Полный текст (3 308 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
ــ
مثل: ﴿وطلح منضود﴾ وطلع منضود أو بتغييرها، إما بتغيير هيآته كإعراب مثل: ((هن أطهر لكم)) بالرفع والنصب، أو صورة مثل: ﴿وانظر إلى العظام كيف ننشزها﴾ وننشرها، أو حرف مثل: باعد، وبعد بين أسفارنا.
وقيل: أراد أن في القرآن ما هو مقروء على سبعة أوجه، كقوله تعالى: ﴿فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما﴾ فإنه قرئ بالضم، والفتح، والكسر، منوناً، وغير منون وبالسكون.
وقيل: معناه أنه أنزل مشتملاً على سبعة معان: الأمر، والنهي، والقصص، والأمثال، والوعد، والوعيد، والموعظة.
وأقول: المعاني السبعة هي العقائد، والأحكام، والأخلاق، والقصص، والأمثال، والوعد، والوعيد.
واعلم أن الحديث أيضاً له ظهر وبطن، وحد ومطلع، فلابد من بيان ما يتعلق بظاهره من اللغة، والإعراب، والكشف عما يتعلق بباطنه مما يختص به من التأويل، وبيان المقام والمطلع. أما اللغة فإن ((سبعة)) موضوعة للعدد المخصوص، وحرفه طرفه، يقال: حرف السيف، وحرف السفينة، وحرف الجبل، وحرف الهجاء طرف الكلمة المرتبط بعضها ببعض، والحد الحاجز بين الشيئين الذي يمنع اختلاط أحدهما بالآخر، وحد الدار ما يتميز به. والمطلع المصعد ومكان الاطلاع من موضع عال، وأما الإعراب فإن ((علي)) فيه ليس بصلة ((أنزل)) كما في قوله تعالى: ﴿أنزل على عبده الكتاب﴾، بل هو حال، وقوله: ((لكل آية منها ظهر)) جملة اسمية صفة لـ ((سبعة))، والراجع في ((منها)) للموصوف، وكذا قوله: ((لكل حد مطلع)) صفة له، والعائد محذوف، ويشهد له رواية معالم التنزيل: ((ولكل حرف حد، ولكل حد مطلع)).
وأما المقام فإن الحديث وارد في باب العلم وبيان سبعة وجوه القرآن ودقته وغربته. وأما التأويل فإنه ﷺ وصف سعة علم القرآن بلفظة السبعة المعنى به الكثرة لا العدد المخصوص، كما وصفه تعالى بها في قوله تعالى: ﴿ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفذت كلمات الله﴾ والأحرف هنا كالكلمات في الآية، فيجب أن تحمل الأحرف على أجناس الاختلاف التي لا تدخل تحت الحصر، ثم قسم ﷺ كل حرف تارة بالظهر والبطن، وأخرى بالحد والمطلع، فالظهر ما يبينه النقل، والبطن ما يستكشفه التأويل.
стр. 282
٢٣٩ - وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : ((العلم ثلاثة: آية
ــ
قال الكواشي: لو قيل: ما معنى ﴿لا ريب فيه﴾؟ فتقول: لا شك، فهذا تفسير. فإن قيل: قد نفيت الريب وقد ارتابوا؟ فإن أجبت أنه في نفس صدق، وإذا تؤمل وجد كذلك، فانتفى عنه الريب، فهذا تأويل تلخيصه: التفسير ما يتعلق بالرواية، والتأويل ما يتعلق بالدراية. والحد هو المقام الذي يقتضي اعتبار كل من الظهر والبطن فيه، فلا محيد عنه. والمطلع المكان الذي يشرف منه على توفية خواص كل مقام حقه، وليس للحد والمطلع انتهاء؛ لأن غايتهما طريق العارفين بالله، وما يكون سراً بين الله تعالى وبين المصطفين من أنبيائه وأوليائه. فمطلع الظاهر تعلم العربية، والتمرن فيها، وتتبع ما يتوقف عليه معرفة الظاهر والنقل، ومطلع الباطن بتصفية النفس بالرياضة.
ويؤيد هذا التأويل قول محي السنة في معالم التنزيل: قيل: الظهر لفظ القرآن، والبطن تأويله، والمطلع الفهم، وقد يفتح الله على المتدبر والمتفكر من التأويل والمعاني ما لا يفتحه على غيره، ﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾. والتفهم يكون بصدق النية، وتعظيم الحرمة، وطيب الطعمة. وفي شرح السنة: قال أبو الدرداء: لا تفقه كل الفقه حتى ترى للقرآن وجوهاً كثيرة. والله أعلم.
الحديث الثاني والعشرون عن عبد الله بن عمرو: قوله: ((العلم ثلاثة)) ((غب)): العلم إدراك الشيء بحقيقته، وذلك ضربان: أحدهما إدراك ذات الشيء، والثاني الحكم على الشيء بوجود شيء هو موجود له، أو نفي شيء هو منفي عنه، فالأول هو المتعدى إلى مفعول واحد، نحو قوله تعالى: ﴿لا تعلمهم نحن نعلمهم﴾، والثاني إلى مفعولين، نحو قوله تعالى: ﴿فإن علمتموهن مؤمنات﴾ - انتهى كلامه. والتعريف في ((العلم)) للعهد، وهو ما علم من الشارع أنه ما هو، وهو العلم النافع في الدين، فإذن العلم مطلق يجب أن يقيد بما يفهم منه المقصود، فيقال: علم الشريعة معرفة بثلاثة أشياء، والتقسيم حاصر، وبيانه أن قوله: ((آية محكمة)) يشتمل على معرفة كتاب الله تعالى وما يتوقف عليه معرفته؛ لأن المحكمة هي التي أحكمت عبارتها، بأن حفظت من الاحتمالات والاشتباه، وكانت أم الكتاب أي أصله، فتحمل المتشابهات عليها، أو ترد إليها، ولا يتم ذلك إلا للماهر الحاذق في علم التفسير والتأويل، الحاوي لمقدمات يفتقر إليها من الأصولين وأقسام العربية.
стр. 283
محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة. وما كان سوى ذلك فهو فضل)) رواه أبو داود، وابن ماجه [٢٣٩].
٢٤٠ - وعن عوف بن مالك الأشجعي، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يقص إلا أمير أو مأمور أو مختال)) أبو داود [٢٤٠].
ــ
وقوله: ((سنة قائمة)) معنى قيام السنة ثباتها ودوامها بالمحافظة عليها، من: قامت السوق إذا نفقت، لأنها إذا حوفظ عليها كانت كالشيء النافق، الذي تتوجه إليه الرغبات، ويتنافس فيه المخلصون، وإذا عطلت وأضيعت كانت كالشيء الكاسد الذي لا يرغب فيه. ودوامها إما أن يكون بحفظ أسانيدها من معرفة أسماء الرجال، والجرح، والتعديل، ومعرفة الأقسام من الصحيح، والحسن، والضعيف، المتشعب منه أنواع كثيرة، وما يتصل بها من المتممات، وإما أن يكون بحفظ متونها من التغيير والتبديل بالإتقان والتيقظ، وبتفهم معانيها واستنباط العلوم الجمة منها؛ لأن جلها بل كلها من جوامع الكلم التي أوتي وخص بها هذا النبي الأمي المكتوب في التوراة والإنجيل، لاسيما هذه الكلمة الفاذة الجامعة مع قصر متنها وقرب طرقها علوم الأولين والآخرين ﷺ .
وقوله: ((أو فريضة عادلة)) إذا فسر بما أسلفناه في قوله: ((طلب العلم فريضة)) على ما تكلم فيه العلماء من الفرائض المتكاثرة- كانت شاملة لجميع أنواعها، وإذا ذهب إلى أن ((العادلة)) هي المستقيمة المستنبطة من الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، رجع المعنى إليه، وسميت عادلة لأنها معادلة أي مساوية لما أخذ منها. ونقف من هذا على أن المراد بقوله: ((وما سوى ذلك فهو فضل)) أن الفضل واحد الفضول الذي لا مدخل له في أصل علوم الدين، وما يستعاذ منه حيناً بقوله: ((أعوذ بالله من علم لا ينفع)). قال صاحب المغرب: الفضل الزيادة وقد غلب جمعه على ما لا خير فيه، حتى قيل: فضول بلا فضل، وطول بلا طول. ثم قيل لمن يشتغل بما لا يعنيه: فضولي. وأما الطب فليس بفضول؛ لما ثبت بنصوص السنة الافتقار إليه، والله أعلم.
الحديث الثالث والعشرون عن عوف: قوله: ((لا يقص)) القص التحدث بالقصص، ويستعمل في الوعظ. ((مظ)): ((المختال)) هو المتكبر، من: اختال إذا تكبر، والخيلاء التكبر عن تخيل فضيلة تراءت للإنسان من نفسه. ((تو)): قيل: هذا في الخطبة؛ لأن الأمر فيها إلى الأمراء، وإلى
стр. 284
٢٤١ - ورواه الدارمي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وفي روايته: ((أو مراء)) بدل ((أو مختال)) [٢٤١].
٢٤٢ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أفتي بغير علم كان إثمه على من أفتاه ومن أشار على أخيه بأمر يعلم أن الرشد في غيره فقد خانه)) رواه أبو داود [٢٤٢].
٢٤٣ - وعن معاوية، قال: إن النبي ﷺ نهى عن الأغلوطات. رواه أبو داود [٢٤٣].
ــ
من يتولاها من قبلهم. قلت: وكل من وعظ وقص داخل في غمارهم، وأمر موكول إلى الولاة، فالثالث مختال؛ لأنه نصب نفسه تكبراً وطلباً للرياسة.
وأقول: قوله: ((لا يقص)) ليس بنهي، بل هو نفي وإخبار، أي هذا الفعل ليس بصادر إلا عن هؤلاء الثلاثة، وقد علم أن الاقتصاص مندوب إليه، فيجب تخصيصه بالأمير والمأمور، دون المختال؛ لأن ترتب الحكم على الوصف المناسب مشعر بالعلية، وذلك أنه دل ذمة ﵊ الثالث على استحماده الأولين، هذا كما إذا رأيت أمراً خطيراً قلت: لا يخوض في هذا العمل إلا أحد رجلين: حكيم عارف بكيفية الورود فيها والصدور عنها، أو غمر جاهل لا يدري كيف يدخل فيها ويخرج منها، فيهلك. وهذا المعنى أنسب إلى الباب، ولو حمل الحديث على النهي الصريح لزم أن يكون المختال مأموراً. والله أعلم.
الحديث الرابع والعشرون عن أبي هريرة: قوله: ((من أفتى)) ((شف)): يجوز أن يكون ((أفتى)) الثاني بمعنى استفتى، أي كان إثمه على من استفتاه؛ فإنه جعله في معرض الإفتاء بغير علم. ويجوز أن يكون الأول مجهولا، أي فإثم إفتائه على من أفتاه، أي الإثم على المفتي دون المستفتي، وإذا عى ((أشار)) بعلى كان بمعنى المشورة، أي استشاره، وسأله كيف أفعل هذا الأمر.
الحديث الخامس والعشرون عن معاوية: قوله: ((نهى)) ((فا)): ((الأغلوطة)) أفعولة من الغلط، كالأحدوثة، والأحموقة. ((نه)): أراد المسائل التي يغالط بها العلماء ليزلوا فيهيج بذلك شر
стр. 285
٢٤٤ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((تعلموا الفرائض والقرآن وعلموا الناس فإني مقبوض)). رواه الترمذي [٢٤٤].
٢٤٥ - وعن أبي الدرداء، قال: كنا مع رسول الله ﷺ فشخص ببصره إلى
ــ
وفتنة، وإنما نهى عنها لأنها غير نافعة في الدين، لا يكاد يكون إلا فيما يقع إيذاء. ومثله قول ابن مسعود: ((أنذرتكم صعاب النطق)) يريد به المسائل الدقيقة الغامضة.
الحديث السادس والعشرون عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((تعلموا)) ((تو)): ذهب بعض الناس إلى أن المراد من ((الفرائض)) ههنا علم المواريث، ولا دليل معه، والظاهر أن المراد منها الفرائض التي فرضها الله تعالى على عبادة. وقيل: ويمكن أنه أراد ﷺ بالفرائض السنن الصادرة منه ﷺ . المشتملة على الأوامر والنواهي الدالة عليها، كأنه قال: تعلموا الكتاب والسنة، ينقطعان بقبضه ﷺ ، إذ أحدهما أوحى إليه، وثانيهما إعلام منه ﷺ للأمة به، ومثل هذا في المعنى قوله: ((هذا أوان أن يختلس العلم من الناس)) أي علم الوحي، وكأنه لما شخص بصره إلى السماء كوشف باقتراب أجله، فأعلم الأمة أنه مقبوض.
وأقول: في الحديث: أن رسول الله ﷺ فرض فرائض مثل ما في القرآن، كما سبق في حديث المقدام بن معد يكرب: ((ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه)) وفي حديث العرباض: ((ونهيت عن أشياء إنها لمثل القرآن أو أكثر))، وأنه ﷺ مبين ما في القرآن، فيؤخذ التفسير والتأويل مما بينه وعلمه، وما لم يبينه يحمل على ما بينه، قال الله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس من نزل إليهم ولعلهم يتفكرن﴾ عطف ((ولعلهم يتفكرون)) على مقدر، أي لتبين للناس بعض ما نزل إليهم فيعلموا، ولعلهم يتفكرون فيما لم يتبين ويردونه إلى ما علموه. ((حس)): التأويل المقبول ما يستنبط المعنى مما قبل وما بعد موافقاً للكتاب والسنة، لفظ هذا معناه. والله أعلم.
