Полный текст (3 308 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.
стр. 2241
٤١٥٦ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: سئل رسول الله ﷺ عن العقيقة. فقال: ((لا يحب الله العقوق) كأنه كره الاسم، وقال: ((من ولد له ولد فأحب أن ينسك عنه فلينسك عن الغلام شاتين، وعن الجارية شاة)). رواه أبو داود، والنسائي. [٤١٥٦]
٤١٥٧ - وعن أبي رافع، قال: رأيت رسول الله ﷺ أذن في أذن الحسن بن علي، حين ولدته فاطمة بالصلاة. رواه الترمذي، وأبو داود. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. [٤١٥٧]
ــ
الحديث الخامس عن عمرو: قوله: ((كأنه كره الاسم)) ((تو)): هو كلام غير سديد؛ لأن النبي ﷺ ذكر العقيقة في عدة أحاديث، ولو كان يكره الاسم لعدل عنه إلى غيره، ومن سنته تغيير الاسم إذا كرهه وكان يشير إلى كراهة الشيء بالنهي عنه، كقوله: ((لا تقولوا للعنب الكرم))، ونحوه من الكلام، وإنما الوجه فيه أن يقال: يحتمل أن السائل إنما سأله عنها لاشتباه تداخله بين الكراهة، والاستحباب أو الوجوب والندب، وأحب أن يعرف الفضيلة فيها. ولما كانت العقيقة من الفضيلة بمكان لم يخف على الأمة موقعة من الله، أجابه بما ذكر تنبيها على أن الذي يبغضه الله من هذا الباب هو العقوق لا العقيقة.
ويحتمل أن يكون السائل ظن أن اشتراك العقيقة مع العقوق في الاشتقاق مما يوهن أمرها، فأعلمه أن الأمر بخلاف ذلك. ويحتمل أن يكون العقوق في هذا الحديث مستعارا للوالد، كما هو حقيقة في حق المولود؛ وذلك أن المولود إذا لم يعرف حق أبويه وأبى عن أدائه صار عاقا، فجعل إباء الوالدين عن أداء حق المولود عقوقا على الاتساع، فقال: لا يحب الله العقوق أي ترك ذلك من الوالد مع قدرته عليه، يشبه بإضاعة المولود حق أبويه ولا يحب الله ذلك.
أقول: قوله: ((سئل عن العقيقة)) يحتمل أن يكون لفظ ما سأل عنه: ولد لي مولود أحب أن أعق عنه فما تقول؟. فكره رسول الله ﷺ تلفظه بأعق؛ لأنه مشترك بين العقيقة والعقوق فتكون الكراهية راجعة إلى ما تلفظ به لا إلى نفس العقيقة, وقد تقرر في علم الفصاحة الاحتراز عن لفظ يشترك فيه معنيان، أحدهما مكروه فيجاء به مطلقا، كما لو قيل: لقيت فلانا فعزرته لاحتمالها أنك ضربته أو أكرمته، ولو قيد لجاز؛ ومن ثمة علمه كيفية السؤال بالفعل بقوله: ((من ولد له ولد وأحب أن ينسك)) إلى آخره.
الحديث السادس عن أبي رافع: قوله: ((أذن)) ((حس)): روي أن عمر بن عبد العزيز كان يؤذن
стр. 2242
الفصل الثالث
٤١٥٨ - عن بريدة، قال: كنا في الجاهلية إذا ولد لأحدنا غلام ذبح شاة ولطخ رأسه بدمها، فلما جاء الإسلام كنا نذبح الشاة يوم السابع، ونحلق رأسه ونلطخه بزعفران. رواه أبو داود، وزاد رزين: ونسميه. [٤١٥٨]
كتاب الأطعمة
الفصل الأول
٤١٥٩ - عن عمر بن أبي سلمة، قال: كنت غلاما في حجر رسول الله ﷺ وكانت يدي تطيش في الصحفة. فقال لي رسول الله ﷺ : ((سم الله وكل بيمينك، وكل مما يليك)). متفق عليه.
ــ
في اليمنى ويقيم في اليسرى إذا ولد الصبي. ((مح)) في الروضة: ويستحب أن يقول في أذنه: ﴿وإنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وإنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾. أقول: ولعل مناسبة الآية بالأذان أن الأذان أيضا طرد للشيطان؛ لقوله ﷺ : ((إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان له ضراط حتى لا يسمع التأذين)) الحديث. وذكر الأذان والتسمية في باب العقيقة وارد على سبيل الاستطراد والله أعلم.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن بريدة: قوله: ((كنا نذبح الشاة)) فإن قلت: كان يقتضي التقدم بالزمان الكثير فكيف يستقيم هنا ((كنا))؟ قلت: كما تجيء للتقديم بزمان كثير تجيء بزمان قليل وآن واحد، كقوله تعالى: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي المَهْدِ صَبِيًا﴾ والله أعلم بالصواب.
كتاب الأطعمة
الفصل الأول
الحديث الأول عن عمر: قوله: ((في حجر رسول الله ﷺ ) هو كناية عن كونه ربيبا له، وأنه في حضنه يربيه تربية الأولاد، وكان عمر هذا هو ابن أم سلمة زوج النبي ﷺ . قوله: ((تطيش)) أي تتحرك وتمتد إلى نواحي الصحفة ولا تقتصر على موضع واحد. والصحفة دون القصعة وهي ما تشبع خمسة، والقصعة ما تشبع عشرة.
стр. 2243
٤١٦٠ - وعن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الشيطان يستحل الطعام أن لا يذكر اسم الله عليه)). رواه مسلم
٤١٦١ - وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله، وعند طعامه؛ قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء. وإذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله؛ قال الشيطان: أدركتم المبيت. وإذا لم يذكر الله عند طعامه؛ قال: أدركتم المبيت والعشاء)). رواه مسلم.
ــ
((مح)): وفيه استحباب التسمية في ابتداء الطعام وحمد الله في آخره، وأن يجهر بها ليسمع غيره. ولو ترك التسمية في الأولى وتذكر في أثنائه، يقول: بسم الله أوله وآخره، والتسمية في شرب الماء واللبن والعسل والمرق والدواء وسائر المشروبات كالتسمية على الطعام.
وينبغي أن يسمي كل واحد من الآكلين. فإن سمى واحد منهم حصل أصل السنة نص عليه الشافعي، ويستدل بأن النبي ﷺ أخبر أن الشيطان إنما يتمكن من الطعام إذا لم يذكر اسم الله عليه، وهو قد ذكر اسم الله تعالى عليه، وأن المقصود يحصل بواحد. واستحباب الأكل والشرب باليمين وكراهيتهما بالشمال؛ لأن الشيطان يأكل بالشمال، وإن كان عذر يمنع من ذلك فلا كراهة. واستحباب الأكل مما يليه؛ لأن أكله من موضع يد صاحبه سوء عشرة وترك مروءة؛ لنفوره لا سيما في الأمراق وأشباهها. فإن كان تمرا فقد نقلوا إباحة اختلاف الأيدي في الطبق، والذي ينبغي تعميم النهي حملا على عمومه حتى يثبت دليل مخصص. أقول: كان الظاهر أن يقال: كنت أطيش بيدي، فأسند الطيش إلى اليد مبالغة، وأنه لم يكن يراعي آداب الأكل فأرشده لذلك إلى التسمية والأكل باليمين أيضا.
الحديث الثاني عن حذيفة: قوله: ((يستحل الطعام)) فيه وجهان: ((مح)): معناه أنه يتمكن من أكل الطعام، وهو محمول على ظاهره؛ فإن الشيطان يأكل حقيقة؛ إذ العقل لا يحيله والشرح لم ينكره بل أثبته، فوجب قبوله واعتقاده. ((تو)): المعنى أن يجد سبيلا إلى تطيير بركة الطعام بترك التسمية عليه في أول ما يتناوله المتناولون، وذلك حظه من ذلك الطعام.
ومعنى الاستحلال هو أن تسمية الله تمنعه عن الطعام، كما أن التحريم يمنع المؤمن عن تناول ما حرم عليه، والاستحلال استنزال الشيء المحرم محل الحلال وهو في الأصل مستعار من حل العقدة. أقول: كأنه أراد أن ترك التسمية في الطعام إذن للشيطان من الله تعالى في تناوله كما أن التسمية منع له منه، فيكون استعارة تبعية. و ((أن)) في أن لا يذكر)) مصدرية واللام مقدرة أو الوقت.
الحديث الثالث عن جابر: قوله: ((لا مبيت لكم ولا عشاء)) ((قض)): المخاطب به أعوانه أي
стр. 2244
٤١٦٢ - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذ شرب فليشرب بيمينه)). رواه مسلم.
٤١٦٣ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يأكلن أحدكم بشماله ولا يشربن بها؛ فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بها)). رواه مسلم.
٤١٦٤ - وعن كعب بن مالك، قال: كان رسول الله ﷺ يأكل بثلاثة أصابع، ويلعق يده قبل أن يمسحها. رواه مسلم.
٤١٦٥ - وعن جابر: أن النبي ﷺ أمر بلعق الأصابع والصحفة وقال: ((إنكم لا تدرون في أية البركة؟)). رواه مسلم.
ــ
لاحظ لكم ولا فرصة لكم الليلة من أهل هذا البيت؛ فإنهم قد أحرزوا عنكم طعامهم وأنفسهم. وتحقيق ذلك أن انتهاز الشيطان فرصة من الإنسان، إنما تكون حال الغفلة ونسيان الذكر، فإذا كان الرجل متبقظا محتاطا متذكرا لله في جملة حالاته، لم يتمكن الشيطان من إغوائه وتسويله وأيس عنه بالكلية.
((مظ)) ((وشف)): ويجوز أن يكون المخاطب به الرجل وأهل بيته على سبيل الدعاء عليهم من الشيطان. أقول: وهو بعيد لقوله: ((قال الشيطان: أدركتم المبيت)) والمخاطبون أعوانه، وأما تخصيص المبيت والعشاء، فلغالب الأحوال؛ لأن ذلك صادق في عموم الأحوال.
الحديث الرابع والخامس عن ابن عمر: قوله: ((فإن الشيطان يأكل بشماله)) ((تو)): المعنى أنه يحمل أولياءه من الإنس على ذلك الصنيع ليضاد به عباد الله الصالحين، ثم إن من حق نعمة الله والقيام بشكره أن تكرم ولا يستهان بها، ومن حق الكرامة أن تتناول باليمين ويميز بها بين ما كان من النعمة وبين ما كان من الأذى. أقول: تحريره أن يقال: لا يأكلن أحدكم بشماله ولا يشربن بها؛ فإنكم إن فعلتم ذلك كنتم أولياء الشيطان؛ فإن الشيطان يحمل أولياءه من الإنس على ذلك. ((مح)): فيه أنه ينبغي اجتناب الأفعال التي تشبه أفعال الشياطين وأن للشيطان يدين.
أقول: حمل الحديث على ظاهره كما سبق في الحديث السابق.
الحديث السادس عن كعب: قوله: ((ويلعق يده)): من سنن الأكل لعق اليد محافظة على بركة الطعام وتنظيفا لها. والأكل [بثلاثة] أصابع ولا يضم إليها الرابعة والخامسة إلا لعذر.
الحديث السابع عن جابر: قوله: ((في أية)) المضاف إليه محذوف أي أية أكلة أو طعمة.
стр. 2245
٤١٦٦ - وعن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: ((إذا أكل أحدكم فلا يمسح يده حتى يلعقها أو يلعقها)). متفق عليه.
٤١٦٧ - وعن جابر، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه حتى يحضره عند طعامه، فإذا سقطت من أحدكم اللقمة فليمط ما كان بها من أذى ثم ليأكلها ولا يدعها للشيطان، فإذا فرغ فليلعق أصابعه فإنه لا يدري: في أي طعامه يكون البركة؟)). رواه مسلم.
٤١٦٨ - وعن أبي جحيفة، قال: قال النبي ﷺ : ((لا آكل متكئا)). رواه البخاري.
٤١٦٩ - وعن قتادة، عن أنس، قال: ما أكل النبي ﷺ على خوان، ولا في سكرجة ولا خبز له مرقق. قيل لقتادة: على ما يأكلون؟ قال: على السفر. رواه البخاري.
ــ
الحديث الثامن عن ابن عباس ﵁: قوله: ((يلعقها)) ((مح)): أي يلعقها غيره ممن لم يقذره كالزوجة والجارية والولد والخادم لأنهم يتلذذون بذلك. وفي معناهم التلميذ ومن يعتقد التبرك بلعقها.
الحديث التاسع عن جابر ﵁: قوله: ((من شأنه)) ((صفة)) ((لشيئ)) أي شيء كائن من شأن الشيطان حضوره عنده، قوله: ((لا يدعها للشيطان)) ((تو)): إنما صار تكركها للشيطان، لأن فيه إضاعة نعمة الله والاستحقار بها من غير ما بأس، ثم إنه من أخلاق المتكبرين والمانع عن تناول تلك اللقمة في الغالب هو الكبر وذلك من عمل الشيطان.
((مح)): إذا وقعت اللقمة على موضع نجس، يجتنب منها، ولا بد من غسلها إن أمكن فإن تقذر أطعمها حيوانا ولا يتركها للشيطان.
الحديث العاشر عن أبي جحيقة: قوله: ((لا آكل متكئا)) ((خط)): يحسب أكثر العامة أن المتكئ هو المائل المعتمد على أحد شقيه، وليس معنى الحديث ما ذهبوا إليه، وأن المتكئ ها هنا هو المعتمد على الوطاء الذي تحته. وكل من استوى قاعدا على وطاء فهو متكئ، والمعنى: [إني إذا] أكلت لم أقعد متمكنا على الأوطئة فعل من يريد أن يستكثر من الأطعمة، ولكنى آكل علقة من الطعام فيكون قعودي مستوفزا له.
الحديث الحادي عشر عن قتادة: قوله: ((على خوان)) ((تو)): الخوان الذي يؤكل عليه، معرب،
стр. 2246
٤١٧٠ - وعن أنس، قال: ما أعلم النبي ﷺ رأي رغيفا مرققا حتى لحق بالله، ولا رأي شاة سميطا بعينه قط. رواه البخاري.
