عنه. وأنه مما لا يحوم الشك حوله.
الحديث الرابع عن عدي: قوله: ((من الغد)) ((من)) فيه زائدة كما في قوله تعالى: ﴿لله الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾، الكشاف: قرئ ((من قبل ومن بعد)) على الجر، كأنه قيل: قبلاً وبعداً.
الحديث الخامس عن جابر: قوله: ((نهينا عن صيد كلب المجوس)) فيه دليل على أن من لا تحل ذبيحته من الكفرة لا يحل صيد جارحة أرسلها هو. ((حس)): يحل ما اصطاد المسلم بكلب المجوسي ولا يحل ما اصطاده المجوسي بكلب المسلم إلا أن يدركه المسلم حياً فيذبحه. وإن اشترك مسلم ومجوسي في إرسال كلب أو سهم على صيد فأصابه وقتله فهو حرام.
الحديث السادس عن أبي ثعلبة: قوله: ((أهل سفر)) يجوز بالرفع على أنه خبر ((إن)) وبالنصب على الاختصاص والخبر ((نمر)).
الحديث السابع عن قبيصة: قوله: ((أتحرج)) أي أتجنب. ((نه)): الحرج في الأصل الضيق
стр. 2216
((لا يتخلجن في صدرك شيء ضارعت فيه النصرانية)). رواه الترمذي، وأبو داود. [٤٠٨٧]
٤٠٨٨ - وعن أبي الدرداء، قال: نهى رسول الله ﷺ عن أكل المجثمة وهي التي تصبر بالنبل. رواه الترمذي. [٤٠٨٨]
٤٠٨٩ - وعن العرباض بن سارية، أن رسول الله ﷺ نهى يوم خيبر عن كل ذي ناب من السباع، وعن كل ذي مخلب من الطير، وعن لحوم الحمر الأهلية، وعن المجثمة، وعن الخليسة، وأن توطأ الحبلى حتى يضعن ما في بطونهن. قال محمد بن يحيى: سئل أبو عاصم عن المجثمة، فقال: أن ينصت الطير أو الشيء فيرمى، وسئل عن الخليسة، فقال: الذئب أو السبع يدركه الرجل فيأخذ منه، فيموت في يده قبل أن يذكيها. رواه الترمذي. [٤٠٨٩]
ــ
ويقع على الإثم والحرام. وقيل: أضيق الضيق. قوله: ((لا يتخلجن)) ((تو)): يروى بالحاء المهملة وبالخاء المعجمة، فمعناه بالمهملة لا يدخلن قلبك منه شيء؛ فإنه مباح نظيف، وبالمعجمة لا يتحركن الشك في قلبك. أقول: الأول أبلغ وهو نظير قوله تعالى: ﴿فَلا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ﴾ وقوله: ((ضارعت)) جواب شرط محذوف، الجملة الشرطية مستأنفة لبيان الموجب. أي لا يدخلن في قلبك ضيق وحرج، لأنك على الحنيفية السمحة؛ فإنك إذا شددت على نفسك بمثل هذا شابهت فيه الرهبانية؛ فإن ذلك دأبهم وعادتهم. قال تعالى: ﴿ورَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ الآية.
الحديث الثامن عن أبي الدرداء: قوله: ((المجثمة)) ((نه)): هي كل حيوان ينصب ويرمى ليقتل.
إلا أنه يكثر في الطير والأرنب وأشباه ذلك مما يجثم بالأرض، أي يلزمها ويلتصق بها.
الحديث التاسع عن العرباض: قوله: ((عن كل ذي ناب)) ((حس)): أراد به ما يعدو بنابه على الناس وأموالهم كالذئب والأسد والكلب ونحوها، وأراد بذي مخلب ما يقطع ويشق كالنسر والصقر والبازي ونحوها. قوله: ((وأن توطأ الحبالى)) ((مظ)): إذا حصلت جارية لرجل من السبي لا يجوز له أن يجامعها حتى تضع حملها إذا كانت حاملة، وحتى تحيض وينقطع دمها إن لم تكن حاملة. قوله: ((الذئب والسبع)) فيه تقديم وتأخير. ((الخليسة)) هي التي تؤخذ من الذئب والسبع فتموت في يده قبل أن يذكيها. من خلست الشيء واختلسته إذا سلبته وهي فعيلة بمعنى مفعولة، ولا بد فيه من تقدير مفعول محذوف أي فيأخذ المختلسة منه. والضمير في ((فتموت)) و ((ويذكيها)) راجع إليها.
стр. 2217
٤٠٩٠ - وعن ابن عباس، وأبي هريرة، أن رسول الله ﷺ نهى عن شريطة الشيطان. زاد ابن عيسى: هي الذبيحة يقطع منها الجلد ولا تفرى الأوداج، ثم تترك حتى تموت. رواه أبو داود. [٤٠٩٠]
٤٠٩١ - وعن جابر، أن النبي ﷺ قالك ((ذكاة الجنين ذكاة أمه)). رواه أبو داود، والدارمي. [٤٠٩١]
٤٠٩٢ - ورواه الترمذي، عن أبي سعيد. [٤٠٩٢]
٤٠٩٢ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: قلنا: يا رسول الله! ننحر الناقة، ونذبح البقرة والشاة، فنجد في بطنها الجنين، أنلقيه أم نأكله؟ قال: ((كلون إن شئتم، فإن ذكاته ذكاة أمه)). رواه أبو داود، وابن ماجه. [٤٠٩٣]
ــ
الحديث العاشر عن ابن عباس ﵄: قوله: ((شريطة الشيطان)) ((نه)): قيل: هي الذبيحة التي لا تقطع اوداجها ولا يستقصي ذبحها، وهو من شرط الحجام، وكان أهل الجاهلية يقطعون بعض حلقها ويتركونها حتى تموت، وإنما أضافها إلى الشيطان؛ لأنه هو الذي حملهم على ذلك وحسن هذا الفعل لديهم وسوله لهم. ((ولا تفرى الأوداج)) أي لا يشقها ولا يقطعها حتى يخرج ما فيها من الدم. والأوداج ما أحاط بالعنق من العروق التي يقطعها الذابح. واحدها ودج بالتحريك. ((تو)): ويحتمل أنه من الشرط الذي هو العلامة أي شارطهم الشيطان فيها على ذلك.
الحديث الحادي عشر والثاني عشر عن أبي سعيد: قوله: ((فإن ذكاته ذكاة أمه)) ((فا)): الذكاة هي التذكية أي ذكاة الأم كافية في حل الجنين.
((نه)): التذكية الذبح والنحر. ويروى الحديث الأول بالرفع والنصب فمن رفع جعله خبر المبتدأ الذي هو ذكاة الجنين، فتكون ذكاة الأم هي ذكاة الجنين، فلا يحتاج إلى ذبح مستأنف، ومن نصب كان التقدير: ذكاة الجنين كذكاة أمه، فلما حذف الجار نصب، أو على تقدير: يذكى تذكية مثل ذكاة أمه، فحدف المصدر وصفته وأقام المضاف إليه مقامه، فلا بد عنده من ذبح الجنين إذا خرج حيا، ومهم من يروى بنصب الذكاتين.
стр. 2218
٤٠٩٤ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله ﷺ قال: ((من قتل عصفورا فما فوقها بغير حقها؛ سأله الله عن قتله)). قيل: يا رسول الله! وما حقها؟ قال: ((أن يذبحها فيأكلها، ولا يقطع رأسها فيرمي بها)). رواه أحمد، والنسائي، والدارمي. [٤٠٩٤]
٤٠٩٥ - وعن أبي واقد الليثي، قال: قدم النبي ﷺ المدينة وهم يجبون أسمنة الإبل، ويقطعون اليات الغنم. فقال: ((ما يقطع من البهيمة وهي حية فهي ميتة لا تؤكل)). رواه الترمذي، وأبو داود. [٤٠٩٥]
ــ
أقول: لعل أصل الكلام ذكاة الأم بمنزلة ذكاة الجنين في الحل، أي مغنية عن ذكاة الجنين فقدم وأخر كقوله:
لعاب الأفاعي القاتلات لعابه
ونحوه قول العرب في الحلف: ((سلمى سلمك وحربى حربك وهدامى هدمك)). وقريب منه قول محمد بن علي: ((ذكاة الأرض يبسها)) يريد طهارتها من النجاسة، جعل يبسها من النجاسة الرطبة في تطهير بمنزلة تذكية الشاة في الإحلال.
((شف)): وذلك أن الجنين الذي في البطن حالة ذكاة الأم كالعضو المتصل بالأم؛ فإن كل عضو من أعضائه يحل بذكاته، ولا يحتاج إلى ذكاة، كذلك الجنين المتصل به حالة الذبح إذا انفصل ميتا.
((حس)): فيه دليل على أن من ذبح حيوانا فخرج من بطنها جنين ميت، يكون حلالا وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم، وإليه ذهب الشافعي. وشرط بعضهم الإشعار، فأما إذا خرج الجنين حيا فاتفقوا على أن ذبحه شرط حتى يحل. وقال أبو حنيفة: لا يحل أكل الجنين إلا أن يخرج حيا ويذبح.
الحديث الثالث والرابع عشر: عن عبد الله: قوله: ((سأله الله عن قتله)) أي عاتبه وعذبه عليه. وقوله: (٠فما فوقها)) يحتمل فوقها في الحقارة والصغر وفوقها في كبر الجثة والعظم، وأنث ضمير العصفورة تارة نظرا إلى الجنس، وذكرها أخرى اعتبارا للفظ. وحقها عبارة عن الانتفاع بها كما أن قطع الرأس والرمي عبارة عن ضياع حقها وإتلافها، فيكون قوله: ((ولا يقطع)) الخ: كالتأكيد للسابق. ((حس)): فيه كراهة ذبح الحيوان لغير الأكل.
стр. 2219
الفصل الثالث
٤٠٩٦ - عن عطاء بن يسار، عن رجل من بني حارثة، أنه كان يرعى لقحة بشعب من شعاب أحد، فرأي بها الموت، فلم يجد ما ينحرها به، فأخذ وتدا فوجأ به في لبتها حتى أهراق دمها، ثم أخبر رسول الله ﷺ فأمره بأكلها. رواه أبو داود، ومالك. وفي روايته: قال: فذكاها بشظاظ. [٤٠٩٦]
٤٠٩٧ - وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من دابة إلا وقد ذكاها الله لبني آدم)). رواه الدارقطني.
