← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122257

شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن

الطيبي

Полный текст (3 308 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

شفاء للعين. والعجوة من الجنة، وهي شفاء من السم)). قال أبو هريرة: فأخذت ثلاثة أكمؤ أو خمساً أو سبعاً فعصرتهن، وجعلت ماءهن في قارورة، وكحلت به جارية لي عمشاء، فبرأت. رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن. [٤٥٦٩] ٤٥٧٠ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من لعق العسل ثلاث غدوات في كل شهر لم يصبه عظيم من البلاء)). [٤٥٧٠] ٤٥٧١ - وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ((عليكم بالشفاءين: العسل والقرآن)). رواهما ابن ماجه، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) وقال: والصحيح أن الأخير موقوف على ابن مسعود. [٤٥٧١] ــ الصواب أن [ماؤها] مجرداً شفاء للعين مطلقاً. أقول: والحديث أيضاً يصوبه؛ لقوله: ((وجعلت ماءهن في قارورة وكحلت به جارية)). قال الشيخ محيي الدين: وقد رأيت أنا وغيري في زماننا من ذهب بصره فكحل عينيه بماء الكمأة مجرداً فشفي وعاد إليه بصره. وهو الشيخ العدل الأمين الكمال الدمشقي صاحب رواية في الحديث. وكان استعماله لماء الكمأة اعتقاداً بالحديث وتبركاً به. انتهى كلامه. وأما قوله: ((والعجوة من الجنة)) فواقع على سبيل الاستطراد. الحديث الخامس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((في كل شهر)) هو صفة غدوات، أي غدوات كائنة في كل شهر. الحديث السادس عن عبد الله: قوله: ((العسل والقرآن)) تقسيم للجمع، فجعل جنس الشفاء نوعين حقيقيا وغير حقيقي، ثم قسمه، نحوه قولك: القلم أحد اللسانين، والخال أحد الأبوين. قال الفرزدق: أبي أحد الغيثين، صعصعة الذي متى تخلف الجوزاء والدلو يمطر فإنه نسى التشبيه وبني على أن أباه أحد الغيثين الذين إن أمسك أحدهما أمطر. ((غب)): شفاء البئر والنهر طرفه. والشفاء من المرض موافاة شفاء السلامة، وصار اسما للبئر، قال الله تعالى في صفة العسل: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ﴾. وقال في صفة القرآن: ﴿هُدًى وشِفَاءٌ﴾ وقال: ﴿وشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ﴾.

стр. 2382

٤٥٧٢ - وعن أبي كبشة الأنماري: أن رسول الله ﷺ احتجم على هامته من الشاة المسمومة. قال معمر: فاحتجمت أنا من غير سم كذلك في يافوخي، فذهب حسن الحفظ عني، حتى كنت ألقن فاتحة الكتاب في الصلاة. رواه رزين. ٤٥٧٣ - وعن نافع قال: قال ابن عمر: يا نافع! ينبع بي الدم، فأتني بحجام واجعله شاباً، ولا تجعله شيخاً ولا صبياً. قال: وقال ابن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((الحجامة على الريق أمثل، وهي تزيد في العقل، وتزيد في الحفظ، وتزيد الحافظ حفظاً، فمن كان محتجماً فيوم الخميس على اسم الله تعالى، واجتنبوا الحجامة يوم الجمعة ويوم السبت ويوم الأحد، فاحتجموا يوم الاثنين ويوم الثلاثاء، واجتنبوا الحجامة يوم الأربعاء؛ فإنه اليوم الذي أصيب به أيوب في البلاء. وما يبدو جذام ولا برص إلا في يوم الأربعاء أو ليلة الأربعاء)) رواه ابن ماجه. [٤٥٧٣] ٤٥٧٤ - وعن معقل بن يسار، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الحجامة يوم الثلاثاء لسبع عشرة من الشهر دواء لداء السنة)). رواه حرب بن إسماعيل الكرماني صاحب أحمد وليس إسناده بذاك، هكذا في ((المنتقى)). [٤٥٧٤] ٤٥٧٥ - وروى رزين نحوه عن أبي هريرة. ــ الحديث السابع إلى الثامن عن نافع: قوله: ((ينبع بي الدم)) فيه تشبيه أي يغلي الدم في جسدي نبوع الماء من العين. و ((اجعله شابا)) أي اختره. و ((شابا)) حال، ويمكن أن يكون الضمير للمصدر كما في قوله: ((واجعله الوارث منا)). ويريد ((الحافظ حفظاً)) أي كمال الحفظ. قوله: ((ويوم الثلاثاء)) ظاهره يخالف قوله في حديث كبشة: ((إن يوم الثلاثاء يوم الدم وفيه ساعة لا ترقأ)). ولعله أراد يوما مخصوصاً وهو السابع عشر من الشهر، كما يأتي في الحديث الثاني. الحديث التاسع عن معقل: قوله: ((الحجامة يوم الثلاثاء)) هذا الحديث ملحق في أكثر نسخ المصابيح. وقوله: ((بذاك)) أي بذاك القوة.

стр. 2383

(١) باب الفأل والطيرة الفصل الأول ٤٥٧٦ - عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا طيرة، وخيرها الفأل)) قالوا: وما الفأل؟ قال: ((الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم)) متفق عليه. ٤٥٧٧ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر، وفر من المجذوم كما تفر من الأسد)) رواه البخاري. ــ باب الفأل والطيرة ((نه)): الفأل مهموز فيما يسر ويسوء. والطيرة لا تكون إلا فيما يسوء. وربما استعملت فيما يسر. والطيرة بكسر الطاء وفتح الياء وقد تسكن هي التشاؤم بالشيء، وهو مصدر تطير طيرة وتخير خيرة، ولم يجيء من المصادر هكذا غيرهما. وأصله فيما يقال: التطير بالسوانح والبوارح من الطير والظباء وغيرهما. وكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم، فنفاه الشرع وأبطله ونهى عنه. وأخبر أنه ليس له تأثير في جلب نفع أو دفع ضر. انتهى كلامه. والفرق بين الفأل والطيرة يفهم مما روى أنس عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل قالوا: وما الفأل؟ قال: كلمة طيبة)). الفصل الأول الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((وخيرها الفأل)) الضمير المؤنث راجع إلى ((الطيرة))، وقد علم أن لا خير فيها، فهو كقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًا﴾ هذا مبني على زعمهم، أو هو من باب قولهم: الصيف أحر من الشتاء أي الفأل في بابه أبلغ من الطيرة في بابها. ومعنى الترخص في الفأل والمنع من الطيرة، وهو أن الشخص لو رأي شيئاً فظنه حسناً ويحرضه على طلب حاجته، فليفعل ذلك، وإن رأي ما يعده مشئوما ويمنعه من المضي إلى حاجته، فلا يجوز قبوله بل يمضي لسبيله. فإذا قبل وانتهى عن المضي في طلب حاجته فهو الطيرة؛ لأنها اختصت بأن تستعمل في الشؤم. قال الله تعالى: ﴿إنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ أي [تشاءمنا] بكم. قوال: ﴿طَائِرُكُم مَّعَكُمْ﴾ أي سبب شؤمكم معكم. الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لا عدوى)) ((تو)): العدوى هنا مجاوزة العلة من صاحبها إلى غيره. يقال: أعدى فلان فلانا من خلقه أو من علة به. وذلك على ما

стр. 2384

ــ يذهب إليه المتطببة في علل سبع: الجذام والجرب والجدري والحصبة والبخر والرمد والأمراض الوبائية. وقد اختلف العلماء في التأويل، فمنهم من يقول: إن المراد منه نفي ذلك وإبطاله على ما يدل عليه ظاهر الحديث، والقرائن [المسوقة] على العدوى، وهم الأكثرون. ومنهم من يرى أنه لم يرد إبطالها فقد قال ﷺ : ((فر من المجذوم كما تفر من الأسد)) وقال: ((لا يوردن ذو عاهة على مصح)). وإنما أراد بذلك نفي ما كان يعتقده أصحاب الطبيعة؛ فإنهم كانوا يرون أن العلل المعدية مؤثرة لا محالة، فأعلمهم بقوله هذا أن ليس الأمر على ما تتوهمون، بل هو متعلق بالمشيئة إن شاء كان، وإن لم يشأ لم يكن. ويشير إلى هذا المعنى قوله: ((فمن أعدى الأول؟)) أي: إن كنتم ترون أن السبب في ذلك العدوى لا غير، فمن أعدى الأول؟ , وبين بقوله: ((فر من المجذوم)) وبقوله: ((لا يوردن ذو عاهة على مصح)) أن مداناة ذلك من أسباب العلة، فليتقه اتقاءه من الجدار المائل والسفينة المعيوبة، وقد رد الفرقة الأولى على الثانية قد استدلالهم بالحديثين أن النهي فيهما إنما جاء شفقا على مباشر أحد الأمرين، فتصيبه علة في نفسه أو عاهة في بدنه، فيعتقد أن العدوى حق. قال: وأرى القول الثاني أولى التأويلين؛ لما فيه [من] التوفيق بين الأحاديث الواردة فيه ثم؛ لأن القول الأول يفضي إلى تعطيل الأصول الطبية، ولم يرد الشرع بتعطيلها بل ورد بإثباته، والعبرة بها على وجه لا يناقض أصول التوحيد. ولا مناقضة في القول بها على الوجه الذي ذكرناه. وأما استدلالهم بالقرائن المنسوقة عليها، فإنا قد وجدنا الشارع قد يجمع في النهي بين ما هو حرام، وبين ما هو مكروه، وبين ما ينهي عنه لمعنى، وبين ما ينهي عنه لمعان كثيرة. ويدل على صحة ما ذكرنا قوله ﷺ للمجذوم المبايع: ((قد بايعناك فارجع)) في حديث الشريد بن سويد الثقفي، وهو مذكور بعد. وقوله ﷺ للمجذوم الذي أخذ بيده فوضعها معه في القصعة: ((كل ثقة بالله وتوكلا عليه)). ولا سبيل إلى التوفيق بين هذين الحديثين إلا من هذا الوجه، يبين بالأول التوقي من أسباب التلف، وبالثاني التوكل على الله في متاركة الأسباب؛ ليثبت بالأول التعرض بالأسباب وهو سنة. وبالثاني ترك الأسباب وهو حاله. قوله: ((ولا طيرة)) مضى بحثه في ترجمة الباب. قوله: ((ولا هامة)) قال أبو داود في سننه: قال بقية: سألت محمد بن راشد عن قوله: ((لا هامة)) قال: كان أهل الجاهلية يقولون: ليس أحد يموت فيدفن إلا خرج من قبره هامة. ((مح)): هي بتخفيف الميم على المشهور. وقيل: بتشديدها. وفيها تأويلان: أحدهما: أن العرب كانت تتشاءم بها، وهي من طير الليل. وقيل: هي البومة. قالوا: كانت إذا سقطت على دار أحدهم فيراها ناعية له نفسه أو بعض أهله، وهو تفسير مالك بن أنس. وثانيهما: كانت

стр. 2385

٤٥٧٨ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا عدوى ولا هامة ولا صفر)). فقال أعرابي: يا رسول الله! فما بال الإبل تكون في الرمل لكأنها الظباء فيخالطها البعير الأجرب فيجربها؟ فقال رسول الله: ((فمن أعدى الأول)) رواه البخاري. ٤٥٧٩ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا عدوى ولا هامة ولا نوء ولا صفر)) رواه مسلم. ــ تعتقد أن عظام الميت وقيل: روحه، تنقلب هامة تطير، وهذا تفسير أكثر العلماء وهو المشهور. ويجوز أن يكون المراد النوعين معا فإنهما باطلان. قوله: ((ولا صفر)) قال أبو داود في سننه: قال بقية: سألت محمد بن راشد عنه فقال: كانوا يتشاءمون بدخول صفر، فقال النبي ﷺ : ((لا صفر)). قال: وسمعت من يقول: هو وجع يأخذ في البطن، يزعمون أنه يعدي. قال أبو داود: قال مالك: كان أهل الجاهلية يحلون صفرا عاما ويحرمونه عاما، فقال رسول الله ﷺ : ((لا صفر)). ((مح)): قيل: كانت العرب تعتقد أن في البطن دابة تهيج عند الرجوع، وربما قتلت صاحبها، وكانت العرب تراها أعدى من الجرب. وهذا التفسير هو الصحيح، وبه قال مطرف وابن وهب وأبو عبيد وغيرهم. وقد ذكره مسلم عن جابر بن عبد الله راوي الحديث فتعين اعتماده. قال الراغب: سمعت العرب بالصفر الذي هو [الخلوصية] الجوف من حيث إنه يتألم به الجوف. وذلك أن العرق الممتد من الكبد إلى المعدة إذا لم يجد غذاء امتص آخر المعدة، فاعتقدت جهلة العرب أن ذلك حية في البطن تعض [الشراسيف]، حتى نفي النبي ﷺ بقوله: ((لا صفر)). وأنشد للأعشى: لا يغمز الساق من [أبن] ولا تعب ولا يعض على شرسوفه الصفر ((فض)): ويحتمل أن يكون نفيا لما يتوهم أن شهر صفر تكثر فيه الدواهي والفتن. الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁: وقوله: ((في الرمل)) هو خبر كان و ((كأنها الظباء)) حال من الضمير المستتر في الخبر، وهو تتميم لمعنى النقاوة؛ وذلك لأنه إذا كان في الترب ربما يلصق به شيء منه وقوله: ((فمن أعدى الأول)) إنما أتى بـ ((من)) والظاهر أن يقال فما أعدى الأول ليجاب بقوله: الله تعالى. وذكر ((أعدى)) للمشاكلة والازدواج، كما في قوله: كما تدين تدان. الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((ولا نوء)) ((نه)): الأنواء منازل القمر وكانت العرب تزعم أن عند كل نوء مطرا وينسبونه إليه، فيقولون: مطرنا بنوء كذا. وإنما سمؤ نوء؛ لأنه إذا سقط الساقط منها بالمغرب فالطالع بالمشرق ينوء نوءا، أي ينهض ويطلع.

