Полный текст (3 308 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.
стр. 2521
الضحك، فإنه يميت القلب، ويذهب نور الوجه)) قلت: زدني. قال: ((قل الحق ولو كان مرا)) قلت زدني. قال: ((لا تخف في الله لومة لائم)).قلت زدني. قال: ((ليحجزك عن الناس ما تعلم من نفسك)). [٤٨٦٦]
٤٨٦٧ - وعن أنس، عن رسول الله ﷺ قال: ((يا أبا ذر! ألا أدلك على خصلتين هما أخف على الظهر، وأثقل في الميزان؟)) قال: قلت: بلى. قال: ((طول الصمت، وحسن الخلق، والذي نفسي بيده ما عمل الخلائق بمثلهما)). [٤٨٦٧]
٤٨٦٨ - وعن عائشة، قالت: مر النبي ﷺ بأبي بكر وهو يلعن بعض رقيقه، فالتفت إليه فقال: ((لعانين وصديقين؟ كلا ورب الكعبة)) فأعتق أبو بكر يومئذ بعض رقيقه، ثم جاء إلى النبي ﷺ فقال: لا أعود. روى البيهقي الأحاديث الخمسة في ((شعب الإيمان)). [٤٨٦٨]
٤٨٦٩ - وعن أسلم، قال: إن عمر دخل يوما على أبي بكر الصديق ((رضي الله
ــ
الله لومة لائم)) أي كن صلبا في دينك إذا شرعت في إنكار منكر أو أمر بمعروف، امض فيه كالمسامير المحماة، لا يرعك قول قائل، ولا اعتراض معترض، ولا لومة لائم يشق عليه جدك. وقوله: ((ليحجزك)) أي ليمنعك عيب نفسك عن عيوب الناس.
الحديث السابع عن أنس ﵁: قوله: ((بمثلهما)) الباء في ((بمثلهما)) يحتمل أن تكون زائدة، أي ما عمل الخلائق عملين مثلهما. وأن يكون ((عمل)) بمعنى أتى، أي أتى بمثلهما. وقوله: ((أخف على الظهر)) تشبيه المعقول في تأتيه بالسهولة، كما في قوله ﷺ : ((كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان)).
الحديث الثامن عن عائشة ﵂: قوله: ((لعانين وصديقين)) أي هل رأيت صديقا يكون لعانا؟ كلا والله لا تتراءى ناراهما، فالواو للجمع أي لا يجتمعان أبدا، وفي الكلام معنى التعجب.
الحديث التاسع عن أسلم: قوله: ((يجبذ)) ((نه)):الجبذ لغة في الجذب. وقيل هو مقلوب منه.
стр. 2522
عنهم)) وهو يجبذ لسانه. فقال عمر: مه. غفر الله لك فقال له أبو بكر: إن هذا أوردني الموارد. رواه مالك.
٤٨٧٠ - وعن عبادة بن الصامت، أن النبي ﷺ قال: ((اضمنوا لي ستا من أنفسكم أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدوا إذا ائتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم)). [٤٨٧٠]
٤٨٧١ - ٤٨٧٢ - وعن عبد الرحمن بن غنم، وأسماء بنت زيد (﵃)،أن النبي ﷺ قال: ((خيار عباد الله الذين إذا رؤوا ذكر الله. وشرار عباد الله المشاؤون بالنميمة، والمفرقون بين الأحبة، الباغون البراء العنت)). رواهما أحمد، والبيهقي في ((شعب الإيمان)). [٤٨٧١]، [٤٨٧٢]
٤٨٧٣ - وعن ابن عباس، أن رجلين صليا صلاة الظهر أو العصر، وكانا صائمين، فلما قضى النبي ﷺ الصلاة قال: ((أعيدا وضوء كما وصلاتكما، وامضيا
ــ
الحديث العاشر والحادي عشر عن عبد الرحمن: قوله: ((إذا رؤوا ذكر الله)) يحتمل وجهين: أحدهما: أنهم في الاختصاص بالله بحيث إذا رؤوا خطر ببال من رآهم مولاهم؛ لما فيهم من سيماء العبادة. وثانيهما: أن من رآهم يذكر الله تعالى، كما روى ابن الأثير في النهاية عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله: ((النظر إلى وجه على عبادة)) قيل: معناه أن عليا ﵁ كان إذا برز قال الناس: لا إله إلا الله ما أشرف هذا الفتى، لا إله إلا الله ما أعلم هذا الفتى، لا إله إلا الله ما أكرم هذا الفتى، لا إله إلا الله ما أشجع هذا الفتى. فكانت رؤيته تحملهم على كلمة التوحيد.
و ((العنت)) المشقة، والفساد، والهلاك، والإثم، والغلط، والخطأ، والزنا، كل ذلك قد جاء وأطلق العنت عليه، والحديث يحتمل كلها. والبراء جمع بريء. وهو، والعنت منصوبان مفعولان للباغين يقال: بغيت فلانا خيرا وبغيتك الشيء طلبته لك، وبغيت الشيء طلبته.
الحديث الثاني عشر عن ابن عباس ﵄: قوله: ((امضيا)) أي لا تقاطعا ولا تفطرا
стр. 2523
في صومكما، واقضياه يوما آخر)).قالا: لم يا رسول الله؟ قال: ((اغتبتم فلانا)). [٤٨٧٣]
٤٨٧٤ - ٤٨٧٥ - وعن أبي سعيد، وجابر، قالا: قال رسول الله ﷺ : ((الغيبة أشد من الزنا)) قالوا: يا رسول الله! وكيف الغيبة أشد من الزنا؟ قال: ((إن الرجل ليزني فيتوب، فيتوب الله عليه)) –وفي رواية: ((فيتوب فيغفر الله له، وإن صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفرها له صاحبه)). [٤٨٧٤]، [٤٨٧٥]
٤٨٧٦ - وفي رواية أنس (﵁)،قال: ((صاحب الزنا يتوب، وصاحب الغيبة ليس له توبة)).روى البيهقي الأحاديث الثلاثة في ((شعب الإيمان)). [٤٨٧٦]
٤٨٧٧ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن من كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته، تقول: اللهم اغفر لنا وله)).رواه البيهقي في ((الدعوات الكبير)) وقال: في هذا الإسناد ضعف. [٤٨٧٧]
ــ
من ((مضى في أمره)) إذا نفذ فيه ولم يتوقف، وهذا في الصوم ظاهر لقوله تعالى:﴾ أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا ﴿وأما في الصلاة فإنه أكل لحم أخيه وشرب دمه فحمل النجاسة، هذا وارد على سبيل التشديد والتغليظ، والله أعلم.
الحديث الثالث عشر عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((كيف الغيبة أشد من الزنا؟)) ((الغيبة أشد من الزنا)) مبتدأ على سبيل حكاية قول رسول الله ﷺ ، و ((كيف)) خبره، أي كيف قولك هذا؟
الحديث الرابع عشر عن أنس ﵁: قوله: ((إن من كفارة الغيبة أن تستغفر)) ((مح)):رأيت في فتاوى الطحاوي: أنه يكفي الندم والاستغفار في الغيبة، وإن بلغته فالطريق أن يأتي المغتاب ويستحل منه. فإن تعذر لموته أو لغيبته البعيدة، استغفر الله تعالى. ولا اعتبار بتحليل الورثة.
стр. 2524
(١١) باب الوعد
الفصل الأول
٤٨٧٨ - عن جابر، قال: لما مات رسول الله ﷺ ، وجاء أبا بكر مال من قبل العلاء بن الحضرمي. فقال أبو بكر: من كان له على النبي ﷺ دين، أو كانت له قبله عدة فليأتنا. قال جابر: فقلت: وعدني رسول الله ﷺ أن يعطيني هكذا، وهكذا، وهكذا. فبسط يديه ثلاث مرات. قال جابر: فحثا لي حثية، فعددتها فإذا هي خمسمائة. وقال: خذ مثليها. متفق عليه.
الفصل الثاني
٤٨٧٩ - عن أبي جحيفة، قال: رأيت رسول الله ﷺ أبيض قد شاب، وكان الحسن بن علي يشبهه، وأمر لنا بثلاثة عشر قلوصا، فذهبنا نقبضها، فأتانا موته. فلم
ــ
وإذا اغتاب أحد فهل يكفي أن يقول: قد اغتبتك فاجعلني في حل، أم لابد أن يبين ما اغتابه فيه، فيه وجهان لأصحاب الشافعي ﵁: أحدهما: يشترط، فإن أبرأه من غير بيانه، لم يصح كما لو أبرأه عن مال مجهول. وثانيهما: لا يشترط؛ لأن هذا مما يتسامح فيه بخلاف المال. والأول أظهر؛ لأن الإنسان قد يسمح بعفو عن الغيبة دون الغيبة.
قال الشيخ أبو حامد: سبيل المعتذر أن يبالغ في الثناء عليه والتودد إليه، ويلازم ذلك حتى يطيب قلبه، فإن لم يطب قلبه كان اعتذاره وتودده حسنة محسوبة له، فتقابل بها سيئة الغيبة في القيامة.
باب الوعد
الوعد يستعمل في الخير، والشر، يقال: وعدته خيرا ووعدته شرا. فإذا أسقطوا الخير والشر، قالوا في الخير الوعد والعدة، وفي الشر: وقد أوعده يوعده.
الفصل الأول
الحديث الأول عن جابر ﵁: قوله: ((من كان له على النبي ﷺ دين)) ((شف)):فيه استحباب قضاء دين الميت وإنجاز وعده لمن تخلف بعده، وأنه يستوي فيه الوارث والأجنبي.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن أبي جحيفة: قوله: ((أمر لنا)) كذا في جامع الأصول، وساق إلى آخره ثم
стр. 2525
يعطونا شيئا. فلما قام أبو بكر قال: من كانت له عند رسول الله ﷺ عدة فليجئ فقمت إليه فأخبرته، فأمر لنا بها. رواه الترمذي. [٤٨٧٩]
٤٨٨٠ - وعن عبد الله بن أبي الحسماء، قال: بايعت النبي ﷺ قبل أن يبعث، وبقيت له بقية، فوعدته أن آتيه بها في مكانه، فنسيت، فذكرت بعد ثلاث، فإذا هو في مكانه، فقال: ((لقد شققت علي، أنا هاهنا منذ ثلاث أنتظرك)) رواه أبو داود. [٤٨٨٠]
٤٨٨١ - وعن زيد بن أرقم، عن النبي ﷺ ، قال: ((إذا وعد الرجل أخاه ومن نيته أن يفي له، فلم يف ولم يجئ للميعاد، فلا إثم عليه)).رواه أبو داود، والترمذي. [٤٨٨١]
٤٨٨٢ - وعن عبد الله بن عامر، قال: دعتني أمي يوما ورسول الله ﷺ قاعد في بيتنا، فقالت: ها تعال أعطيك. فقال لها رسول الله ﷺ : ((ما أردت أن تعطيه؟))
ــ
قال: اتفق البخاري ومسلم والترمذي على الفصل الأول. واتفق البخاري والترمذي على الفصل الثاني وانفرد الترمذي بذكر أبي بكر وإعطائه إياهم، وفي سائر المصابيح ((أمر له)) والأول أنسب لاتفاق الضمائر التالية.
الحديث الثاني عن عبدالله قوله: ((بايعت)) أي بعت منه بمعنى شريت منه فهو من البيع لا من المبايعة. وقوله: ((لقد شققت علي)) أي حملت المشقة على وأوصلتها إلي، وكان انتظاره ﷺ لوعده لا لقبض بقية الثمن.
واعلم أن الوعد مأمور الوفاء به في جميع الأديان، حافظ عليه الرسل المتقدمون؛ قال الله تعالى:﴾ وإبراهيم الذي وفي ﴿،ومدح ابنه اسماعيل بقوله:﴾ إنه كان صادق الوعد ﴿يقال: إنه وعد إنسانا في موضع فلم يرجع إليه، فأقام حتى حال عليه الحول.
الحديث الثالث عن زيد: قوله: ((ومن نيته أن يفي له)) ((شف)):هذا الدليل على أن النية الصالحة يثاب الرجل عليها وإن لم يقترن معها المنوى وتخلف عنها.
الحديث الرابع إلى آخر الباب عن عبدالله: قوله: ((أعطيك)) بالجزم في بعض نسخ
стр. 2526
قالت: أردت أن أعطيه تمرا. فقال رسول الله ﷺ : ((أما إنك لو لم تعطه شيئا كتبت عليك كذبة)).رواه أبو داود، والبيهقي في ((شعب الإيمان)). [٤٨٨٢]
الفصل الثالث
٤٨٨٣ - عن زيد بن أرقم، أن رسول الله ﷺ قال: ((من وعد رجلا فلم يأت أحدهما إلى وقت الصلاة، وذهب الذي جاء ليصلي، فلا إثم عليه)).رواه رزين. [٤٨٨٣]
(١٢) باب المزاح
الفصل الأول
٤٨٨٤ - عن أنس، قال: إن كان النبي ﷺ ليخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير: ((يا أبا عمير! ما فعل النغير؟)) كان له نغير يلعب به فمات. متفق عليه.
