← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122257

شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن

الطيبي

Полный текст (3 308 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

٤٧٨٦ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل)).متفق عليه. ٤٧٨٧ - وعن عمرو بن الشريد، عن أبيه، قال: ردفت رسول الله ﷺ يوما فقال: ((هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء)) قلت: نعم. قال: ((هيه)) فأنشدته بيتا. فقال: ((هيه)) ثم أنشدته بيتا فقال: ((هيه)) حتى أنشدته مائة بيت. رواه مسلم. ــ تابعا للفظ، وأما إذا كان بالعكس، وكلام الله تعالى وكلام الرسول ﷺ مصبوب في هذا القالب، فيرفع الكلام إلى الدرجة القصوى؛ قال تعالى:﴾ وجئتك من سبأ بنبأ يقين ﴿. الكشاف: هذا من جنس الكلام الذي سماه المحدثون البديع، وهو من محاسن الكلام الذي يتعلق باللفظ بشرط أن يجيء مطبوعا، أو يصبغه عالم بجوهر الكلام، يحفظ معه صحة المعنى وسداده. ولقد جاء هاهنا زائدا على الصحة فحسن وبدع لفظا ومعنى، ألا ترى أنه لو وضع مكان ((بنبأ)) ((بخبر)) لكان المعنى صحيحا، وهو كما جاء أصح؛ لما في ((النبأ)) الزيادة التي يطابقها وصف الحال. وقال أبو الحسن الهروي صاحب دلائل النبوة: اعلم أن التلاؤم يكون بتلاؤم الحروف وتلاؤم الحركات والسكنات وبتلاؤم المعنى، فإذا اجتمعت هذه الوجوه، خرج الكلام في غاية العذوبة، وفي حصول بعضها دون بعض انحطاط درجة العذوبة عن الغاية، وسائر أقسام الفصاحة مع عدم التلاؤم يعد تكلفا، وكلما ظهرت الصنعة أكثر كان الكلام أقرب إلى التعسف، وإذا حصل التلاؤم عظم معه يسر الصنعة وشرف تأليف الكلام ووضعه. الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((كلمة)) ((مح)):هي قطعة من الكلام، والمراد بـ ((الباطل)) الفاني المضمحل، وفي الحديث منقبة للبيد وهو صحابي، انتهى كلامه. وإنما كان أصدق؛ لأنه موافق لأصدق الكلام، وهو قوله تعالى:﴾ كل من عليها فان ﴿. الحديث الخامس عن عمرو: قوله ((هيه)) ((نه)) هو بمعنى إيه، فأبدل من الهمزة هاء، وإيه اسم سمى به الفعل والفاعل ومعناه الأمر، تقول للرجل: ((إيه)) بغير تنوين إذا استزدته من الحديث المعهود بينكما، فإن نونته استزدته من حديث ما غير معهود؛ لأن التنوين للتنكير. ((تو)):قال ابن السكيت: فإن وصلت نونت، قلت: إيه حديثا. وقول ذي الرمة:

стр. 2487

٤٧٨٨ - وعن جندب، أن النبي ﷺ : كان في بعض المشاهد وقد دميت أصبعه قال: هل أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت متفق عليه. ــ وفقنا فقلنا إيه من أم سالم وما بال تكليم الديار البلاقع فلم ينون وقد وصل؛ لأنه نوى الوقف وقد ترك الضرورة. ((قض)):أمية بن أبي الصلت ثقفي من شعراء الجاهلية أدرك مبادئ الإسلام، وبلغه خبر المبعث لكنه لم يوفق للإيمان بالرسول ﷺ . وكان رجلا مترهبا غواصا في المعاني معتنيا بالحقائق متضمنا لها في أشعاره ولذلك استنشد شعره. الحديث السادس عن جندب: قوله: ((هل أنت إلا إصبع دميت)) هو بفتح الدال، قال في أساس البلاغة: ودميت يده وأدميتها ودميتها، ((قض)):اعترض عليه وعلى أمثاله: لأنها تدل على أنه ﷺ أنشأ الشعر، وقد نفي الحق سبحانه عنه أن يكون شاعرا في مواضع كثيرة من كتابه العزيز. وأجيب عنه بوجوه: الأول: أن المروي عنه من باب الرجز وهو ليس بشعر. والثاني: أن قوله تعالى:﴾ وما علمناه الشعر ﴿. ((وما أنت بشاعر)) ونظائرهما، مسوقة لتكذيب الكفار فيما بهتوه. ولا يقال لمن تفوه ببيت واحد على ندور إنه شاعر. والثالث: أنه لم يقصد بذلك الشعر ولا عمد إلى مراعاة الوزن، لكنه اتفق أن جرى ذلك لسانه موزونا، وأمثال ذلك كثير في القرآن وفي منثورات الفصحاء. لكن لما لم يكن للقائل بها قصد إلى وزن ولا التفات إليه، لم يعد شعرا، ولا القائل بها شاعرا. أقول: ((دميت)) صفة ((أصبع)) والمستثنى منه أعم عام الصفة، أي ما أنت بإصبع موصوفة بشيء من الأشياء إلا بأن دميت، كأنها لما توجعت وتحرجت، خاطبها على سبيل الاستعارة أو الحقيقة معجزة مسليا لها، أي تثبتي على نفسك؛ فإنك ما ابتليت بشيء من الهلاك والقطع، سوى أنك دميت، ولم يكن ذلك هدرا بل كان في سبيل الله ورضاه، وكان ذلك في غزوة أحد. ((مح)) قال القاضي عياض: وقد غفل بعض الناس وقال: ((أنا النبي لا كذب)) بفتح

стр. 2488

٤٧٨٩ - وعن البراء، قال: قال النبي ﷺ يوم قريظة لحسان بن ثابت: ((أهج المشركين، فإن جبريل معك)) وكان رسول الله ﷺ يقول لحسان: ((أجب عني، اللهم أيده بروح القدس)).متفق عليه. ٤٧٩٠ - وعن عائشة (﵂) أن رسول الله ﷺ قال: ((أهجوا قريشا؛ فإنه أشد عليهم من رشق النبل)) رواه مسلم. ٤٧٩١ - وعنها، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول لحسان: ((إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله)).وقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((هجاهم حسان فشفي واشتفي)).رواه مسلم. ــ الباء و ((أنا ابن عبد المطلب)) بالخفض. وكذا قوله: ((دميت)) من غير مد؛ حرصا منه على أنه يغير الرواية فيستغني عن الاعتذار. وإنما الرواية بإسكان الباء والمد. الحديث السابع إلى التاسع عن عائشة ﵂: قوله ((من رشق النبل)) ((مح)):الرشق بفتح الراء الرمي بالسهم، وبالكسر النبل التي ترمي دفعة واحدة. وفيه جواز هجو الكفار وأذاهم ما لم يكن لهم أمان؛ لأن الله تعالى قد أمر بالجهاد فيهم والإغلاظ عليهم؛ لأن في الإغلاظ بيانا لنقصهم والانتصار منهم لهجائهم المسلمين. ولا يجوز ابتداء؛ لقوله تعالى:﴾ ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم ﴿. قوله: ((إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت)) وذلك لأن أخذه في الهجو والطعن في المشركين وأنسابهم مظنة الفحش من الكلام وبذاءة اللسان، ويؤدي ذلك إلى أن يتكلم بما يكون عليه لا له، فيحتاج إلى التأييد من الله تعالى بأن يقدسه من ذلك بروح القدس وهو جبريل. ((تو)):المعنى أن شعرك هذا الذي تنافح به عن الله وعن رسوله يلهمك الملك سبيله، بخلاف ما يتقوله الشعراء، إذا اتبعوا الهوى وهاموا في كل واد؛ فإن مادة قولهم من إلقاء الشيطان لهم. ((نه)):قوله: ((نافحت)) أي دافعت، والمنافحة المدافعة والمضاربة، ونفحت الرجل بالسيف تناولته به. ويريد بمنافحته هجاء المشركين ومحاربتهم ومجازاتهم على أشعارهم. قوله: ((فشفي واشتفي)) ((تو)):يحتمل أنه أراد بالكلمتين التأكيد، أي شفي من الغيظ بما أمكنه، ويحتمل أنه أراد شفي غيره واشتفي نفسه.

стр. 2489

٤٧٩٢ - وعن البراء، قال: كان رسول الله ﷺ ، ينقل التراب يوم الخندق حتى اغبر بطنه يقول: والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لقينا إن الألى قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا يرفع بها صوته: ((أبينا أبينا)) متفق عليه. ٤٧٩٣ - وعن أنس، قال: جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق وينقلون التراب وهم يقولون: نحن الذين بايعوا محمدا ... على الجهاد ما بقينا يقول النبي ﷺ وهو يجيبهم: ((اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجر)) متفق عليه. ــ الحديث العاشر عن البراء: قوله: ((لولا الله)) أي لولا هداية الله ما اهتدينا؛ لقوله تعالى:﴾ وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ﴿وقوله: ((فأنزلن سكينة علينا)) مثل قوله تعالى:﴾ فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ﴿،وقوله: ((وثبت الأقدام)) من قوله:﴾ وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين ﴿.وقوله: ((إن الأولى)) إشارة إلى أهل مكة والأحزاب الذين تحزبوا معهم يومئذ. والمراد بالفتنة القتل والنهب والرد إلى الكفر. قال تعالى:﴾ إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون ﴿و ((أبينا)) أي امتنعنا عن القبول. ((نه)):الإباء أشد الامتناع، انتهى كلامه. والضمير في ((بها)) راجع إلى الأبيات، و ((أبينا أبينا)) حال أي خصوصا أبينا أبينا. ويحتمل أن يكون مفعولا مطلقا، وتجوز أن يكون الضمير في ((بها)) مبهما مفسرا بقوله: ((أبينا أبينا)) كقوله تعالى:﴾ كبرت كلمة تخرج من أفواهم ﴿.

стр. 2490

٤٧٩٤ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه: ((لأن يمتلئ جوف رجل قيحا يريه خير من أن يمتلئ شعرا)).متفق عليه. الفصل الثاني ٤٧٩٥ - عن كعب بن مالك، أنه قال للنبي ﷺ : ((إن الله تعالى قد أنزل في ــ الحديث الحادي عشر عن أنس ﵁: قوله: ((لا عيش إلا عيش الآخرة)) يعني أنهم إذا وفوا بما عاهدوا الله ورسوله، جازاهم مجازاة ليس بعدها جزاء، ولا يكون ذلك إلا في الآخرة فاغفر لهم الآن؛ ليكون ذلك سببا للمطلوب. الحديث الثاني عشر عن أبي هريرة: قوله: ((يريه)) ((فا)):ورى الداء جوفه أفسده، وقيل لداء الجوف وري؛ لأنه داء داخل متوار. ومنه قيل للشمس وار كأن عليها ما تواريه من شعاعه. ((نه)):هو من الورى الداء يقال: ورى يوري فهو موري إذا أصاب جوفه الداء. قال الجوهري: الورى مثل الرمي داء بداخل الجوف، يقال: رجل موري غير مهموز. وقال الفراء: هو الورى بفتح الراء، وقال ثعلب: هو بالسكون المصدر وبالفتح الاسم. وقال الجوهري: وري بالفتح جوفه يريه وريا أكله. وقال قوم: معناه حتى يصيب رئته، وأنكر غيرهم؛ لأن الرئة مهموزة، وإذا بنيت منه فعلا، قلت: وراه يراه فهو مرئي. وقال الأزهري: إن الرئة أصلها من وري وهي محذوفة. منه تقول: وريت الرجل فهو موري إذا أصبت رئته، والمشهور في الرئة الهمزة. ((مح)) قالوا: المراد منه أن يكون الشعر غالبا عليه مستوليا بحيث يشغله عن القرآن أو غيره من العلوم الشرعية وذكر الله تعالى: وهو مذموم من أي شعر كان، وإلا فلا يضره حفظ اليسير من الشعر؛ لأن جوفه ليس ممتلئا شعرا، وسمى الرجل على أن الذم مخصوص بمعين، وفي رواية أخرى لمسلم كما سيجيء في الفصل الثالث. الفصل الثاني الحديث الأول عن كعب: قوله: ((ما أنزل)) كأنه لما سمع قوله تعالى:﴾ والشعراء يتبعهم الغاوون ﴿أنكر على نفسه الشعر، وأنه من جملة الغاوين، فقال ما قال، فأجابه ﷺ بأنه ليس

