Полный текст (3 308 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.
стр. 2346
٤٤٧٩ - وعن ابن عمر، أنه كان يصفر لحيته بالصفرة حتى تمتلئ ثيابه من الصفرة فقيل له: لم تصبغ بالصفرة؟ قال: رأيت رسول الله ﷺ يصبغ بها، ولم يكن شيء أحب إليه منها، وقد كان يصبغ بها ثيابه كلها، حتى عمامته. رواه أبو داود والنسائي. [٤٤٧٩]
٤٤٨٠ - وعن عثمان بن عبد الله بن موهب، قال: دخلت على أم سلمة، فأخرجت إلينا شعراً من شعر النبي ﷺ مخضوباً. رواه البخاري.
٤٤٨١ - وعن أبي هريرة، قال: أتى رسول الله ﷺ بمخنث، قد خضب يديه ورجليه بالحناء فقال رسول الله ﷺ : ((ما بال هذا؟)) قالوا: يتشبه بالنساء. فأمر به فنفي إلى النقيع. فقيل: يا رسول الله! ألا تقتله؟ فقال: ((إني نهيت عن قتل المصلين)). رواه أبو داود. [٤٤٨١]
٤٤٨٢ - وعن الوليد بن عقبة، قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة، جعل أهل مكة يأتونه بصبيانهم، فيدعو لهم بالبركة. ويمسح رءوسهم، فجيء بي إليه وأنا مخلق، فلم يمسني من أجل الخلوق. رواه أبو داود.
٤٤٨٣ - وعن أبي قتادة، أنه قال لرسول الله ﷺ : إن لي جمة، أفأرجلها؟ قال رسول الله ﷺ : ((نعم، وأكرمها)). قال: فكان أبو قتادة ربما دهنها في اليوم مرتين من أجل قول رسول الله ﷺ : ((نعم، وأكرمها)). رواه مالك. [٤٤٨٣]
ــ
الحديث الثاني عن ابن عمر: قوله: ((يصفر لحيته بالصفرة)) ((حس)): كان الحسن البصري يصفر لحيته حيناً ثم تركه. وعن أبي أمامة وجرير بن عبد الله والمغيرة بن شعبة وعبد الله بن بسر أنهم كانوا يصفرون لحاهم، وكان سالم بن عبد الله وسعيد بن المسيب يفعلان ذلك، ويكرهون الخضاب بالسواد ولم يره بعض. قال سعيد بن جبير: يعمد أحدكم إلى نور جعله الله في وجهه فيطفئه. وكان شديد بياض الرأس واللحية.
الحديث الثالث والرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((إلى النقيع)) هو بالنون موضع بالمدينة كان حمى.
الحديث الخامس إلى السابع عن الحجاج: قوله: ((وأنت يومئذ غلام)) حال عن مقدر يعني
стр. 2347
٤٤٨٤ - وعن الحجاج بن حسان، قال دخلنا على أنس بن مالك، فحدثتني أختي المغيرة، قالت: وأنت يومئذ غلام، ولك قرنان، أو قصتان، فمسح رأسك، وبرك عليك، وقال: ((احلقوا هذين أو قصوهما؛ فإن هذا زي اليهود)). رواه أبو داود. [٤٤٨٤]
٤٤٨٥ - وعن علي، قال: نهى رسول الله ﷺ أن تحلق المرأة رأسها. رواه النسائي. [٤٤٨٥]
٤٤٨٦ - وعن عطاء بن يسار، كان رسول الله ﷺ في المسجد، فدخل رجل ثائر الرأس واللحية، فأشار إليه رسول الله ﷺ بيده، فكأنه يأمره بإصلاح شعره ولحيته، ففعل، ثم رجع. فقال رسول الله ﷺ : ((أليس هذا خيراً من أن يأتي أحدكم وهو ثائر الرأس كأنه شيطان)). رواه مالك. [٤٤٨٦]
٤٤٨٧ - وعن ابن المسيب سمع يقول: ((إن الله طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم، جواد يحب الجود؛ فنظفوا – أراه قال: أفنيتكم -، ولا تشبهوا باليهود)). [٤٤٨٧]
ــ
أنا أذكر أنا دخلنا على أنس مع جماعة، ولكني أنسيت كيفية الدخول فحدثتني أختي، وقالت: أنت يوم دخولك غلام .. إلى آخره. والمغيرة هذه رأت أنساً وروت عنه. و ((القصة)) بالقاف المضمومة والضاد المعجمة شعر الناصية، وقرون الشعر الضفائر.
الحديث الثامن عن علي ﵁: قوله: ((أن تحلق المرأة رأسها)) وذلك أن الذوائب للنساء كاللحى للرجال في الهيئة والجمال. وفيه جواز حلق الرجل.
الحديث التاسع والعاشر عن ابن المسيب: قوله: ((فنظفوا)) الفاء فيه جواب شرط محذوف، إذا تقرر ذلك فطيبوا كل ما أمكن تطييبه. ونظفوا كل ما سهل لكم تنظيفه حتى أفنية الدار. وهي متسع أمام الدار، وهو كناية عن نهاية الكرم والجود؛ فإن ساحة الدار إذا كانت واسعة نظيفة طيبة، كانت أدعى لجلب الضيفان الواردين والصادرين. وإليه ينظر قول الحماسي:
فإن تمش مهجور الفناء فربما أقام به بعد الوفود وفود
стр. 2348
قال: فذكرت ذلك لمهاجر بن مسمار، فقال: حدثنيه عامر بن سعد، عن أبيه، عن النبي ﷺ مثله، إلا أنه قال: ((نظفوا أفنيتكم)). رواه الترمذي.
٤٤٨٨ - وعن يحيى بن سعيد، أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: كان إبراهيم خليل الرحمن أول الناس ضيف الضيف، وأول الناس اختتن، وأول الناس قص شاربه، وأول الناس رأي الشيب. فقال: يا رب: ما هذا؟ قال الرب ﵎: وقار يا إبراهيم. قال: رب زدني وقاراً. رواه مالك. [٤٤٨٨]
ــ
ومنه حديث أم أبي زرع ((قالت العاشرة: زوجي مالك وما مالك؟، مالك خير من ذلك، له إبل كثيرات المبارك، قليلات المسارح، إذا سمعن صوت المزهر أيقن أنهن هوالك)). والفرق بين الكرم والجود أن الجود بذل المقتنيات. ويقال: رجل جواد وفرس جواد، يجود بمدخر عدوه. والكرم إذ وصف الإنسان به فهو اسم للأخلاق والأفعال المحمودة التي تظهر منه، ولا يقال: هو كريم، حتى يظهر ذلك منه. وقوله ﴿إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ فإنما كان كذلك؛ لأن الكرم الأفعال المحمودة، وأشرف ما يقصد به وجه الله تعالى، فمن قصد ذلك بمحاسن فعله، فهو التقى، فإذن أكرم الناس أتقاهم كل شيء يشرف في بابه، فإنه يوصف بالكرم. قال تعالى ﴿كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ومَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ قاله الراغب.
الحديث الحادي عشر عن يحيى: قوله: ((ضيف)) الضيف هو خبر ((كان)) و ((أول الناس)) ظرف له، وكذا ما بعده. ويحتمل أن يكون ((أول الناس)) خبر ((كان)) و ((ضيف)) يكون مؤولا بمصدر وقع تمييزاً، أي أول الناس تضييفاً، أو يقدر المميز ويكون الفعل المذكور بياناً له. و ((ضيف الضيف)) مجاز باعتبار ما يؤول إليه، كقول ابن عباس ﵄: إذا أراد أحدكم الحج، فليعجل؛ فإنه يمرض المريض، وتضل الضالة. فسمى المشارف للضيف، والمرض والضلال ضيفاً ومريضاً وضالة. وسمى الشيب وقاراً؛ لأن زمان الشيب أوان رزانة النفس والسكون والثبات في مكارم الأخلاق. قال الله تعالى: ﴿لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقَارًا﴾. قال ابن عباس ﵄: ما لكم لا تخافون لله عاقبة؛ لأن العاقبة حال استقرار الأمور، وثبات الثواب والعقاب، من وقر إذا ثبت واستقر.
стр. 2349
(٤) باب التصاوير
الفصل الأول
٤٤٨٩ - وعن أبي طلحة، قال: قال النبي ﷺ : ((لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب، ولا تصاوير)). متفق عليه.
ــ
باب التصوير
الفصل الأول
الحديث الأول عن أبي طلحة: قوله: ((فيه كلب ولا تصاوير)) ((خط)): إنما لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب أو صورة مما يحرم اقتناؤه من الكلاب والصور. وأما ما ليس بحرام من كلب الصيد والزرع والماشية، والصورة التي تمتهن في البساط والوسادة ونحوها، فلا يمتنع دخول الملائكة بسببه.
((مح)): الأظهر أنه عام في كل كلب وكل صورة، وأنهم يمتنعون من الجميع لإطلاق الأحاديث، ولأن الجرو الذي كان في بيت النبي ﷺ تحت السرير، كان له فيه عذر ظاهر؛ لأنه لم يعلم به ومع هذا امتنع جبريل ﵇ من دخول البيت وعلله بالجرو.
وقال العلماء: سبب امتناعهم من الدخول في بيت فيه صورة، كونها معصية فاحشة. وفيها مضاهاة لخلق الله تعالى. وبعضها في صورة ما يعبد من دون الله تعالى، ومن الدخول في بيت في كلب؛ كونه يأكل النجاسة؛ ولأن بعضه يسمى شيطاناً، كما ورد في الحديث، والملائكة ضد الشياطين؛ ولقبح رائحته، ومن اقتناه عوقب بحرمان دخول الملائكة بيته، وصلاتها عليه، واستغفارها له، وهؤلاء الملائكة غير الحفظة؛ لأنهم لا يفارقون المكلفين.
قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: تصوير صور الحيوان حرام شديد التحريم، وهو من الكبائر؛ لأنه متوعد عليه بهذا الوعيد الشديد المذكور في الأحاديث، وسواء صنعه في ثوب أو بساط أو درهم أو دينار وغير ذلك.
وأما تصوير صورة الشجر [والرحال] وغير ذلك فليس بحرام. هذا حكم نفس التصوير، وأما اتخاذ المصور بحيوان فإن كان معلقاً على حائط، سواء كان له ظل أو لا أو ثوباً ملبوساً أو عمامة أو نحو ذلك فهو حرام. وأما الوسادة ونحوها مما يمتهن فليس بحرام، ولكن هل يمنع دخول الملائكة فيه أم لا؟ فقد سبق. قال القاضي عياض: وما ورد في تصوير الشباب للعب البنات فمرخص، لكن كره مالك شراءها للرجل. وادعى بعضهم أن إباحة اللعب لهن بالثياب منسوخ بهذه الأحاديث.
قوله: ((ولا تصاوير)) معطوف على قوله: ((كلب))، ومن حق الظاهر أن تكرر ((لا)) ويقال: ((لا
٤٤٩٠ - وعن ابن عباس، عن ميمونة: أن رسول الله ﷺ أصبح يوماً واجماً، وقال: ((إن جبريل كان وعدني أن يلقاني الليلة، فلم يلقني، أم والله، ما أخلفني)). ثم وقع في نفسه جرو كلب تحت فسطاط له، فأمر به، فأخرج، ثم أخذ بيده ماء، فنضح مكانه، فلما أمسى لقيه جبريل. فقال: ((لقد كنت وعدتني أن تلقاني البارحة)). قال: أجل، ولكنا لا ندخل بيتاً فيه كلب، ولا صورة، فأصبح رسول الله ﷺ يومئذ، فأمر بقتل الكلاب، حتى إنه يأمر بقتل كلاب الحائط الصغير، ويترك كلب الحائط الكبير. رواه مسلم.
стр. 2350
٤٤٩١ - وعن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ لم يكن يترك في بيته شيئاً فيه تصاليب، إلا نقضه. رواه البخاري.
ــ
كلب وال تصاوير))، ولكن لما وقع في سياق النفي جاز كقوله تعالى: ﴿مَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾، وفيه من التأكيد أنه لو لم يذكر لاحتمل أن المنفي الجمع بينهما، نحو قولك: ما كلمت زيداً ولا عمراً، ولو حذفت ((لا)) جاز أن تكلم أحدهما؛ لأن الواو للجمع وإعادة ((لا)) كإعادة الفعل.
الحديث الثاني عن ابن عباس: قوله: ((واجما)) ((نه)): أي مهتما، والواجم الذي أسكنه الهم وغلبته الكآبة. وقد وجم يجم وجوما. قوله: ((أم والله)) أي أما والله ما أخلفني جبريل في الوعد قبل ذلك قط، فحذف ألف ((أما)) للتخفيف.
((مح)): فيه أن من تكدر وقته وتنكدت وظيفته، ينبغي أن يتفكر في سببه، كما فعل النبي ﷺ هنا؛ حتى استخرج الكلب، وإليه أشار التنزيل بقوله: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا﴾. قوله: ((يأمر)) حكاية الحال الماضية. وقوله: ((يترك)) معطوف على معنى لم يأمر بقتل كلب الحائط الكبير، وهو مستفاد من وصف الحائط بالكبير. وفيه دليل لمن عمل بالمفهوم نحو ((في الغنم السائمة زكاة)).
الحديث الثالث عن عائشة ﵂: قوله: ((تصاليب)) ((تو)): أخرج الراوي تصاليب مخرج تماثيل، وقد اختلفنا في الأصل؛ فإن الأصل في التصاليب هو التصليب، وكأنهم سموا ما كان فيه صورة الصليب تصليباً بالمصدر، ثم جمعوه كما فعلوا في تصاوير.