ــ
المصابيح جوابا للأمر وفي بعضه بإثبات الياء. وهو الرواية في سنن أبي داود وشعب الإيمان على أنه استئناف، كقوله تعالى:﴾ فهب لي من لدنك وليا ﴿بالرفع. وكذلك في السنن والشعب بعد قوله: ((أعطيك)) فقال لها: ((ما أردت أن تعطيه؟ قالت: أردت أن أعطيه تمرا)).وليس هذا في المصابيح فكأنه سقط من النساخ.
باب المزاح
المزاح الدعابة. وقد مزح يمزح والاسم المزاح- بالضم- والمزاحة أيضا، وأما المزاح- بالكسر- فهو مصدر مازح.
الفصل الأول
الحديث الأول عن أنس ﵁: قوله: ((إن كان)) أي إنه كان ((فإن)) هي المخففة من المثقلة. و ((حتى)) غاية قوله: ((يخالطنا)) وضمير الجمع لأنس وأهل بيته، أي انتهت مخالطته لأهلنا كلهم حتى الصبي وحتى المداعبة معه، وحتى السؤال عن فعل النغير. وعن مسلم: ((أنه ﷺ لا يدخل على أحد من النساء إلا على أزواجه إلا أم سليم، فإنه قد يدخل عليها)) وأم
стр. 2527
الفصل الثاني
٤٨٨٥ - عن أبي هريرة، قال: قالوا: يا رسول الله! إنك: تداعبنا. قال: إني لا أقول إلا حقا)) رواه الترمذي. [٤٨٨٥]
ــ
سليم أم أنس بن مالك. الجوهري: النغير هو تصغير نغر وهو طائر كالعصفور. والنغرة كالحمرة واحدها.
((غب)):الفعل: التأثير من جهة مؤثرة، والعمل كل فعل يكون من الحيوان بقصد. وهو أخص من الفعل؛ لأن الفعل قد ينسب إلى الحيوانات التي يقع منها فعل بغير قصد، وقد ينسب إلى الجمادات. انتهى كلامه. فالمعنى ما حاله وشأنه؟
((حس)):فيه فوائد: منها: أن صيد المدينة مباح بخلاف صيد مكة. وأنه لا بأس بأن يعطي الصبي الطير ليلعب به من غير أن يعذبه. وإباحة تصغير الأسماء. وإباحة الدعابة ما لم تكن إثما، وجواز تكني الصبي، ولا يدخل ذلك في باب الكذب.
وقد نقل عن الشيخ نجم الدين الكبير غير ذلك من الفوائد، وهو: أن يجوز للرجل أن يدخل في بيت فيه امرأة أجنبية، إذا أمن على نفسه من الفتنة، وأن يجوز للرجل أن يسأل عما هو عالم به تعجبا منه. وفيه كمال خلق النبي ﷺ ، وأن رعاية الضعفاء من مكارم الأخلاق، وأنه يستحب استمالة قلوب الصغار وإدخال السرور إلى قلوبهم.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((تداعبنا)) الدعابة المزاح. وتصدير الجملة بـ ((إن المؤكدة)) يدل على إنكار أمر سابق، كأنهم قالوا: لا ينبغي لمثلك في صدر الرسالة ومكانتك من الله تعالى المداعبة، فأجابهم بالقول الموجب، أي نعم أداعب ولكني لا أقول إلا قولا حقا. لله در مزاح هو حق وصدق فكيف بجده؟.
((مح)):المزاح المنهي عنه هو الذي فيه إفراط ويداوم عليه، فإنه يورث الضحك وقسوة القلب، ويشغل عن ذكر الله تعالى والفكر في مهمات الدين. ويؤول في كثير من الأوقات إلى الإيذاء، ويورث الأحقاد ويسقط المهابة والوقار. فأما من سلم من هذه الأمور، فهو المباح الذي كان رسول الله ﷺ يفعله على الندرة لمصلحة وتطييب نفس المخاطب ومؤانسته، وهو سنة مستحبة. فاعلم هذا؛ فإنه مما يعظم الاحتياج إليه.
стр. 2528
٤٨٨٦ - وعن أنس، أن رجلا استحمل رسول الله ﷺ ، فقال: ((إني حاملك على ولد ناقة؟)) فقال: ما أصنع بولد الناقة؟ فقال رسول الله ﷺ : ((وهل تلد الإبل إلا النوق؟)). رواه الترمذي، وأبو داود. [٤٨٨٦]
٤٨٨٧ - وعنه، عن النبي ﷺ قال له: ((يا ذا الأذنين!)). رواه أبو داود، والترمذي. [٤٨٨٧]
٤٨٨٨ - وعنه، عن النبي ﷺ ، قال لامرأة عجوز: ((إنه لا تدخل الجنة عجوز)) فقالت: وما لهن؟ وكانت تقرأ القرآن فقال لها: ((أما تقرئين القرآن؟﴾ إنا أنشأنانهن إنشاء فجعلناهن أبكار ﴿)) رواه رزين. وفي ((شرح السنة)) بلفظ ((المصابيح)).
٤٨٨٩ - وعنه، أن رجلا من أهل البادية كان اسمه زاهر بن حرام، وكان يهدي للنبي ﷺ من البادية، فيجهزه رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج فقال النبي ﷺ ((إن زاهرا باديتنا ونحن حاضروه)) وكان النبي ﷺ يحبه، وكان دميما. فأتى النبي ﷺ يوم وهو يبيع متاعه، فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصره. فقال: أرسلني، من هذا؟ فالتفت فعرف النبي ﷺ ، فجعل لا يألوا ما ألزق ظهره بصدر النبي ﷺ حين
ــ
الحديث الثاني عن أنس ﵁: قوله: ((استحمل)) أي سأله الحملان، والمراد به أن يعطيه حمولة يركبها.
الحديث الثالث عن أنس ﵁: قوله: ((يا ذا الأذنين)) ((نه)):معناه: الحض والتنبيه على حسن الاستماع والوعي لما يلقى إليه لا المزاح؛ لأن السمع بحاسة الأذن. ومن خلق الله تعالى له أذنين، فأغفل ولم يحسن الوعي لم يعذر. وقيل: إن هذا القول من جملة مداعباته ﷺ ولطيف أخلاقه.
الحديث الرابع والخامس عن أنس ﵁: قوله: ((فيجهزه)) أي يعد ما يحتاج إليه في البادية من أمتعة البلدان. وقوله: ((إن زاهرا باديتنا ونحن حاضروه)) معناه: إنا نستفيد منه ما
стр. 2529
عرفه، وجعل النبي ﷺ يقول: ((من يشتري العبد؟)) فقال: يا رسول الله! إذا والله تجدني كاسدا فقال النبي ﷺ : ((لكن عند الله لست بكاسد)).رواه في ((شرح السنة)). [٤٨٨٩]
٤٨٩٠ - وعن عوف بن مالك الأشجعي، قال: أتيت رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، وهو في قبة من أدم، فسلمت، فرد علي وقال: ((ادخل)) فقلت: أكلي يا رسول الله. قال: ((كلك)) فدخل. قال عثمان بن أبي العاتكة: إنما قال: أدخل كلي من صغر القبة. رواه أبو داود. [٤٨٩٠]
٤٨٩١ - وعن النعمان بن بشير، قال: استأذن أبو بكر على النبي ﷺ ، فسمع صوت عائشة عاليا، فلما دخل تناولها ليلطمها وقال: لا أراك ترفعين صوتك على رسول الله ﷺ ، فجعل النبي يحجزه، وخرج أبو بكر مغضبا. فقال النبي ﷺ
ــ
يستفيد الرجل من باديته من أنواع النباتات، ونحن نعد له ما يحتاج إليه من البلد ((وكان دميما)) أي قبيح الوجه كريه المنظر. وقوله: ((فاحتضنه)) أي أخذه في حضنه، وهو ما دون الإبط إلى الكشح. ((فجعل لا يألوا)) أي طفق لا يقصر في لزق ظهره بصدر النبي ﷺ تبركا. وقوله: ((إذا)) جواب وجزاء أي إن بعتني إذا تجدني كاسدا، أي من المتاع الكاسد لما فيه من الدمامة.
الحديث السادس عن عوف: قوله: ((كلك)) يجوز فيه الرفع والنصب، فالتقدير: أيدخل كلي؟ فقال: كلك. أي يدخل كلك أو أأدخل كلي؟ فقال: أدخل كلك. قوله: ((أدخل كلي)) الظاهر أنه مضموم الهمزة على أنه من باب الإفعال. ولو ذهب إلى الفتح، فوجهه أن يحمل ((كلي)) على أنه تأكيد، وهو بعيد.
الحديث السابع عن نعمان: قوله: ((لا أراك ترفعين)) أي لا تتعرضي لما يؤدي إلى رفع صوتك، فالنهي وارد على المتكلم. والألف في ((لا أراك)) للإشباع. ويجوز أن يحمل على النفي الواقع موقع النهي، أي لا ينبغي لك أن أراك على هذه الحالة.
قوله: ((أنقذتك من الرجل)) الظاهر أن يقال: من أبيك، فعدل إلى الرجل أي من الرجل الكامل في الرجولية حين غضب لله تعالى ولرسوله. وقولها: ((فمكث أبو بكر)) بدل ((أبي)) لما
стр. 2530
حين خرج أبو بكر: ((كيف رأيتني أنقذتك من الرجل؟)). قالت: فمكث أبو بكر أياما، ثم استأذن فوجدهما اصطلحا، فقال لهما: أدخلاني في سلمكما كما أدخلتماني في حربكما فقال النبي ﷺ : ((قد فعلنا، قد فعلنا)).رواه أبو داود. [٤٨٩١]
٤٨٩٢ - وعن ابن عباس، عن النبي ﷺ ، قال: ((لا تمار أخاك، ولا تمازحه، ولا تعده موعدا فتخلفه)).رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب. [٤٨٩٢]
((وهذا الباب خال عن الفصل الثالث))
ــ
حدث في سجيتها من غضبه عليها، فجعلته كأنه أجنبي؛ إذ في الأبوة استعطاف. وقوله: ((قال: فمكث)) هذا يدل على أن النعمان سمع هذا الحديث من عائشة ﵂.
الحديث الثامن عن ابن عباس ﵄: قوله: ((فتخلفه)) إن روى منصوبا كان جوابا للنهي على تقدير ((أن)) فيكون مسببا عما قبله. فعلى هذا التنكير في ((موعدا)) لنوع من الموعد، وهو ما لا يرضاه الله تعالى بأن يعزم عليه قطعا ولا يستثنى. فيجعل الله تعالى ذلك سببا للإخلاف. أو هو ينوي في الوعد الخلف كالمنافق؛ فإن آية المنافق الخلف في الوعد كما ورد: ((إذا وعد أخلف)).ويحتمل أن يكون المنهي مطلق الوعد؛ لأنه كثيرا ما يفضي إلى الخلف. ولو روي مرفوعا كان المنهي الوعد المستعقب للإخلاف، أي لا تعده موعدا فأنت تخلفه، على أنه جملة خبرية معطوفة على إنشائية. وعلى هذا يتفرع عليه مسائل.
((مح)):أجمعوا على من وعد إنسانا شيئا ليس بمنهي عنه، فينبغي أن يفي بوعده. وهل ذلك واجب أم مستحب، فيه خلاف: ذهب الشافعي وأبو حنيفة والجمهور إلى أنه مستحب. فلو تركه فاته الفضل وارتكب المكروه كراهة شديدة ولا يأثم. وذهب جماعة إلى أنه واجب، منهم عمر بن عبد العزيز. وبعضهم إلى التفضيل. ويؤيد الوجه الأول ما أورده في الإحياء حيث قال: وكان ﷺ إذا وعد وعدا قال: ((عسى)). وكان ابن مسعود لا يعد وعدا إلا يقول: إن شاء الله عزوجل وهو الأولى. ثم إذا فهم مع ذلك الجزم في الوعد، فلا بد من الوفاء إلا أن يعتذر. فإن كان عند الوعد عازما على أن لا يفي به فهذا هو النفاق. والله أعلم.
стр. 2531
(١٣) باب المفاخرة
الفصل الأول
٤٨٩٣ - عن أبي هريرة، قال: سئل رسول الله ﷺ : أي الناس أكرم؟ قال: ((أكرمهم عند الله أتقاهم)).قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: ((فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله)).قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: ((فعن معادن العرب تسألوني؟)) قالوا: نعم. قال ((فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا)) متفق عليه.
ــ
باب المفاخرة والمعصية
((نه)) العصبي هو الذي يغضب لعصبيته ويحامي عنهم. والعصبة الأقارب من جهة الأب؛ لأنه يعصبونه ويعتصب بهم، أي يحيطون به ويشتد بهم. ومنه: ((ليس منا من دعى إلى عصبية أو قاتل عصبية)).