стр. 2491

الشعر ما أنزل. فقال النبي ﷺ : ((إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأن ما ترمونهم به نضح النبل)) رواه في شرح السنة. [٤٧٩٥] وفي ((الاستيعاب)) لابن عبد البر، أنه قال: يا رسول الله! ماذا ترى في الشعر: فقال: ((إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه)). ٤٧٩٦ - وعن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: ((الحياء والعي شعبتان من الإيمان، والبذاء والبيان شعبتان من النفاق)).رواه الترمذي. [٤٧٩٦] ــ كذلك على الإطلاق؛ فإن ذلك من شأن الهائمين أودية الضلال. وأما المؤمن فهو خارج من ذلك الحكم؛ وأما المؤمن فهو خارج من ذلك الحكم؛ لأنه إحدى عدتيه في ذب الكفار من اللسان والسنان، بل هو أعدى وأنكى، كما قال ﷺ : فإنه أشد عليهم من رشق النبل. وإليه ينظر قول الشاعر: جراحات السنان لها التئام ولا يلتام ما جرح اللسان وقال ابن عبد البر في الاستيعاب عن ابن سيرين: قال: كان شعراء المسلمين حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك، وكان كعب يخوفهم الحرب. قال ابن سيرين: بلغنا أن دوسا إنما أسلمت فرقا من قول كعب بن مالك. واللام في قوله: ((لكأنما)) زائدة لتأكيد الفسم، والتقدير: والذي نفسي بيده إن ما ترمونهم به كنضح النبل؛ لأن أصل ((كأن زيدا الأسد)) فقدم حرف التشبيه اهتماما به، يدل عليه ما في المفصل من قوله: والفصل بينه وبين الأصل، إنك هاهنا بان كلامك على التشبيه من أول الأمر، وثم بعده مضى صدره على الإثبات. ((قض)):الضمير في ((به)) للشعر، ونضح النبل رميه مستعار من ((نضح الماء))،والمعنى: أن هجائم أثر فيهم تأثير النبل، وقام مقام الرمي في النكاية بهم. الحديث الثاني عن أبي أمامة: قوله: ((الحياء والعي شعبتان من الإيمان)) ((قض)):لما كان الإيمان باعثا على الحياء، والتحفظ في الكلام، والاحتياط فيه، عد من الإيمان، وما يخالفهما من النفاق. وعلى هذا يكون المراد بالعي ما يكون بسبب التأمل في المقال والتحرز عن الوبال،

стр. 2492

٤٧٩٧ - وعن أبي ثعلبة الخشني، أن رسول الله ﷺ قال: ((إن أحبكم إلي وأقربكم مني يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقا، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني، مساويكم أخلاقا، الثرثارون، المتشدقون، المتفيهقون. رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [٤٧٩٧] ــ لا لخلل في اللسان. والبيان ما يكون سببه الاجتراء وعدم المبالاة بالطغيان، والتحرز عن الزور والبهتان. والبذاء: فحش الكلام. أقول: ويمكن أن يقال: إنه إنما قوبل العي في الكلام مطلقا بالبيان الذي هو التعمق في النطق والتفاصح، وإظهار التقدم فيه على الناس مبالغة لذم البيان، وأن هذه النقيصة ليست بمضرة للإيمان مضرة ذلك البيان. الحديث الثالث عن أبي ثعلبة: قوله: ((إن أحبكم إلي)) ((قض)):أفعل التفضيل إذا أضيف على معنى أن المراد به زائد على المضاف إليهم في الخصلة التي هو وهم متشاركون فيها، جاز فيه الإفراد والتذكير في الحالات كلها؛ وتطبيقها لما هو وصف له لفظا ومعنى، وقد جمع الوجهان في الحديث، فأفرد ((أحب وأبغض)) وجمع ((أحاسن وأساوي)) في رواية من روى ((أساويكم)) بدل مساويكم، وهو جمع مسوأ كمحاسن جمع محسن، هو إما مصدر ميمي نعت به ثم جمع، أو اسم مكان بمعنى الأمر الذي فيه السوء، فأطلق على المنعوت به مجازا. و ((أخلاق)) نصب على التمييز. قال الدار حديثي: وأراد بـ ((أبغضكم)) بغيضكم وبـ ((أحبكم)) التفضيل. ولا يكون المخاطبون بأجمعم مشتركين في البغض والمحبة، وقال الحاجبي: تقديره: بأحب المحبوبين منكم وأبغض المبغضين منكم. ويجوز إطلاق العام وإرادة الخاص للقرينة. أقول إذا جعل الخطاب خاصا بالمؤمنين، فكما لا يجوز ((أبغضكم)) لا يجوز ((بغيضكم)) لاشتراكهم في المحبة. والقول ما ذهب إليه ابن الحاجب؛ لأن الخطاب عام يدخل في البر والفاجر والموافق والمنافق، فإذا أريد به المنافق الحقيقي فالكلام ظاهر، وإذا أريد به غير الحقيقي كما سبق في باب علامات النفاق، فمستقيم أيضا يدل عليه الثرثارون المتشدقون المتفيهقون. وهذا القول أولى والمقام له أدعى للحديث السابق. وقوله: ((الثرثارون)) إما بدل من ((مساويكم أخلاقا))،فيلزم أن تكون هذه الأوصاف أسوأ الأخلاق؛ لأن المبدل كالتمهيد والتوطئة. وإما رفع على الذم على أنه خبر مبتدأ محذوف، فيكون أبلغ وأشنع.

стр. 2493

٤٧٩٨ - وروى الترمذي نحوه عن جابر، وفي روايته قالوا: يا رسول الله! قد علمنا الثرثارون والمتشدقون، فما المتفيهقون؟ قال: ((المتكبرون)). [٤٧٩٨] ٤٧٩٩ - وعن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تقوم الساعة حتى يخرج قوم يأكلون بألسنتهم كما تأكل البقر بألسنتهم)).رواه أحمد. [٤٧٩٩] ــ ((نه)):الثرثارون هم الذين يكثرون الكلام تكلفا وخروجا عن الحق. والثرثرة كثرة الكلام وترديده. المتشدقون هم المتوسعون في الكلام من غير احتياط واحتراز. وقيل: المراد بالمتشدق المستهزئ بالناس يلوي شدقه لهم وعليهم. والمتفيهقون هم الذين يتوسعون في الكلام ويفتحون به أفواهم، مأخوذ من الفهق وهو الامتلاء والاتساع، يقال: فهقت الإناء يفهق فهقا، وبئر مفهاق كثيرة الماء. وقيل: هذا من النكير والرعونة. وزاد في الفائق والنهاية على هذا: الموطئون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون. قالا: وهذا مثل وحقيقته من التوطئة وهي التمهيد والتذليل، وفراش وطئ، أي لا يؤذي جنب النائم. والأكناف الجوانب، أراد الذين جوانبهم وطيئة يتمكن فيها من يصاحب ولا يتأذى. ((مح)):كره التقعر في الكلام بالتشدق وتكلف السجع والفصاحة، والتصنع بالمقدمات التي يعتادها المتفاصحون، وزخارف القول، فكل ذلك من التكلف المذموم، وكذلك التحري في دقائق الإعراب، ووحشي اللغة في حال مخاطبة العوام، بل ينبغي أن يقصد في مخاطبته إياهم لفظا يفهمونه فهما جليا. ولا يدخل في الذم تحسين ألفاظ الخطب والمواعظ، إذا لم يكن فيها إفراط أو إغراب؛ لأن المقصود منها تهييج القلوب إلى طاعة الله تعالى، ولحسن اللفظ في هذا أثر ظاهر، هكذا ذكره في الأذكار. الحديث الرابع عن سعد: قوله: ((كما تأكل البقرة بألسنتها)) ((تو)):ضرب للمعنى مثلا يشاهده الراءون من حال البقر؛ ليكون أثبت في الضمائر؛ وذلك أن سائر الدواب تأخذ من نبات الأرض بأسنانها، والبقر بلسانها، فضرب بها المثل لمعنيين: أحدهما: أنهم لا يهتدون من المأكل إلا ذلك سبيلا، كما أن البقرة لا تتمكن من الاحتشاش إلا بلسانها. والآخر: أنهم في مغزاهم ذلك كالبقرة التي لا تستطيع أن تميز في رعيها بين الرطب والشوكة، وبين الحلو والمر، بل تلف الكل بلسانها لفا، فكذلك هؤلاء الذين يتخذون ألسنتهم ذريعة إلى مأكلهم لا يميزون بين الحق والباطل، ولا بين الحلال والحرام، سماعون للكذب أكالون للسحت.

стр. 2494

٤٨٠٠ - وعن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما يتخلل الباقرة بلسانها)) رواه الترمذي، وأبو داود. وقال الترمذي: هذا حديث غريب. [٤٨٠٠] ٤٨٠١ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((مررت ليلة أسري بي بقوم تقرض شفاههم بمقاريض من النار، فقلت: يا جبريل! من هؤلاء؟ قال: هؤلاء خطباء أمتك الذين يقولون ما لا يفعلون)).رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب. [٤٨٠١] ٤٨٠٢ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من تعلم صرف الكلام ليسبى به قلوب الرجال أو الناس، لم يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا)).رواه أبو داود. [٤٨٠٢] ٤٨٠٣ - وعن عمرو بن العاص، أنه قال يوما وقام رجل فأكثر القول. فقال عمرو: لو قصد في قوله لكان خيرا له، سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لقد رأيت- أو أمرت- أن أتجوز في القول، فإن الجواز هو خير)).رواه أبو داود. [٤٨٠٣] ــ الحديث الخامس عن عبد الله: قوله: ((يتخلل بلسانه)) ((نه)):هو الذي يتشدق في الكلام ويقحم به لسانه، ويلفه كما تلف البقرة الكلاء بلسانها لفا. ((قض)):شبه إدارة لسانه حوله الأسنان والفم حال التكلم تفاصحا، بما تفعل البقرة بلسانها. والباقرة جمع البقرة واستعماله بالتاء قليل. الحديث السادس والسابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((صرف الكلام)) مضى بيانه في أول الباب. قوله: ((صرفا ولا عدلا)) ((نه)):الصرف التوبة أو النافلة، والعدل الفدية أو الفريضة. الحديث الثامن عن عمرو: قوله: ((قال عمرو)) كذا في سنن أبي داود، وفي بعض نسخ

стр. 2495

٤٨٠٤ - عن صخر بن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، عن جده، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن من البيان سحرا، وإن من العلم جهلا، وإن من الشعر حكما، وإن من القول عيالا)).رواه أبو داود. [٤٨٠٤] ــ المصابيح، وهو تكرار لطول الكلام؛ لأن قوله ((لو قصد)) هو المقول لقوله: ((قال يوما)) وقوله: ((قام الرجل)) حال، فلما وقع بينهما، طال الكلام فأعاد ((قال عمرو)) ونظيره قول الحماسي: وإن امرأ دامت مواثيق عهده على مثل هذا إنه لكريم قوله: ((لكريم)) خبر ((إن)) الأول، وأعاد ((إنه)) لطول الكلام. قوله: ((لو قصد)) ((تو)):أي لو أخذ في كلامه الطريق المستقيم والقصد ما بين الإفراط والتفريط. ومعنى قوله: ((أن أتجوز)) أي أسرع فيه وأخفف المؤنة عن السامع، من قولهم: تجوز في صلاته أي خفف. الحديث التاسع عن صخر: قوله: ((وإن من العلم جهلا)) ((نه)):قيل هو أن يتعلم من العلوم ما لا يحتاج إليه كالنجوم، وعلم الأوائل، ويدع ما يحتاج إليه في دينه من القرآن والسنة، فالاشتغال به يمنعه عن التعلم لما هو محتاج إليه، فيكون جهلا له. قال الأزهري: وقيل هو أن لا يعمل بعلمه فيكون ترك العمل بالعلم جهلا، ومصداقه قوله تعالى:﴾ مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا ﴿. قوله: ((وإن من القول عيالا)) ((نه)):هو عرضك حديثك وكلامكم على من لا يريده، وليس من شأنه، يقال علت الضالة أعيل عيلا إذا لم تدر أي جهة تبغيها، كأنه لم يهتد لمن يطلب كلامه فيعرضه على من لا يريده. أقول: يحتمل أن يراد بالعيال الثقل؛ قال الراغب: العيال جمع عيل، لما فيه من الثقل، وعاله تحمل ثقل مؤنته ومنه العول وهو ما يثقل من المصيبة. انتهى كلامه. فهو يحتمل وجهين: أحدهما: أن يعبر به عن الوبال، كما جاء: أن البلاء موكل المنطق. وثانيهما: أراد به الملال، فالسمع أحد الرجلين: إما عالم ولا يريد سماع كلامك فيمل، أو جاهل فلا يفهم ما تقول فيسأم.