стр. 2386

٤٥٨٠ - وعن جابر، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((لا عدوى ولا صفر ولا غول)) رواه مسلم. ــ وقيل: أراد بالنوء الغروب وهو من الأضداد. قال أبو عبيد: لم يسمع في النوء أنه السقوط إلا في هذا الموضع. وإنما غلظ النبي ﷺ في أمر الأنواء؛ لأن العرب كانت تنسب المطر إليها. فأما من جعل المطر من فعل الله تعالى وأراد بقوله: مطرنا بنوء كذا، أي في وقت كذا وهو هذا النوء الفلاني، فإن ذلك جائز. أي إن الله تعالى قد أجرى العادة أن يأتي المطر في هذه الأوقات. الحديث الخامس عن جابر: قوله: ((لا غلول)) ((نه)): الغول واحد الغيلان وهي جنس من الجن والشياطين، كانت العرب تزعم أن الغول في الفلاة تترأي للناس، فيتغول تغولا أي يتلون تلونا في صور شتى، ويغولهم أي يضلهم عن الطريق ويهلكهم، فنفاه النبي ﷺ وأبطله. وقيل: قوله: ((لا غلول)) ليس نفيا لعين الغول ووجوده. وإنما فيه إبطال زعم العرب في تلونه بالصورة المختلفة واغتياله، فيكون المعنى بقوله: ((لا غول)) إنها لا تستطيع أن تضل أحدا. ويشهد له الحديث الآخر: ((لا غول ولكن السعالى)) والسعالى سحرة الجن، أي ولكن في الجنة سحرة لهم تلبيس وتخييل. ومنه الحديث: ((إذا تغولت الغيلان فبادروا بالأذان))، أي ادفعوا شرها بذكر الله تعالى. وهذا يدل على أنه لم يرد بنفيها عدمها. ومنه حديث أبي أيوب: ((كان لي ثمرة في سهوة، وكانت الغيل تجيء فتأخذه)). ((تو)): قال الطحاوي: يحتمل أن الغول قد كان ثم دفعه الله تعالى عن عباده وعن بعضهم. هذا ليس ببعيد؛ لأنه يحتمل أنه من خصائص بعثة نبينا ﷺ ونظيره منع الشياطين من استراق السمع بالشهاب الثاقب. أقول: إن (لا) التي لنفي الجنس دخلت على المذكورات ونفت ذواتها، وهي غير منفية فتوجه النفي إلى أوصافها وأحوالها التي هي مخالفة للشرع؛ فإن العدوى وصفر وهامة والنوء موجودة والمنفي هو ما زعمت الجاهلية إثباتها، فإن نفي الذات لإرادة نفي الصفات أبلغ، لأنه من باب الكناية. وقريب منه قوله تعالى: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلَاّ وأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. فنهاهم عن الموت وهو ليس بمقدورهم، فالمنفي هو حالة إذا أدركهم الموت لم يجدهم عليها، وهي أن يكونوا على غير ملة الإسلام. فالوجه ما ذهب إليه صاحب النهاية من الوجه الثاني. واختاره الشيخ التوربشتى.

стр. 2387

٤٥٨١ - وعن عمرو بن الشريد، عن أبيه، قال: كان في وفد ثقيف رجل مجذوم، فأرسل إليه النبي ﷺ : ((إنا قد بايعناك فارجع)) رواه مسلم. الفصل الثاني ٤٥٨٢ - عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ يتفاءل ولا يتطير، وكان يحب الاسم الحسن رواه في ((شرح السنة)). [٤٥٨٢] ٤٥٨٣ - وعن قطن بن قبيصه، عن أبيه، أن النبي ﷺ قال: ((العيافة والطرق والطيرة من الجبت)) رواه أبو داود. [٤٥٨٣] ــ الحديث السادس عن عمرو: قوله: ((إنا قد بايعناك فارجع)) هذا إرشاد إلى رخصة من النبي ﷺ لمن لم يكن له درجة التوكل أن يراعي الأسباب، فإن لكل شيء من الموجودات خاصية وأثرا أودعها فيه الحكيم جل وعلا. الفصل الثاني الحديث الأول عن ابن عباس ﵄: قوله: ((كان يحب الاسم الحسن)) هو بيان تفاؤله ﷺ ، لأنه لم يتجاوز عن ذلك، يدل عليه حديث أنس وبريدة كما سيجيء. الحديث الثاني عن قطن: قوله: ((العيافة)) ((نه)): العيافة رجر الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرها، وهو من عادة العرب كثيرا، وهو كثير في أشعارهم. يقال: عاف يعيف عيفا إذا رجر وحدس وظن. وبنو أسد يذكرون بالعيافة ويوصفون بها. قيل عنهم: إن قوما من الجن تذاكروا عيافتهم فأتوهم، فقالوا: ضلت لنا ناقة فلو أرسلتم معنا من يعيف، فقالوا لغليم منهم: انطلق معهم. فاستردفه أحدهم، ثم ساروا، فلقيهم عقاب كاسرة إحدى جناحيها، فاقشعر الغلام وبكى. فقالوا: ما لك؟ فقال: كسرت جناحا، ورفعت جناحا، وحلفت بالله صراحا، ما أنت بإنسي ولا تبغي لقاحا. وأنشد الشيخ التوبشتي: وقال صحابي: هدهد فوق بأنه هدى وبيان بالنجاح يلوح وقالوا: حمامات فحم [لقاؤها] وطلح [فثلت] والمطي طليح وقال آخر: يغني الطائان ببين سلمى على غصنين من غرب وبان وقال آخر: جرت سنحا، فقلت لها: أجيري نوى مشمولة، فمتى اللقاء؟

стр. 2388

٤٥٨٤ - وعن عبد الله بن مسعود، عن رسول الله ﷺ قال: ((الطيرة شرك)) قاله ثلاثا، وما منا إلا؛ ولكن الله يذهبه بالتوكل. رواه أبو داود، والترمذي، وقال: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: كان سليمان بن حرب يقول في هذا الحديث: ((وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل)) هذا عندي قول ابن مسعود. [٤٥٨٤] ــ السانح مما كانوا يتيمنون به. أي قلت للنفس: أجيري أي خلفي حال نوى. والمشمولة المكروهة من الشمال، فإنهم يكرهونها لما فيها من البرد، وذهابها بالغيم الذي فيه الخصب [والحيا]. قوله: ((والطرق)) ((نه)): هو الضرب بالحصى الذي يفعله النساء. وقيل: هو الخط في الرمل واقتصر في الفائق على الوجه الأول. وأنشد قول لبيد: لعمرك ما تدري الطوارق بالحصى ولا زاجرات الطير ما الله صانع ((فا)): الجبت هو السحر والكهانة. وقيل: هو كل ما عبد من دون الله. وقيل: هو الساحر. قوله: ((من الجبت)) معناه من عمل الجبت. وقالوا: ليست بعربية. وعن سعيد بن جبير: هي هبشيةز وقال قطرب: الجبت عند العرب الخسيس الذي لا خير عنده. انتهى كلامه. وعن بعضهم: ولا بد من إضمار في الأولين، مثل: إنه يماثل عبادة الجبت، أو من قبيلها، أو من أعمال الجبت، أي الساحر. أقول: ((من)) فيه إما ابتدائية أو تبعيضية، فعلى الأول المعنى: الطيرة ناشئة من الساحر. وعلى الثاني: الطيرة من جملة السحر والكهانة، أو من جملة عبادة غير الله، أي الشرك، يؤيده قوله في الحديث الآتي: ((الطيرة شرك)). ويجوز أن يكون على هذا أيضا ابتدائية، أي ناشئة من الشرك. الحديث الثالث عن عبد الله: قوله: ((الطيرة شرك)) ((قض)): إنما سماها شركا؛ لأنهم كانوا يرون ما يتشاءمون به سببا مؤثرا في حصول المكروه، وملاحظة الأسباب في الجملة شرك خفي، فكيف إذا انضم إليها جهالة وسوء اعتقاد؟. قوله: ((وما منا إلا)) ((تو)): أي: إلا من يتعرض له الوهم من قبل الطيرة، كره أن يتم كلامه لك؛ لما يتضمنه من الحالة المكروهة. وهذا نوع من أدب الكلام يكتفي دون المكروه منه بالإشارة، فلا يضرب لنفسه مثل السوء. قوله: ((يذهبه بالتوكل)) جاء بفتح الياء وضمها، وعلى الثاني اجتمع فيه حرفا التعدية للتأكيد. والمراد بالإذهاب ما يخطر في قلب المؤمن من لمة الملك المذهبية للمة الشيطان.

стр. 2389

٤٥٨٥ - وعن جابر، أن رسول الله ﷺ أخذ بيد مجذوم فوضعها معه في القصعة، وقال: ((كل ثقة بالله، وتوكلا عليه)). رواه ابن ماجه. [٤٥٨٥] ٤٥٨٦ - وعن سعد بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال: ((لا هامة ولا عدوى ولا طيرة. وإن تكن الطيرة في شيء ففي الدار والفرس والمرأة)) رواه أبو داود. [٤٥٨٦ٍ ــ الحديث الرابع عن جابر: قوله: ((ثقة بالله)) عن بعضهم: هو منصوب على الحال وصاحبها محذوف، أي كل معي واثقا بالله تعالى. انتهى كلامه. ويحتمل أن يكون هو من كلام الراوي حالا من فاعل ((قال))، وأن يكون مفعولا مطلقا، أي: كل، ثم استأنف بقوله: أثق ثقة بالله. الحديث الخامس عن سعد: قوله: ((ولا طيرة)) ((تو)): الأصل في الطيرة هو التشاؤم بالطير على ما ذكر. ثم إنهم اتسعوا فيها على أن وضعوها موضع الشؤم. قوله: ((وإن تكن الطيرة)) ((مح)): قال الخطابي وكثيرون: هو في معنى الاستثناء من الطيرة، أي: الطيرة منهي عنها إلا في هذه الأشياء. أقول: ويحتمل أن يكون معنى الاستثناء على حقيقته، وتكون هذه الأشياء خارجة عن حكم المستثنى منه، أي الشؤم ليس في شيء من الأشياء إلا في هذه الأشياء كما ورد في رواية لمسلم: ((إنما الشؤم في ثلاثة: المرأة والفرس والدار)). وفي رواية: ((الشؤم في الدار والمرأة والفرس)) وفي حديث أنس: ((ذروها ذميمة)) كما سيجيء. ويحتمل أن ينزل على باب قوله تعالى: ﴿ولا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إلَاّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ وقوله ﷺ : ((لو كان شيء سابق القدر سبقته العين)). وقد سبق تقريره، وعليه كلام. القاضي حيث قال: ووجه تعقيب قوله: ((ولا طيرة)) بهذه الشرطية يدل على أن الشؤم أيضا منفي عنها. والمعنى أن الشؤم لو كان له وجود في شيء، لكان في هذه الأشياء؛ فإنها أقبل الأشياء لها، لكن لا وجود له فيها فلا وجود له أصلا. انتهى كلامه. فعلى هذا الشؤم في الأحاديث المستشهد بها محمول على الكراهية التي سببها ما في الأشياء من مخالفة الشرع أو الطبع، كما قيل: شؤم الدار ضيقها وسوء جيرانها، وشؤم المرأة عدم ولادتها وسلاطة لسانها ونحوهما، وشؤم الفرس أن لا يغرى عليه. وقيل: حرانها وغلاء ثمنها. فشؤمها عدم موافقتها له شرعا أو طبعا. ويؤيده ما ذكره في شرح السنة كأنه يقول: إن كان لأحدكم دار يكره سكناها أو امرأة يكره صحبتها أو فرس لا يعجبه، فليفارقها بأن ينتقل عن الدار ويطلق المرأة ويبيع الفرس، حتى يزول عنه ما يجده في نفسه من الكراهة كما قال ﷺ في جواب من قال: يا رسول الله! إنا كنا في دار كثر فيها عددنا إلى آخره: ((ذروها ذميمة)).

стр. 2390

٤٥٨٧ - وعن أنس، أن النبي ﷺ كان يعجبه إذا خرج لحاجة أن يسمع: يا راشد يا نجيح. رواه الترمذي. [٤٥٨٧] ٤٥٨٨ - وعن بريدة: أن النبي ﷺ كان لا يتطير من شيء، فإذا بعث عاملا سأل عن اسمه فإذا أعجبه اسمه فرح به، ورئي بشر ذلك في وجهه. وإن كره اسمه رئي كراهية ذلك في وجهه. وإذا دخل قرية سأل عن اسمها، فإن أعجبه اسمها فرح به ورئي بشر ذلك في وجهه، وإن كره اسمها رئي كراهية ذلك في وجهه. رواه أبو داود. [٤٥٨٨] ٤٥٨٩ - وعن أنس، قال: قال رجل: يا رسول الله! إنا كنا في دار كثر فيها عددنا وأموالنا فتحولنا إلى دار قل فيها عددنا وأموالنا. فقال رسول الله ﷺ : ((ذروها ذميمة)) رواه أبو داود. [٤٥٨٩] ــ فأمرهم بالتحول منها؛ لأنهم كانوا فيها على استثقال بظلها واستيحاش، فأمرهم النبي ﷺ بالانتقال عنها ليزول عنهم ما يجدون من الكراهة، لا أنها سبب في ذلك. الحديث السادس عن بريدة: قوله: ((سأل عن اسمه)) ((حس)): ينبغي للإنسان أن يختار لولده وخدمه الأسماء الحسنة؛ فإن الأسماء المكروهة قد توافق القدر. وروى عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب ﵁ قال لرجل: ما اسمك؟. قال: جمرة. قال: ابن من؟ قال: ابن شهاب. قال: ممن؟ قال: من الحراقة. قال: أين مسكنك؟ قال: بحرة النار. قال: بأيها؟ قال: بذات لظى. قال عمر: أدرك أهلك قد احترقوا، فكان كما قال عمر ﵁. أقول: ونظيره ما حكى أن [رشيدا] سأل رجلا: ما اسمك؟. فقال: سعيد أسعدك الله. قال: ابن من؟. قال: سالم، سلمك الله. قال: أبو من: قال: أبو عمرو عمرك الله. فقال: بارك الله فيك، وأكرمه. الحديث السابع عن أنس ﵁: قوله: ((ذروها ذميمة)) ((نه)): أي اتركوها مذمومة، فعليه بمعنى مفعولة. وإنما أمرهم بالتحول عنها إبطالا لما وقع في نفوسهم، من أن المكروه إنما أصابهم بسبب السكنى، فإذا تحولوا عنها انقطعت مادة ذلك الوهم، وزال عنهم ما خامرهم من الشبهة، وهذا كلام الخطابي.