الفصل الأول
الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((أي الناس أكرم؟))، يحتمل أن يراد به أكرم عند الله تعالى مطلقا من غير نظر إلى النسب، ولو كان عبدا حبشيا، وأن يراد الحسب مع النسب، وأن يراد به الحسب فحسب، وكان سؤالهم عن هذا لقوله ﷺ : ((فعن معادن العرب)) أي عن أصولهم التي ينسبون إليها، وكان جوابهم نعم، فسلك ﷺ الأسلوب الحكيم علي ألطف وجه حيث جمع بين الحسب والنسب. وقال: ((إذا فقهوا)).قوله: ((قالوا: ليس عن هذا نسألك)) تقديره: ليس سؤالنا عن هذا على منوال قوله: فقالوا: ما تشاء؟ فقلت: الهوى.
((حس)):يريد أن من كانت له مأثرة وشرف إذا أسلم وفقه فقد حاز إلى ذلك ما استفاده بحق الدين. ومن لم يسلم فقد هدم شرفه وضيع نسبه .. ((مح)):قالوا: لما سئل ﷺ : أي الناس أكرم؟ أجاب بأكملهم وأعمهم. وقال: أتقاهم لله)):؛ لأن أصل الكرم كثرة الخير، ومن كان متقيا كان كثير الخير وكثير الفائدة في الدنيا، وصاحب الدرجات العلى في الأخرى. ولما قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: يوسف الذي جمع خيرات الدنيا والآخرة وشرفها؛ حيث جمع مكارم الأخلاق مع شرف النبوة والنسب، وضم مع ذلك شرف علم الرؤيا والرئاسة وتمكنه فيها، وسياسة الرعية بالسيرة الحميدة والصورة الجميلة.
стр. 2532
٤٨٩٤ - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم)).رواه البخاري.
٤٨٩٥ - وعن البراء بن عازب، قال: في يوم حنين كان أبو سفيان بن الحارث آخذا بعنان بغلته يعني بغلة رسول الله ﷺ ، فلما غشيه المشركون، نزل فجعل يقول: ((أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب))
قال: فما رئى من الناس يومئذ أشد منه. متفق عليه.
ــ
الحديث الثاني والحديث الثالث عن البراء بن عازب ﵁: قوله: ((أنا النبي لا كذب))، ((تو)):ليس لأحد أي يحمل هذا على المفاخرة. والشيخ لم يصب في إيراد هذا الحديث في هذا الباب، ولا شك أنه اتبع بعض أصحاب الحديث في مصنفاتهم، ولم يصب أولئك أيضا. وقد نفي نبي الله ﷺ عن نفسه أن يذكر الفضائل التي خصه الله بها فخرا بل شكرا لأنعمه. فقال: ((أنا سيد ولد آدم ولا فخر)) الحديث. وذم العصبية في غير موضع. فأنى لأحد أن يعد هذا الحديث من أحد القبيلين؟ وكيف يجوز على النبي ﷺ أن يفتخر بمشرك؟ وكان ينهى الناس أن يفتخروا بآبائهم. وإنما وجه ذلك أن نقول: تكلم بذلك على سبيل التعريف؛ فإن الله تعالى قد أرى قوما قبل ميلاده ما قد كان علما على نبوته ودليلا على ظهور أمره. وأظهر علم ذلك على الكهنة حتى شهد به غير واحد منهم. فالنبي ﷺ ذكرهم بذلك، وعرفهم أن ابن عبد المطلب الذي روى فيه ما روى وذكر فيه ما ذكر.
أقول: والجواب ما ذكره في شرح السنة من قوله: الافتخار والاعتزاز المنهي عنه ما كان في غير جهاد الكفار. وقد رخص ﷺ الخيلاء في الحرب مع نهيه عنها في غيرها. روى: أن عليا ﵁ بارز مرحبا يوم خيبر فقال: ((أنا الذي سمتني أمي حيدرة)).انتهى كلامه. كأنه ﷺ يرى الكفار شدة جأشه وشجاعته مع كونه مؤيدا من عند الله تعالى حين فلت شوكة المسلمين. وهي السكينة التي أنزل الله تعالى عليه يوم حنين وعلى المسلمين.
وتلخيص الجواب أن المفاخرة نوعان: مذمومة ومحمودة، فالمذموم منها ما كان عليه الجاهلية من الفخر بالآباء والأنساب للسمعة والرياء. والمحمود منها ما ضم مع النسب الحسب في الدين، لا رياء بل إظهارا لأنعمه تعالى عليه. فقوله: ((لا فخر)) احتراز عن المذموم منها، وكفي به شاهدا قوله في الحديث السابق قال: ((فخياركم في الجاهليو خياركم في الإسلام إذا فقهوا)).وقوله حين جاءه عباس، فكأنه سمع شيئا فقام على المنبر فقال: من أنا؟ فقالوا: أنت رسول الله. قال: أنا محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب. إن الله تعالى خلق الخلق فجعلني في
стр. 2533
٤٨٩٦ - وعن أنس، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: يا خير البرية! فقال رسول الله ﷺ ((ذاك إبراهيم)) رواه مسلم.
٤٨٩٧ - وعن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله)) متفق عليه.
ــ
خيرهم فرقة، ثم جعل فرقتين فجعلني في خيرهم فرقة، ثم جعلهم قبائل فجهلني في خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم بيتا. فأنا خيرهم نفسا وخيرهم بيتا.
قال في الإحياء: كان افتخاره ﷺ بالله تعالى وبقربه من الله لا بكونه مقدما على ولد آدم، كما أن المقبول عند الملك قبولا عظيما إنما يفتخر بقبوله إياه. وبه يفرح لا بتقدمه على بعض رعاياه.
الحديث الرابع عن أنس ﵁: قوله: ((يا خير البرية!)) ((نه)):يقال: برأه الله يبرأه برءا أي خلقه. ويجمع على البرايا والبريات من البرى وهو التراب إذا لم يهمز. ومن ذهب إلا أن أصله الهمزة أخذه من برأ الله الخلق يبرأهم أي خلقهم، ثم ترك فيها الهمز تخفيفا، ولم تستعمل مهموزة.
((مح)):فيه وجوه: أحدها: أنه قال تواضعا واحترام لإبراهيم صلوات الله عليه لخلته وأبوته، وإلا فنبينا ﷺ أفضل. كما قال ﷺ : ((أنا سيد ولد آدم ولا فخر)).وثانيهما: أنه قال هذا قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم: فإن الفضائل يمنحها الله تعالى لمن يشاء. فأخبر بفضيلة إبراهيم ﵇ إلى أن علم فضل نفسه فأخبر به.
وثالثها: أن المراد منه أنه فضل برية عصره، فأطلق العبارة الموهمة للعموم؛ لأنه أبلغ في التواضع. وفيه جواز التفاضل بين الأنبياء ﵈.
الحديث الخامس عن عمر ﵁: قوله: ((لا تطروني)) ((نه)):الإطراء مجاوزة الحد في المدح والكذب فيه. ((حس)):وذلك أن النصارى أفرطوا في مدح عيسى ﵇ وإطرائه بالباطل وجعلوه ولدا لله تعالى، فمنعهم النبي ﷺ أن يطروه بالباطل. أقول: وفي العدول عن عيسى والمسيح إلى ابن مريم تبعيد له عن الإلهية، يعني بالغوا في المدح والإطراء والكذب بأن جعلوا من حصل من جنس النساء الطوامث إلها وابن إله قال تعالى:﴾ يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق، إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته، ألقاها إلى مريم وروح منه ﴿.
стр. 2534
٤٨٩٨ - وعن عياض بن حمار المجاشي، أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله أوحى إلي: أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد)).رواه مسلم.
الفصل الثاني
٤٨٩٩ - عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: ((لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا، إنما هو فحم من جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعل الذي
ــ
ولما كان الخطاب مع اليهود والنصارى، وغلت اليهود في حط المسيح عن منزلته حيث جعلته مولودا لغير رشده، عرض لهم بقوله: ((إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله)) وغلت النصارى في رفعه عن مقداره حيث جعلوه إلها، قيل لهم: ((وكلمة ألقها إلى مريم)) أي مخلوق بكلمة ((كن)) وأوصلها إلى مريم وحصلها فيها. ثم أرشدهم صلوات الله عليه إلى أن غاية مدحه لا يتجاوز عن كونه عبدالله ورسوله تواضعا وهضما لنفسه، وفيه مبالغة في المدح مع تحري الصدق بخلاف الإطراء؛ فإنه مبالغة فيه مع توخي الكذب. وإنما كان مبالغة في المدح؛ لما شرف في مقام القرب ومجذع الوصل بقوله:﴾ سبحان الذي أسرى بعبده ليلا ﴿.
الحديث السادس عن عياض: قوله: ((أن تواضعوا)) أمر من التواضع تفاعل من الضعة، وهي الذل والهوان والدناءة، وقد وضع ضعة فهو وضيع. والفخر إدعاء العظم والكبر والشرف، والبغي الظلم. أقول: ((حتى)) فيه بمعنى ((كي)) أي أن الفخر والبغي نتيجتا الكبر؛ لأن المتكبر هو الذي يرفع نفسه فوق منزلته فلا ينقاد لأحد.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((إنما هو فحم)) حصر أباءهم على كونهم فحما من جهنم لا يتعدى ذلك إلى فضيلة يفتخر بها. قوله: ((أو ليكونن)) ((قض)): ((أو)) ههنا للتخيير والتسوية. والمعنى أن الأمرين سواء في أن يكون حال آبائهم الذين يفتخرون بهم، وأنت مخير في توصيفهم بأيهما شئت.
أقول: الظاهرأنه عطف على قوله: ((لينتهين)) والضمير فيه ضمير القوم لا الآباء؛ لأن اللام في المعطوف والمعطوف عليه لام الابتداء على نحو قوله تعالى:﴾ لنخرجنك يا شعيب والذين
стр. 2535
يدهده الخراء بأنفه. إن الله قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية، وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن تقي، أو فاجر شقي، الناس كلهم بنو آدم، وآدم من تراب)).رواه الترمذي، وأبو داود. [٤٨٩٩]
ــ
آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا ﴿،كأنه ﷺ حلف على أن أحد الأمرين كائن لا محالة.
فإن قلت: هب أنه ﷺ عرف أنه تعالى يعذبهم بسبب المفاخرة بآبائهم فأقسم عليهم، فبم عرف انتهاءهم عنها قلت: لما نظمها بأوفي الحكم الذي هو الحلف، آل كلامه إلى قولك: ((ليكونن أحد الأمرين)) يعني إن كان الانتهاء لم تكن مذلة، وإن لم تكن كانت. كذا حقق صاحب الكشاف في النمل: قيل: أحد الأمرين لابد منه، إما الانتهاء عما هو فيه، أو إنزال الصغار والهوان من الله تعالى عليهم. و ((الجعل)) حيوان معروف كالخنفساء والدهدهة والدحرجة يقال: دهدهت الحجر ودهيته.
قوله: ((عيبة الجاهلية)) ((تو)):أي نخوتها يقال: رجل فيه عيبة بضم العين وكسرها: أي كبر وتجبر. والمحفوظ عن أهل الحديث بتشديد الباء. وذكر أبو عبيد الهروي: هو من العبء بمعنى الحمل الثقيل. ثم قال: وقال الأزهري: بل مأخوذ من العبء وهو الضوء والنور والضياء. يقال: هذا عبأ الشمس، وأصله عبوء الشمس، وعلى هذا فالتشديد فيه كما في الذرية من الذرء بالهمز. والجوهري أدخله في باب المضاعف.
قوله: ((إنما هو مؤمن تقي)) في هذا الضمير وجوه: أحدها: أن في الكلام تقديما وتأخيرا، فقوله: ((الناس كلهم بنو آدم)) مقدم ملحوظه؛ لأنه مجمل وذاك تفصيله على نحو قوله:
الناس من جهة التمثال أكفاء أبوهم آدم والأم حواء
فإن يكن لهم في أصلهم شرف يفاخرون به فالطين والماء
ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم على الهدى لمن استهدى أدلاء
ووحد الضمير نظرا إلى الجنس ملحوظه على تأويل الإنسان. وثانيها: أنه ضمير مبهم يفسره الخبر. كذا قرر صاحب الكشاف في قوله تعالى:﴾ وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا ﴿.وقولهم: هي العرب تقول: ما شاءت. وثالثها: أن يكون بمعنى اسم الإشارة، ملحوظة إلى المذكور السابق منطوقا ومفهوما.
стр. 2536
٤٩٠٠ - وعن مطرف بن عبد الله بن الشخير، قال: ((قال أبي:)) انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله ﷺ ، فقلنا: أنت سيدنا. فقال: ((السيد الله)) فقلنا وأفضلنا فضلا، وأعظمنا طولا. فقال: ((قولوا قولكم، أو بعض قولكم، ولا يستجيرنكم الشيطان)).رواه أحمد وأبو داود. [٤٩٠٠]
ــ
وبيانه أن قوله ﷺ : ((أقوام)) من باب سوق المعلوم مساق غيره. وهم قوم مخصوصون نكرهم وجعلهم غائبين، قم التفت من الغيبة إلى الخطاب في قوله: ((قد أذهب عنكم)) وهذا يشعر بغضب شديد وسخط متتابع، كأن أناسا من المسلمين تفاخروا بأسلافهم الذين ماتوا على الكفر كالعباس بن مرداس وأضرابه، حتى قال قائلهم:
فما كان محصن ولا حابس يفوقان مرداس في مجمع
فوبخهم وزجرهم وسفه رأيهم. المعنى لينته من شرفه الله وخلع عليه حلل الإسلام. ورفعه من حضيض الكفر إلى يفاع الإيمان عن هذه الشنعاء وإلا فيحطه من تلك المنزلة، ويرده إلى أسفل سافلين الكفر والذل، فإن تشبيهم بأخس الحيوانات في أخس أحواله يدل عليه. فالمعنى ما ذلك العزيز الكريم عند الله إلا رجل تقي، وما ذلك الدنيء عنده إلا فاجر شقي. ثم رجع رسول الله ﷺ من ذلك العنف إلى اللطف ومن التوبيخ إلى إسماع الحق قائلا: ((الناس كلهم بنو آدم)) كقوله تعالى:﴾ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ﴿إلى قوله:﴾ إن أكرمكم عند الله أتقاكم ﴿وفي ذكر التراب إشارة إلى نقصانهم وأنهم فيه سواء طف الصاع بالصاع.