٤١٧١ - وعن سهل بن سعد، قال: ما رأي رسول الله ﷺ النقي من حين ابتعثه الله حتى قبضه الله. وقال: ما رأي رسول الله ﷺ منخلا من حين ابتعثه الله
ــ
والأكل عليه لم يزل من دأب المترفين وصنيع الجبارين؛ لئلا يفتقروا إلى التطأطؤ عند الأكل. ((ولا في سكرجة)) الرواة يضمون الأحرف الثلاثة من أولها. وقيل: إن الصواب فتح الراء منها وهو الأشبه؛ لأنه فارسي معرب، والراء في الأصل منه مفتوحة، والعجم كانت تستعملها في الكوامخ وما أشبهها من الجواشيات على الموائد حول الأطعمة للتشهي والهضم، فأخبر أن النبي ﷺ لم يأكل على هذه الصفة قط.
قوله: ((على السفر)) هو جمع السفرة. ((نه)): السفرة الطعام يتخذه المسافر أكثر ما يحمل في جلد مستدير، فنقل اسم الطعام إلى الجلد، وسمي به كما سميت المزادة رواية، وغير ذلك من الأسماء المنقولة.
أقول: قوله: ((ولا خبز له مرقق)) عبارة عن كونه ﷺ لم يأكل خبزا مرققا بعد مبعثه قط.
قوله: ((ولا خبز له)) يحتمل معنيين أحدهما: أنه أكله إذا خبز لغيره وأنه لم يأكله قط سواء خبز له أو لغيره، يدل عليه حديث سهل بن سعد: ((ما [رأي] رسول الله ﷺ أكل النقي من حين ابتعثه الله تعالى)). وقوله: ((على ما يأكلون)) الظاهر أن يسأل على ما يأكل وفيم يأكل وما يأكل، فلم عدل عن السؤال إلى الجماعة واقتصر على الأول منها؟. فيقال: علم السائل أن الصحابة رضوان الله عليهم يقتدون بسنته ويقتفون آثاره فاستغنى به عن ذلك.
الحديث الثاني عشر عن أنس ﵁: قوله: ((ما أعلم النبي ﷺ رأي رغيفا)) نفي العلم وأراد نفي المعلوم على طريقة قوله تعالى: ﴿أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ﴾ وهو من باب نفي الشيء بنفي لازمه. وإنما صح هذا من أنس ﵁؛ لأنه لازم النبي ﷺ ولزمه ولم يفارقه. و ((السميط)) المسموط وهو الذي أزيل شعره ثم شوى، من السمط وهو إزالة الشعر، وما شوي بعد السلخ فهم الخمط. وقوله: ((بعينه)) تأكيد لنفي الرؤية ودفع احتمال التجوز، كما تقول: مشيت برجلي وقبضت بيدي ورأيت بعيني.
الحديث الثالث عشر عن سهل: قوله: ((النفي)) هو الخبز الحزاري، وهو ما نقى دقيقه من النخالة. ((وثريناه) أي بللناه بالماء، وأصله من الثرى وهو التراب الندي.
стр. 2247
حتى قبضه الله. قيل: كيف كنتم تأكلون الشعير غير منخول؟ قال: كنا نطحنه وننفخه، فيطير ما طار، وما بقي ثريناه، فأكلناه. رواه البخاري.
٤١٧٢ - وعن أبي هريرة، قال: ما عاب النبي ﷺ طعاما قط، إن اشتهاه أكله وإن كرهه تركه. متفق عليه.
٤١٧٣ - وعنه، أن رجلا كان يأكل أكلا كثيرا، فأسلم، فكان يأكل قليلا، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال: ((إن المؤمن يأكل في معي واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء)) رواه البخاري.
ــ
الحديث الرابع عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((ما عاب)) ((مح)): هو أن يقول هذا مالح، قليل الملح، حامض، رقيق، غليظ، غير ناضج ونحو ذلك. وأما قوله للضب قال ((لا، ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه)) فبيان لكراهته لا إظهار عيبة.
الحديث الخامس عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((في سبعة أمعاء)) عداه بـ ((في)) على معنى أوقع الأكل فيها وجعلها أمكنة للمأكول؛ ليشعر بامتلائها كلها حى لم يبق للنفس فيه مجال، كقوله تعالى: ﴿إنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ أي ملء بطونهم. وتخصيص السبعة للمبالغة والتكثير كما في قوله تعالى: ﴿والْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾.
((قض)): أراد به أن المؤمن يقل حرصه وشرهه على الطعام ويبارك له في مأكله ومشربه فيشبع من قليل، والكافر يكون كثير الحرص شديد الشره لا مطمح لبصره إلا إلى المطاعم والمشارب كالأنعام، فمثل ما بينهما من التفاوت في الشره بما بين ما يأكل في معي واحد ومن يأكل في سبعة أمعاء وهذا باعتبار الأعم والأغلب.
((مح)): فيه وجوه: أحدها: قيل: إنه في رجل بعينه فقيل له على جهة التمثيل. وثانيها: أن المؤمن يسمي الله تعالى عند طعامه فلا يشركه فيه الشيطان، والكفر لا يسميه فيشاركه الشيطان. وثالثها: أن المؤمن يقصد في أكله فيشبعه امتلاء بعض أمعائه، والكافر لشرهه وحرصه على الطعام لا يكفيه إلا امتلاء كل الأمعاء. ورابعها: يحتمل أن يكون هذا في بعض المؤمنين وبعض الكفار. وخامسها: أن يراد بالسبعة صفات الحرص والشره، وطول الأمل والطمع، وسوء الطبع والحسد والسمن. وسادسها: أن يراد بالمؤمن تام الإيمان المعرض عن الشهوات المقتصر على سد خلته. وسابعها المختار: وهو أن بعض المؤمنين يأكل في معي واحد، وأن أكثر الكفار يأكلون في سبعة، ولا يلزم أن كل واحد من السبعة مثل معي المؤمن.
стр. 2248
٤١٧٤ - و ٤١٧٥ * وروى مسلم عن أبي موسى، وابن عمر المسند منه فقط.
٤١٧٦ - وفي أخرى له عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ ضافه ضيف وهو كافر، فأمر رسول الله ﷺ بشاة فحلبت، فشرب حلابها، ثم أخرى فشربه، ثم أخرى فشربه، حتى شرب حلاب سبع شياه، ثم إنه أصبح فأسلم، فأمر له رسول الله ﷺ بشاة فحلبت، فشرب حلابها، ثم أمر بأخرى، فلم يستتمها، فقال رسول الله ﷺ : ((المؤمن يشرب في معي واحد والكافر يشرب في سبعة أمعاء)).
٤١٧٧ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((طعام الاثنين كافي الثلاثة، وطعام الثلاثة كافي الأربعة)) متفق عليه.
ــ
أقول: جماع القول أن من شأن المؤمن الكامل إيمانه أن يحرص في الزهادة وقلة الغذاء ويقنع بالبلغة، بخلاف الكافر فإذا وجد من المؤمن والكافر على خلاف هذا الوصف فلا يقدح في الحديث، كقوله تعالى: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَاّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً والزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إلَاّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى المُؤْمِنِينَ﴾.
((مح)): قالوا: مقصود الحديث التقلل من الدنيا والحث على الزهد فيها والقناعة، مع أن قلة الأكل من محاسن أخلاق الرجل وكثرة الأكل بضدها. وأما قول ابن عمر رضي الله [عنهما] في المسكين الذي أكل عنده كثيرا: ((لا يدخلن هذا علي)) إنما قال هذا؛ لأنه أشبه الكفار ومن أشبه الكفار كرهت مخالطته لغير حاجة أو ضرورة.
قوله: ((المسند منه)) اللام فيه موصولة والضمير في ((منه)) راجع إليه، أي الذي أسند إلى رسول الله ﷺ من الحديث، وهو قوله: ((إن المؤمن يأكل)) الحديث. و ((فقط)) ساكنة الطاء بمعنى فحسب. قوله: ((ضافه ضيف)) ((نه)): ضفت الرجل إذا نزلت به في ضيافته، وأضفته إذا أنزلته، وتضيفته إذا نزلت به، وتضيفني إذا أنزلني. قوله: ((فأمر رسول الله ﷺ بشاة)) أي بإحلاب شاة والحلاب اللبن الذي يحلبه، والحلاب أيضا المحلب الذي يحلب فيه.
الحديث السادس والسابع عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((يكفي الاثنين)).
((حس)): حكي عن إسحاق بن راهويه عن جرير قال: تأويله شبع الواحد قوت الاثنين، وشبع الاثنين قوت الآربعة. قال عبد الله بن عروة: تفسير هذا ما قال عمر ﵁ عنه عام
стр. 2249
٤١٧٨ - وعن جابر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية)) رواه مسلم.
٤١٧٩ - وعن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((التلبينة مجمة لفؤاد المريض، تذهب ببعض الحزن)) متفق عليه.
٤١٨٠ - وعن أنس، أن خياطا دعا النبي ﷺ لطعام صنعه، فذهب مع النبي ﷺ فقرب خبز شعير ومرقا فيه دباء وقديد، فرأيت النبي ﷺ يتتبع الدباء من حوالي القصعة، فلم أزل أحب الدباء بعد يومئذ. متفق عليه.
٤١٨١ - وعن عمرو بن أمية أنه رأي النبي ﷺ يجتز من كتف شاة في يده، فدعي إلى الصلاة فألقاها والسكين التي يحتز بها، ثم قام فصلى، ولم يتوضأ. متفق عليه.
ــ
[الرمادة]: لقد هممت أن انزل على أهل كل بيت مثل عددهم؛ فإن الرجل لا يهلك على نصف بطنه. ((مح)):فيه الحث على المواساة في الطعام، فإن هوإن كان قليلا حصلت منه الكفاية المقصودة ووقعت فيه بركة تعم الحاضرين.
الحديث الثامن عشر عن عائشة ﵂: قوله: ((التلبينة)) ((نه)): التلبينة حسو رقيق يتخذ من الدقيق واللبن. وقيل: من الدقيق والنخالة، وقد يجعل فيه العسل، سميت بذلك تشبيها باللبن لبياضها ورقتها، وهو مرة من التلبين، مصدر لبن القوم إذا أسقاهم اللبن. وقوله: ((مجمة)) أي مريحة من الجمام وهو الراحة ومنه فرس جمام أي ذو جمام.
الحديث التاسع عشر عن أنس ﵁: قوله: ((يتتبع الدباء)) ((حس)): فيه دليل على أن الطعام إذا كان مختلفا يجوز أن يمد يده إلى ما لا يليه، إذا لم يعرف من صاحبه كراهة.
قوله: ((بعد يومئذ)) يحتمل أن يكون بعد مضافا إلى ما بعده، كما جاء في شرح السنة: ((بعد ذلك اليوم)). وأن يكون مقطوعا عن الإضافة، وقوله: ((يومئذ)) بيان للمضاف إليه المحذوف.
((مح)): وإنما نهى عن ذلك لئلا يتقذره جليسهن ورسول الله ﷺ لا يتقذره أحد بل يتبركون بآثاره. ألا ترى أن أنسا كيف قال: ((فلما رأيت ذلك جعلت ألقيه إليه ولا أطعمه)) في الرواية الأخرى؟. وقد كانوا يتركون ببصاقه ونخامته ﷺ ويتلذذون بذلك وشرب بعضهم بوله وبعضهم دمه. والدباء وهو اليقطين وهو بالمد المشهور. وحطى فيه القصر أيضا الواحدة دباءة أو دباة.
الحديث العشرون عن عمرو: قوله: ((يحتز)) ((تو)): هو بالحاء المهملة والزاي بعدها، وهكذا أورده صاحب النهاية في باب الحاء المهملة والزاي.
стр. 2250
٤١٨٢ - وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يحب الحلواء والعسل. رواه البخاري.
٤١٨٣ - وعن جابر، أن النبي ﷺ سأل أهله الأدم. فقالوا: ما عندنا إلا خل، فدعا به، فجعل يأكل به ويقوم: ((نعم الإدام الخل، نعم الإدام الخل)) رواه مسلم.
٤١٨٤ - وعن سعيد بن زيد، قال: قال النبي ﷺ : ((الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين)). متفق عليه. وفي رواية لمسلم: ((من المن الذي أنزل الله تعالى على موسى ﵇).
٤١٨٥ - وعن عبد الله بن جعفر، قال: رأيت رسول الله ﷺ يأكل الرطب بالقثاء. متفق عليه.
٤١٨٦ - وعن جابر، قال: كنا مع رسول الله ﷺ بمر الظهران نجني الكباث، فقال: ((عليكم بالأسود منه؛ فإنه أطيب)) فقيل: أكنت ترعى الغنم؟ قال: ((نعم، وهل من نبي إلا رعاها)) متفق عليه.
ــ
الحديث الحادي والعشرون والثاني والعشرون عن جابر: قوله: ((الأدم)) هو جمع الإدام ككتب وكتاب ((فا)): الإدام اسم لكل ما يؤتدم به ويصطبغ، وحقيقته ما يؤتدم به الطعام أي يصلح، وهذا يجيئ لما يفعل به كثيرا كالركاب لما يركب به، والحرام لما يحرم به. ((خط)): فيه مدح الاقتصاد في المأكل ومنع النفس عن ملاذ الأطعمة.
((مح)): وفي معناه ما يخف مؤنته ولا يعز وجوده، وفيه أن من حلف أن لا يأتدم، فأتدم بخل حنث.
الحديث الثالث والعشرون عن سعيد: قوله: ((الكمأة)) ((نه)): الكمأة معروفة واحدتها كموء على غير قياس، وهي من النوادر؛ فإن القياس هو العكس. قيل: هو نبت يكون بالبرية تنشق عنه الأرض، وسيجيء بحثه في الحديث الرابع في الفصل الثالث من كتاب الطب والرقي.