стр. 2391

٤٥٩٠ - وعن يحيى بن عبد الله بن بحير، قال: أخبرني من سمع فروة بن مسيك يقول: قلت: يا رسول الله! عندنا أرض يقال لها: أبين، وهي أرض ريفنا وميرتنا، وإن وباءها شديد. فقال: ((دعها عنك فإن من القرف التلف)) رواه أبو داود. [٤٥٩٠] الفصل الثالث ٤٥٩١ - عن عروة بن عامر، قال: ذكرت الطيرة عند رسول الله ﷺ فقال: ((أحسنها الفأل، ولا ترد مسلما، فإذا رأي أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي ــ الحديث الثامن عن يحيى: قوله: ((أبين)) ((نه)): هو بوزن ((أحمر)) قرية إلى جانب البحر ناحية اليمن. وقيل: هو اسم مدينة عدن. و ((الريف)) الأرض ذات الزرع والخصب. ((الميرة)) الطعام المجلوب. وإنما هو من باب الطب؛ فإن استصلاح الهواء من أعون الأشياء على صحة الأبدان، وفساد الهواء من أسرع الأشياء إلى الأسقام. أقول: وسبب إيراد هذا الحديث في هذا الباب أنه زعم أن وباءها من شؤمها، فيجب التحول عنها كما مر في الحديث السابق ((فتحولنا إلى دار قل فيها عددنا)). فأجاب ﷺ أنه ليس من الشؤم في شيء، فإذا فارقتها لكراهتك إياها. وإلى هذا المعنى أشار شرح السنة بقوله: وأمرهم بالانتقال ليزول عنهم ما يجدون من الكراهية، لا أنها سبب في ذلك. الفصل الثالث الحديث الأول عن عروة: قوله: ((أحسنها الفأل)) يجوز أن يحمل على معنى التفضيل فيه على زعم القوم والسائل، يعني أحسنها ما يشابه الفأل المندوب إليه. ومع ذلك لا يرد المسلم عن المضي في حاجته. وفي تخصيص المسلم بالذكر إشعار بالعلية، أي ليس من شأن المسلم الكامل في إسلامه الراسخ في إيمانه ذلك، بل يتوكل على الله تعالى ويمضي لسبيله قائلا: ((اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت)) إلى آخره. وما ألطف النسج على هذا المنوال؛ فإنه من باب إرخاء العنان في مخادعات الأقوال، يرخى عنان الكلام ويجريه على زعم الخصم واعتقاده، على وجه لا يشمئز عن التفكر فيه فيعثر عند

стр. 2392

بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بالله)) رواه أبو داود. [٤٥٩١] (٢) باب الكهانة الفصل الأول ٤٥٩٢ - عن معاوية بن الحكم، قال: قلت: يا رسول الله! أمورا كنا نصنعها في الجاهلية، كنا نأتي الكهان. قال: ((فلا تأتوا الكهان)) قال: قلت: كنا نتطير. قال: ((ذلك شيء يجده أحدكم في نفسه، فلا يصدنكم)) قال: قلت: ومن رجال يخطون. قال: ((كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه فذاك)) رواه مسلم. ــ ذلك على ما ينصف من نفسه فيذعن للحق ويقبله. فقوله: ((أحسنها الفأل)) إطماع له في الاستماع والقبول. وقوله: ((لا يرد المسلم)) تعريض بأن الكافر بخلافه. وإيراد الدعاء في صورة الحصر تصريح بأنها لا تجلب نفعا ولا تدفع ضرا، ويعد من يعتقدها سفيها مشركا. باب الكهانة الكهانة مصدر كهن، والكاهن هو الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان، ويدعي معرفة الأسرار. وقد كان في العرب كهنة كشق وسطيح وغيرهما. فمنهم من كان يزعم أن له تابعا من الجن، ورئيا يلقى إليه الأخبار. ومنهم من كان يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها من كلام من يسأله أو فعله أو حاله. وهذا يخصونه باسم العراف كالذي يدعي معرفة الشيء المسروق ومكان الضالة ونحوهما. الفصل الأول الحديث الأول عن معاوية: قوله: ((أمورا)) منصوب على شريطة التفسير، وفائدته التفخيم؛ لأن البيان بعد الإبهام أوقع في النفس. وقوله: ((ذلك شيء يجده أحدكم)) نفي للتطير بالبرهان، وهو أبلغ [من أن لو] قال: لا تطيروا، كما قال: ((فلا تأتوا الكهان)) يعن لا تطير؛ فإن الطيرة لا وجود لها، بل هي شيء يوجد في النفوس البشرية، وما يعتري الإنسان من قبل الظنون من غير أن يكون له فيه ضرر. وقوله: ((فلا يصدنكم)) من باب ((لا أرينك ها هنا)) فإنه نفي ما يجد في النفس عن الصد. وفي الحقيقة المنهي هم المخاطبون عن التعرض له. وقوله: ((ومنا رجال يخطون)) قد غير النسق في التفصيل؛ ليدل به على امتياز أولئك الرجال الذين خطوا من الأمور العامة. ومنه قول الحماسي:

стр. 2393

٤٥٩٣ - وعن عائشة، قالت: سأل أناس رسول الله ﷺ عن الكهان. فقال لهم رسول الله ﷺ : ((إنهم ليسوا بشيء)). قالوا: يا رسول الله! فإنهم يحدثون إحيانا بالشيء يكون حقا. فقال رسول الله ﷺ : ((تلك الكلمة من الحق، يخطفها الجني، فيقرها في أذن وليه قر الدجاجة، فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة)) متفق عليه. ــ ومن الرجال أسنة مذروبة ومزندون شهودهم كالغائب منهم ليوث ما ترام وبعضهم مما قمشت وضم حبل الحاطب قال المرزوقي: أخرج المزندين الداخلين في القسمة على أسلوب آخر ذما لهم، كأنه لم يقنعهم ذلك التشبيه وتلك القسمة فاستأنفها على وجه آخر، يعني بينهما تفاوت عظيم وتباين شديد. وما يتعلق ببقية ألفاظ الحديث مضى بحثه في مستهل باب ((ما لا يجوز من العمل في الصلاة))، فمن أشكل عليه فليطلب هناك. الحديث الثاني عن عائشة ﵂: قوله: ((تلك الكلمة من الحق)) ((مح)): بالجيم والنون في جميع نسخ مسلم في بلادنا، أي الكلمة المسموعة من الجبن. وروى أيضا: ((من الحق)) بالحاء والقاف. و ((يخطفها)) أي يسرقها من الملائكة بسرعة. وقوله: ((فيقرها)) بفتح الياء وضم القاف وتشديد الراء. و ((قر الدجاجة)) بفتح القاف. والدجاجة بالدال. قال أهل اللغة والغريب: القر ترديدك الكلام في أذن المخاطب حتى يفهمه. تقول: قررته فيه أقره قرا، وقر الدجاجة صوتها إذا قطعته. يقال: قرت تقر قرا وقريرا. فإد رددته قلت: قرقرت قرقرة. ويروى كقر الزجاجة بالزاي يدل عليه ثبوت رواية البخاري: ((فيقرها في أذنه كما يقر القارورة)). أقول: واختار الشيخ التوربشتي هذه الرواية، ورد الرواية الأولى وقال: ومن الناس من رواه ((قر الزجاجة)) بالزاي، وأراها أحوط الروايتين؛ لما في غير هذه الرواية ((قر القارورة)) يقال: قررت على رأسه دلوا من ماء أي صببت. وقر الحديث في أنه يقره كأنه صبه فيها. واستعمال قر الحديث في الأول شائع مستفيض في كلامهم، وأما استعماله على الوجه الذي فسروا عليه الحديث فإنه غير مشهور، لم نجد له شاهدا في كلامهم. وكل ذلك يدل عى أن الدجاجة بالدال تصحيف أو غلط من السامع. أقول: لا ارتياب أن ((قر الدجاجة)) مفعول مطلق، وفيه معنى التشبيه، فكما يصح أن يشبه إيراد ما اختطفه من الكلام في أذن الكاهن بصب الماء في القارورة، يصح أن يشبه ترديد كلام الجني في أذن الكاهن ترديد الجاجة صوتها في أذن صواحبها، كما تشاهد الديكة إذا وجدت حبة أو شيئا فتقر وتسمع صواحبها فيجتمعن عليها. وباب التشبيه باب واسع لا يفتقر إلا إلى

стр. 2394

٤٥٩٤ - وعنها، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن الملائكة تنزل في العنان – وهو السحاب – فتذكر الأمر قضي في السماء، فتسترق الشياطين السمع، فتوحيه إلى الكهان، فيكذبون معها مائة كذبة من عند أنفسهم)). رواه البخاري. ٤٥٩٥ - وعن حفصة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة)) رواه مسلم. ــ العلاقة، على أن الاختطاف ها هنا مستعار للكلام من خطب الطير، قال تعالى: ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ فتكون الدجاجة أنسب من القارورة لحصول الترشيح في الاستعارة. ويؤيد ما ذهبنا إليه ما ذكره ابن الصلاح في كتابه أن الأصل قر الدجاجة بالدال، فصحف إلى قر الزجاجة بالزاي. وقوله: ((فيخلطون)) أي الأولياء جمع بعد الإفراد نظرا إلى الجنس. الحديث الثالث عن عائشة: قوله: ((وهو السحاب)) يحتمل أن يكون من قول الراوي تفسير للعنان. فالسحاب مجاز من السماء كما أن السماء مجاز عن السحاب في قوله تعالى: ﴿وأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ في وجه. وأصل ذلك أن الملائكة تسمع في السماء ما قضى الله تعالى في كل يوم من الحوادث في الدنيا، فيحدث بعضهم بعضا فيسترقه الشياطين فيلقيه إلى الكهنة، يشهد له حديث أبي هريرة في أول الفصل الثالث، وما روى أبو داود عن ابن مسعود قال: ((إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا، فيصعقون فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل، فإذا جاء جبريل فزع عن قلوبهم، فيقولون: يا جبريل! ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق. فيقولون: الحق الحق)). قوله: ((قضى في السماء)) يحتمل أن يكون حالا من ((الأمر)) أو صفة له على تأويل إرادة الجنس، كقوله: ولقد أمر على اللئيم يسبني الحديث الرابع عن حفصة: قوله: ((من أتى عرافا)) ((مح)): العراف من جملة أنواع الكهان. قال الخطابي وغيره: العراف هو الذي يتعاطى معرفة مكان المسروق ومكان الضالة ونحوهما. وأما عدم قبول صلاته فمعناه أنه لا ثواب له فيها، وإن كانت مجزئة في سقوط الفرض عنه. ولا يحتاج معها إلى إعادة. ونظير هذا: الصلاة في الأرض المغصوبة مجزئة مسقطة للقضاء ولكن لا ثواب له فيها. كذا قاله جمهور أصحابنا، قالوا: فصلاة الفرض وغيرها من الواجبات

стр. 2395

٤٥٩٦ - وعن زيد بن خالد الجهني، قال: صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس، فقال: ((هل تدرون ماذا قال ربكم)) قالو: الله ورسوله أعلم. قال: ((قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر؛ فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب)). متفق عليه. ــ إذا أتى بها على وجهها الكامل، تربت عليها شيئان: سقوط الفرض عنه، وحصول الثواب، فإذا أداها في أرض مغصوبة حصل الأول دون الثاني. ولا بد من هذا التأويل في هذا الحديث؛ فإن العلماء متفقون على أنه لا يلزم على من أتى العراف إعادة صلاة أربعين ليلة، فوجب تأويله. الحديث الخامس عن زيد: قوله: ((على إثر سماء)) ((مح)): هو بكسر الهمزة وإسكان الثاء وفتحها جميعا لغتان مشهورتان، والسماء المطر. انتهى كلامه. وقوله: ((كانت من الليل)) صفة ((سماء)) وأنث الراجع اعتبارا للفظ. وفي ((أصبح)) ضمير الشأن. و ((من)) للتبعيض، وهو مبتدأ وما بعده خبر له, والجملة خبر ((كانت)) مبينة للضمير. ويحتمل أن يكون اسمه ((مؤمن بي)) مبتدأ، و ((من عبادي)) خبره و ((من)) فيه بيانية، وفيه قلب من حيث المعنى كقوله: ((عرضت الناقة على الحوض)). فإن قلت: ما معنى قوله: ((أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر))؟. قلت: فيه تأنيب وتعيير لهم، أي كونهم من عبادي مناف لكفران النعمة واختلافهم في ذلك، كقوله تعالى: ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾. الكشاف: قيل: نزلت في الأنواء ونسبتهم السقيا إليها. والرزق المطر يعني وتجعلون شكر ما يرزقكم الله من الغيث أنكم تكذبون بكونه من الله؛ حيث تنسبونه إلى النجوم. وقوله: ((فأما من قال)) إلى آخره تفصيل للمجمل، وهو قوله: ((مؤمن بي وكافر)) ولا بد من تقدير فيه ليطابقه المفصل، فالتقدير: مؤمن بي وكافر بالكواكب، وكافر بي ومؤمن بالكواكب، فهو من باب الجمع مع التقسيم. ((مح)): اختلفوا في كفر من قال: مطرنا بنوء كذا على قولين: أحدهما: هو كفر بالله سالب لأصل الإيمان، وفيه وجهان: أحدهما: أنه من قال معتقدا بأن الكواكب فاعل مدبر منشئ للمطر كزعم أهل الجاهلية، فلا شك في كفره. وهو قول الشافعي والجماهير