وهذا الحديث مخرج في كتاب أبي داود، ولفظه: كان لا يترك في بيته شيئاً فيه تصليب إلا قضبه. ومعنى قضبه قطعه، فيحتمل أن يكون اختلاف اللفظين من بعض الرواة، والحديث على ما في كتاب أبي داود أفصح وأقيس. انتهى كلامه.
стр. 2351
٤٤٩٢ - وعنها، أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير، فلما رآها رسول الله ﷺ قام على الباب، فلم يدخل، فعرفت في وجهه الكراهية. قالت: فقلت: يا رسول الله! أتوب إلى الله وإلى رسوله، ما أذنبت؟ فقال رسول الله ﷺ : ((ما بدل هذه النمرقة؟)) قلت: اشتريتها لك لتقعد عليها، وتوسدها. فقال رسول الله ﷺ : ((إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم)).
وقال: ((إن البيت الذي فيه الصورة لا تدخله الملائكة)). متفق عليه.
٤٤٩٣ - وعنها، أنها كانت اتخذت على سهوة لها ستراً فيه تماثيل، فهتكه النبي ﷺ ، فاتخذت منه نمرقتين، فكانتا في البيت، يجلس عليهما. متفق عليه.
ــ
وفيه نظر؛ فإن رواه البخاري أوثق وأضبط، والاعتماد على ما رووه أولى وأحرى. ((خط)): ذكر في إعلام السنن وهو شرح البخاري أوثق، وفي سائر الروايات الأقضية. وقوله: ((في سائر الروايات)) يؤذن أنها في كتاب البخاري؛ لأن معنى السائر البقية من الشيء كذا صرح به صاحب النهاية؛ لأنه أخذ من السور.
الحديث الرابع عن عائشة ﵂: قوله: ((نمرقة)) ((مح)): بضم النون وفتح الراء وهي وسادة صغيرة. وقيل: هي مرقعة. قوله: ((ما أذنبت؟)) فيه أدب حسن من الصديقة ﵂ حيث قدمت التوبة على إطلاعها على الذنب، ونحوه قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾، قدم العفو تلطفاً برسول الله ﷺ ، بدأ بالعفو قبل إبداء الذنب، كما قدمت التوبة على عرفان الذنب؛ ومن ثمة قالت: ((ما أذنبت؟)) أي ما اطلعت على ذنب؛ ومن ثم حسن قوله ﷺ : ((ما بال هذه النمرقة)).
وفي الحديث دليل على أن امتناع دخول الملائكة في بيت فيه صورة، إنما هو لأجلها، سواء كانت مباحة أو حراماً، كما ذهب إليه الشيخ محيي الدين في الحديث السابق. و ((ما خلقتم)) أي ما صورتم فعدل إليه تهكماً بهم، وبمضاهاتهم الخالق في إنشاء الصور. والأمر ((بأحيوا)) تعجيز لهم. ((مح)): نحو قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾.
الحديث الخامس عن عائشة ﵂: قوله: ((على سهوة)) ((حس)): السهوة الكوة بين الدارين. ((فا)): هي كالصفة تكون بين يدي البيت. وقيل: هي بيت صغير منحدر في الأرض وسمكه مرتفع منها، شبيه بالخزانة يكون في المتاع. وقيل: شبيه بالرف أو الطاق يوضع فيها الشيء، كأنها سميت بذلك؛ لأنها يسهى عنها لصغرها وخفائها.
стр. 2352
٤٤٩٤ - وعنها، أن النبي ﷺ خرج في غزاة، فأخذت نمطاً فسترته على الباب، فلما قدم، فرأي النمط، فجذبه حتى هتكه، ثم قال: ((إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين)). متفق عليه.
٤٤٩٥ - وعنها، عن النبي ﷺ قال: ((أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله)). متفق عليه.
٤٤٩٦ - وعن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو شعيرة)). متفق عليه.
٤٤٩٧ - وعن عبد الله بن مسعود، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((أشد الناس عذاباً عند الله المصورون)). متفق عليه.
ــ
فإن قلت: كيف التوفيق بين هذا الحديث والحديث السابق؟. قلت: التماثيل إذا حملت على غير الصور المحرمة يكون علة الهتك ما يجئ في الحديث الذي يتلوه: إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين)). وإذا حملت على التصوير يكون استعمالها في النمارق بقطع الرءوس. ((مح)): معنى ((هتكه)) قطعه وأتلف الصور التي فيه.
الحديث السادس عن عائشة ﵂: ((فرأي النمط)) عطف على محذوف، هو جواب ((لما)) أي دخل فرأي. والنمط ضرب من البسط، له خمل رقيق، والجمع أنماط، ((مح)): وكان فيه صور الخيل ذوات الأجنحة، فأتلف صورها. واستدل به على جواز اتخاذ الوسائد، وعلى أنه يمنع من ستر الحيطان، وهو كراهة تنزيه لا تحريم. قوله ﷺ : ((لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين)) لا يدل على النهي عنه ولا على الواجب والندب. وفيه تغيير المنكر باليد، والغضب عند رؤية المنكر.
الحديث السابع عن عائشة ﵂: قوله: ((يضاهون)) ((قض)): أي يشابهون فيفعلون ما يضاهي خلق الله، أي مخلوقة أو يشبهون فعلهم لفعله، أي في التصوير والتخليق.
الحديث الثامن والتاسع عن عبد الله بن مسعود: قوله: ((أشد الناس عذاباً)) ((شف)): الرواية المشهورة في هذا الحديث ((إن من أشد الناس عذاباً المصورون)) بالرفع، هكذا أورد ابن مالك في شرحه واعتذر عن الرفع فقال: قال الكسائي: ((من)) زائدة. وقال بعضهم: هاهنا ضمير الشأن مقدر، أي: إنه من أشد الناس عذاباً المصورون.
стр. 2353
٤٤٩٨ - وعن ابن عباس، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفساً، فيعذبه في جهنم)). قال ابن عباس: فإن كنت لابد فاعلاً: فاصنع الشجر وما لا روح فيه. متفق عليه.
٤٤٩٩ - وعنه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من تحلم بحلم لم يره؟ كلف أن يعقد بين شعرتين، ولن يفعل، ومن استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون، أو يفرون منه، صب في أذنيه الآنك يوم القيامة. ومن صور صورة عذب وكلف أن ينفخ فيها، وليس بنافخ)). رواه البخاري.
ــ
أقول: ذكر الشيخ محيي الدين في شرح صحيح مسلم روايات كثيرة، وليس فيها لفظة ((إن)). نعم في رواية البخاري: ((إن أشد الناس)) بغير (من). ((مح)): ((أشد عذاباً)) هذا محمول على من صور الأصنام لتعبد، فله أشد عذاب؛ لأنه كافر. وقيل: هذا فيمن قصد المضاهاة بخلق الله، واعتقد ذلك وهو أيضاً كافر، وعذابه أشد. ومن لم يقصدهما فهو فاسق لا يكفر كسائر المعاصي. وأما الشجر ونحوه مما لا روح فيه فلا يحرم صنعته ولا التكسب به.
وهذا مذهب العلماء إلا مجاهداً؛ فإنه جعل الشجرة المثمرة من المكروه. واحتج بقوله ﷺ ((ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي)) فذكر الذرة وهي ذات روح، وذكر الحنطة والشعير وهما جمادان. ووعد عليه وعيداً شديداً؛ حيث أخرج الجملة على سبيل الاستفهام الإنكاري. وذكر الظلم على صيغة التفضيل.
واحتج الجمهور بقوله ﷺ : ((أحيوا ما خلقتم)) وبالمضاهاة بخلق الله. ويؤيده حديث ابن عباس: ((إن كنت لابد فاعلا فاصنع الشجر وما لا نفس له)).
((خط)): المصور هو الذي يصور أشكال الحيوان فيحكيها بتخطيط لها وتشكيل، فأما النقاش الذي ينقش أشكال الشجر ويعمل التداوير والخواتيم ونحوها، فإني أرجو أن لا يدخل في هذا الوعيد، وإن كان جملة هذا الباب مكروها وداخلا فيما يلهى ويشغل بما لا يعني. وإنما عظمت العقوبة في الصورة؛ لأنها تعبد من دون الله فالنظر إليها يفتن، وبعض النفوس نحوها تنزع.
الحديث العاشر عن ابن عباس: قوله: ((نفساًً)) كذا في جامع الأصول وأكثر نسخ المصابيح، وهو مشكل لاستناد الفعل إلى الجار مع مجروره مع وجود المفعول به. وفي بعضها ((نفس)) بالرفع وهو الظاهر.
الحديث الحادي عشر عن ابن عباس: قوله: ((من تحلم بحلم)) ((قض)): الحلم بضمتين الرؤيا، وحلم يحلم – بالضم – حلما رأي الرؤيا، وتحلم إذا ادعى أنه رأي ولم ير. ((كلف أن
стр. 2354
٤٥٠٠ - وعن بريدة، أن النبي ﷺ قال: ((من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه)). رواه مسلم.
الفصل الثاني
٤٥٠١ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أتاني جبريل ﵇ قال: أتيتك البارحة، فلم يمنعني أن أكون دخلت إلا أنه كان على الباب تماثيل، وكان في البيت قرام ستر، فيه تماثيل، وكان في البيت كلب، فمر برأس التمثال
ــ
يعقد بين شعيرتين)) أي عذب حتى يفعل ذلك، فيجمع بين ما لم يمكن أن يعقد كما عقد بين ما سرده، واختلق من الرؤيا، ولم يكن يقدر أن يعقد بينهما. ونظيره قوله ﷺ : ((من صور صورة، كلف أن ينفخ فيها، وليس بنافخ)). وقيل: معناه: ليس أن ذلك عذابه وجزاؤه، بل أنه يجعل ذلك شعاره ليعلم به أنه كان يزور الأحلام. ولفظة ((كلف)) يشعر بالمعنى الأول.
((نه)): إن قيل: إن كذب الكاذب في منامه، لا يزيد على كذبه في يقظته، فلم زادت عقوبته ووعيده؟. قيل: قد صح الخبر أن الرؤيا الصادقة جزء من النبوة، والنبوة لا تكون إلا وحياً، والكاذب في رؤياه يدعي أن الله تعالى أراه ما لم يره، وأعطاه جزءاً من النبوة لم يعطه إياه. والكاذب على الله تعالى أعظم فرية ممن كذب على الخلق أو على نفسه.
أقول: فيه أن هذه الرؤيا مخصوصة فيما يتعلق بالإخبار على الغيوب وأمور الدين.
[((مظ))]: إن هذا التغليظ في شأن من يقول: إن الله تعالى جعلني نبياً، وأخبرني بأن فلاناً مغفور أو ملعون أو بكذا وكذا، أو أمرني النبي ﷺ بكذا وكذا، ولم يكن قد رأي ذلك. وأما من يقول: أمرني الله بالطاعة واجتناب المعصية أو بوعظ الناس والبر إليهم، فإنه وإن كان كاذباً في رؤياه إلا أن عذابه لم يكن مثل عذاب الآخر.
الحديث الثاني عشر عن بريدة: قوله: ((بالنردشير)) ((نه ومح)): هو النرد وهو عجمي معرب. وشير معناه حلو. وهذا الحديث حجة للشافعي والجمهور في تحريم اللعب به. ومعنى ((صبغ يده في لحم الخنزير ودمه)) أنه في لعبه ذلك كأنه صبغ يده في لحم الخنزير ودمه وأكلها. تم كلامه. وفيه تصوير قبح ذلك الفعل تنفيراً عنه، كما إذا شبهت وجها مجدوراً بسلخة جامدة نقرتها الديكة.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((قرام ستر)) ((نه)): ((القرام)) الستر الرقيق. وقيل: الصفيق من صوف ذي ألوان. والإضافة فيه كقولك: ثوب قميص.
الذي على باب البيت فيقطع، فيصير كهيئة الشجرة، ومر بالستر فليقطع، فليجعل وسادتين منبوذتين توطآن، ومر بالكلب فليخرج)). ففعل رسول الله ﷺ . رواه الترمذي، وأبو داود. [٤٥٠١]
٤٥٠٢ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يخرج عنق من النار يوم القيامة لها عينان تبصران، وأذنان تسمعان، ولسان ينطق يقول: إني وكلت بثلاثة: بكل جبار عنيد، وكل من دعا مع الله آلهاً آخر، وبالمصورين)). رواه الترمذي. [٤٥٠٢]
стр. 2355
٤٥٠٣ - وعن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله تعالى حرم الخمر، والميسر، والكوبة، وقال: كل مسكر حرام)). قيل: الكوبة الطبل رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [٤٥٠٣]
٤٥٠٤ - وعن ابن عمر: أن النبي ﷺ نهى عن الخمر، والميسر، والكوبة، والغبيراء، والغبيراء: شراب يعمله الحبشة من الذرة، يقال له: السكركة. رواه أبو داود. [٤٥٠٤]
ــ
وقيل: القوم الستر الرقيق وراء الستر الغليظ؛ ولذلك أضاف.
((حس)): فيه دليل على أن الصور إذا غيرت هيئاتها بأن قطعت رءوسها، أو حلت أوصالها، حتى لم يبق منها إلا أثر لا على شبه الصورة فلا بأس به، وعلى أن موضع التصوير إذا نقض، حتى تنقطع أوصاله جاز استعماله. قوله: ((فيقطع)) في جامع الأصول وأكثر نسخ المصابيح بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وفي بعضها بالنصب على أنه جواب الأمر؛ فإن أمر الشارع سبب للامتثال والأول ألطف معنى.
الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((عنق من النار)) أي طائفة منها. و ((من)) بيانية والضمير في ((لها)) راجع إلى معنى ((عنق))، ((نه)): الجبار هو المتمرد العاتي، والعنيد الجائر عن القصد، الباغي، الذي يرد الحق مع العلم به.
الحديث الثالث والرابع عن ابن عمر: قوله: ((السكركة)) ((نه)): بضم السين والكاف الأولى وسكون الراء، نوع من الخمور يتخذ من الذرة. ((فا)): سميت بالغبيراء؛ لما فيها من غبرة.
стр. 2356
٤٥٠٥ - وعن أبي موسى الأشعري، أن رسول الله ﷺ قال: ((من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله)) رواه أحمد، وأبو داود. [٤٥٠٥]
٤٥٠٦ - وعن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ رأي رجلاً يتبع حمامة فقال: شيطان يتبع شيطانة)). رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والبيهقي في ((شعب الإيمان)). [٤٥٠٦]
الفصل الثالث
٤٥٠٧ - عن سعيد بن أبي الحسن، قال: كنت عند ابن عباس، إذ جاءه رجل، فقال: يا بن عباس! إني رجل، إنما معيشتي من صنعة يدي، وإني أصنع هذه التصاوير. فقال ابن عباس: لا أحدثك إلا ما سمعت من رسول الله ﷺ ، سمعته يقول: ((من صور صورة؛ فإن الله معذبه حتى ينفخ فيه الروح، وليس بنافخ فيها أبداً)). فربا الرجل ربوة شديدة، واصفر وجهه، فقال: ويحك إن أبيت إلا أن تصنع، فعليك بهذا الشجر وكل شيء ليس فيه روح. رواه البخاري.
ــ
قوله: ((الذرة)) بالتخفيف، الجوهري: الذرة حب معروف وأصله ذرو والهاء عوض. والله أعلم.
الحديث الخامس والسادس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((شيطان يتبع شيطانه)) ((تو)): أي يقفو أثرها لا عبا بها. وإنما سماه شيطاناً؛ لمباعدته عن الحق، واشتغاله بما لا يعنيه. وسماها شيطانة؛ لأنها أورثته الغفلة عن ذكر الله، والشغل عن الأمر الذي كان بصدده في دينه ودنياه.
((مح)): اتخاذ الحمام للفرج والبيض أو الأنس، أو حمل الكتب جائز بلا كراهة. وأما اللعب بها بالتطيير فالصحيح أنه مكروه، فإن انضم إليه قمار ونحوه ردت الشهادة.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن سعيد: قوله: ((فربا الرجل)) الجوهري: الربو النفس العالي، يقال ربا يربو ربواً إذا أخذه الربو. قوله: ((كل شيء)) يجوز فيه الجر على أنه بيان للشجر؛ لأنه لما منعه عن التصوير وأرشده إلى جنس الشجر، رأي ذلك غير واف بالقصد، فأوضحه به وهو قريب من البدل ويجوز النصب على التفسير.
стр. 2357
٤٥٠٨ - وعن عائشة، قالت: لما اشتكى النبي ﷺ ، ذكر بعض نسائه كنيسة يقال لها: مارية، وكانت أم سلمة وأم حبيبة أتتا أرض الحبشة، فذكرتا من حسنها وتصاوير فيها، فرفع رأسه فقال: ((أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، ثم صوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار خلق الله)). متفق عليه.
٤٥٠٩ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة من قتل نبياً، أو قتله نبي أو قتل أحد والديه، والمصورون، وعالم لم ينتفع بعلمه)). [٤٥٠٩]
٤٥١٠ - وعن علي ﵁ أنه كان يقول: الشطرنج هو ميسر الأعاجم. [٤٥١٠]
٤٥١١ - وعن ابن شهاب، أن أبا موسى الأشعري قال: لا يلعب بالشطرنج إلا خاطئ. [٤٥١١]
٤٥١٢ - وعنه، أنه سئل عن لعب الشطرنج، فقال: هي من الباطل، ولا يحب الله الباطل. روى البيهقي الأحاديث الأربعة في ((شعب الإيمان)). [٤٥١٢]
ــ
الحديث الثاني عن عائشة: قوله: ((كنيسة)) المغرب: يقال لمعبد اليهود والنصارى كنيسة وهي تعريب كنست. تم كلامه. وباعتبار التعبد فيها قال ﷺ : ((بنوا على قبره مسجداً)).
الحديث الثالث عن ابن عباس: قوله: ((أو قتله نبي)) يعني في سبيل الله، يؤيده التقييد في الرواية الأخرى: ((اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله ﷺ في سبيل الله)).
((مح)): ((في سبيل الله)) احتراز ممن يقتل في حد أو قصاص؛ لأن من قتله النبي ﷺ في سبيل الله كان قاصداً قتل النبي ﷺ . قوله: ((والمصورون، وعالم لم ينتفع)) عدل عن صريح الفعل في القرينتين، ولم يقل: من صور من علم، كما في الأوليين؛ إشارة بأن أدنى ملابسة بقتل نبي أو أحد واليه أعظم منهما، نظيره قوله تعالى: ﴿ولا تَرْكَنُوا إلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ حيث لم يقل: ((إلى الظالم)) إشارة بأن أدنى ميل إلى من صدر منه أدنى ظلم موجب لمس النار، فكيف لمن ينهمك في الظلم ويتمرن فيه؟.
الحديث الرابع إلى السادس عن ابن شهاب: قوله: ((هي من الباطل)) أنث الراجع إلى الشطرنج باعتبار التماثيل. ((حس)): اختلفوا في إباحة اللعب بالشطرنج، فرخص فيه بعضهم؛ لأنه قد يتبصر به في أمر الحرب ومكيدة العدو، ولكن بثلاث شرائط: أن لا يقامر، ولا يؤخر
стр. 2358
٤٥١٣ - وعن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ يأتي دار قوم من الأنصار، ودونهم دار، فشق ذلك عليهم، فقالوا: يا رسول الله! تأتي دار فلان، ولا تأتي دارنا. فقال النبي ﷺ : ((لأن في داركم كلباً)). قالوا: إن في دارهم سنوراً. فقال النبي ﷺ ((السنور سبع)). رواه الدارقطني. [٤٥١٣]
كتاب الطب والرقى
الفصل الأول
٤٥١٤ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء)). رواه البخاري.
ــ
الصلاة عن وقتها، وأن يحفظ لسانه عن الخنا والفحش، فإذا فعل شيئاً منها فهو ساقط المروءة مردود الشهادة. وكره الشافعي اللعب بالشطرنج والحمام كراهة تنزيه، وحرمه جماعة كالنرد. قال مجاهد: القمار كله حتى الجوز يلعب به.
الحديث السابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((السنور سبع)) [يجوز أن يحمل على الاستفهام على سبيل الإنكار، وعلى الإخبار وهو الوجه. أي السنور سبع] وليس بشيطان كالكلب النجس. وقد سبق في صدر الباب أن سبب امتناع الملائكة من بيت فيه كلب، كونه يأكل النجاسة؛ ولأن بعضه يسمى شيطاناً والملائكة ضد الشياطين.
كتاب الطب والرقى
في أساس البلاغة هو طبيب بين الطب وطب ومتطبب، وجاء فلان يستطب لوجعه أي يستوصف الطبيب. قال:
لكل داء دواء يستطب به إلا الحماقة أعيت من يداويها
وهذا طباب هذه العلة. أي ما تطب به. ومن المجاز: أنا طب بهذا الأمر أي عالم به. وفلان مطبوب، مسحور وطب الرجل وهو يشكو الطب. والرقى جمع رقية وهي العوذة التي يرقى بها صاحب الآفة كالحمى والصرع وغير ذلك.
الفصل الأول
الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((ما أنزل الله داء)) أي ما أصاب أحداً بداء إلا قدر له دواء.
стр. 2359
٤٥١٥ - وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء؛ برأ بإذن الله)). رواه مسلم.
٤٥١٦ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الشفاء في ثلاث: في شرطة محجم، أو شربة عسل، أو كية بنار، وأنا أنهي أمتي عن الكي)). رواه البخاري.
٤٥١٧ - وعن جابر، قال: رمى أبي يوم الأحزاب على أكحله، فكواه رسول الله ﷺ . رواه مسلم.
ــ
الحديث الثاني عن جابر: قوله: ((برأ بإذن الله)) ((نه)): يقال: برأت من المرض إبراء براء بالفتح، وأبرأني الله من المرض. وغير أهل الحجاز يقولون: برئت بالكسر براء بالضم. انتهى كلامه. وإنما قيد البرء بإذن الله أي بتسهيله؛ لئلا يتوهم أن الدواء مستقل بالشفاء.
((مح)): فيه إشارة إلى استحباب الدواء، وهو مذهب جمهور السلف وعامة الخلف، وإلى رد من أنكر التداوي، وقال: كل شيء بقضاء وقدر فلا حاجة إلى التداوي. وحجة الجمهور هذه الأحاديث. اعتقدوا أن الله تعالى هو الفاعل وأن التداوي أيضاً من قدر الله وهذا الأمر بالدعاء ويقتال الكفار، وبالتحصين ومجانبة الإلقاء باليد إلى التهلكة، مع أن الأجل لا يتأخر، والمقادير لا تتغير.
الحديث الثالث عن ابن عباس: قوله: ((شرطة محجم)) المحجم بكسر الميم وهي الآلة التي يجتمع فيها دم الحجامة عند المص، ويراد به ها هنا الحديدة التي يشرط بها موضع الحجامة، والشرطة فعلة من شرط الحاجم يشرط إذا نزه وهو الضرب على موضع الحجامة ليخرج الدم منه.
((خط)): الكي داخل في جملة العلاج والتداوي المأذون فيه، والنهي عن الكي يحتمل أن يكون من اجل أنهم يعظمون أمره، ويرون أنه يحسم الداء ويبرئه، وإذا لم يفعل هلك صاحبه، ويقولون: آخر الدواء الكي، فنهاهم النبي ﷺ عن ذلك على هذا الوجه، وأباح استعماله على معنى طلب الشفاء والترجي للبرء، مما يحدث الله من صنعه فيه، فيكون الكي والدواء سبباً لا علة. أقول: ويؤيده تخصيص ذكر الأمة أي أنا أنهاهم لئلا يعدوا الكي علة مستقلة.
الحديث الرابع عن جابر: قوله: ((أبي)) ((مح)): هو بضم الهمزة وفتح الباء وتشديد الياء، هكذا صوابه، وهو أبي بن كعب وصحفه بعضهم، فقال: هو بفتح الهمزة وكسر الباء، وتخفيف الياء وهو غلط؛ لأن أبا جابر استشهد يوم أحد قبل الأحزاب بأكثر من سنة.
стр. 2360
٤٥١٨ - وعنه، قال: رمى سعد بن معاذ في أكحله، فحسمه النبي بيده بمشقص، ثم ورمت، فحسمه الثانية. رواه مسلم.
٤٥١٩ - وعنه، قال: بعث رسول الله ﷺ إلى أبي بن كعب طبيباً، فقطع منه عرقاً، ثم كواه عليه. رواه مسلم.
٤٥٢٠ - وعن أبي هريرة، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((في الحبة السوداء شفاء من كل داء، إلا السام)). قال ابن شهاب: السام: الموت. والحبة السوداء: الشونيز. متفق عليه.
٤٥٢١ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: أخي استطلق بطنه فقال رسول الله ﷺ : ((اسقه عسلاً)). فسقاه، ثم جاء، فقال: سقيته
ــ
قال الخليل: الأكحل عرق الحياة. وقيل: نهر الحياة، وفي كل عضو شعبة منه، وله فيها اسم مفرد، يقال له في اليد: الأكحل، وفي الفخذ النسا وفي الظهر الأبهر. فإذا قطع في اليد لم يرقأ الدم، وحسمه ليقطع الدم.
الحديث السادس والسابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((الحبة السوداء)) الشونيز. ((مح)): هذا هو الصواب المشهور الذي ذكره الجمهور قال القاضي: وروى عن الحسن أنها الخردل، وقيل: هي الحبة الخضراء، وهي البطم. والعرب تسمى الأخضر الأسود.
((خط)) في إعلام السنن: وهذا من عموم اللفظ الذي يراد به الخصوص وليس يجمع في طبع شيء من البنات والشجر جميع القوى التي تقابل الطبائع كلها في معالجة الأدواء، على اختلافها وتباين طبائعها.
وإنما أراد أنه شفاء من كل داء يحدث من آكل الرطوبة والبرودة والبلغم، وذلك أنه حار يابس، فهو شفاء بإذن الله تعالى للداء المقابل له في الرطوبة والبرودة. وذلك أن الدواء أبدا بالمضاد، والغذاء بالمشاكل.
أقول: ونظيره قوله تعالى في حق بلقيس: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ وقوله: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ في إطلاق العموم وإرادة الخصوص.
الحديث الثامن عن أبي سعيد: قوله: ((استطلق بطنه)) استطلاق البطن مشيه وهو تواتر
стр. 2361
فلم يزده إلا استطلاقاً. فقال له: ثلاث مرات. ثم جاء الرابعة. فقال: ((اسقه عسلاً)). فقال: لقد سقيته، فلم يزده إلا استطلاقاً)). فقال رسول الله ﷺ : ((صدق الله، وكذب بطن أخيك))، فسقاه. فبرأ. متفق عليه.