الحديث الثاني عن مطرف: قوله: ((قولوا قولكم)) ((مظ)):يعني قولوا هذا القول أو أقل منه، ولا تبالغوا في مدحي بحيث تمدحونني بشيء يليق بالخالق ولا يليق بالمخلوق. ((خط)):أراد النبي ﷺ قولوا بقول أهل دينكم وملتكم، وادهوني نبيا وروسولا كما سماني الله في كتابه، ولا تسموني سيدا كما تسمون رؤساءكم وعظماءكم؛ لأني لست كأحد منهم إذا كانوا يسودونكم في أسباب الدنيا، وأنا أسودكم بالرسالة والنبوة فسموني رسولا ونبيا.
((تو)):سلك القوم في الخطاب معه مسلكهم مع رؤساء القبائل؛ فإنهم يخاطبونهم بنحو هذا الخطاب فكره ذلك؛ لأنه كان من حقه أن يخاطبوه بالنبي والرسول؛ فإنها المنزلة التي لا منزلة
стр. 2537
٤٩٠١ - وعن الحسن، عن سمرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الحسب المال، والكرم التقوى).رواه الترمذي، وابن ماجه. [٤٩٠١]
ــ
وراءها لأحد البشر. وحول الأمر فيه إلى الحقيقة فقال: السيد هو الله أي الذي يملك نواصي الخلق ويتولى أمرهم ويسوسهم.
أقول: على هذا نزل صلوات الله عليه قولهم منزلة الإبهام والتورية، وهو لفظ له معنيان: قريب وبعيد، وأراد القوم المعنى القريب وهو المتعارف بينهم، فلما كره صلوات الله عليه ذلك، حمله على المعنى البعيد زجرا وتوبيخا لهم. كما إذا قيل لرجل فاضل متبحر من زمرة العلماء: ملك الصدور، فهو دون منزلته؛ لأنه يستعمل في العظماء فيكرهه ويحول الأمر فيه إلى الحقيقة قائلا: ملك الصدور هو الله تعالى. وقوله: ((وأفضلنا)) عطف على قوله: ((سيدنا)) كأنهم قالوا: أنت سيدنا وأفضلنا فضلا وأعظمنا طولا. فكره ﷺ الكل وخص الرد بالسيد، فأدخل الراوي كلامه بين المعطوف والمعطوف عليه. والذي يدل على كراهة الكل قوله: ((قولوا قولكم)) أي بقول أهل ملتكم وما هو من شعار المسلمين، وذلك قولهم رسول الله ونبي الله.
ويحتمل أن يراد بالقول القول الذي جئتم له وقصدتموه، أي دعوا هذا المدح وأتوا بمقصودكم وحاجتكم، ونظيره قوله ﷺ لجويريات يضربن بالدف، ويندبن من قتل آبائهن يوم بدر، إذ قالت إحداهن: وفينا نبي يعلم ما في غد: دعى هذه وقولي ما كنت تقولين. وقوله: ((فضلا)) تمييز والمراد به المزايا من الكرم والعلم والنبوة وغير ذلك. و ((بالأفضل)) مطلق الزيادة بحسب أهل اللغة. و ((الطول)) الفضل.
قوله: ((لا يستجيرنكم الشيطان)) أي: يغلبنكم فيتخذكم جريا أي رسولا ووكيلا. وذلك أنهم كانوا مدحوه، فكره لهم المبالغة في المدح فنهاهم عنه يريد: تكلموا بما يحضركم من القول، ولا تتكلفواه كأنكم وكلاء الشيطان ورسله، تنطقون عن لسانه.
الحديث الثالث عن الحسن: قوله: ((الحسب)) ما يعد من مآثره ومآثر آبائه. والكرم الجمع بين أنواع الخير والشرف والفضائل. وهذا بحسب اللغة، فردهما ﷺ إلى ما هو المتعارف بين الناس وعند الله تعالى، أي ليس ذو الحسب عند الناس الفقير إذ لا يوقر ولا يحتفل به، بل الحسب عندهم من رزق الثروة ووقر في العيون.
ومنه حديث ابن عمر ﵁: من حسب الرجل نقاء ثوبيه، أي أنه يوقر لذلك من حيث أنه دليل الثروة وذو الفضل والشرف عند الناس. ولا يعد كريما عند الله تعالى، وإنما
стр. 2538
٤٩٠٢ - وعن أبي بن كعب، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من تعزى بعزاء الجاهلية، فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا)). رواه في ((شرح السنة)). [٤٩٠٢]
٤٩٠٣ - وعن عبد الرحمن بن أبي عقبة، عن أبي عقبة، وكان مولى من أهل فارس، قال: شهدت مع رسول الله ﷺ أحدا، فضربت رجلاً من المشركين، فقلت: خذها مني وأنا الغلام الفارسي! فالتفت إلى فقال: ((هلا قلت:" خذها مني وأنا الغلام الأنصاري؟)). رواه أبو داود. [٤٩٠٣]
ــ
الكريم عنده من ارتدى برداء التقوى؛ قال الله تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ وأنشد:
كانت مودة سلمان له نسبا ولم يكن بين نوح وابنه رحم
الحديث الرابع عن أبي بن كعب ﵁ قوله: ((فأعضوه بهن أبيه)) ((نه)): الهن بالتخفيف والتشديد كناية عن الفرج. ((تو)): يقال: عزوته إلى أبيه وعزيته أيضاً لغة إذا نسبته إليه فاعتزى وتعزى. قال أصحاب الغريب: انتسب وانتمى إليها في قوله: بآل فلان فأعضوه. قال أبو عبيد الهروي أي قولوا له: أعضض بأير أبيك، ولا تكنوا عن الأير بالهن تأديباً له وتنكيلا. ومعناه: والله أعلم أن من انتسب وانتمى إلى الجاهلية بإحياء سنة أهلها وإتباع سبيلهم في لاشتم واللعن والتعبير ومواجهتكم بالفحشاء والمنكر، فاذكروا له ما تعرفون من مثالب أبيه ومساويه. وما كان يعتريه من لؤم ورذالة صريحاً لا كناية كي يرتدع به عن التعرض لأعراض الناس، هذا هو توجيه الحديث. والله أعلم.
الحديث الخامس عن عبد الرحمن: قوله: ((هلا قلت: خذها مني وأنا الغلام الأنصاري)) ((شف)): أي إذا افتخرت بشرف النسبة، فانتسب إلى الذين هاجرت إليهم ونصروني وهم الأنصار. أقول: من عادة المحاربين عند إظهار الشجاعة إذا أصابوا في ضربتهم أو طعنتهم، يقولون: هذه الكلمة على سبيل التهكم، نحو قوله:
((تحية بينهم ضرب وجيع))
стр. 2539
٤٩٠٤ - وعن ابن مسعود، عن النبي ﷺ ، قال: ((من نصر قومه على غير الحق فهو كالبعير الذي ردى، فهو ينزع بذنبه)). رواه أبو داود. ب٤٩٠٤]
٤٩٠٥ - وعن وائلة بن الأسقع، قال: قلت: يا رسول الله! ما العصبية؟ قال: ((أن تعين قومك على الظلم)). رواه أبو داود. [٤٩٠٥]
٤٩٠٦ - وعن سراقة بن مالك بن جعشم، قال: خطبنا رسول الله ﷺ ، فقال: ((خيركم المدافع عن عشيرته مالم يأثم)). رواه أبو داود. [٤٩٠٦]
١٩٠٧ - وعن جبير بن مطعم، أن رسول الله ﷺ قال: ((ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل عصبية، وليس منا من مات على عصبية)). رواه أبو داود. [٤٩٠٧]
ــ
أي خذ مني هذه العطية. فقوله: ((أنا الغلام الفارسي)) تنبيه على أن الضارب شديد الساعد متمكن من الضربة. وقوله ﷺ له ذلك القول إرشاداً له إلى أبلغ من ذلك، أي قل: أنا من أنصار دين الله تعالى وإن الله هو الذي يؤيدني بنصره.
الحديث السادس عن ابن مسعود ﵁ قوله: ((ردي)) ((تو)): ردي في البئر وتردي إذا سقط فيها. والمعنى أن من أراد أن يرفع نفسه بنصرة قومه على الباطل، فهو كالبعير الذي سقط في بئر، فماذا يجدي عنه أن ينزع بذنبه؟ فإنه وإن اجتهد كل الجهد، لم يتهيأ له أن يخلصه من تلك المهلكة بنزعه إياه بالذنب.
الحديث السابع إلى التاسع عن جبير: قوله: ((من دعا إلى عصبية)) أي يدعو الناس بأن يجتمعوا على عصبية. وفي الحديث: ((ما بال دعوة الجاهلية)): ((ما بال دعوى الجاهلية؟)) هو قولهم: يا آل فلان! كانوا يدعون بعضهم بعضا عند الأمر الحادث.
الحديث العاشر عن أبي الدرداء ﵁: قوله: ((يعمى ويصم)) معناه أنك لترى القبيح منه حسناً، وتسمع منه الخنا قولا جميلا، قال الشاعر:
стр. 2540
٤٩٠٨ - وعن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: ((حبك الشيء يعمى ويصم)). روا أبو داود. [٤٩٠٨]
الفصل الثالث
٤٩٠٩ - عن عبادة بن كثير الشامي من أهل فلسطين، عن امرأة منهم يقال لها فسيلة، أنها قالت: سمعت أبي يقول: سألت رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! أمن العصبية أن يحب الرجل قومه؟ قال: ((لا، ولكن من العصبية أن ينصر الرجل قومه على الظلم)). رواه أحمد، وابن ماجه. [٤٩٠٩]
٤٩١٠ - وعن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أنسابكم هذه ليست بمسبة على أحد، كلكم بنو آدم طف الصاع بالصاع لم تملؤه، ليس لأحد على أحد
ــ
ويقبح من سواك الفعل عندي وتفعله فيحسن منك ذاكا
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا
وقال الشيخ الأستاذ أبو علي: حبك الشيء يعمي عن الغير غيرة وعن المحبوب حبه ومورد الحديث في محل الذم. وذكر العصبية تستدعي أن يقال: إنه ﷺ قال فيمن يتعصب لغيره ويحاميه بالباطل، وحبه إياه يعميه عن أن يبصر الحق في قضية ويصمه عن أن يسمع الحق فيتبعه، وإلا فالحديث ذو وجهين.
الفصل الثالث
الحديث الأول والثاني عن عقبة: قوله: ((طف الصاع بالصاع)) ((نه)): أي قريب بعضكم من بعض. يقال: هذا طف المكيال وطفافه أي ما قرب من ملئه. والمعنى أن كلكم في الانتساب إلى أب واحد بمنزلة واحدة في النقص والتقاصر عن غاية التمام. وشبههم في نقصانهم بالمكيال الذي يبلغ أن يملأ بالمكيال، ثم أعلمهم أن التفاضل ليس بالنسب ولكن بالتقوى، انتهى كلامه.
قوله: ((طف الصاع)) يجوز بالنصب على أنه حال مؤكدة نحو زيد أبوك عطوفاً؛ فإن ذكر بني آدم يدل على النقصان لكونهم من التراب. وبالرفع على أنه بدل أو خبر بعد خبر. والباء في
стр. 2541
فضل إلا بدين وتقوى، كفي بالرجل أن يكون بذيئاً فاحشاً بخيلاً)). رواه أحمد، والبيهقي في ((شعب الإيمان)). [٤٩١٠]
(١٤) باب البر والصلة
الفصل الأول
٤٩١١ - عن أبي هريرة، قال: قال رجل: يا رسول الله! من أحق بحسن صحابتي؟ قال: ((أمك)). قال: ثم من؟ قال: ((أمك)). قال: ثم من؟ قال: ((أمك)). قال: ثم من؟ قال: ((أبوك)). وفي رواية، قال: ((أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك، ثم أدناك أدناك)). متفق عليه.
ــ
((بالصاع)) للحال أي: طف الصاع مقابلا بمثله من النقصان. والمراد التسوية بينهم في النقصان. وقوله: ((بالرجل)) فاعل ((كفي)) والتمييز محذوف أي نقصا. وقوله: ((أن يكون بذيئاً)) بيان للميز؛ لقوله ﷺ : ((كفي بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع)). والله أعلم بالصواب.