الحديث الرابع والعشرون عن عبد الله: قوله: ((بالقثاء)) ((مح)): فيه جواز أكل الطعامين معا والتوسع في الأطعمة، ولا خلاف بين العلماء في جواز هذا، وما نقل عن بعض السلف من خلاف هذا، محمول على كراهية اعتياد التوسع والترفه والإكثار منه لغير مصلحة دينية.
الحديث الخامس والعشرون عن جابر: قوله: ((نجني الكباث)) ((مح)): الكباث بفتح الكاف وبعدها باء موحدة مخففة ثم ألف ثم تاء مثلثة، قيل: هو من ثمر الأراك.
стр. 2251
٤١٨٧ - وعن أنس، قال: رأيت النبي ﷺ مقعيا يأكل تمرا. وفي رواية يأكل منه أكلا ذريعا. رواه مسلم.
ــ
قوله: ((وهل من نبي إلا رعاها)) ((خط)): يريد أن الله تعالى لم يضع النبوة في أبناء الدنيا وملوكها، لكن في رعاء الشاء وأهل التواضع من أصحاب الحرف، كما روى أن أيوب كان خياطا وزكريا كان نجارا. وقد قص الله تعالى من نبأ موسى وكونه أجيرا لشعيب في رعي الغنم ما قص.
((مح)): فيه فضيلة رعي الغنم قالوا: والحكمة في رعاية الأنبياء لها؛ ليأخذوا أنفسهم بالتواضع وتصفي قلوبهم بالخلوة، ويترقوا من سياستها بالنصيحة إلى سياسة أممهم بالهداية والشفقة. روى الشيخ أبو القاسم في التخيير: أن الله تعالى أوحى إلى موسى ﵇، فقال له: تدري لم رزقتك النبوة؟ فقال: يا رب أنت أعلم به، فقال: تذكر اليوم الذي كنت ترعى الغنم بالموضع الفلاني فهربت شاة، فعدوت خلفها فلما لحقتها لم تضربها وقلت: أتعبتني وأتعبت نفسك، فحين رأيت منك تلك الشفقة على ذلك الحيوان رزقتك النبوة.
((مظ)): يعني أكنت ترعى الغنم حتى عرفت أطيب الكباث؟ لأن راعي الغنم يكثر تردده تحت الأشجار.
الحديث السادس والعشرون عن أنس ﵁: قوله: ((مقعيا)) أي جالسا على أليتيه ناصبا ساقيه، وهو في معنى الحديث الآخر في صحيح البخاري: ((لا آكل متكئا)) على ما فسره الإمام الخطابي، يعني لا آكل أكل من يريد الاستكثار من الطعام ويقعد له متمكنا، بل أقعد مستوفزا وآكل قليلا. وقوله: ((أكلا ذريعا)) مستعجلا وكان استعجاله لاستيفائه لأمر أهم من ذلك، فأسرع في الأكل ليقضي حاجته منه ويرد الجوعة ثم يذهب في ذلك الشغل.
الحديث السابع والعشرون عن ابن عمر: قوله: ((حتى يستأذن أصحابه)) ((حس)): فيه دليل على جواز المناهدة في الطعام وهي أن يخرجوا نفقاتهم على قدر عدد الرفقة، وكان المسلمون لا يرون بها بأسا، وإن تفاوتوا في الأكل عادة، إذا لم يقصد مغالبة صاحبه. ((مظ)): إنما جاء النهي عن القران لعلة معلومة، وهي ما كان القوم فيه من شدة العيش وضيق المقام. فأما اليوم مع اتساع الحال فلا حاجة إلى الإذن.
((مح)): وليس كما قال الخطابي، بل الصواب التفصيل كما سنذكره؛ لأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب لو ثبت، فكيف وهو غير ثابت؟، وذلك أن الطعام إذا كان مشتركا بينهم فالإقران حرام إلا برضاهم إما تصريحا منهم أو ظنا قويا منهم، وإن شك فيه فهو حرام، وإن كان الطعام لنفسه وقد ضيفهم به فلا يحرم عليه القران. ثم إن كان في الطعام قلة فلا يحسن القران بل يساويهم. وإن كان كثيرا بحيث يفضل عنهم فلا بأس به، لكن الأدب مطلقا التأدب في الأكل وترك الشره إلا أن يكون مستعجلا كما سبق.
стр. 2252
٤١٨٨ - وعن ابن عمر، قال: نهى رسول الله ﷺ أن يقرن الرجل بين التمرتين حتى يستأذن أصحابه. متفق عليه.
٤١٨٩ - وعن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ قال: ((لا يجوع أهل بيت عندهم التمر)). وفي رواية: قال: ((يا عائشة! بيت لا تمر فيه، جياع أهله)) قالها مرتين أو ثلاثا. رواه مسلم.
٤١٩٠ - وعن سعد، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من تصبح بسبع تمرات عجوة لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر)) متفق عليه.
٤١٩١ - وعن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: ((إن في عجوة العالية شفاء، وإنها ترياق أول البكرة)) رواه مسلم.
ــ
الحديث الثامن والعشرون عن عائشة ﵂: قوله: ((لا تمر فيه جياع أهله)) ((مح)):فيه فضيلة التمر وجواز الادخار للعيال والحث عليه. أقول: يمكن أن يحمل على الحث على القناعة في بلاد يكثر فيه التمر، يعني بيت فيه تمر وقنعوا به لا يجوع أهله. وإنما الجائع من ليس عنده تمر، وينصره الحديث الآتي قوله: ((كان يأتي علينا الشهر ما نوقد فيه نارا، إنما هو التمر والماء)).
الحديث التاسع والعشرون عن سعد: قوله: ((من تصبح)) ((نه)): هو تفعل من ((صبحت القوم)) إذا سقيتهم الصبوح، وصبحت بالتشديد لغة فيه فاستعير للأكل. والعجوة نوع من تمر المدينة أكبر من الصيحاني، يضرب إلى السواد من غرس النبي ﷺ .
((مظ)): يحتمل أن يكون في ذلك النوع من التمر خاصية تدفع السم والسحر، وأن يكون رسول الله ﷺ قد دعا لذلك النوع من التمر بالبركة، وبما يكون فيه من الشفاء.
((مح)) فيه فضيلة تمر المدينة وعجوتها وفضيلة التصبح بسبع تمرات فيه، وتخصيص عجوة المدينة وعدد السبع من الأمور التي علمها الشارع، ولا نعلم نحن حكمتها فيجب الإيمان بها واعتقاد فضلها والحكمة فيها. وهذا كأعداد الصلوات ونصب الزكوات وغيرها.
الحديث الثلاثون عن عائشة ﵂: قوله: ((ترياق)) ((مح)): هو بكسر التاء وضمه لغتان. ويقال: درياق أيضا. والعالية ما كان من الحوائط والقرى والعمارات من جهة المدينة العليا مما يلي نجدا، والسافلة من الجهة الأخرى مما يلي تهامة. وأدنى العالية ثلاثة أميال، وأبعدها ثمانية من المدينة.
стр. 2253
٤١٩٢ - وعنها، قالت: كان يأتي علينا الشهر ما نوقد فيه نارا، إنما هو التمر والماء، إلا أن يؤتى باللحيم. متفق عليه.
٤١٩٣ - وعنها، قالت: ما شبع آل محمد يومين من خبز بر إلا وأحدهما تمر. متفق عليه.
ــ
قوله: ((أول البكرة)) ظرف للخبر على تأويل أنها نافعة للسم، كقوله تعالى: ﴿وهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ﴾ أي معبود فيها. وهذه الجملة معطوفة على الأولى إما على سبيل البيان، كما في قوله تعالى: ﴿وإنَّ مِنَ الحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ﴾ أو على أنه من عطف الخاص على العام اختصاصا ومزية، كما في قوله ﷺ : ((ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها)).
الحديث الحادي والثلاثون عن عائشة ﵂: قوله: ((إلا أن يؤتى باللحيم)) ((مظ)): أي لا نطبخ شيئا إلا أن يؤتى باللحم فحينئذ نوقد النار، ولو قيل: أن يؤتى منصوب بنزع اللام على أنه مفعول له لكان وجها حسنا، لا غبار عليه من التكلف البعيد أي لا نوقد لشيء من الأشياء إلا أن يؤتى، ولا يحملنا على ذلك إلا إتيان اللحيم، وإنما لم نقل منصوب على المفعول له مطلقا، بل قيدنا بنزع الخافض. لفقدان الشرط وهو انتفاء كونه فعلا لفاعل الفعل المعلل.
أقول: ظاهره مشعر بأنه استثناء منقطع، والأظهر أن يكون متصلا؛ لأن ((أن يؤتى)) مصدر والوقت مقدر، فيكون المستثنى منه المجرور في ((فيه)) العائد إلى ((الشهر))، ويجوز أن يكون مستثنى مما يفهم من قوله: ((إنما هو التمر والماس)). والمعنى: ما المأكول إلا تمر وماء، إلا أن يؤتى باللحيم، فحينئذ يكون المأكول لحما.
الحديث الثاني والثلاثون عن عائشة ﵂: قوله: ((إلا وأحدهما تمرا)) إما مستثنى من أعم عام الأحوال أو الأوصاف على مذهب صاحب الكشاف، يعني استقرئت من آل محمد يومين يومين، فلم أجد يومين موصوفين بصفة من الأوصاف إلا بأن أحد اليومين يوم تمر والآخر يوم خبز. وقد عرف عرفا أن ذلك ليس بشبع، فلا يكون ثمة شبع. وينصره قوله: ((ما شبعنا من الأسودين)) وهو على لغة بني تميم.
قال المالكي في شرح التسيهل: لغة بني تميم إعطاء المنقطع المؤخر من مستثنيات إلا في
стр. 2254
٤١٩٤ - وعنها، قالت: توفي رسول الله ﷺ وما شبعنا من الأسودين. متفق عليه.
٤١٩٥ - وعن النعمان بن بشير، قال: ألستم في طعام وشراب ما شئتم؟ لقد رأيت نبيكم ﷺ وما يجد من الدقل ما يملأ بطنه. رواه مسلم.
٤١٩٦ - وعن أبي أيوب، قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتي بطعام أكل منه، وبعث بفضله إلي، وإنه بعث إلي يوما بقصعة لم يأكل منها لأن فيها ثوما، فسألته: أحرام هو؟ قال: ((لا، ولكن أكرهه من أجل ريحه)) قال: فإني أكره ما كرهت. رواه مسلم.
ــ
غير الإيجاب من الإتباع ما للمتصل، فيقولون: ما فيها أحد إلا زيد، كما يقول الجميع. وعلى لغتهم قول الآخر:
وبلدة ليس فيها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس
ويلحق بهذا إتباع أحد المتباينين الآخر نحو: ما أتاني زيد إلا عمرو، وما أعانه إخوانكم إلا إخوانه، فقوله في الحديث: ((بخبز شعير)) واقع موقع زيد في هذا المثال للتأكيد.
الحديث الثالث والثلاثون عن عائشة ﵂: قوله: ((من الأسودين)) ((تو)): الأسودان التمر والماء، والسواد للتمر دون الماء فنعتا بنعت واحد. والعرب تفعل ذلك في الشيئين يصطحبان ويسميان معا باسم الأشهر منهما. هذا قول أصحاب الغريب، وقد بقي عليه بقية؛ وذلك أنهم لم يبينوا وجه التسوية بين الماء والتمر في العوز، ومن المعلوم أنهم كانوا في سعة من الماء.
وإنما قالت ذلك؛ لأن الري من الماء لم يكن ليحصل لهم من دون الشبع من الطعام؛ فإن أكثر الأمم لا سيما العرب، يرون شرب الماء على الريق بالغا في المضرة فقرنت بينهما لعوز التمتع بأحدهما بدون الإصابة من الآخر، وعبرت عن الأمرين – اعني الشبع والري – بفعل واحد كما عبرت عن التمر والماء بوصف واحد. ((مظ)): يعني ما شبعنا من التمر والماء من التقوى لا من العوز.
الحديث الرابع والثلاثون عن النعمان: قوله: ((ما شئتم)) صفة مصدر محذوف، أي ألستم منغمسين في طعام وشراب مقدار ما شئتم من التوسعة والإفراط فيه؟. فـ ((ما)) موصولة وبجوز أن تكون مصدرية، والكلام فيه تعيير وتوبيخ؛ ولذلك أتبعه بقوله: ((لقد رأيت نبيكم)) و ((رأيت)) إذا كان بمعنى النظر يكون ((وما يجد)) حالا، وإن كان بمعنى العلم فيكون مفعولا ثانيا. وأدخل الواو تشبيها له بخبر ((كان)) وأخواتها على مذهب الأخفش والكوفي، ((والدقل)) رديء التمر ويابسه وما ليس له اسم خاص.
الحديث الخامس والثلاثون عن أبي أيوب: قوله: ((بعث إلي يوما بقصعة لم يأكل منها)) كذا
стр. 2255
٤١٩٧ - وعن جابر، أن النبي ﷺ قال: ((من أكل ثوما أو بصلا، فليعتزلنا)) أو قال: ((فليعتزل مسجدنا. أو ليقعد في بيته)). وإن النبي ﷺ أتى بقدر فيه خضرات من بقول، فوجد لها ريحا، فقال: ((قربوها)) – إلى بعض أصحابه، وقال: (٠كل، فإني أناجي من لا تناجي)) متفق عليه.
٤١٩٨ - وعن المقدام بن معدي كرب، عن النبي ﷺ ، قال: ((كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه)) رواه البخاري
ــ
في صحيح مسلم، وفي بعض نسخ المصابيح وفي سائرها لفظة ((قصعة)) و ((منها))، ساقطتان.
قوله: ((أحرام هو؟)) السؤال راجع إلى رسول الله ﷺ ؛ لأنه إنما بعثه إليه ليأكله فلا يكون عليه حراما، ولذلك قال: ((لا ولكن أكرهه)). وقوله: ((أكرهه من أجل ريحه)) هذا ليس بعيب للطعام بل بيان للمانع من الحضور في المسجد ومخالطة الكبار.