الحديث السابع والعشرون عن أبي الدرداء: قوله: ((يختلس)) أي يختلس فيه، صفة ((أوان))، و ((حتى)) غايته، أي يسلب العم منكم حتى لا تقدروا أن تستنزلوا بسؤالكم شيئاً من العلوم
стр. 286
السماء ثم قال: ((هذا أوان يختلس فيه العلم من الناس، حتى لا يقدروا منه على شيء)) رواه الترمذي [٢٤٥].
٢٤٦ - وعن أبي هريرة رواية: ((يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون
ــ
السماوية، والاختلاس استعارة للإمساك من نزول العلم، ونظيره قوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي﴾ الكشاف: أي أكملت لكم ما تحتاجون إليه في تكليفكم من تعليم الحرام والحلال، والتوقيف على الشرائع، وقوانين القياس، وأصول الاجتهاد. والله أعلم.
الحديث الثامن والعشرون عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((رواية)) نصب على التمييز، وهو كناية عن رفع الحديث إلى رسول الله ﷺ ، وإلا لكان موقوفا. قوله ((يوشك)) أي يقرب، و ((أن يضرب الناس)) في موضع الرفع اسم لـ ((يوشك))، والمسند والمسند إليه أغنيا عن الخبر، و ((يضرب أكباد الإبل)) كناية عن السير السريع؛ لأن من أراد ذلك يركب الإبل؛ ويضرب على أكبادها بالرجل. ((تو)): كأنه عبارة عن سرعة السير، وإدمان الإدراج، وقطع الشقة الشاسعة، حتى تستضر المطي بذلك، فتقطع أكبادها، وتمسها الأدواء بذلك من شدة العطش، فتصير كأنما ضربت أكبادها. وفي إيراد هذا القول تنبيه على أن طلبة العلم أشد الناس حرصاً، وأعزهم مطلباً؛ لأن الجد في طلب الشيء إنما يكون على قدر شدة الحرص، وعزة المطلب.
قوله: ((عالم المدينة)) ((تو)): ذكر الشيخ أبو محمد في كتابه عن ابن عيينه أنه قال: هو مالك. وعن عبد الرزاق أنه قال: هو العمري الزاهد، وهو عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم ابن عمر بن الخطاب ﵃. ((مظ)): أراد بالعمري عمر بن عبد العزيز والصحيح ما رواه الترمذي وذكر في المتن؛ لأن عمر بن عبد العزيز من أهل الشام. وقال صاحب الجامع: عبد العزيز بن عبد الله أحد فقهاء المدينة وأعلامهم، سمع ابن شهاب الزهري ومحمد بن المنكدر،
стр. 287
العلم، فلا يجدون أحداً أعلم من عالم المدينة)) رواه الترمذي في جامعه. قال ابن عيينة: إنه مالك بن أنس، ومثله عن عبد الرزاق، قال إسحاق بن موسى: وسمعت ابن عيينة أنه قال: هو العمري الزاهد واسمه عبد العزيز بن عبد الله [٢٤٦].
٢٤٧ - وعنه، فيما أعلم عن رسول الله ﷺ ، قال: ((إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها)). رواه أبو داود [٢٤٧].
ــ
وعبد الله بن دينار، وأبا حازم، وحميد الطويل، وهشام بن عروة.
الحديث التاسع والعشرون عن أبي هريرة: قوله: ((فيما أعلم)) أي في جملة ما أعلم، يجوز بضم الميم حكاية عن قول أبي هريرة ﵁، وفتحها ماضياً من الإعلام حكاية عن فعله ﵁.
وقوله: ((من يجدد)) جامع الأصول: قد تكلم العلماء على تأويله، وكل واحد أشار إلى القائم الذي هو من مذهبه، وحمل الحديث عليه، والأولى الحمل على العموم؛ فإن لفظة ((من)) تقع على الواحد والجمع، ولا تخص أيضاً بالفقهاء؛ فإن انتفاع الأمة بهم وإن كان كثيراً [فإن انتفاعهم بأولي الأمر وأصحاب الحديث والقراء والوعاظ والزهاد أيضاً كثير]- إذ حفظ الدين وقوانين السياسة وبث العدل وظيفة أولي الأمر، وكذا القراءة وأصحاب الحديث ينفعون بضبط التنزيل والأحاديث التي هي أصول الشرع وأدلته، والزهاد ينفعون بالمواعظ، والحث على لزوم التقوى، والزهد في الدنيا- لكن المبعوث ينبغي أن يكون مشاراً إليه مشهوراً في كل فن من هذه الفنون.
ففي رأس المائة الأولى من أولي الأمر عمر بن عبد العزيز، ومن الفقهاء محمد بن على الباقر، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسالم بن عبد الله بن عمر، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وغيرهم من طبقاتهم. ومن القراء عبد الله بن كثير، ومن المحدثين ابن شهاب الزهري وغيره من التابعين وتابعي التابعين.
وفي رأس المائة الثانية من أولي الأمر المأمون، ومن الفقهاء الشافعي- وأحمد بن حنبل لم يكن مشهوراً حينئذ- واللؤلؤي من أصحاب أبي حنيفة، وأشهب من أصحاب مالك ومن الإمامية علي بن موسى الرضا ومن القراء يعقوب الحضرمي ومن المحدثين يحيى بن معين، ومن الزهاد معروف الكرخي.
стр. 288
٢٤٨ - وعن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عن تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين)). رواه البيهقي [٢٤٨].
وسنذكر حديث جابر: ((فإنما شفاء العي السؤال)) في باب التيمم إن شاء الله تعالى.
ــ
وفي الثالثة من أولي الأمر المقتدر بالله ومن الفقهاء أبو العباس بن شريح الشافعي وأبو جعفر الطحاوي الحنفي وابن خلال الحنبلي وأبو جعفر الرازي الإمامي ومن المتكلمين أبو الحسن الأشعري ومن القراء أبو بكر أحمد بن موسى بن مجاهد ومن المحدثين أبو عبد الرحمن النسائي.
وفي الرابعة من أولى الأمر القادر بالله، ومن الفقهاء أبو حامد الإسفراييني الشافعي، وأبو بكر الخوارزمي الحنفي، وأبو محمد عبد الوهاب المالكي، وأبو عبد الله الحسين الحنبلي، والمرتضى الموسوي أخو الرضى الشاعر، ومن المتكلمين القاضي أبو بكر الباقلاني، وابن فورك، ومن المحدثين الحاكم بن التبع، ومن القراء أبو الحسن الحمامي، ومن الزهاد أبو بكر الدينوري.
وفي الخامسة من أولي الأمر المستظهر بالله، ومن الفقهاء الإمام أبو حامد الغزالي الشافعي، والقاضي محمد بن المروزي الحنفي، وأبو الحسن الزاغوي الحنبلي، ومن المحدثين رزين العبدري، ومن القراء أبو الفراء القلانسي. هؤلاء كانوا مشهورين في الأمة المذكورة، وإنما المراد بالذكر ذكر من انقضت المائة وهو حي عالم مشار إليه، والله أعلم.
الحديث الثلاثون عن إبراهيم: قوله: ((يحمل هذا العلم من كل خلف))، ((من)) يحتمل أن تكون تبعيضية مرفوعاً فاعل ((يحمل)) و ((عدوله)) بدل منه، وأن تكون بيانيه على طريقة: لقيني منك الأسد. جرد من الخلف الصالح الدول الثقات، وهم هم، كقوله تعالى: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير﴾. وعلى التقديرين فيه تفخيم لأمرهم، وتعظيم لشأنهم. وقوله: ((ينفون)) إما حال من الفاعل، أو استئناف، وهو الأوجه، كأنه قيل: لم خص هؤلاء بهذه المنقب العلية؟ فأجيب لأنهم يحمون مشارع الشريعة، ومتون الرواية من تحريف الذين يغلون في الدين؛ والأسانيد من القلب والانتحال، وتولى الكاذبين؛ والمتشابه من تأويل الزائغين المبتدعين بنقل النصوص المحكمة لرد المتشابه إليها.
ووزان هذا الحديث وزان قوله تعالى: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم
стр. 289
الفصل الثالث
٢٤٩ - عن الحسن مرسلا، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيي به الإسلام، فبينه وبين النبيين درجة واحدة في الجنة)). رواه الدارمي [٢٤٩].
ــ
آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين﴾ على أن يكون ((وآخرين)) عطفاً على ((هم)) في ((يعلمهم))، فإن قوله: ((هذا العلم)) إشارة إلى الكتاب والحكمة، وقوله: ((من الخلف عدوله)) بمنزلة ﴿وآخرين منهم لما يلحقوا بهم﴾.
وفيه تعريض باليهود، وتحريفهم وتبديلهم التوراة وتأويلها بالباطل، وإحماد عظيم لهذه الأمة المرحومة، وبيان لجلالة قدر المحدثين، وعلو مرتبتهم. ولعمري! إن الرواية من أقوى أركان الدين، وأوثق عرى اليقين، لا يرغب في نشره إلا كل صادق تقي، ولا يزهد في نصره إلا كل منافق شقي. قال ابن القطان: ليس في الدنيا مبتدع إلا وهو يبغض أهل الحديث. وقال محمد ابن أسلم الطوسي: قرب الأسانيد قرب إلى الله تعالى، وقال الحاكم: لولا كثرة مواظبة طائفة المحدثين على حفظ الأسانيد. لدرس منار الإسلام، ولتمكن أهل الإلحاد والمبتدعة من وضع الأحاديث، وقلب الأسانيد.
قوله: ((وانتحال)) ((نه)): كان بشر بن أثير يقول الشعر، ويهجو به أصحاب النبي ﷺ وينحله بعض العرب- أي ينسبه إليهم، من النحلة، وهي النسبة بالباطل. ((غب)): الانتحال ادعاء الشيء وتناوله، ومنه: فلان ينتحل الشعر. وأقول: لعل الأول الأنسب بمعنى الحديث. والله أعلم.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن الحسن: قوله: ((وهو يطلب العلم)) الجملة الاسمية وقعت حالا من مفعول ((جاء)) والمعنى من أدركه الموت في حال استمراره في طلب العلم ونشره ودعوة الناس إلى الطريق المستقيم، فبينه وبين النبيين درجة، ونحوه في التقدير بالحال ﴿ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾، أي داوموا على حالة الإسلام، وواظبوا عليها، بحيث إذا أردككم الموت تكونوا مسلمين. وقد سبق أن وراث الأنبياء هم العلماء الزاهدون في الدنيا المتنزهون عن شوائب الهوى، الداعون الخلق إلى الله تعالى، فهم الذين يحيون الإسلام. وأكد درجة بـ ((واحدة)) لأنها
стр. 290
٢٥٠ - وعنه، مرسلاً، قال: سئل رسول الله ﷺ عن رجلين كانا في بني إسرائيل: أحدهما كان عالماً يصلي المكتوبة، ثم يجلس فيعلم الناس الخير، والآخر يصوم النهار ويقوم الليل؛ أيهما أفضل؟ قال رسول الله ﷺ : ((فضل هذا العالم الذي يصلي المكتوبة ثم يجلس فيعلم الناس الخير على العابد الذي يصوم النهار ويقوم الليل كفضلي على أدناكم)). رواه الدارمي [٢٥٠].
٢٥١ - وعن علي، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((نعم الرجل الفقيه في الدين؛ إن احتيج إليه نفع، وإن استغني عنه أغنى نفسه)) رواه رزين [٢٥١].
ــ
تدل على الجنسية وعلى العدد، والذي سيق له الكلام هو العدد للدلالة على قرب منزلتهم من النبيين، فلو لم يقيد أوهم التنكير فيها التفخيم والتعظيم، فأزيل الوهم بالتوكيد. والله أعلم.
الحديث الثاني عن الحسن: قوله: ((فضل هذا العالم)) أطنب في الجواب كل الإطناب وكان يكفي في جواب أيهما أفضل؟ أن يقال: الأول، أو العالم، لتعظيم شأنه، وتقريره في ذهن السامع، وإعجابه منه. ولفظة ((هذا)) في الحديث كما في قول الشاعر:
هذا أبو الصقر فرداً في محاسنه من نسل شيبان بين الضال والسلم
وهذا الحديث يقرر ما ذهبنا إليه في شرح فضل العالم على العابد مطلقين أنهما مقيدان بالعبادة والعلم؛ لأن المطلق محمول على المقيد إذا كان في أمر واحد وفاقاً. فإن قلت: بم عرفت أن العابد كان أيضاً متحلياً بالعلم لكنه دونه؟ قلت: لو لم يكن عالماً لم يتوجه السؤال؛ لأن كل واحد يعلم أن العالم العامل أفضل من الجاهل، فالمراد العالم الذي يشتغل بخويصة نفسه دون غيره. ويدل عليه تقييد الأول بقوله: ((ثم يجلس فيعلم)).