باب البر والصلة
((نه)): البر بالكسر الإحسان، وهو في حق الأبوين والأقربين ضد العقوق، وهو الإساءة إليهم والتضييع لحقوقهم. يقال: بر يبر فهو بار، وجمعه بررة، وجمع البر أبرار. وصلة الرحم كناية عن الإحسان إلى الأقربين من ذوي النسب والأصهار، والتعطف عليهم والرفق بهم والرعاية لأحوالهم، وقطع الرحم ضد ذلك، يقال: وصل رحمه يصلها وصلا وصلة. والهاء فيها عوض عن الواو المحذوفة، فكأنه بالإحسان إليهم قد وصل ما بينه وبينهم من علاقة القرابة والصهر.
الفصل الأول
الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((صحابتي)) الجوهري: صحبه يصحبه صحبة بالضم وصحابة بالفتح. ((مح)): هو بفتح الصاد هنا بمعنى الصحابة. وفيه الحث على بر الأقارب، وأن الأم أحقهم بذلك، ثم بعدها الأب ثم الأقرب فالأقرب. قالوا: وسبب تقديم الأم كثرة تعبها عليه وشفقتها وخدمتها. وقوله: ((أمك)) الخ جاء مرفوعاً في رواية وفي أخرى منصوباً. أما الرفع فظاهر، وأما النصب على أن معناه: من أبره، يدل على رواية بهز بن حكيم: ((من أبر)).
стр. 2542
٤٩١١ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((رغم أنفه، رغم أنفه، رغم أنفه)) قيل: من يا رسول الله؟ قال: من أدرك والديه عند الكبر، أحدهما أو كلاهم، ثم لم يدخل الجنة)). رواه مسلم.
ــ
الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((عند الكبر)) بالإضافة وأحدهما أو كلاهما مرفوعان. هكذا هو في جميع روايات مسلم. وفي كتاب الحميدي، وجامع الأصول، وفي بعض نسخ المصابيح. وقد غيروا في بعضها إلى قوله: ((عنده)) بالهاء. وكليهما بالنصب، نعم هو في الترمذي كذا عن أبي هريرة أنه قال ﷺ : ((رغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة.
قال الشيخ محيي الدين: معناه أن يبرهما عند كبرهما وضعفهما بالخدمة والنفقة وغير ذلك سبب لدخول الجنة، فمن فاته قصر في ذلك فاته دخول الجنة. ((مظ)): ((عند الكبر)) ظرف في موضع الحال. والظرف إذا كان في موضع الحال يرفع ما بعده. وكلاهما مرفوع بالظرف وكلاهما معطوف على أحدهما فـ ((أحدهما)) مرفوع بالظرف، و ((كلاهما)) معطوف على ((أحدهما)). ((شف)): يجوز أن يكون ((أحدهما)) خبراً لمبتدأ محذوف، أي مدركه أحدهما أو كلاهما؛ فإن من أدرك شيئاً فقد أدركه ذلك الشيء. وهذه الجملة بيان لقوله: ((من أدرك والديه)).
أقول: ((ثم)) في قوله ((ثم لم يدخل الجنة)) استبعاد، يعني ذلك وخاب وخسر من أدرك تلك الفرصة التي هي موجبة للفلاح والفوز بالجنة ثم لم ينتهزها. وانتهازها هو ما اشتمل عليه قوله تعالى: ﴿وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما﴾ إلى قوله: ﴿وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا﴾؛ فإنه دل على الاجتناب عن جميع الأقوال المحرمة، والإتيان بجميع كرائم الأقوال والأفعال، من التواضع والخدمة والإنفاق عليهما، ثم الدعاء لهما في العاقبة.
فإن قلت: بين لي الفرق بين قوله ﷺ ﵇: ((عند الكبر)) وقوله تعالى: ((عندك الكبر))؟ قلت: معنى ((عندك)) أن يكبرا ويعجزا وكانا كلا عليك، ولا كافل لهما غيرك فهما عندك وفي بيتك وكتفك. ومعنى ((عندك الكبر)) في حال حضوره ومكان حصوله، أي تدركهما والحال أنهما عاجزان، والضعف ممكن فيهما وكأنهما لحم على وضم، فتزاول إنقاذهما من
стр. 2543
٤٩١٣ - وعن أسماء بنت أبي بكر [﵁]، قالت: قدمت على أمي وهي مشركة في عهد قريش، فقلت: يا رسول الله! إن أمي قدمت علي وهي راغبة أفأصلها. قال: ((نعم صليها)). متفق عليه.
٤٩١٤ - وعن عمرو بن العاص، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن آل فلان ليسوا لي بأولياء، إنما وليي الله وصالح المؤمنين، ولكن لهم رحم أبلها ببلالها)). متفق عليه.
ــ
تلك الورطة بالإحسان قولا، وخفض الجناح بالذل فعلا، وطلب الرحمة من الله تعالى فإنه يدل على الاعتراف بالعجز والقصور في أداء حقهما، والإحالة على الله تعالى ورحمته؛ لأنه هو الكافي والحسيب. وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿كما ربياني صغيرا﴾ كما يقال: أدركته وهو في ورطة الهلاك فأنقذته منها.
الحديث الثالث عن أسماء: قوله: ((راغبة)). ((تو)): قد روي بالباء وكذلك هو في المصابيح، وهو الصواب ((راغمة)) بالميم بدل الباء. ((مح)): في شرح هذا الحديث: ((قدمت علي أمي وهي راغبة أو راهبة)). وفي الرواية الأخرى: ((راغبة)) بلا شك وهي مشركة. قال القاضي عياض: الصحيح ((راغبة)) بلا شك. وفي رواية أبي داود: ((راغبة في عهد قريش وهي راغمة مشركة)) قيل: معناه راغبة عن الإسلام أو كارهة له. وقيل: طامعة فيما أعطتها حريصة عليه. ومعنى ((راغمة)) بالميم كارهة للإسلام ساخطة له. وفيه جواز صلة القريب المشرك.
أقول: تحريره أن قوله: ((راغبة)) إذا أطلقت من غير تقييد يقدر راغبة عن الإسلام لا غير، وإذا قرنت بقوله: ((وهي مشركة أو في عهد قريش)) يقدر راغبة في صلتي ليطابق ما رواه أبو داود: ((وهي راغمة)).
الحديث الرابع عن عمرو بن العاص: قوله: ((إنما وليي الله وصالح المؤمنين)) ((تو)): المعنى: أني لا أوالي أحداً بالقرابة، وإنما أحب الله سبحانه لما يحق له على العباد، وأحب صالحي المؤمنين لوجه الله سبحانه، وأوالي من أوالي بالإيمان والصلاح، وأراعي لذوي الرحمن حقهم بصلة الرحم. وقوله: ((أبلها ببلالها)) أي أنديها بما يجب أن يندى. ومنه قوله: ((بلوا أرحامكم)) أي صلوها وندوها. والعرب تقول للقطيعة: اليبس، قال الشاعر:
فلا تيبسوا بيني وبينكم الثرى فإن الذي بيني وبينكم ثرى
شبه قطيعة الرحم بالحرارة تطفأ بالماء ويندى بالصلة
((قض)): ويقال للوصل: بلل يقتضى الالتصاق والاتصال، والهجر يبس يفضي إلى التفتت والانفصال.
стр. 2544
٤٩١٥ - وعن المغيرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال)). متفق عليه.
ــ
أقول: قوله: ((أبلها ببلاها)). فيه مبالغة كقوله تعالى: ﴿إذا زلزلت الأرض زلزالها﴾. أي زلزالها الذي يستوجبه في مشيئة الله ، وهو الزلزال الشديد الذي ليس بعده. فالمعنى أبلها بما عرف واشتهر عند الله وعند الناس ما هو، فلا أترك من ذلك شيئاً. شبه الرحم بأرض إذا بلت بالماء حق بلالها، أثمرت ويرى في ثمرتها أثر النضارة. وإذا تركت يبست وأجدبت، فلم تثمر إلا العداوة والقطيعة. هذا هو الوجه. والبيت ينظر إلى هذا المعنى. وعلى ذلك قول أهل اللغة: سنة جماد لا مطر فيها، وناقة جماد لا لبن لها. ولا تجعل السنة والناقة جمادا إلا على معنى أن السنة بخيلة بالمطر والناقة لا تستحق باللبن.
الحديث الخامس عن المغيرة: قوله: ((عقوق الأمهات)) ((نه)): يقال: عق والده يعقه عقوقا فهو عاق إذا آذاه وعصاه وخرج عليه، وأصله العق وهو الشق والقطع. ((خط)) لم يخص الأمهات بالعقوق، فإن عقوق الآباء محرم أيضاً، ولكن نبه بأحدهما على الآخر؛ فإن بر الأم مقدم على بر الأب؛ لأن لعقوق الأمهات مزية في القبح. وحق الأب مقدم في الطاعة وحسن المتابعة لرأيه والنفوذ لأمره وقبول الأدب منه.
قوله: ((ووأد البنات)) أي دفنهن أحياء. قيل: قدم عقوق الأمهات، لأنهن الأصول وعقبه بوأد البنات: لأنهن الفروع. وكان ذلك تنبيهاً على أن أكبر الكبائر هو قطع النسل الذي هو موجب لخراب العالم. قوله: ((ومنع وهات)) ((نه)): أي حرم عليكم منع ما عليكم إعطاؤه وطلب ما ليس لكم أخذه انتهى كلامه. وقيل: نهى عن منع الواجب من ماله وأقوله وأفعاله وأخلاقه من الحقوق اللازمة فيها، ونهى عن استدعاء ما لا يجب عليكم من الحقوق. وتكليفه إياهم بالقيام بما لا يجب عليهم، وكان ينصف ولا ينتصف، فهذا من أسمج الخلال.
قوله: ((قيل وقال)) ((فا)): نهى عن فضول ما يتحدث به المجالسون من قولهم: قيل كذا وقال كذا، بناؤهما على كونهما فعلين محكمين متضمنين للضمير، والإعراب على إجرائهما مجرى الأسماء خاليين من الضمير. ومنه قوله: ((إنما الدنيا قال وقيل)) وإدخال التعريف عليهما كذلك في قولهم: ما يعرف القال والقيل. ((نه)): وهذا النهي إنما يصح في قول لا يصح ولا يعلم حقيقته. فأما من حكى: ما يصح ويعرف حقيقته، وأسنده إلى ثقة صادق فلا وجه
стр. 2545
٤٩١٦ - وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من الكبائر شتم الرجل والديه)). قالوا: يا رسول الله! وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: ((نعم، يسب أبا الرجل، فيسب أباه؛ ويسب أمه، فيسب أمه)). متفق عليه.
ــ
للنهي عن ولا ذم، وقال أبو عبيد: فيه تجوز عربية، وذلك أنه جعل القال مصدراً كأنه قال: نهى عن قيل وقال يقال: قلت قولا وقالا وقيلا. وهذا التأويل على أنهما اسمان. وقيل: أراد النهي عن كثرة الكلام مبتدئاً ومجيبا. وقيل: هذا الكلام يتضمن لعمومه حرمة النميمة والغيبة؛ فإن تبليغ الكلام من أقبح الخصال، والإصغاء إليها أقبح وأفحش.
قوله: ((كثرة السؤال)) فيه وجوه: أحدها: ((فا)) السؤال عن أمور الناس وكثرة البحث عنها، وثانيها مسألة الناس أموالهم. ((تو)): ولا أدري حمله على هذا؛ فإن ذلك مكروه وإن لم يبلغ حد الكثرة. وثالثها: كثرة السؤال في العلم للامتحان وإظهار المراء. ورابعها: كثرة سؤال النبي ﷺ . قال الله تعالى: ﴿لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾.
قوله: ((وإضاعة المال)) ((فال)): هو إنفاقه في غير طاعة الله تعالى والسرف انتهى كلامه. قيل: والتقسيم الحاصر فيه الحاوي لجميع الأقسام أن تقول: إن الذي يصرف إليه المال، إما أن يكون واجباً كالنفقة والزكاة ونحوهما، فهذا لا ضياع فيه، وهكذا إن كان مندوباً إليه، وإما أن يكون حراماً أو مكروهاً، وهذا قليلة وكثرة إضاعة وسرف. وإما أن يكون مباحاً ولا إشكال إلا في هذا القسم؛ إذ كثر من الأمور يعده بعض الناس من المباحات، وعند التحقيق ليس كذلك كتشييد الأبنية وتزيينها، والإسراف في النفقة، والتوسع في لبس الثياب الناعمة، والأطعمة الشهية اللذيذة، وأنت تعلم أن الفسق وغلظة الطبع يتولد من لبس الرقاق وأكل الرقاق. ويدخل فيه تمويه الأواني والسقوف بالذهب والفضة، وسوء القيام على ما يملكه من الرقيق والدواب، حتى تضيع فتهلك. وقسمة ما لا ينتفع الشريك به كاللؤلؤة والسيف يكسران. وكذا احتمال الغبن الفاحش في البياعات، وإيتاء المال صاحبه، وهو سفيه حقيق بالحجر. وهذا الحديث أصل في معرفة حسن الخلق الذي هو منبع جميع الأخلاق الحميد والخلال الحميدة.