((مح)): فيه تصريح بإباحة الثوم لكن يكره لمن أراد حضور الجماعة، ويلحق به كل ماله رائحة كريهة. وكان النبي ﷺ يترك الثوم دائما؛ لأنه يتوقع مجيء الملائكة والوحي كل ساعة. واختلفوا في الثوم والبصل والكراث في حقه ﷺ ، فقال بعض أصحابنا: هي محرمة عليه، والأصح عندهم أنها مكروهة كراهة تنزيه؛ لعموم قوله ﷺ : ((لا)) في جواب قوله: ((أحرام هو؟)). ومن قال بالأول يقول: معناه ليس بحرام في حقكم. وفيه أنه يستحب للآكل والشارب أن يفضل مما يأكل ويشرب.
الحديث السادس والثلاثون عن جابر: قوله: ((بقدر)) ((تو)): رواية البخاري في كتابه بالقاف. وقيل: إن الصواب فيه ((أتى ببدر)) بالباء أي بطبق وهو طبق يتخذ من الخوص. ولعله سمي بذلك باستدارته استدارة البدر. ((مح)): ((أتى بقدر)) هكذا هو في نسخ صحيح مسلم، ووقع في صحيح البخاري وسنن أبي داود وغيرها من الكتب المعتمدة ((أتى ببدر)) ببائين موحدتين. قال العلماء: هذا هو الصواب وفسر الرواة وأهل اللغة والغريب البدر بالطبق.
و ((خضرات)) بفتح الخاء وكسر الضاد، أي بقول خضرات، ورواه بعضهم بضم الخاء وفتح الضاد. قوله: ((إلى بعض أصحابه)) لعل لفظ الرسول ﷺ قربوها إلى فلان بقرينة قوله: ((كل))، فأتى الراوي معنى ما تلفظ به ﷺ ؛ لكونه لم يتذكر التصريح باسمه فعبر عنه ببعض أصحابه.
الحديث السابع والثلاثون عن المقدام: قوله: ((كيلوا طعامكم)) ((مظ)): الغرض من كيل الطعام معرفة مقدار ما يستغرض الرجل ويبيع ويشتري؛ فإنه لو لم يكل لكان ما يبيعه ويشتريه
стр. 2256
٤١٩٩ - وعن أبي أمامة، أن النبي ﷺ كان إذا رفع مائدته قال: ((الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، غير مكفي ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا)) رواه البخاري.
٤٢٠٠ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله تعالى ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها)) رواه مسلم.
وسنذكر حديثي عائشة وأبي هريرة: ما شبع آل محمد، وخرج النبي ﷺ من الدنيا في ((باب فضل الفقراء)) إن شاء الله تعالى.
ــ
مجهولا، ولا يجوز ذلك. وكذلك لو لم يكل ما ينفق على العيار ربما يكون ناقصا عن قدر كفايتهم، فيكون النقصان ضررا عليهم. وقد يكون زائدا على قدر كفايتهم، ولم يعرف ما يدخر لتمام السنة، فأمر رسول الله ﷺ بالكيل؛ ليكونوا على علم ويقين فيما يعملون. قمن راعى سنة رسول الله ﷺ يجد بركة عظيمة في الدنيا وأجرا عظيما في الآخرة. انتهى كلامه.
فإن قلت: كيف التوفيق بين هذا وما روى عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنها قالت: توفي رسول الله ﷺ ، وما لي شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في زق. فكلته ففنى.
قلت: الكيل عند البيع والشراء مأمور به لإقامة القسط والعدل، وفيه البركة والخير، وعند الإنفاق إحصاء وضبط وهو منهي عنه؛ قال ﷺ : ((أنفق بلالا ولا تخش من ذي العرش إقلالا)).
الحديث الثاني والثلاثون عن أبي أمامة: قوله: ((غير مكفي)) يروى بالرفع والنصب وكذا ربنا. وفيه وجوه:
أحدهما غير مردود ولا مقلوب، والضمير راجع إلى الطعام الذال عليه سياق الكلام.
وثانيهما: مكفي من الكفاية فيكون من المعتل، يعني أن الله تعالى هو المطعم والكافي وهو غير مطعم ولا مكفي، فيكون الضمير راجعا إلى الله تعالى. وقوله: ((ولا مودع)) أي غير متروك الطلب إليه والرغبة فيما عنده.
وثالثها: أن يكون الكلام راجعا إلى الحمد كأنه قال: ((حمدا كثيرا مباركا فيه غير مكفي ولا مودع ولا مستغنى عنه)) أي الحمد. فالضمير راجع إلى الحمد. قوله: ((ربا)) على الأول والثالث منصور على الدعاء وحرف النداء محذوف. وعلى الثاني مرفوع على الابتداء، ((وغير مكفي)) خبره. وهذا من تلخيص كلام ابن السكيت والخطابي من جامع الأصول.
الحديث التاسع والثلاثون عن أنس ﵁: قوله: ((الأكلة)) هو بالفتح للمرة.
стр. 2257
الفصل الثاني
٤٢٠١ - عن أبي أيوب، قال: كنا عند النبي ﷺ ، فقرب طعام، فلم أر طعاما كان أعظم بركة منه أول ما أكلنا، ولا أقل بركة في آخره، قلنا: يا رسول الله! كيف هذا؟ قال: ((إنا ذكرنا اسم الله عليه حين أكلنا، ثم قعد من أكل ولم يسم الله فأكل معه الشيطان)) رواه في ((شرح السنة)). [٤٢٠١]
٤٢٠٢ - وعن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أكل أحدكم فنسي أن يذكر الله على طعامه؛ فليقل: بسم الله أوله وآخره)). روان الترمذي، وأبو داود. [٤٢٠٢]
٤٢٠٣ - وعن أمية بن مخشى، قال: كان رجل يأكل فلم يسم حتى لم يبق من طعامه إلا لقمة، فلما رفعها إلى فيه قال: بسم الله أوله وآخره، فضحك النبي ﷺ ثم قال: ((ما زال الشيطان يأكل معه، فلما ذكر اسم الله استقاء ما في بطنه)). رواه أبو داود. [٤٢٠٣]
ــ
الفصل الثالث
الحديث الأول عن أبي أيوب: قوله: ((ثم قعد من أكل)) قد سبق عن الشافعي على ما رواه الشيخ محيي الدين: أن واحدا لو سمى في جماعة يأكلون لكفي ذلك وسقط عن الكل، فتنزيله على هذا الحديث أن يقال: معنى قوله ﷺ : ((ثم قعد)) أي قعد بعد فراغنا من الطعام ولم يسم، أو يقال: إن شيطان هذا الرجل جاء معه، فلا تكون تسميتهم مؤثرة فيه ولا هو سمى.
الحديث الثاني عن عائشة ﵂: قوله: ((أوله وآخره)) أي آكل أوله وآخره مستعينا باسم الله، فيكون الجار والمجرور حالا من فاعل الفعل المقدر.
الحديث الثالث عن أمية: قوله: ((استقاء ما في بطنه)) ((تو)) أي صار ما كان له وبالا عليه مستلبا عنه بالتسمية. وهذا تأويل على سبيل الاحتمال غير موثوق به؛ فإن نبي الله ﷺ يطلع من أمر الله في بريته على ما لا سبيل لأحد إلى معرفته إلا بالتوقيف من جهته.
أقول: وهذا التأويل على ما سبق في حديث حذيفة من الفصل الأول، محمول على ما له حظ من تطيير البركة من الطعام على تفسيره. وأما على تفسير الشيخ محيي الدين فهو ظاهر، والله أعلم.
стр. 2258
٤٢٠٤ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: كان رسول الله ﷺ إذا فرغ من طعامه قال: ((الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين)). رواه الترمذي، وأبو داود وابن ماجه. [٤٢٠٤]
٤٢٠٥ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الطاعم الشاكر كالصائم الصابر)) رواه الترمذي. [٤٢٠٥]
٤٢٠٦ - وابن ماجه، والدارمي، عن سنان بن سنة، عن أبيه.
٤٢٠٠٧ - وعن أبي أيوب، قال: كان رسول الله ﷺ إذا أكل أو شرب قال: ((الحمد لله الذي أطعم وسقى، وسوغه، وجعل له مخرجا)) رواه أبو داود. [٤٢٠٧]
ــ
الحديث الرابع والخامس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((كالصائم الصابر)) قد تقرر في علم البيان أن التشبيه يستدعي الجهة الجامعة، والشكر نتيجة النعماء كما أن الصبر نتيجة البلاء. فكيف شبه الشاكر بالصابر؟ وأجاب المظهر بأن هذا تشبيه في أصل استحقاق كل واحد منهما الأجر لا في المقدار. وهذا كما يقال: زيد كعمرو، معناه: زيد يشبه عمرا في بعض الخصال. ولا يلزم المماثلة في جميعها فلا يلزم المماثلة في الأجر أيضا.
أقول: قد ورد ((الإيمان نصفان، نصف صبر ونصف شكر)). وربما يتوهم متوهم أن ثواب شكر الطاعم يقصر عن ثواب صبر الصائم، فأزيل توهمه به، يعني هما سيان في الثواب. ونظيره قولك فعمامة سوداء بحضرة السامع، وهو متردد في لون عمامتك فقلت: لون عمامتي كلون هذه.
وفيه وجه آخر وهو أن الشاكر لما رأي النعمة من الله تعالى وحبس نفسه على محبة المنعم بالقلب وأظهرها باللسان نال درجة الصابر. قال:
وقيدت نفسي في [ذراك] محبة ومن وجد الإحسان قيدا تقيدا
فيكون التشبيه واقعا في حبس النفس بالمحبة، والجهة الجامعة حبس النفس مطلقا، فأينما وجد الشكر وجد الصبر ولا ينعكس.
الحديث السادس عن أبي أيوب: قوله: ((الحمد لله الذي أطعم)) ذكر ها هنا نعما أربعا:
стр. 2259
٤٢٠٨ - وعن سلمان، قال: قرأت في التوراة أن بركة الطعام الوضوء بعده، فذكرت ذلك للنبي ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : ((بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده)). رواه الترمذي، وأبو داود. [٤٢٠٨]
٤٢٠٩ - وعن ابن عباس، أن النبي ﷺ خرج من الخلاء، فقدم إليه طعام، فقالوا: ألا نأتيك بوضوء؟ قال: ((إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة)). رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي؟ [٤٢٠٩]
٤٢١٠ - ورواه ابن ماجه، عن أبي هريرة.
٤٢١١ - وعن ابن عباس، عن النبي ﷺ : أنه أتى بقصعة من ثريد، فقال: ((كلوا من جوانبها، ولا تأكلوا من وسطها؛ فإن البركة تنزل في وسطها)). رواه الترمذي، وابن ماجه، والدارمي، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وفي
ــ
الإطعام والسقي والتسويغ وهو تسهيل الدخول في الحلق؛ فإنه خلق الأسنان للمضغ والريق للبلع، وجعل المعدة مقسما للطعام. ولها مخارج: فالصالح منه ينبعث إلى الكبد وغيره يندفع من طريق الأمعاء، وكل ذلك فضل من الله الكريم، ونعمة يجب القيام [بموجبها] * من الشكر بالجنان والثناء باللسان والعمل بالأركان.
الحديث السابع عن سلمان: قوله: ((الوضوء قبله)) أراد بالوضوء هنا غسل اليدين وتنظيفهما. وجوابه ﷺ من الأسلوب الحكيم حيث قرر ما تلقاه به وزاد عليه.
ومعنى بركة الوضوء في أول الطعام: النمو والزيادة فيه، وفي آخره: عظم فائدة الطعام باستعمال النظافة. فإذا ترك ذلك ضربه الغم الذي حصل في يده من الطعام، وعاقه عن استمرائه، فالبركة في الأول بمعنى النمو، وفي الآخر بمعنى التعظيم واستدامتها.
الحديث الثامن عن ابن عباس: قوله: ((إنما أمرت بالوضوء)) هذا إنما ينطبق على السؤال إذا اعتقد السائل أن الوضوء قبل الطعام واجب، فنفي ﷺ وجوبه حيث أتى بأداة الحصر وأسند الأمر إلى الله تعالى، فلا ينافي جوابه. والمأمور به هو قوله تعالى: ﴿إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾ فلا يتم استدلال الشارحين به على نفي الوضوء قبل الطعام في الحديث السابق.
стр. 2260
رواية أبي داود، قال: ((إذا أكل أحدكم طعاما فلا يأكل من أعلى الصحفة، ولكن يأكل من أسفلها، فإن البركة تنزل من أعلاها)). [٤٢١١]
٤٢١٢ - وعن عبد الله بن عمرو، قال: ما رئي رسول الله ﷺ يأكل متكئا قط، ولا يطأ عقبه رجلان. رواه أبو داود. [٤٢١٢]
٤٢١٣ - وعن عبد الله بن الحارث بن جزء، قال: أتى رسول الله ﷺ بخبز ولحم وهو في المسجد، فأكل وأكلنا معه، ثم قام فصلى، وصلينا معه، ولم نزد على أن مسحنا أيدينا بالحصباء. رواه ابن ماجه. [٤٢١٣]
٤٢١٤ - وعن أبي هريرة، قال: أتى رسول الله ﷺ بلحم، فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه، فنهس منها. رواه الترمذي، وابن ماجه. [٤٢١٤]
ــ
الحديث التاسع عن ابن عباس: قوله: ((من أعلى الصحفة)) شبه ما يزيد في الطعام بما ينزل من الأعالي من المائع وما يشبهه، فهو ينصب إلى الوسط ثم ينبث منه إلى الأطراف، فكل ما أخذ من الطرف يجيء من الأعلى بدله، فإذا أخذ من الأعلى انقطع.
الحديث العاشر عن عبد الله: قوله: ((ولا يطأ عقبه رجلان)) ((مظ)): يعني من غاية التواضع يمشي في وسط الجمع أو في آخرهم ولا يمشي قدامهم. أقول: لا يساعد هذا التا, يل التشبيه في رجلان، ولعله كناية عن تواضعه صلوات الله عليه، وأنه لم يكن يمشي مشي الجبابرة مع الأتباع والخدم. ويؤيده اقترانه بقوله: ((ما رئي رسول الله ﷺ يأكل متكئا)) فإنه كان من دأب المترفين. دعا عمر ﵁ على رجل فقال: اللهم إن كان كذب فاجعله موطأ العقب، أي كثير الأتباع، دعا عليه بأن يكون سلطانا أو مقدما أو ذا مال، فيتبعه الناس ويمشون وراءه.