الحديث الثالث عن علي ﵁: قوله: ((الفقيه)) وهو المخصوص بالمدح. و ((في الدين))
стр. 291
٢٥٢ - وعن عكرمة، أن ابن عباس قال: حدث الناس كل جمعة مرة، فإن أبيت فمرتين، فإن أكثرت فثلاث مرات، ولا تمل الناس هذا القرآن؛ ولا ألفينك تأتي القوم وهم في حديث من حديثهم فتقص عليهم فتقطع عليهم حديثهم فتملهم؛ ولكن أنصت، فإذا أمروك فحدثهم وهم يشتهونه، وانظر السجع من الدعاء فاجتنبه، فإني عهدت رسول الله ﷺ وأصحابه لا يفعلون ذلك. رواه البخاري.
ــ
متعلق به، أي الذي فقه في الدين. ومثله ما جاء في التنزيل: ﴿وإني خفت الموالي من ورائي﴾ الجار والمجرور متعلق بصلة اللام على وجه، فعلى هذا يجوز أن تكون الجملة الشرطية حالاً من الضمير في ((الفقيه))، والظاهر أن تكون جملة مستأنفة، بياناً لاستحقاقه التمدح. ويجوز أن يكون صفة ((الفقيه)) إذا جعل التعريف للجنس، نحو قوله:
ولقد أمر على اللئيم يسبني
وقوبل ((نفع)) بـ ((أغنى)) لتعم الفائدة، أي نفع الناس وأغناهم بما يحتاجون إليه، ونفع نفسه وأغناها بما يحتاج إليه، من قيام الليل، وتلاوة كتاب الله، وغيرهما من العبادات. والله أعلم.
الحديث الرابع عن عكرمة: قوله: ((فإن أبيت)) أي فإن أبيت التحديث مرة فمرتين، وإن أردت الإكثار فثلاث مرات. و ((هذا القرآن)) إشارة إلى تعظيمه فرتب وصف التعظيم على الحكم للإشعار بالعلية، أي لا تحقر هذا العظيم الشأن. ((ولا ألفينك)) من باب لا أرينك، أي لا تكن بحيث ألفينك وأجدك في هذه الحالة، وهي أن تأتي القوم وحالهم كيت وكيت، و ((تأتي)) حال من الضمير المنصوب في ((ألفينك))، ((وهم في حديث)) حال من المرفوع في ((تأتي))، و ((فتقص)) و ((فتقطع)) معطوفان على ((تأتي))، و ((فتملهم)) منصوب جواب للنهي.
قوله: ((وانظر السجع من الدعاء)) فإن قلت: كيف حذر عن السجع في الدعاء وأكثر الأدعية المأثورة مسجعة؟ قلت: التعريف في السجع للعهد، وهو السجع المذموم الذي كان الكهان والمتشدقون يتعاطونه ويتكلفونه في محارواتهم، لا الذي يقع في فصيح الكلام بلا كلفة منهم؛ فإن كل الفواصل التنزيلية واردة على ذلك، ويعضده إنكاره ﷺ بقوله: ((أسجع كسجع الكهان؟)) على من قال: أأدى لمن لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل، ومثل ذلك يطل. المعنى تأمل في السجع الذي ينافي إظهار الاستكانة والتضرع والتخشع في الدعاء فاجتنبه؛ فإنه أقرب إلى الإجابة. و ((عهدت)) أي عرفت من حال رسول الله ﷺ وأصحابه أنهم كانوا يجتنبون مثل ذلك السجع. ونحوه في حديث أم زرع: ((لا يسأل عما عهد)) أي عما كان يعرفه هو في البيت من طعام وشراب ونحوهما.
стр. 292
٢٥٣ - وعن واثلة بن الأسقع، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من طلب العلم فأدركه، كان له كفلان من الأجر، فإن لم يدركه، كان له كفل من الأجر)). رواه الدارمي [٢٥٣].
٢٥٤ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علماً علمه ونشره، وولداً صالحاً تركه، أو مصحفاً ورثه، أو مسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل بناه، أو نهراً أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته، تلحقه من بعد موته)) رواه ابن ماجه والبيهقي في ((شعب الإيمان)) [٢٥٤].
ــ
الحديث الخامس عن واثلة: قوله: ((فأدركه)) وهو أبلغ من لو قيل: حصله؛ لأن الإدراك بلوغ أقصى الشيء، قال الله تعالى: ﴿بل إدراك علمهم في الآخرة﴾ [غب]: قيل معناه بل يدرك علمهم في الآخرة أي إذا حصلوا في الآخرة] لأن ما يكون ظناً في الدنيا فهو في الآخرة يقين. و ((الكفل)) الحظ الذي فيه الكفالة أي الضمان، كأنه تكفل بأمره، قال الله تعالى: ﴿يؤتكم كفلين من رحمته﴾.
الحديث السادس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((مما يلحق)) وهو خبر ((إن)) أي كائن مما يلحقه، ولا يجوز أن يكون تبعيضياً لما ينافي الحصر الذي في قوله ﷺ : ((ينقطع عمله إلا من ثلاث)) كما مر، والجمل المصدرة بـ ((أو)) من قسم الصدقة الجارية، و ((أو)) فيها للتنويع والتفصيل. وأما قوله: ((أو صدقة أخرجها من ماله)) فداخل في الصدقة الجارية، ولإرادة هذا المعنى أتبعه بقوله: ((تلحقه من بعد موته)). وفي عطف ((حياته)) على ((صحته)) إشارة إلى معنى قوله ﷺ في جواب من قال: أي الصدقة أعظم أجراً؟: ((أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل، حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا)) أي صدقة أخرجها في زمان كمال حيويته ووفور افتقاره إلى ماله، وتمكنه من الانتفاع به.
стр. 293
٢٥٥ - وعن عائشة، أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن الله أوحى إلي: أنه من سلك مسلكاً في طلب العلم، سهلت له طريق الجنة؛ ومن سلبت كريمتيه؛ أثبته عليهما الجنة. وفضل في علم خير من فضل في عبادة. وملاك الدين الورع)) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) [٢٥٥].
٢٥٦ - وعن ابن عباس، قال: تدارس العلم ساعة من الليل خير من إحيائها. رواه الدارمي [٢٥٦].
ــ
الحديث السابع عن عائشة ﵂: قوله: ((يقول)) حال من المفعول، وكان الأصل سمعت قول رسول الله ﷺ فأخر القول وجعل حالا؛ ليفيد الإبهام والتبيين، وهو أوقع في النفس من الأصل. و ((كريمتيه)) أي عينيه أي الكريمتين عليه، وكل شيء يكرم عليك فهو كريمك وكريمتك. و ((الجنة)) منصوب بنزع الخافض، ويناسب أن يقال التنكير في الفصل الأول للتقليل، وفي الثاني للتكثير، والملاك- بكسر الميم- ما به إحكام الشيء وتقويته وإكماله، والورع في الأصل الكف عن المحارم، والتحرج منه، ثم استعير للكف عن المباح والحلال، وكان من حق الظاهر أن يقال: وملاك العلم والعمل، فوضع الدين موضعهما تنبيهاً على أنهما توأمان لا تستقيم مفارقتهما، وأنهما لا يكملان بدون الورع.
الحديث الثامن عن ابن عباس: قوله: ((إحيائها)) شبه الليل بالميت الذي لا غناء فيه، وأثبت له الإحياء على الاستعارة التخييلية، ثم كنى عنه بصلاة التهجد؛ لأن في قيام الليل كل نفع للقائم فيه، ومن نام فقد فقد نفعاً عظيماً، قال الله تعالى: ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون﴾ إلى قوله: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون﴾ نكر ((نفس)) وأوقعها في سياق النفي، ونفى عنها دراية ما ادخر للمجتهد من السرور، يعني نوع عظيم من الثواب ادخره الله لأولئك، وأخفاه من جميع الخلائق، فلا تعلم النفوس كلهن، ولا نفس واحدة
стр. 294
٢٥٧ - وعن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ مر بمجلسين في مسجده فقال: ((كلاهما على خير، وأحدهما أفضل من صاحبه؛ أما هؤلاء فيدعون الله ويرغبون إليه، فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم. وأما هؤلاء فيتعلمون الفقه أو العلم ويعلمون الجاهل، فهم أفضل، وإنما بعثت معلماً)). ثم جلس فيهم. رواه الدارمي [٢٥٧].
٢٥٨ - وعن أبي الدرداء، قال: سئل رسول الله ﷺ : ما حد العلم الذي إذا بلغه الرجل كان فقيهاً؟ فقال رسول الله ﷺ : ((من حفظ على أمتي أربعين حديثاً في أمر دينها، بعثه الله فقيهاً، وكنت له يوم القيامة شافعاً وشهيداً)). [٢٥٨]
ــ
منهن، ولا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، فإذا كان ثواب التهجد هذا، فما ظنك بثواب التدارس الذي الساعة منها أفضل من إحيائها؟.
الحديث التاسع عن عبد الله بن عمرو: قوله: ((أما هؤلاء)) تقسيم للمجلسين باعتبار القوم أو الجماعة بعد التفريق بينهما باعتبار النظر إلى المجلسين في إفراد الضمير، ((ويرغبون إليه)) أي يرغبون فيما عند الله من الثواب متوسلين إليه، والمفعول الثاني المحذوف في ((أعطاهم)) يرجع إلى ما عند الله المقدر، أي إن شاء أعطاهم ما عنده من الثواب. وفي تقييد القسم الأول بالمشيئة وإطلاق القسم الثاني إشارة إلى بون بعيد بينهما. وفي قوله: ((إنما بعثت معلماً)) إشعار بأنهم منه، وهو منهم، ومن ثم جلس فيهم.
الحديث العاشر عن أبي الدرداء: قوله: ((ما حد العلم)) ((غب)): حد الشيء الوصف المحيط بمعناه، المميز عن غيره. قال محيي الدين: معنى الحفظ هنا أن ينقل الأحاديث الأربعين إلى المسلمين، وإن لم يحفظها ولا عرف معناها، هذا حقيقة معناه، وبه يحصل انتفاع المسلمين لا بحفظها ما لم ينقلها إليهم. واتفق الحفاظ على أنه حديث ضعيف وإن كثرت طرقة، وقد صنف العلماء في هذا الباب ما لا يحصى من المصنفات، فأول من علمته صنف فيه عبد الله بن المبارك، ثم محمد بن أسلم الطوسي العالم الرباني، ثم الحسن بن سفيان النسوي، وأبو بكر محمد بن إبراهيم الأصفهاني، وأبو بكر الآجري، والدارقطني، والحاكم، وأبو نعيم، وأبو عبد الرحمن السلمي، وأبو سعيد الماليني، وأبو عثمان الصابوني، ومحمد بن عبد اله بن محمد
стр. 295
٢٥٩ - وعن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : ((هل تدرون من أجود جوداً؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ((الله تعالى أجود جوداً)) ثم أنا أجود بني آدم، وأجودهم من بعدي رجل علم علماً فنشره، يأتي يوم القيامة أميراً وحده، أو قال: أمة واحدة)).
ــ
بن عبد الله الأنصاري، وأبو بكر البيهقي، وخلائق من المتقدمين والمتأخرين. وقد اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال.
وأقول: ضمن ((حفظ)) معنى رقب، وعداه بعلى، يقال: احفظ على عنان فرسي ولا تغفل عني، عن المبرد. وفي أساس البلاغة: وهو حفيظ عليه رقيب. وفي المغرب: الحفظ خلاف النسيان، وقد يجعل عبارة عن الصون وترك الابتذال، ويجوز أن يكون حالا من الضمير المرفوع العائد إلى ((من)) في ((من حفظ))، يعني من جمع أحاديث متفرقة مراقباً إياها بحيث تبقى مستمرة على أمتي، بعثه الله فقيهاً، مثل قوله تعالى: ﴿ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله﴾ أي أقم لنا أميراً ننتهض معه للقتال. فالمعنى من فعل ذلك أقامه الله فقيهاً يعلم الناس الخير.
فإن قلت: كيف طابق ((من حفظ)) جواباً عن سؤال السائل ((ما حد العلم))؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما أن يؤخذ لازم معنى الجواب وزبدته، وهي معرفة أربعين حديثاً بأسانيدها، مع رعاية صحيحها وحسنها، على أن يعلمها الناس ويحث على العمل بما هو المقصود فيها، كأنه قيل: حد العلم الذي يصير به الرجل فقيهاً هذا. وثانيهما أن الجواب من الأسلوب الحكيم أي لا تسأل عن حد الفقيه فإنه لا جدوى فيه، بل كن فقيهاً، فإن الفقيه من أقامه الله تعالى لنشر العلم، وتعليم الناس ما ينفعهم، في أمر دنياهم وعقابهم من العلم والعمل. والله أعلم.
الحديث الحادي عشر عن أنس: قوله: ((من أجود جوداً؟)) ((غب)): الجود بذلك المقتنيات مالا كان أو علماً، يقال: رجل جواد، وفرس جواد، أي يجود بمدخر عدوه، ويقال: في المطر الكثير جود، وفي الفرس جودة، وفي المال جود. وجاد الشيء جودة فهو جيد، ووصف الباري تعالى بالجود لما نبه عليه قوله تعالى: ((أعطي كل شيء خلقه ثم هدي)).