ــ
((خط)): وفي معناه ما جرت به عادة الناس من ذبح الحيوان عند قدوم الملوك والرؤساء وأوان حدوث نعمة تتجدد لهم وفي نحو ذلك من الأمور.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن عطاء: قوله: ((فوجأ به)) ((نه)) يقال: وجأته بالسكين وغيره وجاء إذا ضربته به. و ((الشظاظ)) خشبة محددة الطرف تدخل في عروتى الحوالق، ليجمع بينهما عند حملهما على البعير والجمع أشظة.
الحديث الثاني عن جابر قوله: ((قد ذكاها الله لبني آدم)) كناية عن كونه تعالى أحلها لبني آدم من غير تذكيتهم. ((مح)) تباح ميتات البحر كلها، سواء في ذلك ما مات بنفسه أو باصطياده، وقد أجمعوا على إباحة السمك، قال أصحابنا: يحرم الضفدع لحديث النهي عن قتلها.
قالوا: وفيما سوى ذلك ثلاثة أوجه: أصحها: يحل جميعه لمثل هذا الحديث. والثاني: لا يحل. والثالث: يحل ما له نظير مأكول في البر دون ما لا يؤكل نظيره. فعلى هذا يؤكل خيل البحر وغنمه وظباؤه دون كلبه وخنزيره وحماره. [وممن] قال بالقول الأول أبو بكر الصديق وعمر وعثمان وابن عباس رضوان الله عليهم. وأباح مالك الضفدع والجميع. وقال أبو حنيفة: لا يحل غير السمك. دليلنا قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْرِ وطَعَامُهُ﴾. قال عمر ﵁: صيده ما اصطيد، وطعامه ما رمى به. قال ابن عباس: طعامه ميتة إلا ما قذرت منها.
((حس)): ركب الحسن على سرج من جلود كلاب الماء، ولم ير الحسن بالسلحفات بأسا. وقال سفيان الثوري: أرجو أن لا يكون بالسرطان بأس,
стр. 2220
(١) باب ذكر الكلب
الفصل الأول
٤٠٩٨ - عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من اقتنى كلبا إلا كلب ماشية أو ضار، نقص من عمله كل يوم قيراطان)). متفق عليه.
ــ
باب ذكر الكلب
المقصود منه بيان ما يجوز اقتناؤه من الكلاب وما لا يجوز فهو كالتتمة والدريف للباب السابق.
الفصل الأول
الحديث الأول عن ابن عمر ﵄: قوله: ((إلا كلب)) ((إلا)) هنا بمعنى غير، صفة ((لكلب)) لا استثناء لتعذره. ويجوز أن تنزل النكرة منزلة المعرفة فيكون استثناء لا صفة، كأنه قيل: من اقتنى الكلب. قال ابن جني في قوله: ((كان مزاجها عسل وماء)): إنما جاز ذلك من حيث كان عسل وماء من جنسين، فكأنه قال: يكون مزاجها العسل والماء؛ لأن نكرة الجنس تفيد مفاد معرفته.
قوله: ((أو ضار)) ((تو)): الضاري من الكلاب ما يهيج بالصيد يقال ضري الكلب بالصيد ضراوة أي تعوده، ومن حق اللفظ ((أو ضاريا)) عطفا على المستثنى وهو كذلك في بعض الروايات. فتحقق من تلك الرواية أن ترك التنوين فيه خطأ من بعض الرواة. ((مح)): في معظم النسخ: ((ضاري)) بالياء، وفي بعضها: ((ضاريا)) بالألف.
قال القاضي عياض: فأما ضاريا فهو ظاهر الإعراب، وأما ضار وضاري مجروران على العطف على ((ماشية))، ويكون من إضافة الموصوف إلى صفته، كما البارد ومسجد الجامع أو بثبوت الياء في ضاري على اللغة القليلة في إثباتها في المنقوص من غير ألف ولام.
وقيل: إن لفظة ((ضار)) هنا صفة للرجل الصائد صاحب الكلاب المعتاد للصيد، فسماه ضاريا استعارة. واختلفوا في سبب نقصان الأجر باقتناء الكلب، فقيل: لامتناع الملائكة من دخول بيته.
وقيل: لما يلحق المارين من الأذى من ترديع الكلب لهم وقصده إياهم. وقيل: إن ذلك عقوبة لهم لاتخاذهم ما نهى عن اتخاذه وعصيانهم في ذلك. وقيل: لما يبتلى به من ولوغه في الأواني عند غفلة صاحبه ولا يغسله بالماء والتراب. ((قض)): وإضافة ((الكلب)) إلى ((ضار)) على قصد الإبهام والتخصيص؛ فإن الكلب قد يكون ضاريا وقد لا يكون.
стр. 2221
٤٠٩٩ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من اتخذ كلبا إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع؛ انتقص من أجره كل يوم قيراط)). متفق عليه.
٤١٠٠ - وعن جابر، قال: أمرنا رسول الله ﷺ بقتل الكلاب، حتى إن المرأة تقدم من البادية بكلبها فنقتله، ثم نهى رسول الله ﷺ عن قتلها، وقال: ((عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين فإنه شيطان)). رواه مسلم.
٤١٠١ - وعن ابن عمر، أن النبي ﷺ أمر بقتل الكلاب إلا كلب صيد أو كلب غنم أو ماشية. متفق عليه.
ــ
الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((قيراط)) فإن قلت: كيف التوفيق بين هذا الحديث والحديث السابق حيث ذكر هنا قيراط وهناك قيراطان؟ قلت: ذكر الشيخ محيي الدين في جوابه أنه يحتمل أن يكونا في نوعين من الكلاب: أحدهما أشد أذى من الآخر أو يختلف باختلاف المواضيع، فيكون القيراطان في المدينة خاصة؛ لزيادة فضلها، والقيراط في غيرها، أو القيراطان في المدائن والقرى والقيراط في البوادي، أو يكون ذلك في زمانين فذكر القيراط أولا ثم زاد التغليظ، فذكر القيراطين، والقيراط هنا مقدار معلوم عند الله، والمراد نقص جزء من أجزاء عمله.
الحديث الثالث والرابع عن جابر قوله: ((حتى إن المرأة)) ((حتى)) هي الداخلة على الجملة وهي غاية لمحذوف. أي أمرنا بقتل الكلاب فقتلنا، ولم ندع في المدينة كلبا إلا قتلناه. حتى لنقتل كلب المرأة من أهل البادية، كذا نص في حديث آخر.
((حس)): قيل: في تخصيص كلاب المدينة بالقتل من حيث إن المدينة كانت مهبط الملائكة بالوحي وهو لا يدخلون بيتا فيه كلب. وجعل الأسود البهيم شيطانا لخبثها؛ فإنه أضر الكلاب وأعقرها والكلب أسرع إليه منه إلى جميعها، وهي مع هذا أقلها نفعا وأسوأها حراسة؛ لبعدها من الصيد وأكثرها نعاسا. وحكى عن أحمد وإسحاق أنهما قالا: لا يحل صيد الكلب الأسود.
((مح)): أجمعوا على قتل العقور، واختلفوا فيما لا ضرر فيه، فال إمام الحرمين: أمر النبي ﷺ أولا بقتلها كلها ثم نسخ ذلك إلا الأسود البهيم، ثم استقر الشرع على النهي عن قتل جميع الكلاب التي لا ضرر فيها حتى الأسود البهيم.
الحديث الخامس عن ابن عمر: قوله: ((أو كلب غنم أو ماشية)) ((أو)) الأولى للتنويع والثانية للترديد وشك الراوي.
стр. 2222
الفصل الثاني
٤١٠٢ - عن عبد الله بن مغفل، عن النبي ﷺ ، قال: ((لولا أن الكلاب أمة من الأمم، لأمرت بقتلها كلها، فاقتلوا منها كل أسود بهيم)). رواه أبو داود، والدارمي. وزاد الترمذي, النسائي: ((وما من أهل بيت يرتبطون كلبا إلا نقص من عملهم كل يوم قيراط إلا كلب صيد أو كلب حرث أو كلب غنم)). [٤١٠٢]
٤١٠٣ - وعن ابن عباس، قال: نهى رسول الله ﷺ عن التحريش بين البهائم)). رواه الترمذي. [٤١٠٣]
(٢) باب ما يحل أكله وما يحرم
الفصل الأول
٤١٠٤ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((كل ذي ناب من السباع فأكله حرام)). رواه مسلم.
ــ
الفصل الثاني
الحديث الأول عن عبد الله: قوله: ((أمة من الأمم)) ((مظ)): معنى هذا الكلام أنه ﷺ كره إفناء أمة من الأمم وإعدام جيل من الخلق؛ لأنه ما من خلق الله تعالى إلا وفيه نوع من الحكمة وضرب من المصلحة. يقول: إذا كان الأمر على هذا ولا سبيل إلى قتلهن كلهن فاقتلوا أشرارهن، وهي السود البهم، وأبقوا ما سواها لتنتفعوا بهن في الحراسة.
أقول: قوله: ((أمة من الأمم)) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿ومَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ ولا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إلَاّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم﴾ أي أمثالكم في كونها دالة على الصانع ومسبحة له، قال تعالى: ﴿وإن مِّن شَيْءٍ إلَاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ أي يسبح بلسان القال أو الحال حيث يدل على الصانع، وعلى قدرته وحكمته وتنزيهه عما لا يجوز عليه، فبالنظر إلى المعنى لا يجوز التعرض لها بالقتل والإفناء. لكن إذا كان لدفع مضرة كقتل الفواسق الخمس، أو جلب منفعة كذبح الحيوانات المأكولة، جاز ذلك، وينصر هذا التأويل الحديث الآخر من الفصل الأول من الباب الثاني من قوله: ((أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح؟)) فأنكر إحراق قريتها لكونها مسبحة.
الحديث الثاني عن ابن عباس قوله: ((عن التحريش)) ((مخ)): هو الإغراء وتهييج بعضها على بعض كما يفعل بين الجمال والكباش والديوك وغيرها.
стр. 2223
٤١٠٥٠ - وعن ابن عباس، قال: نهى رسول الله ﷺ عن كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير. رواه مسلم.
٤١٠٦ - وعن أبي ثعلبة، قال: حرم رسول الله ﷺ لحوم الحمر الأهلية. متفق عليه.
٤١٠٧ - وعن جابر، أن رسول الله ﷺ نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل. متفق عليه.
٤١٠٨ - وعن أبي قتادة، أنه رأي حمارا وحشيا فعقره، فقال النبي ﷺ : ((هل معكم من لحمه شيء؟)) قال: معنا رجله، فأخذها فأكلها. متفق عليه.
ــ
باب ما يحل أكله وما يحرم
الفصل الأول
الحديث الأول والثاني قد مر تفسيرهما في الفصل الثاني من باب الصيد والذبائح في حديث العرباض.