الحديث الحادي عشر والثاني عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((وكانت تعجبه)) ((مح)): [محبته] * ﷺ للذراع لنضجها وسرعة استمرائها مع زيادة لذتها وحلاوة مذاقها وبعدها عن مواضع الأذى.
قوله: ((فنهس منها)) ((حس)): فيه استحباب نهس اللهم وهو أخذ ما على العظم من اللحم بأطراف الأسنان، والنهش – بالشين المعجمة – بالأضراس. وقد استحب ذلك تواضعا وطرحا للتكبر، والقطع بالسكين مباح للحديث الذب مر في هذا الباب. وهو قوله: ((يحتز من كتف شاة)) الحديث.
стр. 2261
٤٢١٥ - وعن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((لا تقطعوا اللحم بالسكين؛ فإنه من صنع الأعاجم، وانهسوه فإنه أهنأ وأمرأ)). رواه أبو داود، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) وقالا: ليس هو بالقوي. [٤٢١٥]
٤٢١٦ - وعن أم المنذر، قالت: دخل علي رسول الله ومعه علي، ولنا دوال معلقة، فجعل رسول الله ﷺ يأكل وعلي معه يأكل، فقال رسول الله ﷺ لعلي: ((مه يا علي! فإنك ناقه)) قالت: فجعلت لهم سلقا وشعيرا، فقال النبي ﷺ : ((يا علي! من هذا فأصب؛ فإنه أوفق لك)). رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه. [٤٢١٦]
ــ
الحديث الثالث عشر عن عائشة ﵂: قوله: ((من صنع الأعاجم)) أي من دأبهم وعاداتهم. الكشاف: في قوله تعالى: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ كل عامل لا يسمي صانعا حتى يتمكن فيه ويتدرب، يعني لا تجعلوا القطع بالسكين دأبكم وعادتكم كالأعاجم، بل إذا كان نضيجا فانهسوه وإذا لم يكن نضيجا فحزوه بالسكين. ويؤيده قول البيهقي: النهي عن قطع اللحم بالسكين في لحم قد تكامل نضجه، أو على أن ذلك يكون أطيب.
قوله: ((أهنأ)) الهني هو اللذيذ الموافق للغرض، وأمرأ، من الاستمراء: وهو ذهاب كظة الطعام وثقله.
الحديث الرابع عشر عن أم المنذر: قوله: ((دوال)) واحدتها دالية. ((نه)): الدالية هي العذق من البسر يعلق إذا أرطب أكل، قالوا: الواو فيه منقلبة عن ألف.
قوله: ((مه)) الجوهري: هي كلمة بنيت على السكون، وهو اسم سمي به الفعل، ومعناه اكفف. قوله: ((ناقه)) ((قض)): نقه المريض ينقه فهو ناقه إذا برأ وكان قريب العهد بالمرض، ولم ترجع إليه كمال صحته وقوته.
قوله: ((فجعلت لهم)) هكذا هو في الأصول الثلاثة وكذا في شرح السنة. وأكثر نسخ المصابيح مغير، جعلوا الضمير في ((لهم)) مفردا ليرجع إلى علي – ﵁ – وهو وهم منهم؛ لأن الضمير راجع إلى أهلها أو الضيفان.
وقوله: ((فجعلت)) عطف على ((فقال)) والفاء جواب شرط محذوف، أي إذا منعت عليا من أكل الرطب لكونه ناقها فأعلمكن أني جعلت لأهلي سلقا وشعيرا، فأمره ليصيب منه؛ ومن
стр. 2262
٤٢١٧ - وعن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ يعجبه الثفل. رواه الترمذي، والبيهقي في ((شعب الإيمان)). [٤٢١٧]
٤٢١٨ - وعن نبيشة، عن رسول الله ﷺ ، قال: ((من أكل في قصعة فلحسها استغفرت له القصهة)). رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه، والدارمي وقال الترمذي: هذا هديث غريب. [٤٢١٨]
٤٢١٩ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من بات وفي يده غمر لم يغسله فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه)). رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه. [٤٢١٩]
٤٢٢٠ - (٦٢) وعن ابن عباس، قال: كان أحب الطعام إلى رسول الله ﷺ الثريد من الخبز، والثريد من الحيس. رواه أبو داود. [٤٢٢٠]
ــ
ثم أمره صلوات الله عليه بقوله: ((من هذا فأصب)) والفاء فيه جواب شرط محذوف، يعني إذا حصل هذا فخصه بالإصابة، ولا تتجاوز إلى أكل البسر. يدل على الحصر تقديم الجار على عامله، ونظيره قاله تعالى: ﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾، وقوله: ((أوفق)) هنا لمجرد الزيادة.
الحديث الخامس عشر عن أنس ﵁: قوله: ((الثفل)) هو في الأصل ما يرسب من كل شيء. ((نه)): قال في الحديبية: ((من كان معه ثفل فليصطنع)) أراد بالثفل الدقيق والسويق ونحوهما. وقيل: الثفل هنا الثريد وأنشد:
يحلف بالله وإن لم يسأل ما ذاق ثفلا منذ عام أول
الحديث السادس عشر عن نبيشة: قوله: ((في قصعة)): جيء ((بفي)) بدل ((من)) مريدا للتمكن من الأكل وإيقاعه في القصهة، كما في قوله: ﴿ولأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ ومن ثم أتبعه بقوله: ((فلحسها)). ((تو)): استغفار القصعة عبارة عما تعورف فيها من أمارة التواضع ممن أكل فيها، وبرائته من الكبر، وذلك مما يوجب له المغفرة. فأضاف إلى القصعة لأنها كالسبب لذلك.
الحديث السابع عشر عن أي هريرة ﵁: قوله: ((غمر)) ((نه)): الغمر بالتحريك الدسم والزهومة من اللحم كالوضر من السمن. وقوله: ((فأصابه شيء)) أي إيذاء من الهوام وذلك؛ لأن الهوام وذوات السموم ربما تقصده في المنام لرائحة الطعام في يده فتؤذيه.
الحديث الثامن عشر عن ابن عباس: قوله: ((من الحيس)) هو طعام يتخذ من التمر والدقيق والسمن وأصلح الخلط.
стр. 2263
٤٢٢١ - وعن أبي أسيد الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((كلوا الزيت وادهنوا به؛ فإنه من شجرة مباركة)). رواه الترمذي، وابن ماجه، والدارمي. [٤٢٢١]
٤٢٢٢ - وعن أم هانئ، قالت: دخل علي النبي ﷺ فقال: ((أعندك شيء؟)) قلت: لا، إلا خبز يابس وخل. فقال: ((هاتي، ما أقفر بيت من أدم فيه خل)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب. [٤٢٢٢]
٤٢٢٣ - وعن يوسف بن عبد الله بن سلام، قال: رأيت النبي ﷺ أخذ كسرة من خبز الشعير، فوضع عليها تمرة، فقال: ((هذه إدام هذه)) وأكل. رواه أبو داود. [٤٢٢٣]
ــ
الحديث التاسع عشر والعشرون عن أم هانئ: قوله: ((قلت: لا إلا خبزا)) المستثنى منه محذوف، والمستثنى بدل منه، ونظيره في الصحاح قول عائشة ﵂: ((لا إلا شيء بعثت به أم عطية)). قال المالكي: فيه شاهد على إبدال ما بعد إلا من محذوف؛ لأن الأصل: لا شيء عندنا إلا شيء بعثت به أم عطية. انتهى كلامه.
فإن قلت: من حق أم هانئ أن تجيب بـ ((بلى عندي خبز)) فلم عدلت عنه إلى تلك العبارة؟ قلت: كأنها [عظمت] * شأن رسول الله ﷺ ، ورأت أن الخبز اليابس والخل لا يصلحان أن يقدما إلى مثل ذلك الضيف، فما عدتهما بشيء؛ ومن ثم حسنت المطابقة بقوله ﷺ : ((ما أقفر بيت فيه خل)).
قوله: ((من أدم)) متعلق بـ ((أقفر)). وقوله: ((فيه خل)) صفة بيت، وقد فصل بين الصفة والموصوف بالأجنبي، وهو لا يجوز. ويمكن أن يقال: إنه حال، وذو الحال على تقدير الموصوفية أي بيت من البيوت. ((نه)): ((ما أقفر ليت فيه خل)) أي ما خلا من الإدام ولا عدم أهله الأدم. والقفار الطعام بلا ادم. وأقفر الرجل إذا كان الخبز وحده من القفر والقفار، وهي الأرض الخالية التي لا ماء فيها.
الحديث الحادي والعشرون عن يوسف: قوله: ((هذه إدام هذه)) لما كان التمر طعاما مستقلا ولم يكن متعارفا بالأدوية فأخبر أنه يصلح لها. ((حس)): من حلف أن لا يأكل خبزا بإدام فأكله بتمر يحنث. وكذلك إذا أكله بملح أو ثوم أو بصل.
стр. 2264
٤٢٢٤ - وعن سعد، قال: مرضت مرضا أتاني النبي ﷺ يعودني، فوضع يده بين ثديي حتى وجدت بردها على فؤادي، وقال: ((إنك رجل مفؤود أئت الحارث بن كلدة أخا ثقيف فإنه رجل يتطبب، فليأخذ سبع تمرات من عجوة المدينة، فليجأهن بنواهن، ثم ليلدك بهن)). رواه أبو داود. [٤٢٢٤]
٤٢٢٥ - وعن عائشة، أن النبي ﷺ كان يأكل البطيخ بالرطب. رواه الترمذي. وزاد أبو داود: ويقول: ((يكسر حر هذا ببرد هذا، ويرد هذا بحر هذا)). وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. [٤٢٢٥]
٤٢٢٦ - وعن أنس، قال: أتي النبي ﷺ بتمر عتيق، فجعل يفتشه ويخرج السوس منه. رواه أبو داود. [٤٢٢٦]
٤٢٢٧ - وعن ابن عمر، قال: أتي النبي ﷺ بجبنة في تبوك، فدعا بالسكين، فسمى وقطع. رواه أبو داود. [٤٢٢٧]
ــ
الحديث الثاني والعشرون عن سعد: قوله: ((رجل مفؤود)) ((تو)): المفؤود الذي أصابه داء في فؤاده. وأهل اللغة يقولون: الفؤاد هو القلب. وقيل: هو غشاء القلب أو كان مصدرا فكنى به لكونه محله. وإنما نعت له العلاج بعدما أحال إلى الطبيب، لما رأي هذا النوع من العلاج أيسر وأنفع، أو ليثق على قول الطبيب إذا رآه موافقا لما نعته. وفيه جواز مشاورة أهل الكفر في الطب؛ لأن الحارث بن كلدة الثقفي مات في أول الإسلام ولم يصح إسلامه.
قوله: ((من عجوة المدينة)) ((قض)): هو ضرب من أجود التمر بالمدينة، ونخلها يسمى لينة. وتخصيص المدينة إما لما فيها من البركة التي جعلت فيها بدعائه؛ أو لأن ثمرها أوفق لمزاجه من أجل تعوده بها. وقوله: ((فليجأهن)) أي فليكسرهن بالدق مع نواهن. ((ثم ليلدك)) أي ليسقيك، من لده الدواء إذا صبه في فمه. واللدود ما يصب من الأدوية في أحد شقي الفم. وإنما أمر الطبيب بذلك؛ لأنه يكون أعلم باتخاذ الدواء وكيفية استعماله.
الحديث الثالث والعشرون عن عائشة ﵂: قوله: ((يكسر حر هذا ببرد هذا)) لعل البطيخ كان نيا غير نضيج فهو حيثئذ بارد.
الحديث الرابع والعشرون عن أنس ﵁: قوله ((فجعل يفتشه)) ((مظ)): أي فطفق يشق التمر فيعزل عنه الدود. وفيه دليل على أن الطعام لا ينجس بدود يقع فيه.
الحديث الخامس والعشرون عن ابن عمر ﵄: قوله: ((بجبنة في تبوك)) ((مظ)):
стр. 2265
٤٢٢٨ - وعن سلمان، قال: سئل رسول الله ﷺ عن السمن والجبن والفراء، فقال: ((الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه)). رواه ابن ماجه، والترمذي، وقال: هذا حديث غريب وموقوف على الأصح. [٤٢٢٨]
٤٢٢٩ - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((وددت أن عندي خبزة بيضاء من برة سمراء ملبقة بسمن ولبن)) فقام رجل من القوم فاتخذه، فجاء به، فقال: ((في أي شيء كان هذا؟)) قال: في عكة ضب. قال: ((ارفعه)). رواه أبو داود، وابن ماجه. وقال أبو داود: هذا حديث منكر. [٤٢٢٩]
٤٢٣٠ - وعن علي ﵁، قال: نهى رسول الله ﷺ عن أكل الثوم إلا مطبوخا. رواه الترمذي، وأبو داود. [٤٢٣٠]
ــ
فيه دليل على طهارة الأنفحة لأنها لو كانت نجسه لكان الجبن نجسا؛ لأنه لا يحصل إلا بها.
الحديث السادس والعشرون عن سلمان: قوله: ((والفراء)) ((قض)): الفراء بالمد جمع الفراء: وهو حمار الوحش. وقيل: هو هنا جمع الفرو الذي يلبس، ويشهد له أن بعض المحدثين أورده في باب ما يلبس.
أقول: يعني بقوله: بعض المحدثين الترمذي؛ فإنه ذكره في باب لبس الفراء، وذكره ابن ماجه في باب السمن والجبن.