стр. 296
٢٦٠ - وعنه، أن النبي ﷺ قال: ((منهومان لا يشبعان: منهوم في العلم لا يشبع منه، ومنهوم في الدنيا لا يشبع منها)). ورى البيهقي الأحاديث الثلاثة في ((شعب
ــ
وأقول: ((من)) الاستفهامية مبتدأ، و ((أجود)) خبره، و ((جودا)) تمييز مزال عن الأصل فيه وجهان: أحدهما أن أجود أفعل من الجودة، أي أحسن جوداً وأبلغه. وثانيهما من جود الكرم، أي من الذي جوده أجود؟ فيكون إسناداً مجازياً، كما في قولك: جد جده. أو استعارة مكنية شبه جوده بإنسان يصدر منه الجود، ثم خيل أنه إنسان جواد بعينه، ثم نسب إليه ما يلازمه من الجود مبالغة لكماله في صاحبه، وعليه قوله تعالى: ﴿يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية﴾ الضمير في ((أشد)) للخشية، لا للناس؛ لأن أفعل إذا نصب ما بعده كان غير الذي قبله، كقولك: زيد أفره عبداً، فالفراهة للعبد لا للزيد، والضمير في ((أجود)) راجع إلى ((بني آدم)) على تأويل الإنسان، أو للجود.
وقوله: ((أميراً وحده)) أي وحده كالجماعة فيها أمير مأمور، نحو قوله في الرواية الأخرى: قال الله تعالى: ﴿إن إبراهيم كان أمة قانتاً﴾ أي كان وحده بمنزلة الجماعة مجتمعة على أمر عظيم، يقتدون عظيماً، لحيازته الكمال والأخلاق الحميدة، وأنشد:
وليس من الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد
قال ابن مسعود: إن معاذا كان أمة قانتاً لله، فقيل له: ذاك إبراهيم؟ فقال؟ الأمة الذي يعلم الخير. وروى عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: ﴿معاذ أمة قانت لله، ليس بينه وبين الله تعالى يوم القيامة إلا المرسلون﴾. انظر إلى هذه الكريمة كيف جعلت العالم الثاني المرسلين في هذا الحديث، ورابع أربعة فيما نحن بصدده: الله ، وحبيبه، وخليله صلوات الله عليهما و ((بعدي)) يحتمل البعد في المرتبة، وفي الزمان، والأول أظهر. ونشر العلم يعم التدريس، والتصنيف، وترغيب الناس فيه.
الحديث الثاني عشر عن أنس: قوله: ((منهومان)) ((نه)): النهمة بلوغ الهمة في الشيء، وفي الحديث: ((إذا قضى أحدكم نهمته من سفره فليعجل إلى أهله)) ومنه النهم من الجوع. أقول: إن ذهب في الحديث إلى الأصل كان ((لا يشبعان)) استعارة لعدم انتهاء حرصهما، وإن ذهب إلى الفرع يكون تشبيهاً لبيانه بقوله: ((منهوم في العلم))، جعل أفراد المنهوم ثلاثة: أحدها المعروف، وهو المنهوم من الجوع، والآخرين من العلم والدنيا، وجعلهما أبلغ من المتعارف، ولعمري إنه كذلك، وإن كان المحمود منهما هو العلم، ومن ثم أمر الله تعالى حبيبه ﷺ بقوله: ﴿قل رب
стр. 297
الإيمان)) وقال: قال الإمام أحمد في حديث أبي الدرداء: هذا متن مشهور فيما بين الناس، وليس له إسناد صحيح [٢٦٠].
٢٦١ - وعن عون، قال: قال عبد الله بن مسعود: منهومان لا يشبعان صاحب العلم، وصاحب الدنيا، ولا يستويان؛ أما صاحب العلم فيزداد رضى الرحمن، وأما صاحب الدنيا فيتمادى في الطغيان. ثم قرأ عبد الله: ﴿كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى﴾ قال: وقال الآخر ﴿إنما يخشى الله في عباده العلماء﴾. رواه الدارمي [٢٦١].
ــ
زدني علما﴾، ويعضده ما في الحديث الآتي من قوله: ((أما صاحب العلم فيزداد رضى الرحمن)) والله أعلم.
الحديث الثالث عشر عن عون: قوله: ((قال: وقال: الآخر)) أي قال عون: وقال ابن مسعود بعد قراءته ما سبق، وهو قوله تعالى: ﴿إن الإنسان ليطغى﴾: الآخر أي الاستشهاد الآخر هو قوله تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ وفي الآيتين المستشهدتين تلويح إلى بعد الحالتين، وأنشد:
стр. 298
٢٦٢ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن أناساً من أمتي سيتفقهون في الدين ويقرأون القرآن، يقولون: نأتي الأمراء فنصيب من دنياهم ونعتزلهم بديننا. ولا يكون ذلك، كما لا يجتني من القتاد إلا الشوك، كذلك لا يجتني من قربهم إلا- قال محمد بن الصباح: كأنه يعني- الخطايا)) رواه ابن ماجه [٢٦٢].
ــ
راحت مشرقة وراحت مغربة فأنى يلتقي مشرق ومغرب
فإن طالب الدنيا يزداد بعداً من الله تعالى لسوء أدبه، وجرأته على الله تعالى، وصاحب العلم يزداد قرباً لخشيته الله ومراعاته أدب الحضرة القدسية. والله أعلم.
الحديث الرابع عشر عن ابن عباس: قوله: ((سيتفقهون)) أي سيدعون الفقه في الدين ويأتون الأمراء. فإن قيل لهم: كيف تجمعون بين التفقه والتقرب إليهم؟ يقولون: نأتي إلى آخره. ((ولا يكون ذلك)) أي لا يصح ولا يستقيم الجمع بين الأمرين؛ لما سبق أن مثل هذا النفي مستلزم لنفي الشيء مرتين تعميماً أو تخصيصاً. ثم ضرب له مثلاً بقوله: ((كما لا يجتني)) شبه التقرب إليهم إصابة جدواهم، ثم طلب الخيبة فالخسران والخسارة في الدارين بطلب الجني من القتاد، فإنه من المحال؛ لأنه لا يثمر إلا الجراحة والألم. وتخصيص المشبه به بالقتاد، وأنه لا يصلح إلا للنار تلميح إلى أن المشبه لا يستأهل إلا لها، وكذا من ركن إليهم تمسهم النار، كما قال الله تعالى: ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكوا النار﴾، والاستثناء من باب قوله:
وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس
وأطلق المستثنى ليعم في جنس المضرة، أي لا يجدي إلا مضار الدارين، ويدخل فيه الخطايا أيضاً.
روى أن الزهري لما خالط السلاطين كتب إليه أخ له في الدين: عافانا الله وإياك! أبا بكر من الفتن، فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك أن يدعو لك الله ويرحمك. أصبحت شيخاً كبيراً، وقد أثقلتك نعم الله بما فهمك من كتابه، وعلمك من سنة نبيه، وليس كذلك أخذ الله الميثاق على العلماء، قال الله تعالى: ﴿لتبيننه للناس ولا تكتمونه﴾. واعلم أن أيسر ما ارتكبت، وأخف ما احتملت- أنك آنست وحشة الظالم، وسهلت سبيل الغي بدونك ممن لم يؤد حقاً، ولم يترك باطلاً حين أدناك، اتخذوك قطباً تدور عليك رحى باطلهم، وجسراً
стр. 299
٢٦٣ - وعن عبد الله بن مسعود، قال: لو أن أهل العلم صانوا العلم، ووضعوه عند أهله، لسادوا به أهل زمانهم، ولكنهم بذلوه لأهل الدنيا لينالوا به من دنياهم؛ فهانوا عليهم. سمعت نبيكم ﷺ يقول: ((من جعل الهموم هماً واحداهم آخرته، كفاه الله هم دنياه، ومن تشعبت به الهموم [في] أحوال الدنيا، لم يبال الله في أي أوديتها هلك)) رواه ابن ماجه [٢٦٣].
٢٦٤ - ورواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) عن ابن عمر من قوله: ((من جعل الهموم)) إلى آخره.
ــ
يعبرون عليك إلى بلائهم وسلما يصعدون فيك إلى ضلالهم، يدخلون الشك بك على العلماء ويقتادون بك قلوب الجهلاء؛ فما أيسر ما عمروا لك في جنب ما خربوا عليك، وما أكثر ما أخذوا منك فيما أفسدوا عليك من دينك! فما يؤمنك أن تكون ممن قال الله فيهم: ﴿فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا﴾ فإنك تعامل من لا يجهل، وتحفظ عليك من لا يغفل، فداو دينك فقد دخله سقم، وهيئ زادك فقد حضر السفر البعيد، وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء، والسلام. وعن محمد بن مسلمة: الذباب على العذرة أحسن من قارئ على باب هؤلاء.
الحديث الخامس عشر عن عبد الله بن مسعود: قوله: ((لسادوا به)) وذلك أن العلم رفيع القدر، يرفع قدر من يصونه من الابتذال، قال الله تعالى: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾. قال الزهري: العلم ذكر لا يحبه إلا ذكور الرجال أي الذين يحبون معالي الأمور، ويتنزهون عن سفافها.
قوله: ((سمعت نبيكم)) هذا الخطاب توبيخ للمخاطبين، حيث خالفوا أمر نبيهم، فخولف بين العبارتين افتتاناً. هم بالأمر يهم إذا عزم عليه. قوله: ((الشعب)) من الوادي ما اجتمع منه
стр. 300
٢٦٥ - وعن الأعمش، قال: قال رسول الله ﷺ : ((آفة العلم النسيان، وإضاعته أن تحدث به غير أهله)) رواه الدارمي مرسلاً [٢٦٥].
٢٦٦ - وعن سفيان، أن عمر بن الخطاب، ﵁، قال لكعب: من أرباب العلم؟ قال: الذين يعملون بما يعلمون. قال: فما أخرج العلم من قلوب العلماء؟ قال: الطمع. رواه الدارمي [٢٦٦].
ــ
طرف، وتفرق طرف، وشعبت الشيء إذا فرقته. ((وهم آخرته)) بدل من ثاني مفعول ((جعل))، وكذا قوله: ((أحوال الدنيا)) من فاعل ((تشعبت))، وعدل من ظاهر قوله، وجعل هم الدنيا هموماً إلى ((تشعبت الهموم به)) ليؤذن بتصرف الهموم فيه وتفريقها إياه في أودية الهلاك، وأن الله تعالى تركه وهمومه، ولم يتكفل أحواله، بخلاف الأول فإنه تكفل الله تعالى أمر همومه بنفسه، وكفاه مؤنته. والله أعلم.
الحديث السادس عشر عن الأعمش: قوله: ((آفة العلم النسيان)) ظاهر.
الحديث السابع عشر عن سفيان: قوله: ((من أرباب العلم)) أي من الذي ملك العلم ورسخ فيه، ويستحق أن يسمى بهذا الاسم؟ وأجاب بقوله: ((الذين يعملون بما يعلمون)) وهم الذين سماهم الله تعالى الحكماء في قوله: ﴿من يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيرا﴾ لأن الحكيم من علم دقائق الأشياء وأتقنها برصانة العمل، ولذلك ذيله بقوله: ﴿وما يذكر إلا أولوا الألباب﴾ وقد سبق شرحه. فعلم منه أن العالم ما لم يعمل لم يكن من أرباب العلم، بل كان كمثل الحمار يحمل أسفاراً. والفاء في ((فما أخرج)) جزاء شرط محذوف، والتعريف في ((العلم)) للعهد الخارجي، وهو ما يعلم من قوله: ((أرباب العلم)) أي إذا كان أرباب العلم من جمع بين العلم والعمل فلم ترك العالم العمل؟ وما الذي دعاه إلى ترك العمل ليعزل عن هذا الاسم؟ قال: الطمع في الدنيا، والرغبة فيها.
стр. 301
٢٦٧ - وعن الأحوص بن حكيم، عن أبيه، قال: سأل رجل النبي ﷺ عن الشر. فقال: ((لا تسألوني عن الشر، وسلوني عن الخير)) يقولها ثلاثاً، ثم قال: ((ألا إن شر الشر شرار العلماء، وإن خير الخير خيار العلماء)) رواه الدارمي [٢٦٧].
٢٦٨ - وعن أبي الدرداء، قال: إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة: عالم لا ينتفع بعلمه)) رواه الدارمي [٢٦٨].
٢٦٩ - وعن زياد بن حدير، قال: قال لي عمر: هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قال: قلت: لا! قال: يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين. رواه الدرامي [٢٦٩].
ــ
الحديث الثامن عشر عن الأحوص: قوله: ((يقولها ثلاثاً)) حال من فاعل ((قال))، والضمير المؤنث راجع إلى الجملة، وهي قوله: ((لا تسألوني)) إلى آخره. وإنما نهي النبي ﵊ عن مثل هذا السؤال وكرر ثلاثاً لأنه نبي الرحمة ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾. وإنما كانوا شر الشر وخير الخير لأنهم سبب صلاح العالم، وإليهم تنتهي أمور الدين والدنيا، وبهم الحل والعقد، ومن ثم فسر بعضهم ((أولي الأمر)) بالعلماء في قوله تعالى: ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾. فإذا فسدوا فسد الناس كلهم، وفسادهم متابعتهم الهوى، وركونهم إلى الظلمة، لطمع حطام الدنيا. والله أعلم.
الحديث التاسع عشر عن أبي الدرداء ﵁: قوله: ((إن من أشر الناس)) أي من شر الناس. ((الجوهري)): هو لغة ضعيفة، و ((من)) فيه زائدة، و ((عالم)) خبر ((إن)).