стр. 2496

الفصل الثالث ٤٨٠٥ - عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ يضع لحسان منبرا في المسجد يقوم عليه قائما، يفاخر عن رسول الله ﷺ ، أو ينافح. ويقول ﷺ : ((إن الله يؤيد حسان بروح القدس ما نافح أو فاخر عن رسول الله ﷺ ) رواه البخاري. ٤٨٠٦ - وعن أنس، قال: كان للنبي حاد يقال له: أنجشة، وكان حسن الصوت. فقال له النبي ﷺ : ((رويدك يا أنجشة لا تكسر القوارير)).قال قتادة: يعني ضعفة النساء. متفق عليه. ٤٨٠٧ - وعن عائشة ﵂، قالت: ذكر عند رسول الله ﷺ الشعر فقال رسول الله ﷺ : ((هو كلام، فحسنه حسن، وقبيحه قبيح)).رواه الدارقطني. [٤٨٠٧] ــ الفصل الثالث الحديث الأول عن عائشة ﵂: قوله: ((يفاخر عن رسول الله ﷺ ) أي لأجله وجهته. و ((عن)) فيه كما في قوله: ((ينهون عن أكل وشرب))،وليس ((عن)) فيه كما في قوله: ينافح عن رسول الله ﷺ أي يدافع عنه، قال في أساس البلاغة: يقال: تفاخرت أنا وصاحبي إلى فلان فأفخرني غلبني. انتهى كلامه. ويحتمل أن يكون مجازا، أي يذب عن مفاخره وطعنهم فيها. الحديث الثاني عن أنس ﵁: قوله: ((حاد)) قال في أساس البلاغة: حدا الإبل حدوا وهو حادي الإبل وهم حداتها، وحدا بها حداء إذا غنى لها. قوله: ((بالقوارير)) ((نه)): أراد به النساء، شبههن بالقوارير من الزجاج؛ لأنه يسرع إليها الكسر. وكان أنجشة يحدو وينشد العريض والرجز، فلم يأمن أن يصيبهن، أو يقع في قلوبهن حداؤه، فأمره بالكف عن ذلك. وفي المثل: الغناء رقية الزنا. وقيل: أراد أن الإبل إذا سمعت الحداء، أسرعت في المشي واشتدت، فأزعجت الراكب وأتعبته، فنهاه عن ذلك؛ لأن النساء يضعفن عن شدة الحركة. وواحدة القوارير قارورة سميت بها؛ لاستقرار الشراب فيها. أقول: القوارير استعارة لأن المشبه به غير مذكور والقرينة حالية لا مقالية، والكسر ترشيح لها، ولما كانت الاستعارة مسبوقة بالتشبيه قال: شبههن .... إلخ.

стр. 2497

٤٨٠٨ - وروى الشافعي، عن عروة، مرسلا. [٤٨٠٨] ٤٨٠٩ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: بينا نحن نسير مع رسول الله ﷺ بالعرج إذا عرض شاعر ينشد. فقال رسول الله ﷺ : ((خذوا الشيطان، أو أمسكوا الشيطان؛ لأن يمتلئ جوف رجل قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا)).رواه مسلم. ٤٨١٠ - وعن جابر، قال: قال رسول الله: ((الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع)).رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [٤٨١٠] ٤٨١١ - وعن نافع، (﵀)،قال: كنت مع ابن عمر في طريق، فسمع مزمارا، فوضع أصبعيه في أذنيه وناء عن الطريق إلى الجانب الآخر، ثم قال لي بعد أن بعد: يا نافع! هل تسمع شيئا؟ قلت: لا، قال: كنت مع رسول الله ﷺ فسمع صوت يراع، فصنع مثل ما صنعت. قال نافع: فكنت إذ ذاك صغيرا. رواه أحمد، وأبو داود. [٤٨١١] ــ الحديث الثالث والرابع عن أبي سعيد: قوله: ((بالعرج)) ((مح)):هو بفتح العين المهملة وإسكان الراء، وبالجيم، قرية جامعة من عمل الفرع على نحو ثمانية وسبعين ميلا من المدينة. قوله: ((خذوا الشيطان)) أي امنعوه عن إنشاده. ولعله ﷺ لما رآه ينشد الشعر معرضا غير ملتفت إليهم ومبال بهم مستهزأ بإنشاده الشعر، عرف أن الغالب عليه هو قرض الشعر وأنه مسلوب الحياء، ومعزول عن الأدب؛ ولذلك أطلق عليه اسم الشيطان. وأتبعه بقوله: ((لأن يمتلئ جوف رجل قيحا)) وقد سبق بيانه. الحديث الخامس عن جابر: قوله: ((الغناء ينبت النفاق)) يعني الغناء سبب النفاق ومؤد إليه، وأصله وشعبته، كما قال: ((البذاء والبيان شعبتان من النفاق)) وهذا تشبيه تمثيلي؛ لأنه منتزع من عدة أمور متوهمة. ((حس)):قيل: الغناء رقية الزنا. قال الشافعي: ولو كان يديم الغناء ويغشاه المغنون معلنا، فهذا سفيه ترد شهادته، وإن كان يقل لا ترد. الحديث السادس عن نافع: قوله: ((وكنت إذ ذاك صغيرا)) جواب سؤال مقدر يعني ليس لقائل أن يقول: سماع اليراع مباح، والمنع ليس للتحريم بل للتنزيه؛ لأنه لو كان حراما لمنع

стр. 2498

(١٠) باب حفظ اللسان والغيبة والشتم الفصل الأول ٤٨١٢ - عن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من يضمن لي ما بين لحيه وما بين رجليه، أضمن له الجنة)).رواه البخاري. ــ أيضا نافعا عن الاستماع. والجواب أن نافعا لم يبلغ مبلغ التكليف. وإليه الإشارة بقوله: ((وكنت إذ ذاك صغيرا)) ولو لم يذهب إلى هذه الفائدة، لكان وصفه لنفسه بالصغر ضحكة للساخرين، كما في قولك: ((الميت اليهودي لا يبصر)). وذكر هذا الحديث بعد السابق مشعر بأن استماع الغناء والمزمار واليراع من باب واحد. ((مح في الروضة)):غناء الإنسان قد يقع بمجرد صوته وقد يقع بآلة، فالأول مكروه وسماعه مكروه وليسا محرمين. وإن كان سماعه من أجنبية فأشد كراهة. والثاني: أن يغني بعض آلات الغناء مما هو شعار شاربي الخمر، وهو مطرب كالطنبور والعود والصنج وسائر المعازف والأوتار، فيحرم استعماله واستماعه. وفي ((اليراع)) وجهان: صحح البغوي التحريم، والغزالي الجواز وهو أقرب، وليس المراد من اليراع كل قضيب، بل المزمار العراقي. وما يضرب به من الأوتار حرام بلا خلاف. قال الشيخ محيي الدين النووي: الأصح أو الصحيح تحريم اليراع وهو هذه المزمارة، التي يقال لها الشبابة. وقد صنف الإمام أبو القاسم الدولقي كتابا في تحريم اليراع مشتملا على نفائس، وأطنب في دلائل تحريمه. ((حس)):اتفقوا على تحريم المزامير والملاهي والمعازف، وكان الذي سمع ابن عمر صفارة الرعاة. وقد جاء مذكورا في الحديث، وإلا لم يقتصر فيه على سد المسامع دون المبالغة في الردع والزجر. وقد رخص بعضهم في صفارة الراعي الرعاة، والله أعلم. باب حفظ اللسان والغيبة والشتم الفصل الأول الحديث الأول عن سهل: قوله: ((من يضمن لي)) عن بعضهم معناه: من يضمن لي لسانه أي شر لسانه وبوادره، وحفظه عن التكلم بما لا يعنيه ويضره، مما يوجب الكفر والفسوق، وفرجه بأن يصونه من الحرام، أضمن له دخول الجنة. و ((لحييه)) –بفتح اللام- تثنية لحى، وهما العظمان اللذان ينبت عليهما الأسنان علوا وسفلا. أقول: أصل الكلام من يحفظ ما بين لحييه من اللسان مما لا يعنيه من الكلام والطعام

стр. 2499

٤٨١٣ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالا، يرفع الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا، يهوى بها في جهنم)).رواه البخاري وفي رواية لهما: ((يهوي بها في النار أبعد مابين المشرق والمغرب)). ٤٨١٤ - وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ((سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)).متفق عليه. ــ يدخل الجنة. فأراد أن يؤكد الوعد تأكيدا بليغا فأبرزه في صورة التمثيل؛ ليشعر بأنه واجب الأداء، فشبه صورة حفظ المؤمن نفسه مما وجب عليه من أمر رسول الله ﷺ ، ونهيه، وشبه ما يترتب عليه من الفوز بالجنة، وأنه واجب على الله بحسب الوعد أداؤه، وأن رسول الله ﷺ هو الواسطة والشفيع بينه وبين الله تعالى بصورة شخص له حق واجب الأداء على آخر، فيقوم به ضامن يتكفل له بأداء حقه. وأدخل المشبه في صورة المشبه به وجعله فردا من أفراده، ثم ترك المشبه به وحعل القرينة الدالة على ما يستعمل فيه من الضمان نحو قولك للمفتي الذي يتردد في فتواه: أراك أيها المفتي تقدم رجلا وتؤخر أخرى. ونحوه في التمثيل قوله تعالى﴾ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ﴿. الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((من رضوان الله)) ((من)) فيه بيانية حال من الكلمة، وكذا قوله ((لا يلقي لها بالا)).وقوله: ((يرفع الله بها درجات)) جملة مستأنفة بيان للموجب، كأن قائلا يقول: ماذا يستحق بعد؟ قيل له يرفع الله بها درجات. ((نه)): ((لا يلقي لها بالا)) أي لا يستمع إليه ولا يحعل قلبه نحوه. قوله: ((أبعد)) الظاهر أنه صفة مصدر محذوف أي هويا بليغا بعيد المبدأ والمنتهى. الحديث الثالث عن عبد الله: قوله: ((سباب المسلم)) ((نه)):السب والشتم يقال: سبه يسبه سبا سبابا. قيل: هذا محمول على من سب أو قاتل مسلما من غير تأويل. وقيل: إنما قال ذلك على جهة التغليظ إلا أن يخرجه إلى الفسق والكفر. ((حس)):إذا استباح دمه من غير تأويل، ولم ير الإسلام عاصما له فهو ردة كفر. أقول: معنى الحديث راجع إلى قوله ﷺ : ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)).وقد تقرر أن المسلم هنا الكامل في الإيمان المؤدي لحقوقه بحسب استطاعته. فالنسبة إلى الكفر في هذا الحديث إشارة إلى نقصان إيمانه تغليظا.

стр. 2500

٤٨١٥ - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ ((أيما رجل قال لأخيه كافر، فقد باء بها أحدهما)).متفق عليه. ٤٨١٦ - وعن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يرمي رجل رجلا بالفسوق، ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك)) رواه البخاري. ٤٨١٧ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من دعا رجلا بالكفر، أو قال: عدو الله وليس كذلك، إلا حار عليه)).متفق عليه. ــ ((حس)):وفيه دليل على المرجئة الذين لا يرون الطاعة من الإيمان، ويقولون: إن الإيمان لا يزيد بالطاعة ولا ينقص بالمعصية؛ فإنه ﷺ أشار بقوله: ((قتاله كفر)) إلى أن ترك القتال من الإيمان، وأن فعله ينقص الإيمان. الحديث الرابع عن ابن عمر: قوله: ((فقد باء بها)) ((نه)):أي الترمها ورجع بها. أقول: لابد من الرجوع والعود من الشيء، فإذا قال القائل لصاحبه: يا كافر! فإن صدق رجع إليه كلمة الكفر الصادر من مقتضاها، وإن كذب واعتقد بطلان الإسلام، رجعت هذه الكلمة الصادرة إلى القائل. ((مح)):هذا الحديث مما عده ((بعض)) العلماء من المشكلات من حيث أن ظاهره غير مراد؛ وذلك أن مذهب أهل الحق أن لا يكفر المسلم بالمعاصي كالقتل والزنا. وقول لأخيه: ((كافر)) من غير اعتقاد بطلان دين الإسلام. وإذا تقرر ما ذكرناه فقيل في تأويل الحديث أوجه أحدها: أنه محمول على المستحل لذلك، فعلى هذا معنى ((باء بها)):أي بكلمة الكفر أي رجع عليه الكفر. وثانيها: معناه: رجعت عليه نقيصة لأخيه ومعصية تكفيره. وثالثهما: أنه محمول على الخوارج المكفرين للمؤمنين. وهذا ضعيف؛ لأن المذهب الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون: أن الخوارج كسائر أهل البدع لا يكفر. ورابعها: أن ذلك يؤول به إلى الكفر. وخامسها: معناه فقد رجع إليه تكفيره. وليس الراجع حقيقة الكفر بل التكفير؛ لكونه جعل أخاه المؤمن كافرا، فكأنه كفر نفسه، إما لكونه كفر من هو مثله، وإما لأنه كفر من لا يكفره إلا كافر، يعتقد بطلان دين الإسلام. انتهى كلامه. وفي أكثر الوجوه أحدهما محمول على القائل. الحديث الخامس والسادس عن أبي ذر: قوله: ((إلا حار عليه)) ((نه)):في باب الحاء المهملة مع الراء حار عليه أي رجع عليه ما نسب إليه، انتهى كلامه. والمستثنى منه محذوف هو جواب الشرط، أي من دعا رجلا بالكفر باطلا، فلا يلحقه من قوله ذلك شيء إلا الرجوع عليه.