стр. 2396

٤٥٩٧ - وعن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: ((ما أنزل الله من السماء من بركة إلا أصبح فريق من الناس بها كافرين، ينزل الله الغيث، فيقولون: يكوكب كذا وكذا)) رواه مسلم. الفصل الثاني ٤٥٩٨ - عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد)) رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه. [٤٥٩٨] ــ وثانيهما: أنه من قال معتقدا بأنه من الله تعالى وبفضله، وأن النوء علامة له ومظنة لنزول الغيث فهذا لا يكفر؛ لأنه بقوله هذا كأنه قال: مطرنا في وقت كذا. والأظهر أنه مكروه كراهة تنزيه؛ لأنها كلمة موهمة مترددة بين الكفر والإيمان، فيساء الظن بصاحبها؛ ولأنها شعار الجاهلية. والقول الثاني: كفران لنعمة الله لاقتصاره على إضافة الغيث إلى الكوكب، ويؤيد هذا التأويل الرواية الأخرى: ((أصبح من الناس شاكرا وكافرا)). وفي أخرى: ((ما أنعمت على عبادي نعمة إلا أصبح فريق بها كافرين)). وأما معنى النوء فقد سبق في الباب السابق في الحديث الرابع من الفصل الأول. الحديث السادس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((بكوكب)) متعلق بمحذوف يدل عليه قوله: ((ينزل الله الغيث)) أي ينزل الغيث بسبب كوكب شرطين وبطين مثلا؛ فإن كل منزل من منازل القمر مشتمل على كواكب شتى. الفصل الثاني الحديث الأول عن ابن عباس: قوله: ((من اقتبس علما)) نكر ((علما)) للتقليل؛ ومن ثمة ضم الاقتباس؛ لأنه فيه معنى القلة. و ((من النجوم)) صفة ((علما)) وفيه مبالغة، وفاعل ((زاج)) الشعبة، ذكرها باعتبار السحر. ((وزاد ما زاد)) جملة مستأنفة على سبيل التقرير والتأكيد، أي يزيد السحر ما يزيد الاقتباس، فوضع الماضي موضع المضارع للتحقيق. ((حس)): المنهي من علم النجوم ما يدعيه أهلها من معرفة الحوادث التي لم تقع، وربما تقع في المستقبل من الزمان. مثل إخبارهم بوقت هبوب الرياح ومجيء المطر، ووقوع الثلج وظهور الحر والبرد، وتغير الأسعار ونحوها، ويزعمون أنهم يستدركون معرفتها بسير الكواكب

стр. 2397

٤٥٩٩ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أتى كاهنا فصدقه بما يقول، أو أتى امرأته حائضا، أو أتى امرأته في دبرها؛ فقد برئ مما أنزل على محمد)) رواه أحمد، وأبو داود. [٤٥٩٩] الفصل الثالث ٤٦٠٠ - عن أبي هريرة، أن نبي الله ﷺ قال: ((إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، ــ واجتماعها وافتراقها. وهذا علم استأثر الله به لا يعلمه أحد غيره، كما قال الله تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ فأما ما يدرك من طريق المشاهدة من علم النجوم الذي يعرف به الزوال وجهة القبلة، فإنه غير داخل فيما نهى عنه؛ قال تعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ البَرِّ والْبَحْرِ﴾، وقال تعالى: ﴿وبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾. فأخبر الله تعالى أن النجوم طرق لمعرفة الأوقات والمسالك، ولولاها لم يهتد الناس إلى استقبال الكعبة. روى عن عمر ﵁ أنه قال: ((تعلموا من النجوم ما تعرفون به القبلة والطريق ثم أمسكوا)). الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((حائضا)) حال مستقلة، ولهذا جاز حذف التاء، ولو كانت صفة لكانت التاء لازمة. الفصل الثالث الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((خضعانا)) ((نه)): الخضعان مصدر خضع يخضع خضوعا وخضعانا، وهو الانقياد والطاعة كالغفران والكفران، ويروى بالكسر كالوجدان. ويجوز أن يكون جمع خاضع. أقول: قوله: ((خضعانا)) إذا كان جمعا كان حالا، وإذا كان مصدرا يجوز أن يكون مفعولا مطلقا لما في ضرب الأجنحة من معنى الخضوع، أو مفعولا له؛ وذلك لأن الطائر إذا استشعر خوفا أرخى جناحيه مرتعدا. والضمير في ((كأنه)) راجع إلى قوله: ((لقوله)) و ((كأنه)) حال منه. ونحوه قوله ﷺ في صفة الوحي النازل عليه ((أحيانا يأتيني في مثل صلصلة الجرس، وهو [أشده]

стр. 2398

فإذا فرع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحق وهو العلي ــ على فيفصم عني وقد وعيت ما قال)). والصفوان الحجر الأملس. وقوله: ((فإذا فزع عن قلوبهم)) أي كشف عنهم الفزع وأزيل، وزوال الفزع هنا بعد سماعهم القول، كالفصم عن رسول الله ﷺ بعد سماع الوحي. قوله: ((للذي قال)) أي قالوا الحق لأجل ما قاله الله تعالى، أي عبروا عن قول الله تعالى وما قضاه وقدره بلفظ ((الحق)). والمجيب الملائكة المقربون كجبريل وميكائيل وغيرهما على ما روينا عن ابن مسعود قال: ((إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا، فيصعقون فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل، فإذا جاء جبريل فزع عن قلوبهم فيقولون: يا جبريل! ماذا قال ربكم؟ فيقول: الحق الحق)) أخرجه أبو داود. وقوله: ((الحق)) منصوب على أنه صفة مصدر محذوف، تقديره: قال جبريل: قال الله تعالى: القول الحق. ويحتمل الرفع فالتقدير قال جبريل: قوله الحق. هكذا قدر صاحب الكشاف في سورة سبأ في قوله تعالى: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الحَقَّ﴾ بالرفع. والقول يجوز أن يراد به كلمة ((كن)) وأن يراد بالحق ما يقابل الباطل. فالمراد بـ ((كن)) مما هو من سببها من الحوادث اليومية، بأن يغفر ذنبا ويفرج كربا، ويرفع قوما ويضع آخرين، ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ ويُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾، ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾، ويشفي سقيما ويسقم سليما، ويبتلي معافي ويعافي مبتلى، ويعز ذليلا ويذل عزيزا، ويفقر غنيا ويغني فقيرا. فسبحان الذي ﴿إذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾. وإنما كانت الكلمة حقا لا باطلا، لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً﴾ أي عبثا بل هو صواب وحكمة. ويجوز أن يراد به القول المسطور في اللوح المحفوظ. والحق بمعنى الثابت أي قضى وقدر وحكم في الكائنات ما كان مقدرا في الأزل ثابتا في اللوح المحفوظ. ويؤيد الأول تأنيث الكناية في قوله: ((فسمعها [مسترقو] السمع)) والتصريح في ((فيستمع الكلمة))، وإنما عدلوا عن صريح القولن وهو التفصيل والتصريح بالمقضي من الشؤون والأمور إلى هذا القول المجمل الموجز؛ لأن قصدهم في ذلك إزالة الفزع عن قلوبهم بالكلية، يعني لا تفزعوا وهينوا على قلوبكم؛ فإن هذا القول هو ما عهدتموه كل يوم من قضاء الشؤون لا ما تظنونه من قيام الساعة. قال الزجاج في تفسير الآية: إن جبريل لما نزل إلى النبي ﷺ بالوحي ظنت الملائكة أنه نزل بشيء من أمر الساعة، ففزعت لذلك، فلما انكشف عنها الفزع، قالوا: ماذا قال ربكم؟.

стр. 2399

الكبير. فسمعها مسترقو السمع، ومسترقو السمع هكذا، بعضه فوق بعض)) ووصف سفيان بكفه فحرفها، وبدد بين أصابعه ((فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيا الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن. فربما أدرك الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة. فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا؟ فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء)). رواه البخاري. ٤٦٠١ - وعن ابن عباس، قال: أخبرن رجل من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار: أنهم بيناهم جلوس ليلة مع رسول الله ﷺ رمى بنجم واستنار، فقال لهم ــ وقوله: ((مسترقو السمع)) مبتدأ و ((هكذا)) خبره وهو إشارة إلى ما صنعه بالأصابع من التحريف والتبديد، وركوب بعضها على بعض. وقوله: ((بعضه فوق بعض)) توضيح أو بدل، وفيه معنى التشبيه أي: مسترقو السمع بعضهم راكب بعض مردفين، ركوب أصابعي هذه بعضها فوق بعض. وإفراد الضمير في بعضه والمرجوع إليه جمع لإرادة المذكور. وأنشد ابن جنى: مثل الفراخ [نقفت] حواصله وقال: أي حواصل المذكور. ومنه قوله تعالى: ﴿وآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا﴾ الضمير في ((منه)) جار مجرى اسم الإشارة. كأنه قيل: عن شيء من ذلك. وقوله: ((ووصف سفيان بكفه)) أي بين كيفية ركوب بعضها فوق بعض بأصابعه، كقوله تعالى: ﴿وتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ﴾. وقولك: ((وجهه يصف الجمال)). وقوله: ((فيسمع)) عطف على قوله: ((ومسترقو السمع)) وكلام الراوي معترض بينهما. والساحر المنجم كما جاء في الحديث: ((والمنجم ساحر))؛ لأن الساحر لا يخبر [عن] الغيب. والشهاب يحتمل أن يكون منصوبا ومرفوعا يعني: الجني يسترق السمع قبل أن يلقيه إلى وليه أدرك الشهاب أو أدركه الشهاب. وقوله: ((فيقال)) أي يقول من صدق الكاهن للذي لامه عليه أليس ...... إلى آخره. الحديث الثاني عن ابن عباس ﵄: قوله: ((رمى بنجم)) هو جواب ((بينا)) ولم يؤت بـ ((إذا)) كما يستفصحه الأصمعي، وأنشد:

стр. 2400

رسول الله ﷺ : ((ما كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم، كنا نقول: ولد الليلة رجل عظيم؛ ومات رجل عظيم. فقال رسول الله ﷺ : ((فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته؛ ولكن ربنا تبارك اسمه إذا قضى أمرا سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا، ثم قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم ما قال فيستخبر بعض أهل السماوات بعضا حتى يبلغ هذه السماء الدنيا، فيخطف الجن السمع، فيقذفون إلى أوليائهم، ويرمون، فما جاءوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يقرفون فيه ويزيدون)) رواه مسلم. ٤٦٠٢ - وعن قتادة، قال: خلق الله تعالى هذه النجوم لثلاث: جعلها زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها؛ فمن تأول فيها بغير ذلك أخطأ ــ وبينا نحن نرقبه أتانا معلق وفضة وزناد راعى و ((هم جلوس)) مبتدأ وخبر لأن ((بينا)) و ((بينما)) يستدعيان بينهما جملة اسمية. و ((بينا)) مع الجواب خبر ((أن)). وقوله ﷺ لهم: ((ما كنتم تقولون)) ليس للاستعلام؛ لأنه ﷺ كان عالما بذلك؛ ولذلك قالوا: الله ورسوله أعلم، بل لأن يحسوا عما كانوا يعتقدونه في الجاهلية، فيزيل عنهم ويقلعه عن سنخه. قوله: ((ويرمون)) معطوف على ((يقذفون)) فعلى هذا رميهم بالشهاب بعد إلقائهم الكلمة إلى أوليائهم، وهو إحدى الحالتين اللتين ذكرتا في الحديث السابق. وهي قوله: ((وربما ألقاها قبل أن يدركه)). وقوله: ((يقرفون فيه)) عداه بـ ((في)) على تضمين معنى الكذب. قوله: ((هذه السماء الدنيا)) فإن قلت: ((الدنيا)) صفة ((للسماء)) و ((السماء)) صفة لاسم الإشارة، فكيف يصح وصف الوصف؟. قلت: إنما لا يصح حيث كانت الصفة مفهوما لا ذاتا، وأوصاف أسماء الإشارة ذوات فيصح وصفها. الحديث الثالث عن قتادة. قوله: ((وأضاع نصيبه)) أي حفظه وهو الاشتغال بما يعنيه وينفعه في الدنيا والآخرة. وقوله: ((ما لا علم له به)) ليس نفيا لما يتعاناه المنجم من الأحكام منه، وإثباتا لغيره بل نفيه بالكلية، ويؤيده ما يتبعه من قوله: ((وما عجز عن علمه الأنبياء)) إلى آخره.

стр. 2401

وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا يعلم. رواه البخاري تعليقا – وفي رواية رزين: - ((تكلف ما لا يعنيه وما لا علم له به، وما عجز عن علمه الأنبياء والملائكة)). ــ واعلم أن الشيخ أبا القاسم عبد الكريم بن هوزان القشيري رحمه الله تعالى عقد بابا في كتابه المسمى بـ ((مفاتيح الحجج)) في إبطال مذهب المنجمين، وأطنب فيه وذكر أقوالهم وقال: وأقربها قول من قال: هذه الحوادث يحدثها الله تعالى ابتداء بقدرته واختياره، ولكن أجرى العادة بأنه إنما يخلقها عند كون هذه الكواكب في البروج المخصوصة، ويختلف باختلاف سيرها واتصالاتها ومطارح أشعتها على جهة العادة من الله تعالى، كما أجرى العادة بخلق الولد عقيب الوطء، وخلق الشبع عقيب الطعام. ثم قال: هذا في القدرة جائز لكن ليس عليه دليل ولا إلى القطع سبيل؛ لأن ما كان على جهة العادة يجب أن يكون الطريق فيه مستمرا، وأقل ما فيه أن يحصل التكرار، وعندهم لا يحصل وقت في العالم مكرر على وجه واحد؛ لأنه إذا كان في سنة الشمس مثلا في درجة من برج، فإذا عادت إليها في السنة الأخرى، فالكواكب لا يتفق كونها في بروجها، كما كانت في السنة الماضية، والأحكام تختلف بالقرائن والمقابلات، ونظر الكواكب بعضها إلى بعض، فلا يحصل شيء من ذلك مكررا. واتفقوا على أنه لا سبيل إلى الوقوف على الأحكام، ولا يجوز القطع على البت لتعذر الإحاطة بها على التفصيل. ومما يدل على أنه لا حجة في قولهم، أنهم اختلفوا فيما بينهم في حكم [الريح] فلأهل هنذ وسند طريق يخالف طريق أرباب [الريح] الممتحن. وفصل الشيخ في الاختلافات بينهم تفصيلا ثم قال: ومما يدل على فساد قولهم أن يقال أخبرونا عن مولودين ولدا في وقت واحد، أليس يجب تساويهما في كل وجه لا تميز بينهما في الصورة والقدر والمنظر، حتى لا يصيب أحدهما نكبة إلا أصاب الآخر، وحتى لا يفعل هذه شيئا إلا والآخر يفعل مثله، وليس في العالم اثنان هذا صفتهما. قالوا: من المحال أن يوجد مولودان في العالم في وقت واحد، ولا بد أن يتقدم أحدهما على الآخر فيقال: أمحال ذلك في العقل والتقدير أم في الوجود؟. فإن قالوا بالأول بان فساد قولهم: وإن قالوا بالثاني قيل: وما يؤمنكم منه. فإن قالوا: ليس أمر الكسوفين يصدق؟. قلنا: ليس أمر الكسوفين من الأحكام، وإنما هو من طريق الحساب وذلك غير منكر، ويجوز أن يكون أمر سر الكواكب على ما قالوه. وقد ورد في الشريعة في أمر الكسوفين بأنه آية من آيات الله.