الحديث الثالث عن أبي ثعلبة: قوله: ((لحوم الحمر الأهلية)) ((حس)): كل حيوان لا يحل أكله فلا يحل شرب لبنه إلا الآدميات، وكل طير لا يحل لحمه لا يحل بيضه.
الحديث الرابع عن جابر: قوله: ((وأذن في لحوم الخيل)) ((حس)): اختلفوا في إباحة لحوم الخيل فذهب جماعة إلى إباحته، روى ذلك عن شريح والحسن وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير وحماد بن أبي سليمان، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق. وذهب جماعة إلى تحريمه روى ذلك عن ابن عباس وهو قول أصحاب أبي حنيفة.
((مح)): واحتج أبو حنيفة بقوله تعالى: ﴿والْخَيْلَ والْبِغَالَ والْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وزِينَةً﴾ ولم يذكر الأكل. وذكر الأكل من الأنعام وفي الآية التي قبلها، وبحديث خالد بن الوليد نهى رسول الله ﷺ عن لحوم الخيل والبغال والحمير. رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه.
وأجاب الأصحاب عن الآية بأن ذكر الركون والزينة لا يدل على أن منفعتها مقصورة عليهما، وإنما خصتا بالذكر لأنهما معظم المقصود من الخيل كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنزِيرِ﴾، فذكر اللحم لأنه معظم المقصود. وقد أجمعوا على تحريم شحمه ودمه وسائر أجزائه؛ ولهذا سكت عن ذكر حمل الأثقال على الخيل مع قوله تعالى في الأنعام: ﴿وتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ﴾ ولم يلزم من هذا منع حمل الأثقال على الخيل. وعن الحديث
стр. 2224
٤١٠٩ - وعن أنس، قال: انفجنا أرنبا بمر الظهران، فأخذتها فأتيت بها أبا طلحة فذبحها وبعث إلى رسول الله ﷺ بوركها وفخذيها فقبله. متفق عليه.
٤١١٠ - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الضب لست آكله ولا أحرمه)). متفق عليه.
٤١١١ - وعن ابن عباس: أن خالد بن الوليد أخبره أنه دخل مع رسول الله ﷺ على ميمونة وهي خالته وخالة ابن عباس، فوجد عندها ضبا محنوذا، فقدمت الضب لرسول الله ﷺ ، فرفع رسول الله ﷺ يده عن الضب. فقال خالد: أحرام الضب يا رسول الله؟ فقال: ((لا، ولكن لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه)) قال خالد: فاجتررته فأكلته ورسول الله ﷺ ينظر إلي. متفق عليه.
ــ
بأن علماء الحديث اتفقوا على أنه ضعيف؛ قال أبو داود: هذا الحديث منسوخ. وقال النسائي: حديث الإباحة أصح، ويشبه إن كان هذا صحيحا أن يكون منسوخا. واحتج الجمهور بأحاديث الإباحة التي ذكرها مسلم وغيره، وهي صحيحة ولم يثبت في النهي حديث صحيح. والله أعلم.
الحديث الخامس والسادس عن أنس ﵁: قوله: ((أنفجنا)) ((حس)): أنفجت الأرنب من جحره أي أثرته فثار، وأنفجت الأرنب وثبت، واختلفوا في الأرنب، فذهب أكثرهم إلى إباحته، وكرهه جماعة وقالوا: إنها تدمى. ((مح)): ((مر الظهران)) بفتح الميم والظاء موضع قريب من مكة. قوله: ((فقبله)) الضمير راجع إلى المبعوث أو بمعنى اسم الإشارة كما في قول رؤية شعرا:
فيه سواد وبياض وبلق كأنه في الجلد توليع البهق
الحديث السابع عن ابن عمر ﵄: قوله: ((لست بآكله)) فيه بيان إظهار الكراهة مما يجد في نفسه؛ لقوله في حديث آخر: ((فأجدني أعافه)).
الحديث الثامن عن ابن عباس ﵄: قوله: ((محنوذا)) أي مشويا، وقيل: المشوى على الرضف وهي الحجارة المحماة. ((مح)): أجمعوا على أن الضب حلال ليس بمكروه إلا ما حكي عن أصحاب أبي حنيفة من كراهته. قال القاضي عن قوم: هو حرام، وما أظنه يصح عن أحد.
стр. 2225
٤١١٢ - وعن أبي موسى، قال: رأيت رسول الله ﷺ يأكل لحم الدجاج، متفق عليه.
٤١١٣ - وعن ابن أبي أوفي، قال: غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات كنا نأكل معه الجراد. متفق عليه.
٤١١٤ - وعن جابر، قال: غزوت جيش الخبط، وأمر علينا أبو عبيدة فجعنا جوعا شديدا، فألقى البحر حوتا ميتا لم نر مثله يقال له: العنبر، فأكلنا منه نصف شهر، فأخذ أبو عبيدة عظما من عظامه فمر الراكب تحته، فلما قدمنا ذكرنا ذلك للنبي
ــ
الحديث التاسع والعاشر عن ابن أبي أوفي: قوله: ((نأكل معه الجراد)) ((تو)): رواية من روى ((معه)) تأول على أنهم أكلوه وهم معه فلم ينكر عليهم. وهذا يدل على إباحته ولو صرفه مؤول إلى الأكل فإنه محتمل، وإنما رجحنا التأويل الأول خلو أكثر الروايات من هذه الزيادة. ثم لما ورد في الحديث أن النبي ﷺ لم يكن يأكل الجراد، وذكر ذلك من حديث سلمان ﵁ عن النبي ﷺ – وقد سئل عن الجراد – فقال: ((أكثر جهود الله، لا آكله ولا أحرمه)).
فإن قيل: كيف يترك الحديث الصحيح بمثل هذا الحديث؟. قلنا: لم نتركه وإنما أولناه لما فيه من الاحتمال؛ كي يوافق سائر الروايات، ولا نرد الحديث الذي أوردناه وهو من الواضح الجلي بما فيه خفاء والتباس.
أقول: التأويل الأول وهو قوله: ((أكلوه وهم معه)) بعيد لأن المعية تقتضي المشاركة في الفعل، كما في قوله: ((غزونا مع رسول الله ﷺ )، وقد صرح به صاحب الكشاف وقد مر بيانه.
والرواية الخالية عنه مطلقة تحتمل الأمرين، وهذه مقيدة، فالمطلق يحمل على المقيد. وقوله في الحديث الآخر: ((وقد سئل عن الجراد)) الحديث ضعفه محيي السنة. ورواية الراوي أن النبي ﷺ لم يكن يأكل الجراد، إخبار عن عدم الأكل بأنه لم يكن معه فلم يشاهد، فبقي الكلام في لفظة ((معه)).
الحديث الحادي عشر عن جابر: قوله: ((جيش الخبط)) منصوب على انتزاع الخافض أي غزوت مصاحبا لجيش الخبط، والخبط – بتحريك الباء – ورق الشجر يضرب بالعصا فيسقط، وهو فعل بمعنى مفعول وبالسكون المصدر، وهو الهش بضرب العصا، وسموا بجيش الخبط؛ لأنهم أكلوه من الجوع حتى قرحت أشداقهم. وقوله: ((فقال: كلوا)) كأنه ﷺ استحضر تلك
стр. 2226
صلى الله عليه وسلم فقال: ((كلوا رزقا أخرجه الله إليكم، وأطعمونا إن كان معكم)) قال: فأرسلنا إلى رسول الله ﷺ منه فأكله. متفق عليه.
٤١١٥ - وعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه؛ فإن في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء)). رواه البخاري.
ــ
الحالة واستحمدهم عليها فأمرهم بالأكل؛ ومن ثم صرح بقوله: ((رزقا)) ووصفه بقوله: ((أخرجه الله)) وعقبه بقوله: ((أطعمونا)).
((مح)): وإنما طلب ﷺ منه تطييبا لقلوبهم ومبالغة في حله؛ وليعلم أنه لا شك في إباحته، وقصد به البركة في كونه طعمة من الله تعالى خارقة للعادة أكرمهم الله تعالى بها. وفيه استحباب للمفتي أن يتعاطى بعض المباحات التي يشك فيها المستفتي، إذا لم يكن فيه مشقة على المفتي. وكان فيه طمأنينة للمستفتي.
قوله: ((فأكلنا منه نصف شهر)) وفي رواية أخرى: ((قمنا عليه شهرا)) وفي أخرى: ((فأكل منه الجيش ثماني عشرة يوما)). ووجه الجمع أن من روى شهرا هو الأصل لأن معه زيادة علم، ومن روى دونه لم ينف الزيادة ولو نفاها لقدم المثبت. وقد ثبت عند الأصوليين أن مفهوم العدد لا حكم له فلا يلزم نفي الزيادة لو لم يعارضه إثبات الزيادة، فكيف وقد عارضه؟ فوجب قبول الزيادة، وقد مر ما يتعلق بأحكام هذا الحديث في الفصل الثالث من كتاب الصيد والذبائح.
الحديث الثاني عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((إذا وقع الذباب)) ((تو)): قد وجدنا لكون أحد جناحي الذباب داء والآخر دواء فيما أقامه الله تعالى لنا من عجائب خلقه وبدائع فطرته شواهد ونظائر، فمنها النحلة يخرج من بطنها الشراب النافع وينبت من إبرتها السم الناقع، والعقرب تهيج الداء بإبرتها، ويتداوى من ذلك بجرمها. وأما إتقاؤه بالجناح الذي فيه الداء على ما ورد في غير هذه الرواية، وهو في الحسان من هذا الباب؛ فإن الله تعالى ألهم الحيوان بطبعه الذي جبله عليه ما هو أعجب من ذلك، فلينظر المتعجب من ذلك إلى النملة التي هي أصغر وأحقر من الذباب كيف تسعى في جمع القوت؟ وكيف تصون الحب عن الندى باتخاذ الريعة على نشز من الأرض، ثم لينظر إلى تجفيفها الحب في الشمس إذا أثر فيه الندى، ثم إنها تقطع الحب؛ لئلا ينبت وتترك الكزبرة بحالها؛ لأنها لا تنبت وهي صحيحة، فتبارك الله رب العالمين. وأي حاجة بنا إلى الاستشهاد، على ما أخبر غنه الصادق المصدوق ﷺ ، لولا الحذر من اضطراب الطبائع والشفقة على عقائد ذوي الأوضاع الواهية، وإلى الله اللجأ ومنه العصمة.
стр. 2227
٤١١٦ - وعن ميمونة، أن فأرة وقعت في سمن، فماتت، فسئل رسول الله ﷺ فقال: ((ألقوها وما حولها وكلوه)). رواه البخاري.