ــ
الإسهال. ((خط)): هذا مما يحسب كثير من الناس أنه مخالف لمذهب الطب والعلاج؛ وذلك أن الرجل إنما جاء يشكو إليه استطلاق البطن، فكيف يصف له العسل وهو يطلق؟، ومن عرف شيئاً من أصول الطب ومعانيه علم صواب هذا التدبير؛ وذلك أن استطلاق بطن هذا الرجل إنما كان هيضة حدثت من الامتلاء وسوء الهضم، والأطباء كلهم يأمرون صاحب الهيضة بأن يترك الطبيعة وسوقها لا يمسكها [بشيء] وربما أمدت بقوة مسهلة، حتى تستفرغ تلك الفضول، فإذا فرغت تلك الأوعية من تلك الفضول، فربما أمسكت من ذاتها، وربما عولجت بالأشياء القابضة والمقوية، إذا خافوا سقوط القوة، فخرج الأمر في هذا على مذهب الطب مستقيما؛ حيث أمر النبي ﷺ أن يمد الطبيعة بالعسل؛ ليزداد استفراغاً حتى إذا فزعت تلك الفضول وتنقت منها وقفت وأمسكت، وقد يكون ذلك أيضاً من ناحية التبرك تصديقاً لقوله تعالى ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ﴾، وما يصفه النبي ﷺ من الدواء لشخص بعينه، فقد يكون ذلك بدعائه وبركته وحسن أثره، ولا يكون ذلك حكما في الأعيان كلها، فعلى هذا المذهب يجب حمل ما لا يخرج على مذهب الطب القياسي، وإليه يجب توجيهه، وكذا في معالم السنن.
وقال في قوله: ((وكذب بطن أخيك)): العرب تضع الكذب موضع الخطأ في كلامها، يقول: كذب سمعي وكذب بصري، أي زل ولم يدرك ما رأي، وما سمع ولم يحط به.
قال الأخطل:
كذبتك عينك أم رأيت بواسط ليس الظلام من الرباب خيالا
ومن هذا قول النبي ﷺ : ((كذب بطن أخيك)) يعني صدق الله في قوله بأن العسل شفاء للناس، وكذب بطن أخيك حيث لم يحصل له الشفاء بالعسل.
((مح)): هذا تصريح بأن الضمير في قوله تعالى: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ﴾ يعود إلى ((الشراب)) الذي هو العسل. وهو قول ابن مسعود وابن عباس والحسن وغيرهم. قال مجاهد: الضمير راجع إلى القرآن، وهو ضعيف مخالف لظاهر القرآن. وتصريح هذا الحديث والآية على الخصوص، أي شفاء من بعض الداء أو لبعض الناس، وفي التنكير دلالة عليه.
стр. 2362
٤٥٢٢ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن أمثل ما تداويتم به الحجامة، والقسط البحري)). متفق عليه.
٤٥٢٣ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تعذبوا صبيانكم بالغمز من العذرة، عليكم بالقسط)). متفق عليه.
٤٥٢٤ - وعن أم قيس، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((علام تدغرن أولادكن بهذا العلاق؟ عليكن بهذا العود الهندي؛ فإن فيه سبعة أشفية، منها ذات الجنب يسعط من العذرة، ويلد من ذات الجنب)). متفق عليه.
ــ
الحديث التاسع عن أنس ﵁: قوله: ((إن أمثل ما تداويتم)) ((نه)): يقال: هذا أمثل من هذا أي أفضل وأدنى إلى الخير، وأماثل الناس خيارهم. والقسط بالضم من العقاقير المعروفة في الأدوية، طيب الريح تتبخر به النفساء والأطفال.
الحديث العاشر عن أنس ﵁: قوله: ((بالغمز)) ((نه)): هو أن تسقط اللهاة فتغمز باليد. والعذرة بضم المهملة وسكون الذال المعجمة وجع في الحلق يهيج الدم عن الدم.
وقيل: هي قرحة في الجرم الذي بين الأنف والحلق، تعرض للصبيان عند طلوع العذرة فتعمد المرأة إلى إصبعها فتفتلها فتلا شديداً، وتدخلها في أنفه، فتطعن ذلك، فيفجر منه دم أسود، وربما أقرحه. وذلك الطعن سمى الدغر، يقال: دغرت المرأة الصبي، إذا غمزت حلقه من العذرة أو فعلت به ذلك. وكانوا بعد ذلك يعلقون عليه علاقاً كالعوذة. وقوله: ((عند طلوع العذرة)) هي خمسة كواكب تحت الشعري العبور، وتسمى العذاري وتطلع في وسط الحر. وقوله: ((من العذرة)) أي من أجلها.
الحديث الحادي عشر عن أم قيس: قوله: ((علام تدغرن)) والاستعمال الكثير على حذف الألف تخفيفاً، والأصل قليل، وفيه معنى الإنكار. والدغر أن ترفع المرأة العذرة بإصبعها والإعلاق معالجة عذرة الصبي بإصبع أو غيرها.
((تو)): ((بهذا العلاق)) كذلك رواه البخاري ومسلم، وفي كتاب مسلم أيضاً ((بهذا الإعلاق)) وهو أولى الروايتين وأصوبهما. ومن الدليل على صحة هذه الرواية قول أم قيس في بعض طرق هذا الحديث: ((وقد أعلقت عليه))، وفسره يونس بن يزيد، وهو الراوي عن ابن شهاب: ((أعلقت: غمزت)) هذا لفظ كتاب مسلم.
((مح)): العلاق بفتح العين وفي الرواية الأخرى الإعلاق، وهو الأشهر عند أهل اللغة حتى
стр. 2363
٤٥٢٥ - وعن عائشة، ورافع بن خديج، عن النبي ﷺ ، قال: ((الحمى من
ــ
زعموا أنه الصواب، وأن العلاق لا يجوز. قالوا: الإعلاق مصدر أعلقت عنه، ومعناه أزلت عنه العلوق وهي الآفة والداهية. قال ابن الأثير: يجوز أن يكون العلاق هو الاسم منه.
أقول: وتوجيهه أن في الكلام معنى الإنكار أي على أي شيء تعالجن هذا الداء، بهذا الداهية والمداواة الشنيعة.
وقوله: ((منها ذات الجنب)) أي من الأشفية شفاء ذات الجنب، أو التقدير فيه سبعة أشفية من سبعة أدواء منها ذات الجنب، وخصه بالذكر؛ لأنه أصعب الأدواء، وقلما يسلم منه من ابتلى به، و ((يسعط)) ابتداء كلام مبين لكيفية التداوي به في الدائين المذكورين.
((مح)): قد اعترض عليه من في قلبه مرض فقال: الأطباء مجمعون على أن مداوة ذات الجنب بالقسط مع ما فيه من الحرارة الشديد خطر. قال المازري: هذا القول جهالة بينة، وهو كما قال تعالى ﴿﴾ وقد ذكر جالينوس وغيره أن القسط ينفع من وجع الصدر. وقال بعض القدماء من الأطباء: يستعمل حيث يحتاج إلى أن يجذب الخلط من باطن البدن إلى ظاهره، وهذا يبطل ما زعم المعترض الملحد.
وأما قوله: ((ففيه سبعة أشفية)) فقد أطلق الأطباء في كتبهم على أنه يدر الطمث والبول، وينفع من السموم، ويحرك شهوة الجماع، ويقتل الدود، وحب القرع في الأمعاء إذا شرب بعسل، ويذهب الكلف إذا طلى عليه، وينفع من برد المعدة والكبد، ومن حمى الورد والربع وغير ذلك. وهو صنفان: بحري وهندي، والبحري هو القسط الأبيض، والبحري أفضل من الهندي وأقل حرارة منه، وإنما عددنا منافعه من كتب الأطباء؛ لأنه ﷺ ذكر منها عدداً مجملاً، تم كلامه. وذلك لأن السبعة تطلق ويراد بها الكثرة.
الحديث الثاني عشر عن عائشة ﵂: قوله: ((من فيح جهنم)) الفيح سطوع الحر وفورانه. وفيه وجهان:
أحدهما: أنه تشبيه. قال المظهر: شبه اشتعال حرارة الطبيعة في كونها مذيبة للبدن ومعذبة له بنار جهنم، فكما أن النار تزال بالماء كذلك حرارة الحمى تزال بالماء البارد.
وثانيهما: قال بعضهم: إن الحمى مأخوذة من حرارة جهنم حقيقة: أرسلت إلى الدنيا نذيراً للجاحدين وبشيراً للمقربين؛ لأنها كفارة لذنوبهم وجابرة عن تقصيرهم.
أقول: ((من)) ليست بيانية حتى يكون تشبيهاً كقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ
стр. 2364
فيح جهنم، فابردوها بالماء)). متفق عليه.
ــ
مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ﴾ هي إما ابتدائية، أي الحمى نشأت وحصلت من فيح جهنم، أو تبعيضية، أي بعض منها. ويدل على هذا التأويل ما ورد في الصحيح: ((اشتكت النار إلى ربها، فقالت: رب أكل بعضي بعضاً، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف)) الحديث. فكما أن حرارة الصيف أثر من فيحها كذلك الحمى.
قوله: ((فابردوها)) ((مح)): هو بهمزة وصل وبضم الراء كما جاء في الرواية الأخرى: ((فاطفئوها بالماء)) وهو الصحيح المشهور في الروايات. وحكى القاضي عياض أنه يقال بهمزة قطع وكسر الراء في لغة. قال الجوهري: هي لغة رديئة.
[((مظ))]: هذا مما قد غلط فيه بعض من ينسب إلى العلم فانغمس في الماء لما أصابته الحمى، فاحتقنت الحرارة في باطن بدنه، فأصابته علة صعبة كاد يهلك فيها، فلما خرج من علته قال قولا فاحشاً لا يحسن ذكره. وذلك لجهله بمعنى الحديث وذهابه عنه. وتبريد الحمى الصفراوية بسقي الماء الصادق البرد، ووضع أطراف المحموم فيه من أنفع العلاج، وأسرعه إلى إطفاء نارها وكسر لهيبها، فإنما أمرنا بإطفاء الحمى وتبريدها بالماء على هذا الوجه، دون الانغماس في الماء وغط الرأس فيه.
((مح)): ((أبردوها بالماء)) ليس فيه ما يبين صفته وحالته، والأطباء يسلمون أن الحمى الصفراوية يدبر صاحبها بسقي الماء البارد الشديد بالبرودة، ويسقونه الثلج، ويغسلون أطرافه بالماء البارد، فلا يبعد أنه ﷺ أراد هذا النوع من الحمى والغسل، نحو ما قالوه.
وقد ذكر مسلم هنا في صحيحه عن أسماء: أنها تؤتى بالمرأة الموعوكة فيصب الماء في جيبها، وتقول: إن رسول الله ﷺ قال: ((أبردوها بالماء))، فهذه أسماء راوية الحديث، وقربها من النبي ﷺ معلوم، تؤول الحديث على نحو ما قلناه، فلم يبق للملحد المعترض إلا اختراعه الكذب.
أقول: أما ما رويناه عن الترمذي عن ثوبان أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا أصاب أحدكم الحمى فإن الحمى قطعة من النار، فليطفئها عنه بالماء، فلستنقع في نهر جار، وليستقبل جريته فيقول: ((بسم الله اللهم اشف عبدك وصدق رسولك)) إلى قوله: ((فإنها لا تكاد تجاوز تسعاً بإذن الله ). والحديث بتمامه مذكور في باب صلاة الجنائز، فشيء خارج عن قواعد الطبيعة، داخل في قسم المعجزات الخارقة للعادة. ألا ترى كيف قال في صدر الحديث ((صدق رسولك)) وفي آخره ((بإذن الله))، وقد شوهد وجرب ووجد، كما نطق به الصادق المصدوق ﷺ وعلى من اقتفي أثره.
стр. 2365
٤٥٢٦ - وعن أنس، قال: رخص رسول الله ﷺ في الرقية من العين، والحمة، والنملة. رواه مسلم.
٤٥٢٧ - وعن عائشة، قالت: أمر النبي ﷺ أن نسترقي من العين. متفق عليه.
٤٥٣٨ - وعن أم سلمة أن النبي ﷺ رأي في بيتها جارية في وجهها سفعة يعني صفرة، فقال: ((استرقوا لها؛ فإن بها النظرة)). متفق عليه.
٤٥٢٩ - وعن جابر، قال: نهى رسول الله ﷺ عن الرقى، فجاء آل عمران بن حزم، فقالوا: يا رسول الله! إنه كان عندنا رقية نرقي بها من العقرب، وأنت نهيت عن الرقى، فعرضوها عليه، فقال: ((ما أرى بها بأساً، من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه)). رواه مسلم.
٤٥٣٠ - وعن عوف بن مالك الأشجعي، قال: كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله! كيف ترى في ذلك؟ فقال: ((اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك)). رواه مسلم.
٤٥٣١ - وعن ابن عباس، عن النبي ﷺ ، قال: ((العين حق، فلو كان شيء سابق القدر سبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا)). رواه مسلم.
ــ
الحديث الثالث عشر عن أنس ﵁: قوله: ((رخص رسول الله ﷺ ) ((تو)): الرخصة إنما تكون بعد النهي، وكان ﷺ قد نهى عن الرقى؛ لما عسى أن يكون فيها من الألفاظ الجاهلية، فانتهى الناس عن الرقى، فرخص لهم فيها إذا عريت عن الألفاظ الجاهلية.
((نه)): الحمة بالتخفيف السم وقد يشدد، وأنكره الأصمعي، ويطلق على إبرة العقرب للمجاورة؛ لأن السم منها يخرج وأصلها حمى أو حمو بوزن صرد، والهاء فيه عوض من الواو والياء المحذوفة. ((والنملة)) هي قروح تخرج بالجنب وغيره، وكأنها سميت نملة؛ لتفشيها وانتشارها، شبه ذلك بالنملة ودبيبها.