стр. 2402

٤٦٠٣ - وعن الربيع مثله، وزاد: والله ما جعل الله في نجم حياة أحد، ولا رزقه، ولا موته؛ وإنما يفترون على الله الكذب ويتعللون بالنجوم. ٤٦٠٤ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من اقتبس بابا من علم النجوم لغير ما ذكر الله؛ فقد اقتبس شعبة من السحر، المنجم كاهن، والكاهن ساحر، والساحر كافر)) رواه رزين. ــ فإن قالوا: فما قولكم في المنجمين إنهم مخطئون في جميع ما يحكمون مكابرون للعقول؟ قلنا: إنا نقول: إنهم مخطئون في أصولهم عن شبه وقعت لهم، فلا يعرفون بطلان قولهم مكابرة للعقول ولا بالضرورة، بل جزموا على مقتضى قواعد بنوها على أصول فاسدة وقعت الشبهة لسلفهم في أصول قواعدهم، فربما يصيبون في تركيب الفروع على تلك الأصول، لمنزلتهم في الأحكام كمنزلة أصحاب الحدس والتخمين، وأصحاب الزوج والفرد، فربما يصيبون اتفاقا لا عن ضرورة وربما يخطئون. وكثيرا ما نجد من الفلاحين والملاحين يعتبرون نوع ما اعتادوا من توقع المطر وهبوب الرياح في أوقات راعوها بدلالات، ادعوا أنهم جربوها في السماء والهواء وغير ذلك، فيحصل بعض أحكامهم اتفاقا لا تحقيقا. وقلت: ومنه ما روى بان جنى في المحتسب أن ابنة مغفر بن حمار البارقي شامت برقا فقالت: يا أبت! جاءتك السماء فقال: كيف ترينها؟ قالت: كأنها عين جمل طريف، فقال: ارعي غنيماتك، فرعت مليا ثم جاءته، فقالت: يا أبت! قد جاءتك السماء، فقال: كيف ترينها؟ قالت: كأنها فرس دهماء تجر جلالها. فقال: ارعي غنيماتك، فرعت مليا ثم جاءته فقالت: يا أبت جاءتك السماء بشيء قال: كيف ترينها؟ قالت: سطحت وابيضت. فقال: أدخلي غنيماتك فجادت السماء بشيء شطأ له الزرع، والشطأ فراخ الزرع. وصنف ابن دريد كتابا في هذا المعنى، وفيه هذه القصة. وروايته: كان أعرابي ضرير تقوده ابنته، وهي ترعى غنيمات له، فرأت سحابا، فقالت: يا أبت إلى آخرها. وفيه قال: أخبرنا أبو حاتم عن عبيدة قلت لأعرابي: ما أسح الغيث؟. فقال: ما ألحقته الجنوب ومرته الصبا ونتجته الشمال، ثم قال: أهلك والليل ما ترى إلا أنه قد أخذه المطر.

стр. 2403

٤٦٠٥ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لو أمسك الله القطر عن عباده خمس سنين، ثم أرسله، لأصبحت طائفة من الناس كافرين، يقولون: سقينا بنوء المجدح)) رواه النسائي. [٤٦٠٥] كتاب الرؤيا الفصل الأول ٤٦٠٦ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لم يبق من النبوة إلا المبشرات)) قالوا: وما المبشرات؟ قال: ((الرؤيا الصالحة)) رواه البخاري. ــ الحديث الرابع والخامس عن أبي سعيد: قوله: ((خمس سنين)) لعله ﷺ لم يرد به التحديد بل طول الزمان وما يورث الإقناط من إنزال الغيث. والمجدح نجم من النجوم. قيل: هو الدبران: وقيل: هو ثلاثة كواكب كالأثافي تشبيها بالمجدح الذي له ثلاث شعب، وهو عند العرب من الأنواء الدالة على المطر والله أعلم. كتاب الرؤيا الكشاف: الرؤيا بمعنى الرؤية، إلا أنها مختصة بما كان منها في المنام دون اليقظة، فلا جرم فرق بينهما بحرف التأنيث، كما قيل: القربة والقربى، وجعل ألف التأنيث فيها مكان تاء التأنيث للفرق. وقال الواحدي: الرؤيا مصدر كالبشري والفتيا والشورى، إلا أنه لما صار اسما لهذا المتخيل في المنام جرى مجرى الأسماء. ((مح)): مقصورة ومهموزة ويجوز ترك همزها تخفيفا. قال المازري: مذهب أهل السنة أن حقيقة الرؤيا خلق الله تعالى في قلب النائم اعتقادات كخلقها في قلب اليقظان، وهو يفعل ما يشاء لا يمنعه نوم ولا يقظة، وخلق هذه الاعتقادات في النائم علم على أمور أخر يلحقها في ثاني الحال كالغيم علما على المطر. الفصل الأول الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((الرؤيا الصالحة)) معنى الصالحة الحسنة. وتحتمل أن تجري على ظاهرها، وأن تجري على الصادقة، والمراد بها صحتها. وتفسير رسول الله ﷺ المبشرات على الأول ظاهر؛ لأن البشارة كل خبر صدق يتغير به بشرة الوجه، واستعمالها في الخير أكثر. وعلى الثاني مؤول إما على التغليب أو يحمل على أصل اللغة.

стр. 2404

٤٦٠٧ * وزاد مالك برواية عطاء بن يسار: ((يراها الرجل المسلم أو ترى له)). [٤٦٠٧] ٤٦٠٨ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة)) متفق عليه. ٤٦٠٩ - وعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: ((من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي)) متفق عليه. ــ الحديث الثاني عن أنس ﵁: قوله: ((الرؤيا الصالحة)) ((تو)): قيل: معناه أن الرؤيا جزء من أجزاء علم النبوة، والنبوة غير باقية وعلمها باق، وهو معنى قوله ﷺ : ((ذهبت النبوة وبقيت المبشرات الرؤيا الصالحة)). ونظير ذلك قوله ﷺ : ((السمت الحسن التؤدة والاقتصاد جزء من أربعة وعشرين جزءا من النبوة)) أي من أخلاق أهل النبوة. وقيل: معناه أنها تجيء على موافقة النبوة؛ لا أنها جزء باق من النبوة. وقيل: إنما قصر الأجزاء على ستة وأربعين؛ لأن زمان الوحي كان ثلاثا وعشرين سنة، وكان أول ما بدئ به من الوحي الرؤيا الصالحة، وذلك في ستة أشهر من سني الوحي، ونسبة ذلك إلى سائرها نسبة جزء إلى ستة وأربعين جزءا. قال: أما حصر سني الوحي في ثلاث وعشرين، فإنه مما ورد به الروايات المعتد بها مع اختلاف في ذلك. وأما كون زمان الرؤيا فيها ستة أشهر، فشيء قدره هذا القائل في نفسه، لم يساعده فيه النقل، وأرى الذاهبين إلى التأويلات التي ذكرناها قد هالهم القول بأن الرؤيا جزء من النبوة. وقد قال ﷺ : ((ذهبت النبوة)) ولا حرج على أحد في الأخذ بظاهر هذا القول؛ فإن جزءا من النبوة لا يكون نبوة كما أن جزءا من الصلاة على الانفراد لا يكون صلاة. وكذلك عمل من أعمال الحج وشعبة من شعب الإيمان. وأما وجه تحديد الأجزاء بستة وأربعين: فأرى ذلك مما يجتنب القول فيه ويتلقى بالتسليم؛ فإن ذلك من علوم النبوة التي لا تقابل بالاستنباط ولا يتعرض له بالقياس، وذلك مثل ما قال في حديث عبد الله بن سرجس في السمت الحسن والتؤدة والاقتصاد: ((أنها جزء من أربعة وعشرين جزءا من النبوة)). وقلما يصيب مؤول في حصر هذه الأجزاء ولئن قيض له الإصابة في بعضها، لما يشهد له الأحاديث المستخرج منها لم يسلم له ذلك في البقية. انتهى كلامه. وقد وافقه الشيخ محيي الدين في شرح صحيح مسلم في قدحه في كون زمان الرؤيا فيها ستة أشهر، وقال: لم يثبت أن أصل رؤياه ﷺ قبل النبوة سنة أشهر. الحديث الثالث والرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((فقد رآني)) الشرط والجزاء

стр. 2405

متحد فدل على التناهي في المبالغة، كما يقال: من أدرك الضمان فقد أدرك المرعى، أي، أدرك مرعا متناهيا في بابه، أي من رآني فقد رأي حقيقتي على كمالها، لا شبهة ولا ارتياب فيما رأي، ويدل عليه قوله: ((فقد رأي الحق)) والحق هنا مصدر مؤكد، أي من رآني فقد رآني رؤية الحق. وفي البخاري ومسلم والحميدي وجامع الأصول: ((فقد رأي الحق)) على أن الحق هو مفعول به. قوله: ((فإن الشيطان)) كالتتميم للمعنى والتعليل للحكم. ((مح)): اختلفوا فيه فقال ابن الباقلاني: معناه: رؤياه صحيحة ليست بأضغاث أحلام، ولا من تشبيهات الشيطان. قال: وقد يراه الرائي على خلاف صفته المعروفة، كمن يراه أبيض اللحية. وقد يراه شخصان في زمان واحد أحدهما في المشرق والآخر في المغرب، ويراه كل منهما في مكانه. حكاه المازري عنه ثم قال: وقال آخرون: بل الحديث على ظاهره، والمراد أن من يراه فقد أدركه، وليس لمانع أن يمنعه؛ فإن العقل لا يحيله حتى يضطر إلى التأويل. وأما قوله: ((فإنه قد يرى على خلاف صفته أو في مكانين معا)). فإنه تغيير في صفاته لا في ذاته، فتكون ذاته ﷺ مرئية، وصفاته متخيلة غير مرئية. فالإدراك لا يشترط فيه تحديق الأبصار ولا قرب المسافة، ولا كون المرئي مدفونا في الأرض ولا ظاهرا عليها، وإنما يشترط كونه موجودا، ولو رآه بأمر بقتل من يحرم قتله كان هذا من صفاته المتخيلة لا المرئية. قال القاضي عياض: ويحتمل أن يكون المراد بقوله: ((فقد رآني)) إذا رآه على صفته المعروفة له في حياته، فإن رأي على خلافها كانت رؤيا تأويل لا رؤيا حقيقة، وهو ضعيف بل الصحيح أنه يراه حقيقة سواء كان على صفته المعروفة أو غيرها كما ذكره المازري انتهى كلام الشيخ محيي الدين. قال الشيخ أبو حامد الغزالي: ليس معناه أنه رأي جسمي وبدني بل رأي مثالا صار ذلك المثال إليه يتأدى بها المعنى الذي في نفسي إليه ... ، بل البدل الجسماني في اليقظة أيضا ليس إلا آلة النفس، والآلة تارة تكون حقيقية وتارة خيالية. والنفس غير المثالات المتخيلة إذ لا يتخيل إلا ذو لون أو ذو قدر بعيد من المتخيل أو قريب. والحق أن ما يراه مثال حقيقة روحه المقدسة التي هي محل النبوة، فما رآه من الشكل ليس هو روح النبي ﷺ ولا شخصه، بل هو مثال له على التحقيق. ومعنى ((فقد رآني)): ما رآه صار واسطة بيني وبينه في تعريف الحق إياه. وكذلك ذات الله تعالى منزهة عن الشكل والصورة، لكن تنتهي تعريفاته إلى العبد بواسطة مثال محسوس من نور أو غيره من الصور الجميلة التي تصلح أن تكون مثالا للجمال الحقيقي المعنوي الذي لا صورة فيه ولا لون، ويكون ذلك المثال صادقا وحقا وواسطة في التعريف، فيقول الرائي: رأيت الله تعالى في المنام لا بمعنى: إني رأيت ذاته كما تقول. قال الشيخ أبو القاسم القشيري: من المعلوم أنه قد رآه صلوات الله عليه بعض الناس كأنه على صورة شيخ، ويراه بعضهم على صورة أمرد، وآخر كأنه مريض، وآخر كأنه ميت، وغير

стр. 2406

٤٦١٠ - وعن أبي قتادة: قال قال رسول الله ﷺ : ((من رآني فقد رأي الحق)) متفق عليه. ــ ذلك من الوجوه. ثم يكون معنى الخبر أن تلك الرؤيا جميعا تحتمل وجوها من التأويل؛ لأنه ﷺ كان موصوفاً بتلك الصفات جميعاً، فكذلك لو رأي أحد في المنام ربه تعالى على وصف يتعالى عنه، وهو يعلم أنه سبحانه منزه عن ذلك، لا يعتقد في صفته تعالى ذلك، لا تضره تلك الرؤيا، بل يكون لها وجه من التأويل. قال الواسطى: من رأي ربه تعالى في المنام على صورة شيخ عاد تأويله إلى الرائي، وهو إشارة إلى وقاره وقدر محله في حكمه. وكذلك إذا رآه كأنه شخص ساكن يتولى أمره ويكفي شأنه. أقول: قول المازري وأبي حامد من باب واحد، ويمكن أن يرجح قول الباقلاني بأن يقال: إن أثبت الروايات هي ((فقد رأي الحق)) فلابد من تقدير ما يستقيم أن يقع الجزاء مسبباً من الشرط، ويترتب على المعلل العلة، فالمعنى من رآني في المنام بأي صفة كانت، فليستبشر وليعلم أنه قد رأي الرؤيا الحق التي هي من الله، وهي من المبشرات لا الباطل الذي هو [العلم] المنسوب إلى الباطل الذي هو الشطان؛ فإن الشيطان لم يتمثل بي، كيف لا تكون مبشرات؟ وهو البشير النذير، السراج المنير وهو الرحمة المهداة إلى كافة الخلق: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾. وعلى هذا أيضاً الرواية الأخرى: ((لإقد رآني الحق)) أي رؤية الحق لا الباطل، وكذا الرواية الأخرى: ((فقد رآني))؛ فإن الشرط والجزاء إذا اتحدا دل على الكمال والغاية، أي فقد رآني رؤيا ليس بعدها، كقوله: ((من كانت هجرته إلى الله فهجرته إلى الله)) ولا كمال أكمل من الحق، كما لا نقص أنقص من الباطل، والباطل هو الكذب. ويؤيده حديث أبي هريرة: ((ريا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة)) وما كان من النبوة فإنه لا يكذب، فحينئذ لا يفتقر إلى تلك التكلفات والتمحلات، ولا يكشف الأستار عن مثل تلك الأسرار إلا من تدرب في علم المعاني، واعتلى شامخ البيان، وعرف كيف يؤلف الكلام ويصنف ويرتب النظام ويرصف. قوله: ((فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي)) ((مح)): قال القاضي: قال بعضهم: خص الله النبي ﷺ بأن رؤية الناس إياه صحيحة، وكلها صدق، ومنع الشيطان أن يتصور في خلقته؛ لئلا يكذب على لسانه في النوم، كما أجرى الله العادة للأنبياء بالمعجزة، فكما استحال أن يتصور الشيطان في صورته في اليقظة، ولو وقع لاشتبه الحق بالباطل، ولم يوثق بما جاء به مخافة من هذا التصوير، فحماها الله سبحان وتعالى من الشيطان ونزعه ووسوسته وإغوائه وكيده، كذا حمى رؤياهم عنه بالنوم.