٤١١٧ - وعن ابن عمر، أنه سمع النبي ﷺ يقول: ((اقتلوا الحيات، واقتلوا ذا الطفيتين، والأبتر فإنهما يطمسان البصر، ويستسقطان الحبل. قال عبد الله: فبينا أنا أطارد حية أقتلها، ناداني أبو لبابة: لا تقتلها. فقلت: إن رسول الله ﷺ أمر بقتل الحيات. فقال: إنه نهى بعد ذلك عن ذوات البيوت، وهن العوامر. متفق عليه.
ــ
((حس)): وفيه دليل على أن الذباب طاهر، وكذلك أجسام جميع الحيوانات إلا ما دلت عليه السنة من الكلب والخنزير. وفيه دليل على أن ما لا نفس له سائلة، إذا مات في ماء قليل أو شراب لا ينجسه، وذلك مثل الذباب والنمل العقرب والخنفساء والزنبور ونحوها؛ وهذا لأن غمس الذباب في الإناء قد يأتي عليه، فلو كان ينجسه إذا مات فيه لم يأمره بالغمس؛ للخوف من ننجيس الطعام، وهذا قول عامة الفقهاء.
الحديث الثالث عشر من ميمونة: قوله: ((أن فأرة وقعت في السمن)) ((حس)): فيه دليل على أن غير الماء من المائعات إذا وقعت فيه نجاسة تنجس، قل ذلك المائع أو كثر، بخلاف الماء حيث لا ينجس عند الكثرة ما لم يتغير بالنجاسة. واتفقوا على أن الزيت إذا مات فيه فأرة أو وقعت فيه نجاسة أخرى، أنه ينجس ولا يجوز أكله. وكذلك لا يجوز بيعه عند أكثر أهل العلم، وجوز أبو حنيفة بيعه. واختلفوا في الانتفاع به، فذهب جماعة إلى أنه لا يجوز الانتفاع به؛ لقوله ﷺ : ((فلا تقربوه)) وهو أحد قولي الشافعي، وذهب قوم إلى أنه يجوز الانتفاع به بالاستصباح وتدهين السفن ونحوه. وهو قول أبي حنيفة، وأظهر قولي الشافعي. والمراد قوله: ((فلا تقربوه)) أكلا وطعما لا انتفاعا.
الحديث الرابع عشر عن ابن عمر: قوله: ((ذا الظفيتين)) ((نه)): الطفية خوصة المقل في الأصل. وجمعها طفي، شبه الخطين اللذين على ظهر الحية بخوصتين من خوص المقل.
قوله: ((والأبتر)) قيل: هو الذي يشبه المقطوع الذنب لقصر ذنبه، وهو من أخبث ما يكون من الحيات. قوله: ((يطمسان)) ((قض)): أي يعميان البصر ويسقطان الحبل عند النظر إليهما بالخاصية، جعل ما يفعلان بالخاصية كالذي يفعلانه بقصد وطلب، وفي خواص الحيوان عجائب لا تنكر. وقد ذكر في خواص الأفعى أن الحبل يسقط عند موافقة النظرين، وفي خواص بعض الحيات أن رؤيتها تعمى.
((مح)): ((يطمسان البصر)) يخطفانه بمجرد نظرهما إليه بخاصية جعلها الله تعالى في بصرها إذا وقع على بصر الإنسان. ويؤيد هذه الرواية الأخرى لمسلم: ((يخطفان)).
стр. 2228
٤١١٨ - وعن أبي السائب قال: دخلنا على أبي سعيد الخدري، فبينما نحن جلوس إذا سمعنا تحت سريره حركة فنظرنا، فإذا فيه حية، فوثبت لأقتلها وأبو سعيد يصلي، فأشار إلي أن أجلس، فجلست، فلما انصرف، أشار إلى بيت في الدار، فقال: أترى هذا البيت؟ فقلت: نعم. فقال: كان فيه فتى منا حديث عهد بعرس، قال: فخرجنا مع رسول الله ﷺ إلى الخندق، فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله ﷺ بأنصاف النهار، فيرجع إلى أهله، فاستأذنه يوما، فقال له رسول الله ﷺ : ((خذ عليك سلاحك فإنس أخشى عليك قريظة)) فأخذ الرجل سلاحه، ثم رجع، فإذا امرأته بين البابين قائمة، فأهوى إليها بالرمح ليطعنها به، وأصابته غيرة. فقالت له: اكفف عليك رمحك، وادخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني! فدخل، فإذا بحية عظيمة منطوية على الفراش، فأهوى إليها بالرمح، فانتظمها به، ثم خرج فركزه في
ــ
قال العلماء: وفي الحيات نوع يسمى الناظر، إذا وقع نظره على عين إنسان مات من ساعته.
قوله: ((وهن الموامر)) ((نه)): العوامر الحيات التي تكون في البيوت واحدها عامرة، وقيل: سميت عوامر لطول عمرها. ((تو)): عمار البيوت وعوامرها سكانها من الجن.
الحديث الخامس عشر عن أبي السائب: قوله: ((حديث عهد)) يجوز بالرفع على أنه صفة تعد صفة ((لفتى))، وبالنصب على أنه حال من الضمير في ((منا)). قوله: ((بأنصاف النهار)) ((مح)): هو بفتح الهمزة أي منتصفه، وكأنه وقت آخر النصف الأول وأول حاجاتهم ويؤنس امرأته؛ فإنها كانت عروسا.
أقول: يحتمل أن يراد بالنهار الجنس وأن يكون عكس قوله: ((كلوا في بعض بطنكم تعفوا)) أي بأنصاف النهار فأتى بالإفراد اعتمادا على القرينة. قوله: ((خذ عليك سلاحك)) أي احمل عليك السلاح آخذا حذرك من قريظة. وقوله: ((وأصابته غيرة)) حال من المستكن في ((أهوى)).
وقوله: ((فانتظمها)) ((نه)): أي غرز الرمح في الحية حتى طواها فيه، فشبهه بالسلك الذي يدخل في الخرز. وفي الأساس: رمى صيدا فانتظمه بسهم، وطعنه بانتظمه ساقيه أو جنبيه.
وقوله: ((عليه)) حال أي اضطربت الحية صائلة على الفتى. وقوله: ((فقال: استغفروا)) يريد أن الذي ينفعه هو استغفاركم لا الدعاء بالإحياء لأنه مضى لسبيله.
стр. 2229
الدار، فاضطربت عليه، فما يدري أيهما كان أسرع موتا: الحية أم الفتى؟ قال: فجئنا رسول الله ﷺ وذكرنا ذلك له، وقلنا: ادع الله يحييه لنا. فقال: ((استغفروا لصاحبكم)) ثم قال: ((إن لهذه البيوت عوامر، فإذا رأيتم منها شيئا فخرجوا عليها ثلاثا، فإن ذهب وإلا فاقتلوه فإنه كافر)) وقال لهم: ((اذهبوا فادفنوا صاحبكم)). وفي رواية قال: ((إن بالمدينة جنا قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثة أيام، فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه، فإنما هو شيطان)). رواه مسلم.
٤١١٩ - وعن أم شريك: أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الوزع وقال: ((كان ينفخ على إبراهيم)). متفق عليه.
٤١٢٠ - وعن سعد بن أبي وقاص، أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الوزغ وسماه فريسقا. رواه مسلم.
ــ
قوله: ((فحرجوا عليها)) ((نه)): أي قولوا لها: أنت في حرج أي ضيق إن عدت إلينا فلا تلومينا أن نضيق عليك بالتتبع والطرد والقتل. ((مح)): قال القاضي عياض: روى ابن الحبيب عن النبي ﷺ : ((أنه يقول: أنشدكم بالعهد الذي أخذ عليكم سليمان بن داود أن لا تؤذونا ولا تظهروا لنا)) ونحوه عن مالك. قوله: ((فآذنون)) أي فأعلموا وأنذروا. ((مح)): قال العلماء: إذا لم يذهب بالإنذار علمتم أنه ليس من عوامر البيوت، ولا ممن أسلم من الجن بل هو شيطان فلا حرمة له عليكم فاقتلوه، ولن يجعل الله له سبيلا للإضرار بكم.
الحديث السادس عشر عن أم شريك: قوله: ((الوزع)) ((نه)): الوزغ جمع وزعة بالتحريك وهي التي يقال لها: سام أبرص وجمعها أوزاغ ووزعات. ((قض)): ((وكان ينفخ على إبراهيم)) بيان لخبث هذا النوع وفساده، وأنه بلغ في ذلك مبلغا استعمله الشيطان، فحمله على أن ينفخ في النار التي ألقي فيها خليل الله صلوات الله عليه، وسعى في اشتعالها، وهو في الجملة من ذوات السموم المؤذية.
الحديث السابع عشر عن سعد: قوله: ((فويسقا)) ((مح)): تسميته فويسقا؛ لأنه نظير للفواسق الخمسة التي تقتل في الحل والحرم، وأصل الفسق الخروج عن الطريق المستقيم، وهذه المذكورات خرجن عن خلق معظم الحشرات بزيادة الضرر والأذى. انتهى كلامه. وأما تصغيره فللتعظيم كما في قوله: ((دويهية)) على ما ذهب إليه الشيخ التوربشتي، أو للتحقير لإلحاقه ﷺ بالفواسق الخمس.
стр. 2230
٤١٢١ - وعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: ((من قتل وزغا في أول ضربة كتبت له مائة حسنة، وفي الثانية دون ذلك، وفي الثالثة دون ذلك)). رواه مسلم.
٤٢١١ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((قرصت نملة نبيا من الأنبياء فأمر بقرية النمل فأحرقت، فأوحى الله تعالى إليه: أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح؟)). متفق عليه.
الفصل الثاني
٤١٢٣ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا وقعت الفأرة في السمن
ــ
الحديث الثامن عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((في أول ضربة)) ((مح)): سبب تكثير الثواب في قتله أول ضربة، الحث على المبادرة بقتله، والاعتناء به والحرص عليه؛ فإنه لو فاته ربما انفلت وفات قتله. والمقصود انتهاز الفرصة بالظفر على قتله.