стр. 2501

٤٨١٨ - وعن أنس، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: ((المستبان ما قالا، فعلى البادئ ما لم يعتد المظلوم)) رواه مسلم. ٤٨١٩ - وعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: ((لا ينبغي لصديق أن يكون لعانا)).رواه مسلم. ٤٨٢٠ - وعن أبي الدرداء، قال: سمعت رسول الله ﷺ : ((إن اللعانين لا يكونون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة)) رواه مسلم. ٤٨٢١ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا قال الرجل: هلك الناس؛ فهو أهلكهم)) رواه مسلم, ــ ويجوز أن تكون ((من)) الاستفهامية. وفيه معنى الإنكار أي ما يفعل أحد هذه الفعلة في حالة من الأحوال إلا في هذه الحالة. الحديث السابع عن أنس ﵁: قوله: ((ما قالا)) يجوز أن تكون ((ما)) شرطية. وقوله: ((فعلى البادئ)) جزاؤه، أو موصولة و ((فعلى البادئ)) خبره، والجملة سببية. ومعناه: إثم ما قالاه على البادئ إذ لم يعتد المظلوم، فإذا تعدى فيكون عليهما، نعم إلا إذا تجاوز غاية الحد، فيكون إثم القولين عليه. ((حس)):من أربى الربا من سب سبتين بسبة. الحديث الثامن عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لا ينبغي لصديق)) حكم مرتب على الوصف المناسب، وذلك أن هذه الصفة تالية صفة النبوة؛ قال الله تعالى:﴾ فأولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ﴿والأنبياء إنما بعثوا رحمة للخلق مقربين البعيد والطريد إلى الله تعالى ورحمته، واللاعن طارد لهم وطالب لبعدهم منها، فاللعنة منافية لحاله. الحديث التاسع عن أبي الدرداء ﵁: قوله: ((لا يكونون شهداء)) يعني في قوله تعالى:﴾ وكذلك جعلناكم أمة وسطى لتكونوا شهداء على الناس ﴿والمراد بالوسط العدل، واللعنة سالبة للعدالة. ((ولا شفعاء)) أي لا تكون لهم مرتبة الشفاعة؛ لأنهم باللعنة أسقطوا مرتبتهم تلك من الأنبياء. الحديث العاشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((فهو أهلكهم)) ((نه)):يروى بفتح الكاف وضمها. فمن فتحها كان فعلا ماضيا، ومعناه أن الغالين الذين يؤيسون الناس من رحمة

стр. 2502

٤٨٢٢ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((تجدون شر الناس يوم القيامة ذا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه)) متفق عليه. ٤٨٢٣ - وعن حذيفة، قال: سمعت رسول الله ﷺ : يقول: ((لا يدخل الجنة قتات)).متفق عليه. وفي رواية مسلم: ((نمام)). ٤٨٢٤ - وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ((عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ومايزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا. وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا)) متفق عليه. وفي رواية لمسلم قال: ((إن الصدق بر، وإن البر يهدي إلى الجنة. وإن الكذب فجور، وإن الفجور يهدي إلى النار)). ــ الله يقولون: هلك الناس، أستوجبوا النار بسوء أعمالهم. فإذا قال الرجل ذلك فهو الذي أوجبه لهم، لا الله تعالى، أو هو الذي لما قال لهم ذلك وآيسهم، حملهم على ترك الطاعة والانهماك في المعاصي، فهو الذي أوقعهم في الهلاك. وأما الضم فمعناه أنه إذا قال لهم ذلك، فهو أهلكهم أي أكثرهم هلاكا. وهو الرجل يولع بعيب الناس ويذهب بنفسه عجبا. ويرى لهم عليه فضلا. وزاد في شرح السنة: روي معنى هذا عن مالك قال: فإذا قال ذلك عجبا بنفسه وتصاغرا للناس، فهو المكروه الذي نهي عنه، وإذا قال ذلك تحزنا لما يرى في الناس من أمر دينهم فلا أرى به بأسا. الحديث الثاني عشر عن حذيفة ﵁: قوله: ((قتات)) ((نه)):هو النمام، قت الحديث إذا زوه وهيأه وسواه. وقيل: النمام هو الذي يكون مع القوم يتحدثون فينم عليه، والقتات هو الذي يتسمع على القوم وهم لا يعلمون ثم ينم. قال الشيخ أبو حامد: قيل: النميمة مبنية على الكذب والحسد والنفاق، وهي أثافي الذل. فينبغي أن يبغض النمام ولا يوثق به وبصداقته. حكي أن حكيما زاره رجل وأخبره عن غيره بخبر، فقال: أبطلت زيارتي، ثم أتيتني بثلاث جنايات: بغضت إلى أخي، وشغلت قلبي الفارغ، واتهمت نفسك الأمينة. الحديث الثالث عشر عن عبد الله: قوله: ((صديقا)) هو من أبنية المبالغة، ونظيره: الضحيك، والمراد فرط صدقه وكثرة صدوره منه حتى يصدق قوله بالعمل. وإليه الإشارة بقوله تعالى:

стр. 2503

٤٨٢٥ - وعن أم كلثوم (﵂)،قالت: قال رسول الله ﷺ : ((ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس ويقول خيرا وينمي خيرا)) متفق عليه. ٤٨٢٦ - وعن المقداد بن الأسود (﵁)،قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوهم التراب)).رواه مسلم. ــ ﴾ والذي جاء بالصدق وصدق به ﴿.والتنكير في ((صديقا)) للتعظيم والتفخيم، أي ببلغ في الصدق إلى غايته ونهاينه، حتى يدخل به إلى زمرة الصديقين ويكتب عند الله منهم. ((مح)):ومعنى ((يكتب)) هنا يحكم له بذلك ويستحق الوصف بمنزلة الصديقين وثوابهم، أو صفة الكذابين وعقابهم، والمراد إظهار ذلك للمخلوقين، إما بأن يكتب اسمه بخط المصنفين في تصانيفهم به أو في الملأ الأعلى، ويلقى ذلك في قلوب الناس وألسنتهم حتى يوضع له القبول، أو البغضاء بقدر الله . الحديث الرابع عشر عن أم كلثوم: قوله: ((ليس الكذاب)) الكذاب اللام فيه إشارة إلى الكذاب المعهود الذي مر في الحديث السابق ونحوه، يعني الكذاب المذموم عند الله تعالى الممقوت عند المسلمين ليس من يصلح الذات البين، فإنه محمود عند الله تعالى وعندهم. فعلى هذا يجب أن يكون ((الكذاب)) مرفوعا على أنه اسم ((ليس)). وقوله: ((الذي يصلح)) خبره خلافا لمن زعم أن ((الكذاب)) خبر ((ليس)) و ((الذي)) اسمه. قوله: ((وينمي خيرا)) ((نه)): يقال نميت الحديث أنميه إذا بلغته على وجه الإصلاح وطلب الخير، فإذا بلغته على وجه الإفساد والنميمة. قلت: نميمته بالتشديد، هكذا قال أبو عبيدة وابن قتيبة وغيرهما من العلماء. وقال الحربي: نمى مشددة، وأكثر المحدثين يقولونها مخففة، وهذا لا يجوز، ورسول الله ﷺ لم يكن يلحن. ومن خفف لزمه أن يقول ((خير)) بالرفع. وهذا ليس بشيء، فإنه ينتصب بـ ((نمى)) كما انتصب بـ ((قال)).وكلاهما على زعمه لازمان. وإنما ((نمى)) متعد يقال: نميت الحديث أي رفعته وأبلغته. الحديث الخامس عشر عن المقداد ﵁: قوله: ((المداحين)) ((خط)):المداحون هم الذين اتخذوا مدح الناس عادة وجعلوه بضاعة يستأكلون به الممدوح، فأما من مدح الرجل على الفعل الحسن والأمر المحمود، يكون به ترغيبا له في أمثاله؛ وتحريضا للناس على الاقتداء في أشباهه فليس بمداح. ((حس)):قد استعمل المقداد الحديث على ظاهره في تناول عين التراب وحثه في وجه المادح. وقد يتناول على أن يكون معناه الخيبة والحرمان، أي من تعرض لكم بالثناء والمدح

стр. 2504

٤٨٢٧ - وعن أبي بكرة، قال: أثنى رجل على رجل عن النبي ﷺ ، فقال: ((ويلك قطعت عنق أخيك)) ثلاثا ((من كان منكم مادحا لا محالة فليقل: أحسب فلانا، والله حسيبه، إن كان يرى أنه كذلك، ولا يزكى على الله أحدا)).متفق عليه. ٤٨٢٨ - وعن أبي هريرة، ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: ((أتدرون ما الغيبة؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ((ذكرك أخاك بما يكره)).قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما ــ فلا تعطوه واحرموه. كني بالتراب عن الحرمان لقولهم: ما في يده غير التراب، كقوله ﷺ : إذا جاءك يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه ترابا)) وفي الجملة المدح والثناء على الرجل مكروه؛ لأنه قلما يسلم المادح عن كذب يقوله في مدحه، وقلما يسلم الممدوح من عجب يدخله. ((قض)):وقيل: معناه أعطوهم عطاء قليلا، فشبهه لقلته بالتراب، وإعطائه بالحثى على سبيل الترشيح وللمبالغة في تقليل العطاء والاستهانة بهم. الحديث السادس عشر عن أبي بكرة: قوله: ((قطعت عنق)) ((مح)):هذه استعارة من قطع العنق الذي هو القتل؛ لاشتراكهما في الهلاك، لكن هذا الهلاك في الدين، وقد يكون من جهة الدنيا. ((شف)) ((الله حسيبه)) يعني محاسبه على عمله الذي يحيط بحقيقة حاله ويعلم سره، وهي جملة اعتراضية. وقوله: ((وإن كان يرى أنه كذلك)) يتعلق بقوله: ((أحسب فلانا)).قوله: ((ولا يزكي على الله أحدا)) منع له عن الجزم وهو عطف على قوله: ((فليقل)) أي من كان منكم مادحا فليقل: أحسب فلانا كذا إن كان يرى أنه كذلك ولا يجزم بالمدح، ولا يزكي على الله أحدا بالجزم بمدحه. أقول: أحسب أن قوله: ((والله حسيبه)) من تتمة القول، وقوله: ((إن كان يرى)) الجملة الشرطية وقعت حالا من فاعل ((فليقل)) و ((على)) في ((على الله)) فيه معنى الوجوب والقطع. المعنى: فليقل: أحسب أن فلانا كيت وكيت والله يعلم سره فيما فعل، وهو يجازيه إن خيرا فخير وإن شرا فشر. ولا يقل: أتيقن أنه محسن، والله شاهد عليه على الجزم والقطع، وأن الله تعالى يجب عليه أن يفعل به كذا وكذا. ويقابله قوله ﷺ : ((إذا دعا أحدكم فليقل: اللهم اغفر لي ما شئت، ولكن ليعزم وليعظم الرغبة)). ((ولا يزكي)) جاء بإثبات الياء إخبار في معنى النهي، أي لا تكن منكم التزكية على الله.

