Полный текст (3 308 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
٢٨٤ - وعن عثمان، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من توضأ فأحسن الوضوء، خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره))، متفق عليه.
٢٨٥ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا توضأ العبد المسلم- أو المؤمن- فغسل وجهه، خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء- أو مع آخر قطر الماء فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء- أو مع آخر قطر الماء- فإذا غسل رجليه؛ خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء- أو مع آخر قطر الماء- حتى يخرج نقياً من الذنوب)) رواه مسلم. [٢٨٥]
ــ
الرباط المحلي بلام الجنس خبراً لاسم الإشارة- كما في قوله تعالي: ﴿الم ذلك الكتاب﴾ إذ التعريف في الخبر للجنس، المعنى المذكور [و] هو الذي يستحق أن يسمى رباطاً، كان غير ذلك لا يستأهل أن يسمى بهذا الاسم بالنسبة إليه؛ لما فيه من قهر أعدى عدو الله النفس الأمارة بالسوء، وقمع شهواتها، وقلع مكائد الشيطان وإغوائه. ولما أريد تقرير ذلك مزيد تقرير واهتمام بشأنه بعد اهتمام- كرره تكريراً، والله أعلم.
الحديث الثالث عن عثمان: قوله: ((فأحسن الوضوء)) الفاء موقعة موقع ((ثم)) التي لبيان المرتبة، دلالة علي أن الإجادة في الوضوء- من تطويل الغرة، وتكرار المسح، والغسل ثلاثاً، ومراعاة آدابه من استقبال القبلة، والدعاء المأثور عن السلف وغيرها- أفضل وأكمل من أداء ما وجب مطلقاً. ((وخرجت خطاياه)) تمثيل وتصوير لبراءته عن الذنوب كلها علي سبيل المبالغة، لكن هذا العام خص بالصغائر.
الحديث الرابع عن أبي هريرة: قوله: ((خرج)) جواب الشرط، والفاء في ((فغسل)) مرتبة له علي الشرط، أي إذا أراد الوضوء فغسل خرج من وجهه كل خطيئة.
قوله: ((كل خطيئة نظر إليها)) أي نظر إلي سببها، إطلاقاً لاسم المسبب علي السبب مبالغة، وكذا في البواقي. فإن قلت: ذكر لكل عضو ما يختص به من الذنوب، وما يزيلها عن ذلك العضو، والوجه مشتمل علي العين، والفم، والأنف، والأذن، فلم خصت بالذكر دونها؟ قلت: العين طليعة القلب ورائده، فإذا ذكرت أغنت عن سائرها، ويعضد هذا التأويل حديث عبد الله الصنابحي في الفصل الثالث: ((فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج من تحت أشفار عينيه)). والضمير في ((مشتها)) راجع إلي خطيئة، ونصب بنزع الخافض، أو
стр. 317
٢٨٦ - وعن عثمان، قال رسول الله ﷺ : ((ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها؛ إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب، ما لم يؤت كبيرة، وذلك الدهر كله)). رواه مسلم. [٢٨٦]
ــ
يكون مصدراً، أي مشت المشية، كقوله ﷺ : ((واجعله الوارث منا)) أي اجعل الجعل. و ((بعينيه))، و ((يداه))، و ((رجلاه)) كلها تأكيدات تفيد مبالغة في الإزالة.
الحديث الخامس عن عثمان: قوله: ((صلاة مكتوبة)) أي مفروضة، من كتب كتاباً إذا فرض، وهو مجاز؛ فإن الحاكم إذا كتب شيئاً كان ذلك حكماً وإلزاماً. والخشوع في الصلاة خشية القلب، وإلزام البصر موضع السجود، وجمع الهمة لها، والإعراض عما سواها، ومن الخشوع أن يستعمل الآداب، فيتوقى كف الثوب، والعبث بجسده وثيابه، والالتفات، والتمطي، والتثاؤب، والتغميض، ونحوها.
((تو)): اكتفي بذكر الركوع عن السجود لأنهما ركنان متعاقبان، فإذا حث علي إحسان أحدهما حث علي الآخر، وفي تخصيصه بالذكر تنبيه علي أن الأمر فيه أشد، فافتقر إلي زيادة توكيد؛ لأن الراكع يحمل نفسه في الركوع، ويتحامل في السجود علي الأرض. ((قض)) و ((شف)): تخصيص الركوع بالذكر تحريض عليه؛ فإنه من خصائص المسلمين.