الحديث التاسع عشر عن أبي هريرة: قوله: ((قرصت)) القرص الأخذ بأطراف الأصابع وهنا يراد به العض. وقوله: ((أن قرصتك)) الجملة هي الموحى بها أي أوحى الله تعالى بهذا الكلام، يعني: لأن قرصتك نملة أحرقت امة مسبحة لله تعالى وإنما وضع المضارع موضع المسبحة، ليدل على الاستمرار ومزيد الإنكار كقوله تعالى: ﴿إنَّا سَخَّرْنَا الجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾ الكشاف: فيه الدلالة على حدوث تسبيح من الجبال شيئا بعد شيء وحالا بعد حال، وكأن السامع يحاضر تلك الحال ويسمعها، والظاهر أن يقال: ((فأحرقت)) إلا أنه أراد بقرية النمل مسكنها ومنزلها. سمى قرية لاجتماعة فيها، ومنه القرية المتعارفة لاجتماع الناس فيها. قوله: ((فأمر بقرية النمل)) أي بإحراق قرية النمل، ويفهم من قوله: ((أحرقت أمة)) جواز إحراق تلك النملة القارصة.
((مح)): هذا محمول على أن شرع ذلك النبي كان فيه جواز قتل النمل والإحراق بالنار، ولم يعتب عليه في أصل القتل والإحراق، بل في الزيادة على نملة واحدة. وأما في شرعنا فلا يجوز إحراق الحيوان بالنار إلا بالاقتصاص، وسواء في منع الإحراق بالنار القمل وغيره للحديث المشهور: ((لا يعذب بالنار إلا الله تعالى)) وأما قتل النمل فمذهبنا أنه لا يجوز؛ فإن النبي ﷺ نهى عن قتل أربع من الدواب وسيجيء في الفصل الثاني.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((فلا تقربوه)) مضى بيانه في الحديث الثالث عشر من الفصل الأول.
стр. 2231
فإن كان جامدا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعا فلا تقربوه)). رواه أحمد، وأبو داود. [٤١٢٣]
٤١٢٤ - ورواه الدارمي عن ابن عباس.
٤١٢٥ - وعن سفينة، قال: أكلت مع رسول الله ﷺ لحم حبارى. رواه أبو داود. [٤١٢٥]
٤١٢٦ - وعن ابن عمر، قال: نهى رسول الله ﷺ عن أكل الجلالة وألبانها. رواه الترمذي. وفي رواية أبي داود: قال: نهى عن ركوب الجلالة. [٤١٢٦]
٤١٢٧ - وعن عبد الرحمن بن شبل: أن النبي ﷺ نهى عن أكل لحم الضب. رواه أبو داود. [٤١٢٧]
٤١٢٨ - وعن جابر ﵁، أن النبي ﷺ نهى عن أكل الهرة وأكل ثمنها. رواه أبو داود، والترمذي. [٤١٢٨]
ــ
الحديث الثاني عن سفينة: قوله: ((حبارى)) الجوهري: حبارى طائر يقع على الذكر والأنثى واحدهما وجمعهما سواء. وإن شئت قلت: الجمع حباريات، وألفه ليست للتأنيث ولا للإلحاق، وإنما بني الاسم لها فصارت كأنها من نفس الكلمة لا تنصرف في معرفة ولا نكرة.
الحديث الثالث عن ابن عمر ﵄: قوله: ((عن أكل الجلالة)) في الغريبين يعني التي تأكل العذرة، يقال جل يجل واجتل يجتل إذا التقط البعر.
((فا)): كنى عن العذرة بالجلة وهي البعر فقيل لأكلها: ((جلالة))، وقد جل الجلة وأجلها التقطها.
((حس)): الحكم في الدابة التي تأكل العذرة أن ينظر فيها، فإن كانت تأكلها أحيانا فليست بجلالة ولا يحرم بذلك أكلها كالدجاج، وإن كان غالب علفها منها حتى ظهر ذلك على لحمها ولبنها، فاختلفوا في أكلها، فذهب قوم إلى أنه لا يحل أكلها إلا أن تحبس أياما، وتعلف من غيرها حتى يطيب لحمها. وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وأحمد. وكان الحسن لا يرى بأسا بأكل الجلالة، وهو قول مالك. وقال إسحاق: لا بأس بأكلها بعد أن تغسل غسلا جيدا. وإنما كره ركوبها لأنها إذا عرقت تنتن رائحتها كما ينتن لحمها.
الحديث الرابع والخامس عن جابر: قوله: ((أكل الهرة)) أكل الهرة حرام بالاتفاق، وأما جواز بيعها وأكل ثمنها ففيه خلاف مضى في باب البيع.
стр. 2232
٤١٢٩ - وعنه، حرم رسول الله ﷺ – يعني يوم خيبر – الحمر الإنسية، ولحوم البغال، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير. رواه الترمذي. وقال: هذا حديث غريب. [٤١٢٩]
٤١٣٠ - وعن خالد بن الوليد: أن رسول الله ﷺ نهى عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير. رواه أبو داود، والنسائي. [٤١٣٠]
٤١٣١ - وعنه، قال: غزوت مع النبي ﷺ يوم خيبر، فأتت اليهود، فشكوا أن الناس قد أسرعوا إلى خضائرهم، فقال رسول الله ﷺ : ((ألا لا يحل أموال المعاهدين إلا بحقها)). رواه أبو داود [٤١٣١]
٤١٣٢ - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أحلت لنا ميتتان ودمان. الميتتان: الحوت والجراد، والدمان: الكبد والطحال)). رواه أحمد، وابن ماجه، والدارقطني. [٤١٣٢]
٤١٣٣ - وعن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما ألقاه البحر وجزر عنه الماء فكلوه. وما مات فيه وطفا فلا تأكلوه)). رواه أبو داود، وابن ماجه. وقال محيي السنة: الأكثرون على أنه موقوف على جابر. [٤١٣٣]
ــ
الحديث السادس والسابع مضى ما يتعلق بالحديثين من معنى الأول وضعف الثاني ونسخه.
الحديث الثامن عن خالد: قوله: ((إلى خضائرهم)) الجوهري: الخضيرة النخلة التي ينتشر بسرها وهو أخضر.
الحديث التاسع والعاشر عن أبي الزبير: قوله: ((وجزر عنه)) ((نه)): ما جزر عنه البحر أي ما انكشف عنه الماء من حيوان البحر، يقال: جزر الماء يجزر جزرا إذا ذهب ونقص. ومنه الجزر رجوع الماء. والطافي الذي يعلو ويظهر على رأس الماء.
((حس)): اختلفوا في إباحة السمك الطافي، فأباحه جماعة من الصحابة والتابعين وبه قال مالك والشافعي، وكرهه جماعة، روى ذلك عن جابر وابن عباس وأصحاب أبي حنيفة.
стр. 2233
٤١٣٤ - وعن سلمان، قال: سئل النبي ﷺ عن الجراد، فقال: ((أكثر جنود الله، لا آكله ولا أحرمه)). رواه أبو داود. وقال محيي السنة: صعيف. [٤١٣٤]
٤١٣٥ - وعن زيد بن خالد، قال: نهى رسول الله ﷺ عن سب الديك، وقال: ((إنه يؤذن للصلاة)). رواه في ((شرح السنة)). [٤١٣٥]
٤١٣٦ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تسبوا الديك فإنه يوقظ للصلاة)). رواه أبو داود. [٤١٣٦]
٤١٣٧ - وعن عبد الرحمن بن أبي ليلي، قال: قال أبو ليلي: قال رسول الله ﷺ : ((إذا ظهرت الحية في المسكن فقولوا لها: إنا نسألك بعهد نوح وبعهد سليمان بن داود أن لا تؤذينا، فإن عادت فاقتلوها)). رواه الترمذي، وأبو داود. [٤١٣٧]
٤١٣٨ - وعن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لا أعلمه إلا رفع الحديث: أنه كان يأمر بقتل الحيات، وقال: ((من تركهن خشية ثائر فليس منا)). رواه في ((شرح السنة)). [٤١٣٨]
٤١٣٩ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما سالمناهم منذ حاربناهم، ومن ترك شيئا منهم خيفة فليس منا)). رواه أبو داود. [٤١٣٩]
ــ
الحديث الحادي عشر عن سلمان: قوله: ((عن الجراد)) يحتمل أن يكون لفظ السائل أتأكل الجراد أم لا؟. أو هو حرام أم لا؟ فينطبق عليه الجواب أي لا آكله ولا أحرمه. وقوله: ((أكثر جنود الله)) كالتوطئة للجواب والتعليل له كأنه قيل: هو جند من جنود الله يبعثه أمارة لغضبه إلى بعض البلاد، فإذا نظر إلى هذا المعنى ينبغي أن لا يؤكل، وإذا نظر إلى كونه يقوم مقام الغذاء يحل.
الحديث الثاني عشر إلى الخامس عشر عن عكرمة: قوله: ((لا أعلمه إلا رفع)) أي رفع ابن عبسا الحديث إلى النبي ﷺ ، لأن قوله: ((أنه كان يأمر)) محتمل لأن ينسب إلى ابن عباس فيكون موقوفا. قوله: ((خشية ثائر)) ((نه)): الثائر طالب الثأر وهو طلب الدم، يقال: ثأرت القتيل وثأرت به فأنا ثائر أي قتلت قاتله.
الحديث السادس عشر عن أبي هريرة: قوله: ((ما سالمناهم)) ((قض)): أي المعاداة بين
стр. 2234
٤١٤٠ - وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : ((اقتلوا الحيات كلهن، فمن خف ثأرهن فليس مني)). رواه أبو داود، والنسائي. [٤١٤٠]
٤١٤١ - وعن العباس ﵁، قال: يا رسول الله! إنا نريد أن نكنس زمزم وإن فيها من هذه الجنان – يعني الحيات الصغار – فأمر رسول الله ﷺ بقتلهن. رواه أبو داود. [٤١٤١]
٤١٤٢ - وعن ابن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: ((اقتلوا الحيات كلها إلا الجان الأبيض الذي كأنه قضيب فضة)). رواه أبو داود. [٤١٤٢]
٤١٤٣ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فاملقوه، فإن في أحد جناحية داء وفي الآخر شفاء، فإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء، فليغمسه كله)). رواه أبو داود. [٤١٤٣]
ــ
الإنسان والحية جبلية لا تقبل الزوال؛ فإن كل واحد منهما قاتل للآخر بالطبع [إذا] وقع الحرب بينهما من لدن آدم، [ولم يرفعها بعد] بعد. وقوله: ((ومن ترك شيئا منهم خيفة)) أي من ترك التعرض لها مخافة أن يلحقه منها أو من صاحبها ضرر فليس منا، أي من المقتدين بنا والتابعين لهدينا، فإن من زعمات الجاهلية أن الحية إذا قتلت طلب ثأرها من القاتل فاقتص منه.