стр. 2505

أقول؟ قال: ((إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته)) ررواه مسلم. وفي رواية: ((إذا قلت لأخيك ما فيه فقد اغتبته، وإذا قلت ما ليس فيه فقد بهته)). ٤٨٢٩ - وعن عائشة (﵂)،أن رجلا استأذن على النبي ﷺ : فقال: ((ائذنوا له، فبئس أخو العشيرة)) فلما جلس تطلق النبي ﷺ في وجهه وانبسط إليه .. فلما انطلق الرجل قالت عائشة: يا رسول الله! قلت له: كذا وكذا، ثم تطلقت في وجهه، وانبسطت إليه. فقال رسول الله ﷺ : ((متى عاهدتني فحاشا؟ إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره)).وفي رواية: ((اتقاء فحشه)) متفق عليه. ــ الحديث السابع عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((ذكرك أخاك بما يكره)) ((مح)):اعلم أن الغيبة من أقبح القبائح وأكثرها انتشارا بين الناس، حتى لا يسلم منها إلا القليل من الناس. وذكرك فيه بما يكرهه عام، سواء كان في بدنه، أو دينه، أو دنياه، أو نفسه، أو خلقه، أو ماله، أو ولده، أو والده، أو زوجه، أو غلامه، أو خادمه، أو ثوبه، أو مشيه، وحركته، وبشاشته، وعبوسته، وطلاقته، أو غير ذلك مما يتعلق به، سواء ذكرته بلفظك أو كتابتك، أو رمزت أو أشرت إليه بعينك أو يدك أو رأسك ونحو ذلك. وضابطه أن كل ما أفهمت به غيرك نقصان مسلم، فهو غيبة محرمة، ومن ذلك المحاكاة بأن تمشي متعارجا أو مطأطئا، أو غير ذلك من الهيئات مريدا حكاية هيئة من تنتقصه بذلك. الحديث الثامن عشر عن عائشة ﵂: قوله: ((فبئس أخو العشيرة)) كقولك: ((يا أخا العرب)) لرجل منهم ((مح)):العشيرة القبيلة أي بئس هذا الرجل من هذه العشيرة، واسم هذا الرجل عيينة بن حصين. ولم يكن أسلم حينئذ وإن كان قد أظهر الإسلام، فأراد النبي ﷺ أن يبين حاله؛ ليعرفه الناس ولا يغتر به من لم يعرف بحاله. وكان منه في حياة النبي ﷺ وبعده ما دل على ضعف إيمانه، ووصف النبي ﷺ بأنه بئس أخو العشيرة من أعلام النبوة؛ لأنه ظهر كما وصف، وإنما ألان له القول تألفا له ولأمثاله على الإسلام. وفيه مدارة من يتقي فحشه وجواز غيبة الفاسق. ((حس)):فيه دليل على أن ذكر الفاسق بما فيه، ليعرف أمره فيتقي، لا يكون من الغيبة. ولعل الرجل كان مجاهرا بسوء أفعاله، ولا غيبة لمجاهر. قوله: ((إن شر الناس)) استئناف كالتعليل لقوله: ((متى عاهدتني فحاشا)) وهو إنكار على

стр. 2506

٤٨٣٠ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((كل أمتي معافي إلا المجاهرون، وإن من المجانة أن يعمل الرجل عملا بالليل ثم يصبح قد ستره الله. فيقول: يا فلان! عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه)) متفق عليه. وذكر أبي هريرة: ((من كان يؤمن بالله)) في ((باب الضيافة)) الفصل الثاني ٤٨٣١ - عن أنس، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من ترك الكذب ــ عائشة ﵂ قولها: إنك خالفت بين الغيبة والحضور، فلم لم تذمه في الحضور كما ذممته في الغيبة؟،فقال: متى عاهدتني فحاشا. وإنما تركته اتقاء شره)). الحديث التاسع عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((معافي)) ((مح)): ((معافاة)) بالهاء في آخره، هكذا هو معظم النسخ والأصول المعتمدة، انتهى كلامه. وفي نسخ المصابيح ((معافي)) بلا هاء، وعلى هذا ينبغي أن يكتب ألفه بالياء فيكون مطابقا للفظه؛ كما ورد: ((كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته)). قوله: ((إلا المجاهرون)) كتب مرفوعا في نسخ المصابيح، وحقه النصب على الاستثناء. ((شف)):هو مستثنى من قوله: ((معافي)) وهو في معنى النفي، أي كل أمتى لا ذنب عليهم إلا المجاهرون. وأورد الحافظ أبو موسى في مجموعة المغيث: ((إلا المجاهرون)) بالنصب على الأصل، وهكذا أورده في النهاية. أقول: والأظهر أن يقال: كل أمتي يتركون الغيبة إلا المجاهرون، كما ورد: ((من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له)).والعفو بمنع الترك. وفيه معنى الترك. وفيه معنى النفي، نحوه قوله تعالى:﴾ ويأبى الله إلا أن يتمم نوره ﴿،والمجاهرون هم الذين جاهروا بمعاصيهم وأظهروها، وكشفوا ما ستر الله عليهم فيتحدثون به، يقال: جهر وجاهر وأجهر. ((مح)):ومن الذين يجوز بهم الغيبة المجاهر بفسقه أو بدعته، فيجوز ذكره بما يجاهر به ولا يجوز لغيره. قوله: ((وإن من المجانة)) الجوهري: المجون والمجانة أن لا يبالي الإنسان بما صنع، يقال مجن بالفتح يمجن بالضم مجونا ومجانة فهو ماجن.

стр. 2507

وهو باطل بني له في ربض الجنة، ومن ترك المراء وهو محق بني له في وسط الجنة، ومن حسن خلقه بنى له في أعلاها)).رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن. وكذا في ((شرح السنة)).وفي ((المصابيح)) قال: غريب. [٤٨٣١] ٤٨٣٢ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أتدرون ما أكثر ما يدخل ــ الفصل الثاني الحديث الأول عن أنس ﵁: قوله: ((في ربض الجنة)) ((نه)):وهو بفتح الباء ما حولها خارجا عنها؛ تشبيها بالأبنية التي تكون حول المدن وتحت القلاع. قوله: ((من ترك الكذب)) قيل: أي من ترك الكذب في قوله طوعا وإرادة واتباع للصدق، ورأي أن الصدق أحق أن يتبع، والكذب باطل لا يجوز اتباعه. والتفوه به كالتأكيد والمبالغة في وجوب ترك الكذب، وهو جملة اعتراضية وقعت بين الجزاء والشرط كالبيان، أي الكذب باطل في الواقع لا يكون حقا. والباطل اسم جامع لما لا يحل. فقيل: معناه من ترك الكذب- والحال أنه باطل- لا يكون له ولا لغيره مصلحة فيه، كما ذكر في مرخصات الكذب من الحرب، وإصلاح ذات البين، والمعاريض، وغيرها فتكون جملة حالية. قوله: ((ومن ترك المراء)) أي الجدال والمماراة والمجادلة. وقوله: ((وهو محق)) أي في ذلك الجدال فتركه كسرا لنفسه كيلا يرتفع على خصمه، وأن لا يظهر فضله عليه، فتواضع في ذلك مع كونه محقا فيه، بنى لهبيت في وسط الجنة. أقول: لا شك أن قوله: ((وهو محق)) حال من فاعل ((ترك)) وقع تتميما للمعنى ومبالغة. وقوله: ((من ترك الكذب وهو باطل)) قرينة له فينبغي مراعاة هذه الدقيقة. فالمعنى: من ترك الكذب، والحال أنه عالم ببطلانه في أمور الدين، لكن سنح له فيه منفعة دنيوية، فيتركها كسرا لهواه وإيثارا لرضى الله على رضاه، بنى له بيت في ربض الجنة. ولما كانت مكارم الأخلاق متضمنة لترك رذائلها وللإتيان بمحاسنها، عقبهما بقوله: ((ومن حسن خلقه)) تحلية بعد التحلية. قال الشيخ أبو حامد: المراء الاعتراض على كلام الغير بإظهار خلل فيه إما لفظا أو معنى أو في قصد التكلم، وترك المراء بترك الإنكار والإعراض. فكل كلام سمعته فإن كان حقا فصدق به، وإن كان باطلا ولم يكن متعلقا بأمور الدين فاسكت عنه. الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((تقوى القلوب)) إشارة إلى حسن المعاملة

стр. 2508

الناس الجنة؟ تقوى الله، وحسن الخلق، أتدرون ما أكثر ما يدخل الناس النار؟ الأجوفان: الفم والفرج)).رواه الترمذي وابن ماجه. [٤٨٣٢] ٤٨٣٣ - وعن بلال بن الحارث، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الرجل ليتكلم بالكلمة من الخير ما يعلم مبلغها يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه. وإن الرجل ليتكلم بالكلمة الشر ما يعلم مبلغها يكتب الله بها عليه سخطه إلى يوم يلقاه)) رواه في ((شرح السنة)).وروى مالك، والترمذي، وابن ماجه ونحوه. [٤٨٣٣] ٤٨٣٤ - وعن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ ــ مع الخالق، بأن يأتي جميع ما أمر به وينتهي عما نهى عنه. وحسن الخلق إشارة إلى حسن المعاملة مع الخلق. وهاتان الخصلتان موجبتان لدخول الجنة ونقيضهما لدخول النار، فأوقع الفم والفرج مقابلا لهما. أما الفم فمشتمل على اللسان، وحفظه ملاك أمر الدين كله، وأكل الحلال رأس التقوى كله. وأما الفرج فصونه من أعظم مراتب الدين، قال تعالى:﴾ والذين هم لفروجهم حافظون ﴿؛ لأن هذه الشهوة أغلب الشهوات على الإنسان، وأعصاها عند الهيجان على العقل، ومن ترك الزنا خوفا من الله تعالى، مع القدرة، وارتفاع الموانع، وتيسير الأسباب- لاسيما عند صدق الشهوة- وصل إلى درجة الصديقين، قال تعالى:﴾ وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فإن الجنة هي المأوى ﴿.وقصة الرشيد في تعليق طلاق زبيدة مشهورة. ومعنى الأكثرية في القرينتين أن أكثر أسباب السعادة الأبدية الجمع بين هاتين الخلتين، وأن أكثر أسباب الشقاوة الجمع بين هاتين الخلتين. الحديث الثالث عن بلال ﵁: قوله: ((يكتب الله بها رضوانه)) فإن قلت: ما معنى قوله: ((يكتب الله له بها رضواته))،وما فائدة التوقيت إلى يوم يلقاه؟ قلت: معنى ((كتب رضوانه)):توفيقه لما يرضى الله تعالى من الطاعات والمسارعات إلى الخيرات، فيعيش في الدنيا حميدا، وفي البرزخ يصان من عذاب القبر، ويفسح له قبره ويقال له: ((نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه)) ويحشر يوم القيامة سعيدا، ويظله الله

стр. 2509

((ويل لمن يحدث فيكذب ليضحك به القوم، ويل له، ويل له)).رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود، والدرامي. [٤٨٣٤] ٤٨٣٥ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن العبد ليقول الكلمة لا يقولها إلا ليضحك به الناس، يهوى بها أبعد ما بين السماء والأرض، وإنه ليزل على لسانه أشد مما يزل عن قدمه)).رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [٤٨٣٥] ٤٨٣٦ - وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من صمت نجا)).رواه أحمد، والترمذي، والدرامي، والبيهقي في ((شعب الإيمان)). [٤٨٣٦] ــ تعالى في ظله، قم يلقي بعد ذلك من الكرامة والنعيم المقيم في الجنة، ثم يفوز بلقاء الله ما دون ذلك دونه. وفي عكسه قوله: ((يكتب الله بها عليه سخطه)) ونظيره قوله تعالى لإبليس:﴾ إن عليك لعنتي إلى يوم الدين ﴿. الحديث الرابع والخامس عن أبي هريرة: قوله: ((إلا ليضحك بها)) استثناء، من أعم عام الغرض، أي يكون غرضه منحصرا فيه ولا يتجاوز عنه. قال الشيخ أبو حامد في الإحياء: وكان رسول الله صلى اله عليه وسلم، يمزح ولا يقول إلا حقا، ولا يؤذي قلبا ولا يفرط فيه. فإن كنت أيها السامع تقتصر عليه أحيانا وعلى الندور فلا حرج عليك فيه، ولكن من الغلط العظيم أن يتخذ الإنسان من المزاح حرفة، يواظب عليه ويفرط فيه، ثم يتمسك بفعل رسول الله صلى اله عليه وسلم، وهو كمن يدور مع الزنوج أبدا لينظر رقصهم، ويتمسك بأن رسول الله ﷺ أذن لعائشة ﵂ في النظر إليهم وهم يلعبون. انتهى كلامه. وقوله: ((إنه ليزل عن لسانه)) تمثيل بعد تمثيل، مثل أولا مضرته منها في جاهه وسقوطه من منزلته عند الله تعالى، بمن سقط من أعلى مكان إلى أدناه، قم مثل ثانيا مضرته بها في نفسه، وما يلحقه من المشقة والتعب بمن يتردد في وحل عظيم فيدحض قدماه في تلك المزالق فلا يتخلص منها. الحديث السادس عن عبد الله بن عمرو ﵄: قوله: ((من صمت نجا)):الصمت