стр. 2407

٤٦١١ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، ولا يتمثل الشيطان بي)) متفق عليه. ٤٦١٢ - وعن أبي قتادة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الرؤية الصالحة من الله، والحلم من الشيطان؛ فإذا رأي أحدكم ما يحب فلا يحدث به إلا من يحب، وإذا رأي ما يكره فيتعوذ بالله من شرها ومن شر الشيطان، وليتفل ثلاثاً، ولا يحدث بها أحداً، فإنها لن تضره)) متفق علي. ٤٦١٣ - وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا رأي أحدكم الرؤيا ــ الحديث الخامس عن أبي هريرة ﵁: قوله ((فسيراني في اليقظة)) ((مح)): فيه أقوال: أحدهما أن يراد به أهل عصره. ومعناه أن من رآه في النوم، ولم يكن هاجر، يوفقه الله للهجرة، ورؤيته ﷺ في اليقظة عيانا. وثانيها: أنه يرى تصديق تلك الرؤيا في اليقظة في الدار الآخرة؛ لأنه يراه في الآخرة جميع أمته. وثالثها: يراه في الآخرة رؤية خاصة في القرب منه، وحصول شفاعته ونحو ذلك. الحديث السادس عن أبي قتادة ﵁: قوله: ((والحلم من الشيطان)) ((خط)): الحلم عبارة عما يراه النائم في نومه من الأشياء لكن غلبت الرؤيا على ما يراه من الخير والشيء الحسن. وغلب الحلم على ما يراه من الشر والقبيح. ومنه قوله تعالى: ﴿أضغاث أحلام﴾ ويستعمل كل واحد منهما موضع الآخر، وتضم لام الحلم وتسكن. ((مح)): الله هو الخالق للرؤيا والحلم، لكن جعل الرؤيا والاعتقادات التي هي أعلام على ما يسر بغير حضرة الشيطان محبوبة، وجعل ما هو علامة على ما يضر بحضرة الشيطان مكروهة، فنسبت إلى الشيطان مجازاُ لحضوره عندها لا على أن الشيطان يفعل ما يشاء. وقيل: إضافة الرؤيا المحبوبة إلى الله تعالى إضافة تشريف، وإضافة المكروهة إلى الشيطان، لأنه يرضاها ويسر بها. ومعنى ((لن تضره)) أنه تعالى جعل فعله من التعوذ والتفل وغيره سبباً لسلامته من مكروه يترتب عليها، كما جعل الصدقة وقاية للمال وسبباً لدفع البلاء. وقوله: ((ولا يحدث بها أحداُ)) يشبه أنه ربما فسرها تفسيراً مكروهاً على ظاهر صورتها وكان ذلك محتملا، فوقعت كذلك بتقدير الله تعالى، وسيجيء تمام البحث فيه في الحديث الأول من الفصل الثاني. الحديث السابع عن جابر ﵁: قوله: ((عن يساره)) ((مح)): الأمر بالتفل والبصق

стр. 2408

يكرهها، فليبصق عن يساره ثلاثاً، وليستعذ بالله من الشيطان ثلاثاً، وليتحول عن جنبه الذي كان عليه)) رواه مسلم. ٤٦١٤ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا اقترب الزمان لم يكد يكذب رؤيا المؤمن، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة، وما كان من النبوة فإنه لا يكذب)). قال محمد بن سيرين: وأنا أقول: الرؤيا ثلاث: حديث النفس، وتخويف الشيطان، وبشرى من الله، فمن رأي شيئاً يكرهه فلا يقصه على أحد، وليقم فليصل. قال: وكان يكره الغل في النوم، ويعجبهم القيد. ويقال: القيد ثبات في الدين. متفق عليه. ــ طرد للشيطان الذي حضر رؤياه المكروهة وتحقير له واستقذار لفعله. وخص به اليسار لأنها محل الأقذار والمكروهات ونحوهما. الحديث الثامن عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((إذا اقترب الزمان)) ((فا)): فيه ثلاثة أقوال: أحدهما: أراد آخر الزمان واقتراب الساعة؛ لأن الشيء إذا قل وتقاصر تقاربت أطرافه، ومنه قيل للقصير: متقارب. ويقولون: تقاربت إبل فلان إذا قلت، ويعضده قوله ﷺ : ((في آخر الزمان لا تكاد رؤيا المؤمن تكذب)). وثانيها: أراد استواء الليل والنهار؛ لزعم العابرين أن أصدق الأزمان لوقوع العبارة وقت انفتاق الأنوار. ووقت إدراك الثمار، وحينئذ يستوى الليل والنهار. وثالثها: أنه من قوله ﷺ : ((يتقارب الزمان حتى تكون السنة كالشهر والشهر كالجمعة والجمعة كاليوم واليوم كالساعة)). قالوا: يريد به زمن خروج المهدي وبسطه العدل، وذلك زمان يستقصر لاستلذاذه، فيقارب أطرافه. انتهى كلامه. واختلف في خبر كاد المنفي، والأظهر أنه يكون أيضاً منفياً؛ لأن حرف النفي الداخل على كاد ينفي قرب حصوله، والنافي لقرب حصول الشيء أدل على نفيه نفسه، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿إذا أخرج يده لم يكد يراها﴾. قوله: ((الرؤيا ثلاث)) كذا في البخاري وشرحه للخطابي. وفي رواية مسلم وجامع الأصول ونسخ المصابيح: ((ثلاثة)) بالتاء: ((حس)): فيه بيان أن ليس كل ما يراه المؤمن في منامه يكون

стр. 2409

٤٦١٥ - قال البخاري: رواه قتادة ويونس وهشام وأبو هلال عن ابن سيرين عن أبي هريرة. وقال يونس: لا أحسبه إلا عن النبي ﷺ في القيد. وقال مسلم: لا أدرى هو في الحديث أم قاله ابن سيرين؟ وفي رواية نحوه، وأدرج في الحديث قوله: ((وأكره الغل ...)) إلى تمام الكلام. ــ صحيحاً ويجوز تعبيره، إنما الصحيح منها ما كان من الله تعالى تأتيك به تلك الرؤيا من نسخة أم الكتاب، وما سوى ذلك أضغاث أحلام لا تأويل لها. وهي على أنواع: قد يكون ذلك من فعل الشيطان يلعب بالإنسان أو يريه ما يحزنه، وله مكائد يحزن بها بني آدم كما أخبر الله تعالى عنه بقوله: ﴿إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا﴾. ومن لعب الشيطان به الاحتلام الذي يوجب الغسل، فلا يكون لاه تأويل. وقد يكون ذلك من حديث النفس كمن يكون في أمر أو حرفة، يرى نفسه في ذلك الأمر، والعاشق يرى معشوقه. قوله: ((قال: وكان يكره الغل)) يحتمل أن يكون مقولا لراوي ابن سيرين، فيكون اسم ((كان)) ضمير ((ابن سيرين))، وأن يكون مقولا لابن سيرين فاسمه ضمير الرسول ﷺ أو أبي هريرة. فقول مسلم: ((لا أدرى هو في الحديث أو قال ابن سيرين))، معناه لا أدرى أن ((قال)) مقول لراوي ابن سيرين فيكون قولا لابن سيرين، أو يكون مقولا لابن سيرين فيكون من الحديث إما عن رسول الله ﷺ أو عن أبي هريرة واختار يونس أن يكون مقولا لابن سيرين، واسم ((كان)) رسول الله ﷺ ؛ لقوله: ((لا أحسبه)) أي قال يونس في شأن القيد: لا أحسبه إلا عن النبي ﷺ . قوله: ((وأنا أقول)) يشعر بالاختصاص ورفع التوهم، أن هذه الخلال الثلاث من متن الحديث الذي أدرج فيه هذه الخلال من غير فصل. قال في شرح السنة من رواية مسلم: ورواه قتادة أيضاً عن ابن سيرين، وأدرج الكل في الحديث، وقوله: ((ويعجبهم)) كذا في البخاري بضمير الجميع، وهو ضمير المعبرين، كذا قوله: ويقال: القيد الخ من أقوال المعبرين. ((مح)): قال العلماء: إنما أحب القيد؛ لأنه في الرجلين، وهو كف من المعاصي والشرور، وأنواع الباطل. وأبغض الغل؛ لأن موضعه العنق وهو صفة أهل النار؛ قال تعالى: ﴿إذا الأغلال في أعناقهم﴾. وأما أهل التعبير فقالوا: إذا رأي القيد في الرجلين وهو في مسجد أو مشهد خير أو على حالة حسنة، فهو دليل لثباته في ذلك. ولو رآه مريض أو مسجون أو مسافر

стр. 2410

٤٦١٦ - وعن جابر، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ : فقال: رأيت في المنام كأن رأسي قطع. قال: فضحك النبي ﷺ وقال: ((إذا لعب الشيطان بأحدكم في منامه فلا يحدث به الناس)) رواه مسلم. ٤٦١٧ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((رأيت ذات ليلة فيما يرى النائم كأنا في دار عقبة بن رافع، فأوتينا برطب من رطب ابن طاب، فأولت أن الرفعة لنا في الدنيا، والعاقبة في الآخرة/ وأن ديننا قد طاب)) رواه مسلم. ٤٦١٨ - وعن أبي موسى، عن النبي ﷺ ، قال: ((رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، ذهب وهلى إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة ــ أو مكروب كان دليلا على ثباته فيه. وإذا انضم معه الغل دل على زيادة ما هو فيه من المكروه. وأما إذا كانت اليدان مغلولتين في العنق فهو حسن، ودليل على فكهما من الشر، وقد يدل على البخل، وقد يدل على منع ما نواه من الأفعال. الحديث التاسع عن جابر ﵁: قوله: ((كأن رأسي قطع)) ((مح)): يحتمل أنه ﷺ علم أن منامه هذا من الأضغاث بوحي، أو بدلالة دلته على ذلك، أو على أنه من المكروه الذي من [تحزين] الشيطان. وأما المعبرون فإنهم يؤولون قطع الرأس بمفارقة ما هو فيه من النعم، أو مفارقة قومه وزوال سلطانه، وتغيير حاله في جميع أموره، إلا أن يكون عبداً، فيدل على عتقه، أو مريضاً فعلى شفائه، أو مديونا فعلى قضاء دينه. ومن لم يحج فعلى أنه يحج، أو مغموماً فعلى فرجه، أو خائفاً فعلى أمنه. الحديث العاشر عن أنس ﵁: قوله: ((فيما يرى النائم)) أي في جمله ما يراه النائم الصالح الرؤيا. قوله: ((ابن طاب)) ((مح)): هو رجل من أهل المدينة. ((مظ)): تأويله هكذا قانون في قياس التعبير على ما يرى في المنام بالأسماء الحسنة، كما أخذ العاقبة من لفظ عقبة، والرفعة من الرفع، وطيب الدين من طاب. ((مح)): ((وأن ديننا قد طاب)) أي كمل واستقرت أحكامه وتمهدت قواعده. ((غب)): العقب والعقبي يختصان بالثواب نحو: ﴿هو خير ثواباً وغير عقباً﴾. والعاقبة إطلاقها يختص بالثواب نحو: ﴿والعاقبة للمتقين﴾. وبالإضافة قد تستعمل في العقوبة نحو ﴿ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأي﴾ الحديث الحادي عشر عن أبي موسى: قوله: ((فذهب وهلى)) ((نه)): وهل إلى الشيء- بالفتح – يهل- بالكسر- وهلا بالسكون إذا ذهب وهمه إليه. ((مح)): يثرب اسمها في الجاهلية

стр. 2411

يثرب. ورأيت في رؤيأي هذه: أني هززت سيفاً فانقطع صدره، فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد. ثم هزته أخرى فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع المؤمنين)) متفق عليه. ٤٦١٩ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله: ((بينا أنا نائم بخزائن الأرض، فوضع في كفي سواران من ذهب، فكبرا على، فأوحى إلى أن انفخهما، فنفختهما، فذهبا، فأولتهما الكذابين اللذين أنا بينهما: صاحب صنعاء وصاحب اليمامة)) متفق عليه. وفي رواية: ((يقال لأحدهما مسيلمة صاحب اليمامة، والعنسى صاحب صنعاء)) لم أجد هذه الرواية في ((الصحيحين))، وذكرها صاحب ((الجامع)) عن الترمذي. [٤٦١٩] ــ فسماها الله المدينة ورسول الله طيبة وطابة. وقد جاء في الحديث النهي عن تسميتها بيثرب لكراهة لفظ التثريب. وسماها في هذا الحديث به؟. فقيل: يحتمل أن هذا قبل النهى. وقيل: إنه لبيان الجواز وأن النهي للتنزيه. وقيل: خوطب به من يعرفها؛ ولهذا جمع بينه وبين اسمها الشرعي. وأما تفسيره ﷺ السيف بما فسره؛ فلأن سيف الرجل أنصاره الذين يصول بهم، كما يصول بسيفه. وقد يفسر في غير هذا بالولد والعم والأخ أو الزوجة. وقد يدل على الولاة والوديعة، وعلى لسان الرجل وصحته. وقد يدل على سلطان جائر وكل ذلك بحسب القرائن. قوله: ((فإذا هو)) أصله: فإذا تأويله ما أصيب بعض المؤمنين. فحذف المضاف الذي هو التأويل، وأقيم المضاف إليه مقامه، فانقلب الضمير المجرور مرفوعاً. الحديث الثاني عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((بخزائن الأرض)) ((مح)): أي ملكها وفتح بلادها وأخذ خزائن أموالها، وقد وقع ذلك كله ولله الحمد، قوله: ((في كفي)) الظاهر على التثنية، يدل عليه الرواية الأخرى: ((في يداي))، قال الشيخ محيى الدين: ((يدي)) بتشديد الياء على التثنية. قوله ((أن أنفخهما)) يجوز أن تكون ((أن)) مفسرة؛ لأن ((أوحى)) متضمن معنى القول. وعليه كلام القاضي، وأن تكون ناصبة والجار محذوف. و ((انفخهما)) بالخاء المعجمة. كذا صححه الشيخ محيى الدين. ((تو)): نبه بالنفخ على استحقار شأن الكذابين، وعلى أنهما يمحقان بأدني ما يصيبهما من بأس الله، حتى يصيرا كالشيء الذي ينفخ فيه فيطير في الهواء. قال: ألم يجز التفرق آل كسرى ونفخوا في مدائنهم فطاروا أراد وأنفخوا فخفف.