الحديث الرابع والخامس عشر عن أم سلمة: قوله: ((سفعة)) أي علامة من الشيطان، وقيل: ضربة واحدة منه وهي المرة من السفع وهو الأخذ، يقال: سفع بناصية الفرس ليركبه. المعنى: أن السفعة أدركتها من قبل النظرة، فاطلبوا لها الرقية. وقيل. السفعة العين، والنظرة الإصابة بالعين. أقول: ويؤيد الأول تفسير الراوي يعني صفرة.
الحديث السادس عشر إلى الثامن عشر عن ابن عباس: قوله: ((العين حق)) ((تو)): أي
стр. 2366
ــ
الإصابة العين من جملة ما تحقق كونه، وقوله: ((فلو كان شيء سابق القدر)). كالمؤكد للقول الأول. وفيه تنبيه على سرعة نفوذها وتأثيرها في الدواب.
وقوله: ((إذا استغسلتم فاغسلوا)) كانوا يرون أن يؤمر العائن فيغسل أطرافه وما تحت الإزار، فتصب غسالته على المعيون يستشفعون بذلك، فأمرهم النبي ﷺ أن لا يمتنعوا من الاغتسال إذا أريد منهم ذلك. وأدنى ما في ذلك دفع الوهم الحاصل من ذلك. وليس لأحد أن ينكر الخواص المودعة في أمثال ذلك، ويستدعها من قدرة الله وحكمته، لا سيما وقد شهد بها الرسول ﷺ وأمر بها، وذلك مذكور في الحسان من هذا الباب في حديث أبي أمامة.
((حس)): روى أن عثمان ﵁ رأي صبياً مليحاً فقال: دسموا نونته؛ كيلا تصيبه العين، ومعنى ((دسموا)) سودوا. و ((النونة)) النقرة التي تكون في ذقن الصبي الصغير. وروى عن هشام بن عروة أنه كان إذا رأي من ماله شيئاً يعجبه، أو دخل حائطاً من حيطانه، قال: ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلَاّ بِاللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ﴾ الآية.
((مح)): قال المازوي: العين حق لظاهر الحديث وأنكره طوائف من المبتدعة، والدليل على فساد قولهم أن كل معنى لا يؤدي إلى قلب حقيقة، ولا فساد دليل، فإنه من مجوزات العقول، فإذا أخبر الشرع بوقوعه وجب اعتقاده، ولا يجوز تكذيبه. وقد زعم الطبيعيون المثبتون للعين أن العائن ينبعث من عينه قوة سمية، تتصل بالعين فيهلك أو يفسد. قالوا: ولا يمتنع هذا كما لا يمتنع انبعاث قوة سمية من الأفعى والعقرب، تتصل باللديغ فيهلك وإن كان غير محسوس لنا.
قال المازري: هذا غير مسلم؛ لأنا بينا في الكتب الكلامية أن لا فاعل إلا الله تعالى، وبينا فساد القول بالطبائع. وأقرب الطرق ما قاله بعض من ينتحل الإسلام منهم: لا يبعد أن ينبعث من العائن جواهر لطيفة، غير مرئية من العين فتتصل بالمعين، وتتخلل مسام جسمه، فيخلق الله الهلاك عندها كما يخلق الله الهلاك عند شرب السموم عادة أجراها الله تعالى.
والمازري أحد جماهير العلماء وشارح الترمذي، وقد أطنب في أبحاثه الإمام فخر الدين الرازي، في سورة يوسف عند قوله تعالى: ﴿يَا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ واحِدٍ﴾ فلينظر هناك من أراد زيادة الإطلاع عليه.
((مح)): فيه إثبات القدر وأن الأشياء كلها بقدر الله، ولا تقع إلا على حسب ما قدرها الله تعالى وسبق بها علمه، فلا يقع ضرر العين ولا غيره من الخير والشر إلا بقدرة الله تعالى. أقول: المعنى: إن فرض شيء له قوة وتأثير عظيم يسبق القدر، لكان عيناً. والعين لا تسبق فكيف بغيرها؟.
стр. 2367
الفصل الثاني
٤٥٣٢ - عن أسامة بن شريك قال: قالوا: يا رسول الله! أفنتداوى؟ قال: ((نعم، يا عباد الله! تداووا، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء، غير داء واحد، الهرم)). رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود. [٤٥٣٢]
٤٥٣٣ - وعن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تكرهوا مرضاكم على الطعام؛ فإن الله يطعمهم ويسقيهم)). رواه الترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث غريب. [٤٥٣٣]
٤٥٣٤ - وعن أنس، أن النبي ﷺ كوى أسعد بن زرارة من الشوكة. رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب. [٤٥٣٤]
٤٥٣٥ - وعن زيد بن أرقم، قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نتداوى من ذات الجنب بالقسط البحري، والزيت. رواه الترمذي.
ــ
الفصل الثاني
الحديث الأول عن أسامة: قوله: ((أفنتداوى؟)) الفاء عطف على مقدر يستدعيه الهمزة. يعني: أنعتبر الطب فنتداوى، أو نتوكل على الله تعالى ونترك التداوي؟. والجواب بقوله: ((يا عباد الله)) مشعر بأن التداوي لا يخرجهم عن التوكل, يعني داووا, ولا [تعتقدوا] الشفاء علي التداوي, بل كونوا عباد الله متوكلين علية. قوله: ((الهرم)) ((نه)): الهرم الكبر وقد هرم يهرم فهو هرم, جعل الهرم داء تشبيها به؛ لأن الموت [يعقبه] كالأدواء.
الحديث الثاني عن عقبة: قوله: ((يطعمهم ويسقيهم)) ((قض)): أي يحفظ قواهم ويمدهم بما يفيد فائدة الطعام والشراب، في حفظ الروح وتقويم البدن. ونظيره قوله ﷺ : ((أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني)) وإن كان ما بين الإطعامين والطعامين بوناً بعيداً.
الحديث الثالث عن أنس ﵁: قوله: ((من الشوكة)) ((نه)): الشوكة حمرة تعلو الوجه والجسد، يقال منه: يشك الرجل وهو مشكوك، وكذلك إذا دخل في جسده شوكة.
الحديث الرابع والخامس عن زيد: قوله: ((من ذات الجنب)) ((من)) الابتدائية متعلقة بقوله:
стр. 2368
٤٥٣٦ - وعنه، قال: كان النبي ﷺ ينعت الزيت والورس من ذات الجنب. رواه الترمذي.
٤٥٣٧ - وعن أسماء بنت عميس: أن النبي ﷺ سألها: ((بم تستمشين؟)) قالت: بالشبرم. قال: ((حار حار)). قالت: ثم استمشيت بالسنا فقال النبي ﷺ : ((لو أن شيئاً كان فيه الشفاء من الموت؛ لكان في السنا)). رواه الترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. [٤٥٣٧]
٤٥٣٨ - وعن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا، ولا تداووا بحرام)). رواه أبو داود. [٤٥٣٨]
٤٥٣٩ - وعن أبي هريرة، قال: نهى رسول الله ﷺ عن الدواء الخبيث. رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه. [٤٥٣٩]
ــ
((ينعت)) أي يصف ويمدح التداوي بالزيت والورس لأجل ذات الجنب. ((نه)): الورس نبت أصفر يصبغ به. وقال: وقد ورس المكان فهو وارس والقياس موروس.
الحديث السادس عن أسماء: قوله: ((بم تستمشين)) ((نه)) أي تسهلين بطنك. ويجوز أن يراد به المشي الذي يعرض عند شرب الدواء. و ((الشبرم)) قيل: هو حب يشبه الحمص، يطبخ ويشرب ماؤه للتداوي.
قوله: ((جار)) بالجيم اتباعاً بالحار، وكذلك ((يار)) بالياء تحتها نقطتان والراء مشددة، و ((حران يران)). وفي جامع الترمذي وسنن ابن ماجه وجامع الأصول وبعض نسخ المصابيح ((حار حار)).
قوله: ((بالسنا)) ((نه)): السنا بالقصر نبات معروف من الأدوية، له خمل إذا يبس فإذا حركته الريح سمعت له زجل، والواحدة سناه. ((فا)) قال الراعي:
[كأن دوى] الحلى تحت ثيابها دوى السنا لاقى الرياح الزعازعا
وبعضهم يرويه بالمد.
الحديث السابع عن أبي الدرداء: قوله: ((دواء)) مطلق له شيوع؛ فلذلك قال: ((ولا تداووا بحرام)) يعني: إن الله تعالى خلق لكل داء دواء، حراماً كان أو حلالا، فلا تداووا بالحرام.
стр. 2369
٤٥٤٠ - وعن سلمى خادمة النبي ﷺ ، قالت: ما كان أحد يشتكي إلى رسول الله ﷺ وجعاً في رأسه إلا قال: ((احتجم)) ولا وجعاً في رجليه إلا قال: ((اختضبهما)). رواه أبو داود. [٤٥٤٠]
٤٥٤١ - وعنها، قالت: ما كان يكون برسول الله ﷺ قرحة ولا نكبة إلا أمرني أن أضع عليها الحناء. رواه الترمذي. [٤٥٤١]
٤٥٤٢ - وعن أبي كبشة الأنماري: أن رسول الله ﷺ كان يحتجم على هامته، وبين كتفيه، وهو يقول: ((من أهراق من هذه الدماء، فلا يضره أن لا يتداوى لشيء)). رواه أبو داود، وابن ماجه. [٤٥٤٢]
٤٥٤٣ - وعن جابر: أن النبي ﷺ احتجم على وركه من وثء كان به. رواه أبو داود. [٤٥٤٣]
ــ
الحديث الثامن عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((عن الدواء الخبيث)) ((حس)): اختلفوا في تأويله، فقيل: أراد به خبث النجاسة، بأن يكون فيه محرم من خمر أو لحم ما لا يؤكل لحمه من الحيوان. ولا يجوز التداوي به، إلا ما خصته السنة من أبوال الإبل. وقيل: أراد به الخبث من جهة المطعم والمذاق، ولا ينكر أن يكون كره ذلك؛ لما فيه من المشقة على الطبع. والغالب أن طعوم الأدوية كريهة، ولكن بعضها أيسر احتمالا وأقل كراهة.
الحديث التاسع والعاشر عن سلمى: قوله: ((ما كان يكون برسول الله)) يحتمل أن يكون الثاني زائداً. وقرينته الحديث الأول ((ما كان أحد يشتكي))، وأن يكون غير زائد بالتأويل، أي ما كان قرحة تكون برسول الله ﷺ . قوله: ((ولا نكبة)) ((نه)): وفي الحديث ((انه نكبت أصابعه)) أي نالتها الحجارة.
الحديث الحادي عشر عن أبي كبشة: قوله: ((أن لا يتداوى بشيء لشيء)) كذا هو بزيادة ((لشيء)) في أبي داود وابن ماجه وجامع الأصول.
الحديث الثاني عشر عن جابر: قوله: ((من وثء)) بهمز بلا ياء كذا هو في سنن أبي داود وجامع الأصول. ((تو)): الوثؤ وجع يصيب العضو من غير كسر وهو من باب الهمزة. ومن الرواة من يترك همزة ويتركه بالياء. وكذلك هو في المصابيح، والعامة تقول ذلك وليس بشيء.
стр. 2370
٤٥٤٤ - وعن ابن مسعود، قال: حدث رسول الله ﷺ عن ليلة أسري به: أنه لم يمر على ملأ من الملائكة إلا أمروه: ((مر أمتك بالحجامة)). رواه الترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. [٤٥٤٤]
٤٥٤٥ - وعن عبد الرحمن بن عثمان: أن طبيباً سأل النبي ﷺ عن ضفدع يجعلها في دواء، فنهاه النبي ﷺ عن قتلها. رواه أبو داود. [٤٥٤٥]
٤٥٤٦ - وعن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ يحتجم في الأخدعين والكاهل. رواه أبو داود. وزاد الترمذي، وابن ماجه: وكان يحتجم سبع عشرة، وتسع عشرة، وإحدى وعشرين. [٤٥٤٦]
٤٥٤٧ - وعن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ كان يستحب الحجامة لسبع عشرة، وتسع عشرة، وإحدى وعشرين. رواه في ((شرح الألسنة)). [٤٥٤٧]
ــ
الحديث الثالث عشر والرابع عشر عن عبد الرحمن: قوله: ((عن ضفدع)) ((قض)): هو بكسر الدال على مثال الخنصر والعامة تفتحها. وعن الجوهري: قال الخليل: ليس في كلام العرب فعلل إلا أربعة حروف: درهم، وهجرع للطويل، وهيلع للأكول، وقلعم اسم رجل.
ولعله نهى عن قتله؛ لأنه لم ير التداوي بها، إما لنجاستها وحرمتها إذ لم يجوز التداوي بالمحرمات أو لاستقذار الطبع وتنفره عنها، أو لأنه رأي فيها من المضرة أكثر مما رأي الطبيب فيها من المنفعة.
أقول: فإن قلت: كيف يطابق النهي عن القتل جواباً عن السؤال بالتداوي؟. قلت: القتل مأمور به إما لكونه من الفواسق، وليس بها، أو لإباحة الأكل وليس بذلك؛ لنجاسته وتنفره عنه. وإذا لم يجز القتل لم يجز الانتفاع به.
الحديث الخامس عشر عن أنس ﵁: قوله: ((في الأخدعين)) ((نه)): هما عرقان في جانبي العنق. والكاهل بين الكتفين.