الحديث العشرون عن زياد: قوله: ((ما يهدم)) الهدم إسقاط البناء، وهدم الإسلام تعطيل أركانه الخمس المذكورة في قوله ﵊: ((بني الإسلام على خمس)) الحديث،
стр. 302
٢٧٠ - وعن الحسن، قال: العلم علمان: فعلم في القلب فذاك العلم النافع، وعلم على اللسان فذاك حجة الله على ابن آدم. رواه الدارمي [٢٧٠].
ــ
وتعطيله إنما يحصل من زلة العالم، وتركه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بإتباع الهوى، ومن جدال المبتدعة وغلوهم في إقامة البدع بالتمسك بتأويلاتهم الزائغة، ومن ظهور ظلم الأئمة المضلين وحكم المزورين. وإنما قدمت زلة العالم لأنها هي السبب في الخصلتين الأخيرتين، كما جاء: ((زلة العالم زلة العالم)) والله أعلم.
الحديث الحادي والعشرون عن الحسن: قوله: ((فعلم)) الفاء تفصيلية، وفي قوله: ((فذلك)) سببية، من باب قوله: ((خولان فانكح)) أي هؤلاء خولان الذين اشتهرت نساءهم بالرغبة فانكح منهم، فكذلك قوله: ((علم في القلب)) دل على كونه مرغوباً فيه، فرتب عليه ما بعده. وفي عكسه قوله: ((فذلك حجة الله))، فإن ذلك صاحب العلم اللساني الذي لم يتأثر منه بقلبه محجوج عليه، ويقال له: ﴿لم تقولون ما لا تفعلون﴾.
ويمكن أن يحمل الحديث على علمي الظاهر والباطن. قال أبو طالب المكي: علم الظاهر وعلم الباطن هما علمان أصلان لا يستغنى أحدهما عن صاحبه، بمنزلة الإسلام والإيمان، مرتبط كل واحد منهما بالآخر كالجسم والقلب، لا ينفك أحدهما من صاحبه. وقال روينا في بعض الأخبار أن في بعض الكتب المنزلة على بني إسرائيل: ((لا تقولوا: العلم في السماء من ينزل به، ولا في نجوم الأرض من يصعد به، ولا من وراء البحار من يعبر يأتي به. العلم مجعول في قلوبكم، تأدبوا بين يدي بآداب الروحانيين، وتخلقوا بأخلاق الصديقين؛ أظهر العلم من قلوبكم حتى يغمركم ويعطيكم)). وقيل: علم الباطن يخرج من القلب فيقع على القلب، وعلم الظاهر يخرج من اللسان فلا يجاوز الأذن.
قال الشيخ أبو حامد في الأحياء: من انكشف ولو الشيء اليسير له بطريق الإلهام والوقوع في القلب من حيث لا يدري، فقد صار عارفاً بصحة الطريق، ولم ذلك من نفسه قط، فينبغي أن يؤمن به؛ فإذن درجة المعرفة فيه غزيرة جداً. ويشهد لذلك شواهد الشرع، والتجار، والوقائع، فكل حكمة تظهر في القلب بالمواظبة على العبادة من غير تعلم فهو
стр. 303
٢٧١ - وعن أبي هريرة، قال: حفظت من رسول الله ﷺ وعاءين، فأما أحدهما فبثثته فيكم، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم- يعني مجرى الطعام-. رواه البخاري.
ــ
بطريق الكشف والإلهام. قال تعالى: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾، قيل: يجعل له مخرجاً من الإشكالات والشبه، ويرزقه من حيث لا يحتسب فيعلمه علماً من غير تعلم، ويفطنه من غير تجربة. وروي: ((من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم)) وقول علي ﵁: ((ما عندنا إلا ما في القرآن، إلا فهما يعطي الرجل في كتابه)) وليس هذا بالتعلم، وسيأتي في الحديث الذي يليه لمعة من تلك اللمعات.
الحديث الثاني والعشرون عن أبي هريرة: قوله: ((وعائين)) شبه نوعي العلم بالظرفين لاحتواء كل منهما ما لم يحتويه الآخر، ولعل المراد بالأول علم الأحكام والأخلاق، وبالثاني علم الأسرار المصون عن الأغيار، المختص بالعلماء بالله من أهل العرفان. وأنشد الشيخ أبو حامد لزين العابدين في المنهاج:
يا رب جوهر علم لو أبوح به لقيل لي: أنت ممن تعبد الوثنا
ولا ستحل رجال مسلمون دمي يرون أقبح ما يأتونه حسنا
قال بعض العارفين: العلم المكنون والسر المصون علم هذه الطائفة، وهو نتيجة الخدمة، وثمرة الحكمة، لا يظفر به إلا الغواصون في بحار المجاهدات، ولا يسعد به إلا المصطفون بأنوار المشاهدات، إذ هو أسرار متمكنة في القلوب، لا يظهر إلا بالرياضة، وأنوار ملمعة في العيون لا تنكشف إلا للقلوب المرتاضة، وأهل الغرة بالله لها منكرون، وعنها مدبرون.
قال شيخنا شيخ الإسلام أبو حفص السهروردي قدس الله سره: علومهم كلها إنباء عن وجدان. وإغراء إلى عرفان، وذوق محقق بصدق الحال، ولم يف بنطق المقال، فاستعصت نكتها على الإشارة، وطفحت على العبارة، وتهاديها الأرواح بدلالة الالتئام والائتلاف، وكرعت حقائقها من حر الألطاف، وقد اندرس كثير من دقيق علومهم كما انطمس كثير من حقائق رسومهم. وقد قال الجنيد ﵀: علمنا هذا طوى بساطه منذ كذا سنة، ونحن نتكلم في حواشيه. وروى الشيخ أبو طالب المكي عنه أنه قال: لو أن العلم الذي أتكلم به من عندي لفنى وانقطع، ولكنه من حق بدا، وإلى حق يعود.
стр. 304
ــ
وقال بعض العارفين: من لم يكن له نصيب من هذا العلم أخاف عليه سوء الخاتمة.
وقال آخر: من كان محباً للدنيا، أو مصراً على الهوى- لم يتحقق بشيء من هذا العلم أبداً. وقال آخر: من كان فيه خصلتان لم يفتح له من هذا العلم حرفان، كبر وبدعة. وقد سبق نبذ من هذا من أوائل حالهم ومنشأ علومهم في الحديث السابق. ومما أنشد:
تنافس أهل الجود في طلب المجد وحثوا مطايا الشوق في مخلص القصد
وداموا لعزم السير في طلب العلى ففازوا بطيب الوصل من دوحتي نجد
إذا ما دعوا يوماً لكشف ملمة لهم همم تسمو إلى العلم الفرد
هم القوم هاموا فاستقاموا على السرى رأيت الفتى النشوان كالأسد الورد
بحار الحياء والحلم والعلم والتقى ديار السخا والعز والشكر والحمد
كنوز الصفا والعشق والصدق والولا لهم من بحار الغيب ورد على ورد
عليهم سلام الله ما هبت الصبا قبيل ابتسام الصبح في طالع سعد
لعمري! لقد أحسن وصدق فيما قال وأجاد، إذا ما دعوا يومًا لكشف ملمة البيت؛ لأنهم هم الرجال الذين استقاموا على ما قالوا، وصدقوا فيما عاهدوا. وأما المتسمون برسمهم والمسمون باسمهم، الذين قنعوا في الحقيقة بالاسم والرسم، وتقنعوا بالمراقع والرقص فليسوا من الرجال في شيء بل هم أعجز من العجائز في المعارك.
قال الشيخ أبو حامد- ﵀: متصوفة أهل الزمان- إلا من عصمه الله تعالى- اغتروا بالرأي، والمنطق، والهيئة من السماع والرقص، والطهارة، والجلوس على السجادات مع إطراق الرأس وإدخاله في الجيب كالمتفكر، ومن تنفس الصعداء، أو خفت الصوت في الحديث إلى غير ذلك، فظنوا بذلك أنهم منهم، فلم يتعبوا أنفسهم قط في المجاهدة والرياضة، ومراقبة القلب، وتطهر الباطني والظاهر من الآثام الخفية والجلية، وكل ذلك من أوائل منازل المتصوفة ولو فرغوا عن جميعها لما جاز لهم أن يعدوا أنفسهم من الصوفية، فكيف ولم يحوموا قط حولها؟ بل يتكالبون على الحرام والشبهات، وأموال المسلمين، ويتنافسون في الفلس والرغيف والحبة، ويتحاسدون على النقير والقطمير، ويمزق بعضهم أعراض بعض مهما خالفه في شيء.
ومثالهم مثال عجوز سمعت أن الشجعان تكتب أسماؤهم في الديوان، فتاقت نفسها أن يكتب اسمها فيهم، فلبت درعاً ووضعت على رأسها مغفراً، وتعلمت كيفية تبخترهم في الميدان وحركاتهم والتفاتهم وشمائلهم فيها، وتوجهت إلى المعسكر، فلما نفذت إلى ديوان
стр. 305
٢٧٢ - وعن عبد الله بن مسعود، قال: يا أيها الناس! من علم شيئاً فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم أن تقول لما لا تعلم: الله أعلم. قال الله تعالى لنبيه: (قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين). متفق عليه.
ــ
العرض، وأمرت بالتجرد عن المغفر والدرع لتمتحن بالمبارزة مع بعض الشجعان، فإذا هي عجوز ضعيفة، فقيل لها: أجئت للاستهزاء بالملك؟ ولاستحماق أهل حضرته؟ فحينئذ تنكل نكالا ليس بعده. هكذا حال المدعين في القيامة إذا كشف عنهم الغطاء، وافتضحوا على رؤوس الأشهاد.
وقال: منهم طائفة ادعت علم المعرفة، ومشاهدة الحق، ومجاوزة المقامات والأحوال، ولا يعرف هذه الأمور إلا بالأسامي والألفاظ، إلا أنه تلقف من ألفاظ الطامات كلمات فهو يرددها، ويظن أن ذلك علم أعلى من علم الأولين والآخرين، فهو ينظر إلى الفقهاء والمفسرين والمحدثين بعين الازدراء فضلاً عن العوام، حتى إن الفلاح يترك فلاحته، والحائك حياكته، ويلازمهم أياماً، ويتلقف منهم هذه الكلمات المزيفة يرددها، كأنه يتكلم عن الوحي، ويخبر عن سر الأسرار، ويستحقر بذلك جميع العباد والعلماء، فيقول في العباد: إنهم أجراء متعبون، ويقول في العلماء: إنهم بالحديث عن الله تعالى محجوبون، ويدعي لنفسه أنه الواصل إلى الحق، وأنه من المقربين، وهو عند الله من الفجار والمنافقين، وعند أرباب القلوب من الحمقى الجاهلين.
ومنهم من يقول: الإعمال بالجوارح لا وزن لها، وإنما النظر إلى القلب، وقلوبنا عاكفة والهة بحب الله تعالى، وإنما نخوض الدنيا بأبداننا وقلوبنا في الحضرة الربوبية، فنحن مع الشهوات بالظواهر لا بالقلوب، وهم يرفعون بذلك درجة أنفسهم عن درجات الأنبياء إذ كان يصدهم عن طريق الله خطيئة واحدة، حتى كانوا يبكون عليها وينوحون سنين متوالية.
وأصناف غرور أهل الإباحة من المتشبهين بالصوفية لا تحصى، وأنواع الغرور في طريق السلوك إلى الله تعالى لا تحصر في مجلدات، ولا تستقصي إلا بعد شرح علوم المكاشفة، وذلك مما لا رخصة في ذكره، إذ السالك لهذا الطريق لا يحتاج إلى أن يسمعه من غيره، والذي لم يسلكه لم ينتفع بسماعه، بل ربما يستضر به؛ إذ يورثه ذلك دهشة من حيث لا يسمع ما لا يفهم.
الحديث الثالث والعشرون عن عبد الله: قوله: ((أن تقول لما لا تعلم)) ((أن تقول)) اسم ((إن))، و ((من العلم)) خبره. و ((الله أعلم)) عبارة عن لا أدري. أي بعض العلم قول لا أدري. وذلك أن المفتي إذ أفتى بكل ما يسأل لا يخلو إما أن يكون جد عالم، أو يكون بخلافه، كما ورد: ((حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضوا وأضلوا))، أو يكون
стр. 306
٢٧٣ - وعن ابن سيرين، قال: إن هذا العلم دين؛ فانظروا عمن تأخذون دينكم. رواه مسلم.
٢٧٤ - وعن حذيفة، قال: يا معشر القراء! استقيموا، فقد سبقتم سبقاً بعيداً، وإن أخذتم يميناً وشمالاً لقد ضللتم ضلالاً بعيداً. رواه البخاري.
ــ
متوسطاً يميز بين ما يعلم وما لم يعلم، فيفتي بما يعلم، ويقول: ((الله أعلم)) فيما لا يعلم. كما سئل مالك عن أربعين مسألة، فقال في ستة وثلاثين: لا أدري.
قوله: ﴿وما أنا من المتكفلين﴾ أي من الذين يتصنعون ويتحلون بما ليسوا من أهله، وما عرفتموني قط متصنعاً، ولا مدعياً ما ليس عندي. روينا في صحيح البخاري أن عمر ﵁ قرأ ﴿وفاكهة وأبا﴾ قال: فما الأب؟ ثم قال: ما كلفنا- أو قال: ما أمرنا- بهذا. وفي الكشاف عن أبي بكر ﵁ أنه سئل عن الأب؟ فقال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا علم لي به؟ والله أعلم.