الحديث السابع والعشرون عن ابن عمر ﵄: قوله: ((وددت)) ((قض)): أي تمنيت والسمراء من الصفات الغالبة فلبت على الحنطة فاستعملها ها هنا على الأصل. وقيل: هي نوع من الحنطة فيها سواد خفي، ولعله أحمد الأنواع عندهم. والملبقة بالسمن المبلولة المخلوطة به خلطا شديدا، يقال: ثريدة ملبقة إذا بلت وخلطت خلطا شديدا، من التلبيق وهو التبليل. والعكة القربة الصغيرة.
وإنما أمر برفعه لتنفير طبعه عن الضب كما دل عليه حديث خالد، لا لنجاسة جلده وإلا لأمره بطرحه ونهاه عن تناوله. هذا الحديث مخالف لما كان عليه من شيمته ﷺ وكيف وقد أخرج مخرج التمني، ومن ثم صرح أبو داود بكونه منكرا.
стр. 2266
٤٢٣١ - وعن أبي زياد، قال: سئلت عائشة عن البصل. فقالت: إن آخر طعام أكله رسول الله ﷺ طعام فيه بصل. رواه أبو داود. [٤٢٣١]
٤٢٣٢ - وعن ابني بسر السلميين، قالا: دخل علينا رسول الله ﷺ فقدمنا زبدا وتمرا، وكان يحب الزبد والتمر. رواه أبو داود. [٤٢٣٢]
٤٢٣٣ - وعن عكراش بن ذؤيب، قال: أتينا بجفنة كثيرة الثريد والوذر، فخبطت بيدي في نواحيها، وأكل رسول الله ﷺ من بين يديه، فقبض بيده اليسرى على يدي اليمنى. ثم قال: ((يا عكراش! كل من موضع واحد؛ فإنه طعام واحد)) ثم أتينا بطبق فيه ألوان التمر، فجعلت آكل من بين يدي، وجالت يد رسول الله ﷺ في الطبق، فقال: ((يا عكراش! كل من حيث شئت؛ فإنه غير لون واحد)) ثم أتينا بماء فغسل رسول الله ﷺ يديه ومسح ببلل كفيه وجهه وذراعيه ورأسه، وقال: ((يا عكراش! هذا الوضوء مما غيرت النار)) رواه الترمذي. [٤٢٣٣]
٤٢٣٤ - وعن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أخذ أهله الوعك أمر بالحساء فصنع، ثم أمرهم فحسوا منه، وكان يقول: ((إنه ليرتو فؤاد الحزين، ويسرو عن فؤاد السقيم كما تسرو إحداكن الوسخ بالماء عن وجهها)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
ــ
الحديث الثامن والعشرون والتاسع والعشرون عن أبي زياد: قوله: ((طعام فيه بصل)) ((مظ)): إنما أكله صلوات الله عليه حينئذ؛ ليبين للناس أنه ليس بحرام، وأن نهيه عن الثوم والبصل نهي تنزيه لا نهي تحريم. أقول: قد بين في حديث أبي أيوب على ما سبق أن رسول الله ﷺ كان يكرهه لأجل ريحه، وما كان مطبوخا، لا سيما البصل لم تكن له رائحة.
الحديث الثلاثون عن عكراش: قوله: ((والوذر)) هي قطع اللحم التي لا عظم فيها وهي جمع وذرة. قوله: ((فخبطت)) أي ضربت فيها من غير استواء، من قولهم خبط خبط عشواء. وراعى الأدب حيث قال في رسول الله ﷺ : وجالت يد رسول الله ﷺ من الجولان. وقوله: ((ما غيرت النار)) خبر المبتدأ و ((من)) ابتدائية أي هذا الوضوء لأجل طعام طبخ بالنار.
الحديث الحادي والثلاثون عن عائشة ﵂: قوله: ((بالحساء)) ((نه)): هو بالفتح والمد طبيخ يتخذ من دقيق وماء ودهن، وقد يحلى، ويكون رقيقا يحسى. وقوله: ((ليرتو)) أي
стр. 2267
٤٢٣٥ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((العجزة من الجنة، وفيها شفاء من السم، والكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين)). رواه الترمذي. [٤٢٣٥]
الفصل الثالث
٤٢٣٦ - عن المغيرة بن شعبة، قال: ضفت مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، فأمر بجنب فشوى، ثم أخذ الشفرة فجعل يحز لي بها منه، فجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فألقى الشفرة، فقال: ((ما له تربت يداه)). قال: وكان شاربه وفاء. فقال لي: ((أقصه على سواك؟ - أو - قصه على سواك)). رواه الترمذي. [٤٢٣٦]
٤٢٣٧ - وعن حذيفة، قال: كنا إذا حضرنا مع النبي ﷺ لم نضع أيدينا حتى
ــ
يشده ويقويه. قوله: ((ويسرو)) ((فا)): السرو الكشف. يقال: سروت عنه الثوب وسريته، ومنه سرى عن فلان أي كشف.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن المغيرة: قوله: ((ضفت مع رسول الله ﷺ ) أي نزلت أنا ورسول الله ﷺ على رجل ضيفين له. قال صاحب المغرب: ضاف القوم ويضيفهم نزل عليهم ضيفا، وأضافوه وضيفوه أنزلوه. قوله: ((يؤذنه)) ((نه)): يقال: آذن يؤذن إيذانا وأذن يؤذن تأذينا، والمشدد مختص في الاستعمال بإعلام وقت الصلاة.
قوله: ((تربت يداه)) هي كلمة تقولها العرب عند اللوم، ومعناه الدعاء بالفقر والعدم، وقد يطلقونها ولا يريدون وقوع الأمر، كأنه ﷺ كره تأذينه وهو مشتغل بالطعام.
وقال - أي المغيرة - وكان شاربه وفاء)) أي تماما، فقال ﷺ لي: ((أقصه)) فوضع مكان ضمير المتكلم الغائب إما تجريدا أو التقاتا. ويحتمل أن يكون الضمير في ((شاربه)) لـ ((بلال)) فيكون التقدير: قال بلال: فقال لي رسول الله ﷺ . ويحتم أن يكون الضمير في ((شاربه)) لرسول الله ﷺ ومعنى قوله: ((أفصه لك)) أي لأجلك تتبرك به، وكل هذه تكلفات لا تشفي الغليل؛ ومن ثم تردد الإمام وقال في شرح السنة: قلت: قد رأيت أن النبي ﷺ رأي رجلا طويل الشارب فدعا بسواك وشفرة، فوضع السواك تحت شاربه ثم جزه.
وهذا الحديث ليس في بعض نسخ المصابيح، وفي بعضها مذكور في قسم الصحاح. وقد ذكر في شرح السنة بإسناد الترمذي، فالحديث ملحق به من غير المؤلف وموضوع في غير موضعه.
الحديث الثاني عن حذيفة: قوله: ((كأنها تدفع)) ((مح)): وفي رواية ((تطرد)) يعني لشدة
стр. 2268
يبدأ رسول الله ﷺ فيضع يده، وإنا حضرنا معه مرة طعاما، فجاءت جارية كأنها تدفع، فذهبت لتضع يدها في الطعام، فأخذ رسول الله ﷺ بيدها، ثم جاء أعرابي كأنما يدفع، فأخذه بيده. فقال رسول الله ﷺ : ((إن الشيطان يستحل الطعام أن لا يذكر اسم الله عليه، وإنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها، فأخذت بيدها، فجاء بهذا الأعرابي ليستحل به، فأخذت بيده، والذي نفسي بيده، إن يده في يدى مع يدها)). زاد في رواية: ثم ذكر اسم الله وأكل. رواه مسلم.
٤٢٣٨ - وعن عائشة، أن رسول الله ﷺ أراد أن يشتري غلاما، فألقى بين يديه تمرا فأكل الغلام فأكثر، فقال رسول الله ﷺ : ((إن كثرة الأكل شؤم)) وأمر برده. رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [٤٢٣٨]
٤٢٣٩ - وعن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : ((سيد إدامكم الملح)). رواه ابن ماجه. [٤٢٣٩]
٤٢٤٠ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا وضع الطعام فاخلعوا نعالكم؛ فإنه أروح لأقدامكم)). [٤٢٤٠]
٤٢٤١ - وعن أسماء بنت أبي بكر: أنها كانت إذا أتيت بثريد أمرت به فغطى، حتى تذهب فورة دخانه، وتقول: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((هو أعظم للبركة)). رواهما الدارمي. [٤٢٤١]
ــ
سرعتها كأنها مطرودة أو مدفوعة. قوله: ((إن يده في يدي مع يدها)) الظاهر يدهما كما جاء في رواية أخرى، أي يد الشيطان مع يد الرجل والجارية في يدي. ((مح)): أما عن رواية يدها بالإفراد فالضمير للجارية وهي أيضا مستقيمة؛ لأن إثبات يدها لا ينفي يد الأعرابي. وإذا صلحت الرواية بالإفراد وجب قبولها وتأويلها والله أعلم.
الحديث الثالث والرابع عن أنس ﵁: قوله: ((سيد إدامكم الملح)) لأنه أقل مؤنة واقرب إلى القناعة؛ ومن ثم اقتنع به أكثر العارفين.
الحديث الخامس والسادس عن أسماء: قوله: ((فورة دخانه)) أي غليان بخاره و ((حتى)) ليست بمعنى ((كي)) بل لمطلق الغاية. وقوله: ((أعظم للبركة)) أي عظيم البركة.
стр. 2269
٤٢٤٢ - وعن نبيشة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أكل في قصعة ثم لحسها، تقول له القصعة: أعتقك الله من النار كما أعتقتني من الشيطان)). رواه رزين. [٤٢٤٢]
(١) باب الضيافة
الفصل الأول
٤٢٤٣ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه. ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره. ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت)). وفي رواية: بدل ((الجار)). ((ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فليصل رحمه)). متفق عليه.
ــ
الحديث السابع عن نبيشة: قوله: ((ثم لحسها)) ((ثم)) للتراخي في الرتبة أي لحسها أكمل من مجرد الأكل منها؛ ولهذا عقبه بقوله: ((تقول له)) والقول هنا يحتمل أن يكون حقيقة وأن يكون استعارة، كما في قول الشاعر:
تقول الأنساع للبطن الحقي
باب الضيافة
((غب)): أصل الضيف الميل يقال: ضفت إلى كذا وأضيفت كذا إلى كذا. والضيف من مال إليك نازلا بك، صارت الضيافة متعارفة في القرى. وأصل الضيف مصدر، ولذلك استوى فيه الواحد والجمع في عامة كلامهم.
الفصل الأول
الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((فليكرم ضيفه)) ((حس)): قال الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْرَاهِيمَ المُكْرَمِينَ﴾. قيل: أكرمهم إبراهيم ﵇ بتعجيل قراهم والقيام بنفسه عليهم، وطلاقة الوجه، وكان سلمان إذا دخل عليه رجل فدعا بما حضر خبزا وملحا، وقال: لولا أنا نهينا أن يتكلف بعضنا بعضا لتكلفت لك. ((مح)): قال القاضي عياض: من التزم شرائع الإسلام لزمه إكرام جاره وضيفه وبرهما، وقد أوصى الله تعالى بالإحسان إلى الجار، والضيافة من محاسن الشريعة ومكارم الأخلاق.
стр. 2270
٤٢٤٤ - وعن أبي شريح الكعبي، أن رسول الله ﷺ قال: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، جائزته يوم وليلة، والضيافة ثلاثة أيام، فما بعد ذلك فهو صدقة، ولا يحل له أن يثوى عنده حتى يحرجه)). متفق عليه.
ــ
وقد أوجبها الليث ليلة واحدة، واحتج بحديث عقبة: ((إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بحق الضيف فاقبلوا، وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم)). وعامة الفقهاء على أنها من مكارم الأخلاق. وحجتهم قوله ﷺ : ((جائزته يوم وليلة))، والجائزة العطية والمنحة والصلة، فذلك لا يكون إلا مع الاختيار. وقوله: ((فليكرم ضيفه)) يدل على هذا أيضا؛ إذ ليس يستعمل مثله في الواجب. وتأولوا الأحاديث أنها كانت في أول الإسلام إذ كانت المواساة واجبة.
واختلف: هل الضيافة على الحاضر والبادي أم على البادي خاصة؟ فذهب الشافعي ومحمد بن عبد الحكم إلى أنها عليهما. وقال مالك وسحنون: إنما ذلك على أهل البوادي؛ لأن المسافر يجد في الحضر المنازل في الفنادق ومواذع النزول، وما يشتري في الأسواق، هذا كلام القاضي. وأما قوله: ((فليقل خيرا أو ليصمت)) فمعناه أنه إذا أراد أن يتكلم، فإن كان ما يتكلم به خير محققا يثاب عليه، واجبا كان أو مندوبا فليتكلم. وإن لم يظهر له خيره فليمسك عنه سواء ظهر له أنه حرام أو مكروه أو مباح، فعلى هذا يكون الكلام المباح مأمورا بتركه مندوبا إلى الإمساك عنه مخافة من الجرارة إلى الحرام.
وقال الشافعي في معنى الحديث: من أراد أن يتكلم فليتفكر، فإن ظهر له أنه لا ضرر عليه، تكلم، وإن ظهر له فيه ضرر أو شك فيه امسك. وقال بعض علماء المالكية: جماع آداب الخير تتفرع من أربعة أحاديث: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت)) ((ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه))، وقوله للذي اختصر له الوصية. ((لا تغضب)) وقوله: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)).
الحديث الثاني عن أبي شريح: قوله ((جائزته يوم وليلة)) ((فا)): الجائزة من أجازه بكذا إذا أتحفه وألطفه كالفاضلة واحدة الفواضل من أفضل عليه. ((حس)): سئل عن ذلك مالك بن أنس فقال: يكرمه ويتحفه يوما وليلة.
قوله: ((والضيافة ثلاثة أيام)) ((نه)): أي يضاف ثلاثة أيام فيتكلف له في اليوم الأول ما اتسع له من بر وإلطاف، ويقدم له في اليوم الثاني والثالث ما حضر ولا يزيد على عادته، ثم يعطيه ما يجوز به مسافة يوم وليلة وتسمى الجيزة. وهو قدر ما يجوز به المسافة من منهل إلى منهل، فما كان بعد ذلك فهو صدقة ومعروف إن شاء فعل وإن شاء ترك.