أقول: الضمير في قوله: ((ما سالمناهم)) للحيات، والقرينة ما رواه أبو داود أيضا عن ابن عباس: ((من ترك الحيات مخافة طلبهن فليس منا، ما سالمناهن منذ حاربناهن)) وإنما أتى بضمير العقلاء في الحديث الذي في المتن لإجراء أوصافهم عليها من المحاربة والمسالمة، كقوله تعالى: ﴿والشَّمْسَ والْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾.
الحديث السابع عشر والثامن عشر عن العباس: قوله: ((من هذه الجنان)) ((من)) التبعيضية منصوبة لأنها اسم ((إن)) أي إن فيها بعض الجنان نحوه قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ أي بعضها. و ((الجنان)) بالتشديد جمع ((جان)). ((فا)): كغيطان وغائط وحيطان وحائط، وإنما أمر بقتلهن هنا ونهى في الحديث الآتي تطهيرا لماء زمزم منهن.
стр. 2235
٤١٤٤ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((إذا وقع الذباب في الطعام فامقلوه فإن في أحد جناحيه سما، وفي الآخر شفاء، وإنه يقدم السم ويؤخر الشفاء)). رواه في ((شرح السنة)). [٤١٤٤]
٤١٤٥ - وعن ابن عباس، قال: نهى رسول الله ﷺ عن قتل أربع من الدواب: النملة، والنحلة، والهدهد، والصرد. رواه أبو داود، والدارمي. [٤١٤٥]
الفصل الثالث
٤١٤٦ - عن ابن عباس ﵄، قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذرا، فبعث الله نبيه، وأنزل كتابه، وأحل حلاله، وحرم حرامه. فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، وتلا ﴿قُل لَاّ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلَاّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا﴾ الآية. رواه أبو داود. [٤١٤٦]
ــ
الحديث التاسع عشر والعشرون والحادي والعشرون عن أبي سعيد: قوله: ((فامقلوه)) المقل الغمس، وقد سبق في الحديث الثاني عشر من الفصل الأول.
الحديث الثاني والعشرون عن ابن عباس: قوله: ((عن قتل أربع من الدواب)) ((مظ)): إن النهي إنما جاء في قتل النمل عن نوع خاص منه وهو الكبار ذات الأرجل الطوال؛ لأنها قليلة الأذى والضرر، وأما النحلة فما فيها من المنفعة وهو العسل والشمع، وأما الهدهد والصرد فلتحريم لحمهما؛ لأن الحيوان إذا نهي عن قتله ولم يكن ذلك لاحترامه أو لضرر فيهن كان لتحريم لحمه. ألا ترى أنه نهى عن قتل الحيوان لغير مأكلة.
ويقال: إن الهدهد منتن الريح، فصار في معنى الجلالة، والصرد يتشأم به العرب ويتطير بصوته وشخصه. وقيل: إنما كرهوه من اسمه من التصريد وهو التقليل. ((نه)): الصرد هو طائر ضخم الرأس والمنقار، له ريش عظيم نصفه أبيض ونصفه اسود.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن ابن عباس ﵄: قوله: ((وأحل حلاله)) حلاله مصدر وضع موضع المفعول، أي أظهر بالبعث والإنزال ما أحله الله تعالى. وقوله: ((فهو عفو)) أي متجاوز عنه لا تؤاخذون به. وتلا أي ابن عباس ردا لفعلهم وأكلهم ما يشتهونه وتركهم ما يكرهونه
стр. 2236
٤١٤٧ - وعن زاهر الأسلمي، قال: إني لأوقد تحت القدور بلحوم الحمر إذ نادى منادي رسول الله ﷺ : إن رسول الله ﷺ ينهاكم عن لحوم الحمر. رواه البخاري.
٤١٤٨ - وعن أبي ثعلبة الخشني، يرفعه: ((الجن ثلاثة أصناف: صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وصنف حيات وكلاب، وصنف يحلون ويظعنون)) رواه في ((شرح السنة)). [٤١٤٨]
(٣) باب العقيقة
الفصل الأول
٤١٤٩ - عن سلمان بن عامر الضبي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((مع الغلام عقيقة، فأهريقوا عنه دما، وأميطوا عنه الأذى)). رواه البخاري.
ــ
تقذرا، كأنه قيل: المحلل ما أحله الله ورسوله، والمحرم ما حرمه الله ورسوله، وليس بهوى النفس.
الحديث الثاني والثالث عن أبي ثعلبة: قوله: ((صنف)) مبتدأ وخبره محذوف، أي منهم صنف كذا وصنف كذا إلى آخره والله أعلم بالصواب.
باب العقيقة
المغرب: العق الشق والقطع ومنه عقيقة المولود، وهي شعره لأنه يقطع عنه يوم أسبوعه، وبها سميت الشاة التي تذبح عنه.
الفصل الأول
الحديث الأول عن سلمان: قوله: ((مع الغلام عقيقة)) ((قض)): أي مع ولادته عقيقة مسنونة وهي شاة تذبح عن المولود اليوم السابع من ولادته، سميت بذلك؛ لأنها تذبح حين يحلق عقيقته، وهو الشعر الذي يكون على المولود حين يولد، من العق وهو القطع؛ لأنه يحلق ولا يترك، وأراد بإماطة الأذى عنه حلق شعره. وقيل: تطهيره عن الأوساخ والأضار التي تلطخ به عند الولادة. وقيل: الختان، وهو حاصل كلام الشيخ التوربشتي.
أقول: قوله: ((فأهريقوا)) حكم مرتب عليه الوصف المناسب المشعر بالعلية، أي مقرون مع الغلام ما هو سبب لإهراق الدم، فالعقيقة هي ما تصحب المولود من الشعر. والمراد بإهراق الدم
стр. 2237
٤١٥٠ - وعن عائشة: أن رسول الله ﷺ كان يؤتى بالصبيان فيبرك عليهم، ويحنكهم. رواه مسلم.
٤١٥١ - وعن أسماء بنت أبي بكر، أنها حملت بعبد الله بن الزبير بمكة، قالت: فولدت بقباء ثم أتيت به رسول الله ﷺ ، فوضعته في حجره، ثم دعا بتمرة فمضغها، ثم تفل في فيه، ثم حنكه، ثم دعا له وبرك عليه، فكان أول مولود ولد في الإسلام. متفق عليه.
الفصل الثاني
٤١٥٢ - عن أم كرز، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((أقروا الطير على مكانتها)). قالت: وسمعته يقول: ((عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة، ولا يضركم
ــ
العقيقة من الشاة، فيكون ذبح الشاة وإزالة الشعر مرتبان على ما يصحب الغلام. والتعريف في الأذى للعهد والمعهود الشعر. وإليه أشار محيي السنة بقوله: العقيقة اسم للشعر الذي يحلق من رأس الصبي عند ولادته، فسميت الشاة عقيقة على المجاز، إذ كانت إنما تذبح عند حلاق الشعر.
الحديث الثاني عن عائشة ﵂: قوله: ((فيبرك عليهم)) قال في أساس البلاغة: بارك الله فيه وبارك عليه وبارك له وباركه وبرك على الطعام، وبرك فيه إذا دعا له بالبركة. أقول: بارك عليه أبلغ؛ فإنه فيه تصوير صب البركات وإفاضتها من السماء، كما قال تعالى: ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ﴾.
الحديث الثالث عن أسماء: قوله: ((ثم تفل في فيه)) ((نه)): التفل النفخ معه أدنى بزاق، وهو أكثر من النفث. ((ثم حنكه)) أي مضغ التمر وذلك به حنكه. قوله: ((فكان أول مولود في الإسلام)) الفاء جزاء شرط محذوف، يعني إن أنا هاجرت من مكة، وكنت أول امرأة هاجرت حاملا، ووضعته بقباء وكان أول مولود بعد الهجرة.
((مح)): يعني أول من ولد في الإسلام بالمدينة بعد الهجرة من أولاد المهاجرين، وإلا فالنعمان بن بشير الأنصاري ولد قبله بعد الهجرة. وفيه مناقب كثيرة لعبد الله بن الزبير: منها أن النبي ﷺ مسح عليه وبارك عليه ودعا له، وأول من دخل في جوفه ريقه ﷺ .
الفصل الثاني
الحديث الأول عن أم كرز: قوله: ((على مكناتها)): بفتح الميم وكسر الكاف جمع مكنة، وهي بيضة الضب، ويضم الحرفان منها أيضا. ((فا)): المكنات يعني الأمكنة، يقال: الناس على
стр. 2238
ذكرانا كن أو إناثا)). رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي من قوله: يقول: ((عن الغلام)) إلى آخره .. وقال الترمذي: هذا حديث صحيح. [٤١٥٢]
٤١٥٣ - وعن الحسن بن سمرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الغلام مرتهن بعقيقته تذبح عنه يوم السابع، ويسمى، ويحلق رأسه)). رواه أحمد، والترمذي،
ــ
مكناتهم وسكناتهم ونزلاتهم وربعاتهم، أي على أمكنتهم ومساكنهم ومنازلهم ورباعهم.
وقيل: المكنة من التمكن كالتبعة والطلبة من التتبع والتطلب، يقال: إن بني فلان لذوو مكنة من السلطان أي ذوو تمكن، والمكنات أيضا الأمكنة جمع المكان ثم على مكن، ثم على مكان كقولهم: حمر وحمرات وصعد وصعدات.
والمعنى أن الرجل كان يخرج في حاجته فإن رأي طيرا طيره، فإن أخذ ذات اليمين ذهب، وإن أخذ ذات الشمال لم يذهب، فأراد: اتركوها على مواقعها ولا تطيروها، نفيا عن الزجر. أو على مواضعها التي وضعها الله بها: من أنها لا تضر ولا تنفع، أو أراد له تذعروها ولا ترموها بشيء تنهض بها عن أوكارها. [وإنكار أبي زياد الكلابي المكنات] وقوله: ((لا يعرف للطير مكنات، وإنما هي الأعشاش ذهاب منه إلى النهي عن التحذير. وكذلك من فسر المكنات بالبيض وهي في الأصل بيض الضب فاستعير. قال الأزهري: المكن بيض الضب الواحدة مكنة كلبن ولبنة؛ وكأنه أصل والمكن مخفف منه.
قوله: ((وللترمذي والنسائي من قوله: يقول ((عن الغلام)) تصريح باستقلال كم من الحديثين.
وقولها: ((وسمعته يقول)) مشعر بذلك، فبقي الكلام على المؤلفين في بيان الربط بين الحديثين في هذا الباب ونظمها في سلك واحد. ويمكن أن يقال: إنهم كانوا يتطيرون ويرون الخير والشر منه في كل ما سنح لهم من الأحوال، فنهوا عن التطير في شأن المولود وحثوا على الصدقة.
