← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122257

شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن

الطيبي

Полный текст (3 308 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

الفصل الثالث ٤٩٣٨ - عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ، قال: ((بينما ثلاثة نفر يتماشون أخذهم المطر، فمالوا إلى غار في الجبل، فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل، فأطبقت عليهم فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمالاً عملتموها لله صالحة، فادعوا الله بها لعله يفرجها. فقال أحدهم: اللهم إنه كان لي والدان شيخان كبيران، ولي صبية صغار كنت أرعى عليهم، فإذا رحت عليهم فحلبت بدأت بوالدين أسقيهما قبل ولدي، وإنه قد نأي بي الشجر، فما أتيت حتى أمسيت، فوجدتهما قد ناما، فحلبت كما كنت أحلب، فجئت بالحالب، فقمت عند رءوسهما أكره أن أوقظهما، وأكره أن أبدأ بالصبية قبلهما والصبية يتضاغون عند قدمي، فلم يزل بي دأبي ودأبهم حتى طلع الفجر، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فأفرج لنا فرجة نرى منها السماء. ففرج الله لهم حتى يرون السماء. ــ الفصل الثالث الحديث الأول عن ابن عمر ﵄: قوله: ((صالحة)) صفة أخرى لـ ((أعمالا)) أي خالصة لوجهه لا رياء ولا سمعة فيها؛ يدل عليه قوله: ((ابتغاء وجهك)) فيما بعد. وضمن ((أرعى)) معنى الإنفاق، وعداه بـ ((على)) أي أنفق عليهم راعياً الغنيمات. وكذا ضمن ((رحت)) معنى رددت أي إذا رددت الماشية من المرعى إلى موضع مبيتها. قوله: ((فحلبت)) عطف على ((رحت)) و ((بدأت)) جواب ((إذا))، و ((أسقيهما)) إما حال أو استئناف بيان للعلة. قوله: ((وإنه قد ناء بي الشجر)). ((مح)): وفي نسخ مسلم: ((نأي)) بجعل الهمزة قبل الألف، وبه قرأ أكثر القراء السبعة، وهما لغتان. ((نه)): أي بعد بي المرعى في الشجر. قوله: ((والحلاب)) بكسر الحاء، هو الإناء الذي يحلب فيه. وقيل: قد يراد بالحلاب هنا اللبن المحلوب. و ((يتضاغون)) أي يضجون ويصيحون من الجوع، والضمير في ((دأبهم)) للوالدين والصبية. و ((الفرجة)) بضم الفاء وفتحها. و ((يرون)) بإثبات النون في بعض نسخ شرح السنة، فيكون حكاية الحال الماضية، كقولك: شربت الإبل حتى يجيء البعير يجر بطنه، وفي بعضها بإسقاطه. قوله: ((إنه كانت لي)) ذكر ضمير الشأن والمذكور في التفسير مؤنث، وهذا يدل على جواز ذلك.

стр. 2557

قال الثاني: اللهم إنه كانت لي بنت عم أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء، فطلبت إليها نفسها، فأبت حتى أتيتها بمائة دينار، فسعيت حتى جمعت مائة دينار، ــ قوله: ((كأشد)) يجوز أن يكون صفة مصدر محذوف. و ((ما)) مصدرية، أي أحبها حباً مثل أشد حب الرجال النساء، أو حالا أي أحبها مشابها حبي أشد حب الرجل النساء. ونظيره قوله تعالى: ﴿يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية﴾، فإن قوله تعالى: ﴿أو أشد خشية﴾ حال على تقدير مشبهين أو أشد خشية من أهل خشية الله. ويجوز أن يكون صفة المصدر نحو خشية الله على أن يكون الخشية خاشية. وما نحن فيه لم يحتج إلى هذا التأويل؛ لأنه مضاف كما قدرنا. وفي الآية: ((خشية)) منصوبة على التمييز. ولو قدر الإضافة بأن يقال: أشد خشية بالجر كان سواء بسواء حذو القذة بالقذة. قوله: ((فطلبت إليها نفسها)) ((نه)): يقال: طلب إلي فأطلبته أي أسعفته بما طلب. والطلبة الحاجة والإطلاب إنجازها. انتهى كلامه. ويجوز أن يضمن فيه معنى الإرسال، أي أرسلت إليها طالباً نفسها. والخاتم كناية عن البكارة. والفاء في ((فإن كنت)) عطف على مقدر، أي اللهم فعلت فإن كنت تعلم .... إلخ. ويجوز أن يكون ((اللهم)) مقحمة بين المعطوف والمعطوف عليه لتأكيد الابتهال والتضرع إلى الله تعالى، فلا يقدر معطوف عليه وهو الوجه، يدل عليه القرينة السابقة واللاحقة. وإنما كرر ((اللهم)) في هذه القرينة دون أختيهما؛ لأن هذا المقام أصعب المقامات وأشقها؛ فأنه ردع لهوى النفس خوفاً من الله تعالى ومقامه. قال الله تعالى: ﴿وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى﴾. قال الشيخ أبو حامد: شهوة الفرج أغلب الشهوات على الإنسان وأعصاها عند الهيجان على العقل. فمن ترك الزنا خوفاً من الله تعالى مع القدرة، وارتفاع الموانع وتيسر الأسباب لاسيما عند صدق الشهوة، نال درجة الصديقين. و ((الفرق)) بفتح الراء مكيال يسع ستة عشر رطلاً. وهي اثنا عشر مداً، وثلاثة آصع عند أهل الحجاز. قوله: ((ذلك البقر)) ((ذلك)) إشارة إلى البقر باعتبار السواد المرئي. كما يقال: هند ذلك الإنسان أو الشخص فعل كذا. قال الذبياني: تبيت نعمي على الهجران عاتبة سقياً ورعياً لذاك العاتب الزاري وأنث الضمير الراجع إلى البقر باعتبار جمعية الجنس. ((مح)): استدل أصحابنا بهذا على أنه يستحب للإنسان أن يدعو في حال كربه وفي الاستسقاء

стр. 2558

فلقيتها بها، فلما قعدت بين رجليها. قالت: يا عبد الله! اتق الله ولا تفتح الخاتم، فقمت عنها. اللهم فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج لنا منها، ففرج لهم فرجة. وقال الآخر: اللهم إني كنت استأجرت أجيراً بفرق أرز، فلما قضى عمله قال: أعطني حقي. فعرضت عليه حقه، فتركه ورغب عنه، فلم أزل أزرعه حتى جمعت منه بقراً وراعيها، فجاءني فقال: اتق الله ولا تظلمني وأعطني حقي. فقلت: اذهب إلى ذلك البقر وراعيها فقال: اتق الله ولا تهزأ بي. فقتل: إني لا أهزأ بك فخذ ذلك البقر وراعيها، فأخذه فانطلق بها. فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فأفرج ما بقى ففرج الله عنهم)). متفق عليه. ٤٩٣٩ - وعن معاوية بن جاهمة، أن جاهمة جاء إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! أردت أن أغزو وقد جئت أستشيرك. فقال: ((هل لك من أم؟)) قال: ــ وغيره. ويتوسل بصالح عمله إلى الله تعالى، فإن هؤلاء فعلوه واستجيب لهم. وذكره النبي ﷺ في معرض الثناء عليهم وجميل فضائلهم. وفيه فضل بر الوالدين وإيثارهما على من سواهما من الأهل والوالد. وفيه فضل العفاف والانكفاف عن المحرمات، لاسيما بعد القدرة عليها. وفيه جواز الإجازة وفضل حسن العهد وأداء الأمانة والسماحة في المعاملة. وفيه إثبات كرامات الأولياء، وهو مذهب أهل الحق. وتمسك بالحديث أصحاب أبي حنيفة وغيرهم، ممن يجوز بيع الإنسان مال غيره والتصرف فيه بغير إذنه، إذا أجازه المالك بعد ذلك. وأجاب أصحابنا بأن هذا إخبار عن شرع من قبلنا، وفي كونه شرعاً لنا خلاف. فإن قلنا: إنا متعبدون به، فهو محمول على أنه استأجره في الذمة، ولم يسلم إليه بل عرضه عليه، فلم يقبضه، فلم يتعين ولم يصر ملكه. فالمستأجر قد تصرف في ملك نفسه، ثم تبرع بما اجتمع منه من البقر والغنم وغيرهما. الحديث الثاني عن معاوية: قوله: ((عند رجلها)) كناية عن غاية الخضوع ونهاية التذلل، كما في قوله تعالى: ﴿واخفض لهما جناح الذل من الرحمة﴾. ولعله ﷺ عرف من حاله وحال أمه حيث ألزمه خدمتها ولزومها أن ذلك أولى به.

стр. 2559

نعم. قال: ((فالزمها، فإن الجنة عند رجلها)). رواه أحمد، والنسائي، والبيهقي في ((شعب الإيمان)). [٤٩٣٩] ٤٩٤٠ - وعن ابن عمر، قال: كانت تحتي امرأة أحبها، وكان عمر يكرهها. فقال لي: طلقها، فأبيت. فأتى عمر رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك له، فقال لي رسول الله ﷺ : ((طلقها)). رواه الترمذي، وأبو داود. [٤٩٤٠] ٤٩٤١ - وعن أبي أمامة، أن رجلاً قال: يا رسول الله! ما حق الوالدين على ولدهما؟ قال: ((هما جنتك ونارك)). رواه ابن ماجه. [٤٩٤١] ٤٩٤٢ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن العبد ليموت والداه أو أحدهما وإنه لهما لعاق، فلا يزال يدعو لهما ويستغفر لهما حتى يكتبه الله باراً)). [٤٩٤٢] ٤٩٤٣ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أصبح مطيعاً لله في والديه أصبح له بابان مفتوحان من الجنة، وإن كان واحداً فواحداً، ومن أمسى عاصياً في والديه أصبح له بابان مفتوحان من النار، إن كان واحداً فواحداً)) قال رجل: وإن ظلماه؟ قال: ((وإن ظلماه، وإن ظلماه، وإن ظلماه)). [٤٩٤٣] ــ الحديث الثالث والرابع عن أبي أمامة: قوله: ((هما جنتك)) الجواب من الأسلوب الحكيم، أي حقهما البر والإحسان، وترك العقوق، الموجبان لدخول الجنة وعداً، وترك الإحسان والعقوق الموجبان لدخول النار وعيداً، فأوجز كما ترى. وقوله: ((جنتك ونارك)) على الخطاب العام؛ لأن سؤاله عام فيدخل فيه السائل دخولاً أولياً. الحديث الخامس والسادس عن ابن عباس ﵄: قوله: ((مطيعاً لله في والديه)). فيه: أن طاعة الوالدين لم تكن طاعة مستقلة، بل هي طاعة الله التي بلغت توصيتها من الله تعالى فحسب طاعتهما كطاعته. وكذلك العصيان والأذى. وهو من باب قوله تعالى: ﴿إن

стр. 2560

٤٩٤٤ - وعنه، أن رسول الله ﷺ ، قال: ((ما من ولد بار ينظر إلى والديه نظرة رحمة إلا كتب الله له بكل نظرة حجة مبرورة)). قالوا: وإن نظر كل يوم مائة مرة؟ قال: ((نعم، الله أكبر وأطيب)). [٤٩٤٤] ٤٩٤٥ - وعن أبي بكرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((كل الذنوب يغفر الله منها ما شاء إلا عقوق الوالدين فإنه يعجل لصاحبه في الحياة قبل الممات)). ٤٨٤٦ - وعن سعيد بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ : ((حق كبير الإخوة على صغيرهم حق الوالد على ولده)). رواه البيهقي الأحاديث الخمسة في ((شعب الإيمان)). [٤٩٤٦] ــ الذين يؤذون الله ورسوله﴾. و ((من الجنة)) يجوز أن يكون صفة أخرى لقوله: ((بابان))، وأن يكون حالا من الضمير في ((متفوحان)). وقوله: ((فواحداً)) أي فكان الباب المفتوح واحداً. ((وإن ظلماه)) يراد بالظلم ما يتعلق بالأمور الدنيوية لا الأخروية. الحديث السابع عن ابن عباس ﵄: قوله: ((الله أكبر)) رد لاستبعاد من أن يعطي الرجل بسبب النظرة حجة، وإن نظر مائة مرة. يعني: الله أكبر مما في اعتقادك من أنه لا يكتب له تلك الأعداد الكثيرة، ولا يثاب عليه ما هو أطيب. الحديث الثامن عن أبي بكرة: قوله: ((منها)) ((من)) تبعيضية منصوب المحل مفعول ((يغفر)) مجازاً، و ((ما شاء)) بدل منه. ويجوز أن يتعلق بـ ((يغفر)) وتكون ابتدائية. ومعنى الشمول في الكل للاستغراق. يعني: كل فرد من أفراد الذنوب مغفور إذا تعلقت مشيئة الله تعالى به إلا عقوق الوالدين. وهذا وارد على سبيل التغليظ والتشديد. ومفعول ((يعجل)) محذوف، أي ((العقوبة))، يدل عليه سياق الكلام. باب الشفقة والرحمة على الخلق الشفقة اسم من الإشفاق. وكذلك الشفق وهو الخوف. قال:

стр. 2561

(١٥) باب الشفقة والرحمة على الخلق الفصل الأول ٤٩٤٧ - عن جرير بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يرحم الله من لا يرحم الناس)). متفق عليه. ٤٩٤٨ - وعن عائشة، قالت: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: أتقبلون الصبيان؟ فما نقبلهم. فقال النبي ﷺ : ((أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة؟)). متفق عليه. ــ تهوى حياتي وأهوى موتها شفقا والموت أكرم نزال على الحرم والشفقة عناية مختلطة بخوف؛ لأن المشفق يحب المشفق عليه ويخاف ما يلحقه. الفصل الأول الحديث الأول عن جرير: قوله: ((لا يرحم الله من لا يرحم)) الرحمة الثانية محمولة على الحقيقة، [والأولى على المجاز؛ لأن الرحمة من الخلق التعطف والرقة، وهو لا يجوز على الله تعالى ومن الله تعالى الرضى عمن رحمه] لأن من رق له القلب فقد رضي عنه، أو الإنعام وإرادة الخير؛ لأن الملك إذا عطف على رعيته ورق لهم، أصابهم بمعروفه وإنعامه. الحديث الثاني عن عائشة ﵂: قوله: ((أو أملك)) الهمزة الاستفهامية إنكارية. ((شف)): يروى ((أن)) بفتح الهمزة فهي مصدرية، ويقدر مضاف، أي لا أملك لك دفع نزع الله من قلبك الرحمة. ويرى بكسر الهمزة شرطاً، وجزاءه محذوف من جنس ما قبله. أي إن نزع الله من قلبك الرحمة لا أملك لك دفعه ومنعه. أقول: والفاء في قوله: ((فما نقلبهم)) استبعادية، أي تفعلون ذلك وهو مستبعد عندنا. ونحو الفاء في قوله تعالى: ﴿ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها﴾ فإن موقعه موقع ((ثم)) في مثل هذه الآية، أي أن الإعراض في مثل آيات الله العظمى في وضوحها وإرشادها بعد التذكير بها، مستبعد في العقول. الحديث الثالث عن عائشة ﵂: قوله: ((من ابتلى من هذه البنات بشيء)) ((تو)):

стр. 2562

٤٩٤٩ - وعنها، قالت: جاءتني امرأة ومعها ابنتان لها تسألني، فلم تجد عندي غير تمرة واحدة فأعطيتها إياها، فقسمتها بين ابنتيها، ولم تأكل منها، ثم قامت فخرجت. فدخل النبي ﷺ ، فحدثته، فقال: ((من ابتلى من هذه البناء بشيء فأحسن إليهن كن له ستراً من النار)). متفق عليه. ٤٩٥٠ - وعن أنس، قال: رسول الله ﷺ : ((من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو هكذا)) وضم أصابعه. رواه مسلم. ٤٩٥١ - وعن أبي هريرة، قال، قال رسول الله ﷺ : ((الساعي على الأرملة والمسكين كالساعي في سبيل الله))، وأحسبه قال: ((كالقائم لا يفتر وكالصائم لا يفطر)). متفق عليه. ــ هذه الرواية هي الصواب. والرواية التي اختارها صاحب المصابيح يتخبط الناس فيها لمكان قوله: ((شيئاً)) وروى ((يلي)) بالياء من الولاية وليس بشيء. والصواب فيه: ((من بلى من هذه البنات بشيء)). أقول: الرواية في البخاري والحميدي والبيهقي وشرح السنة: ((من ابتلى من هذه البنات بشيء)). ولم نقف على ما في المصابيح، وهو ((من بلى من هذه البنات شيئا)) في الأصول. وهذه إشارة إلى جنسهن. ((مح)): إنما سماهن ابتلاء؛ لأن الناس يكرهونهن في العادة. قال الله تعالى: ﴿وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم﴾. الحديث الرابع عن أنس ﵁: قوله: ((من عال)). ((نه)): يقال: عال الرجل عياله يعولهم: إذا قام بما يحتاجون إليه من قوت وكسوة وغيرهما. وقوله: ((أنا وهو هكذا)) جملة حالية بغير واو، أي جاء مصاحباً لي. الحديث الخامس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((على الأرملة)) ((مح)): المراد بالساعي الكاسب لهما العامل لمئونتهما. والأرملة: من لا زوج لها، سواء تزوجت قبل ذلك أم لا. وقيل: هي التي فارقها زوجها. قال ابن قتيبة: سميت أرملة لما يحصل لها من الإرمال، وهو الفقر وذهاب الزاد بفقد الزوج. يقال: أرمل الرجل إذا فنى زاده. انتهى كلامه. وإنما كان معنى ((الساعي على الأرملة)) ما قاله: لأنه ﷺ عداه بـ ((على)) مضمنا فيه معنى

стр. 2563

٤٩٥٢ - وعن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أنا وكافل اليتيم له، ولغيره، في الجنة هكذا)) وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما شيئا. رواه البخاري. ٤٩٥٣ - وعن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضواً تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)). متفق عليه. ٤٩٥٤ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((المؤمنون كرجل واحد، إن اشتكى عينه كله، وإن اشتكى رأسه اشتكى كله)). رواه مسلم. ٤٩٥٥ - وعن أبي موسى، عن النبي ﷺ ، قال: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً)) ثم شبك بين أصابعه. متفق عليه. ــ الإنفاق. ((شف)): الألف واللام في ((كالقائم)) و ((كالصائم)) غير معرفين؛ ولذلك وصف كل واحد بجملة فعلية بعده كقوله الشاعر: ولقد أمر على اللئيم يسبني قوله: ((كالقائم لا يفتر وكالصائم لا تفطر)) هما عبارتان عن الصوم بالنهار والقيام بالليل. كقولهم: نهاره صائم وليله قائم. يريدون الديمومة. الحديث السادس عن سهل: قوله: ((وكافل اليتيم)) ((نه)) وهو القائم بأمر اليتيم المربي له. وهو من الكفيل الضمين. والضمير في قوله: ((ولغيره)) راجع إلى ((الكافل)). أي أن اليتيم سواء كان الكافل من ذوي رحمه وأنسابه، أو كان أجنبياً لغيره يكفل به. أقول: قوله: ((في الجنة)) خبر ((أنا)) و ((هكذا)) نصب على المصدر من متعلق الخبر، وأشار بالسبابة والوسطى، أي أشار بهما إلى ما في ضميره ﷺ من معنى الانضمام وهو بيان ((هكذا)). الحديث السابع عن النعمان: قوله: ((تداعى له سائر الجسد)) ((نه)): كأنه بعضه دعا بعضاً ومنه قولهم: تداعت الحيطان، أي تساقطت أو كادت. ووجه التشبيه فيه هو التوافق في المشقة والراحة والنفع والضرر. الحديث الثامن والتاسع عن أبي موسى: قوله: ((المؤمن للمؤمن)) التعريف فيه للجنس والمراد بعض المؤمن للبعض. وقوله: ((يشد بعضه بعضاً)) بيان لوجه التشبيه. وقوله: ((ثم شبك بين أصابعه)) كالبنيان للوجه أي شدا مثل هذا الشد. ((مح)): فيه تعظيم

стр. 2564

٤٩٥٦ - وعنه، عن النبي ﷺ ، أنه كان إذا أتاه السائل أو صاحب الحاجة قال: ((اشفعوا فلتؤجروا ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء)). متفق عليه. ٤٩٥٧ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً)). فقال رجل: يا رسول الله! أنصره مظلوماً، فكيف أنصره ظالماً؟ قال: ((تمنعه من الظلم، فذلك نصرك إياه)). متفق عليه. ٤٩٥٨ - وعن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: ((المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن ــ حقوق المسلمين بعضهم لبعض، وحثهم على التراحم والملاطفة والتعاضد، في غير إثم ولا مكروه. وفيه جواز التشبيه وضرب الأمثال لتقريب المعاني إلى الأفهام. الحديث العاشر عن أبي موسى: قوله: ((اشفعوا فلتؤجروا ((مظ)): يعني إذا عرض صاحب حاجة علي اشفعوا له إلى: فإنكم إذا شفعتم له إلي، حصل لكم بتلك الشفاعة أجر، سواء قبلت شفاعتكم أو لم تقبل. وقوله: ((يقضي الله على لسان رسوله)) أي يجري على لساني ما شاء الله، إن قضيت حاجة من شفاعتكم له، فهو بتقدير الله. وإن لم أقض فهو أيضاً بتقدير الله. أقول: قوله: ((على لسان رسوله)) من باب التجريد؛ إذا الظاهر أن يقال: ((على لساني)). كأنه قال: اشفعوا إلى، ولا تقولوا: ما ندري أيقبل رسول الله ﷺ أم لا؟؛ لأن الله تعالى هو القاضي، فإن قضى لي أن أقبل أقبل، وإلا فلا. وهو من قوله ﷺ : ((اعملوا فكل ميسر لما خلق له)) والفاء في ((فلتؤجروا)) واللام مقحمة بل كلاهما مؤكدان؛ لأنه لو قيل: ((تؤجروا)) جواباً للأمر لصح. ((مح)): أجمعوا على تحريم الشفاعة في الحدود بعد بلوغها إلى الإمام. وأما قبله فقد أجاز الشفاعة فيها أكثر العلماء، إذا لم يكن المشفوع فيه صاحب شر وأذى للناس. وأما المعاصي التي لا حد فيها، والواجب التعزيز، فيجوز الشفاعة والتشفيع فيها، سواء بلغت الإمام أم لا. ثم الشفاعة فيها مستحبة، إذا لم يكن المشفوع فيه مؤذياً وشريراً. الحديث الحادي عشر عن أنس ﵁: قوله: ((فذلك نصرك إياه)) إشارة إلى المنع. أي منعك أخاك عن الظلم نصرك إياه على شيطانه الذي يغويه، وعلى نفسه التي تأمره بالسوء. الحديث الثاني عشر عن ابن عمر: قوله: ((ولا يسلمه)) ((نه)): يقال: أسلم فلان فلانا إذا

стр. 2565

مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة)). متفق عليه. ٤٩٥٩ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((المسلم أخوة المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى هاهنا)). ويشير إلى صدره ثلاث مرات ((بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه)). رواه مسلم. ــ ألقاه إلى الهلكة ولم يحمه من عدوه. وهو عام في كل من أسلمته إلى كل شيء لكن دخله التخصص، وغلب عليه الإلقاء في الهلكة. الحديث الثالث عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لا يظلمه)) استئناف إما بيان للموجب وإما لوجه التشبيه. والخذلان ترك الإعانة والنصرة. قوله: ((ولا يحقره)) ((مظ)): لا يجوز تحقير المتقي من الشرك والمعاصي. والتقوى محله القلب، وما كان محله القلب يكون مخفياً عن أعين الإنس. وإذا كان مخفياً فلا يجوز لأحد أن يحكم بعدم تقوى مسلم حتى يحقره. ويحتمل أن يكون معناه محل التقوى هو القلب، فمن كان في قلبه التقوى فلا يحقر مسلماً؛ لأن المتقي لا يحقر المسلم. أقول: والقول الثاني أوجه والنظم له أدعى؛ لأنه ﷺ إنما شبه المسلم بالأخ لينبه على المساواة، وأن لا يرى أحد نفسه على أحد من المسلمين فضلاً ومزية، ويحب له ما يحب لنفسه. وتحقيره إياه مما ينافي هذه الحالة وينشأ منه قطع وصلة الأخوة التي أمر الله تعالى بها أن توصل. ومراعاة هذه الشريطة أمر صعب؛ لأنه ينبغي أن يسوي بين السلطان وأدنى العوام، وبين الغني والفقير، وبين القوي والضعيف والكبير والصغير. ولا يتمكن من هذه الخصلة إلا من امتحن الله قلبه للتقوى، وأخلصه من الكبر والغش والحقد، ونحوها: إخلاص الذهب الإبريز من خبثه ونقاه منها، فيؤثر لذلك أمر الله تعالى على متابعة الهوى؛ ولذلك جاء قوله ﷺ : ((التقوى هاهنا)) فإن كلا منهما متضمن للنهي عن الاحتقار. وأنت عرفت أن موقع الاعتراض بين الكلام موقع التأكيد والتقرير. وقوله: ((كل المسلم على المسلم ...)) إلخ. هو الغرض الأصلي والمقصود الأولى، والسابق كالتمهيد والمقدمة له. فجعل مال المسلم وعرضه جزاء منه تلويحاً إلى معنى ما روي: ((حرمة مال المسلم كحرمة دمه)) والمال يبذل للعرض. قال:

стр. 2566

٤٩٦٠ - وعن عياض بن حمار، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال. وأهل النار خمسة، الضعيف الذي لا زبر له: الذين هم ــ أصون عرضي بمالي لا أدنسه لا بارك الله بعد العرض في المال ولما أن التقوى: تشد من عقد هذه الأخوة وتستوثق من عراها. قال الله تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله﴾ يعني أنكم إن اتقيتم لم تحملكم التقوى إلا على التواصل والائتلاف والمسارعة إلى إماطة ما يفرط منه، ولأن مستقر التقوى ومكانه المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد. قال الله تعالى: ﴿أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى﴾. ولذلك كرر صلوات الله عليه هذه الكلمة، وأشار بيده إلى صدره ثلاثا. وإنما عدل الراوي من الماضي إلى المضارع استحضارا لتلك الحالة في مشاهدة السامع واهتماماً بشأنها. ونحوه قوله تعالى: ﴿والهل الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً﴾ ومن ثمة أشار رسول الله ﷺ بيده إلى صدره. ولم يقل: التقوى في القلب. وهذا الحديث من الجوامع وفصل الخطاب الذي خص به هذا النبي المكرم صلوات الله وسلامه عليه. قوله: ((بحسب امرئ)) مبتدأ والباء فيه زائدة. وقوله: ((أن يحقر أخاه)) خبره، أي حسبه وكافيه من خلال الشرور ورذائل الأخلاق تحقير أخيه المسلم. والله أعلم. الحديث الرابع عشر عن عياض: قوله: ((ذو سلطان)) أي سلطان لأنه ذو قهر وغلبة من السلاطة، وهي التمكن من القهر. قال الله تعالى: ﴿ولو شاء الله لسلطهم﴾ ومنه سمي السلطان. وقيل: ذو حجة لأنه تقام الحجج به. و ((المقسط)) العادل. يقال: أقسط يقسط فهو مقسط إذا عدل. وقسط يقسط فهو قاسط إذا جار. وكأن الهمزة فيه للسلب، كأن يقال: شكاه إليه فأشكاه. و ((الموفق)) هو الذي يهيئ له أسباب الخير وفتح له أبواب البر. وقوله: ((رقيق القلب)) مفسر لقوله: ((رحيم)) أي يرق قلبه ويترحم لكل من بينه وبينه لحمة القرابة أو صلة الإسلام. و ((العفيف)) المتعفف المتجنب عن المحارم والمتحاشي عن السؤال، المتوكل على الله تعالى في أمره وأمر عياله. وإذا استقرأت أحوال العباد على اختلافها، فلعلك لم تجد أحداً يستأهل أن يدخل الجنة ويحق له أن يكون من أهلها، إلا وهو مندرج تحت هذه الأقسام غير خارج عنها. قوله: ((لا زبر له)) ((حس)): أي لا عقل له. وفي الغريبين: يقال: ما له زبر أي عقل. ((تو)):

стр. 2567

فيكم تبع لا يبغون أهلا ولا مالا، والخائن الذي لا يخفي له طمع وإن دق إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك))، وذكر البخل أو الكذب، والشنظير الفحاش)). رواه مسلم. ــ المعنى لا يستقيم عليه؛ لأن من لا عقل له لا تكليف عليه. فكيف يحكم بأنه من أهل النار؟ وأرى الوجه فيه أن يفسر بالتماسك؛ فإن أهل اللغة يقولون: لا زبر له أي لا تماسك له، وهو في الأصل مصدر. والمعنى: لا تماسك له عند مجيء الشهوات. فلا يرتدع عن فاحشة ولا يتورع عن حرام. أقول: لعله ذهب إلى أن قوله: ((الذين هم فيكم تبع)) قسم آخر من الأقسام الخمسة؛ ولذلك فسره بقوله: ((يعني به الخدام الذين يكتنفون بالشبهات والمحرمات)) وعليه كلام القاضي؛ حيث قال: والذين هم فيكم تبع يريد به الخدام الذين لا مطمح لهم، ولا مطمع إلا ما يملأون به بطونهم من أي وجه كان، ولا تتخطى هممهم إلى ما وراء ذلك من أمر ديني أو دنيوي. أقول: والظاهر أن الضعيف وصف باعتبار لفظه تارة بالمفرد وباعتبار الجنس أخرى بالجمع، أو الموصل الثاني بيان أو بدل مما قبله لعدم العاطف، كما في الأصول المشهورة. وعليه كلام الأشراف حيث قال: ((الذي)) في قوله: ((الذي لا زبر له)) بمعنى ((الذين)) للجمع. قال الشاعر: إن الذي حانت بفلج دماؤهم هم القوم كل القوم يا أم خالد وهو الذي جوز جعل قوله: ((الذين هم فيكم تبع)) بدلا من قوله: ((الذي لا زبر له)) انتهى كلامه. وعلى هذا لا يتوجه الإشكال الذي أورده الشيخ التوربشتي، ويتعين تقسيم الأقسام الخمسة: أحدها: الضعيف، وثانيها: الخائن، وثالثها: رجل، ورابعها: البخيل مثلا، وخامسها: الشنظير. قوله: ((تبع)) في بعض نسخ المصابيح مرفوعاً كما في صحيح مسلم على أنه فاعل الظرف، أو مبتدأ خبره الظرف، والجملة خبرهم. وفي بعضها منصوب كما في الحميدي وجامع الأصول، وهو حال عن الضمير المستتر في الخبر. ((مح)): ((لا يتبعون)) بالعين المهملة يخفف ويشدد من الإتباع. وفي بعض النسخ ((لا يبغون)) بالغين المعجمة: لا يطلبون. قوله: ((لا يخفي له طمع)) ((قض)): أي لا يخفي عليه شيء مما يمكن أن يطمع فيه، وإن دق، بحيث لا يكاد يدرك إلا وهو يسعى في التفحص عنه والتطلع عليه حتى يجده فيخونه. وهذا هو الإغراق في الوصف بالخيانة. ويحتمل أن يكون ((خفي)) من الأضداد. والمعنى لا يظهر له شيء يطمع فيه إلا خانه، وإن كان شيئاً يسيراً. والطمع مصدر بمعنى المفعول.

стр. 2568

٤٩٦١ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)). متفق عليه. ٤٩٦٢ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((والله لا يؤمن، والله لا ــ قوله: ((يخادعك عن أهلك)) ((عن)) هنا كما في قوله الشاعر: يمدح جوادا ويصف أضيافه ينهون عن أكل وعن شرب أي يتناهون في السمن بسبب الأكل والشرب. وقوله تعالى ﴿فأزلهما الشيطان عنها﴾ الكشاف: أي حملهما الشيطان على الزلة بسببها وتحقيقه فأصدر الشيطان زلتهما عن الشجرة فالمعنى: يخادعك بسبب أهلك ومالك، أي طمع في مالك وأهلك، فيظهر عندك الأمانة والعفة ويخون فيهما. قوله: ((البخل أو الكذب)) ((تو)) أي البخيل والكذاب أقام المصدر مقام اسم الفاعل، انتهى كلامه. ولعل الراوي نسي ألفاظا ذكرها ﷺ في شأن البخيل أو الكذاب فعبر بهذه الصيغة، وإلا كان يقول: والبخيل أو الكذاب. ((مح)): في أكثر النسخ: ((أو الكذاب)) بـ ((أو))، وفي بعضها بالواو. والأول هو المشهور في نسخ بلادنا. قال القاضي عياض: روايتنا عن جميع شيوخنا بالواو، إلا ابن أبي جعفر عن الطبري فبـ ((أو)). وقال بعض الشيوخ: لعل الصواب، وبه تكون المذكورات خمسة. أقول: فعلى هذا قوله: ((الشنظير)) مرفوع، فيكون عطفاً على ((رجل)) كما سبق. وعلى تأويل الواو ينبغي أن يكون منصوباً من تتمة الكذب أو البخل، أي البخيل السيئ الخلق. يقال: رجل شنظير وشنظيرة. و ((الفحاش)) نعت لـ ((الشنظير)). وليس بمعنى له، أي يكون مع سوء خلقه فحاشا. الحديث الخامس عشر عن أنس ﵁: قوله: ((لا يؤمن عبد)) ((مح)): قالوا: لا يؤمن الإيمان التام. وإلا فأصل الإيمان يحصل لمن لم يكن بهذه الصفة. والمراد: يحب لأخيه من الطاعات والمباحات؛ يدل عليه ما جاء في رواية النسائي في هذا الحديث ((حتى يحب لأخيه من الخير))؛ إذ معناه لا يكمل إيمان أحدكم حتى يحب لأخيه في الإسلام ما يحب لنفسه. والقيام بذلك يحصل بأن يحب له حصول مثل ذلك من جهة لا يزاحمه فيها. وذلك سهل على القلب السليم. وإنما يعسر على القلب الدغل. الحديث السادس عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((بوائقه)) ((نه)): أي غوائله وشروره، واحدتها بائقة.

стр. 2569

يؤمن، والله لا يؤمن)). قيل: من يا رسول الله؟ قال: ((الذي لا يأمن جاره بوائقه)) متفق عليه. ٤٩٦٣ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه)). رواه مسلم. ٤٩٦٤ - وعن عائشة وابن عمر ﵃ عن النبي ﷺ قال: ((ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه)). متفق عليه. ٤٩٦٥ - وعن عبد الله بن مسعود: قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر، حتى تختلطوا بالناس، من أجل أن يحزنه)). متفق عليه. ٤٩٦٦ - عن تميم الداري، أن النبي ﷺ قال: ((الدين النصيحة)) ثلاثاً. قلنا: ــ الحديث السابع عشر إلى التاسع عشر عن عبد الله: قوله: ((من أجل أن يحزنه)) يجوز أن يكون علة للنهي، أي لا تتناجوا لئلا يحزن صاحبك، وأن يكون علة للفعل المنهي، أي لا ينبغي أن يصدر منكم تناج هو سبب للحزن. فعلم أن هناك تناجياً غير منهي. ((خط)): إنما يحزنه ذلك لأحد معنيين: أحدهما: أنه ربما يتوهم أن نجواهما [التبييت] رأي فيه، أو دسيس غائلة له. والآخر: أن ذلك من أجل الاختصاص بالكرامة وهو يحزن صاحبه. وقال أبو عبيد: هذا في السفر، وفي الموضع الذي لا يأمن الرجل فيه صاحبه على نفسه. فأما في الحضر وبين ظهراني العمارة، فلا بأس به. ((حس)): وقد صح عن عائشة ﵂: ((إنا كنا أزواج النبي ﷺ عنده يوما، فأقبلت فاطمة ﵂ فلما رآها رحب ثم سارها)). ففيه دليل على أن المساواة في الجمع حيث لا ريبة جائزة. ((مح)): هذا النهي عن تناجي اثنين بحضرة ثالث وكذا بإذنه. وهذا مذهب ابن عمر ومالك وأصحابنا وجماهير العلماء. وهو عام في كل الأزمان حضراً وسفراً. الحديث العشرون عن تميم: قوله: ((الدين النصيحة)) ((خط)): ((النصيحة)) كلمة جامعة يعبر بها عن جملة هي إرادة الخير. وليس يمكن أن يعبر عن هذا المعنى بكلمة وجيزة تحصرها وتجمع معناها غيرها، كما قالوا في ((الفلاح)): ليس في كلامهم كلمة أجمع لخير الدنيا والآخرة منه. فقوله ﷺ : ((الدين النصيحة)) يريد عماد أمر الدين إنما هو النصيحة. وبها ثباته كقوله ﷺ : ((إنما الأعمال بالنيات)) أي صحتها وثباتها بالنية. فمعنى نصيحة الله الإيمان به صحة الاعتقاد في وحدانية، وترك الإلحاد في صفاته