стр. 2271
٤٢٤٥ - وعن عقبة بن عامر، قال: قلت للنبي ﷺ : ((إنك تبعثنا فننزل بقوم لا يقروننا، فما ترى؟ فقال لنا: ((إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا؛ فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم)). متفق عليه.
ــ
((حس)): قد صح عن عبد الحميد عن ابن شريح قال: قال رسول الله ﷺ : ((الضيافة ثلاثة أيام وجائزته يوم وليلة)). قال: وهذا يدل على أن الجائزة بعد الضيافة، وهو أن يقري ثلاثة أيام ويعطي ما يجوز به مسافة يوم وليلة.
أقول: ((جائزته)) إلى آخره، جملة مستأنفة بيان للأولى، كأنه قيل: كيف يكرمه؟ فأجيب: جائزته. ولا بد من تقدير مضاف أي: زمان جائزته، أي بره وإلطافه يوم وليلة. وفي هذا الحديث يحمل على اليوم الأول، وفي الحديث الآخر على اليوم الآخر أي: قدر ما يجوز به المسافر ما يكفيه يوما وليلة، فينبغي أن يحمل على هذا عملا بالحديثين.
قوله: ((أن يثوى عنده)) ((فا)): هو من الثواء وهو الإقامة، والحراج التضييق.
الحديث الثالث عن عقبة: قوله: ((لا يقروننا)) بإثبات النون، وفي أصل المالكي بإسقاطه، قال: حذف نون الرفع موضع الرفع لمجرد التخفيف، ثابت في الكلام الفصيح نثره ونظمه. فمن النثر قول الراوي لعائشة ﵂: بلغنا أنك تصليهما يعني الركعتين بعد العصر، وقول مسروق لها: لم تأذني له؟ يعني حسان ﵁. ومنه ما رواه البغوي من قول النبي ﷺ : ((لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنزا ولا تؤمنوا حتى تحابوا)) ومن النظم قول أبي طالب:
فإن سرقوا ما بعض ما قد صنعتموا ستحتلبوها [لا قحا] * غير باهل
وسبب هذا الحذف كراهية تفضيل النائب على المنوب عنه، وذلك أن النون نائب عن الضمة، والضمة قد حذفت لمجرد التخفيف، كقراءة أبي عمرو بتسكين راء ((يشعركم ويأمركم وينصركم)).
قوله: ((ينبغي لهم)) هكذا هو في صحيح مسلم والحميدي وشرح السنة. وقد غيروا في المصابيح إلى ((له))، ولم ينتبهوا على أن الضيف مصدر يستوي فيه الجمع والواحد. قال الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْرَاهِيمَ المُكْرَمِينَ﴾ ((مح)): قد حمل أحمد والليث الحديث على ظاهره، وتأوله الجمهور على وجوه:
أحدها: أنه محمول على المضطرين فإن ضيافتهم واجبة.
ثانيها: أن المعنى إن لكم أن تأخذوا من أعراضكم بألسنتكم وتذكروا للناس لومهم.
стр. 2272
٤٢٤٦ - وعن أبي هريرة، قال: خرج رسول الله ﷺ ذات يوم أو ليلة، فإذا هو بأبي بكر وعمر فقال: ((ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟)) قالا: الجوع قال: ((وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما، قوموا)) فقاموا معه، فأتى رجلا من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته، فلما رأته المرأة قالت: مرحبا وأهلا. فقال لها رسول الله ﷺ : ((أين فلان؟)) قالت: ذهب يستعذب لنا من الماء. إذ جاء الأنصاري
ــ
وثالثها: أن هذا كان في أول الإسلام وكانت المواساة واجبة، فلما أشيع الإسلام نسخ، وهذا التأويل باطل؛ لأن الذي ادعاه المؤول لا يعرف قائله.
ورابعها: أنه محمول على من بأهل الذمة الذي شرط عليهم ضيافة من يمر بهم من المسلمين، وهذا أيضا ضعيف إنما صار هذا في زمن عمر بن الخطاب ﵁.
الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((الجوع)) ((مح)): فيه جواز ذكر الإنسان ما ناله من ألم ونحوه، لا على التشكي وعدم الرضاء وإظهار الجزع. ولما كانا ﵄ على المراقبة ولزوم الطاعة، فعرض لهما هذا الجوع المفرط المانع من كمال النشاط بالعبادة وتمام التلذذ بها، سعيا في إزالته بالخروج في طلب سبب مباح يدفعانه به. وقد نهى عن الصلاة مع مدافعة الأخبثين وبحضرة الطعام. وقوله: ((فإنا)) بالفاء في بعض النسخ وفي بعضها بالواو.
وقوله: ((قوموا فقاموا)) هكذا هو في الأصول بضمير الجمع وهو جائز، فمن قال: بأن أقل الجمع اثنان فظاهر. ومن قال بأن أقله ثلاثة فمجاز.
قوله: ((فأتى رجلا)) ((شف)): إفراد الضمير وإسناده إلى النبي ﷺ بعد قوله: ((قوموا فقاموا)) إيان بأنه ﷺ المطاع، وأنهما كانا مطيعين ومنقادين كمن لا اختيار له. ((مح ((: الرجل هو أبو الهيثم مالك بن التيهان بفتح التاء وكسر الياء المثناة تحت وتشديدها.
وفيه جواز الإدلال على الصاحب الذي يوثق به واستتباع جماعة إلى بيته. وفيه منقبة له وكفي به شرفا بذلك. وفيه استحباب إكرام الضيف بقوله: ((مرحبا وأهلا)) أي: صادفت رحبا وسعة وأهلا تستأنس بهم، وفيه جواز سماع كلام الأجنبية ومراجعتها الكلام للحاجة. وجواز إذن المرأة في دخول منزل زوجها لمن علمت علما محققا أنه لا يكرهه بحيث لا يخلو بها الخلوة المحرمة. وقوله: ((فأتى رجلا)) أي بيت رجل أو قصده، فلما بلغ بيته فإذا هو ليس في بيته، أي وقت خلوة من بيته، كقوله تعالى: ﴿إذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾
стр. 2273
فنظر إلى رسول الله ﷺ وصاحبيه، ثم قال: الحمد لله، ما أحد اليوم أكرم أضيافا مني. قال: فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب، فقال: كلوا من هذه، وأخذ المدية، فقال له رسول الله ﷺ : ((إياك والحلوب)) فذبح لهم، فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق، وشربوا، فلما أن شبعوا ورووا قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر: ((والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم)). رواه مسلم.
وذكر حديث أبي مسعود: كان رجل من الأنصار في ((باب الوليمة)).
ــ
قوله: ((يستعذب لنا)) أي يأتينا بماء عذب طيب، و ((من)) إما بيانية أو تبعيضية. وقوله: ((إذ جاء الأنصاري)) أي هم في ذلك إذ جاء الأنصاري. ((مح)): في قوله: ((الحمد لله)) استحباب الشكر عند هجوم بغية أو اندفاع نقمة. وفيه استحباب إظهار البشر والفرح بالضيف في وجهه. والعذق هنا بكسر العين الكباسة وهي الغصن من النخل. وفيه استحباب تقديم الفاكهة على الطعام، والمبادرة إلى الضيف بما تيسر، وإكرامه بعده بما يصنع له من الطعام. وقد كره جماعة من السلف التكلف للضيف، وهو محمول على ما يشق على صاحب البيت مشقة ظاهرة؛ لأن ذلك يمنعه من الإخلاص وكمال السرور بالضيف. وأما فعل الأنصاري وذبحه الشاة فليس مما يشق عليه، بل لو ذبح أغناما كان مسرورا بذلك مغبوطا فيه. و ((الحلوب)) ذات اللبن مفعول بمعنى مفعولة.
وفي قوله: ((فما أن شبعوا)) دليل على جواز الشبع، وما جاء في كراهته فمحمول على المداومة عليه؛ لأنه يقسي القلب وينسي أمر المحتاجين. قوله: ((أخرجكم من بيوتكم)) إلى آخره جملة مستأنفة بيان لموجب السؤال عن النعيم، يعني حيث كنتم محتاجين إلى الطعام مضطرين إليه، فنلتم غاية مطلوبكم من الشبع والري، يجب أن تسألوا ويقال لكم: هل أديتم شكرها أم لا إله إلا الله.
((مح)): قال القاضي المراد السؤال عن القيام بحق شكره، والذي نعتقده أن السؤال هنا سؤال تعداد النعم وإعلام بالامتنان بها وإظهار الكرامة وإشاعتها، لا سؤال تقريع وتوبيخ ومحاسبة.
أقول: ويدل على أنه سؤال توبيخ وتقريع الحديث الأول من الفصل الثالث حيث قال: ((فأخذ عمر العذق فضرب به الأرض حتى تناثر البسر)) إلى آخره.
стр. 2274
الفصل الثاني
٤٢٤٧ - عن المقدام بن معدي كرب، سمع النبي ﷺ يقول: ((أيما مسلم ضاف قوما، فأصبح الضيف محروما؛ كان حقا على كل مسلم نصره حتى يأخذ له بقراه من ماله وزرعه)). رواه الدارمي وأبو داود. [٤٢٤٧]
وفي رواية له: ((وأيما رجل ضاف قوما فلم يقروه، كان له أن يعقبهم بمثل قراه)).
٤٢٤٨ - وعن أبي الأحوص الجشمي، عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله! أرأيت إن مررت برجل فلم يقرني ولم يضفني ثم مر بي بعد ذلك، أأقرية أم أجزيه؟ قال: ((بل أقره)) رواه الترمذي. [٤٢٤٨]
٤٢٤٩ - وعن أنس – أو غيره – أن رسول الله ﷺ استأذن على سعد بن عبادة، فقال: ((السلام عليكم ورحمة الله)) فقال سعد: وعليكم السلام ورحمة الله، ولم يسمع النبي ﷺ حتى سلم ثلاثا، ورد عليه سعد ثلاثا، ولم يسمعه، فرجع النبي ﷺ ، فأتبعه سعد، فقال: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي، ما سلمت تسليمة إلا هي بأذني ولقد رددت عليك ولم أسمعك، أحببت أن أستكثر من سلامك ومن البركة، ثم دخلوا البيت، فقرب له زبيبا، فأكل نبي الله ﷺ ، فلما فرغ قال: ((أكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة، وأفطر عندكم الصائمون)). رواه في ((شرح السنة)). [٤٢٤٩]
ــ
الفصل الثاني
الحديث الأول عن المقدام: قوله: ((فأصبح الضيف)) مظهر أقيم مقام المضمر إشعارا بأن المسلم الذي ضاف قوما يستحق لذاته أن يقرى، فمن منع حقه فقد ظلمه، فحق لغيره من المسلمين نصره. وقوله: ((بقراه)) أي بمثل قراه كما في الرواية الأخرى. وإفراد الضمير في قوله: ((من ماله وزرعه)) باعتبار المنزل عليه والمضيف، وهو واحد. و ((يعقبهم)) أي يتبعهم ويؤاخذهم، وهذا في أهل الذمة من سكان البوادي إذا نول بهم مسلم.
الحديث الثاني عن أبي الأحوص: قوله: ((بل أقره)) فيه حث على القرى ودفع السيئة بالحسنة كقوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾
الحديث الثالث عن أنس: قوله: ((أحببت أن أستكثر من سلامك)) فيه دليل على استحباب عدم إسماع رد السلام لمثل هذا الغرض الخطير. قوله: ((أكل طعامكم الأبرار)) ((مظ)): يجوز أن
стр. 2275
٤٢٥٠ - وعن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: ((مثل المؤمن ومثل الإيمان كمثل الفرس في آخيته يجول ثم يرجع إلى آخيته، وإن المؤمن يسهو ثم يرجع إلى الإيمان؛ فأطعموا طعامكم الأتقياء، وأولوا معروفكم المؤمنين)) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) وأبو نعيم في ((الحلية)). [٤٢٥٠]
٤٢٥١ - عن عبد الله بن بسر، قال: كان للنبي ﷺ قصعة، يحملها أربعة رجال، يقال لها: الغراء، فلما أضحوا وسجدوا الضحى، أتى بتلك القصعة وقد ثرد فيها،
ــ
يكون هذا دعاء منه ﷺ ، وأن يكون إخبارا، وهذا الوصف موجود في حقه ﷺ ؛ لأنه أبر الأبرار [وأما من غيره، يكون دعاء؛ لأنه لا يجوز أن يخبر أحد عن نفسه أنه بر. أقول: ولعل إطلاق ((الأبرار))] وهو جمع على نفسه صلوات الله عليه للتعظيم، كقوله تعالى: ﴿إنَّ إبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ وقوله: ﴿شِهَابًا رَّصَدًا﴾.
الحديث الرابع عن أبي سعيد: قوله: ((في آخيته)) ((نه)): الآخية بالمد والتشديد حبيل أو عويد يعرض في الحائط ويدفن طرفاه فيه، ويصير وسطه كالعروة ويشد فيها الدابة، وجمعها الأزاخي مشددا، والأخايا على غير قياس ((قض)): ومعناه أن المؤمن مربوط بالإيمان لا انفصام له عنه، وأنه اتفق أن يحوم حول المعاصي ويتباعد عن قضية الإيمان من ملازمة الطاعة والاجتناب عن المعاصي، فإنه يعود بالآخرة إليها بالندم والتوبة وتلافي ما فرط فيها.
أقول: ((وإن المؤمن يسهو)) عطف على قوله: ((يجول)) وخولف بين الجملتين لإرادة التجدد في الأولى والثبوت في الثانية؛ لأن المؤمن لا ينفك عن الإيمان البتة، وكلاهما بيان للسابق كأنه قيل: لم شبهت حال المؤمن بحال الفرس وما حال المشبه به؟ فأجيب يجول أي الفرس والتشبيه تمثيلي؛ لأة الوجه منتزع من عدة أمور متوهمة.