стр. 2371
٤٥٤٨ - وعن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ ، قال: ((من احتجم لسبع عشرة، وتسع عشرة، وإحدى عشرين؛ كان شفاء له من كل داء)). رواه أبو داود. [٤٥٤٨]
٤٥٤٩ - وعن كبشة بنت أبي بكرة: أن أباها كان ينهي أهله عن الحجامة يوم الثلاثاء، ويزعم عن رسول الله ﷺ : ((أن يوم الثلاثاء يوم الدم، وفيه ساعة لا يرقأ)). رواه أبو داود. [٤٥٤٩]
٤٥٥٠ - وعن الزهري، مرسلاً، عن النبي ﷺ : ((من احتجم يوم الأربعاء، أو يوم السبت، فأصابه وضح؛ فلا يلومن إلا نفسه)). رواه أحمد، وأبو داود، وقال: وقد أسند ولا يصح. [٤٥٥٠]
٤٥٥١ - وعنه، مرسلاً، قال رسول الله ﷺ : ((من احتجم أو اطلى يوم السبت أو الأربعاء؛ فلا يلومن إلا نفسه في الوضح)). رواه في ((شرح السنة)). [٤٥٥١]
٤٥٥٢ - وعن زينب امرأة عبد الله بن مسعود، أن عبد الله رأي في عنقي خيطاً،
ــ
الحديث السادس عشر إلى الثامن عشر عن كبشة: قوله: ويزعم عن رسول الله ﷺ ) ((نه)): وإنما يقال: ((زعم)) في حديث لا سند له ولا ثبت فيه. وإنما يحكى عن الألسن على سبيل البلاغ، والزعم بالضم والفتح قريب من الظن.
أقول: ولعله في الحديث محمول على الظن والاعتقاد، وعداه بـ ((عن)) لتضمين معنى الرواية. وذلك أن قولها: ((كان ينهى)) يوم أن الحديث موقوف عليه، فأتبعه بقولها ((ويزعم)) ليشعر بأنه مرفوع. ((ولا يرقأ)) أي لا يسكن، من رقأ الدم والدمع والعرق يرقأ بالفتح إذا سكن وانقطع؛ والاسم الرقوءة بالفتح.
الحديث التاسع عشر عن الزهري: قوله: ((وضح)) أي برص، والوضح البياض من كل شيء.
стр. 2372
فقال: ما هذا؟ فقلت: خيط رقي لي فيه. قالت: فأخذه فقطعه، ثم قال: أنتم آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، سمعت رسلو الله ﷺ يقول: ((إن الرقي والتمائم والتولة شرك)) فقلت: لم تقول هكذا؟ لقد كانت عيني تقذف، وكنت أختلف إلى فلان اليهودي فإذا رقاها سكنت. فقال عبد الله: إنما ذلك عمل الشيطان، كان ينخسها بيده، فإذا رقي كف عنها، إنما كان يكفيك أن تقولي كما كان رسول الله ﷺ يقول: ((اذهب البأس، رب الناس! واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً)). رواه أبو داود. [٤٥٥٢]
ــ
الحديث العشرون والحادي والعشرون عن زينب: قوله: ((أنتم آل عبد الله)) ((أنتم)) مبتدأ، خبره ((لأغنياء))، ((وآل عبد الله)) معترض نصب على الاختصاص. واللام في ((لأغنياء)) للتأكيد دخل على الخبر، كما في حديث آخر ((أغبط أوليائي عندي المؤمن خفيف الحاذ)).
وقال الزجاج: قال النحاة: أصل هذه اللام أن تقع في الابتداء، ووقوعها في الخبر جائز. ويجوز أن يقدر المبتدأ أي ((لأنتم أغنياء)) كما قدر الزجاج في قوله تعالى: ﴿إنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ أي هما ساحران.
قوله: ((والتمائم)) هي جمع تميمة وهي التعويذة التي تعلق على الصبي. والتولة بكسر التاء وضمها نوع من السحر. قال الأصمعي: هي ما تحبب به المرأة إلى زوجها.
((قض)): وإنما أطلق الشرك عليهما؛ إما لأن المتعارف منها في عهده ما كان معهوداً في الجاهلية، وكان مشتملا على ما يتضمن الشرك؛ أو لأن اتخاذها يدل على اعتقاد تأثيرها وهو يفضي إلى الشرك.
أقول: ويحتمل أن يراد بالشرك اعتقاد أن ذلك سبب قوي وله تأثير، وكان ينافي التوكل والانخراط في زمرة الذين لا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون؛ ومن ثمة حسن منه قوله: ((أنتم آل عبد الله لأغنياء)) أي: أعني وأخص آل عبد الله من بين سائر الأنام. ومنها قولها: لم تقول هكذا، وتأمرني بالتوكل وعدم الاسترقاء؛ فإني وجدت في الاسترقاء فائدة. فأجاب بأنه ليس بفائدة. بل هو من فعل الشيطان وتسويله. ومن النصب على المدح والاختصاص قول الشاعر:
إنا بني نهشل لا ندعي لأب عنه ولا هو بالأبناء [يشرينا]
стр. 2373
٤٥٥٣ - وعن جابر، قال: سئل النبي ﷺ عن النشرة، فقال: ((هو من عمل الشيطان)). رواه أبو داود. [٤٥٥٣]
٤٥٥٤ - وعن عبد الله بن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما أبالي ما أتيت إن أنا شربت ترياقاً أو تعلقت تميمة أو قلت الشعر من قبل نفسي)). رواه أبو داود. [٤٥٥٤]
ــ
أي أنا أذكر من لا يخفي شأنه بين الناس قاطبة لا يفعل كذا، فلو جعل بنو نهشل خبراً، لزم إما خمول المتكلم أو الجهل بارتفاع شأن القوم.
قوله: ((تقذف)) ((تو)) هو على بناء المجهول أي ترمي بما يهيج الوجع. ويدل على هذا المعنى قولها: فإذا رقاها سكنت. ويحتمل أن يكون على بناء الفاعل، أن ترمي بالرمض والماء من الوجع. ولا أحقق اللفظين من طريق الرواية، إلا أن الأول هو أكثر ظني.
قوله: ((كان ينخسها)) أصل النخس الدفع والحركة. والبأس الشدة. ((وشفاء)) يجوز أن يكون مصدراً لقوله: ((اشف)) والجملتان معترضتان. وأن يكون مصدرا لفعل مضمر أي اشف شفاء، وهذا أنسب للنظم. ((وأنت الشافي)) جملة مستأنفة على سبيل الحصر لتعريف الخبر، والجملة الثانية مؤكدة للأولى، وهما ممهدتان للثالثة. وفيه رد لاعتقادها أن رقية اليهود شافية، وإرشاد إلى أن الشفاء الذي لا يغادر سقما هو شفاء الله تعالى، وأن شفاء اليهودي ليس فيه إلا تسكين ماء.
الحديث الثاني والعشرون عن جابر: قوله: ((عن النشرة)) ((تو)): النشرة ضرب من الرقية والعلاج يعالج بها من كان يظن به مس الجن. وسميت نشرة؛ لأنهم كانوا يرون أنه ينشر بها الجن عن الممسوس ما خامره من الداء قال [جرير]:
أدعوك دعوة ملهوف كأن به مسا من الجن أو ريحاً من النشر
وفي الحديث: ((فلعل طبا أصابه)) يعني سحراً ثم نشره بـ ﴿﴾ أي رقاه، ونشره أيضاً إذا كتب له النشرة وهي كالتعويذ والرقية، فعلمنا بذلك أن النشرة التي قال فيها: ((إنها من عمل الشيطان)) إنما أراد به النوع الذي كان أهل الجاهلية يعالجون به ويعتقدون فيه.
الحديث الثالث والعشرون عن عبد الله: قوله: ((ما أبالي ما أتيت)) ما الأولى نافية والثانية
стр. 2374
٤٥٥٥ - وعن المغيرة بن شعبة، قال: قال النبي ﷺ : ((من اكتوى أو استرقي، فقد برئ من التوكل)). رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه. [٤٥٥٥]
ــ
موصولة، والراجع محذوف، والموصول مع الصلة مفعول ((أبالي)) و ((إن شربت)) جزاؤه محذوف، يدل عليه ما تقدم. والمعنى إن صدر مني أحد الأشياء الثلاثة كنت ممن لا يبالي بما يفعل ولا ينزجر عما لا يجوز فعله شرعاً.
((شف)): الترياق ما يستعمل لدفع السم من الأدوية والمعاجين، وهو معرب ويقال بالدال أيضاً. وروى به في هذا الحديث. وكره النبي ﷺ ذلك؛ من أجل ما يقع فيه من لحوم الأفاعي والخمر، وهي حرام نجسة. والترياق أنواع، فإذ لم يكن فيه شيء من ذلك فلا بأس به. وقيل: الحديث مطلق والأولى اجتنابه.
((تو)): المراد من التميمة ما كان من تمائم الجاهلية ورقاها؛ فإن القسم الذي يختص بأسماء الله تعالى وكلماته غير داخل في جملته، بل هو مستحب مرجو البركة عرف ذلك من أصل السنة.
أقول: لعل القصد في إيراد الحديث اختصاصه ﷺ ومن يتبعه من الخواص بالاجتناب عما يقدح في التوكل كما يشهد له حديث المغيرة؛ فإن قوله: ((وإن أنا شربت)) وإن كل بحسب النحو فاعل فعل مضمر، لكن في عرف أهل المعاني صورته صورة التقديم للفاعل على عامله المفيد للاختصاص. الشكاف في قوله تعالى ﴿قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾: تقديره لو تملكون، أضمر تملك إضمارا على شريطة التفسير، وهذا هو الوجه الذي يقتضه علم الإعراب، فأما ما يقتضيه علم البيان فهو ((إن أنتم تملكون)) فيه دلالة على الاختصاص، وأن الناس هم المختصون بالشح المتبالغ.
وفائدة التنكير في (تميمة وترياق) الشيوع، والتعريف في الشعر حقيقته، وما هو قاصد في تقوله؛ ولذلك أتبعه بقوله: ((من قبل نفسي)) كقوله تعالى: ﴿ومَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ ومَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ مع قوله ﷺ : ((أنا النبي لا كذب)) ونحوه؛ فإن ذلك ليس عن قصد منه ولا التفاوت منه إليه إن جاء موزوناً، بل كان كلاماً من جنس كلامه الذي كان يرمي به على السليقة من غير صنعة فيه ولا تكلف.
الحديث الرابع والعشرون عن المغيرة: قوله: ((من اكتوى)) ((نه)): قد جاء في أحاديث كثيرة
стр. 2375
٤٥٥٦ - وعن عيسى بن حمزة، قال: دخلت على عبد الله بن عكيم وبه حمرة، فقلت: ألا تعلق تميمة؟ فقال: نعوذ بالله من ذلك، قال رسول الله ﷺ : ((من تعلق شيئاً وكل إليه)). رواه أبو داود. [٤٥٥٦]
٤٥٥٧ - وعن عمران بن حصين، أن رسول الله ﷺ قال: ((لا رقية إلا من عين أو حمة)). رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود. [٤٥٥٧]
٤٥٥٨ - ورواه ابن ماجه، عن بريدة. [٤٥٥٨]
٤٥٥٩ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا رقية إلا من عين أو حمة أو دم)). رواه أبو داود. [٤٥٥٩]
ــ
النهي عن الكي. فقيل: إنما نهى عنه من أجل أنهم كانوا يعظمون أمره، ويرون أنه يحسم الداء، وإذا لم يكو العضو عطب وبطل. فنهاهم إذا كان على هذا الوجه، وأباحه إذا جعل سبباً للشفاء لا علة له؛ فإن الله هو الذي يبرئه ويشفيه لا الكي والدواء. وهذا أمر يكثر فيه سلوك الناس، يقولون: لو شرب الدواء لم يمت، ولو أقام ببلده لم يقتل. وقيل: يحتمل أن يكون نهيه عن الكي إذا استعمل على سبيل الاحتراز من حدوث المرض وقبل: الحاجة إليه، وذلك مكروه، وإنما أبيح التداوي والعلاج عند الحاجة. ويجوز أن يكون النهي من قبيل التوكل كقوله: ((هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون على ربهم يتوكلون))، والتوكل درجة أخرى غير الجواز.
الحديث الخامس والعشرون عن عيسى: قوله: ((من تعلق شيئاً)) ((مظ)): من تمسك بشيء من المداواة، واعتقد أن الشفاء منه لا من الله تعالى لم يشفه الله، بل وكل شفاءه إلى ذلك الشيء وحينئذ لا يحصل شفاؤه؛ لأن الأشياء لا تنفع ولا تضر إلا بإذن الله تعالى. أقول: ولعله إنما عاذ بالله من تعليق العوذة؛ لأنه كان من المتوكلين، وإن جاز لغيره.
الحديث السادس والعشرون عن عمران بن حصين: قوله: ((لا رقية إلا من عين)) ((حس)): لم يرد به نفي جواز الرقية في غيرهما، بل تجوز الرقية بذكر الله تعالى في جميع الأوجاع. ومعنى الحديث: لا رقية أولى وأنفع منهما كما تقول: لا فتى إلا علي ولا سيف إلا ذو الفقار. وقد مر القول في الحمة.
стр. 2376
٤٥٦٠ - وعن أسماء بنت عميس، قالت: يا رسول الله! إن ولد جعفر تسرع إليهم العين، أفأسترقي لهم؟ قال: ((نعم، فإنه لو كان شيء سابق القدر لسبقته العين)). رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه. [٤٥٦٠]
٤٥٦١ - وعن الشفاء بنت عبد الله، قالت: دخل رسول الله ﷺ وأنا عند حفصة، فقال: ((ألا تعلمين هذه رقية النملة كما علمتيها الكتابة؟)). رواه أبو داود. [٤٥٦١]
ــ
الحديث السابع والثامن والعشرون عن أسماء: قوله: ((فإنه لو كان شيء)) تعليل للجواب، ومعناه: نعم استرقي من العين؛ فإنها أولى وأحرى بأن تسترقي؛ لأنه لو كان شيء سابق القدر إلى آخره.