стр. 2570

لمن؟ قال: ((لله، ولكتابه، ولرسوله ولأئمة المسلمين، وعامتهم)). رواه مسلم. ــ وإخلاص النية في عبادته، وبذلك الطاعة فيما أمر به ونهي عنه، والاعتراف بنعمه والشكر له عليها وموالاة من أطاعة، ومعاداة من عصاه. وحقيقة هذه الإضافة راجعة إلى العبد في نصيحة نفسه لله، والله غني عن نصح كل ناصح. ومعنى نصيحة الكتاب: الإيمان به وبأنه كلام الله ووحبه وتنزيله، لا يقدر على مثله أحد من المخلوقين، وإقامة حروفه في التلاوة والتصديق بوعده ووعيده، والاعتبار بمواعظه، والتفكير في عجائبه، والعلم بمحكمه والتسليم بمشابهه. وأما النصيحة لرسول الله ﷺ فهي التصديق بنبوته، وقبول ما جاء به ودعا إليه، وبذل الطاعة فيما أمر ونهى، والانقياد له وإيثاره بالمحبة فوق نفسه ووالده وولده والناس أجمعين. ونصيحة الأئمة أن يطيعهم في الحق، ولا يرى الخروج عليهم إذا جاروا، وتذكيرهم برفق ولطف، وإعلامهم لما غفلوا عنه أو لم يبلغهم من حقوق المسلمين، وتأليف قلوب الناس لطاعتهم. ومن النصيحة لهم: الصلاة خلفهم، والجهاد معهم، وأداء الصدقات إليهم، وأن لا يغرهم بالثناء الكاذب عليهم، وأن يدعو لهم بالصلاح، هذا كله على أن المراد بالأئمة الخلفاء وغيرهم ممن يقوم بأمور المسلمين من أصحاب الولايات. وقد [يتأول] ذلك بالأئمة الذين هم علماء الدين، وإن من نصيحتهم قبول ما رووه، وتقليدهم في الأحكام والإحسان الظن بهم. ونصيحة عامة المسلمين إرشادهم إلى مصالحهم الدينية والدنيوية، وكف الأذى عنهم، وتعليمهم ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، ويعينهم عليه قولا أو فعلا وستر عوراتهم وسد خلاتهم، ودفع المضار عنهم وجلب المنافع لهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر برفق، كبيرهم ورحمة صغيرهم، وتخولهم بالموعظة الحسنة وترك غيبتهم وحسدهم، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه من الخير، ويكره لهم ما يكره لنفسه، والذب عن أموالهم وأعراضهم وغير ذلك من أحوالهم. أقول: وجماع القول فيه أن النصيحة هي خلوص المحبة للمنصوح له، والتحري فيما يستدعي حقه، فلا يبعد أن يدخل فيه نفسه بأن ينصحها بالتوبة النصوح، وأن يأتي بها على طريقتها متداركة للفرطات ماحية للسيئات. ويجعل قلبه محلا للنظر والفكر، وروحه مستقراً للمحبة وسره منصة للمشاهدة. وعلى هذا أعمال كل عضو من العين، بأن يحملها على النظر إلى الآيات الناصة من الآفاقية والأنفسية، والإذن على الإصغاء إلى الآيات النازلة والأحاديث الواردة، واللسان على النطق بالحق وتحري الصدق والمواظبة على ذكر الله وثنائه. قال الله تعالى: ﴿إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان مسئولاً﴾.

стр. 2571

٤٩٦٧ - وعن جرير بن عبد الله، قال: بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم. متفق عليه. الفصل الثاني ٤٩٦٨ - عن أبي هريرة، قال: سمعت أبا القاسم الصادق المصدوق ﷺ يقول: ((لا تنزع الرحمة إلا من شقى)). رواه أحمد، والترمذي. [٤٩٦٨] ــ وقوله: ((لله ولكتابه)) جواب لمن سأل على سبيل التغليب أو الاستعارة المكنية، حيث أسند النطق إليه في قوله تعالى: ﴿هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق﴾: وقوله تعالى: ﴿يس والقرآن الحكيم﴾ إذ كان ينطق بالحكمة لكثرة حكمه. ((مح)): هذا حديث عظيم الشأن، عليه مدار الإسلام والإيمان. وأما ما قيل: إنه أحد أرباع الإسلام، أي أحد الأحاديث الأربعة التي تجمع أمور الإسلام، فليس كما قالوه، بل المدار على هذا وحده. قال بعضهم فيه: إن النصيحة تسمى دينا وإسلاما، وإن الدين يقع على العمل كما يقع على القول، وقالوا: النصيحة فرض كفاية إذا قام به واحد يسقط عن الباقين. والنصيحة لازمة على قدر الطاقة إذا قام به واحد يسقط عن الباقين. والنصيحة لازمة على قدر الطاقة إذا علم الناصح أنه [تقبل] نصيحته، ويطاع أمره، وأمن على نفسه المكروه. فإن خشي أذى فهو في سعة. والله أعلم. الحديث الحادي والعشرون عن جرير: قوله: ((على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة)). ((مح)): إنما اقتصر على الصلاة والزكاة؛ لكونهما أم العبادات المالية والبدنية، وهما أهم أركان الإسلام بعد الشهادتين وأظهرهما. قوله: ((والنصح لكل مسلم)). ((مح)): روي أن جريراً ﵁ اشترى له فرس بثلثمائة درهم، فقال جرير لصاحب الفرس: فرسك خير من ثلثمائة درهم، أتبيعه بأربعمائة؟ قال: ذلك إليك يا أبا عبد الله، فقال: فرسك خير من ذلك، أتبيعه بخمسمائة؟ ثم لم يزل يزيده مائة فمائة حتى بلغ ثمانمائة، فاشتراه بها، فقيل له في ذلك، فقال: بايعت رسول الله ﷺ على النصح لكل مسلم. الفصل الثاني الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((الصادق المصدوق)). ((مظ)): الصادق من صدق في قوله وتحراه بفعله. والمصدوق من صدقه غيره. وقوله: ((لا تنزع الرحمة إلا من شقى))؛ لأن الرحمة في الخلق رقة القلب، والرقة في القلب علامة الإيمان، فمن لا رقة له لا إيمان له، ومن لا إيمان له شقى، فمن لا يرزق الرقة شقى.

стр. 2572

٤٩٦٩ - وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)). رواه أبو داود. والترمذي. [٤٩٦٩] ٤٩٧٠ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ولم يوقر كبيرنا، ويأمر بالمعروف، وينه عن المنكر)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب. [٤٩٧٠] ٤٩٧١ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما أكرم شاب شيخا من أجل سنة إلا قيض الله له عند سنه من يكرمه)). رواه الترمذي. [٤٩٧١] ــ الحديث الثاني عن عبد الله: قوله: ((ارحموا من في الأرض)) أتى بصيغة العموم ليشمل جميع أصناف الخلق فيرحم البر والفاجر والناطق والبهم والوحوش والطير. ((مظ)): اختلف في المراد من قوله ((من في السماء)) فقيل: هو الله ، أي ارحموا من في الأرض شفقة يرحمكم الله تعالى فضلا. وتقدير الكلام: يرحمكم من في السماء ملكه وقدرته، وإنما نسب إلى السماء لأنها أوسع وأعظم من الأرض، أو لعلوها وارتفاعها، أو لأنها قبلة الدعاء ومكان الأرواح القدسية الطاهرة. وقيل: المراد منه الملائكة، أي تحفظكم الملائكة من الأعداء والمؤذيات بأمر الله تعالى ويستغفروا لكم ويطلبوا لكم الرحمة من الله الكريم. أقول: ويمكن الجمع بينهما بأن يقال: يرحمكم الله بأمره للملائكة أن تحفظكم. قال الله تعالى: ﴿له معقبات من بين يديه ومن خلقه يحفظونه من أمر الله﴾ أي جماعات من الله من الملائكة تتعقب في حفظه وكلائته، كأنه قيل: له معقبات من أمر الله، أو يحفظونه من أجل أمر الله. أو من أجل أن الله أمرهم بحفظه، أو يحفظونه من بأس الله ونقمته، إذا [أذنب] بدعائهم له ومسألتهم ربهم أن يمهله رجاء أن يتوب وينيب. الحديث الثالث والرابع عن أنس ﵁: قوله: ((إلا قيض الله)). ((نه)): أي سبب الله له وقدر له. قوله:: ((من أجل سنه)) أي لا لأجل أمر آخر: فإن الشيخوخة في نفسها

стр. 2573

٤٩٧٢ - وعن أبي موسى، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه، وإكرام السلطان المقسط)). رواه أبو داواد، والبيهقي في ((شعب الإيمان)). [٤٩٧٢] ٤٩٧٣ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه)). رواه ابن ماجه. ٤٩٧٤ - وعن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من مسح رأس يتيم لم ــ مكروهة، وما يكرمها من يكرمها إلا لأمر آخر، وهو كونها وقاراً من الله، كما ورد: كان إبراهيم أول الناس رأي الشيب، فقال: يا رب! ما هذا؟ قال الرب: وقار، قال: رب زدني وقارا! فإذا لا يكون إكرامها إلا الله تعالى، فمن أكرم لله تعالى وقاره لابد أن يجازيه بمثله بأن يقدر له عمرا يبلغ به إلى الشيخوخة، ويقدر له من يكرمه، يدل على هذا الحصر في الحديث. والله أعلم. الحديث الخامس عن أبي موسى: قوله: ((إن من إجلال الله)) أي من جملة تعظيم الله تعالى وتوقيره أن يكرم موضع وقاره وهو شيبة المسلم؛ ولهذا السر قال الخليل: زدني وقارا! قال تعالى: ﴿وتعزروه وتوقروه﴾. ((حس)): قال طاوس: من السنة أن توقر أربعة: العالم وذا الشيبة والسلطان والوالد. قوله: ((غير الغالي فيه)). ((نه)): إنما قال: ((غير الغالي فيه والجافي عنه))؛ لأن من أخلاقه صلوات الله عليه وآدابه التي أمر بها القصد في الأمور، وخير الأمور أوساطها. وكلا طرفي قصد الأمور ذميم. ومنه الحديث: ((اقرءوا القرآن ولا تجفوا عنه)) أي تعاهدوه ولا تبتعدوا عن تلاوته. يريد لا تغلوا في القرآن بأن تبذلوا جهدكم في قرائته وتجويده من غير تفكر وتدبر، كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو: ((لم يفقه من القرآن في أقل من ثلاثة)) أو ((لا تجفوا عنه)) بأن تتركوا قراءته وتشتغلوا بتأويله وتفسيره. الحديث السادس والسابع عن أبي أمامة ﵁: قوله: ((من مسح رأس يتيم)) هو

стр. 2574

يمسحه إلا لله، كان له بكل شعرة تمر عليها يده حسنات، ومن أحسن إلى يتيمة أو يتيم عنده كنت أنا وهو في الجنة كهاتين)) وقرن بين أصبعيه. رواه أحمد، والترمذي، وقال: هذا حديث غريب. [٤٩٧٤] ٤٩٧٥ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من آوى يتيماً إلى طعامه وشرابه أوجب الله له الجنة البتة، إلا أن يعمل ذنباً لا يغفر. ومن عال ثلاث بنات أو مثلهن من الأخوات فأدبهن ورحمهن حتى يغنيهن الله أوجب الله له الجنة)). ــ كناية عن الشفقة والتلطف إليه. ولما لم تكن الكناية منافية لإرادة الحقيقة لإمكان الجمع بينهما، كما تقول: فلان طويل النجاد، وتريد طول قامته مع طول علاقة سيفه، رتب عليه قوله: ((بكل شعرة تمر عليها يده)) وهذا عام في كل يتيم، سواء كان عنده أو لم يكن. وأما إذا كان عنده وهو كافله فيجب عليه أن يربيه تربية أولاده، ولا يقصر في الشفقة عليه والتلطف به، ويؤدبه أحسن تأديب ويعلمه أحسن تعليم. ويراعي غبطته في ماله وتزويجه وتزوجه. وهو المراد من قوله: ((ومن أحسن إلى يتيمة)) وقدم اليتيمة؛ لأنها أحوج. وقوله: ((لم يمسحه)) حال من فاعل ((مسح)) أي يمسحه والحال أنه لا يمسحه إلا الله تعالى. وقوله: ((في الجنة)) خبر ((كان)) فيجب أن يقدر متعلقة خاصاً يوافق قوله: ((كهاتين)) أي مقارنين في الجنة اقتراناً مثل هاتين الإصبعين. ويجوز أن يكون ((كهاتين)) حالا من الضمير المستقر في الخبر. وأن يكون هو الخبر وفي الجنة ظرفاً لـ ((كنت)). الحديث الثامن عن ابن عباس ﵁: قوله: ((من آوى يتيماً إلى طعامه)) أي يضمه إليه ويطعمه. ((نه)): في حديث البيعة: أنه قال للأنصار: ((أبايعكم على أن تأووني وتنصروني)) أي تضموني إليكم وتحفظوني بينكم، يقال: آوى وأوى بمعنى واحد. والمقصور منهما لازم ومتعد. قوله: ((ذنبا لا يغفر)). المراد منه الشرك؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾. ((ومن عال)) أي تعهد وكفي مئونة ثلاث بنات. قال في أساس البلاغة: يقال: هذا يتيم عائل ليس له عائل أي فقير ليس له من يمونه. ((مح)): قوله: ((أو اثنتين)) عطف على قوله: ((ثلاث بنات)) عطف تلقين، أي: قل: أو اثنتين؛ ولذلك وافقه ﷺ في قوله: ((أو اثنتين))، كما عطف إبراهيم ﵇ قوله: ﴿ومن ذرتي﴾ على الكاف في قوله تعالى: ﴿إني جاعلك﴾ وفي قولك لصحابك: وزيدا، إذا