الحديث الرابع والعشرون عن ابن سيرين: قوله: ((إن هذا العلم)) التعريف فيه للعهد، وهو ما جاء به الرسول صلوات الله عليه لتعليمه الحق من الكتاب والسنة، وهما أصول الدين، والمراد بالمأخوذ منه العدول الثقات المتقنون كما سبق في الحديث الآخر من الفصل الثاني، وهو قول: ((يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله)) الحديث. و ((عن)) صلة ((تأخذون)) على تضمين معنى يروون، ودخول الجارة على الاستفهام هنا كدخوله في قوله تعالى: ﴿على من تنزل الشياطين﴾ تقديره: أعمن تأخذون. وضمن ((انظر)) معنى العلم، والجملة الاستفهامية سدت مسد المفعولين تعليقاً.
الحديث الخامس والعشرون عن حذيفة: قوله: ((القراء)) ((نه)): في الحديث: ((أكثر منافقي أمتي قراؤها)) وهم الذين يحفظون القرآن نفياً للتهمة عن أنفسهم ويعتقدون تضييعه، وكان المنافقون في عصر النبي صلى الله عليه وسل بهذه الصفة.
أقول- وبالله التوفيق-: إن الناس لم يخلقوا إلا للعبادة، والعبادة لا تتم إلا بالإخلاص، والمقصود منها تقرب العبد إلى الله، وكان العبد يتحرى فيهما السير إلى الله، ويتوخى سلوك طريق الاستقامة ليوصله إلى المقصود، والطريق هو الإسلام والاستسلام، وإليه الإشارة بقوله
стр. 307
٢٧٥ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((تعوذوا بالله من جب الحزن)). قالوا: يا رسول الله! وما جب الحزن؟ قال: ((واد في جهنم تتعوذ منه جهنم كل يوم أربعمائة مرة)). قيل: يا رسول الله! ومن يدخلها؟ قال: ((القراء المراؤون بأعمالهم)). رواه الترمذي، وكذا ابن ماجه، وزاد فيه: ((وإن من أبغض القراء إلى الله تعالى الذين يزورون الأمراء)). قال المحاربي: يعني الجورة [٢٧٥].
ــ
تعالى: ﴿وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل﴾ فمن سلك الطريق، وثبت عليها، ولم يأخذ يميناً وشمالاً، فقد فاز فوزاً عظيماً، وسبق من ركب متن الرياء وأخذ على يمين الصراط وشماله، ثم إذا ثبت المرائي، ودام على اعوجاجه، ولم يرجع إلى المستقيم، هام في أودية الضلال، وأداه الشرك الأصغر إلى الشرك الأكبر- أعاذنا الله منه- وهو المراد بقوله: ((ضللتم ضلالاً بعيداً)).
((غب)): الضلال العدول عن الصراط المستقيم، وتضاده الهداية، ويقال لكل عدول من المنهج، عمداً كان أو سهواً، يسيراً كان أو كثيراً- ضلال: فإن الطريق المستقيم الذي هو المرتضى صعب جداً. قيل: كوننا مصيبين من وجه، وكوننا ضالين من وجوه كثيرة، فإن الاستقامة والصواب يجري مجرى المقرطس من المرمى، وما عداه من الجوانب كلها ضلال، فإذا كان كذلك صح أن يستعمل لفظ الضلال في من يكون منه خطأ ما، ولذلك نسب الضلال إلى الأنبياء وإلى الكفار، وإن كان بين الضلالين بون بعيد.
الحديث السادس والعشرون عن أبي هريرة: قوله: ((جب الحزن)) هو علم، والإضافة فيه كما هي في دار السلام، أي دار فيها السلامة من آفة وحزن. و ((من يدخلها)) عطف على محذوف، أي ذلك الشيء عظيم هائل، فمن الذي يستحقه؟ ومن الذي يدخل فيه؟ والتعوذ من جهنم هنا كالنطق منها في قوله تعالى: ((هل من مزيد)) وكالتميز وكالتغيظ في قوله تعالى: ((تكاد تميز من الغيظ)) والظاهر أن يجرى ذلك على المتعارف؛ لأن الله على كل شيء قدير.
((الكشاف)): سؤال جهنم وجوابها من باب التخييل الذي يقصد به تصوير المعنى في
стр. 308
٢٧٦ - وعن علي، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يوشك أن يأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا يبقى من القرآن إلا رسمه، مساجدهم عامرة وهي خراب من الهدى، علماؤهم شر من تحت أديم السماء، من عندهم تخرج الفتنة، وفيهم تعود)) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) [٢٧٦].
ــ
القلب وتبيينه، وتميزها وتغيظها تشبه لشدة غليانها بالكفار بغيظ المغتاظ وتميزه واضطرابه عند الغضب.
الحديث السابع والعشرون عن علي: قوله: ((أن يأتي)) أتى متعد إلى مفعول واحد بلا واسطة، فعدى بعلى ليشعر بأن الزمان عليهم حينئذ بعد أن كان لهم. وفي معناه قول الجرهمي:
أتت دون ذاك الدهر أيام جرهم وطارت [بذاك] العيش عنقاء مغرب
وخص القرآن بالرسم والإسلام بالاسم دلالة على مراعاة القراء لفظ القرآن من التجويد في حفظ مخارج حروفه، وتحسين الألحان فيه؛ دون التفكر في معانيه، والامتثال بأوامره، والانتهاء عن نواهيه، وليس كذلك الإسلام؛ فإن الاسم باق، والمسمى مدروس، فإن الزكاة التي شرعت للشفقة على خلق الله اندرست، ولم يبق منها عين ولا أثر، وأكثر الناس ساهون عن الصلاة تاركونها، وليس أحد يأمرهم بالمعروف فيقيمونها، وعلى هذا قوله: ((وهي خراب من الهدى)) أي من ذي الهدى أو الهادي؛ لأنه لو وجد الهادي لوجد هدي، فأطلق الهدي وأريد الهادي على سبيل الكناية، وهو يحتمل معنيين: أحدهما أن خراب المساجد من أجل عدم الهادي الذي ينفع الناس بهداه في أبواب الدين ويرشدهم إلى طريق الخير. وثانيهما أن خرابها لوجود هداة السوؤ الذين يزيغون الناس ببدعتهم وضلالتهم، وتسميتهم بالهداة من باب التهكم كما في قوله تعالى: ﴿وأضل فرعون قومه وما هدى﴾ ((الكشاف)): تهكم به في قوله تعالى: ﴿وما أهديكم إلا سبيل الرشاد﴾ ولهذا المعنى عقب هذه الجملة على سبيل الاستئناف لبيان الموجب بقوله: ﴿علماؤهم شر من تحت أديم السماء﴾ إلى آخره. و ((في)) في ((فيهم تعود)) كفى في قولهم: ﴿أو لتعودن في ملتنا﴾ وقوله: ﴿ولأصلبنكم في جذوع النخل﴾ أي يستقر
стр. 309
٢٧٧ - وعن زياد بن لبيد، قال: ذكر النبي ﷺ شيئاً، فقال: ((ذاك عند أوان ذهاب العلم)). قلت: يا رسول الله! وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونقرئه أبناءنا، ويقرؤه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة؟ فقال: ((ثكلتك أمك يا زياد! إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة! أو ليس هذه اليهود والنصارى يقرءون التوراة والإنجيل لا يعملون بشيء مما فيهما؟!)) رواه أحمد، وابن ماجه، وروى الترمذي عنه نحوه [٢٧٧].
٢٧٨ - وكذا الدارمي عن أبي أمامة [٢٧٨].
٢٧٩ - وعن ابن مسعود، قال: قال لي رسول الله ﷺ : ((تعلموا العلم
ــ
عود ضررهم فيهم، ويتمكن منهم كل التمكن، و ((أديم السماء)) وجهه، وكذا ((أديم الأرض)) وهو صعيدها. وقيل: منه اشتق اسم آدم لكون جسده منه.
الحديث الثامن والعشرون عن زياد: قوله: ((شيئاً)) التنكير فيه للتهويل، أي شيئاً هائلاً، والواو في: ((وكيف)) للعطف، أي متى يقع ذلك الهول؟ وكيف يذهب العلم والحال أن القرآن بين الناس مستمر دائم إلى يوم القيامة؟ وعند وجود القرآن كيف يذهب العلم؟ و ((إن)) في: ((وإن كنت لأراك)) مخففة من المثقلة، واللام علامة لها، وضمير الشأن محذوف، و ((أفقه)) ثاني مفعول ((أراك)) و ((من)) زائدة في الإثبات، أو متعلقة بمحذوف، أي كائناً من أفقه رجل، وأضاف أفعل إلى المفر النكرة إرادة للاستغراق.
قوله: ((لا يعملون بشيء)) حال من فاعل ((يقرأون))، يعني يقرأون التوراة والإنجيل غير عاملين بشيء مما فيهما. نزل العالم الذي لم يعمل بعلمه منزلة الجاهل بل هو بمنزلة الحمار الذي يحمل أسفاراً.
الحديث التاسع والعشرون عن ابن مسعود: قوله: ((تعلموا العلم)) قد مضى شرح ما في معناه في الحديث الخامس والعشرين وما يليه من الفصل الثاني. قوله: ((إني امرؤ مقبوض)) كقوله تعالى: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم﴾ أي كوني امرأ مثلكم علة لكوني مقبوضاً لا أعيش أبداً.
стр. 310
وعلموه الناس، وتعلموا الفرائض وعلموها الناس، تعلموا القرآن وعلموه الناس؛ فإني امرؤ مقبوض، والعلم سينقبض، وتظهر الفتن حتى يختلف اثنان في فريضة لا يجدان أحداً يفصل بينهما)). رواه الدارمي، والدارقطني [٢٧٩].
٢٨٠ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((مثل علم لا ينتفع به كمثل كنز لا ينفق منه في سبيل الله)) رواه أحمد، والدارمي [٢٨٠].
ــ
الحديث الثلاثون عن أبي هريرة: قوله: ((مثل علم لا ينتفع)) هذا التشبيه على نحو قولهم: ((النحو في الكلام كالملح في الطعام)) في الصلاح باستعمالها، والفساد بإهمالها، لا في القلة والكثرة، تشبيه العلم بالكنز وارد في مجرد عدم النفع في الانتفاع والإنفاق منهما، لا في أمر آخر، وكف لا؟ وإن العلم يزيد بالإنفاق والكنز ينقص، والعلم باق، والكنز فان.
فإن المال يفني عن قريب وإن العلم باق لا يزال
стр. 311
كتاب الطهارة
الفصل الأول
٢٨١ - عن أبي مالك الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن- أو تملأ- ما بين السماوات والأرض، والصلاة والنور،
ــ
كتاب الطهارة
الفصل الأول
الحديث الأول عن أبي مالك: قوله: ((الطهور)) قال الشيخ محيي الدين: جمهور أهل اللغة علي أن الطهور والوضوء يضمان إذا أريد بهما المصدر، ويفتحان إذا أريد بهما اسم ما يتطهر به، كذا عن الأنباري. وذهب الخليل، والأصمعي، وأبو حاتم السجستإني، والأزهري، وجماعة إلي أنه بالفتح في الاسم والمصدر. والطهارة أصلها النظافة والتنزه، وقال: هذا حديث عظيم، وأصل من أصول الإسلام، مشتمل علي مهمات قواعد الدين. وأصل الشطر النصف، قيل: معنى ((شطر الإيمان)) أن الأجر في الوضوء ينتهي إلي نصف أجر الإيمان، وقيل: إن الإيمان يجب ما قبله من الخطايا، وكذلك الوضوء، إلا أن الوضوء لا يصح إلا مع الإيمان، فصار لتوقفه عليه في معنى الشطر. وقيل: المراد بالإيمان الصلاة، قال الله تعالي: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ والطهارة شرط في صحتها، فصارت كالشطر، وليس بلازم في الشطر أن يكون نصفاً حقيقياً. ويحتمل أن يقال: الإيمان تصديق بالقلب، وانقياد بالظاهر، وهما شطران، والطهارة انقياد في الظاهر.
وقوله: ((الحمد لله تملأ الميزان)) بيان عظم أجرها، وقد تظاهرت النصوص من القرآن والسنة علي وزن الأعمال. وقوله: ((تملآن أو تملأ)) ضبطناهما بالتاء المثناة من فوق، فالأول ظاهر، والثاني فيها ضمير الجملة. وقيل: معناه لو قدر ثوابهما جسما لملأ ما بين السماوات والأرض. وسبب عظم فضلهما اشتمالهما علي تنزيه الله تعالي في ((سبحان الله)) والتفويض والافتقار إلي الله في ((الحمد لله)).
وقوله: ((والصلاة نور)) معناه أنها تمنع من المعاصي، وتنهي عن الفحشاء والمنكر، وتهدي للصواب كالنور. وقيل: أريد بالنور الأمر الذي يهتدي به صاحبه يوم القيامة، قال الله تعالي:
стр. 312
والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك. كل الناس يغدو: فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها)). رواه مسلم. [٢٨١]
ــ
﴿يسعى نورهم بين أيديهم﴾. وقيل: لأنها سبب لإشراق أنوار المعارف، وانشراح القلب، ومكاشفات الحقائق، لفراغ القلب فيها، وإقباله علي الله ظاهراً وباطناً، وقيل: النور هو السيماء في وجه المصلي من أثر السجود.