الحديث التاسع والعشرون عن الشفاء: قوله: ((هذه رقية النملة)) هذه إشارة إلى حفصة. والنملة قروح ترقى وتبرأ بإذن الله تعالى. ((خط)): فيه دليل على أن تعلم النساء الكتابة غير مكروه.
((تو)): يرى أكثر الناس أن المراد من النملة ها هنا، هي التي يسميها المطببون الذباب. وقد خالفهم فيه المقلب بالذكي المغربي النحوي فقال: إن الذي ذهبوا إليه في معنى هذا القول شيء كانت نساء العرب تزعم أنه رقية النملة، وهو من الخرافات التي كان ينهى عنها. فكيف يأمر بتعليمها إياها؟.
وإنما عنى برقية النملة قولا كن يسمينها رقية النملة، وهو قولهن: العروس تنتعل وتختضب وتكتحل، وكل شيء تفعل غير أنها لا تعصي الرجل.
فأراد ﷺ بهذا المقال تأنيب حفصة، والتعريض بتأديبها حيث أشاعت السر الذي استودعه إياها، على ما شهد به التنزيل. وذلك قوله سبحانه: ﴿وإذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ الآية. وعلى هذا المعنى نقله الحافظ أبو موسى عنه في كتابه. قال: فإن يكن الرجل متحققاً بهذا عارفاً به من طريق النقل، فالتأويل ما ذهب إليه.
((شف)): يمكن أنه ﷺ أراد برقية النملة آخرها وهو قوله: ((غير أن لا تعصي الرجل)) إطلاقاً للكل وإرادة الجزء أي ألا تعلمين حفصة أن العروس لا تعصي الرجل، فإنها قد عصتني بإفشاء السر، ولو كانت تعلم رقية النملة لما عصتني.
стр. 2377
٤٥٦٢ - وعن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: رأي عامر بين ربيعة سهل بن حنيف يغتسل، فقال: والله ما رأيت كاليوم، ولا جلد مخبأة. قال: فلبط سهل، فأتى رسول الله ﷺ ، فقيل له: يا رسول الله! هل لك في سهل بن حنيف؟ والله ما يرفع رأسه. فقال: ((هل تتهمون له أحداً)). فقالوا: نتهم عامر بن ربيعة. قال: فدعا رسول الله ﷺ عامراً، فتغلظ عليه، وقال: ((علام يقتل أحدكم أخاه؟ ألا بركت؟ اغتسل له)). فغسل له عامر وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح، ثم صب عليه، فراح من الناس ليس له بأس. رواه في ((شرح السنة))، ورواه مالك. وفي روايته قالت: ((إن العين حق. توضأ له)). [٤٥٦٢]
ــ
أقول: ويحتمل الحديث وجهين آخرين: أحدهما: التحضيض على تعليم الرقية وإنكار الكتابة، أي هلا علمتها ما ينفعها من الاجتناب عن عصيان الزوج، كما علمتها ما يضرها من الكتابة. وثانيهما: أن يتوجه الإنكار إلى الجملتين جميعاً. والمراد بالنملة المتعارف بينهم لأنها منافية لحال المتوكلين.
الحديث الثلاثون عن أبي أمامة: قوله: ((ولا جلد مخبأة)) المخبأة الجارية التي في خدرها لم تتزوج بعد؛ لأن صيانتها أبلغ ممن قد تزوجت. وهو معطوف على مقدر هو مفعول ((رأيت))، أي ما رأيت جلداً غير مخبأة كجلد رأيت اليوم ولا جلد مخبأة. فعلى هذا ((كاليوم)) صفة، وإذا قدر المعطوف عليه هو مؤخرا كان حالا.
((حس)): قوله: ((فلبط سهل)) أي صرع وسقط إلى الأرض، يقال: لبط بالأرض فهو ملبوط به. قوله: ((ألا بركت)) هو للتحضيض، أي هلا دعوت له بالبركة. وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب؛ لأن الأصل أن يقال: علام تقتل؟، كأنه ما التفت إليه وعم الخطاب أولا، ثم رجع إليه تأنيباً وتوبيخاً.
قوله: ((فراح من الناس)) هو كناية عن سرعة برئه. ((حس)): اختلفوا في غسل داخلة الإزار، فذهب بعضهم إلى المذاكير، وبعضهم إلى الأفخاذ والورك. قال أبو عبيدة: إنما أراد داخلة إزاره طرف إزاره الذي يلي جسده مما يلي جانب الأيمن فهو الذي يغسل. قال: ولا أعلمه إلا جاء مفسراً في بعض الحديث هكذا.
((مح)): وصف وضوء العائن عند العلماء أن يؤتى بقدح ماء، ولا يوضع القدح على الأرض
стр. 2378
٤٥٦٣ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: كان رسول الله ﷺ يتعوذ من الجان وعين الإنسان، حتى نزلت المعوذتان، فلما نزلت أخذ بهما وترك ما سواهما. رواه الترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. [٤٥٦٣]
٤٥٦٤ - وعن عائشة، قالت: قال لي رسول الله ﷺ : ((هل رئي فيكم المغربون؟)) قلت: وما المغربون؟ قال: ((الذين يشترك فيهم الجن)). رواه أبو داود. [٤٥٦٤]
٤٥٦٥ - وذكر حديث ابن عباس: ((خير ما تداويتم)) في ((باب الترجل)).
ــ
فيأخذ غرفة فيتمضمض، ثم يمجها في القدح ثم يأخذ منه ما يغسل وجهه، ثم يأخذ بشماله ما يغسل به كفه اليمنى، ثم بيمينه ما يغسل به كفه اليسرى، ثم بشماله ما يغسل به مرفقه الأيمن، ثم بيمينه ما يغسل به مرفقه الأيسر، ولا يغسل ما بين المرفقين والكفين، ثم يغسل قدمه اليمنى ثم اليسرى، ثم ركبته اليمنى، ثم اليسرى على الصفة المتقدمة. وكل ذلك في القدح، ثم داخلة إزاره. وإذا استكمل هذا صبه من خلفه على رأسه، وهذا المعنى لا يمكن تعليله ومعرفة وجهه؛ إذ ليس في قوة العقل الإطلاع على أسرار جميع المعلومات والله أعلم.
قال القاضي عياض: قال بعضهم: إنه ينبغي إذا عرف أحد بالإصابة بالعين أن يجتنب عنه، وينبغي للإمام منعه من مداخلة الناس ويأمره بلزوم بيته، فإن كان فقيراً رزقه ما يكفيه، وكيف أذاه عن الناس، فضرره أشد من ضرر آكل الثوم والبصل ومن ضرر المجذوم أيضاً.
الحديث الحادي والثلاثون والثاني والثلاثون عن عائشة ﵂: قوله: ((فيكم)) أي في جنس الإنسان، فغلب الذكور على الإناث، والخطاب على الغيبة، كقوله تعالى: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾. غلب العقلاء المخاطبين على الأنعام الغيب، والسؤال سؤال توقيف وتنبيه. ((وهل)) بمعنى ((قد)) في الاستفهام خاصة. والأصل ((أهل)) قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإنسَانِ﴾ الكشاف: المعنى أقد أتى؟ على التقدير والتقريب جميعاً.
و ((المغربون)) بتشديد الراء وكسرها المبعدون عن ذكر الله تعالى عند الوقاع، حتى شارك فيهم الشيطان. وقيل: سموا مغربين؛ لأنه دخل فيهم عرق غريب أو جاء من نسب بعيد. وقيل: أراد بمشاركة الجن فيهم، أمرهم إياهم بالزنا وتحسينه لهم، فجاء أولادهم من غير
стр. 2379
الفصل الثالث
٤٥٦٦ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((المعدة حوض البدن، والعروق إليها واردة، فإذا صحت المعدة صدرت العروق بالصحة، وإذا فسدت المعدة صدرت العروق بالسقم)). [٤٥٦٦]
٤٥٦٧ - وعن علي، قال: بينا رسول الله ﷺ ذات ليلة يصلي، فوضع يده على الأرض، فلدغته عقرب، فناولها رسول الله ﷺ بنعله فقتلها. فلما انصرف قال:
ــ
رشدة. ومنه قوله تعالى: ﴿وشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ والأَوْلادِ﴾. قيل: ويحتمل أن يراد به من كان له قرين من الجن يلقي إليه الأخبار وأصناف الكهانة.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((المعدة حوض البدن)) الحديث أورده ابن الجوزي أيضاً في كتاب لقط النافع. شبه ﷺ المعدة بالحوض، والبدن بالشجر، والعروق الواردة إليها بعروق الشجر الضاربة إلى الحوض، الجاذبة ماءه إلى الأغصان والأوراق، فمتى كان الماء صافياً ولم يكن ملحاً أجاجاً، كان سبباً لنضارة الأشجار وخصارتها، وإلا كان سبباً لذبولها وجفافها. فكذا حكم البدن مع المعدة، وذلك أن الله تعالى بلطيف حكمته وبديع فطرته جعل الحرارة الغريزية في بدن الإنسان مسلطة عليه، تحلل الرطوبات تسليط السراج على السليط. وخلق فيه أيضاً قوة جاذبة سارية في مجاري عروق واردة إلى الكبد، طالبة منه ما صفي منه من الأخلاط، التي حصلت فيه بسبب عروق واردة منه إلى المعدة، جاذبة منها ما انهضم فيها من المشروب والمطعوم؛ ليطبخ في الكبد مرة أخرى فيصير بدلا لما تحلل منه. هذا معنى الصدور بعد الورود؛ لأن العروق مجار لما يرد فيها ويصدر منها كعروق الشجر. فالأسلوب من باب سال الوادي، وجرى الميزاب. فإذا كان ما في المعدة غذاء صالحا، وانحدر من تلك العروق إلى الكبد، يحصل منه الغذاء المحمود للأعضاء خلفا لما تحلل منها وإذا كان فاسداً إما لكثرة أكل وشرب أو إدخال طعام أو غير ذلك، كان سبباً لتوليد الأخلاط الرديئة الموجبة للأمراض الرديئة، وذلك بتقدير العزيز العليم.
الحديث الثاني عن علي ﵁: قوله: ((فوضع يده على الأرض)) هو جواب ((بينا)) وهذا يؤيد قول من قال: إن ((بينا)) و ((بينما)) ظرفان متضمنان لمعنى الشرط؛ فلذلك اقتضيا
стр. 2380
((لعن الله العقرب، ما تدع مصلياً ولا غيره – أو نبياً وغيره)) – ثم دعا بملح وماء، فجعله في إناء، ثم جعل يصبه على أصبعه حيث لدغته ويمسحها ويعوذها بالمعوذتين. رواهما البيهقي في ((شعب الإيمان)). [٤٥٦٧]
٤٥٦٨ - وعن عثمان بن عبد الله بن موهب، قال: أرسلني أهلي إلى أم سلمة بقدح من ماء، وكان إذا أصاب الإنسان عين أو شيء بعث إليها مخضبه، فأخرجت من شعر رسول الله ﷺ ، وكانت تمسكه في جلجل من فضة فخضخضته له، فشرب منه، قال: فاطلعت في الجلجل فرأيت شعرات حمراء. رواه البخاري.
٤٥٦٩ - وعن أبي هريرة، أن ناساً من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا لرسول الله ﷺ : الكمأة جدري الأرض؟ فقال رسول الله ﷺ : ((الكمأة من المن، وماؤها
ــ
جواباً. وقد سبق تمام تقريره في أول كتاب الإيمان. وقوله: ((ما تدع مصلياً)) إلى آخره، على لاستحقاقه اللعن.
الحديث الثالث عن عثمان ﵁: قوله: ((المخضب)) هو بالكسر شبه المركن وهي إجانة يغسل فيها الثياب. والخضخضة تحريك الماء ونحوه. وقوله: ((فاطلعت)) عطف على مقدر يدل عليه قوله: ((وكان إذا أصاب الإنسان)) إلى آخره. واستعمال الفضة هنا كاكتساء الكعبة بالحرير تعظيما وتبجيلا.
الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((الكمأة جدرى الأرض)) ((نه)): ((شبه الكمأة بالجدري الذي يظهر في جسد الصبي لظهورها من بطن الأرض، كما يظهر الجدري من باطن الجلد، وأراد به ذمها. وقوله: ((من المن)) أي: هي مما من الله تعالى به على عباده. وقيل شبهها بالمن، وهو العسل الحلو الذي ينزل من السماء صفواً بلا علاج، وكذلك الكمأة لا مؤونة فيها ببذر وسقي.
أقول: كأنهم لما ذموها وجعلوها من الفضلات، التي تتضمن المضرة تدفعها الأرض إلى ظاهرها، كما تدفع الطبيعة الفضلات بالجدري، قابله ﷺ بالمدح، أي ليست من الفضلات بل هي من فضل الله ومنه أنزله على عباده، أو ليست مما تضمن المضرة، بل هي ثناء للناس كالمن النازل، وماؤها شفاء العين.
((مح)): قيل: هو نفس الماء مجرداً. وقيل: مخلوطاً بدواء. وقيل: إن كان لتبريد ما في العين من حرارة، فماؤها مجرد الشفاء. وإن كان من غير ذلك فمركبا مع غيره. والصحيح بل
стр. 2381
شفاء للعين. والعجوة من الجنة، وهي شفاء من السم)). قال أبو هريرة: فأخذت ثلاثة أكمؤ أو خمساً أو سبعاً فعصرتهن، وجعلت ماءهن في قارورة، وكحلت به جارية لي عمشاء، فبرأت. رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن. [٤٥٦٩]
٤٥٧٠ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من لعق العسل ثلاث غدوات في كل شهر لم يصبه عظيم من البلاء)). [٤٥٧٠]
٤٥٧١ - وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ((عليكم بالشفاءين: العسل والقرآن)). رواهما ابن ماجه، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) وقال: والصحيح أن الأخير موقوف على ابن مسعود. [٤٥٧١]
ــ
الصواب أن [ماؤها] مجرداً شفاء للعين مطلقاً. أقول: والحديث أيضاً يصوبه؛ لقوله: ((وجعلت ماءهن في قارورة وكحلت به جارية)).