الحديث السادس عن عبد الله: قوله: ((من الكبائر)) قيل: ((وإنما يصير ذلك من الكبائر، إذا كان الشتم مما يوجب حدا كما إذا شتمه بالزنا والكفر، وقال له: أبوك زان أو كافر أو نحوهما. فقال في جوابه: بل أبوك كافر أو زان. أما إذا شتمه بما دون ذلك بأن قال له: أبوك أحمق أو جاهل أو نحوهما فلا يكون من الكبائر.
стр. 2546
٤٩١٧ - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن من أبر البر صلة الرجل أهل ود أبيه بعد أن يولي)). رواه مسلم.
٤٩١٨ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره؛ فليصل رحمه)). متفق عليه.
ــ
أقول: ويمكن أن يقال: إنه من الكبائر مطلقاً؛ لأن سبب السبب سب، فكأنه واجه أباه بأن قال له: أنت أحمق أو جاهل. ولا شك أن هذا من الكبائر. وقد قال تعالى: ﴿ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما﴾، ونحوه قوله تعالى: ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم﴾. ((مح)): وفيه قطع تحريم الوسائل والذرائع، فيؤخذ منه النهي عن بيع العصير لمن يتخذ الخمر والسلاح ممن يقطع الطريق ونحو ذلك.
الحديث السابع عن ابن عمر ﵁: قوله: ((بعد أن يولي)). ((تو)): هذه الكلمة مما يتخبط الناس فيها، والذي أعرفه هو أن الفعل مسند إلى ((أبيه))، أي بعد أن يغيب أبوه أو يموت من ولى يولى، يؤيده حديث أبي أسيد الساعدي، وإنفاذ عهدهما من بعدهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما وإكرام صديقهما، انتهى كلامه.
وهكذا صحح في مشاق جامع الأصول ومشارق الأنوار ((أن يولى)) بضم الياء وفتح الواو وكسر اللام المشددة. والمعنى أن من جملة المبرات الفضلى مبرة الرجل مع أحباء أبيه؛ فإن مودة الآباء قرابة الأبناء أي إذا غاب الأب أو مات يحفظ أهل وده ويحسن إليهم؛ فإنه من تمام الإحسان إلى الأب. وإنما كان أبر لأنه إذا حف غيبته فهو بحفظ حضوره أولى وأحرى.
الحديث الثامن عن أنس ﵁: قوله: ((وينسأ له)). ((مح)): النسأ التأخير يقال: نسأت الشيء نسأ وأنسأته إذا أخرته والنساء الاسم. ويكون في العمر والدين. و ((الأثر)) الأجل وسمي به؛ لأنه يتبع العمر. قال زهير:
يسعى الفتى لأمور ليس يدركها والنفس واحدة والهم منتشر
المرء ما عاش ممدود له أمل لا ينتهي العمر حتى ينتهي الأثر
وأصله من ((أثر مشيه في الأرض))؛ فإن من مات لا يبقى له أثر، فلا يرى لأقدامه في الأرض أثر.
((مح)): في تأخير الأجل سؤال مشهور، وهو أن الآجال والأرزاق مقدرة لا تزيد ولا تنقص. ((فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون)).
стр. 2547
٤٩١٩ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((خلق الله الخلق، فلما
ــ
وأجاب العلماء بوجوه: أحدهما: أن هذه الزيادة بالبركة في العمر بسبب التوفيق في الطاعات وعمارة أوقاته بما ينفعه في الآخرة، وصيانتها عن الضياع في غير ذلك.
وثانيها: أنه بالنسبة إلى ما يظهر للملائكة في اللوح المحفوظ ونحو ذلك، فيظهر لهم في اللوح المحفوظ أن عمره ستون سنة إلا أن يصل رحمه، فإن وصلها زيد له أربعون. وقد علم الله بما سيقع له من ذلك، وهو من معنى قوله تعالى: ﴿ويمحو الله ما يشاء ويثبت﴾. فبالنسبة إلى ما في علم الله تعالى وما سبق به قدره لا زيادة، بل هي مستحيلة وبالنسبة إلى ما ظهر للمخلوقين يتصور الزيادة، وهو مراد الحديث.
وثالثها: أن المراد بقاء ذكره الجميل بعده، فكأنه لم يمت، وهو ضعيف.
أقول: كأن هذا الوجه أظهر؛ فإن أثر الشيء هو حصول ما يدل على وجوده، فمعنى ((يؤخر في أثره)) أي يؤخر ذكره الجميل بعد موته، أو يجري له ثواب عمله الصالح بعد موته. قال الله تعالى: ﴿ونكتب ما قدموا وآثارهم﴾ وعليه كلام صاحب الفائق حيث قال: ويجوز أن يكون المعنى، أن الله يبقى أثر واصل الرحم في الدنيا طويلاً، فلا يضمحل سريعاً كما يضمحل أثر قاطع الرحم. ولم أنشد أبو تمام أبا دلف ما رثى به محمد بن حميد:
توفيت الآمال بعد محمد وأصبح في شغل مع السقر
الأبيات المذكورة في التبيان. بكى وقال: وددت أنها في. فقال أبو تمام:
((بل يطيل الله عمر الأمير)).
فقال: لم يمت من قيل فيه هذا، وعليه قول الخليل ﵇: ﴿واجعل لي لسان صدق في الآخرين﴾.
الحديث التاسع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((فلما فرغ)). تو)) ((تو)): أي قضاه الله وأتمه، أو نحو ذلك مما يشهد بأنه مجاز القول؛ فإنه لا يشغله شأن عن شأن، أو يطلق عليه الفراغ الذي هو ضد الشغل. ويقال: مه فلان أي: ما تقول، على الزجر والاستفهام. وههنا إن كان على الزجر فبين، وإن كان على الاستفهام فالمراد منه الأمر بإظهار الحاجة دون الاستعلام؛ فإن الله تعالى يعلم السر وأخفي. وقيل: هو في الحقيقة ضرب مثلا واستعارة؛ إذا الرحم معنى، وهو اتصال القرب بين أهل النسب.
стр. 2548
فرغ منه قامت الرحم فأخذت بحقوى الرحمن فقال: مه؟ قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة. قال: ألا ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى يارب! قال: فذاك)) متفق عليه.
ــ
((قض)): لما كان من عادة المستجير أن يأخذ بذيل المستجار به أو بطرف إزاره، وربما يأخذ بحقو إزاره- وهو مشده- تفظيعاً للأمر ومبالغة وتوكيداً في الاستجارة. وكأنه يشير به إلى أن المطلوب أن يحرسه ويذب عنه ما يؤذيه. كما يحرص ما تحت إزاره ويذب عنه، وأنه لاصق به لا ينفك عنه، فاستعير ذلك للرحم، واستعاذتها بالله من القطيعة. وإليه أشار بقوله: ((هذا مقام العائذ بك))، وهي أيضاً مجاز إدناء للمعنى المعقول، إلى المثال المحسوس المعتاد بينهم؛ ليكون أقرب إلى فهمهم وأمكن في نفوسهم.
((مح)): الرحم التي توصل وتقطع إنما هي معنى من المعاني، والمعاني لا يتأتى منها القيام ولا الكلام، فيكون المراد تعظيم شأنها وفضيلة واصلها وعظم إثم قاطعها.
أقول: القول الأول مبني على الاستعارة التمثيلية التي الوجه فهيا منتزع من أمور متوهمة للمشبه المعقول، فما كانت ثابتة للمشبه به المحسوس؛ وذلك أن شبهت حال الرحم وما هي عليه من الافتقار إلى الصلة. والذب عنها من القطيعة بحال مستجير يأخذ بذيل المستجار به وحقو إزاره. ثم أدخل صورة حال المشبه في جنس المشبه به، واستعمل في حال المشبه ما كان مستعملا في حال المشبه به في الألفاظ بدلالة قرائن الأحوال. ويجوز أن تكون مكنية، بأن يشبه الرحم بإنسان مستجير بمن يحميه ويجيره ويذب عنه ما يؤذيه، ثم أسند على سبيل الاستعارة التخييلية ما هو لازم المشبه به من القيام؛ لتكون قرينة مانعة من إرادة الحقيقة، ثم رشحت الاستعارة بأخذ الحقو والقول.
وقوله: ((بحقوى الرحمن)): استعارة أخرى مثلها. والقول الثاني على الكناية الإيمائية. وهي أخذ الزبدة والخلاصة من مجموع الكلام من غير نظر إلى مفردات التركيب حقيقتها ومجازها.
الكشاف)) في قوله تعالى: ﴿والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه﴾ الغرض من هذا الكلام إذا أخذته كما هو بجملته ومجموعه تصوير عظمته والتوقف على كنه جلاله لا غير، من غير ذهاب بالقبضة ولا باليمين إلى جهة حقيقة أو جهة مجاز. ثم قال: ولا ترى بابا في علم البيان أدق ولا ألطف من هذا الباب، ولا أنفع ولا أعون على تعاطي تأويل المتشابهات من كلام الله في القرآن وسائر الكتب السماوية وكلام الأنبياء! فإن أكثره وأغلبه تخيلات قد زلت فيها الأقدام قديماً وحديثاً. والله أعلم بالصواب.
стр. 2549
٤٩٢٠ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الرحم شجنة من الرحمن. قال الله: من وصلك وصلته، ومن قطعك قطعته)) رواه البخاري.
ــ
((مح)): لا خلاف أن صلة الرحم واجبة في الجملة، وقطيعها معصية كبيرة. وللصلة درجات بعضها أرفع من بعض، وأدناها ترك المهاجرة وصلتها بكلام ولو بالسلام. ويختلف ذلك باختلاف القدرة والحاجة، فمنها واجب ومنها مستحب. ولو وصل بعض الصلة ولم يصل غايتها لا يسمى قاطعاً. ولو قصر عما يقدر عليه- وينبغي له- لا يسمى واصلاً.
وقوله: ((فذلك)) مبتدأ خبره محذوف، أي فلك ذاك. قوله: ((فقال: مه؟)). قال المالكي: أصله ((ما)) الاستفهامية حذفت ألفها، ووقف عليه بهاء السكت. والشائع أن لا يفعل ذلك بها إلا وهي مجرورة. ومن استعمالها هكذا غير مجرورة قول الحجاج لليلى الأخيلية: ثم مه: قالت: ثم لم يلبث أن مات، وقول أبى ذؤيب: مه: فقيل له: هلك رسول الله ﷺ . وحكى الكسائي: أن بعض كنانة يقولون: معندك ومصنعت؟ فيحذفون الألف دون جر، ولا يصلون الميم بهاء السكت لعدم الوقف. وفي الاقتصار على الميم- في: ((معندك ومصنعت)) - دليل على أن الهاء في قول أبي ذؤيب والحجاج هاء سكت، لا بدل من الألف كما زعم الزمخشري؛ لأنها عوملت معاملة المتصلة بالمجرورة من السقوط وصلا والثبوت وقفا. ولو كانت بدلا من الألف، لجاز أن يقال في الوصل: مه عندك، ومه صنعت؟.
الحديث العاشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((شجنة من الرحمن)) ((تو)): الشجنة بالكسر عروق الشجر المشتبكة. وكذلك الشجنة بالفتح، والشجنة بالسكون واحد شجون الأودية وهي طرفها. ويقال: الحديث ذو شجون، أي يدخل بعضه في بعض. والمراد من الرحمن أي من هذا الاسم يدلك عليه حديثه الآخر. قال الله تعالى: ((أن الله وأنا الرحمن، خلقت الرحم وشققت لها من اسمي)) المعنى: الرحم أثر من آثار رحمته مشتبكة بها، فالقاطع منها قاطع من رحمة الله.
الحديث الحادي عشر عن عائشة ﵂: قوله: ((معلقة بالعرش)) في الأحاديث الثلاثة بيان مراتب الرحم بعضها من بعض، كبيان مراتب اللياذ. فالأولى لمن هو أخص الأرحام بوساطة الولادة؛ لأن الأخذ بحقوى الرحمن أبلغ في القرب، والثانية دونها؛ لأن الاشتقاق اللفظي مستدع للتناسب بين معنييها، فالقريب دون الأول كالأخوة والأعمام ونحوهما وفرعيهما. والثالثة دونهما؛ لأن التعلق بالعرش دون التعلق بالرحمن وبحقويه. فالقريب منهم أولو الأرحام.
((مح)): للصلة درجات بعضها أرفع من بعض. واختلفوا في حد الرحم التي يجب صلتها،
стр. 2550
٤٩٢١ - وعن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله)). متفق عليه.
٤٩٢٢ - وعن جبير بن مطعم، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يدخل الجنة قاطع)). متفق عليه.
٤٩٢٣ - وعن ابن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها)). رواه البخاري.
٤٩٢٤ - وعن أبي هريرة، أن رجلا قال: يا رسول الله! إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي. فقال: ((لئن
ــ
فقيل: في كل رحم محرم بحيث لو كان أحدهما ذكراً والآخر أنثى، حرمت مناكحتهما. فعلى هذا لا يخل أولاد الأعمام وأولاد الأخوال. واحتج هذا القائل بتحريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها في النكاح ونحوه، وجواز ذلك في بنات الأعمام والأخوال. وقيل: هو عام في كل رحم من ذوي الأرحام في الميراث، يستوي المحرم وغيره، ويدل عليه قوله ﷺ : ((ثم أدناك ثم أدناك)).