((والصدقة برهان)) معناه يفزع إليها كما يفزع إلي البرهان، فإن العبد إذا سئل يوم القيامة عن مصرف ماله كانت صدقاته براهين في الجواب. وقيل: يوسم المتصدق بسيماء يعرف بها فيكون برهاناً، فلا يسأل عن المصرف. وقيل: معناه أنها حجة علي إيمان فاعلها، فإن المنافق يمتنع منها؛ لكونه لا يعتقدها، قال الله تعالي: ﴿الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتاً من أنفسهم﴾، والمعنى بـ ((الصبر)) الصبر علي طاعة الله وعلي اجتناب معصيته، وعلي النائبات والمكاره، أي لا يزال صاحبه مستضيئاً مهتدياً مستمراً علي الصواب.
وقوله: ((القرآن حجة)) معناه أنه ينتفع إن تلاه وعمل به، وإلا فهو وبال عليه.
وقوله: ((كل الناس يغدو)) معناه كل إنسان يسعى بنفسه، فمنهم من يبيعها من الله تعالي بطاعته فيعتقها، ومنهم من يبيعها من الشيطان والهوى فيهلكها.
((شف)): الغدو سير أول النهار، وهو ضد الرواح، وقد غدا يغدو غدواً مأخوذ من الغدوة- بالضم- وهي ما بين الصبح وطلوع الشمس، والبيع والشرى يطلق أحدهما علي الآخر لارتباط كل منهما بالآخر، ولما كان كل واحد من المتعاقدين من عادته اختيار ما في يد صاحبه علي ما في يده، وإيثاره عليه بالمبادلة معه- وضع لفظ البيع و [الشرى] مكان ترك حالة وكسب أخرى، والمراد هاهنا صرف النفس في الأغراض التي توخاها النفس وتوجهت نحوها، واستعمالها فيها، فإن آثر آخرته علي دنياه، واشتراها بالدنيا- فقد أعتقها، أعني نفسه عن أليم عقابه، وإن آثر دنياه علي آخرته، واشتراها بالآخرة- فقد أوبقها، أي أهلكها، بأن جعلها عرضة لعظيم عذابه. قوله: ((فبائع نفسه)) خبر، أي هو يشتري نفسه، بدليل قوله: ((فمعتقها))، والإعتاق إنما هو يصح من المشتري، وهو محذوف المبتدأ، فإنه يحذف كثيراً بعد الفاء الجزائية. وقوله: ((فمعتقها))، خبر بعد الخبر، ويجوز أن يكون بدل بعض من قوله: ((فبائع نفسه)).
стр. 313
وفي رواية: ((لا إله إلا الله والله أكبر، تملآن ما بين السماء والأرض)). لم أجد هذه الرواية في ((الصحيحين)) ولا في كتاب الحميدي، ولا في ((الجامع))؛ ولكن ذكرها الدارمي بدل ((سبحان الله والحمد لله)). [٢٨١] م
ــ
أقول- وبالله التوفيق-: لعل المعني بالإيمان هاهنا شعبه، كما في قوله صلوات الله عليه: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة)) والطهور، والحمد لله، وسبحان الله، والصلاة، والصدقة، والصبر، والقرآن أعظم شعبها التي لا تنحصر، وتخصيص ذكرها لبيان فائدتها، وفخامة شأنها. فبدأ بالطهور وجعله شطر الإيمان، أي شعبة منه، ومجازه كمجازه في قوله تعالي: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ أي نحوه، وأنشد:
وأطعن بالقوم شطر الملوك حتى إذا خفق المجدع
وتقريره [أي تقدير كون الطهور شعبة من الإيمان] بوجوه: أحدها: أنه صلوات الله عليه جعل نقصان الدين في قوله للنساء: ((أليست إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قلن: بلي! قال: فذلك من نقصان دينها)) فكل مانع يمنع المكلف من الطاعة هو موجب نقصان دينه، وما يرفع المانع لا يبعد أن يعد من الدين.
وثانيها: أن طهارة الظاهر أمارة لطهارة الباطن؛ لأن الظاهر عنوان الباطن، فكما أن طهارة الظاهر ترفع الخبث والحدث من الظاهر- ليستعد للشروع في العبادات- كذلك طهارة الباطن- وهي التوبة- تفتح باب السلوك للسائرين إلي الله تعالي؛ ومن ثم جمعهما في قوله: ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾، وقيد كل واحد منهما بمحبة مستقلة.
وثالثها: أنه قد اشتهر أن من أراد الوفود إلي العظماء يتحرى بتطهير ظاهره من الدنس والأوضار، ولبس الثياب النقية الفاخرة، فوافد مالك الملك ذي العزة والجبروت أولي وأحرى بذلك، ومن ثم شرعت نظافة البدن والثوب، والتطيب في أيام الأعياد والجمعات، قال الله سبحانه وتعالي لحبيبه- صلوات الله عليه-: ﴿وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر﴾، وكان من حق الظاهر بناء علي ما ذكر أن يؤخر «وربك فكبر» عن قرينتها، لكن قدم ما هو مقدم في المقصود، وإن كان مؤخراً في الوجود لأن الغايات والكمالات سابقة في الإرادة لاحقة في الوجود، وعليه قوله تعالي: ﴿الرحمن علم القرآن خلق الإنسان﴾. ولما أراد الله تعالي أن
стр. 314
٢٨٢ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ألا أدلكم علي ما يمحو الله به الخطايا. ويرفع به الدرجات)). قالوا: بلي يا رسول الله! قال: ((إسباغ الوضوء
ــ
يسري بحبيبه- صلوات الله عليه- ويقربه شرح صدره وأخرج قلبه فطهره، علي ما رويناه في حديث المعراج وشرح الصدر «فاستخرج قلبي، وغسل بماء زمزم، ثم أعيد مكانه، ثم حشى إيماناً وحكمة» الحديث.
قال الإمام فخر الدين الرازي: لا يبعد أن يكون حصول الدم الأسود الذي غسلوه من قلبه- صلوات الله عليه- علامة الميل والركون إلي الهوى، والتحجم عن الطاعات، فإذا أزالوه عنه كان ذلك علامة كون صاحبه مواظباً علي الطاعات، محترزاً عن السيئات. يفعل الله ما يشاء، ويحكم ما يريد.
فإن قلت: هل في تخصيص الصلاة بالنور، والصبر بالضياء فائدة؟ قلت: أجل؛ لأن الضياء فرط الإنارة، قال الله تعالي: ﴿هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً﴾. ولعمري! إن الصبر بنيت عليه أركان الإسلام، وبه أحكمت قواعد الإيمان؛ لأنه تعالي لما مدح عباده المخلصين بقوله تعالي: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون علي الأرض هوناً- إلي قوله- واجعلنا للمتقين إماما﴾ (٢) عقبه بقوله: ﴿أولئك يجزون الغرفة بما صبروا﴾ فوضع الصبر موضع تلك الأعمال الفاضلة والأخلاق المرضية؛ لأنه ملاكها، وعليه يدور قطبها.
((غب)): الصبر حبس النفس عما يقتضيه الهوى، وتختلف مواقعه، وربما يخالف بين أسمائه بحسب اختلاف مواقعه، فإن كان في مصيبة فيقال: صبر لا غير، وضده الجزع، وإن كان في محاربة سمى شجاعة، وضدها الجبن، وإن كان في نائبة مضجرة سمى صاحبه رحيب الصدر، وضده ضيق النفس، وإن كان في إمساك النفس من الفضولات سمي قناعة، وضدها الحرص والشره، وإن كان في إمساك كلام في الضمير يسمى كتماناً، وضده الإفشاء، وإن كان في بذل مال سمي صاحبه جواداً، وضده البخيل، وعلي هذا تقاس جميع الفضائل.
قوله: ((والقرآن حجة)) ختم تلك الشعب به، وسلك به مسلكاً غير مسلكها دلالة علي كونه سلطاناً قاهراً، وحكماً فيصلاً، يفرق بين الحق والباطل، حجة الله في الخلق، به السعادة والشقاوة. وقوله: ((كل الناس يغدو)) مجمل، والفاء في قوله: ((فبائع)) تفصيلية، وفي قوله: ((فمعتقها)) سببية، المعنى: كل الناس يسعى في الأمور، فمنهم من يبيعها من الله تعالي، فيعتقها من النار، أو يبيع * من الشيطان فيوبقها.
стр. 315
علي المكاره، وكثرة الخطى إلي المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط)).
٢٨٣ - وفي حديث مالك بن أنس: ((فذلكم الرباط فذلكم الرباط)) [ردد] مرتين. رواه مسلم. وفي رواية الترمذي: ثلاثاً. [٢٨٣]
ــ
فإن قلت: ما وجه اتصال هذه الجملة بما قبلها؟ قلت: هي استئنافية علي تقدير سؤال سائل، قد تبين من هذا التقرير الرشد من الغي، فما حال الناس بعد ذلك. فأجيب: كل الناس يغدو إلي آخره. وموقع هذا السؤال موقع الفاء في قوله: ﴿فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله﴾ الآية، بعد قوله: ﴿قد تبين الرشد من الغي﴾ والله أعلم.
الحديث الثاني عن أبي هريرة: قوله: ((ما يمحو الله)) محو الخطايا كناية عن غفرانها، ويحتمل محوها من كتاب الحفظة دلالة علي غفرانها، ورفع الدرجات عبارة عن إعلاء المنازل في الجنة. وإسباغ الوضوء استيعاب المحل بالغسل، وتطويل الغرة، وتكرار المسح والغسل ثلاثاً. وأصل الوضوء من الوضاءة، وهي الحسن والنظافة، وسمي وضوءاً لأنه ينظف المتوضئ ويحسنه. ((نه)): أثبت سيبويه الوضوء، والطهور، والوقود بالفتح في المصادر، وهي تقع علي الاسم، والمصدر. و ((المكاره)) جمع مكره- بفتح الميم- من الكره، المشقة والألم. وقيل: منها إعواز الماء، والحاجة إلي طلبه، أو ابتياعه بالثمن الغالي.
قوله: ((وانتظار الصلاة)) ((مظ)): إذا صلي بالجماعة أو منفرداً ينتظر صلاة أخرى، ويعلق فكره بها، إما بأن يجلس في المسجد ينتظرها، أو يكون في بيته، أو يشتغل بكسبه وقلبه معلق بها ينتظر حضورها، وكل ذلك داخل في هذا الحكم، ويؤيده ما ورد: ((ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه)).
قوله: ((الرباط)) يقال: رابطت إذا لازمت الثغر، وهو أيضاً اسم لما يربط به، وسمي المكان الذي خص بإقامة حفظة فيه رباطاً. ((قض)): المرابطة ملازمة العدو، مأخوذ من الربط، وهو الشد، والمعنى أن هذه الأعمال هي المرابطة الحقيقية؛ لأنها تسد طرق الشيطان علي النفس، وتقهر الهوى وتمنعها عن قبول الوساوس، وإتباع الشهوات، فيغلب بها حزب الله جنود الشيطان، وذلك هو الجهاد الأكبر، إذ الحكمة في شرع الجهاد تكميل الناقصين، ومنعهم عن الفساد والإغواء.
أقول- والله أعلم-: وفيما ذكر معنى ما يروى: ((رجعنا من الجهاد الأصغر إلي الجهاد الأكبر)) لإتيان اسم الإشارة الدال علي بعد منزلة المشار إليه القريب في مقام التعظيم، وإيقاع
стр. 316
٢٨٤ - وعن عثمان، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من توضأ فأحسن الوضوء، خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره))، متفق عليه.
٢٨٥ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا توضأ العبد المسلم- أو المؤمن- فغسل وجهه، خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء- أو مع آخر قطر الماء فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء- أو مع آخر قطر الماء- فإذا غسل رجليه؛ خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء- أو مع آخر قطر الماء- حتى يخرج نقياً من الذنوب)) رواه مسلم. [٢٨٥]
ــ
الرباط المحلي بلام الجنس خبراً لاسم الإشارة- كما في قوله تعالي: ﴿الم ذلك الكتاب﴾ إذ التعريف في الخبر للجنس، المعنى المذكور [و] هو الذي يستحق أن يسمى رباطاً، كان غير ذلك لا يستأهل أن يسمى بهذا الاسم بالنسبة إليه؛ لما فيه من قهر أعدى عدو الله النفس الأمارة بالسوء، وقمع شهواتها، وقلع مكائد الشيطان وإغوائه. ولما أريد تقرير ذلك مزيد تقرير واهتمام بشأنه بعد اهتمام- كرره تكريراً، والله أعلم.
الحديث الثالث عن عثمان: قوله: ((فأحسن الوضوء)) الفاء موقعة موقع ((ثم)) التي لبيان المرتبة، دلالة علي أن الإجادة في الوضوء- من تطويل الغرة، وتكرار المسح، والغسل ثلاثاً، ومراعاة آدابه من استقبال القبلة، والدعاء المأثور عن السلف وغيرها- أفضل وأكمل من أداء ما وجب مطلقاً. ((وخرجت خطاياه)) تمثيل وتصوير لبراءته عن الذنوب كلها علي سبيل المبالغة، لكن هذا العام خص بالصغائر.