والفاء في ((فأطعموا)) جزاء شرط محذوف أي إذا كان حكم الإيمان حكم الآخية، فقووا الوسائل بينكم وبينه. كما ورد عن عبد الله بن عمرو: ((أن رجلا سأل رسول الله ﷺ أي الإسلام خير؟ قال: تطعم الطعام وتبدأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف)). وإنما خص الأتقياء بالطعام؛ لأن الطعام يصير جزء البدن، فيتقوى على الطاعة، فيدعو لك ويستجاب دعاؤه في حقك، وليس كذلك سائر المعروف، وعلى هذا معنى قوله: ((أكل طعامكم الأبرار)) على الدعاء كما سبق.
الحديث الخامس والسادس عن عبد الله: قوله: ((وسجدوا الضحى)) أي صلوها.
стр. 2276
فالتفوا عليها، فلما كثروا، جثا رسول الله ﷺ . فقال أعرابي: ما هذه الجلسة؟ فقال النبي ﷺ : ((إن الله جعلني عبدا كريما، ولم يجعلني جبارا عنيدا)) ثم قال: ((كلوا من جوانبها، ودعوا ذروتها يبارك فيها)). رواه أبو داود. [٤٢٥١]
٤٢٥٢ - وعن وحشي بن حرب، عن أبيه، عن جده: أن أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله! إنا نأكل ولا نشبع. قال: ((فلعلكم تفترقون؟)) قالوا: نعم. قال: ((فاجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه)). رواه الترمذي. [٤٢٥٢]
الفصل الثالث
٤٢٥٣ - عن أبي عسيب، قال: خرج رسول الله ﷺ ليلا، فمر بي فدعاني، فخرجت إليه، ثم مر بأبي بكر بدعاه، فخرج إليه، ثم مر بعمر فدعاه، فخرج إليه، فانطلق حتى دخل حائطا لبعض الأنصار، فقال لصاحب الحائط: ((أطعمنا بسرا)) فجاء بعذق فوضعه، فأكل رسول الله ﷺ وأصحابه، ثم دعا بماء بارد، فشرب فقال: ((لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة)) قال: فأخذ عمر العذق فضرب به الأرض حتى تناثر البسر قبل رسول الله ﷺ ثم قال: يا رسول الله! إنا لمسئولون عن هذا يوم القيامة؟ قال: ((نعم، إلا من ثلاث: خرقة لف بها الرجل عورته، أو كسرة سد بها جوعته، أو حجر يتدخل فيه من الحر والقر)). رواه أحمد، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) مرسلا. [٤٢٥٣]
ــ
وقوله: ((ما هذه الجلسة)) هذه نحوها في قوله تعالى: ﴿ومَا هَذِهِ الحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ كأنه استحقرها ورفع منزلته عن مثلها، فأجاب ﷺ أن هذه جلسة تواضع لا حقارة؟ ولذلك وصف عبدا بقوله: ((كريما)).
الفصل الثالث
الحديث الأول عن أبي عسيب: قوله: ((إنا لمسئولون عن هذا يوم القيامة؟)) يجوز أن يكون
стр. 2277
٤٢٥٤ - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا وضعت المائدة فلا يقوم رجل حتى ترفع المائدة، ولا يرفع يده وإن شبع حتى يفرغ القوم، وليعذر فإن ذلك يخجل جليسه، فيقبض يده، وعسى أن يكون له في الطعام حاجة)) رواه ابن ماجه، والبيهقي في ((شعب الإيمان)). [٤٢٥٤]
٤٢٥٥ - وعن جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ إذا أكل مع قوم كان آخرهم أكلا. رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) مرسلا. [٤٢٥٥]
٤٢٥٦ - وعن أسماء بنت يزيد، قالت: أتى النبي ﷺ بطعام فعرض علينا، فقلنا: لا نستهيه. قال: ((لا تجمعن جوعا وكذبا)). رواه ابن ماجه. [٤٢٥٦]
٤٢٥٧ - وعن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله ﷺ : ((كلوا جميعا ولا تفرقوا، فإن البركة مع الجماعة)). رواه ابن ماجه. [٤٢٥٧]
٤٢٥٨ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من السنة أن يخرج الرجل مع ضيفه إلى باب الدار)) رواه ابن ماجه. [٤٢٥٨]
ــ
المشار إليه المذكور قبله، وأن يكون المشار إليه العذق المتناثر تحقيرا لشأنه. قوله: ((أو حجر)) لعل الأنسب فيه ضم الجيم وبعده حاء ساكنة ليوافق القرينتين السابقتين في الحقارة تشبيها بحجر اليرابيع ونحوها في الحقارة؛ ومن ثم عقبه بقوله: ((يتدخل)) فإنه يدل على أنه بقدر الحاجة بل أقل، وأقله يدفع عنه الحر والبرد.
الحديث الثاني عن ابن عمر: قوله: ((فإن ذلك يخجل)) المشار إليه مقدر أي وليعذر إن رفع يده، فإن رفع يده عن الطعام بلا عذر يخجل صاحبه. ومنه أخذ أبو حامد الغزالي حيث قال: لا يمسك يده قبل إخوانه إذا كانوا يحتشمون الأكل بعده، فإن كان قليل الأكل توقف في الابتداء وقلل الأكل. وإن امتنع لسبب فليعتذر إليهم دفعا للخجلة عنهم.
الحديث الثالث والرابع عن أسماء: قوله: ((لا تجمعن جوعا وكذبا)) يعني إباؤكن عن الطعام بقولكن، لا نشتهيه وأنتن جائعات جمع بين الجوع والكذب. وقريب منه قوله: ((المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور)).
стр. 2278
٤٢٥٩ - ورواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) عنه وعن ابن عباس؛ وقال: في إسناده ضعف. [٤٢٥٩]
٤٢٦٠ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الخير أسرع إلى البيت الذي يؤكل فيه من الشفرة إلى سنام البعير)). رواه ابن ماجه. [٤٢٦٠]
(٢) باب أكل المضطر
وهذا الباب خال عن: الفصل الأول والفصل الثالث
الفصل الثاني
٤٢٦١ - عن الفجيع العامري، أنه أتى النبي ﷺ ، فقال ما يحل لنا من الميتة؟ قال: ((ما طعامكم؟)) قلنا: نغتبق ونصطبح. قال أبو نعيم: فسره لي عقبة: قدح
ــ
الحديث الخامس إلى السابع عن ابن عباس: قوله: ((من الشفرة إلى سنام البعير)) شبه سرعة وصول الخير إلى البيت الذي يتناوب الضيفان فيه، بسرعة وصول الشفرة إلى السنام؛ لأنه أول ما يقطع ويؤكل لاستلذاذه. ومنه حديث عمر ﵁: ما أجهل عن كراكر [وأسنمة]، يريد إحضارها للأكل فإنها من أطايب ما يؤكل من الإبل.
باب أكل المضطر
الفصل الثاني
الحديث الأول عن الفجيع: قوله: ((ما يحل لنا من الميتة)) ((تو)): هذا لفظ أبي داود في كتابه، وقد وجدت في كتاب الطبراني وغيره: ((ما يحل لنا الميتة)) وهذا أشبه بنسق الكلام؛ لأن السؤال لم يقع على المقدار الذي يباح له، وإنما وقع عن الحالة التي تفضي به إلى الإباحة.
أقول: في قوله: ((السؤال لم يقع عن المقدار)) نظر؛ إذ لا يستقيم المعنى بدونه. وهل يصح تفسير عقبة: قدح غدوة وقدح عشية، إلا على هذا؟ وبيانه أن القوم جاءوا يشكون الجونـ وأن ليس عندهم ما تسد به جوعتهم، كما ذكر في الحديث الذي يليه: ((إنما نكون بأرض فتصيبنا بها المخمصة)) وكأنهم قالوا: ما عندنا ما نسد به جوعتنا، فما مقدار ما يحل لنا من الميتة؟؛ ولذا سأل عن مقدار طعامهم، فأجابوا قدح لبن غدوة وقدح لبن عشية. فلما سمع رسول الله ﷺ قدر جوعهم وأقسم عليه بقوله: ((ذاك وأبى الجوع)) فأباح لهم مقدار ما يسد به جوعتهم.
стр. 2279
غدوة، وقدح عشيه. قال: ((ذاك – وأبى – الجوع)) فأحل لهم الميتة على هذه الحال، رواه أبو داود. [٤٢٦١]
٤٢٦٢ - وعن أبي واقد الليثي، أن رجلا قال: يا رسول الله! إنا نكون بأرض فتصيبنا بها المخمصة، فمتى يحل لنا الميتة؟ قال: ((ما لم تصطبحوا وتغتبقوا أو تحتفئوا
ــ
ومما يدل على أن السؤال عن المقدار تفسير أبي نعيم: ((قدح غدوة وقدح عشية)) لقوله: ((نغتبق ونصطبح)) أي قال في تفسيره: هو قدح غدونة وجعل اللبن طعاما؛ لأنه يجزئ منه، يدل على الحديث التاسع في الفصل الأول من باب الأشربة.
قوله: ((نغتبق ونصطبح)) ((نه)): الصبوح الغداء والغبوق العشاء، وأصلهما في الشرب ثم استعملا في الأكل. ((تو)): وقد تمسك بهذا الحديث من يرى تناول الميتة مع أدنى شبع، والتناول منه عند [الاضطرار] إلى حد الشبع. وقد خالف هذا الحديث الذي يليه، والأمر الذي يبيح له الميتة هو الاضطرار، ولا يتحقق ذلك مع ما يتبلغ به من الغبوق والصبوح فيمسك الرمق.
والوجه فيه أن يقال: الاغتباق بقدح والاصطباح بآخر إنما كان على سبيل الاشتراك بين القوم كلهم، ومن الدليل عليه قول السائل: ((ما يحل لنا))، كأنه كان وافد قوله فلم يسأل لنفسه خاصة، وقول النبي ﷺ : ((ما طعامكم؟)) فلما تبين له أن القوم مضطرون إلى أكل الميتة لعدم الغناء في إمساك الرمق بما وصفه من الطعام أباح لهم تناول الميتة على تلك الحالة، هذا وجه التوفيق بين الحدثين.
((خط)): القدح من اللبن بالغداة والقدح بالعشي يمسك الرمق ويقيم النفس، وإن كان لا يشبع الشبع التام، وقد أباح الله تعالى مع ذلك تناول الميتة، وكان دلالته أن تناول الميتة مباح إلى أن تأخذ النفس حاجتها من القوت والشبع، وإلى هذا ذهب مالك، وهو أحد قولي الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يتناول منه إلا قدر ما يمسك رمقه، وهو القول الآخر للشافعي.
وقوله: ((وأبى الجوع)) هي كلمة جارية على ألسنة العرب تستعملها كثيرا في مخاطبتها، يريد بها التوكيد، وقد ورد النهي عن الحلف بالآباء. ويحتمل أن يكون ورود هذا قبل النهي. انتهى كلامه. وقوله: ((وأبى)) جملة قسمية معترضة بين المبتدأ والخبر الدالان على الجواب.
الحديث الثاني عن أبي واقد: قوله: ((إن رجلا قال)) أي رجل من الرجال. قوله: ((أو
стр. 2280
تحتفئوا بها بقلاً، فشأنكم بها)) معناه: إذا لم تجدوا صبوحاً أو غبوقاً ولم تجدوا بقلة تأكلونها حلت لكم الميتة. رواه الدارمي. [٤٢٦٢]
(٣) باب الأشربة
الفصل الأول
٤٢٦٣ - عن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ يتنفس في الشراب ثلاثاً متفق عليه. وزاد مسلم في رواية ويقول: ((إنه أروى وأبرأ وأمرأ)).
ــ
تحتفئوا بها)) ((نه)): قال أبو سعيد الضرير: صوابه ((ما لم تحتفوا بها)) بغير همز من إحفاء الشعر. ومن قال: ((تحتفئوا)) مهموزاً من الحفاء وهو البردي فباطل؛ لأن البردي ليس من البقول. وقال أبو عبيد: هو من الحفاء مهموز مقصور، وهو أصل البردي الأبيض الرطب منه، وقد يؤكل، يقول: ما لم تقتلعوا هذا بعينه فتأكلوه. ويروى ((ما لم تختفوا)) بتشديد الفاء من ((أحففت الشيء)): إذا أخذته كله، كما تحف المرأة وجهها من الشعر. ويروى ((ما لم تجتفوا بقلا)) بالجيم أي تقلعوه وترموا به، من ((جفات القدر)): إذا رميت بما يجتمع على رأسها من الزبد والوسخ. ويروى بالخاء فيقال: خفيت الشيء إذا أظهرته، وأخفيته إذا سترته.
أقول: ((أو)) في القرينتين يحتمل أن تكون بمعنى الواو كما في قوله تعالى: ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ قال القتيبي: هو بمعنى الواو، قال القتيبي: هو بمعنى الواو، فيجب الجمع بين الخلال الثلاث حتى يحل له تناول الميتة. وعليه ظاهر كلام الشيخ التوربشتي. وأن يكون لأحد الأمرين كما عليه ظاهر كلام الإمام في شرح السنة حيث قال: إذا اصطبح الرجل أو تغذى بالطعام لم يحل له نهاره ذلك أكل الميتة. وكذلك إذا تعشى أو شرب غبوقاً لم يحل له ليلته تلك؛ لأنه يتبلغ بتلك الشربة.
وقوله: ((ما لم تصطحبوه)) ((ما)) للمدة، والعامل محذوف كأنه قيل: تحل لكم مدة عدم اصطباحكم. والفاء في ((فشأنكم)) جزاء شرط محذوف، ويحتمل أن تكون شرطية، وقوله: جزاؤه أي مهما فقدتم هذه الأشياء فالتزموا تناول الميتة، كقوله تعالى: ﴿ومَا عَلَّمْتُم مِّنَ الجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا﴾. ((حس)): قال مسروق: من اضطر إلى الميتة والدم ولحم الخنزير فلم يأكل ولم يشرب حتى يموت دخل النار. قال معمر: ولم يسمع في الخمر رخصة، والله أعلم.
باب الأشربة
الفصل الأول
الحديث الأول عن أنس ﵁: قوله: ((يتنفس في الشراب)) ((حس)): المراد من هذا
следующие страницы →