стр. 2510

٤٨٣٧ - وعن عقبة بن عامر، قال: لقيت رسول الله ﷺ ، فقلت: ما النجاة، فقال: ((أملك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك)) رواه أحمد، والترمذي. [٤٨٣٧] ــ أبلغ من السكوت؛ لأنه قد يستعمل فيما لا قوة له للنطق وفيما له قوة النطق؛ ولهذا قيل لما لا نطق له ((الصامت والمصمت)) والسكوت يقال لما له نطق فيترك استعماله. قال الشيخ أبو حامد: ((اعلم أن ما ذكره ﷺ من فصل الخطاب وجوامع الكلم وجواهر الحكم. ولا يعرف أحد ما تحت كلماته من بحار المعاني، إلا خواص العلماء؛ وذلك أن خطر اللسان عظيم وآفاته كثيرة من الخطأ، والكذب، والنميمة، والغيبة، والرياء، والنفاق، والفحش، والمراء، وتزكية النفس، والخوض في الباطل، وغير ذلك. ومع ذلك النفس مائلة إليها؛ لأنها سباقة إلى اللسان لا تثقل عليه ولها حلاوة في القلب، وعليها بواعث من الطبع ومن الشيطان. فالخائض فيها قلما يقدر على أن يزم اللسان، فيطلقه بما يحب ويكفه عما لا يحب، ففي الخوض خطر وفي الصمت سلامة، مع ما فيه من جمع الهم، ودوام الوقار، والفراغة للفكر، والعبادة، والذكر، والسلامة من تبعا القول في الدنيا، ومن حسابه في الآخرة. وقد قال تعالى:﴾ ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ﴿. ويدلك على لزوم الصمت أمر، وهو أن الكلام أربعة أقسام: قسم هو ضرر محض، وقسم هو نفع محض وقسم فيه ضرر ومنفعة لا تفي بالضرر. وأما ما لا منفعة فيه ولا ضرر، فهو فضول والاشتغال به تضييع للزمان، وهو عين الخسران ظاهرا، فلا يبقى إلا القسم الرابع، وفيه خطر؛ إذ قد يمتزج به ما فيه إثم من دقائق الرياء والتصنع والغيبة وتزكية النفس وفضول الكلام امتزاجا يخفي مدركه فيكون به الإنسان مخاطرا. الحديث السابع عن عقبة: قوله: ((أملك عليك لسانك)) ((نه)):أي لا تجره إلا بما يكون لك لا عليك، وعن بعضهم: أي اجعل لسانك مملوكا لك فيما عليك وباله وتبعته، وأمسكه عما يضرك، وأطلقه عما ينفعك، انتهى كلامه. وهذا الجواب من باب الأسلوب الحكيم، سأل عن حقيقة النجاة، فأجاب عن سببه؛ لأنه أهم بحاله وأولى، وكان من الظاهر أن يقول: حفظ اللسان، فأخرجه على سبيل الأمر الذي يقتضي الوجوب مزيدا للتقرير والاهتمام. وقوله: ((وليسعك بيتك)) الأمر في الظاهر وارد على البيت، وفي الحقيقة على المخاطب،

стр. 2511

٤٨٣٨ - وعن أبي سعيد، رفعه، قال: ((إذا أصبح ابن آدم، فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان، فتقول: اتق الله فينا، فإنا نحن بك، فإن استقمت اسقمنا، وإن اعوججت اعوججنا)) رواه الترمذي. [٤٨٣٨] ٤٨٣٩ - وعن علي بن الحسين (﵄) قال: قال رسول الله ﷺ : ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)).روام مالك، وأحمد. [٤٨٣٩] ــ أي تعرض لما هو سبب اللزوم البيت من الاشتغال بالله والمؤانسة بطاعته والخلوة عن الأغيار. وضمن ((بكى)) معنى الندامة، وعداه بـ ((علي)) أي اندم على خطيئتك باكيا. الحديث الثامن عن أبي سعيد: قوله: ((تكفر)) ((نه)):أي تذل وتخضع، والتكفير هو أن ينحني الإنسان ويطأطئ رأسه قريبا من الركوع كما يفعل من يريد تعظيم صاحبه، قال عمرو بن كلثوم. نكفر باليدين إذا التقينا ونلقى من مخافتنا عصاكا انتهى كلامه. وقوله: ((فإنا نحن بك)) أي نحن نستقيم ونعوج بك يدل على التفصيل. فإن قلت: كيف التوفيق بين هذا الحديث وبين قوله ﷺ : ((إن في الجسد لمضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت، فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)).قلت: اللسان ترجمان القلب وخليفته في ظاهر البدن، فإذا أسند إليه الأمر يكون على سبيل المجاز في الحكم كما في قولك: شفي الطبيب المريض. قال الميداني في قوله: ((المرأ بأصغريه)) يعني بهما القلب واللسان أي تقوم معانيه بيهما ويكمل بهما. وأنشد الزهير: وكأين ترى من صامت لك معجب زيادته أو نقصانه في التكلم لسان الفتى نصف ونصف فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم والدم الحديث التاسع عن علي ﵁: قوله: ((ما لا يعنيه)) ((نه)):أي لا يهمه ويقال: عنيت بحاجته أعني بها، وأنا بها معنى، وعنيت به فأنا عان، والأول أكثر أي اهتممت بها واشتغلت، وعن بعضهم ((من)) في قوله: ((من حسن إسلام المرء)) تبعيضية، ويجوز أن تكون بيانية. أقول: على أن تكون تبعيضية إشارة إلى قوله ﷺ : ((الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)) بعد ذكر الإيمان والإسلام، وأنت تعلم أن التحلية مسبوقة بالتخلية،

стр. 2512

٤٨٤٠ - ورواه ابن ماجه، عن أبي هريرةز [٤٨٤٠] ٤٨٤١ - والترمذي، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) عنهما. [٤٨٤١] ٤٨٤٢ - وعن أنس، قال: توفي رجل من الصحابة، فقال رجل: أبشر بالجنة. فقال رسول الله ﷺ : ((أولا تدري، فلعله تكلم فيما لا يعنيه، أو بخل بما لا ينقصه)).رواه الترمذي. [٤٨٤٢] ــ فالترك بعض من الإحسان، فيكون إشارة إلى الانسلاخ عما يشغله عن الله تعالى. فإذا أخذ السالك في السلوك تجرد بحسب أحواله ومقاماته شيئا فشيئا، مما لا يعنيه إلى أن يتجرد عن جميع أوصافه ويتوجه بذاته إلى الله تعالى, وإليه يلمح قوله تعالى:﴾ بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن ﴿وقول إبراهيم ﵇: ((أسلمت لرب العالمين)) إذ قال له ربه أسلم. ((مح)):هو أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام. قال أبو داود: وهي أربعة: الأول: حديث نعمان بن بشير: ((الحلال بين والحرام بين)).والثاني ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)).والثالث: ((لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) والرابع: ((إنما الأعمال بالنيات)).وقيل بدل الثالث: ((ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس)).وأنشد الإمام الشافعي ﵁ في معناه: عمدة الخير عندنا كلمات أربع قالهن خير البرية اتق الشبهات وازهد ودع ما ليس يعنيك واعملن بنية قال الشيخ أبو حامد: وحد ما لا يعنيك في الكلام أن تتكلم بكل ما لو سكت عنه لم تأثم ولم تتضرر في حال ولا مال؛ فإنك به مضيع زمانك ومحاسب على عمل لسانك، إذ تستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير؛ لأنك لو صرفت زمان الكلام في الفكر والذكر، ربما ينفتح لك من نفحات رحمة الله تعالى ما يعظم جدواه. ولو سبحت الله تعالى بنى لك بها قصرا في الجنة. ومن قدر على أن يأخذ كنزا من الكنوز فأخذ بدله مدرة لا ينتفع بها، كان خاسرا خسرانا مبينا. الحديث العاشر عن أنس ﵁: قوله: ((أولا تدري)) الواو فيه عطف على محذوف،

стр. 2513

٤٨٤٣ - وعن سفيان بن عبد الله الثقفي، قال: قلت يا رسول الله! ما أخوف ما تخاف علي؟ قال: فأخذ بلسان نفسه وقال: ((هذا)).رواه الترمذي، وصححه. [٤٨٤٣] ٤٨٤٤ - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا كذب العبد تباعد عنه الملك ميلا من نتن ما جاء به)) رواه الترمذي. [٤٨٤٤] ٤٨٤٥ - وعن سفيان بن أسيد الحضرمي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثا هو لك به مصدق وأنت به كاذب)).رواه أبو داود. [٤٨٤٥] ــ أي تكلم بهذا ولا تدري! فلعله قال في الإحياء: معناه: أنه إنما يهنأ بالجنة من لا يحاسب، ومن تكلم فيما لا يعنيه حوسب عليه. فإن كان كلاما مباحا، فربما لا تتهيأ له الجنة مع المناقشة في الحساب، فإنه نوع من العذاب. وقوله: ((يبخل بما لا ينقصه)) يعم جميع ما ينقص بالبذل والإبتاء من المال والمسائل العلمية. الحديث الحادي عشر عن سفيان: قوله: ((ما أخوف)) هو نحو أشهر وألوم وأشغل، بني للمفعول. و ((ما)) في ((ما تخاف)) يجوز أن تكون موصولة أو موصوفة، أو تكون مصدرية على طريقة: جد جده وجن جنونه، وخشيت خشيته. وإنما أسند ﷺ شدة خوفه على أمته في سائر الأخبار إلى اللسان؛ لأنه أعظم الأعضاء عملا؛ إذ ما من طاعة ولا معصيى إلا وله فيها مجال. فالإيمان والكفر يتبين بشهادة اللسان، وهما غاية الطاعة والطغيان، فمن أطلق عذبة اللسان وأصله مرخي العنان، سلك به الشيطان في كل ميدان، وساقه إلى شفا جرف هار إلى أن يضطره إلى البوار، ولا يكب الناس على مناخرهم إلا حصاد ألسنتهم، ولا ينجي من شره إلا أن يقيد بلجام الشرع. وعلم ما يحمد إطلاق اللسان فيه أو يذم، غامض عزيز، والعمل بمقتضاه على من عرفه ثقيل عسير، كذا قاله في الإحياء. الحديث الثاني عشر عن ابن عمر ﵄: قوله: ((تباعد عنه الملك)) وإذا كان الملك يتأذى ويتباعد من نتن نحو البصل والثوم، فلأن يتأذى ويتباعد من الكذب أولى. الحديث الثالث عشر عن سفيان: قوله: ((أن تحدث أخاك)) هو فاعل ((كبرت)) وأنت الفعل باعتبار المعنى؛ لأنه نفس الخيانة. وفيه معنى التعجب كما في قوله تعالى:﴾ كبر مقتا عند

стр. 2514

٤٨٤٦ - وعن عمار، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من كان ذا وجهين في الدنيا، كان له يوم القيامة لسانان من نار)).رواه الدرامي. [٤٨٤٦] ٤٨٤٧ - وعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليس المؤمن بالطعان، ولا باللعان، ولا الفاحش، ولا البذيء)) رواه الترمذي، والبيهقي في ((شعب الإيمان)).وفي أخرى له: ((ولا الفاحش البذيء)).وقال الترمذي: هذا حديث غريب. [٤٨٤٧] ٤٨٤٨ - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يكون المؤمن لعانا)).وفي رواية: ((لا ينبغي للمؤمن أن يكون لعانا)).رواه الترمذي. [٤٨٤٨] ٤٨٤٩ - وعن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تلاعنوا بلعنة الله، ولا بغضب الله، ولا بجهنم)).وفي رواية ((ولا بالنار)).رواه الترمذي، وأبو داود. [٤٨٤٩] الله ﴿الكشاف: هذا من أفصح الكلام وأبلغه في معناه، قصد في كبر التعجب من غير لفظه، ومعنى التعجب تعظيم الأمر في قلوب السامعين؛ لأن التعجب لا يكون إلا من شيء خارج عن نظائره وأشكاله، انتهى كلامه. والمعنى: خيانة عظيمة منك إذا حدثت أخاك المسلم بحديث كذب، وهو يعتمد عليك، ويثق بقولك، وظن بك أنك مسلم لا تكذب، فيصدقك، والحال أنك كاذب. الحديث الرابع عشر إلى السابع عشر عن سمرة: قوله: ((لا تلاعنوا)) أي لا تدعو الناس بما يبعدهم من الله تعالى ومن رحمته، إما صريحا كما تقولون: لعنة الله عليه. أو كناية كما تقولون: عليه غضب الله، أو أدخله الله النار. فقوله: ((لا تلاعنوا)) من باب عموم المجاز؛ لأنه في بعض أفراده حقيقة وفي بعضه مجاز. وهذا مختص بمعين؛ لأنه يجوز اللعن بالوصف الأعم

стр. 2515

٤٨٥٠ - وعن أبي الدرداء، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن العبد إذا لعن شيئا صعدت اللعنة إلى السماء، فتغلق أبواب السماء دونها، ثم تهبط إلى الأرض فتغلق أبوابها دونها، ثم تأخذ يمينا وشمالا، فإذا لم تجد مساغا رجعت إلى الذي لعن، فإن كان لذلك أهلا، وإلا رجعت إلى قائلها)) رواه أبو داود. [٤٨٥٠] ٤٨٥١ - وعن ابن عباس، أن رجلا نازعته الريح رداءه فلعنها. فقال رسول الله ﷺ : ((لا تلعنها فإنها مأمورة، وإنه من لعن شيئا ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه)).رواه الترمذي، وأبو داود. [٤٨٥١] ٤٨٥٢ - وعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يبلغني أحد من أصحابي عن أحد شيئا، فإني أحب أن أخرج إليكم سليم الصدر)).رواه أبو داود. [٤٨٥٢] ٤٨٥٣ - وعن عائشة، قالت: قلت للنبي ﷺ : حسبك من صفية كذا وكذا- تعني قصيرة- فقال ((لقد قلت كلمة لو مزج بها البحر لمزجته)).رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود. [٤٨٥٣] ــ كقوله: لعنة الله على الكافرين، أو بالأخص كقوله: لعنة الله على اليهود، أو على كافر معين مات على الكفر، كفرعون وأبي جهل. الحديث الثامن عشر إلى العشرين عن ابن مسعود: قوله: ((شيئا)) عام في الأفعال والأقوال مما يكرهه ويورث الغش في صدره- ﷺ من أحد أصحابه؛ لقوله: ((أن أخرج إليكم سليم الصدر)). الحديث الحادي والعشرون عن عائشة ﵂: قوله: ((لو مزج بها البحر)) ((تو)):قد حرفت ألفاظ هذا الحديث في المصابيح، والصواب ((لو مزجت بالبحر لمزجته)).أقول: قد ورد هذا الحديث كما في المصابيح والمتن في نسخة مصححة من سنن أبي دواد. ولعل التخطئة