الحديث الثاني عن الحسن: قوله: ((مرتهن بعقيقته)) ((تو)): وفيه نظر؛ وهو أن المرتهن هو الذي يأخذ الرهن، والشيء مرهون ورهين، ولم نجد فيما يعتمد عليه من كلامهم بناء المفعول من الارتهان. فلعل الراوي أتى به مكان الرهينة من طريق القياس.
أقول: طريق المجاز غير مسدود وليس بموقوف على السماع، ولا يستراب أن الارتهان هنا ليس مأخوذا بطريق الحقيقة. يدل عليه قول الزمخشري في أساس البلاغة في قسم المجاز: فلان رهن بكذا أو رهين ورهينة ومرتهن به: مأخوذ به.
وقال صاحب النهاية: معنى قوله: ((رهينة بعقيقته)) أن العقيقة لازمة له لا بد منها، فشبه في
стр. 2239
وأبو داود والنسائي لكن في روايتهما ((رهينة)) بدل ((مرتهن)). وفي رواية لأحمد وأبي داود: ((ويدمي)) مكان: ((ويسمي)). وقال أبو داود: ((ويسمي)) أصح. [٤١٥٣]
ــ
لزومها له وعدم انفكاكه منه بالرهن في يد المرتهن. والهاء في الرهينة للمبالغة لا للتأنيث كالشتيمة والشتم. ((حس)): قد تكلم الناس فيه، وأجودها ما قاله أحمد بن حنبل: معناه: إذا مات طفلا ولم يعق عنه لم يشفع في والديه، وروى عن قتادة: أنه يحرم شفاعتهم.
((تو)): ولا أدري بأي سبب تمسك، ولفظ الحديث لا يساعد المعنى الذي أتى به، بل بينهما من المباينة ما لا يخفي إلى عموم الناس فضلا عن خصوصهم. والمعنى إنما يؤخذ عن اللفظ، وعند اشتراك اللفظ عن القرينة التي يستدل بها عليه، والحديث إذا استبهم معناه فأقرب السبب إلى إيضاحه استيفاء طرقه؛ فإنها قلما تخلو عن زيادة أو نقصان أو إشارة بالألفاظ المختلف فيها رواية، فيستكشف بها ما أبهم منه.
وفي بعض طرق الحديث: ((كلا غلام رهينة بعقيقته)) أي مرهون، والمعنى أنه كالشيء المرهون لا يتم الانتفاع والاستمتاع به دون فكه. والنعمة إنما تتم على المنعم عليه بقيامه بالشكر، ووظيفة الشكر في هذه النعمة ما سنه النبي ﷺ ، وهو أن يعق عن المولود شكرا لله تعالى وطلبا لسلامة المولود. ويحتمل أنه أراد بذلك أن سلامة المولود ونشؤه على النعت المحبوب رهينة بالعقيقة، هذا هو المعنى، اللهم إلا أن يكون التفسير الذي سبق ذكره متلقى من قبل الصحابي، ويكون الصحابي قد اطلع على ذلك من مفهوم الخطاب أو قضية الحال، ويكون التقدير شفاعة الغلام لأبويه مرتهن بعقيقته.
أقول: ولا ريب أن الإمام أحمد ما ذهب إلى هذا القول إلا بعد ما تلقى من الصحابة والتابعين، على أنه إمام من أئمة الكتاب، يجب أن يتلقى كلامه بالقبول ويحسن الظن به، فقوله: لا يتم الانتفاع والاستمتاع به دون فكه، يقتضي عمومه في الأمور الأخروية والدنيوية. ونظر الألباء مقصور على الأول. وأولى الانتفاع بالأولاد في الآخرة شفاعة الوالدين. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾.
وقوله: ﴿آبَاؤُكُمْ وأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ قدم الوصية على الدين، والدين مقدم إخراجه على الوصية، وعلله بقوله: ﴿آبَاؤُكُمْ وأَبْنَاؤُكُمْ﴾ إشارة إلى أن الوصية وإنفاذها أنفع مما ترك لكم ولم يوص به، الكشاف: أي لا تدرون من أنفع لكم من آبائكم وأبنائكم الذين يموتون أم من أوصى منهم أم من لم يوص، يعني أن من أوصى ببعض ماله وعرضكم لثواب الآخرة بإمضاء وصيته، فهو أقرب لكم نفعا وأحضر جدوى، ممن ترك
стр. 2240
٤١٥٤ - وعن محمد بن علي بن حسين، عن علي بن أبي طالب، قال: عق رسول الله ﷺ عن الحسن بشاة، وقال: ((يا فاطمة! احلقي رأسه، وتصدقي بزنة شعره فضة)) فوزناه فكان وزنه درهما أو بعض درهم. رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب، وإسناده ليس بمتصل، لأن محمد بن علي بن حسين لم يدرك علي بن أبي طالب. [٤١٥٤]
٤١٥٥ - وعن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ عق عن الحسن والحسين كبشا كبشا. رواه أبو داود، وعند النسائي: كبشين كبشين. [٤١٥٥]
ــ
الوصية فوفر عليكم عرض الدنيا، وجعل ثواب الآخرة أقرب وأحضر من عرض الدنيا ذهابا إلى حقيقة الأمر؛ لأن عرض الدنيا وإن كان عاجلا قريبا في الصورة إلا أنه فان، فهو في الحقيقة الأبعد الأقصى، وثواب الآخرة وإن كان آجلا إلا أنه باق فهو في الحقيقة الأقرب الأدنى.
قوله: ((ويسمي ويحلق رأسه)) ((حس)): روى عن الحسن أنه قال: يطلى رأس المولود بدم العقيقة، وكان قتادة يصف الدم ويقول: إذا ذبجت العقيقة تؤخذ صوفة منها، فيستقبل بها أوداج الذبيحة، ثم يوضع على يافوخ الصبي، حتى إذا سال شبه الخيط غسل رأسه ثم حلق بعده.
وكره أكثر أهل العلم لطخ رأسه بدم العقيقة، وقالوا: كان ذلك من عمل الجاهلية، وضعفوا رواية من روى ((يدمي)) وقالوا: إنما هو ((يسمي)) ويروى لطخ الرأس بالخلوق والزعفران مكان الدم.
الحديث الثالث عن محمد: قوله: (عن الحسن بشاة)) ((حس)): اختلفوا في التسوية بين الغلام والجارية، وكان الحسن وقتادة لا يريان عن الجارية عقيقة. وذهب قوم إلى التسوية بينهما عن كل واحد بشاة واحدة لهذا الحديث. وعن ابن عمر كان يعق عن ولده بشاة شاة الذكور والإناث، ومثله عن عروة بن الزبير. وهو قول مالك، وذهب جماعة إلى أن يذبح عن الغلام بشاتين وعن الجارية بشاة. الضمن في ((كن)) عائد إلى الشاتين والشاة المذكورة، وغلب الإناث على الذكور تقديما للنعاج في النسل. وفيه إشعار بأن نحو شاة ونملة وحمامة مشترك بين الذكور والإناث، وإنما يتبين المراد بانتهاض القريقة.
الحديث الرابع عن ابن عباس: قوله: ((كبشا كبشا)) عق إذا لم يكن متعديا كان منصوبا بنزع الخافض، والتكرير باعتبار ما عق عنه من الولدين، أي عق عن كل واحد بكبش.
стр. 2241
٤١٥٦ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: سئل رسول الله ﷺ عن العقيقة. فقال: ((لا يحب الله العقوق) كأنه كره الاسم، وقال: ((من ولد له ولد فأحب أن ينسك عنه فلينسك عن الغلام شاتين، وعن الجارية شاة)). رواه أبو داود، والنسائي. [٤١٥٦]
٤١٥٧ - وعن أبي رافع، قال: رأيت رسول الله ﷺ أذن في أذن الحسن بن علي، حين ولدته فاطمة بالصلاة. رواه الترمذي، وأبو داود. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. [٤١٥٧]
ــ
الحديث الخامس عن عمرو: قوله: ((كأنه كره الاسم)) ((تو)): هو كلام غير سديد؛ لأن النبي ﷺ ذكر العقيقة في عدة أحاديث، ولو كان يكره الاسم لعدل عنه إلى غيره، ومن سنته تغيير الاسم إذا كرهه وكان يشير إلى كراهة الشيء بالنهي عنه، كقوله: ((لا تقولوا للعنب الكرم))، ونحوه من الكلام، وإنما الوجه فيه أن يقال: يحتمل أن السائل إنما سأله عنها لاشتباه تداخله بين الكراهة، والاستحباب أو الوجوب والندب، وأحب أن يعرف الفضيلة فيها. ولما كانت العقيقة من الفضيلة بمكان لم يخف على الأمة موقعة من الله، أجابه بما ذكر تنبيها على أن الذي يبغضه الله من هذا الباب هو العقوق لا العقيقة.
ويحتمل أن يكون السائل ظن أن اشتراك العقيقة مع العقوق في الاشتقاق مما يوهن أمرها، فأعلمه أن الأمر بخلاف ذلك. ويحتمل أن يكون العقوق في هذا الحديث مستعارا للوالد، كما هو حقيقة في حق المولود؛ وذلك أن المولود إذا لم يعرف حق أبويه وأبى عن أدائه صار عاقا، فجعل إباء الوالدين عن أداء حق المولود عقوقا على الاتساع، فقال: لا يحب الله العقوق أي ترك ذلك من الوالد مع قدرته عليه، يشبه بإضاعة المولود حق أبويه ولا يحب الله ذلك.
أقول: قوله: ((سئل عن العقيقة)) يحتمل أن يكون لفظ ما سأل عنه: ولد لي مولود أحب أن أعق عنه فما تقول؟. فكره رسول الله ﷺ تلفظه بأعق؛ لأنه مشترك بين العقيقة والعقوق فتكون الكراهية راجعة إلى ما تلفظ به لا إلى نفس العقيقة, وقد تقرر في علم الفصاحة الاحتراز عن لفظ يشترك فيه معنيان، أحدهما مكروه فيجاء به مطلقا، كما لو قيل: لقيت فلانا فعزرته لاحتمالها أنك ضربته أو أكرمته، ولو قيد لجاز؛ ومن ثمة علمه كيفية السؤال بالفعل بقوله: ((من ولد له ولد وأحب أن ينسك)) إلى آخره.