стр. 2575

فقال رجل: يا رسول الله! واثنتين؟ قال: ((أو اثنتين)). حتى لو قالوا: أو واحدة؟ لقال: واحدة ((ومن أذهب الله بكريمتيه وجبت له الجنة)). قيل: يا رسول الله! وما كريمتاه؟ قال: ((عيناه)). رواه في ((شرح السنة)). [٤٩٧٥] ٤٩٧٦ - وعن جابر بن سمرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لأن يؤدب الرجل ولده خير له من أن يتصدق بصاع)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب، وناصح الراوي ليس عند أصحاب الحديث بالقوى. [٤٩٧٦] ٤٩٧٧ - وعن أيوب بن موسى، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ قال: ((ما نحل والد ولده من نحل أفضل من أدب)). رواه الترمذي، والبيهقي في ((شعب الإيمان)). وقال الترمذي: هذا عندي حديث مرسل. [٤٩٧٧] ــ قال: سأكرمك، وحتى غاية الموافقة، أي لم يزل يوافقه في التنزل حتى لو قال: أو واحدة لوافقه. قوله: ((بكريمتيه))، ((نه)): يريد عينيه أي جارحتيه الكريمتين عليه. وكل شيء يكرم عليك فهو كريمك وكريمتك. الحديث التاسع والعاشر عن أيوب ﵁: قوله: ((من نحل أفضل)) ((نه)): النحل العطية والهبة ابتداء من غير عوض ولا استحقاق. يقال: نحله ينحله نحلا بالضم والنحلة بالكسر العطية. انتهى كلامه. جعل الأدب الحسن من جنس المال والعطيات مبالغة، كما جعل الله تعالى القلب السليم من جنس المال والبنين في قوله: ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم﴾. قوله: ((هذا عندي حديث مرسل)) يدل على اختلاف فيه. وذلك أن قوله: ((عن أيوب بن موسى عن أبيه عن جده)) موهم بالاتصال والإرسال؛ فإن قوله: ((جده))، يحتمل أن يكون جد أيوب- وهو عمرو- فيكون مرسلا، وأن يكون جد أبيه موسى وهو سعيد صحابي فيكون متصلا. قال البيهقي: روى البخاري الحديث في تاريخه، وقال: إنه لم يصح سماع جد أيوب، فوافق الترمذي البخاري، وقال: هذا عندي حديث مرسل. وفي جامع الأصول إشعار بأنه متصل حيث روى عن سعيد بن العاص عن النبي ﷺ .

стр. 2576

٤٩٧٨ - وعن عوف بن مالك الأشجعي، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أنا وامرأة سفعاء الخدين كهاتين يوم القيامة)). وأوما يزيد بن ذريع إلى الوسطى والسبابة ((امرأة آمت من زوجها، ذات منصب وجمال، حبست نفسها على يتاماها حتى بانوا أو ماتوا)). رواه أبو داود. [٤٩٧٨] ٤٩٧٩ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من كانت له أنثى فلم يئدها ولم يهنها، ولم يؤثر ولده عليها- يعني الذكور- أدخله الله الجنة)) رواه أبو داود [٤٩٧٩] ٤٩٨٠ - وعن أنس، عن النبي ﷺ ، قال: ((من اغتيب عنده أخوه المسلم وهو يقدر على نصره فنصره؛ نصره لله في الدنيا والآخرة. فإن لم ينصره وهو يقدر على نصره؛ أدركه الله به في الدنيا والآخرة)). رواه في ((شرح السنة)). [٤٩٨٠] ــ الحديث الحادي عشر عن عوف ﵁: قوله: ((سعفاء الخدين)). ((قض)): أي متغيرة لون الخدين؛ لما يكابدها من المشقة والضنك. وسفعة الوجه سواد في خدي المرأة الشاحبة. وهي في الأصل سواد مشرب حمرة. وقوله: ((امرأة آمت)) .. إلخ بدل يجري مجرى البيان والتفسير، وآمت المرأة أيمة وأيوما: إذا صارت بلا زوج، وقوله: ((حتى بانوا)) أي استقلوا بأمرهم وانفصلوا عنها. انتهى كلامه. والتنكير في ((امرأة)) للتعظيم. وقوله: ((سفعاء الخدين)) نصب أو رفع على المدح. وهو معترض بين المبتدأ والخبر. كقوله: ((إن بني نهشل لا ندعى لأب))، ومن ثم حسن إبدال ((امرأة آمت)) من قوله: ((امرأة سفعاء الخدين)). الحديث الثاني عشر عن ابن عباس ﵄: قوله: ((له أنثى)) في وضع ((الأنثى)) موضع ((النبت)) تحقيراً لشأنها، كما في وضع الولد مكان الابن تعظيماً له إيذان بمخالفة عظيمة لهوى النفس وإيثار رضي الله تعالى على رضاه، ولذلك رتب عليه دخول الجنة. وهو من باب الإدماج، كقوله تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن﴾ حيث وضع موضع ((الوالد)) ((المولود له))؛ ليشعر بأن الولد للوالد وإليه نسب. والأم كالوعاء له. وقوله: ((فلم يئدها)) هو من الوأد وهو دفن البنات حيا. الحديث الثالث عشر عن أنس ﵁: قوله: ((أدركه الله)) أي خذله لمقابلته النص،

стр. 2577

٤٩٨١ - وعن أسماء بنت زيد، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((من ذب عن لحم أخيه بالمغيبة كان حقاً على الله أن يعتقه من النار)). رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [٤٩٨١] ٤٩٨٢ - وعن أبي الدرداء، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما من مسلم يرد عن عرض أخيه إلا كان حقاً على الله أن يرد عنه نار جهنم يوم القيامة)). ثم تلا هذه الآية: ﴿وكان حقاً علينا نصر المؤمنين﴾. رواه في ((شرح السنة)). ٤٩٨٣ - وعن جابر، أن النبي ﷺ قال: ((ما من امرئ مسلم يخذل أمراً مسلماً في موضع ينتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله تعالى في موطن ــ وخذلانه أن يدركه بسخطه. والضمير في ((به)) راجع إلى عدم النصر عند القدرة. والباء للسببية. الحديث الرابع عشر عن أسماء: قوله: ((عن لحم أخيه)) هو كناية عن الغيبة لاستعمال التنزيل فيها، كأنه قيل: من ذب عن غيبة أخيه في غيبته، وعلى هذا ((بالمغيبة)) ظرف، ويجوز أن يكون حالا. وفي هذه الكناية من المبالغة أنه جعل كأكل لحم الإنسان ولم يقتصر، بل جعلها كأكل لحم أخيه؛ لأنه أشد نفاراً من لحم الأجانب. وزاد في المبالغة حيث جعل الأخ ميتا. الحديث الخامس عشر عن أبي الدرداء: قوله: ﴿وكان حقا علينا نصر المؤمنين﴾ استشهاد لقوله: ((إلا كان حقاً على الله أن يرد عنه)) والضمير في ((عنه)) راجع إلى المسلم الذاب عن عرض أخيه. أتى بالعام فيدخل فيه من سيق له الكلام دخولاً أولياً، كما في قوله تعالى: ﴿فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنه الله على الكافرين﴾ وهو أبلغ من لو قيل عليهم لموقف الكناية، وفيه أن مفهوم المسلم والمؤمن واحد، كما في قوله تعالى: ﴿فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين﴾. الحديث السادس عشر عن جابر ﵁: قوله: ((ينتهك)) الجوهري: انتهك عرضه أي بالغ في شتمه. ويقال أيضاً: نهكته الحمى إذا جهدته ونقصت لحمه.

стр. 2578

يحب فيه نصرته وما من امرئ مسلم ينصر مسلماً في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته)). رواه أبو داود. [٤٩٨٣] ٤٩٨٤ - وعن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من رأي عورة فسترها كان كمن أحيا موءودة)). رواه أحمد، والترمذي وصححه. [٤٩٨٤] ٤٩٨٥ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن أحدكم مرآة ــ الحديث السابع عشر عن عقبة: قوله: ((عورة)) أي خللا من هتك ستر أو وقع في عرض ونحوهما؛ لأن الناس يختل حالهم عندها، ومنها أعور الفارس وأعور المكان ((مظ)): يعني من رأي شيئاً قبيحا أو عيبا في مسلم فستره عليه، كان ثوابه كثواب من أحيا موءودة، أي من رأي حيا مدفوناً في قبره، فأخرج ذلك المدفون من القبر كيلا يموت ووجه تشبيه الستر على عيوب الناس بإحياء الموءودة، أن من انتهك ستره يكون من الخجالة كميت، ويحب الموت منها. فإذا ستر أحد على غيبه، فقد دفع عنه الجحالة التي هي عنده بمنزلة الموت. أقول: يمكن أن يقال: إن وجه التشبيه الأمر العظيم، يعني من ستر على مسلم فقد ارتكب أمراً عظيماً كمن أحيا موءودة؛ فإنه أمر عظيم فيدل على فخامة تلك الشنعاء، نحو قوله تعالى: ﴿ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً﴾ الكشاف: فيه تعظيم قتل النفس وإحيائها في القلوب ليشمئز الناس عن الجسارة عليها، ويتراغبوا في المحاماة على حرمتها؛ لأن المعرض لقتل النفس إذا تصور قتلها بصورة قتل جميع الناس عظم ذلك عليه فثبطه. وكذلك الذي أراد إحياءها، انتهى كلامه. فكذلك من أراد أن يستر عيب مؤمن وعرضه، إذا تصور أنه أحيا الموءودة عظم عنده ستر عورة المؤمن، فيتحرى فيه ويبذل جهده. الحديث الثامن عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((إن أحدكم مرآة أخيه)). قيل: أي المؤمن في إراءة عيب أخيه إليه، كالمرآة المجلوة التي تحكي كل ما ارتسم فيها من الصور

стр. 2579

إخيه، فإن رأي به أذى فليمط عنه)). رواه الترمذي وضعفه. وفي رواية له ولأي داود: ((المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، يكف عنه ضيعته، ويحوطه من ورائه)). [٤٩٨٥] ٤٩٨٦ - وعن معاذ بن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من حمى مؤمنا من منافق بعث اله ملكاً يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم. من رمى مسلماً بشيء يريد به شينه حبسه الله على جسر جهنم حتى يخرج مما قال)). رواه أبو داود. [٤٩٨٦] ٤٩٨٧ - وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : ((خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره)) .. رواه الترمذي، والدارمي، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. [٤٩٨٧] ــ ولو كان أدنى شيء، فالمؤمن إذا نظر إلى أخيه، يستشف من وراء أقواله وأفعاله وأحواله تعريفات وتلويحات من الله الكريم، فأي وقت ظهر من أحد المؤمنين المجتمعين في عقد الأخوة عيب قادح في أخوته نافروه؛ لأن ذلك يظهر بظهور النفس، وظهور النفس من تضييع حق الوقت، فعلموا منه خروجه بذلك من دائرة الجمعية وعقد الأخوة فنافروه ليعود إلى دائرة الجمعية. قال رويم: لا يزال الصوفية بخير ما تنافروا، فإذا اصطلحوا هلكوا. وهذه إشارة منه إلى حسن تفقد بعضهم أحوال البعض إشفاقاً من ظهور النفس. يقول: إذا اصطلحوا ورفعوا النافر بينهم، يخاف أن يخامر البواطن المساهلة والمراءاة ومسامحة البعض في إهمال دقيق آدابهم، وبذلك تظهر النفوس وتستولي وتصدأ مرآة القلب فلا يرى فيها من الخلل والعيب. قال عمر ﵁ في مجلس فيه المهاجرون والأنصار: أرأيتم لو ترخصت في بعض الأمور ماذا كنتم فاعلين، مرتين أو ثلاثاً؟ فلم يجيبوا. قال بشر بن سعد: لو فعلت ذلك قومناك تقويم القدح. قال عمرو ﵁: أنتم إذاً أنتم. هكذا في كتاب العوارف. قوله: ((ضيعته))، ((نه)): في الحديث: ((إن أخاف على [الأعناب] الضيعة)) أي إنها تضيع