الحديث الرابع عن أبي هريرة: قوله: ((خرج)) جواب الشرط، والفاء في ((فغسل)) مرتبة له علي الشرط، أي إذا أراد الوضوء فغسل خرج من وجهه كل خطيئة.
قوله: ((كل خطيئة نظر إليها)) أي نظر إلي سببها، إطلاقاً لاسم المسبب علي السبب مبالغة، وكذا في البواقي. فإن قلت: ذكر لكل عضو ما يختص به من الذنوب، وما يزيلها عن ذلك العضو، والوجه مشتمل علي العين، والفم، والأنف، والأذن، فلم خصت بالذكر دونها؟ قلت: العين طليعة القلب ورائده، فإذا ذكرت أغنت عن سائرها، ويعضد هذا التأويل حديث عبد الله الصنابحي في الفصل الثالث: ((فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج من تحت أشفار عينيه)). والضمير في ((مشتها)) راجع إلي خطيئة، ونصب بنزع الخافض، أو
стр. 317
٢٨٦ - وعن عثمان، قال رسول الله ﷺ : ((ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها؛ إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب، ما لم يؤت كبيرة، وذلك الدهر كله)). رواه مسلم. [٢٨٦]
ــ
يكون مصدراً، أي مشت المشية، كقوله ﷺ : ((واجعله الوارث منا)) أي اجعل الجعل. و ((بعينيه))، و ((يداه))، و ((رجلاه)) كلها تأكيدات تفيد مبالغة في الإزالة.
الحديث الخامس عن عثمان: قوله: ((صلاة مكتوبة)) أي مفروضة، من كتب كتاباً إذا فرض، وهو مجاز؛ فإن الحاكم إذا كتب شيئاً كان ذلك حكماً وإلزاماً. والخشوع في الصلاة خشية القلب، وإلزام البصر موضع السجود، وجمع الهمة لها، والإعراض عما سواها، ومن الخشوع أن يستعمل الآداب، فيتوقى كف الثوب، والعبث بجسده وثيابه، والالتفات، والتمطي، والتثاؤب، والتغميض، ونحوها.
((تو)): اكتفي بذكر الركوع عن السجود لأنهما ركنان متعاقبان، فإذا حث علي إحسان أحدهما حث علي الآخر، وفي تخصيصه بالذكر تنبيه علي أن الأمر فيه أشد، فافتقر إلي زيادة توكيد؛ لأن الراكع يحمل نفسه في الركوع، ويتحامل في السجود علي الأرض. ((قض)) و ((شف)): تخصيص الركوع بالذكر تحريض عليه؛ فإنه من خصائص المسلمين.
أقول: لعل هذا علي الغالب؛ لما قال تعالي لمريم: ﴿اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين﴾ قيل: أمرت بأن تركع مع الراكعين، ولا تكون مع من لا يركع. والأولي أن يقال: إنما خص الركوع بالذكر دون السجود لاستتباعه السجود؛ إذ لا يستقل عبادة وحده، بخلاف السجود فإنه يستقل عبادة، كسجدة التلاوة والشكر.
قوله: ((ما لم يؤت)) ((تو)): إن إثبات يأت علي بناء الفاعل في كتاب المصابيح غير سديد؛ لأن الحديث من مفاريد مسلم، ولم يروه إلا من الإيتاء، وإن كان ((لم يأت)) أوضح معنى من قولهم: أتى فلان حداً وأتى منكراً، لكن الذي يعتمد عليه من جهة الرواية هو الإيتاء. ومنهم من يروى علي بناء المفعول، والمعنى ما لم يعمل كبيرة، وضع الإيتاء موضع العمل؛ لأن العامل يعطي العمل من نفسه، قال الله تعالي: ﴿ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها﴾ أي لأعطوا ذلك من أنفسهم. ويحتمل أن يكون معنى بناء المفعول ما لم يصب بكبيرة، من قولهم: أتى فلان في بدنه، أي أصابته علة. والواو في قوله: ((وذلك الدهر كله)) للحال، وذو الحال المستتر في خبر كانت، وهو قوله: ((كفارة)).
((شف)): المشار إليه إما تكفير الذنوب، أي تكفير الصلاة المكتوبة الصغائر لا يختص بفرض واحد، بل فرائض الدهر تكفر صغائره، وإما معنى ((ما لم يؤت كبيرة)) هو عدم الإتيان
стр. 318
٢٨٧ - وعنه أنه توضأ فأفرغ علي يديه ثلاثاً، ثم تمضمض واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يده اليمنى إلي المرفق ثلاثاً، ثم غسل يده اليسرى إلي المرفق ثلاثاً، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجله اليمنى ثلاثاً، ثم اليسرى ثلاثاً، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ نحو وضوئي هذا. ثم قال: ((من توضأ وضوئي هذا، ثم يصلي ركعتين لا يحدث نفسه فيهما بشيء، غفر له ما تقدم من ذنبه)) متفق عليه. ولفظه للبخاري.
٢٨٨ - وعن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من مسلم يتوضأ، فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلي ركعتين، مقبلاً عليهما بقلبه ووجهه، إلا وجبت له الجنة)). رواه مسلم. [٢٨٨]
ــ
بالكبيرة، أي عدم إتيان الكبيرة في الدهر كله مع الإتيان بالمكتوبة كفارة لما قبلها. وأما ما قيل: ((من المكتوبة))، أي المكتوبة تكفر ما قبلها ولو كان ذلك ذنوب العمر، والوجه هو الأول؛ لما ورد: ((الصلوات الخمس مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر)). وانتصب ((الدهر)) ظرفاً لمقدر، أي وذلك مستمر في جميع الدهر.
قال المؤلف: قد وجدت ((ما لم يؤت)) في صحيح مسلم، وفي شرحه للنواوي، وفي كتاب الحميدي، كما ذكره الشيخ التوربشتي، وقال محيي الدين النواوي، معنى قوله: ((كانت كفارة لما قبلها)) أن الذنوب كلها تغفر إلا الكبائر؛ فإنها لا تغفر، وليس المعنى أن الذنوب تغفر ما لم تكن كبيرة، فإن كانت كبيرة لا يغفر شيء من الصغائر؛ فإن هذا وإن كان محتملاً فلا نذهب إليه. وقال العلماء: إن هذا الحديث وما أشبهه صالح للتكفير، فإن وجد ما يكفره من الصغائر كفره، وإن وجد كبيرة ولم يصادف صغيرة رجونا أن يخفف من الكبائر، وإلا كتب له به حسنات، ورفعت به درجات.
الحديث السادس عن عثمان: قوله: ((توضأ فأفرغ)) عطف ((فأفرغ)) إلي آخره علي سبيل البيان علي المبين، كما عطف تعالي ﴿فإن فاءوا﴾ علي قوله: ﴿تربص أربعة أشهر﴾ علي مذهب صاحب الكشاف. ((مح)): الجمهور علي أن الاستنثار هو إخراج الماء من الأنف بعد الاستنشاق، وهو جذب الماء بالنفس إلي الأقصى، وتدل عليه الرواية الأخرى: ((استنشق واستنثر)) فجمع بينهما، وهو مأخوذ من النثرة طرف الأنف. وقد أجمعوا علي كراهة الزيادة علي الثلاث المستوعبة للعضو، وإذا لم يستوعب إلا بغرفتين فهي واحدة، ولم يذكر العدد في مسح الرأس، فالظاهر الاكتفاء بالواحدة.
قوله: ((نحو وضوئي هذا)) ((مح)): إنما قال: ((نحو)) ولم يقل: ((مثل))؛ لأن حقيقة مماثلة وضوئه ﷺ لا يقدر عليها غيره، وفيه استحباب ركعتين فأكثر عقيب كل وضوء، وهي سنة
стр. 319
٢٨٩ - عن عمر بن الخطاب، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ- أو فيسبغ- الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله- وفي رواية: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده
ــ
مؤكدة. قال جماعة من أصحابنا: وتفعل هذه الصلاة في أوقات النهي وغيرها؛ لأن لها سبباً، ولو صلي فريضة أو نافلة مقصودة حصلت له هذه الفضيلة، كما تحصل تحية المسجد بذلك. والمراد بقوله: ((لا يحدث نفسه بشيء)) أي من أمور الدنيا، وما لا يتعلق بالصلاة، ولو عرض له حديث فأعرض عنه عفي له ذلك، وحصلت الفضيلة؛ لما أنه تعالي عفا عن هذه الأمة الخواطر التي تعرض ولا تستقر، وعلي ما ذكرت من كلام المازري، والقاضي عياض. ((مظ)): معنى قوله: ((لا يحدث نفسه)) لا تجرى في قلبه وسوسه في الأمور الدنيوية، ليكون حاضر القلب غير ساه وغافل، وقلما يمكن الحضور بالكلية، ويحتمل أن يراد [إخلاص العمل لله]، لا لطلب الجاه [والتسلس]، وأن يراد ترك العجب، بأن لا يرى لنفسه منزلة رفيعة بأدائها، بل ينبغي أن يحقر نفسه كيلا يغتر فيتكبر.
الحديث السابع عن عقبة: قوله: ((مقبل عليهما بقلبه ووجهه)) المراد بوجهه الذات، أي مقبلاً عليهما بظاهره وباطنه، مستغرقاً خاشعاً هائباً. ومعنى ((وجب)) هاهنا أن الله تعالي يدخله الجنة تفضلاً وتكرماً، بحيث لا يخالف وعده كمن وجب عليه شيء. و ((مقبل)) وجد بالرفع في الأصول، وفي بعض النسخ: ((مقبلاً)) منصوباً حالاً؛ وكونه مرفوعاً مشكل؛ لأنه إما صفة ((مسلم)) علي أن ((من)) زائدة، وفيه بعد للفواصل، وإما خبر مبتدأ محذوف، فيكون حالا، وفيه بعد أيضاً؛ لخلوه عن الواو والضمير، اللهم إلا أن يقال: إن المبتدأ المقدر كالملفوظ، فحينئذ يكون من قبيل: كلمته فوه إلي في، والوجه العربي أن يضرب عن هذه المحال صفحاً، ويقال: هو فاعل ينازع فيه ((يقوم)) و ((يصلي)) علي سبيل التجريد، كقول [الشاعر]:
فلئن بقيت لأرحلن بغزوة تحوى الغنائم أو يموت كريم
أي أموت كريماً. فجعل الحال فاعلاً للفعل علي التجريد، وعليه قراءة عمير: ﴿فإذا انشقت السماء فكانت وردة﴾ بالرفع، بمعنى فحصلت السماء وردة. فالمعنى يصلي مقبل متناه في إقباله، ملقى علي الركعتين بشراشره. ومنه قراءة من قرأ: ﴿فهب لي من لدنك ولياً يرثني وارث من آل يعقوب﴾.
الحديث الثامن عن عمر: قوله: ((ما منكم من أحد)) من الثانية زائدة، والأولي بيانية، والجار مجرور حال علي ضعف.
стр. 320
لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله- إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء)) هكذا رواه مسلم في ((صحيحه)) والحميدي في ((أفراد مسلم))، وكذا ابن الأثير في ((جامع الأصول)). [٢٨٩]
وذكر الشيخ محيي الدين النووي في آخر حديث مسلم علي ما رويناه، وزاد الترمذي: ((اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين)).
والحديث الذي رواه محيي السنة في ((الصحاح)): ((من توضأ فأحسن الوضوء)) إلي آخره، رواه الترمذي في ((جامعه)) بعينه إلا كلمة ((أشهد)) قبل ((أن محمداً)).
٢٩٠ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل)) متفق عليه.
ــ
قوله: ((أشهد أن لا إله إلا الله)) القول بالشهادتين عقيب الوضوء إشارة إلي إخلاص العمل لله، وطهارة القلب من الشرك والرياء، بعد طهارة الأعضاء من الحدث والخبث ((مح)): يستحب أن يقال عقيب الوضوء كلمتا الشهادة، هذا متفق عليه. وينبغي أن يضم إليهما ما جاء في رواية الترمذي: ((اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين)) ويضم أيضاً ما رواه النسائي في كتاب عمل اليوم والليلة مرفوعاً: ((سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا الله أنت وحدك لا شريك لك، أستغفرك وأتوب إليك)). قال أصحابنا: وتستحب هذه الأذكار للمغتسل أيضاً. قوله: ((يدخل)) الأظهر أنها استئنافية؛ لصحة قيام ليدخل موقعها.
الحديث التاسع عن أبي هريرة: قوله: ((يدعون)) ((غب)): الدعاء كالنداء، لكن النداء قد يقال إذا قيل: ((يا)) من غير أن يضم إليه الاسم، والدعاء لا يكاد يقال إلا إذا كان معه الاسم، نحو: يا فلان، وقد يستعمل كل واحد موضع الآخر، ويستعمل استعمال التسمية، نحو: دعوت ابني زيداً، أي سميته، ودعوته إذا سألته ﴿ادع لنا ربك يبين لنا﴾، ودعوته إذا استغثته، ﴿قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون﴾.
قوله: ((غراً محجلين)) ((شف)): الغر جمع الأغر، وهو الأبيض الوجه، والمحجل من الدواب التي قوائمها بيض، مأخوذ من الحجل، وهو القيد، كأنها مقيدة بالبياض، وأصل هذا في الخيل. ومعناه أنهم إذا دعوا علي رؤوس الأشهاد أو إلي الجنة كانوا علي هذه الشية.
следующие страницы →