الحديث السادس عن أبي رافع: قوله: ((أذن)) ((حس)): روي أن عمر بن عبد العزيز كان يؤذن
стр. 2242
الفصل الثالث
٤١٥٨ - عن بريدة، قال: كنا في الجاهلية إذا ولد لأحدنا غلام ذبح شاة ولطخ رأسه بدمها، فلما جاء الإسلام كنا نذبح الشاة يوم السابع، ونحلق رأسه ونلطخه بزعفران. رواه أبو داود، وزاد رزين: ونسميه. [٤١٥٨]
كتاب الأطعمة
الفصل الأول
٤١٥٩ - عن عمر بن أبي سلمة، قال: كنت غلاما في حجر رسول الله ﷺ وكانت يدي تطيش في الصحفة. فقال لي رسول الله ﷺ : ((سم الله وكل بيمينك، وكل مما يليك)). متفق عليه.
ــ
في اليمنى ويقيم في اليسرى إذا ولد الصبي. ((مح)) في الروضة: ويستحب أن يقول في أذنه: ﴿وإنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وإنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾. أقول: ولعل مناسبة الآية بالأذان أن الأذان أيضا طرد للشيطان؛ لقوله ﷺ : ((إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان له ضراط حتى لا يسمع التأذين)) الحديث. وذكر الأذان والتسمية في باب العقيقة وارد على سبيل الاستطراد والله أعلم.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن بريدة: قوله: ((كنا نذبح الشاة)) فإن قلت: كان يقتضي التقدم بالزمان الكثير فكيف يستقيم هنا ((كنا))؟ قلت: كما تجيء للتقديم بزمان كثير تجيء بزمان قليل وآن واحد، كقوله تعالى: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي المَهْدِ صَبِيًا﴾ والله أعلم بالصواب.
كتاب الأطعمة
الفصل الأول
الحديث الأول عن عمر: قوله: ((في حجر رسول الله ﷺ ) هو كناية عن كونه ربيبا له، وأنه في حضنه يربيه تربية الأولاد، وكان عمر هذا هو ابن أم سلمة زوج النبي ﷺ . قوله: ((تطيش)) أي تتحرك وتمتد إلى نواحي الصحفة ولا تقتصر على موضع واحد. والصحفة دون القصعة وهي ما تشبع خمسة، والقصعة ما تشبع عشرة.
стр. 2243
٤١٦٠ - وعن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الشيطان يستحل الطعام أن لا يذكر اسم الله عليه)). رواه مسلم
٤١٦١ - وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله، وعند طعامه؛ قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء. وإذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله؛ قال الشيطان: أدركتم المبيت. وإذا لم يذكر الله عند طعامه؛ قال: أدركتم المبيت والعشاء)). رواه مسلم.
ــ
((مح)): وفيه استحباب التسمية في ابتداء الطعام وحمد الله في آخره، وأن يجهر بها ليسمع غيره. ولو ترك التسمية في الأولى وتذكر في أثنائه، يقول: بسم الله أوله وآخره، والتسمية في شرب الماء واللبن والعسل والمرق والدواء وسائر المشروبات كالتسمية على الطعام.
وينبغي أن يسمي كل واحد من الآكلين. فإن سمى واحد منهم حصل أصل السنة نص عليه الشافعي، ويستدل بأن النبي ﷺ أخبر أن الشيطان إنما يتمكن من الطعام إذا لم يذكر اسم الله عليه، وهو قد ذكر اسم الله تعالى عليه، وأن المقصود يحصل بواحد. واستحباب الأكل والشرب باليمين وكراهيتهما بالشمال؛ لأن الشيطان يأكل بالشمال، وإن كان عذر يمنع من ذلك فلا كراهة. واستحباب الأكل مما يليه؛ لأن أكله من موضع يد صاحبه سوء عشرة وترك مروءة؛ لنفوره لا سيما في الأمراق وأشباهها. فإن كان تمرا فقد نقلوا إباحة اختلاف الأيدي في الطبق، والذي ينبغي تعميم النهي حملا على عمومه حتى يثبت دليل مخصص. أقول: كان الظاهر أن يقال: كنت أطيش بيدي، فأسند الطيش إلى اليد مبالغة، وأنه لم يكن يراعي آداب الأكل فأرشده لذلك إلى التسمية والأكل باليمين أيضا.
الحديث الثاني عن حذيفة: قوله: ((يستحل الطعام)) فيه وجهان: ((مح)): معناه أنه يتمكن من أكل الطعام، وهو محمول على ظاهره؛ فإن الشيطان يأكل حقيقة؛ إذ العقل لا يحيله والشرح لم ينكره بل أثبته، فوجب قبوله واعتقاده. ((تو)): المعنى أن يجد سبيلا إلى تطيير بركة الطعام بترك التسمية عليه في أول ما يتناوله المتناولون، وذلك حظه من ذلك الطعام.
ومعنى الاستحلال هو أن تسمية الله تمنعه عن الطعام، كما أن التحريم يمنع المؤمن عن تناول ما حرم عليه، والاستحلال استنزال الشيء المحرم محل الحلال وهو في الأصل مستعار من حل العقدة. أقول: كأنه أراد أن ترك التسمية في الطعام إذن للشيطان من الله تعالى في تناوله كما أن التسمية منع له منه، فيكون استعارة تبعية. و ((أن)) في أن لا يذكر)) مصدرية واللام مقدرة أو الوقت.
الحديث الثالث عن جابر: قوله: ((لا مبيت لكم ولا عشاء)) ((قض)): المخاطب به أعوانه أي
стр. 2244
٤١٦٢ - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذ شرب فليشرب بيمينه)). رواه مسلم.
٤١٦٣ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يأكلن أحدكم بشماله ولا يشربن بها؛ فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بها)). رواه مسلم.
٤١٦٤ - وعن كعب بن مالك، قال: كان رسول الله ﷺ يأكل بثلاثة أصابع، ويلعق يده قبل أن يمسحها. رواه مسلم.
٤١٦٥ - وعن جابر: أن النبي ﷺ أمر بلعق الأصابع والصحفة وقال: ((إنكم لا تدرون في أية البركة؟)). رواه مسلم.
ــ
لاحظ لكم ولا فرصة لكم الليلة من أهل هذا البيت؛ فإنهم قد أحرزوا عنكم طعامهم وأنفسهم. وتحقيق ذلك أن انتهاز الشيطان فرصة من الإنسان، إنما تكون حال الغفلة ونسيان الذكر، فإذا كان الرجل متبقظا محتاطا متذكرا لله في جملة حالاته، لم يتمكن الشيطان من إغوائه وتسويله وأيس عنه بالكلية.
((مظ)) ((وشف)): ويجوز أن يكون المخاطب به الرجل وأهل بيته على سبيل الدعاء عليهم من الشيطان. أقول: وهو بعيد لقوله: ((قال الشيطان: أدركتم المبيت)) والمخاطبون أعوانه، وأما تخصيص المبيت والعشاء، فلغالب الأحوال؛ لأن ذلك صادق في عموم الأحوال.
الحديث الرابع والخامس عن ابن عمر: قوله: ((فإن الشيطان يأكل بشماله)) ((تو)): المعنى أنه يحمل أولياءه من الإنس على ذلك الصنيع ليضاد به عباد الله الصالحين، ثم إن من حق نعمة الله والقيام بشكره أن تكرم ولا يستهان بها، ومن حق الكرامة أن تتناول باليمين ويميز بها بين ما كان من النعمة وبين ما كان من الأذى. أقول: تحريره أن يقال: لا يأكلن أحدكم بشماله ولا يشربن بها؛ فإنكم إن فعلتم ذلك كنتم أولياء الشيطان؛ فإن الشيطان يحمل أولياءه من الإنس على ذلك. ((مح)): فيه أنه ينبغي اجتناب الأفعال التي تشبه أفعال الشياطين وأن للشيطان يدين.
أقول: حمل الحديث على ظاهره كما سبق في الحديث السابق.
الحديث السادس عن كعب: قوله: ((ويلعق يده)): من سنن الأكل لعق اليد محافظة على بركة الطعام وتنظيفا لها. والأكل [بثلاثة] أصابع ولا يضم إليها الرابعة والخامسة إلا لعذر.
الحديث السابع عن جابر: قوله: ((في أية)) المضاف إليه محذوف أي أية أكلة أو طعمة.
стр. 2245
٤١٦٦ - وعن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: ((إذا أكل أحدكم فلا يمسح يده حتى يلعقها أو يلعقها)). متفق عليه.
٤١٦٧ - وعن جابر، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه حتى يحضره عند طعامه، فإذا سقطت من أحدكم اللقمة فليمط ما كان بها من أذى ثم ليأكلها ولا يدعها للشيطان، فإذا فرغ فليلعق أصابعه فإنه لا يدري: في أي طعامه يكون البركة؟)). رواه مسلم.
٤١٦٨ - وعن أبي جحيفة، قال: قال النبي ﷺ : ((لا آكل متكئا)). رواه البخاري.
٤١٦٩ - وعن قتادة، عن أنس، قال: ما أكل النبي ﷺ على خوان، ولا في سكرجة ولا خبز له مرقق. قيل لقتادة: على ما يأكلون؟ قال: على السفر. رواه البخاري.
ــ
الحديث الثامن عن ابن عباس ﵁: قوله: ((يلعقها)) ((مح)): أي يلعقها غيره ممن لم يقذره كالزوجة والجارية والولد والخادم لأنهم يتلذذون بذلك. وفي معناهم التلميذ ومن يعتقد التبرك بلعقها.
الحديث التاسع عن جابر ﵁: قوله: ((من شأنه)) ((صفة)) ((لشيئ)) أي شيء كائن من شأن الشيطان حضوره عنده، قوله: ((لا يدعها للشيطان)) ((تو)): إنما صار تكركها للشيطان، لأن فيه إضاعة نعمة الله والاستحقار بها من غير ما بأس، ثم إنه من أخلاق المتكبرين والمانع عن تناول تلك اللقمة في الغالب هو الكبر وذلك من عمل الشيطان.
((مح)): إذا وقعت اللقمة على موضع نجس، يجتنب منها، ولا بد من غسلها إن أمكن فإن تقذر أطعمها حيوانا ولا يتركها للشيطان.
الحديث العاشر عن أبي جحيقة: قوله: ((لا آكل متكئا)) ((خط)): يحسب أكثر العامة أن المتكئ هو المائل المعتمد على أحد شقيه، وليس معنى الحديث ما ذهبوا إليه، وأن المتكئ ها هنا هو المعتمد على الوطاء الذي تحته. وكل من استوى قاعدا على وطاء فهو متكئ، والمعنى: [إني إذا] أكلت لم أقعد متمكنا على الأوطئة فعل من يريد أن يستكثر من الأطعمة، ولكنى آكل علقة من الطعام فيكون قعودي مستوفزا له.
الحديث الحادي عشر عن قتادة: قوله: ((على خوان)) ((تو)): الخوان الذي يؤكل عليه، معرب،
следующие страницы →