стр. 2580

٤٩٨٨ - وعن ابن مسعود، قال: قال رجل للنبي ﷺ : يا رسول الله! كيف لي أن أعلم إذا أحسنت أو إذا أسأت؟ فقال النبي ﷺ : ((إذا سمعت جيرانك يقولون: قد أحسنت؛ فقد أحسنت. وإذا سمعتهم يقولون: قد أسأت؛ فقد أسأت. رواه ابن ماجه. [٤٩٨٨] ٤٩٨٩ - وعن عائشة، أن النبي ﷺ قال: ((أنزلوا الناس منازلهم)). رواه أبو بكر داود. [٤٩٨٩] الفصل الثالث ٤٩٩٠ - عن عبد الرحمن بن أبي قراد، أن النبي ﷺ توضأ يوماً، فجعل أصحابه يتمسحون بوضوئه. فقال لهم النبي ﷺ : ((ما يحملكم على هذا؟)) قالوا: حب الله ورسوله فقال النبي ﷺ : ((من سره أن يحب الله ورسوله أو يحبه الله ــ وتتلف. والضيعة في الأصل المرة من الضياع. ((مظ)): يعني ليدفع عنه ما فيه ضرر عليه. ((ويحوطه))، أي يحفظه في غيبته ويدفع عنه من يغتابه ويلحقه ضررا. الحديث التاسع عشر إلى الحادي والعشرين عن ابن مسعود ﵁: قوله: ((كيف لي؟)) أي كيف يحصل لي العلم بإحساني إذا صدر مني؟. الحديث الثاني والعشرون عن عائشة ﵂: قوله: ((أنزلوا الناس منازلهم)) قيل: أي مقاماتهم المعينة المعلومة لهم. قال الله تعالى: ﴿وما منا إلا له مقام معلوم﴾ فلكل أحد مرتبة ومنزلة لا يتخطاها إلى غيرها. فالوضيع لا يكون في منزل الشرف، فاحفظوا على كل أحد مزلته، ولا تسووا بين الخادم والمخدوم والسائد والمسود، وأكرموا كلا على حسب فضله وشرفه. وقد قال الله تعالى: ﴿ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات﴾ والله الموفق للصواب. الفصل الثالث الحديث الأول عن عبد الرحمن: قوله: ((من سره أن يحب الله)) يريد أن ادعاءكم محبة الله ومحبة رسوله لا يتم ولا يستتب بمسح الوضوء فقط، بل بالصدق في المقال وبأداء الأمانة والإحسان إلى الجار.

стр. 2581

ورسوله فليصدق حديثه إذا حدث، وليؤد أمانته إذا ائتمن، وليحسن جوار من جاوره. [٤٩٩٠] ٤٩٩١ - وعن ابن عباس، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ليس المؤمن بالذي يشبع وجاره جائع إلى جنبه)) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [٤٩٩١] ٤٩٩٢ - وعن أبي هريرة، قال: قال رجل: يا رسول الله! إن فلانة تذكر من كثرة صلاتها وصيامها وصدقتها، غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها. قال: ((هي في النار)). قال يا رسول الله! فإن فلانة تذكر قلة صيامها وصدقتها وصلاتها، وإن تصدق بالأثوار من الإقط، ولا تؤذي بلسانها جيرانها. قال: ((هي في الجنة)). رواه أحمد، والبيهقي في ((شعب الإيمان)). ٤٩٩٣ - وعنه، قال: إن رسول الله ﷺ وقف على ناس جلوس فقال: ((ألا أخبركم بخيركم من شركم؟)) قال: فسكتوا فقال ذلك ثلاث مرات فقال رجل: بلى يا رسول الله! أخبرنا بخيرنا من شرنا فقال: ((خيركم من يرجى خيره ويؤمن شره، ــ الحديث الثاني عن ابن عباس ﵄: قوله: ((ليس المؤمن)) التعريف فيه للجنس، أي ليس المؤمن الذي عرفته أنه مؤمن كامل بالذي يشبع. الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((تذكر)) على بناء المفعول مسند إلى ضمير ((فلانة)). و ((من)) في ((من كثرة صلاتها)) لابتداء الغاية، أي تذكر من أجل هذه. والقرينة الثانية ليس فيها ((من)) فالفعل مسند إلى ضمير ((فلانة)) و ((قلة)) نصب على نزع الخافض. و ((غير أنها)) منصوب على أنه استثناء منقطع بمعنى لكن، و ((الأثوار)) جمع ثور. الجوهري: الثور القطعة من الأقط. الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((من شركم)) حال أي أخبركم بخيركم مميزاً من شركم. ولما توهموا من معنى التميز، فتخوفوا من الفضيحة سكتوا، حتى كرر ثلاثاً،

стр. 2582

وشركم من لا يرجى خيره ولا يؤمن شره)). رواه الترمذي، والبيهقي في ((شعب الإيمان))، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. [٤٩٩٣] ٤٩٩٤ - وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله تعالى قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، إن الله تعالى يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من أحب فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، والذي نفسي بيده لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه)). [٤٩٩٤] ٤٩٩٥ - وعن أبي هريرة، أن رسول الله، قال: ((المؤمن مألف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف)) رواهما أحمد، والبيهقي في ((شعب الإيمان)). [٤٩٩٥] ــ ثم أبرز البيان في معرض العموم لئلا يفتضحوا. قوله: ((خيركم من يرجى ..)) الخ. التقسيم العقلي يقتضي أربعة أقسام. ذكر منها قسمين ترغيباً وترهيباً، وترك القسمين الباقيين؛ إذ لا ترغيب فيهما ولا ترهيب. الحديث الخامس عن ابن مسعود ﵁: قوله: ((إن الله يعطي الدنيا)) كالنشر لمالف قبله. وأشار بـ ((الدنيا)) إلى الأرزاق وبـ ((الدين)) إلى الأخلاق؛ ليشعر بأن الرزق الذي يقابل الخلق هو الدنيا، وليس من الدين في شيء. وأن الأخلاق الحميدة ليست غير الدين؛ قال الله تعالى: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ ثم أتى بما يفضل الدين من الأعمال الخارجة والداخلة من الانقياد والتصديق. كما في حديث جبريل ﵇: ((أتاكم يعلمكم أمر دينكم)) بعد ذكر الإسلام والإيمان. وفسرهما بما ينبئ عن الأخلاق. وخص القلب واللسان بالذكر؛ لأن مدار الإنسان عليهما، كما ورد في المثل: المرء بأصغريه. فإسلام اللسان كفه عما فيه آفاته، وهي لا تكاد تنحصر. وإسلام القلب تطهيره عن العقائد الباطلة والآراء الزائغة والأخلاق الذميمة، ثم تحليتها بما يخالفها. الحديث السادس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((مألف)) يحتمل أن يكون مصدراً على سبيل المبالغة كرجل عدل، يعني إذا لم يألف صاحبه، ألف معه. وإذا ائتلف ائتلف، أو اسم سبيل المبالغة كرجل عدل، يعني إذا لم يألف صاحبه، ألف معه، وإذا ائتلف ائتلف، أو اسم

стр. 2583

٤٩٩٦ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من قضى لأحد من أمتي حاجة يريد أن يسره بها فقد سرني، ومن سرني فقد سر الله، ومن سر الله أدخله الله الجنة)). [٤٩٩٦] ٤٩٩٧ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أغاث ملهوفاً كتب الله له ثلاثاً وسبعين مغفرة، واحدة فيها صلاح أمره كله، وثنتان وسبعون له درجات يوم القيامة)). [٤٩٩٧] ٤٩٩٨ - ٤٩٩٩ - * وعنه، وعن عبد الله، قالا: قال رسول الله ﷺ : ((الخلق عيال الله، فأحب الخلق إلى الله من أحسن إلى عياله)). روى البيهقي الأحاديث الثلاثة في ((شعب الإيمان)). [٤٩٩٨]، [٤٩٩٩] ــ مكان أي يكون مكان الألفة ومنشأها. ومنه إنشاؤها وإليه مرجعها. والتألف سبب الاعتصام بالله وبحبله. وبه يحصل الاجتماع بين المسلمين وبضده تحصل الفرقة بينهم. وهو بتوفيق الله وتأليفه. وإليه أشار تعالى بقوله: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً﴾ إلى قوله: ﴿فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا﴾. الحديث السابع عن أنس ﵁: قوله: ((ومن سر الله)) مسرة الله تعالى مجاز عن رضاه وإيصال الخير إلى المرضى عنه. أو تمثيل شبه معامله الله تعالى معه بمعاملة من يسره بوصول ما يحبه إليه. الحديث الثامن عن أنس ﵁: قوله: ((ملهوفاً))، ((نه)) هو المكروب، يقال: لهف لهفا فهو لهفان ولهف فهو ملهوف. قوله: ((واحدة فيها)) فيه أن غفران الذنوب مقدمة فتح باب رحمة الله تعالى في الدنيا والعقبى؛ ومن ثمة قدمها في قوله تعالى: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ على قوله ﴿ويتم نعمته عليك ويهديك﴾؛ لأن التحلية بعد التخلية.

стр. 2584

٥٠٠٠ - وعن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أول خصمين يوم القيامة جاران)). رواه أحمد. ٥٠٠١ - وعن أبي هريرة، أن رجلا شكا إلى النبي ﷺ قسوة قلبه فقال: ((امسح رأس اليتيم، وأطعم المسكين)) رواه أحمد. ٥٠٠٢ - وعن سراقة بن مالك، أن النبي ﷺ قال: ((ألا أدلكم على أفضل الصدقة؟ ابنتك مردودة إليك ليس لها كاسب غيرك)). رواه ابن ماجه. [٥٠٠٢] (١٦) باب الحب في الله ومن الله الفصل الأول ٥٠٠٣ - عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف)). رواه البخاري. ــ الحديث التاسع إلى الحادي عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((امسح رأس اليتيم)) خص اليتيم والمسكين بالذكر؛ تلميحاً لقوله تعالى: ﴿أو إطعام في يوم ذي مسبغة، يتيماً ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة﴾ ومراعاتهما من اقتحام العقبة الشاقة؛ لما في ذلك من معاناة المشقة ومجاهدة النفس. فمن اقتحم تلك العقبة رق قلبه وسمح نفسه في تعاطي كل خير، وفيه أن من ابتلى بداء من الأخلاق الذميمة، يكون تداركه بما يضاده من الدواء. فالمتكبر يداوى بالتواضع، والبخيل بالسماحة، وقاسي القلب بالتعطف والرقة ... والله أعلم. الحديث الثاني عشر عن سراقة: قوله: ((مردودة)) ((نه)) هي التي تطلق وترد إلى بيت أبيها، وأراد ألا أدلك على أفضل أهل الصدقة؟ فحذف المضاف، ومنه حديث الزبير في وصيته بدار وقفها، ((وللمردودة من بناته)) أي تسكنها، لأن المطلقة لا مسكن لها على زوجها. أقول: ويمكن أن يقدر: صدقة تستحقها ابنتك في حال ردها إليك، وليس لها كاسب غيرك. وهما حالان إما مترادفتان أو متداخلتان. باب الحب في الله ومن الله أي في ذات الله وجهته لا يشوبه الرياء والهوى ((ومن الله))، أي من جهة الله أي إذا أحب

стр. 2585

٥٠٠٤ - ورواه مسلم عن أبي هريرة ــ عبداً أحبه لأجل الله وبسببه. و ((من)) ها هنا كما في قوله تعالى: ﴿ترى أعينهم تفيض من الدمع﴾ و ((في) كما في قوله تعالى: ﴿والذين جاهدوا فينا﴾ وهذا أبلغ حيث جعل المحبة مظروفاً. الفصل الأول الحديث الأول عن عائشة ﵂: قوله: ((جنود مجندة)): أي مجموعة كما يقال: ألوف مؤلفة وقناطير مقنطرة. ومعناه الإخبار عن مبدأ كون الأرواح وتقدمها الأجساد، أي أنها خلقت أول خلقها على قسمين: من ائتلاف واختلاف كالجنود المجموعة إذا تقابلت وتواجهت. ومعنى تقابل الأرواح ما جعلها الله عليها من السعادة والشقاوة والأخلاق في مبدأ الخلق. يقول: إن الأجساد التي فيها الأرواح، تلتقي في الدنيا فتأتلف وتختلف على حسب ما خلقت عليه، ولهذا ترى الخير يحب الأخيار ويميل إليهم والشرير يحب الأشرار ويميل إليهم. ((حس)): فيه دليل على أن الأرواح ليست بأعراض، وعلى أنها كانت موجودة قبل الأجساد في الخلقة. أقول: الفاء في قوله: ((فما تعارف)) للتعقيب أتبعت المجمل بالتفصيل، فدل قوله: ((ما تعارف)) على تقدم اشتباك واختلاط في الأزل، ثم تفرق بعد ذلك في ما لا يزال أزمنة متطاولة، ثم ائتلاف بعد التعارف، كمن فقد أنيسه وأليفه ثم اتصل به، فلزمه وأنس به. ودل قوله: ((وما تناكر)) على أن ذلك الفقيد لحق لمن لم يكن له سبق اختلاط معه، فاشمأز منه وفارقه، إلى من كان معه في السابق. ودل تشبيه الأرواح بالجنود المجندة على أن ذلك الاجتماع في الأزل كان لأمر عظيم وخطب جسيم من فتح بلاد وقهر أعداء. ودل ذلك على أن أحد الحزبين حزب الله والآخر حزب الشيطان. فمن تألف في الأزل بحزب الله فاز وأفلح. ﴿أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون﴾، ومن تألف بحزب الشيطان خاب وخسر. ﴿أولئك حزب الشيطان ألا أن حزب الشيطان هم الخاسرون﴾ ومن عادة الأجناد المتحزبة أن يسوم كل واحد من أحد الحزبين بعلامة ترفع التناكر من البين، فمتى شاهدوها ائتلفوا.