стр. 2412

٤٦٢٠ - وعن أم العلاء الأنصارية، قالت رأيت لعثمان بن مظعون في النوم عيناً تجرى، فقصصتها على رسول الله ﷺ ، فقال: ((ذلك عمله يجرى له)) رواه البخاري. ٤٦٢١ - وعن سمرة بن جندب، قال: كان النبي ﷺ إذا صلى أقبل علينا بوجهه، فقال: ((من رأي منكم الليلة رؤيا)) قال: فإن رأي أحد قصها، فيقول ما شاء الله. فسألنا يوماً فقال: ((هل رأي منكم أحد رؤيا؟)) قلنا: لا. قال: ((لكني رأيت الليلة ــ ((حس)): من رأي عليه سوارين من ذهب، أصابه ضيق في ذات يده، فإن كان من فضة فهو خير من الذهب. وليس يصلح للرجال في المنام من الحلي شيء، إلا القلادة والتاج والعقد والقرط والخاتم. أما النساء فالحلي كله زينه لهن. والدراهم في الجملة خير من الدنانير. ((قض)): وجه تأويل السوارين بالكذابين المذكورين- والعلم عند الله تعالى- أن السوار يشبه قيد اليد، والقيد فيها يمنعها من البطش، ويكفها عن الاعتمال والتصرف على ما ينبغي، فيشابه من يقوم بمعارضته ويأخذ بيده فيصده عن أمره. وصنعاء بلدة باليمن، صاحبها الأسود العنسى تنبأ بها في آخر عهد الرسول ﷺ ، فقتله فيروز الديلمى في مرض وفاة الرسول ﷺ فبلغه الخبر، فقال ﷺ : ((فاز فيروز)). واليمامة بلاد العرب كان اسمها جوا، وكانت فيها امرأة يقال لها: اليمامة. وكانت مشهورة بأنها تبصر الراكب من مسيرة ثلاثة أيام بحيث ضرب بها المثل، فقيل: أبصر من اليمامة، فأضيف إليها. وقيل: جوا اليمامة، فلما كثرت تلك الإضافة تركت وسميت باسمها. وصاحبها مسيلمة، قتله الوحشي قاتل حمزة ﵁ في خلافة الصديق ﵁. الحديث الثالث عشر عن أم العلاء: قوله: ((عمله يجرى له)) رأت هذه الرؤيا بعد وفاته؛ وذلك أنها روت أن المهاجرين قدموا المدينة، فنزل عثمان بن مظعون في سكنى لنا، فمرض وتوفي، فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي أن قد أكرمك الله. فقال ﷺ : ((ما يدريك بإكرامه؟ فإني والله ما أدرى وأنا رسول الله ما يفعل بي ولا بكم)). قالت: ((ثم رأيت لعثمان بعد في المنام عينا)) الحديث. وإنما كان الماء معبرا بالعمل وجريانه بجريانه؛ لأن العمل مسبب عن العلم. وإنما قلنا بعد الوفاة؛ لأن كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطا في سبيل الله فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة الحديث. الحديث الرابع عشر عن سمرة: قوله: ((لكني رأيت)) فإن قلت: ما معنى الاستدراك؟ قالت: كان النبي ﷺ أن يرى أحدهم رؤيا يقصها، فلما سألهم ولم يحصل منهم، قال: أنتم ما رأيتم ما يهمني لكني رأيته. قوله: ((كلوب)) هو بالتشديد حديدة معوجة الرأس، تتعلق بالشيء مع شدة فتجذب به. والشدق جانب الفم.

стр. 2413

رجلين أتياني، فأخذا بيدي، فأخرجاني إلى أرض مقدسة، فإذا رجل جالس ورجل قائم بيده كلوب من حديد، يدخله في شدقه، فيشقه حتى يبلغ قفاه، ثم يفعل بشدقه الآخر مثل ذلك، ويلتئم شدقه هذا، فيعود فيصنع مثله. قلت: ما هذا؟ قالا: انطلق، فانطلقنا، حتى أتينا على رجل مضطجع على قفاه، ورجل قائم على رأسه بفهر أو صخرة يشدخ بها رأسه، فإذا ضربه تدهده الحجر، فانطلق إليه ليأخذه، فلا يرجع إلى هذا حتى يلتئم رأسه، وعاد رأسه كما كان، فعاد إليه فضربه، فقلت: ما هذا؟ قالا: انطلق، فانطلقنا، حتى أتينا إلى ثقب مثل التنور أعلاه ضيق وأسفه واسع، تتوقد تحته نار، فإذا ارتفعت ارتفعوا حتى كاد أن يخرجوا منها، وإذا خمدت ــ قوله: ((بفهر)) ((نه)): الفهر حجر ملء الكف. وقيل: هو الحجر مطلقاً. والشدخ كسر الشيء الأجوف، يقال: شدخت رأسه فانشدخ. والتدهده التدحرج، يقال: دهدهت الحجر ودهدهته أي دحرجه. و ((الربابة)) بالفتح السحابة التي ركب بعضها بعضا. قوله: ((تحته نار)) بالرفع، قال المالكي: روى بالنصب على التمييز، أسند ((يتوقد)) إلى ضمير عائد على الثقب كما يقال: مررت بامرأة تتضوع من أردانها طيباً؛ أي يتضوع طيبها من أردانها. قوله: ((فإذا ارتقت)) كذا في الحميدى وجامع الأصول. وفي بعض نسخ المصابيح ((اقتربت)) وفي بعضها ((أوقدت)) والأول هو الصحيح رواية ودراية. وقوله: ((ارتفعوا)) جواب ((إذا)) والضمير ((للناس)) بدلالة سياق الكلام. وفي الحميدي والجامع: ((كاد أن يخرجوا)) أي كاد خروجهم، والخبر محذوف أي يكاد خروجهم يتحقق. وفي نسخ المصابيح: ((يكادوا يخرجوا))، وحقه إثبات النون اللهم إلا أن يتمحل ويقدر ((أن يخرجوا)) تشبيهاً ((لكاد)) بـ ((عسى)) ثم حذف ((أن)) وترك على حاله. قوله: ((فجعل كلما جاء ليخرج)) قال المالكي: تضمن هذا الكلام وقوع خبر ((جعل)) جملة فعليه مصدرة بـ ((كلما)) وحقه أن يكون فعلا مضارعاً كغيرها من أفعال المقاربة. فما جاء هكذا فهو موافق للاستعمال المطرد، وما جاء بخلافه فهو منبه على أصل متروك؛ وذلك أن أفعال المقاربة مثل ((كاد)) في الدخول على مبتدأ وخبر، فالأصل أن يكون خبرها مثل خبر ((كان)) في وقوعه مفرداً أو جملة اسمية وفعلية وظرفاً. فترك الأصل والتزم كون الخبر فعلا مضارعاً، ثم نبه شذوذاً على الأصل المتروك بوقوعه مفرداً في ((عسيت صائماً وما كدت آيباً))، وبوقوعه جملة اسمية في قوله: وقد جعلت قلوص ابني سهيل من الأكوار مرتعها قريب

стр. 2414

رجعوا فيها، وفيها رجال ونساء عراة. فقلت: ما هذا؟ قالا: انطلق. فانطلقنا، حتى أتينا على نهر من دم، فيه رجل قائم على وسط النهر، وعلى شط النهر بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر، فإذا أراد أن يخرج رمي الرجل بحجر في فيه فرده حيث كان، فجعل كلما جاء ليخرج رمي في فيه بحجر فيرجع كما كان، فقلت: ما هذا؟ قالا: انطلق فانطلقنا، حتى انتهينا إلى روضة خضراء، فيها شجرة عظيمة، وفي أصلها شيخ وصبيان، وإذا رجل قريب من الشجرة، بين يديه نار يوقدها، فصعدا بي الشجرة، فأدخلاني داراً وسط الشجرة، لم أر قط أحسن منها، فيها رجال شيوخ وشبابا ونساء وصبيان، ثم أخرجاني منها، فصعدا بي الشجرة، ــ وبوقوعه جملة من فعل ماض مقدم عليه كلما في جعل كلما جاء ليخرج)). قوله: ((أما الذي رأيته يشق شدقه فكذاب)) قال المالكي: في هذا شاهد على أن الحكم قد يستحق بجزء العلة، وذلك أن المبتدأ لا يجوز دخول الفاء في خبرة إلا إذا كان شبيهاً ((بمن)) الشرطية في العموم لاستقبال ما يتم به المعنى، نحو: الذي يأتيني فمكرم، فلو كان المقصود (بالذي) معينا زالت مشابهته ((بمن))، وامتنع دخول الفاء على الخبر، كما يمتنع دخولها على أخبار المبتدآت المقصود بها التعيين، نحو: زيد مكرم فمكرم، لم يجز/ فكذا لا يجوز ((الذي يأتيني)) إذا قصدت به معيناً، لكن ((الذي يأتيني)) عند قصد التعيين شبيه في اللفظ بالذي يأتيني عند قصد العموم، فجاز دخول الفاء حملا للتشبيه على الشبيه. ونظيره قوله تعالى: ﴿وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله﴾؛ فإن مدلول ((ما)) معين ومدلول ((أصابكم)) ماض إلا أنه روعى فيه التشبيه اللفظي، فشبه هذه الآية بقوله: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم﴾ فأجرى ما في مصاحبه الفاء مجرى [واحداً]. أقول: هذا كلام تين، لكن جواب الملكين تفصيل لتلك الرؤيا المتعددة المبهمة، فلابد من ذكر كلمة التفصيل كما في صحيح البخاري وكتاب الحميدي والمشكاة أو تقديرها، فالفاء جواب ((أما))، والفاء في قوله: ((فأولاد الناس)) جاز دخوله على الخبر؛ لأن الجملة معطوفة على مدخول ((أما)) في قوله: ((أما الرجل الذي رأيته))، وحذف الفاء في بعض المعطوفات نظراً إلى أن ((أما)) لما حذفت حذف مقتضاها، وكلاهما جائزان. وقوله: ((فنام عنه)) أي أعرض عنه. ((وعن)) ها هنا كما في قوله تعالى: ﴿الذين هم عن

стр. 2415

فأدخلاني داراً هي أحسن وأفضل منها. فيها شيوخ وشباب، فقلت لهما: إنكما قد طوفتماني الليلة فأخبراني عما رأيت. قالا: نعم؛ أما الرجل الذي رأيته يشق شدقه فكذاب، يحدث بالكذبة فتحمل عنه حتى تبلق الآفاق فيصنع به ما ترى إلى يوم القيامة. والذي رأيته يشدخ رأسه فرجل علمه الله القرآن فنام عنه بالليل ولم يعمل بما فيه بالنهار، يفعل به ما رأيت إلى يوم القيامة. والذي رأيته في الثقب فهم الزناة. والذي رأيته في النهر آكل الربا. والشيخ الذي رأيته في أصل الشجرة إبراهيم. والصبيان حوله فأولاد الناس. والذي يوقد النار مالك خازن النار. والدار الأولى التي دخلت دار عامة المؤمنين. وأما هذه الدار فدار الشهداء. وأنا جبريل وهذا ميكائيل، فارفع راسك فرفعت رأسي، فإذا فوقي مثل السحاب- وفي رواية-: مثل الربابة البيضاء. قالا: ذلك منزلك. قالت: دعاني أدخل منزلي. قالا: إنه بقى لك عمر لم تستكمله فلو استكملته أتيت منزلك)). رواه البخاري وذكر حديث عبد الله بن عمر في رؤيا النبي ﷺ في المدينة في ((باب حرم المدينة)). ــ صلاتهم ساهون﴾ أي ساهون سهو ترك لها وقلة التفات إليها، وذلك فعل المنافقين والفسقة. فمعنى ((نام عنه بالليل)) أنه لم يتلوه بالليل ولم يتفكر فيما يجب أن يأتي به ويذر، من الأوامر والنواهي مثل المنافقين والفسقة، فإذا كان حاله بالليل هذا فلا يقوم به فيعمل بالنهار بما فيه. ويؤيد هذا التأويل ما جاء في رواية أخرى للبخاري: أما الرجل الذي يثلغ رأسه بالحجر، فإنه الرجل الذي يأخذ القرآن فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة. وأما من نام من غير أن يتجافي عنه لتقصير أو عجز فهو خارج من هذا الوعيد. ((مح)): فيه تنبيه على استحباب استقبال الإمام بعد سلامه على أصحابه، وعلى استحباب السؤال عن الرؤيا، وعلى مبادرة المعبر إلى تأويلها أول النهار، قبل أن يتشعب ذهنه بأشغاله في معاشه في الدنيا؛ ولأن عهد الرائي قريب ولم يطرأ عليه ما يشوشها؛ ولأنه قد يكون فيها ما يستحب تعجيله، كالحث على خير والحذير عن معصية. وفيه إباحة الكلام في العلم أو تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح، وأن استدبار القبلة في جلوسه للعلم أو عيره جائز.