стр. 2516

٤٨٥٤ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما كان الفحش في شيء إلا شانه، وما كان الحياء في شيء إلا زانه)) رواه الترمذي. [٤٨٥٤] ٤٨٥٥ - وعن خالد بن معدان عن معاذ، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من عير أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله)) –يعني من ذنب قد تاب عنه- رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب وليس إسناده بمتصل، لأن خالدا لم يدرك معاذ بن جبل. [٤٨٥٥] ٤٨٥٦ - وعن واثلة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تظهر الشماتة لأخيك فيرحمه الله ويبتليك)).رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب. [٤٨٥٦] ــ لأجل الدراية لا الرواية؛ إذ لا يقال: مزج بها البحر، بل مزجت بالبحر. ويمكن أن يقال: إن المزج والخلط يستدعيان الامتزاج والاختلاط، وكل من الممتزجين يمتزج بالآخر؛ قال الله تعالى:﴾ فاختلط به نبات الأرض ﴿،الكشاف: وكان حق اللفظ: فاختلط بنبات الأرض. ووجه صحته: أن كل مختلطين موصوف كل واحد منهما بصفة صاحبه على أن هذا التركيب أبلغ؛ لأنه حينئذ من باب ((عرضت الناقة على الحوض)). ((قض)):المزج الخلط والتغيير بضم غيره إليه والمعنى أن هذه الغيبة لو كانت مما يمزج بالبحر، لغيرته من حاله مع كثرته وغزارته، فكيف بأعمال نزر خلطت بها؟ الحديث الثاني والعشرون عن أنس ﵁: قوله: ((في شيء)) فيه مبالغة، أي لو قدر أن يكون الفحش أو الحياء في جماد لزانه أو شانه، فكيف الإنسان؟ الحديث الثالث والعشرون والرابع والعشرون عن واثلة: قوله: ((لا تظهر الشماتة)) الشماتة الفرح ببلية من تعاديه ويعاديك. يقال: شمت به فهو شامت وأشمت الله به العدو. وقوله: ((فيرحمه الله)) أي يرحمه رغما لأنفك ويبتليك؛ حيث زكيت نفسك ورفعت منزلتك عليه، نحوه قوله ﷺ في قول من قال لصاحبه: والله لا يغفر الله لك أبدا: ((فقال الله تعالى للمذنب: ادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: أتستطيع أن تحظر على عبدي رحمتي)) الحديث. وقوله: ((فيرحمه الله)) نصب جوابا للنهي. وقوله: ((ويبتليك)) عطف عليه.

стр. 2517

٤٨٥٧ - وعن عائشة قالت: قال النبي ﷺ : ((ما أحب أني حكيت أحدا وأن لي كذا وكذا)) رواه الترمذي وصححه. [٤٨٥٧] ٤٨٥٨ - وعن جندب، قال: جاء أعرابي، فأناخ راحلته، ثم علقها، ثم دخل المسجد فصلى خلف رسول الله ﷺ ، فلما سلم أتى راحلته فأطلقها، ثم ركب، ثم نادى: اللهم ارحمني ومحمدا ولا تشرك في رحمتنا أحدا. فقال رسول الله ﷺ : ((أتقولون هو أضل أم بعيره؟ ألم تسمعوا ما قال؟)) قالوا: بلى. رواه أبو داود. [٤٨٥٨] وذكر حديث أبي هريرة: ((كفي بالمرء كذبا)) في ((باب الاعتصام)) في الفصل الأول. الفصل الثالث ٤٨٥٩ - عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا مدح الفاسق غضب الرب تعالى، واهتز له العرش)) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [٤٨٥٩] ــ الحديث الخامس والعشرون عن عائشة ﵂: قوله: ((حكيت أحدا)) ((نه)):أي فعلت مثل فعله. يقال حكاه وحاكاه، وأكثر ما يستعمل في القبيح المحاكاة. ((مح)):ومن الغيبة المحرمة المحاكاة. بأن يمشي متعارجا أو مطأطئا رأسه، أو غير ذلك من الهيئات كما مر. قوله: ((وأن لي كذا وكذا)) جملة حالية واردة على التتميم والمبالغة، أي ما أحب أن أحاكي أحدا ولو أعطيت كذا وكذا من الدنيا. الحديث السادس والعشرون عن جندب ﵁: قوله: ((أتقولون)) أي تظنون؟ ((نه)):في الحديث: ((فقال البر تقولون بهن)) أي تظنون وترون أنهن أردن البر؟ انتهى كلامه. يعني أيدور هذا التردد في ظنكم؟ ولا يقول ما قال إلا جاهل بالله وبسعة رحمته حيث يحجر الواسع والله أعلم. الفصل الثالث الحديث الأول عن أنس ﵁: قوله: ((اهتز له العرش)) اهتزاز العرش عبارة عن وقوع أمر عظيم وداهية دهياء؛ لأن فيه رضى بما فيه سخط الله وغضبه، بل يقرب أن يكون كفرا؛ لأنه يكاد أن يفضي إلى استحلال ما حرمه الله تعالى، وهذا هو الداء العضال لأكثر

стр. 2518

٤٨٦٠ - وعن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب)) رواه أحمد. [٤٨٦٠] ٤٨٦١ - والبيهقي في ((شعب الإيمان)) عن سعد بن أبي وقاص. [٤٨٦١] ــ العلماء والشعراء، والقراء والمرائين في زماننا هذا. وإذا كان هذا حكم من مدح الفاسق، فكيف بمن مدح الظالم وركن إليه ركونا؟ وقد قال تعالى:﴾ ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ﴿الكشاف: النهي متناول للانحطاط في هواهم، والانقطاع إليهم، ومصاحبتهم، ومجالستهم، وزيارتهم، ومداهتمهم، والرضى بأعمالهم، ووالتشبه بهم، والتزيي بزيهم، ومد العين إلى زهرتهم، وذكرهم بما فيه تعظيم لهم. ولما خالط الزهري السلاطين، كتب إليه أخ له في الدين: ((عافانا الله وإياكم أبا بكر من الفتن، فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك أن يدعو لك الله ويرحمك، أصبحت شيخا كبيرا، وقد أثقلتك نعم الله بما فهمك من كتابه وعلمك من سنة نبيه، وليس كذلك أخذ الله الميثاق على العلماء، قال تعالى:﴾ لتبيننه للناس ولا تكتمونه ﴿. واعلم أن أيسر ما ارتكبت وأخف ما احتملت أنك آنست وحشة الظالم، وسهلت سبيل الغي بدنوك لمن لم يؤد حقا ولم يترك باطلا حين أدناك، واتخذوك قطبا تدور عليك رحى باطلهم، وجسرا يعبرون عليك إلى بلائهم، وسلما يصعدون فيك إلى ضلالهم، يدخلون الشك بك على العلماء، ويقتادون بك قلوب الجهلاء، فما أيسر ما عمروا لك في جنب ما خربوا عليك، وما أكثر ما أخذوا منك فيما أفسدوا عليك من دينك. فما يؤمنك أن تكون ممن قال الله تعالى فيهم:﴾ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشبهات فسوف يلقون غيا ﴿،فإنك تعامل من لا يجهل ويحفظ عليك من لا يغفل، فداو دينك، فقد دخله سقم، وهيئ زادك، فقد حضر السفر البعيد، وما يخفي على الله من شيء في الأرض ولا في السماء، والسلام. الحديث الثاني عن أبي أمامة ﵁: قوله: ((يطبع عليها)) ((نه)):أي يخلق عليها.

стр. 2519

٤٨٦٢ - وعن صفوان بن سليم، أنه قيل لرسول الله ﷺ : أيكون المؤمن جبانا؟ قال: ((نعم)) فقيل له: أيكون المؤمن بخيلا؟ قال: ((نعم)).فقيل: أيكون المؤمن كذابا؟ قال: ((لا)).رواه مالك والبيهقي في ((شعب الإيمان)) مرسلا. [٤٨٦٢] ٤٨٦٣ - وعن ابن مسعود، قال: ((إن الشيطان ليتمثل في صورة الرجل، فيأتي القوم فيحدثهم بالحديث من الكذب فيتفرقون؛ فيقول الرجل منهم: سمعت رجلا أعرف وجهه ولا أدري ما اسمه يحدث)) رواه مسلم. ٤٨٦٤ - وعن عمران بن حطان، قال: أتيت أبا ذر فوجدته في المسجد محتبيا بكساء أسود وحده. فقلت: يا أبا ذر! ما هذه الوحدة؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((الوحدة خير من جليس السوء، والجليس الصالح خير من الوحدة وإملاء الخير خير من السكوت، والسكوت خير من إملاء الشر)). [٤٨٦٤] ــ والطباع ما ركب في الإنسان من جميع الأخلاق التي لا يكاد يزاولها من الخير والشر، انتهى كلامه. وإنما كانت الخيانة والكذب منافيين لحاله؛ فإن الإيمان إفعال من الأمن وحقيقته آمنه التكذيب والمخالفة؛ ولأنه حامل أمانة الله تعالى، فينبغي أن يكون أمينا لا خائنا. ((غب)):أصل الأمن طمأنينة النفس وزوال الخوف، والأمن والأمانة والأمان في الأصل مصادر. ويجعل الأمان تارة اسما للحالة التي يكون عليها الإنسان في الأمن، وتارة اسما لما يؤمن عليه الإنسان نحو﴾ وتخونوا أماناتكم ﴿. الحديث الثالث والرابع عن ابن مسعود ﵁: قوله: ((إن الشيطان ليتمثل)) فيه تنبيه على التحري فيما يسمع من الكلام وأن يتعرف من القائل؟ أهو صادق يجوز النقل عنه، أو كاذب يجب الاجتناب عن نقل كلامه؟ على ما ورد: ((كفي بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع)).

стр. 2520

٤٨٦٥ - وعن عمران بن حصين، أن رسول الله ﷺ قال: ((مقام الرجل بالصمت أفضل من عبادة ستين سنة)) [٤٨٦٥] ٤٨٦٦ - وعن أبي ذر، قال: دخلت على رسول الله ﷺ ، فذكر الحديث بطوله إلى أن قال: قلت: يا رسول الله! أوصني قال: ((أوصيك بتقوى الله، فإنه أزين لأمرك كله)) قلت: زدني. قال: ((عليك بتلاوة القرآن وذكر الله ، فإنه ذكر لك في السماء، ونور لك في الأرض)).قلت: زدني. قال: ((عليك بطول الصمت، فإنه مطردة للشيطان وعون لك على أمر دينك)).قلت: زدني. قال: ((إياك وكثرة ــ الحديث الخامس عن عمران: قوله: ((مقام الرجل)) أي منزلته عند الله تعالى؛ لأن في العبادة آفات يسلم عنها بالصمت كما ورد: ((من صمت نجا)). الحديث السادس عن أبي ذر ﵁: قوله: ((فذكر الحديث بطوله)) أي ذكر راوي أبي ذر الحديث بطوله. ولعله أراد مثل ما روى عن أنس: ((أن رسول الله ﷺ لقى أبا ذر فقال: يا أبا ذر! ألا أدلك على خصلتين، هما أخف على الظهر وأثقل في الميزان من غيرهما؟ قال: بلى يا رسول الله! قال: عليك بحسن الخلق وطول الصمت، والذي نفس محمد بيده ما عمل الخلائق بمثلهما. وقال: الخصلة الواحدة الصالحة تكون في الرجل فيصلح الله له بها عمله كله. وطهور الرجل وصلاته يكفر الله بطهوره ذنوبه وتبقى صلاته له نافلة. قوله: ((فإنه أزين)) نسب الزينة إلى التقوى كما نسب الله تعالى اللباس إليه في قوله:﴾ ولباس التقوى ذلك خير ﴿بعد قوله:﴾ خذوا زينتكم عند كل مسجد ﴿كما أن السماء مزينة بزينة الكواكب، كذلك قلوب العارفين مزينا بالمعارف والتقوى، قال تعالى:﴾ فإنها من تقوى القلوب ﴿.والضمير في ((إنه ذكر)) وفي ((فإنه يميت)) واقع موقع اسم اشارة، أي كثرة الضحك تورث قساوة القلب. وهي مفضية إلى الغفلة، وليس موت القلب إلا الغفلة. والمراد بنور الوجه بهاؤه في قوله تعالى:﴾ سيماهم في وجوهم من أثر السجود ﴿. وقوله: ((قل الحق وإن كان مرا)) شبه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيمن يأباهما بالصبر؛ فإنه مر المذاق ولكن عاقبته محمودة. ثم زاد في التأكيد بتوصية قوله: ((لا تخف في