стр. 2586

٥٠٠٥ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله إذا أحب عبداً دعا جبريل فقال: إني أحب فلانا فأحبه، قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبداً دعا جبريل فيقول: إني أبغض فلاناً فأبغضه. فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه. قال: فيبغضونه. ثم يوضع له البغضاء في الأرض)). رواه مسلم. ــ فعلى هذا بنى قوله: ((فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف)) فهي تفريع على التشبيه بمنزلة ترشيح الاستعارة. وهذا التعارف إلهامات يقذفها الله في قلوب العباد من غير إشعار منهم بالسابقة. ولا يمنع من هذا التعارف فصله بالأباعد والأجانب، ولا تضمه شجنة الأرحام والأواصر؛ قال الشاعر: كانت مودة سلمان له نسبا ولم يكن بين نوح وابنه رحم ولم يحظ آل قصي به وحظيت به أم معبد، قال: فيا لقصي ما زوى الله عنكم به من فعال لا تجاري وسؤود ليهن بني كعب مقام فتاتها ومقعدها للمؤمنين بمرصد ولا يدفعه بعد الدار ولا يجمعه قربها مناسبة الأرواح بيني وبينها وإلا فأين الترك من ساكني نجد قال الحكيم: أقرب القرب مودة القلوب وإن تباعدت الأجسام. وأبعد البعد تنافر التداني، والله أعلم بالصواب. الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((إذا أحب عبداً)). ((مح)): محبة الله العبد هي إرادة الخير له وهدايته وإنعامه عليه ورحمته. وبغضه إرادة عقابه وشقاوته ونحو ذلك. وحب جبريل والملائكة يحتمل وجهين: أحدهما: استغفارهم له وثناؤهم عليه ودعاؤهم. وثانيهما: أن محبتهم على ظاهرها المعروف من المخلوقين. وهو ميل القلب إليه واشتياقه إلى لقائه. وسبب حبهم إياه كونه مطيعاً لله محبوباً له. ومعنى ((يوضع له القبول في الأرض)) الحب في قلوب الناس ورضاهم عنه. فتميل إليه القلوب وترضى عنه. وقد جاء في رواية ((فتوضع له المحبة)) انتهى كلامه. والكلام في المحبة وبيان اشتقاقها مضى مستوفي في باب أسماء الله الحسنى.

стр. 2587

٥٠٠٦ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي)) رواه مسلم. ٥٠٠٧ - وعنه، عن النبي ﷺ : ((أن رجلا زار أخا له في قرية أخرى، فأرصد الله له على مدرجته ملكا قال: أين تريد؟ قال: أريد أخا لي في هذه القرية. قال: هل لك عليه من نعمة تربها؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله. قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه)) رواه مسلم. ــ الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((بجلالي)) الباء فيه بمعنى ((في)) لقوله بعد: ((المتحابون في جلالي لهم)) خص الجلال بالذكر لدلالته على الهيبة والسطوة أي المنزهون عن شائبة الهوى والنفس والشيطان في المحبة، فلا يتحابون إلا لأجلي ولوجهي. ((مح)): قال القاضي: الظاهر أنه في ظل الله من الحر ووهج الموقف. وقال عيسى بن دينار: هو كناية عن كونه في كنفه وستره. ومنه قولهم: السلطان ظل الله في الأرض. ويحتمل أن يكون عبارة عن الراحة والتنعيم. يقال: هو في عيش ظليل أي طيب. وقوله: ((يوم لا ظل إلا ظلي)) بدل من ((اليوم)) المتقدم. الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((فأرصد الله له على مدرجته)). ((نه)) أي وكله بحفظ المدرجة. يقال: رصدته إذا قعدت له على طريقه تترقبه. والمدرجة بفتح الميم والراء هي الطريق السمي بذلك؛ لأن الناس يدرجون عليها أي يمضون ويمشون. قوله: أريد أخا لي)) فإن قلت: كيف طابق هذا سؤاله بقوله: ((أين تريد؟)) قلت: من حيث أن السؤال متضمن لقوله: أين تتوجه ومن تقصد؟ ولما كان قصده الأولى الزيارة ذكره وترك ما لا يهم. ونظيره: قوله تعالى: ﴿وما أعجلك عن قومك يا موسى قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى﴾ لما كان الغرض من السؤال في استعجاله إنكار تركه القوم وراءه وتقدمه عليهم، قدمه في الجواب وأخر ما وقع السؤال عنه. وقوله: ((هل لك عليه من نعمة؟)) أي هل أوجبت عليه حقاً من النعم الدنيوية تذهب إليه لتربها، أي تملكها منه وتستوفيها. ومنه قول صفوان لأبي سفيان: لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يريني رجل من هوازن، أي يملكني. تقول: ربه يربه فهو رب هذا إذا حمل الرب على المالكية، وإذا حمل على التربية والإصلاح فمعنى ((تربها)) تقوم بها وتسعى في

стр. 2588

٥٠٠٨ - وعن ابن مسعود، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! كيف تقول في رجل أحب قوماً ولم يلحق بهم؟ فقال: ((المرء مع من أحب)) متفق عليه. ٥٠٠٩ - وعن أنس، أن رجلاً قال: يا رسول الله! متى الساعة، قال: ((ويلك وما أعددت لها؟)). قال: ما أعددت لها إلا أني أحب الله ورسوله. قال: ((أنت مع من أحببت)). قال أنس: فما رأيت المسلمين فرحوا بشيء بعد الإسلام فرحهم بها. متفق عليه. ٥٠١٠ - وعن أبي موسى، قال: قال رسول الله ﷺ : مثل الجليس الصالح والسوء، كحامل المسك ونافخ الكير؛ فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع ــ تنميتها وإصلاحها. ((مح)): وفيه فضل المحبة في الله، وأنها سبب لحب الله، وفضيلة زيارة الصالحين. وأن الإنسان قد يرى الملائكة. الحديث الخامس والسادس عن أنس ﵁: قوله: ((ما أعددت لها)) سلك مع السائل طريق الأسلوب الحكيم؛ لأنه سأل عن وقت الساعة وإبان إرسائها، فقيل له: فيم أنت من ذكراها؟ وإنما يهمك أن تهتم بأهبتها، وتعتني بما ينفعك عند إرسائها من العقائد الحقة والأعمال الصالحة. فأجاب بقوله ((ما أعددت لها إلا أني أحب الله ورسوله)). وقوله: ((أنت مع من أحببت)) أي ملحق بهم وداخل في زمرتهم. قال الله تعالى: ﴿فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا﴾. ((خط)): ألحقه ﷺ بحسن النية من غير زيادة عمل بأصحاب الأعمال الصالحة. الحديث السابع عن أبي موسى ﵁: قوله: ((إما أن يحذيك)). ((نه)): أي أن يعطيك. يقال: أحذيته أحذيه إحذاء وهي الحذياء والحذية، انتهى كلامه. قيل: فيه إرشاد إلى الرغبة في صحبة الصلحاء والعلماء ومجالستهم؛ فإنها تنفع في الدنيا والآخرة، وإلى الاجتناب عن صحبة الأشرار والفساق؛ فإنه تضر دينا ودنيا. قيل: مصاحبة الأخيار تورث الخير، ومصاحبة الأسرار تورث الشر، كالريح إن هبت على الطيب عقبت طيبا، وإن مرت على النتن

стр. 2589

منه، وإما إن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة)) متفق عليه. الفصل الثاني ٥٠١١ - عن معاذ بن جبل، قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((قال الله تعالى: وجبت محبتي للمتحابين في، والمتجالسين في، والمتزاورين في، والمتباذلين في)). رواه مالك. وفي رواية الترمذي، قال: ((يقول الله تعالى: المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء)). [٥٠١١] ٥٠١٢ - وعن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن من عباد الله لأناساً ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله)). ــ حملت نتنا. وقيل: إذا جالست الحمقى علق بك من حماقتهم ما لا يعلق بك من العقل إذا جلست العقلاء؛ لأن الفساد أسرع إلى الناس وأسد اقتحاماً في الطبائع. الفصل الثاني الحديث الأول والثاني عن عمر ﵁: قوله: ((يغبطهم))، ((قض)): كل ما يتحلى به الإنسان ويتعاطاه من علم عمل؛ فإن له عند الله تعالى منزلة لا يشارك فيها صاحبه من لم يتصف بذلك، وإن كان له من نوع آخر ما هو أقدر وأعز ذخراً، فيغبطه بأن يتمنى ويحب أن يكون له مثل ذلك مضموما إلى ماله من المراتب الرفيعة والمنازل الشريفة. وذلك معنى قوله: ويغبطهم النبيون والشهداء؛ فإن الأنبياء قد استغرقوا فيما هو أعلى من ذلك من دعوة الخلق وإظهار الحق، وإعلاء الدين وإرشاد العامة، وتكميل الخاصة، إلى غير ذلك من كليات، أشغلتهم عن العكوف على مثل هذه الجزئيات والقيام بحقوقها. والشهداء وإن نالوا رتبة الشهادة وفازوا بالفوز الأكبر، فلعلهم لم يعاملوا مع الله معاملة هؤلاء، فإذا رأوهم يوم القيامة في منازلهم وشاهدوا قربهم وكرامتهم عند الله تعالى، ودوا لو كانوا ضامين خصالهم إلى خصالهم، فيكونوا جامعين بين الحسنيين فائزين بالمرتبتين. هذا، والظاهر أنه لم يقصد في ذلك إثبات الغبطة لهم على حال هؤلاء، بل بيان فضلهم وعلو شأنهم وارتفاع مكانتهم وتقريرها على أكمل وجه وأبلغه، والمعنى أن حالهم عند الله

стр. 2590

قالوا: يا رسول الله! تخبرنا من هم؟ قال: ((هم قوم تحابوا بروح الله، على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم لعلى نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس)) وقرأ هذه الآية ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾. رواه أبو داود. [٥٠١٢] ــ تعالى يوم القيامة بمثابة، لو غبط النبيون والشهداء يومئذ، مع جلالة قدرهم ونباهة أمرهم حال غيرهم، لغبطوهم. أقول: يمكن أن تحمل الغبطة هنا على استحسان الأمر المرضي المحمود فعله؛ لأنه لا يغبط إلا في الأمر المحمود المرضي؛ فإن الأنبياء والشهداء صلوات الله عليهم يحمدون إليهم فعلهم، ويرضون عليهم فيما تحروا من المحبة في الله. ويعضده ما روينا في صحيح مسلم عن المغيرة بن شعبة: أنه غزا من رسول الله ﷺ بتبوك. قال: فتبرز رسول الله ﷺ قبل صلاة الفجر للوضوء، وحملت معه إداوة، ثم أقبلنا حتى نجد الناس قدموا عبد الرحمن بن عوف فصلى بهم، فأدرك رسول الله ﷺ إحدى الركعتين، فصلى مع الناس الركعة الأخيرة، فلما سلم عبد الرحمن قام رسول الله ﷺ يتم صلاته، فأفزع ذلك المسلمين، فأكثروا التسبيح. فلما قضى رسول الله ﷺ أقبل عليهم، ثم قال ((أحسنتم)) أو تفسيراً وبياناً لقوله ﷺ : ((أحسنتم)) أو قال: ((قد أصبتم)). وأيضاً لا يبعد أن هذه الحالة في المحشر قبل دخول الناس الجنة أو النار لقوله: ((لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس)) والعريف للاستغراق، فيحصل لهؤلاء الأمن والفراغ في بعض الأوقات ما لا يحصل لغيرهم لاشتغالهم بحال أنفسهم أو حال أمتهم، فيغبطونهم لذلك. ((قض)): ((الروح))، بضم الراء، قيل: أراد به هنا القرآن لقوله تعالى: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا﴾ سمي بذلك؛ لأنه يحيي به القلب كما يحيى بالروح البدن. والمعنى أنهم كانوا يتحابون بداعية الإسلام، ومتابعة القرآن فيما حثهم عليه موالاة المسلمين ومصادقتهم. أقول: ويمكن أن يراد بالروح المحبة وما يتعاطون به من التواد والتحاب، أي تحابوا بما أوقع الله في قلوبهم من المحبة الخالصة لله تعالى. ومنه قوله تعالى: ﴿فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سوياً﴾ قيل: سماه الله روحه على المجاز محبة له وتقريبا، كما تقول لحبيبك: أنت روحي.