الحديث الثاني عشر عن جبير: قوله: ((لا يدخل الجنة))، ((مح)): قد سبق نظائره، حمل تارة على من يستحل القطيعة بلا سبب ولا شبهة مع علمه بتحريمها، وأخرى لا يدخلا مع السابقين.
الحديث الثالث عشر عن ابن عمرو: قوله: ((ليس الواصل بالمكافئ)) التعريف في ((الواصل)) للجنس، أي ليس حقيقة الواصل ومن يعتد وصله من يكافئ صاحبه بمثل فعله. ونظيره: قولك: هو ليس بالرجل بل الرجل من يصدر منه المكارم والفضائل. والرواية ((لكن)) بالتشديد وإن جاز التخفيف.
الحديث الرابع عشر: عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((قرابة)) أي ذوي قرابة، والضمير في ((أصلهم)) إلى المقدر. قوله: ((فكأنما تسفهم)) ((نه)): هو من قولهم: سففت الدواء بالكسر أسفه وأسففته غيري، وهو السفوف بالفتح. والمل والملة الرماد الذي يحمي ليدفن فيه الخبز لينضج. أراد إنما تجعل الملة لهم سفوفاص يسفونه، يعني إذا لم يشكروا، فإن عطاءك إياهم حرام عليهم ونار في بطونهم.
((تو)): أي إحسانك إليهم إذا كانوا يقابلونه بالإساءة يعود وبالا عليهم، حتى كأنك في إحسانك إليهم مع إساءتهم إياك أطعمتهم النار.
стр. 2551
كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك)). رواه مسلم.
الفصل الثاني
٤٩٢٥ - عن ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه)). رواه ابن ماجه. [٤٩٢٥]
ــ
أقول: قوله: ((فكأنما)) كذا في المصابيح ومسلم وكتاب الحميدي وجامع الأصول بالفاء والظاهر اللام؛ لأن اللام في قوله: ((لئن كنت)) موطئة للقسم، وهذه جوابه سد مسد جواب الشرط، اللهم إلا أن يعكس ويجعل جزاء الشرط سادا مسد جواب القسم. وقد ورد في شرح السنة: ((لكأنما)).
وقوله: ((يجهلون)) متعلقة بمحذوف أي على، يعني يغضبون ولعله ﷺ إنما قال ذلك؛ لما عرف أن قومه يبغون عليه، فغضب له عليهم وقال ذلك، ومنه قول الحماسي:
وإن الذي يبني وبين بني أبي وبين بني عمي لمختلف جداً
إذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجداً
وإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم وإن هم هووا غيي هويت لهم رشداً
الفصل الثاني
الحديث الأول عن ثوبان: قوله: ((لا يرد القدر)) ((حس)): ذكر أبو حاتم السجستاني في معنى الحديث: أن دوام المرء على الدعاء يطيب له ورود القضاء. فكأنما رده، والبر يطيب عيشه، فكأنما يزيد في عمره. والذنب يكدر عليه صفاء رزقه إذا فكر في عاقبة أمره، فكأنما حرمه.
((تو)): ويحتمل أن يكون المراد من القدر الأمر الذي كان يقدر لولا دعاؤه، ومن العمر العمر الذي كان يقصر لولا بره فيكون الدعاء والبر سببين من أسباب ذلك. وهما مقدران أيضاً، كما أن الأعمال حسنها وسيئها سببان من أسباب السعادة والشقاوة، ولا شك أنهما مقدران أيضاً.
стр. 2552
٤٩٢٦ - وعن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((دخلت الجنة فسمعت فيها قراءة، فقلت: ما هذا؟ قالوا: حارثة بن النعمان، كذلكم البر، كذلكم البر)). وكان أبر الناس بأمه رواه في ((شرح السنة))، والبيهقي في ((شعب الإيمان)). وفي رواية: قال: ((نمت فرأيتني في الجنة)) بدل: ((دخلت الجنة)). [٤٩٢٦]
ــ
((مظ)): قوله: ((ليحرم الرزق بالذنب)) يؤول على تأويلين: أحدهما: أن يراد بالرزق الثواب في الآخرة. وثانيهما: أن يراد به الرزق الدنيوي من المال والصحة والعافية، وعلى هذا إشكال، فإنا نرى الكفار والفساق أكثر مالا وصحة من الصلحاء. والجواب أن الحديث مخصوص بمسلم يريد الله تعالى أن يرفع درجته في الآخرة يعذبه بسبب ذنبه، فيصفيه من الذنوب في الدنيا.
أقول: ويدل على الاختصاص تقييد هذه القرينة بالرجل دون القرينتين السابقتين، فالتعريف فيه: إما للجنس، فيكون المعنى: الرجل الكامل الحازم هو الذي يتفكر في عاقبة أمره، فإذا أذنب تكدر عليه صفاء رزقه، كما قال السجستاني، أو للعد فيراد منه بعض الجنس من المسلمين على ما عليه كلام المظهر.
الحديث الثاني عن عائشة ﵂: قوله: ((كذلك البر)) المشار إليه ما سبق والمخاطبون الصحابة؛ فإنه ﷺ رأي هذه الرؤيا، وقصة على أصحابه، فلما بلغ إلى قوله: ((حارثة بن النعمان)) نبههم على سبب نيل تلك الدرجة، فقال: كذلكم البر، أي مثل تلك الدرجة تنال بسبب البر.
فإن قلت: ما موقع هذه الجملة؟ قلت: موقعها التذييل كقوله تعالى: ﴿وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون﴾.
وفيه من المبالغة أنه جعل جزاء البر برا، وعرف الخبر بلام الجنس تنبيهاً على أن هذه الدرجة القصيا لا تنال إلا ببسر الوالدين، وذلك أنه ورد في الحديث: ((أنه يقال لصاحب لقرآن يوم القيامة: اقرأ وارتق، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا؛ فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها)) وفي معنى التكرار أيضاً استيعاب وتقرير وتوكيد.
فإن قلت: فما موقع ((وكان أبر الناس))؟ قلت: قوله: ((وكان أبر الناس)) الواو فيه إن كان
стр. 2553
٤٩٢٧ - وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ ،: ((رضى الرب في رضى الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد)). رواه الترمذي. [٤٩٢٧]
٤٩٢٨ - وعن أبي الدرداء، أن رجلا أتاه، فقال: إن لي امرأة وإن أمي تأمرني بطلاقها فقال له أبو الدرداء: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((الوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئت فحافظ على الباب أو ضيع)) رواه الترمذي، وابن ماجه. [٤٩٢٨]
٤٩٢٩ - وعن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، قال: قلت: يا رسول الله! من أبر قال: ((أمك)) قلت ثم من؟ قال: ((أمك)). قلت: ثم من؟ قال: ((أمك)). قلت: ثم من؟ قال ((أباك، ثم الأقرب فالأقرب)). رواه الترمذي، وأبو داود. [٤٩٢٩]
٤٩٣٠ - وعن عبد الرحمن بن عوف، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((قال الله ﵎: أنا الله، وأنا الرحمن، خلقت الرحم وشققت لها من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها بتته)). رواه أبو داود. [٤٩٣٠]
٤٩٣١ - وعن عبد الله بن أبي أوفي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا تنزل الرحمة على قوم فيهم قاطع الرحم)). رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [٤٩٣١]
ــ
للعطف، فيكون من جملة مقول الملائكة. وإن كان لحال فذو الحال الضمير المستتر في ((قال)) المقدر، أي قال رسول الله صلى عليه وسلم: ((ذلكم)) والحال أن حارثة كان أبر الناس بأمه.
وإنما قلنا: إنه في رؤيا رآها، لما جاء في رواية أخرى عن الزهري: قال: ((نمت فرأيتني في الجنة)). والله أعلم.
الحديث الثالث والرابع عن أبي الدرداء ﵁: قوله: ((أوسط أبواب الجنة)) ((قض)): أي خير الأبواب وأعلاها. والمعنى: أن أحسن ما يتوسل به إلى دخول الجنة ويتوصل به إلى الوصول إليها، مطاوعة الوالد ومراعاة جانبه.
стр. 2554
٤٩٣٢ - وعن أبي بكرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من ذنب أحرى أن يعجب الله لصاحبه العقوبة في الدنيا، مع ما يدخر له في الآخرة، من البغي وقطيعة الرحم)). رواه الترمذي، وأبو داود. [٤٩٣٢]
٤٩٣٣ - وعن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يدخل الجنة منان، ولا عاق، ولا مدمن خمر)). رواه النسائي، والدارمي. [٤٩٣٣]
٤٩٣٤ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صلة الرحم محبة في الأهل، مثراة في المال، منسأة في الأثر)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب. [٤٩٣٤]
ــ
الحديث الخامس إلى السابع عن عبد الله قول: ((على قوم فيهم قاطع الرحم)) ((تو)) يحتمل أنه أراد بالقوم الذين يساعدونه على قطيعة الرحم، ولا ينكرون عليه. ويحتمل أنه أراد بالرحمة المطر أي يحبس عنهم المطر بشؤم القاطع.
الحديث الثامن عن أبي بكرة: قوله: ((أن يعجل الله)) صلة أخرى وعلى تقدير الباء و ((من)) في قوله: ((من البغي)) تفصيلية.
الحديث التاسع عن عبد الله: ((منان)) قبل: هو من المنة أي يمن على الناس بما يعطيهم، وذلك مذموم؛ قال الله تعالى: ﴿لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾. أو من المن بمعنى القطع، أي قاطع الرحم؛ قال الله تعالى: ﴿وإن لك لأجراً غير ممنون﴾ ومنه المنية. وأراد ((بالعاق)) العاصي للوالدين.
((تو)): محمل هذا أنه لا يدخل مع الفائزين، أو لا يدخل حتى يعاقب بما اجترحه من الإثم بكل واحد من الأعمال الثلاثة.
الحديث العاشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((محبة)) مفعلة من الحب كالمظنة من الظن. قوله: ((مثراة)) ((نه)): هي مفعلة من الثرى وهو الكثرة. و ((المنسأة)) المفعلة من النسأ التأخير.
((قض)): ((منسأة في الأثر)) أي تأخير في الأجل. وقيل: دوام واستمرار في النسل، والمعنى أن يمن الصلة يفضي إلى ذلك.
стр. 2555
٤٩٣٥ - وعن ابن عمر، أن رجلا أتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إني أصبت ذنباً عظيماً، فهل لي من توبة؟ قال: هل لك من أم؟)) قال: لا. قال: ((وهل لك من خالة؟)) قال: نعم: قال: ((فبرها)). رواه الترمذي. [٤٩٣٥]
٤٩٣٦ - وعن أبي أسيد الساعدي، قال: بينا نحن عند رسول الله ﷺ ، إذ جاء رجل من بني سلمة، فقال: يا رسول الله! هل بقى من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: ((نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنقاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما)). رواه أبو داود. وابن ماجه. [٤٩٣٦]
٤٩٣٧ - وعن أبي الطفيل، قال: رأيت النبي ﷺ يقسم لحماً بالجعرانة إذ أقبلت امرأة حتى دنت إلى النبي ﷺ ، فبسط لها رداءه، فجلست عليه. فقلت: من هي؟ فقالوا: هي أمه التي أرضعته. رواه أبو داود. [٤٩٣٧]
ــ
الحديث الحادي عشر عن ابن عمر ﵄: قوله: ((ذنباً عظيماً)) ((مظ)): يجوز أنه أراد عظيماً عندي؛ لأن عصيان الله تعالى عظيم، وإن كان الذنب صغيراً. ويجوز أن يكون ذنبه كان عظيما من الكبائر، وأن هذا النوع من البر يكون مكفراً له، وكان مخصوصاً بذلك الرجل، علمه النبي ﷺ من طريق الوحي.
الحديث الثاني عشر عن أبي أسيد: قوله: ((التي لا توصل إلا بهما)) ليس بصفة للمضاف إليه بل للمضاف، أي الصلة الموصوفة بأنها خالصة لحقهما ورضاهما لا لأمر آخر، ونحوه. قال الشيخ أبو حامد في الإحياء: وهو هذا أن العباد أمروا أن لا يعبدوا إلا الله، ولا يريدوا بطاعتهم غيره. وكذلك من يخدم أبويه لا ينبغي أن يخدم لطلب منزلة عندهما إلا من حيث أن رضي الله في رضى الوالدين. ولا يجوز أن يرائي بطاعته لينال بها منزلة عند الوالدين؛ فإن ذلك معصية في الحال، وسيكشف الله رياءه، ويسقط منزلته من قبلهما أيضاً.
الحديث الثالث عشر عن أبي الطفيل: قوله: ((فبسط لها رداءه)) قيل: فيه إشارة إلى وجوب رعاية الحقوق القديمة، ولزوم إكرام من له صحبة قديمة وحقوق سابقة.