стр. 2521

الضحك، فإنه يميت القلب، ويذهب نور الوجه)) قلت: زدني. قال: ((قل الحق ولو كان مرا)) قلت زدني. قال: ((لا تخف في الله لومة لائم)).قلت زدني. قال: ((ليحجزك عن الناس ما تعلم من نفسك)). [٤٨٦٦] ٤٨٦٧ - وعن أنس، عن رسول الله ﷺ قال: ((يا أبا ذر! ألا أدلك على خصلتين هما أخف على الظهر، وأثقل في الميزان؟)) قال: قلت: بلى. قال: ((طول الصمت، وحسن الخلق، والذي نفسي بيده ما عمل الخلائق بمثلهما)). [٤٨٦٧] ٤٨٦٨ - وعن عائشة، قالت: مر النبي ﷺ بأبي بكر وهو يلعن بعض رقيقه، فالتفت إليه فقال: ((لعانين وصديقين؟ كلا ورب الكعبة)) فأعتق أبو بكر يومئذ بعض رقيقه، ثم جاء إلى النبي ﷺ فقال: لا أعود. روى البيهقي الأحاديث الخمسة في ((شعب الإيمان)). [٤٨٦٨] ٤٨٦٩ - وعن أسلم، قال: إن عمر دخل يوما على أبي بكر الصديق ((رضي الله ــ الله لومة لائم)) أي كن صلبا في دينك إذا شرعت في إنكار منكر أو أمر بمعروف، امض فيه كالمسامير المحماة، لا يرعك قول قائل، ولا اعتراض معترض، ولا لومة لائم يشق عليه جدك. وقوله: ((ليحجزك)) أي ليمنعك عيب نفسك عن عيوب الناس. الحديث السابع عن أنس ﵁: قوله: ((بمثلهما)) الباء في ((بمثلهما)) يحتمل أن تكون زائدة، أي ما عمل الخلائق عملين مثلهما. وأن يكون ((عمل)) بمعنى أتى، أي أتى بمثلهما. وقوله: ((أخف على الظهر)) تشبيه المعقول في تأتيه بالسهولة، كما في قوله ﷺ : ((كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان)). الحديث الثامن عن عائشة ﵂: قوله: ((لعانين وصديقين)) أي هل رأيت صديقا يكون لعانا؟ كلا والله لا تتراءى ناراهما، فالواو للجمع أي لا يجتمعان أبدا، وفي الكلام معنى التعجب. الحديث التاسع عن أسلم: قوله: ((يجبذ)) ((نه)):الجبذ لغة في الجذب. وقيل هو مقلوب منه.

стр. 2522

عنهم)) وهو يجبذ لسانه. فقال عمر: مه. غفر الله لك فقال له أبو بكر: إن هذا أوردني الموارد. رواه مالك. ٤٨٧٠ - وعن عبادة بن الصامت، أن النبي ﷺ قال: ((اضمنوا لي ستا من أنفسكم أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدوا إذا ائتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم)). [٤٨٧٠] ٤٨٧١ - ٤٨٧٢ - وعن عبد الرحمن بن غنم، وأسماء بنت زيد (﵃)،أن النبي ﷺ قال: ((خيار عباد الله الذين إذا رؤوا ذكر الله. وشرار عباد الله المشاؤون بالنميمة، والمفرقون بين الأحبة، الباغون البراء العنت)). رواهما أحمد، والبيهقي في ((شعب الإيمان)). [٤٨٧١]، [٤٨٧٢] ٤٨٧٣ - وعن ابن عباس، أن رجلين صليا صلاة الظهر أو العصر، وكانا صائمين، فلما قضى النبي ﷺ الصلاة قال: ((أعيدا وضوء كما وصلاتكما، وامضيا ــ الحديث العاشر والحادي عشر عن عبد الرحمن: قوله: ((إذا رؤوا ذكر الله)) يحتمل وجهين: أحدهما: أنهم في الاختصاص بالله بحيث إذا رؤوا خطر ببال من رآهم مولاهم؛ لما فيهم من سيماء العبادة. وثانيهما: أن من رآهم يذكر الله تعالى، كما روى ابن الأثير في النهاية عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله: ((النظر إلى وجه على عبادة)) قيل: معناه أن عليا ﵁ كان إذا برز قال الناس: لا إله إلا الله ما أشرف هذا الفتى، لا إله إلا الله ما أعلم هذا الفتى، لا إله إلا الله ما أكرم هذا الفتى، لا إله إلا الله ما أشجع هذا الفتى. فكانت رؤيته تحملهم على كلمة التوحيد. و ((العنت)) المشقة، والفساد، والهلاك، والإثم، والغلط، والخطأ، والزنا، كل ذلك قد جاء وأطلق العنت عليه، والحديث يحتمل كلها. والبراء جمع بريء. وهو، والعنت منصوبان مفعولان للباغين يقال: بغيت فلانا خيرا وبغيتك الشيء طلبته لك، وبغيت الشيء طلبته. الحديث الثاني عشر عن ابن عباس ﵄: قوله: ((امضيا)) أي لا تقاطعا ولا تفطرا

стр. 2523

في صومكما، واقضياه يوما آخر)).قالا: لم يا رسول الله؟ قال: ((اغتبتم فلانا)). [٤٨٧٣] ٤٨٧٤ - ٤٨٧٥ - وعن أبي سعيد، وجابر، قالا: قال رسول الله ﷺ : ((الغيبة أشد من الزنا)) قالوا: يا رسول الله! وكيف الغيبة أشد من الزنا؟ قال: ((إن الرجل ليزني فيتوب، فيتوب الله عليه)) –وفي رواية: ((فيتوب فيغفر الله له، وإن صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفرها له صاحبه)). [٤٨٧٤]، [٤٨٧٥] ٤٨٧٦ - وفي رواية أنس (﵁)،قال: ((صاحب الزنا يتوب، وصاحب الغيبة ليس له توبة)).روى البيهقي الأحاديث الثلاثة في ((شعب الإيمان)). [٤٨٧٦] ٤٨٧٧ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن من كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته، تقول: اللهم اغفر لنا وله)).رواه البيهقي في ((الدعوات الكبير)) وقال: في هذا الإسناد ضعف. [٤٨٧٧] ــ من ((مضى في أمره)) إذا نفذ فيه ولم يتوقف، وهذا في الصوم ظاهر لقوله تعالى:﴾ أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا ﴿وأما في الصلاة فإنه أكل لحم أخيه وشرب دمه فحمل النجاسة، هذا وارد على سبيل التشديد والتغليظ، والله أعلم. الحديث الثالث عشر عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((كيف الغيبة أشد من الزنا؟)) ((الغيبة أشد من الزنا)) مبتدأ على سبيل حكاية قول رسول الله ﷺ ، و ((كيف)) خبره، أي كيف قولك هذا؟ الحديث الرابع عشر عن أنس ﵁: قوله: ((إن من كفارة الغيبة أن تستغفر)) ((مح)):رأيت في فتاوى الطحاوي: أنه يكفي الندم والاستغفار في الغيبة، وإن بلغته فالطريق أن يأتي المغتاب ويستحل منه. فإن تعذر لموته أو لغيبته البعيدة، استغفر الله تعالى. ولا اعتبار بتحليل الورثة.

стр. 2524

(١١) باب الوعد الفصل الأول ٤٨٧٨ - عن جابر، قال: لما مات رسول الله ﷺ ، وجاء أبا بكر مال من قبل العلاء بن الحضرمي. فقال أبو بكر: من كان له على النبي ﷺ دين، أو كانت له قبله عدة فليأتنا. قال جابر: فقلت: وعدني رسول الله ﷺ أن يعطيني هكذا، وهكذا، وهكذا. فبسط يديه ثلاث مرات. قال جابر: فحثا لي حثية، فعددتها فإذا هي خمسمائة. وقال: خذ مثليها. متفق عليه. الفصل الثاني ٤٨٧٩ - عن أبي جحيفة، قال: رأيت رسول الله ﷺ أبيض قد شاب، وكان الحسن بن علي يشبهه، وأمر لنا بثلاثة عشر قلوصا، فذهبنا نقبضها، فأتانا موته. فلم ــ وإذا اغتاب أحد فهل يكفي أن يقول: قد اغتبتك فاجعلني في حل، أم لابد أن يبين ما اغتابه فيه، فيه وجهان لأصحاب الشافعي ﵁: أحدهما: يشترط، فإن أبرأه من غير بيانه، لم يصح كما لو أبرأه عن مال مجهول. وثانيهما: لا يشترط؛ لأن هذا مما يتسامح فيه بخلاف المال. والأول أظهر؛ لأن الإنسان قد يسمح بعفو عن الغيبة دون الغيبة. قال الشيخ أبو حامد: سبيل المعتذر أن يبالغ في الثناء عليه والتودد إليه، ويلازم ذلك حتى يطيب قلبه، فإن لم يطب قلبه كان اعتذاره وتودده حسنة محسوبة له، فتقابل بها سيئة الغيبة في القيامة. باب الوعد الوعد يستعمل في الخير، والشر، يقال: وعدته خيرا ووعدته شرا. فإذا أسقطوا الخير والشر، قالوا في الخير الوعد والعدة، وفي الشر: وقد أوعده يوعده. الفصل الأول الحديث الأول عن جابر ﵁: قوله: ((من كان له على النبي ﷺ دين)) ((شف)):فيه استحباب قضاء دين الميت وإنجاز وعده لمن تخلف بعده، وأنه يستوي فيه الوارث والأجنبي. الفصل الثاني الحديث الأول عن أبي جحيفة: قوله: ((أمر لنا)) كذا في جامع الأصول، وساق إلى آخره ثم

стр. 2525

يعطونا شيئا. فلما قام أبو بكر قال: من كانت له عند رسول الله ﷺ عدة فليجئ فقمت إليه فأخبرته، فأمر لنا بها. رواه الترمذي. [٤٨٧٩] ٤٨٨٠ - وعن عبد الله بن أبي الحسماء، قال: بايعت النبي ﷺ قبل أن يبعث، وبقيت له بقية، فوعدته أن آتيه بها في مكانه، فنسيت، فذكرت بعد ثلاث، فإذا هو في مكانه، فقال: ((لقد شققت علي، أنا هاهنا منذ ثلاث أنتظرك)) رواه أبو داود. [٤٨٨٠] ٤٨٨١ - وعن زيد بن أرقم، عن النبي ﷺ ، قال: ((إذا وعد الرجل أخاه ومن نيته أن يفي له، فلم يف ولم يجئ للميعاد، فلا إثم عليه)).رواه أبو داود، والترمذي. [٤٨٨١] ٤٨٨٢ - وعن عبد الله بن عامر، قال: دعتني أمي يوما ورسول الله ﷺ قاعد في بيتنا، فقالت: ها تعال أعطيك. فقال لها رسول الله ﷺ : ((ما أردت أن تعطيه؟)) ــ قال: اتفق البخاري ومسلم والترمذي على الفصل الأول. واتفق البخاري والترمذي على الفصل الثاني وانفرد الترمذي بذكر أبي بكر وإعطائه إياهم، وفي سائر المصابيح ((أمر له)) والأول أنسب لاتفاق الضمائر التالية. الحديث الثاني عن عبدالله قوله: ((بايعت)) أي بعت منه بمعنى شريت منه فهو من البيع لا من المبايعة. وقوله: ((لقد شققت علي)) أي حملت المشقة على وأوصلتها إلي، وكان انتظاره ﷺ لوعده لا لقبض بقية الثمن. واعلم أن الوعد مأمور الوفاء به في جميع الأديان، حافظ عليه الرسل المتقدمون؛ قال الله تعالى:﴾ وإبراهيم الذي وفي ﴿،ومدح ابنه اسماعيل بقوله:﴾ إنه كان صادق الوعد ﴿يقال: إنه وعد إنسانا في موضع فلم يرجع إليه، فأقام حتى حال عليه الحول. الحديث الثالث عن زيد: قوله: ((ومن نيته أن يفي له)) ((شف)):هذا الدليل على أن النية الصالحة يثاب الرجل عليها وإن لم يقترن معها المنوى وتخلف عنها. الحديث الرابع إلى آخر الباب عن عبدالله: قوله: ((أعطيك)) بالجزم في بعض نسخ
следующие страницы →