قال الشيخ محيي الدين: وقد رأيت أنا وغيري في زماننا من ذهب بصره فكحل عينيه بماء الكمأة مجرداً فشفي وعاد إليه بصره. وهو الشيخ العدل الأمين الكمال الدمشقي صاحب رواية في الحديث. وكان استعماله لماء الكمأة اعتقاداً بالحديث وتبركاً به. انتهى كلامه. وأما قوله: ((والعجوة من الجنة)) فواقع على سبيل الاستطراد.
الحديث الخامس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((في كل شهر)) هو صفة غدوات، أي غدوات كائنة في كل شهر.
الحديث السادس عن عبد الله: قوله: ((العسل والقرآن)) تقسيم للجمع، فجعل جنس الشفاء نوعين حقيقيا وغير حقيقي، ثم قسمه، نحوه قولك: القلم أحد اللسانين، والخال أحد الأبوين. قال الفرزدق:
أبي أحد الغيثين، صعصعة الذي متى تخلف الجوزاء والدلو يمطر
فإنه نسى التشبيه وبني على أن أباه أحد الغيثين الذين إن أمسك أحدهما أمطر.
((غب)): شفاء البئر والنهر طرفه. والشفاء من المرض موافاة شفاء السلامة، وصار اسما للبئر، قال الله تعالى في صفة العسل: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ﴾. وقال في صفة القرآن: ﴿هُدًى وشِفَاءٌ﴾ وقال: ﴿وشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ﴾.
стр. 2382
٤٥٧٢ - وعن أبي كبشة الأنماري: أن رسول الله ﷺ احتجم على هامته من الشاة المسمومة. قال معمر: فاحتجمت أنا من غير سم كذلك في يافوخي، فذهب حسن الحفظ عني، حتى كنت ألقن فاتحة الكتاب في الصلاة. رواه رزين.
٤٥٧٣ - وعن نافع قال: قال ابن عمر: يا نافع! ينبع بي الدم، فأتني بحجام واجعله شاباً، ولا تجعله شيخاً ولا صبياً. قال: وقال ابن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((الحجامة على الريق أمثل، وهي تزيد في العقل، وتزيد في الحفظ، وتزيد الحافظ حفظاً، فمن كان محتجماً فيوم الخميس على اسم الله تعالى، واجتنبوا الحجامة يوم الجمعة ويوم السبت ويوم الأحد، فاحتجموا يوم الاثنين ويوم الثلاثاء، واجتنبوا الحجامة يوم الأربعاء؛ فإنه اليوم الذي أصيب به أيوب في البلاء. وما يبدو جذام ولا برص إلا في يوم الأربعاء أو ليلة الأربعاء)) رواه ابن ماجه. [٤٥٧٣]
٤٥٧٤ - وعن معقل بن يسار، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الحجامة يوم الثلاثاء لسبع عشرة من الشهر دواء لداء السنة)). رواه حرب بن إسماعيل الكرماني صاحب أحمد وليس إسناده بذاك، هكذا في ((المنتقى)). [٤٥٧٤]
٤٥٧٥ - وروى رزين نحوه عن أبي هريرة.
ــ
الحديث السابع إلى الثامن عن نافع: قوله: ((ينبع بي الدم)) فيه تشبيه أي يغلي الدم في جسدي نبوع الماء من العين. و ((اجعله شابا)) أي اختره. و ((شابا)) حال، ويمكن أن يكون الضمير للمصدر كما في قوله: ((واجعله الوارث منا)). ويريد ((الحافظ حفظاً)) أي كمال الحفظ. قوله: ((ويوم الثلاثاء)) ظاهره يخالف قوله في حديث كبشة: ((إن يوم الثلاثاء يوم الدم وفيه ساعة لا ترقأ)). ولعله أراد يوما مخصوصاً وهو السابع عشر من الشهر، كما يأتي في الحديث الثاني.
الحديث التاسع عن معقل: قوله: ((الحجامة يوم الثلاثاء)) هذا الحديث ملحق في أكثر نسخ المصابيح. وقوله: ((بذاك)) أي بذاك القوة.
стр. 2383
(١) باب الفأل والطيرة
الفصل الأول
٤٥٧٦ - عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا طيرة، وخيرها الفأل)) قالوا: وما الفأل؟ قال: ((الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم)) متفق عليه.
٤٥٧٧ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر، وفر من المجذوم كما تفر من الأسد)) رواه البخاري.
ــ
باب الفأل والطيرة
((نه)): الفأل مهموز فيما يسر ويسوء. والطيرة لا تكون إلا فيما يسوء. وربما استعملت فيما يسر. والطيرة بكسر الطاء وفتح الياء وقد تسكن هي التشاؤم بالشيء، وهو مصدر تطير طيرة وتخير خيرة، ولم يجيء من المصادر هكذا غيرهما. وأصله فيما يقال: التطير بالسوانح والبوارح من الطير والظباء وغيرهما. وكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم، فنفاه الشرع وأبطله ونهى عنه. وأخبر أنه ليس له تأثير في جلب نفع أو دفع ضر. انتهى كلامه. والفرق بين الفأل والطيرة يفهم مما روى أنس عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل قالوا: وما الفأل؟ قال: كلمة طيبة)).
الفصل الأول
الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((وخيرها الفأل)) الضمير المؤنث راجع إلى ((الطيرة))، وقد علم أن لا خير فيها، فهو كقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًا﴾ هذا مبني على زعمهم، أو هو من باب قولهم: الصيف أحر من الشتاء أي الفأل في بابه أبلغ من الطيرة في بابها. ومعنى الترخص في الفأل والمنع من الطيرة، وهو أن الشخص لو رأي شيئاً فظنه حسناً ويحرضه على طلب حاجته، فليفعل ذلك، وإن رأي ما يعده مشئوما ويمنعه من المضي إلى حاجته، فلا يجوز قبوله بل يمضي لسبيله. فإذا قبل وانتهى عن المضي في طلب حاجته فهو الطيرة؛ لأنها اختصت بأن تستعمل في الشؤم. قال الله تعالى: ﴿إنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ أي [تشاءمنا] بكم. قوال: ﴿طَائِرُكُم مَّعَكُمْ﴾ أي سبب شؤمكم معكم.
الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لا عدوى)) ((تو)): العدوى هنا مجاوزة العلة من صاحبها إلى غيره. يقال: أعدى فلان فلانا من خلقه أو من علة به. وذلك على ما
стр. 2384
ــ
يذهب إليه المتطببة في علل سبع: الجذام والجرب والجدري والحصبة والبخر والرمد والأمراض الوبائية. وقد اختلف العلماء في التأويل، فمنهم من يقول: إن المراد منه نفي ذلك وإبطاله على ما يدل عليه ظاهر الحديث، والقرائن [المسوقة] على العدوى، وهم الأكثرون. ومنهم من يرى أنه لم يرد إبطالها فقد قال ﷺ : ((فر من المجذوم كما تفر من الأسد)) وقال: ((لا يوردن ذو عاهة على مصح)).
وإنما أراد بذلك نفي ما كان يعتقده أصحاب الطبيعة؛ فإنهم كانوا يرون أن العلل المعدية مؤثرة لا محالة، فأعلمهم بقوله هذا أن ليس الأمر على ما تتوهمون، بل هو متعلق بالمشيئة إن شاء كان، وإن لم يشأ لم يكن. ويشير إلى هذا المعنى قوله: ((فمن أعدى الأول؟)) أي: إن كنتم ترون أن السبب في ذلك العدوى لا غير، فمن أعدى الأول؟ , وبين بقوله: ((فر من المجذوم)) وبقوله: ((لا يوردن ذو عاهة على مصح)) أن مداناة ذلك من أسباب العلة، فليتقه اتقاءه من الجدار المائل والسفينة المعيوبة، وقد رد الفرقة الأولى على الثانية قد استدلالهم بالحديثين أن النهي فيهما إنما جاء شفقا على مباشر أحد الأمرين، فتصيبه علة في نفسه أو عاهة في بدنه، فيعتقد أن العدوى حق.
قال: وأرى القول الثاني أولى التأويلين؛ لما فيه [من] التوفيق بين الأحاديث الواردة فيه ثم؛ لأن القول الأول يفضي إلى تعطيل الأصول الطبية، ولم يرد الشرع بتعطيلها بل ورد بإثباته، والعبرة بها على وجه لا يناقض أصول التوحيد. ولا مناقضة في القول بها على الوجه الذي ذكرناه.
وأما استدلالهم بالقرائن المنسوقة عليها، فإنا قد وجدنا الشارع قد يجمع في النهي بين ما هو حرام، وبين ما هو مكروه، وبين ما ينهي عنه لمعنى، وبين ما ينهي عنه لمعان كثيرة. ويدل على صحة ما ذكرنا قوله ﷺ للمجذوم المبايع: ((قد بايعناك فارجع)) في حديث الشريد بن سويد الثقفي، وهو مذكور بعد. وقوله ﷺ للمجذوم الذي أخذ بيده فوضعها معه في القصعة: ((كل ثقة بالله وتوكلا عليه)). ولا سبيل إلى التوفيق بين هذين الحديثين إلا من هذا الوجه، يبين بالأول التوقي من أسباب التلف، وبالثاني التوكل على الله في متاركة الأسباب؛ ليثبت بالأول التعرض بالأسباب وهو سنة. وبالثاني ترك الأسباب وهو حاله.
قوله: ((ولا طيرة)) مضى بحثه في ترجمة الباب. قوله: ((ولا هامة)) قال أبو داود في سننه: قال بقية: سألت محمد بن راشد عن قوله: ((لا هامة)) قال: كان أهل الجاهلية يقولون: ليس أحد يموت فيدفن إلا خرج من قبره هامة.
((مح)): هي بتخفيف الميم على المشهور. وقيل: بتشديدها. وفيها تأويلان: أحدهما: أن العرب كانت تتشاءم بها، وهي من طير الليل. وقيل: هي البومة. قالوا: كانت إذا سقطت على دار أحدهم فيراها ناعية له نفسه أو بعض أهله، وهو تفسير مالك بن أنس. وثانيهما: كانت
стр. 2385
٤٥٧٨ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا عدوى ولا هامة ولا صفر)). فقال أعرابي: يا رسول الله! فما بال الإبل تكون في الرمل لكأنها الظباء فيخالطها البعير الأجرب فيجربها؟ فقال رسول الله: ((فمن أعدى الأول)) رواه البخاري.
٤٥٧٩ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا عدوى ولا هامة ولا نوء ولا صفر)) رواه مسلم.
ــ
تعتقد أن عظام الميت وقيل: روحه، تنقلب هامة تطير، وهذا تفسير أكثر العلماء وهو المشهور. ويجوز أن يكون المراد النوعين معا فإنهما باطلان.
قوله: ((ولا صفر)) قال أبو داود في سننه: قال بقية: سألت محمد بن راشد عنه فقال: كانوا يتشاءمون بدخول صفر، فقال النبي ﷺ : ((لا صفر)). قال: وسمعت من يقول: هو وجع يأخذ في البطن، يزعمون أنه يعدي. قال أبو داود: قال مالك: كان أهل الجاهلية يحلون صفرا عاما ويحرمونه عاما، فقال رسول الله ﷺ : ((لا صفر)).
((مح)): قيل: كانت العرب تعتقد أن في البطن دابة تهيج عند الرجوع، وربما قتلت صاحبها، وكانت العرب تراها أعدى من الجرب. وهذا التفسير هو الصحيح، وبه قال مطرف وابن وهب وأبو عبيد وغيرهم. وقد ذكره مسلم عن جابر بن عبد الله راوي الحديث فتعين اعتماده. قال الراغب: سمعت العرب بالصفر الذي هو [الخلوصية] الجوف من حيث إنه يتألم به الجوف. وذلك أن العرق الممتد من الكبد إلى المعدة إذا لم يجد غذاء امتص آخر المعدة، فاعتقدت جهلة العرب أن ذلك حية في البطن تعض [الشراسيف]، حتى نفي النبي ﷺ بقوله: ((لا صفر)). وأنشد للأعشى:
لا يغمز الساق من [أبن] ولا تعب ولا يعض على شرسوفه الصفر
((فض)): ويحتمل أن يكون نفيا لما يتوهم أن شهر صفر تكثر فيه الدواهي والفتن.
الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁: وقوله: ((في الرمل)) هو خبر كان و ((كأنها الظباء)) حال من الضمير المستتر في الخبر، وهو تتميم لمعنى النقاوة؛ وذلك لأنه إذا كان في الترب ربما يلصق به شيء منه وقوله: ((فمن أعدى الأول)) إنما أتى بـ ((من)) والظاهر أن يقال فما أعدى الأول ليجاب بقوله: الله تعالى. وذكر ((أعدى)) للمشاكلة والازدواج، كما في قوله: كما تدين تدان.
الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((ولا نوء)) ((نه)): الأنواء منازل القمر وكانت العرب تزعم أن عند كل نوء مطرا وينسبونه إليه، فيقولون: مطرنا بنوء كذا. وإنما سمؤ نوء؛ لأنه إذا سقط الساقط منها بالمغرب فالطالع بالمشرق ينوء نوءا، أي ينهض ويطلع.
следующие страницы →