стр. 2591

٥٠١٣ - ورواه في ((شرح السنة)) عن أبي مالك بلفظ ((المصابيح)) مع زوائد وكذا في ((شعب الإيمان)). [٥٠١٣] ٥٠١٤ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ لأبي ذر: ((يا أبا ذر! أي عرى الإيمان أوثق؟)) قال: الله ورسوله أعلم. قال: ((الموالاة في الله، والحب في الله، والبغض في الله)). رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [٥٠١٤] ٥٠١٥ - وعن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: ((إذا عاد المسلم أخاه أو زاره قال الله تعالى: طبت وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلاً)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب. [٥٠١٥] ــ قوله: ((إن وجوههم لنور)) أي منورة أو ذوات نور أو هي نفس النور فهم على نور. وقوله: ((وإنهم لعلى نور)) أي على منابر من نور يشهد له الحديث السابق: ((المتحابون في جلالي لهم منابر من نور، يغبطهم النبيون والشهداء)). ((قض)): هو تمثيل لمنزلتهم ومحلهم، مثلها بما هو أعلى ما يجلس عليه في المجالس والمحافل على أعز الأوضاع وأشرفها، من جنس ما هو أبهى وأحسن ما يشاهد؛ ليدل على أن رتبتهم في الغاية القصوى من العلاء والشرف والبهاء. الحديث الثالث عن ابن عباس ﵄: قوله: ((أي عرى الإيمان أوثق؟)) هي جمع ((عروة)) وهي ما يجعل في الأحمال والرواحل، ويجعل بين كل من العروتين شظاظ فيحمل على البعير. وهو يجوز أن يكون استعارة مصرحة بحقيقة شبه الموالاة والمحبة في الله والبغض في الله بعروة الراحلة في استيثاقها وإحكامها. فحذف المشبه به وأتى بالمشبه مضافاً إلى الإيمان؛ ليكون قرينة مانعة من إرادة الحقيقة، وأن تكون مكنية بأن يكون المشبه الإيمان والمشبه به الأعمال، ويتوهم للإيمان على سبيل التخييلية من لوازم المشبه به. وقرينتا الإضافة إليه. ويجوز أن تكون تمثيلية مثل المعلوم بالنظر والاستدلال بالشاهد المحسوس حتى يتصوره السامع، كأنه ينظر إليه بعينه، فيحكم اعتقاده والتيقن به. الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((وطاب ممشاك)) القرائن الثلاث يجوز أن تحمل على الدعاء وعلى الإخبار، وقوله: ((طبت)) دعاء لنفسه. و ((طاب ممشاك)) دعاء له.

стр. 2592

٥٠١٦ - وعن المقدام بن معد يكرب، عن النبي ﷺ ، قال: ((إذا أحب الرجل أخاه فليخبره أنه يحبه)). رواه أبو داود، والترمذي. [٥٠١٦] ٥٠١٧ - وعن أنس، قال: مر رجل بالنبي ﷺ وعنده ناس. فقال رجل ممن عنده: إني لأحب هذا لله. فقال النبي ﷺ : ((أعلمته؟)). قال لا. قال ((قم إليه فأعلمه؟. فقام إليه فأعلمه فقال: أحبك الذي أحببتني له. قال: ثم رجع. فسأله النبي ﷺ ، فأخبره بما قال. فقال النبي ﷺ : ((أنت مع من أحببت، ولك ما احتسبت)). رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). وفي رواية الترمذي: ((المرء مع من أحب وله ما اكتسب)). [٥٠١٧] ٥٠١٨ - وعن أبي سعيد، أنه سمع النبي ﷺ يقول: ((لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي)). رواه الترمذي، وأبو داود، والدارمي. [٥٠١٨] ــ وأن كل خطوة خطاها يحط بها سيئة، ويكتب له بها حسنة، هذا في الدنيا، وفي الآخرة تبوأت من الجنة منزلا. والتنكير في ((منزلا)) للتفخيم أي منزلا أي منزل. الحديث الخامس عن المقدام ﵁: قوله: ((فليخبره أنه يحبه))، ((خط)) معناه: الحث على التودد والتألف. وذلك أنه إذا أخبر أنه يحبه استمال قلبه بذلك واجتلب به وده وفيه أنه إذا علم أنه محب له واد، قبل نصحه، ولم يرد عليه قوله في عيب إن أخبره به. الحديث السادس عن أنس ﵁: قوله: ((أحبك الذي أحببتني له)) دعاء له أخرجه مخرج الماضي تحقيقاً له وحرصاً على وقوعه قوله: ((ولك ما احتسبت)) وفي رواية: ((وله ما اكتسب))، ((تو))، كلا اللفظين قريب من الآخر في المعنى المراد منه. أقول: وذلك لأن معنى ((اكتسب)): كسب كسبا يعتد به، ولا يرد عليه بسبب الرياء والسمعة. وهذا هو معنى الاحتساب؛ لأن الافتعال للاعتمال. ((نه)): الاحتساب من الحسب كالاعتداد من العد. وإنما قيل لمن ينوي بعمله وجه الله: احستبه؛ لأن له حينئذ أن يعتد عمله فجعل في حال مباشرة الفعل كأنه معتد به. و ((الحسبة)) اسم من الاحتساب كالعدة من الاعتداد. الحديث السابع عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((ولا يأكل طعامك إلا تقي))

стр. 2593

٥٠١٩ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل)). رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وقال النووي: إسناده صحيح. ٥٠٢٠ - وعن يزيد بن نعامة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أخى الرجل الرجل فليسأله عن اسمه واسم أبيه، وممن هو؟ فإنه أوصل للمودة)). رواه الترمذي. [٥٠٢٠] ــ ((خط)): هذا إنما جاء في طعام الدعوة دون طعام الحاجة. وذلك أن الله تعالى قال: ﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيرا﴾ ومعلوم أن أسراءهم كانوا كفاراً غير مؤمنين، وإنما حذر من صحبة من ليس بتقي وزجر عن مخالطته ومؤاكلته؛ لأن المطاعمة توقع الألفة والمودة في القلوب، انتهى كلامه. فإن قلت: ما معنى القرينتين؟ قلت: المؤمن، يجوز أن يراد به العام، وأن يراد به الخاص الذي يقابله الفاسق، كقوله تعالى: ﴿أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقاً﴾ فيكون المعنى: لا تصاحب إلا صالحاً. وقوله: ((ولا يأكل)) نهي لغير التقي أن يأكل طعامه، فالمراد نهيه عن أن يتعرض لما لا يأكل التقي طعامه من كسب الحرام، وتعاطي ما ينفر عنه التقي. والمعنى لا تصاحب إلا مطيعاً ولا تخالل إلا تقياً. الحديث الثامن والتاسع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((خليله))، ((نه)): الخليل الصديق فعيل بمعنى مفاعل. وقد يكون بمعنى مفعول، والخلة- بالضم- الصداقة والمحبة التي تخللت القلب فصارت خلاله، أي في باطنه. قال الشيخ أبو حامد؛ مجالسة الحريص ومخالطته تحرك الحرص، ومجالسة الزاهد ومخالطته تزهد في الدنيا؛ لأن الطباع مجبولة على التشبه والاقتداء، بل والطبع يسرق من الطبع من حيث لا يدري. قوله: ((إسناده صحيح)) ذكره في كتاب رياض الصالحين، وغرض المؤلف من إيراده والإطناب فيه دفع الطعن في هذا الحديث، ودفع توهم من توهم أنه موضع.

стр. 2594

الفصل الثالث ٥٠٢١ - عن أبي ذر، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ قال: ((أتدرون أي الأعمال أحب إلى الله تعالى؟)) قال قائل؛ الصلاة والزكاة. وقال قائل؛ الجهاد. قال النبي ﷺ : ((إن أحب الأعمال إلى الله تعالى الحب في الله والبغض في الله)). رواه أحمد، وروى أبو داود الفصل الأخير. [٥٠٢١] ٥٠٢٢ - وعن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما أحب عبد عبداً لله إلا أكرم ربه ). [٥٠٢٢] ٥٠٢٣ - وعن أسماء بنت يزيد، أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ألا أنبئكم بخياركم؟)) قالوا: بلى يا رسول الله! قال: ((خياركم الذين إذا رؤوا ذكر الله)). رواه ابن ماجه. [٥٠٢٣] ٥٠٢٤ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لو أن عبدين تحابا في الله ، واحد في المشرق وآخر في المغرب؛ لجمع الله بينهما يوم القيامة. يقول: هذا الذي كنت تحبه في)). [٥٠٢٤] ــ الفصل الثالث الحديث الأول عن أبي ذر ﵁: قوله: ((إن أحب الأعمال إلى الله تعالى)) فإن قلت: كيف يكون الحب في الله أحب إلى الله تعالى من الصلاة والزكاة والجهاد؟ قلت: من أحب في الله يحب أنبياءه وأولياءه، ومن شرط محبته إياهم: أن يقفوا أثرهم ويطيع أمرهم. قال الشاعر: تعصي الإله وأنت تظهر حبه هذا لعمري في المقياس بديع لو كان حبك صادقا لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع

стр. 2595

٥٠٢٥ - وعن أبي رزين، أنه قال له رسول الله ﷺ : ((ألا أدلك على ملاك هذا الأمر الذي تصيب به خير الدنيا والآخرة؟ عليك بمجالس أهل الذكر، وإذا خلوت فحرك لسانك ما استطعت بذكر الله، وأحب في الله وأبغض في الله، يا أبا رزين! هل شعرت أن الرجل إذا خرج من بيته زائراً أخاه، شيعه سبعون ألف ملك، كلهم يصلون عليه ويقولون: ربنا إنه وصل فيك فصله؟ فإن استطعت أن تعمل جسدك في ذلك فافعل)). [٥٠٢٥] ٥٠٢٦ - وعن أبي هريرة، قال: كنت مع رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : ((إن في الجنة لعمداً من ياقوت عليها غرف من زبرجد، لها أبواب مفتحة تضيء كما يضيء الكوكب الدري)). فقالوا: يا رسول الله! من يسكنها؟ قال: ((المتحابون في الله، والمتجالسون في الله، والمتلاقون في الله)) روى البيهقي الأحاديث الثلاثة في ((شعب الإيمان)). [٥٠٢٦] (١٧) باب ما ينهى عنه من التهاجر والتقاطع وإتباع العورات الفصل الأول ٥٠٢٧ - عن أبي أيوب الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يحل للرجل ــ وكذلك من أبغض في الله أبغض أعداءه وبذلك جهده في المجاهدة معهم بالسنان واللسان. والفصل الأخير هو قوله: ((إن أحب الأعمال إلى الله تعالى ...)) الحديث. الحديث الثاني إلى الحديث الخامس عن أبي رزين: قوله: ((هذا الأمر)) المشار إليه ما في الذهن وهو مبهم، فبينه ووصفه بقوله: ((الذي تصيب به خير الدنيا وخير الآخرة)). والملاك ما يتقوم به الشيء. وقوله: ((أن تعمل جسدك)) عبارة عن بذلك الجهد واستفراغ الطاقة فيه. الحديث السادس ظاهر.
следующие страницы →