стр. 2556
الفصل الثالث
٤٩٣٨ - عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ، قال: ((بينما ثلاثة نفر يتماشون أخذهم المطر، فمالوا إلى غار في الجبل، فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل، فأطبقت عليهم فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمالاً عملتموها لله صالحة، فادعوا الله بها لعله يفرجها. فقال أحدهم: اللهم إنه كان لي والدان شيخان كبيران، ولي صبية صغار كنت أرعى عليهم، فإذا رحت عليهم فحلبت بدأت بوالدين أسقيهما قبل ولدي، وإنه قد نأي بي الشجر، فما أتيت حتى أمسيت، فوجدتهما قد ناما، فحلبت كما كنت أحلب، فجئت بالحالب، فقمت عند رءوسهما أكره أن أوقظهما، وأكره أن أبدأ بالصبية قبلهما والصبية يتضاغون عند قدمي، فلم يزل بي دأبي ودأبهم حتى طلع الفجر، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فأفرج لنا فرجة نرى منها السماء. ففرج الله لهم حتى يرون السماء.
ــ
الفصل الثالث
الحديث الأول عن ابن عمر ﵄: قوله: ((صالحة)) صفة أخرى لـ ((أعمالا)) أي خالصة لوجهه لا رياء ولا سمعة فيها؛ يدل عليه قوله: ((ابتغاء وجهك)) فيما بعد. وضمن ((أرعى)) معنى الإنفاق، وعداه بـ ((على)) أي أنفق عليهم راعياً الغنيمات. وكذا ضمن ((رحت)) معنى رددت أي إذا رددت الماشية من المرعى إلى موضع مبيتها.
قوله: ((فحلبت)) عطف على ((رحت)) و ((بدأت)) جواب ((إذا))، و ((أسقيهما)) إما حال أو استئناف بيان للعلة. قوله: ((وإنه قد ناء بي الشجر)). ((مح)): وفي نسخ مسلم: ((نأي)) بجعل الهمزة قبل الألف، وبه قرأ أكثر القراء السبعة، وهما لغتان.
((نه)): أي بعد بي المرعى في الشجر. قوله: ((والحلاب)) بكسر الحاء، هو الإناء الذي يحلب فيه. وقيل: قد يراد بالحلاب هنا اللبن المحلوب. و ((يتضاغون)) أي يضجون ويصيحون من الجوع، والضمير في ((دأبهم)) للوالدين والصبية. و ((الفرجة)) بضم الفاء وفتحها. و ((يرون)) بإثبات النون في بعض نسخ شرح السنة، فيكون حكاية الحال الماضية، كقولك: شربت الإبل حتى يجيء البعير يجر بطنه، وفي بعضها بإسقاطه. قوله: ((إنه كانت لي)) ذكر ضمير الشأن والمذكور في التفسير مؤنث، وهذا يدل على جواز ذلك.
стр. 2557
قال الثاني: اللهم إنه كانت لي بنت عم أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء، فطلبت إليها نفسها، فأبت حتى أتيتها بمائة دينار، فسعيت حتى جمعت مائة دينار،
ــ
قوله: ((كأشد)) يجوز أن يكون صفة مصدر محذوف. و ((ما)) مصدرية، أي أحبها حباً مثل أشد حب الرجال النساء، أو حالا أي أحبها مشابها حبي أشد حب الرجل النساء. ونظيره قوله تعالى: ﴿يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية﴾، فإن قوله تعالى: ﴿أو أشد خشية﴾ حال على تقدير مشبهين أو أشد خشية من أهل خشية الله. ويجوز أن يكون صفة المصدر نحو خشية الله على أن يكون الخشية خاشية. وما نحن فيه لم يحتج إلى هذا التأويل؛ لأنه مضاف كما قدرنا. وفي الآية: ((خشية)) منصوبة على التمييز. ولو قدر الإضافة بأن يقال: أشد خشية بالجر كان سواء بسواء حذو القذة بالقذة.
قوله: ((فطلبت إليها نفسها)) ((نه)): يقال: طلب إلي فأطلبته أي أسعفته بما طلب. والطلبة الحاجة والإطلاب إنجازها. انتهى كلامه. ويجوز أن يضمن فيه معنى الإرسال، أي أرسلت إليها طالباً نفسها. والخاتم كناية عن البكارة. والفاء في ((فإن كنت)) عطف على مقدر، أي اللهم فعلت فإن كنت تعلم .... إلخ. ويجوز أن يكون ((اللهم)) مقحمة بين المعطوف والمعطوف عليه لتأكيد الابتهال والتضرع إلى الله تعالى، فلا يقدر معطوف عليه وهو الوجه، يدل عليه القرينة السابقة واللاحقة. وإنما كرر ((اللهم)) في هذه القرينة دون أختيهما؛ لأن هذا المقام أصعب المقامات وأشقها؛ فأنه ردع لهوى النفس خوفاً من الله تعالى ومقامه. قال الله تعالى: ﴿وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى﴾.
قال الشيخ أبو حامد: شهوة الفرج أغلب الشهوات على الإنسان وأعصاها عند الهيجان على العقل. فمن ترك الزنا خوفاً من الله تعالى مع القدرة، وارتفاع الموانع وتيسر الأسباب لاسيما عند صدق الشهوة، نال درجة الصديقين. و ((الفرق)) بفتح الراء مكيال يسع ستة عشر رطلاً. وهي اثنا عشر مداً، وثلاثة آصع عند أهل الحجاز.
قوله: ((ذلك البقر)) ((ذلك)) إشارة إلى البقر باعتبار السواد المرئي. كما يقال: هند ذلك الإنسان أو الشخص فعل كذا. قال الذبياني:
تبيت نعمي على الهجران عاتبة سقياً ورعياً لذاك العاتب الزاري
وأنث الضمير الراجع إلى البقر باعتبار جمعية الجنس.
((مح)): استدل أصحابنا بهذا على أنه يستحب للإنسان أن يدعو في حال كربه وفي الاستسقاء
стр. 2558
فلقيتها بها، فلما قعدت بين رجليها. قالت: يا عبد الله! اتق الله ولا تفتح الخاتم، فقمت عنها. اللهم فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج لنا منها، ففرج لهم فرجة.
وقال الآخر: اللهم إني كنت استأجرت أجيراً بفرق أرز، فلما قضى عمله قال: أعطني حقي. فعرضت عليه حقه، فتركه ورغب عنه، فلم أزل أزرعه حتى جمعت منه بقراً وراعيها، فجاءني فقال: اتق الله ولا تظلمني وأعطني حقي. فقلت: اذهب إلى ذلك البقر وراعيها فقال: اتق الله ولا تهزأ بي. فقتل: إني لا أهزأ بك فخذ ذلك البقر وراعيها، فأخذه فانطلق بها. فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فأفرج ما بقى ففرج الله عنهم)). متفق عليه.
٤٩٣٩ - وعن معاوية بن جاهمة، أن جاهمة جاء إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! أردت أن أغزو وقد جئت أستشيرك. فقال: ((هل لك من أم؟)) قال:
ــ
وغيره. ويتوسل بصالح عمله إلى الله تعالى، فإن هؤلاء فعلوه واستجيب لهم. وذكره النبي ﷺ في معرض الثناء عليهم وجميل فضائلهم. وفيه فضل بر الوالدين وإيثارهما على من سواهما من الأهل والوالد. وفيه فضل العفاف والانكفاف عن المحرمات، لاسيما بعد القدرة عليها. وفيه جواز الإجازة وفضل حسن العهد وأداء الأمانة والسماحة في المعاملة. وفيه إثبات كرامات الأولياء، وهو مذهب أهل الحق.
وتمسك بالحديث أصحاب أبي حنيفة وغيرهم، ممن يجوز بيع الإنسان مال غيره والتصرف فيه بغير إذنه، إذا أجازه المالك بعد ذلك. وأجاب أصحابنا بأن هذا إخبار عن شرع من قبلنا، وفي كونه شرعاً لنا خلاف. فإن قلنا: إنا متعبدون به، فهو محمول على أنه استأجره في الذمة، ولم يسلم إليه بل عرضه عليه، فلم يقبضه، فلم يتعين ولم يصر ملكه. فالمستأجر قد تصرف في ملك نفسه، ثم تبرع بما اجتمع منه من البقر والغنم وغيرهما.
الحديث الثاني عن معاوية: قوله: ((عند رجلها)) كناية عن غاية الخضوع ونهاية التذلل، كما في قوله تعالى: ﴿واخفض لهما جناح الذل من الرحمة﴾. ولعله ﷺ عرف من حاله وحال أمه حيث ألزمه خدمتها ولزومها أن ذلك أولى به.
стр. 2559
نعم. قال: ((فالزمها، فإن الجنة عند رجلها)). رواه أحمد، والنسائي، والبيهقي في ((شعب الإيمان)). [٤٩٣٩]
٤٩٤٠ - وعن ابن عمر، قال: كانت تحتي امرأة أحبها، وكان عمر يكرهها. فقال لي: طلقها، فأبيت. فأتى عمر رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك له، فقال لي رسول الله ﷺ : ((طلقها)). رواه الترمذي، وأبو داود. [٤٩٤٠]
٤٩٤١ - وعن أبي أمامة، أن رجلاً قال: يا رسول الله! ما حق الوالدين على ولدهما؟ قال: ((هما جنتك ونارك)). رواه ابن ماجه. [٤٩٤١]
٤٩٤٢ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن العبد ليموت والداه أو أحدهما وإنه لهما لعاق، فلا يزال يدعو لهما ويستغفر لهما حتى يكتبه الله باراً)). [٤٩٤٢]
٤٩٤٣ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أصبح مطيعاً لله في والديه أصبح له بابان مفتوحان من الجنة، وإن كان واحداً فواحداً، ومن أمسى عاصياً في والديه أصبح له بابان مفتوحان من النار، إن كان واحداً فواحداً)) قال رجل: وإن ظلماه؟ قال: ((وإن ظلماه، وإن ظلماه، وإن ظلماه)). [٤٩٤٣]
ــ
الحديث الثالث والرابع عن أبي أمامة: قوله: ((هما جنتك)) الجواب من الأسلوب الحكيم، أي حقهما البر والإحسان، وترك العقوق، الموجبان لدخول الجنة وعداً، وترك الإحسان والعقوق الموجبان لدخول النار وعيداً، فأوجز كما ترى. وقوله: ((جنتك ونارك)) على الخطاب العام؛ لأن سؤاله عام فيدخل فيه السائل دخولاً أولياً.
الحديث الخامس والسادس عن ابن عباس ﵄: قوله: ((مطيعاً لله في والديه)). فيه: أن طاعة الوالدين لم تكن طاعة مستقلة، بل هي طاعة الله التي بلغت توصيتها من الله تعالى فحسب طاعتهما كطاعته. وكذلك العصيان والأذى. وهو من باب قوله تعالى: ﴿إن
стр. 2560
٤٩٤٤ - وعنه، أن رسول الله ﷺ ، قال: ((ما من ولد بار ينظر إلى والديه نظرة رحمة إلا كتب الله له بكل نظرة حجة مبرورة)). قالوا: وإن نظر كل يوم مائة مرة؟ قال: ((نعم، الله أكبر وأطيب)). [٤٩٤٤]
٤٩٤٥ - وعن أبي بكرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((كل الذنوب يغفر الله منها ما شاء إلا عقوق الوالدين فإنه يعجل لصاحبه في الحياة قبل الممات)).
٤٨٤٦ - وعن سعيد بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ : ((حق كبير الإخوة على صغيرهم حق الوالد على ولده)). رواه البيهقي الأحاديث الخمسة في ((شعب الإيمان)). [٤٩٤٦]
ــ
الذين يؤذون الله ورسوله﴾. و ((من الجنة)) يجوز أن يكون صفة أخرى لقوله: ((بابان))، وأن يكون حالا من الضمير في ((متفوحان)). وقوله: ((فواحداً)) أي فكان الباب المفتوح واحداً. ((وإن ظلماه)) يراد بالظلم ما يتعلق بالأمور الدنيوية لا الأخروية.
الحديث السابع عن ابن عباس ﵄: قوله: ((الله أكبر)) رد لاستبعاد من أن يعطي الرجل بسبب النظرة حجة، وإن نظر مائة مرة. يعني: الله أكبر مما في اعتقادك من أنه لا يكتب له تلك الأعداد الكثيرة، ولا يثاب عليه ما هو أطيب.
الحديث الثامن عن أبي بكرة: قوله: ((منها)) ((من)) تبعيضية منصوب المحل مفعول ((يغفر)) مجازاً، و ((ما شاء)) بدل منه. ويجوز أن يتعلق بـ ((يغفر)) وتكون ابتدائية. ومعنى الشمول في الكل للاستغراق. يعني: كل فرد من أفراد الذنوب مغفور إذا تعلقت مشيئة الله تعالى به إلا عقوق الوالدين. وهذا وارد على سبيل التغليظ والتشديد. ومفعول ((يعجل)) محذوف، أي ((العقوبة))، يدل عليه سياق الكلام.
باب الشفقة والرحمة على الخلق
الشفقة اسم من الإشفاق. وكذلك الشفق وهو الخوف. قال:
следующие страницы →