стр. 2416

الفصل الثاني ٤٦٢٢ - عن أبي رزين العقيلي. قال: قال رسول الله ﷺ : ((رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة، وهي على رجل طائر مالم يحدث بها، فإذا حدث بها وقعت)). وأحسبه قال: ((لا تحدث إلا حبيبا أو لبيبا)). رواه الترمذي. وفي رواية أبي داود، قال: ((الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت)). وأحسبه قال: ((ولا تقصها إلا على واد أو ذي رأي)). [٤٦٢٢] ٤٦٢٣ - وعن عائشة ﵂، قال: سئل رسول الله ﷺ عن ورقة. فقالت له خديجة: إنه كان قد صدقك؛ ولكن مات قبل أن تظهر. فقال رسول الله ــ الفصل الثاني الحديث الأول عن أبي رزين: قوله: ((على رجل طائر)) ((نه)): كل ذي حركة من كلمة أو جار [مجراها] فهو طائر مجازاً، أراد على رجل قدر جار وقضاء ماض من خير أو شر. ومعناه: لا يستقر تأويلها حتى تعبر، يريد أنها سريعة السقوط إذا عبرت، كما أن الطير لا يستقر في أكثر أحواله فكيف ما يكون على رجله. أقول: التركيب من باب التشبيه التمثيلي، شبه الرؤيا بالطائر السريع طريانه، وقد علق على رجله شيء يسقط بأندى حركة، فينبغي أن يتوهم للمشبه حالات متعددة مناسبة لهذه الحالات. وهي أن الرؤيا مستقرة على ما يسوقه التقدير إليه من التعبير. فإذا كانت في حكم الواقع قبض وألهم من يتكلم بتأويلها على ما قدره فيقع سريعاً. وإن لم يكن في حكمه، لم يقدر لها من يعبرها. قوله: ((إلا على واد)) ((مح)): يشبه أن يراد به أنه إذا أخبر بها من لا يحبه، ربما حمله البغض والحسد على [تعبيرها] بمكروه، فيقع على تلك الصفة؛ فإن الرؤيا على رجل طائر. ومعناه أنها إذا كانت محتملة وجهين [فعبرت] بأحدهما، وقعت على وفق تلك الصفة. وقد يكون ظاهر الرؤيا مكروهاً [ويعبر] بمحبوب وعكسه، وهذا أمر معروف لأهله. قوله: ((أو ذي رأي)) قال الزجاج: معناه ذو العلم بعبارة الرؤيا، فإنه يخبرك بحقيقة [تفسيرها] أو بأقرب ما يعلم منه. ((تو)): فإن قيل: كيف له التخيير فيمن يعبر على ما ورد به الحديث: ((ولا يقصها إلى على واد أو ذي رأي))، والأقضية لا ترد بالتوقي عن الأسباب، ولا تختلف أحكامها باختلاف الدواعي؟ قلنا: هو مثل السعادة والشقاوة والسلامة والآفة المقضي بكل واحدة منها لصاحبها، ومع ذلك فقد أمر العبد بالتعرض للمحمود منها، والحذر عن المكروه منها. الحديث الثاني عن عائشة ﵂: قوله: ((ولكن مات)) فإن قلت: ما معنى

стр. 2417

صلى الله عليه وسلم: ((أريته في المنام وعليه ثياب بيض، ولو كان من أهل النار لكان عليه لباس غير ذلك)). رواه أحمد، والترمذي. [٤٦٢٣] ٤٦٢٤ - وعن ابن خزيمة بن ثابت، عن عمه أبي خزيمة ﵃، أنه رأي فيما يرى النائم، أنه سجد على جبهة النبي ﷺ فأخبره، فاضطجع له وقال: ((صدق رؤياك)) فسجد على جبهته. رواه في ((شرح السنة)). [٤٦٢٤] وسنذكر حديث أبي بكرة: كأن ميزاناً نزل من السماء. في باب: ((مناقب أبي بكر، وعمر ﵄). الفصل الثالث ٤٦٢٥ - عن سمرة بن جندب، قال: كان رسول الله ﷺ مما يكثر أن يقول ــ الاستدراك؟ قلت: أدخلت خديجة كلامها بين سؤال السائل وجوابه ﷺ ؛ استشعاراً منها بأنه ﷺ يجيب بما تكرهه، واستذكاراً لما عرف ﷺ من حالة ورقة؛ لأن ورقة كان ابن عمها، يعني إن لم يدرك زمان دعوتك ليصدقك ويأتي بالأعمال على موجب شريعتك، لكن صدقك قبل مبعثك. الحديث الثالث عن ابن خزيمة: قوله: ((صدق رؤياك)) ((غب)): وقد يستعمل الصدق في كل ما يحقق ويحصل في الاعتقاد نحو صدق ظني. وفي أفعال الجوارح يقال: صدق في القتال، إذا أوفي حقه وفعل على ما يجب وكما يجب، وقوله تعالى: ﴿لقد صدق الله رسول الرؤيا بالحق﴾، هذا صدق بالفعل وهو التحقيق أي حقق رؤيته. ((مظ)): هذا تصريح بأن من رأي رؤيا يستحب أن يعمل بها في اليقظة إن كانت تلك الرؤيا شيئاً فيه طاعة، مثل أن يرى أحد أن يصلي أو يصوم أو يتصدق بشيء من ماله أو يزور صالحاً وما أشبه ذلك. الفصل الثالث الحديث الأول عن سمرة: قوله: ((مما يكثر)) خبر ((كان))، و ((ما)) موصولة، و ((يكثر)) صلة، والضمير الراجع إلى ((ما)) فاعل ((يقول))، و ((أن يقول)) فاعل ((يكثر)) و ((هل رأي أحد منكم)) هو المقول، أي رسول الله ﷺ كائناً من زمرة الذين كثر منهم هذا القول، فوضح ((ما)) موضع ((من)) تعظيما وتفخيما لجانبه ﷺ ؛ كقوله تعالى: ﴿والسماء وما بناها﴾ و ((سبحان ما سخركن

стр. 2418

لأصجابه: ((هل رأي أحد منكم من رؤيا)) فيقص عليه من شاء الله أن يقص، وإنه قال لنا ذات غداة: ((إنه أتاني الليلة آتيان، وإنما ابتعثاني، وإنهما قالا لي: انطلق، وإني انطلقت معهما)). وذكر مثل الحديث المذكور في الفصل الأول بطوله، وفيه زيادة ليست في الحديث المذكور، وهي قوله: ((فأتينا على روضة معتمة، فيها من كل نور الربيع، وإذا بين ظهري الروضة رجل طويل، لا أكاد أرى رأسه طولا في السماء، وإذا حول الرجل من أكثر ولدان رأيتهم قط. قلت لهما: ما هذا، ما ــ لنا))، وتحريره: كان [رسول الله] ﷺ ممن يجيد تعبير الرؤيا، وكان له مساهمة فيهم؛ لأن الإكثار من هذا القول لا يصدر إلا ممن يتدرب فيه ويثق بإصابته، كقولك: كان زيد من العلماء، ونحوه قول صاحبي يوسف ﵇ في السجن: ﴿نبئنا بتأويله إنا نراك من الحسنين﴾، أي المجيدين في عبارة الرؤيا، وعلما ذلك لما [رأيا يقص] عليه بعض أهل السجن. هذا من حيث البيان. وأما من طريق النحو فيحتمل أن يكون قوله: ((هل رأي أحد منكم من رؤيا؟)) مبتدأ، والخبر مقدم عليه على تأويل: كان رسول الله ﷺ هذا القول مما يكثر أن يقوله، ولكن أين الثريا من الثرى؟ وقوله: ((وإني انطلقت)) معطوف على قوله: ((وإنما قالا لى)) أي حصل منهم القول ومني الانطلاق. وذكر ﷺ ((إن)) المؤكدة أربع مرات؛ تحقيقاً لما رآه وتقريراً لقوله: ((الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة)). و ((معتمة)) أي طويلة النبات، يقال: أعتم النبت إذا طال، والنور- بفتح النون- الزهر. وقوله: ((طولا)) تمييز. قوله: ((وإذا حول الرجل)) أصل التركيب: وإذا حلو الرجل ولدان ما رأيت ولدانا قط أكثر منهم؛ يشهد له قوله: ((لم أر روضة قط أعظم منها)) ولما كان التركيب متضمناً لمعنى النفي جاز زيادة ((من)) و ((قط)) التي تختص بالماضي المنفي، ونره حديث حارثة قال: صلى بنا النبي ﷺ ونحن أكثر ما كنا قط)). وقد سبق بيانه في باب صلاة [السفر]. الكشاف: في قوله تعالى: ﴿فشربوا منه إلا قليل﴾ على قراءة الرفع، هذا من حيلهم مع المعنى والإعراض عن اللفظ جانباً، وهو باب عظيم من علم العربية، فلما كان معنى ((فشربوا منه)) في معنى ((فلم يطيعوه)) حمل عليه، كأنه قيل: فلم يطيعوه إلا قليل منهم. وقال ابن جني في مثل هذا الكلام: وهذا من أشد مذاهب العربية. وذلك أنه موضع يملك فيه المعنى عنان الكلام فيأخذه ويصرفه بحسب ما يؤثره. قوله: ((ما هذا؟ ما هؤلاء؟)) هذا إشارة إلى الرجل الطويل ((وهؤلاء)) إلى الولدان ومن حق

стр. 2419

هؤلاء؟)) قال: ((قالا لي: انطلق، فانطلقنا، فانتيهنا إلى روضة عظيمة، لم أر روضة قط أعظم منها، ولا أحسن)). قال: ((قالا لي: ارق فيها)). قال: ((فارتقينا فيها، فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب، ولبن فضة، فأتينا باب المدينة، فاستفتحنا، ففتح لنا، فدخلناها، فتلقانا فيها رجال، شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء، وشطر منهم كأقبح ما أنت راء)). قال: ((قالا لهم: اذهبوا، فقعوا في ذلك النهر)). قال: ((وإذا نهر معترض يجرى كأن ماءه المحض في البياض، فذهبوا، فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم، فصاروا في أحسن صورة)). وذكر في تفسير هذه الزيادة: ((وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم. وأما الولدان الذين حوله فكل ــ الظاهر أن يقال: من هذا؟، فكأنه ﷺ لما رأي حاله من الطول المفرط، كأنه خفي عليه أنه من أي جنس هو، أبشر أم ملك أم جنى أم غير ذلك؟ نظيره الحديث: ((زوجي أبو زرع، وما أبو زرع، أناس من حلى أذني، وملأ من شحم عضدي)) جعلته لانقطاع قرينه، وعدد نظيره كأنه شيء خفي عنها. وقوله: ((شطر)) مبتدأ ((وكأحسن)) خبره والكاف زائدة، والجملة صفة ((رجال)). يحتمل أن يكون بعضهم موصوفين بأن خلصتهم حسنة وبعضهم قبيحة. وأن يكون كل واحد منهم بعضه حسن وبعضه قبيح. والثاني هو المراد هاهنا بدليل قوله في التفصيل: ((فإنهم قوم خلطوا عملا صالحاً وآخر سيئاً)) أي خلط كل واحد عملاً صالحاً بسيء؛ وسيئاً بصالح. وقوله: ((فقعوا)) أمر من وقع يقع. قوله: ((كأن [ماءه] المحض)) أي اللبن الخالص. والمحض من كل شيء الخالص منه وهو اللبن الخالص، كأنه سمى بالصفة ثم استعمل في الصفاء. ويمكن أن يراد بالماء عفو الله تعالى عنهم أو التوبة منهم، كما ورد: ((اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد)). وقوله: ((وأولاد المشركين)) أي أو منهم أولاد المشركين؟ يعنى أولاد المشركين الذين ماتوا على الفطرة داخلون في زمرة هؤلاء الولدان؟ فأجاب: وأولاد المشركين: وفيه أن حكم أولاد المشركين الذين غيرت فطرتهم بالتهود أو التمجس خلاف هذا. فالأحاديث الدالة على أن أولاد المشركين في النار، مؤول بمن غيرت فطرتهم جمعا بين الدليلين ورفعاً للتناقض. ((خط)): وقول القائل: يا رسول الله وأولاد المشركين. فإن ظاهر هذا الكلام أنه ألحقهم

стр. 2420

مولود مات على الفطرة)). قال: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله! وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله ﷺ : ((وأولاد المشركين. وأما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن، وشطر منهم قبيح؛ فإنهم قوم قد خلطوا عملا صالحاً وآخر سيئاً، تجاوز الله عنهم)) رواه البخاري. ٤٦٢٦ - وعن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: ((من أفرى الفري أن يرى الرجل عينيه ما لم تريا)). رواه البخارى ــ بأولاد المسلمين في حكم الآخرة، وأن كان قد حكم لهم بحكم آبائهم في الدنيا؛ وذلك أنه سئل عن درارى المشركين فقال: ((هم من آبائهم)) وللناس في أطفال المشركين اختلاف، وعامة أهل السنة على أن حكمهم حكم آبائهم في الكفر. وقد ذهب طائفة منهم إلى أنهم في الآخرة من أهل الجنة. وقد روى غيه آثار عن نفر من الصحابة. واحتجوا لهذه المقالة بحديث النبي ﷺ : ((كل مولود يولد على الفطرة))، وبقول الله : ﴿وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت﴾ وبقوله: ﴿ويطوف عليهم ولدان مخلدون﴾؛ لأن اسم الولدان مشتق من الولادة ولا ولادة في الجنة، وكانوا هم الذين نالتهم الولادة في الدنيا. وروى عن بعضهم أنهم كانوا سبيا وخدما للمسلمين في الدنيا، فهم خدم لهم في الجنة. أقول: أما الدليل الأول فلا يدل على مطلوبهم لما ذكرنا. والثاني معارض بقوله تعالى: ﴿لا يسئل عما يفعل وهم يسألون﴾. والثالث أنه استعارة أي هم كالولدان في الدنيا بيانا لشأنهم ووصفهم. نحوه قوله تعالى: ﴿كلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً قالوا هذا الذي رزقنا من قبل﴾ وقد استقصينا القول فيه في باب القدر، وأنه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وهو أعلم بالصواب. الحديث الثاني عن ابن عمر: قوله: ((من أفر الفرى)) ((نه)): الفرى جمع فرية وهي الكذب،
следующие страницы →