أقول: لعل هذا علي الغالب؛ لما قال تعالي لمريم: ﴿اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين﴾ قيل: أمرت بأن تركع مع الراكعين، ولا تكون مع من لا يركع. والأولي أن يقال: إنما خص الركوع بالذكر دون السجود لاستتباعه السجود؛ إذ لا يستقل عبادة وحده، بخلاف السجود فإنه يستقل عبادة، كسجدة التلاوة والشكر.
قوله: ((ما لم يؤت)) ((تو)): إن إثبات يأت علي بناء الفاعل في كتاب المصابيح غير سديد؛ لأن الحديث من مفاريد مسلم، ولم يروه إلا من الإيتاء، وإن كان ((لم يأت)) أوضح معنى من قولهم: أتى فلان حداً وأتى منكراً، لكن الذي يعتمد عليه من جهة الرواية هو الإيتاء. ومنهم من يروى علي بناء المفعول، والمعنى ما لم يعمل كبيرة، وضع الإيتاء موضع العمل؛ لأن العامل يعطي العمل من نفسه، قال الله تعالي: ﴿ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها﴾ أي لأعطوا ذلك من أنفسهم. ويحتمل أن يكون معنى بناء المفعول ما لم يصب بكبيرة، من قولهم: أتى فلان في بدنه، أي أصابته علة. والواو في قوله: ((وذلك الدهر كله)) للحال، وذو الحال المستتر في خبر كانت، وهو قوله: ((كفارة)).
((شف)): المشار إليه إما تكفير الذنوب، أي تكفير الصلاة المكتوبة الصغائر لا يختص بفرض واحد، بل فرائض الدهر تكفر صغائره، وإما معنى ((ما لم يؤت كبيرة)) هو عدم الإتيان
стр. 318
٢٨٧ - وعنه أنه توضأ فأفرغ علي يديه ثلاثاً، ثم تمضمض واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يده اليمنى إلي المرفق ثلاثاً، ثم غسل يده اليسرى إلي المرفق ثلاثاً، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجله اليمنى ثلاثاً، ثم اليسرى ثلاثاً، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ نحو وضوئي هذا. ثم قال: ((من توضأ وضوئي هذا، ثم يصلي ركعتين لا يحدث نفسه فيهما بشيء، غفر له ما تقدم من ذنبه)) متفق عليه. ولفظه للبخاري.
٢٨٨ - وعن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من مسلم يتوضأ، فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلي ركعتين، مقبلاً عليهما بقلبه ووجهه، إلا وجبت له الجنة)). رواه مسلم. [٢٨٨]
ــ
بالكبيرة، أي عدم إتيان الكبيرة في الدهر كله مع الإتيان بالمكتوبة كفارة لما قبلها. وأما ما قيل: ((من المكتوبة))، أي المكتوبة تكفر ما قبلها ولو كان ذلك ذنوب العمر، والوجه هو الأول؛ لما ورد: ((الصلوات الخمس مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر)). وانتصب ((الدهر)) ظرفاً لمقدر، أي وذلك مستمر في جميع الدهر.
قال المؤلف: قد وجدت ((ما لم يؤت)) في صحيح مسلم، وفي شرحه للنواوي، وفي كتاب الحميدي، كما ذكره الشيخ التوربشتي، وقال محيي الدين النواوي، معنى قوله: ((كانت كفارة لما قبلها)) أن الذنوب كلها تغفر إلا الكبائر؛ فإنها لا تغفر، وليس المعنى أن الذنوب تغفر ما لم تكن كبيرة، فإن كانت كبيرة لا يغفر شيء من الصغائر؛ فإن هذا وإن كان محتملاً فلا نذهب إليه. وقال العلماء: إن هذا الحديث وما أشبهه صالح للتكفير، فإن وجد ما يكفره من الصغائر كفره، وإن وجد كبيرة ولم يصادف صغيرة رجونا أن يخفف من الكبائر، وإلا كتب له به حسنات، ورفعت به درجات.
الحديث السادس عن عثمان: قوله: ((توضأ فأفرغ)) عطف ((فأفرغ)) إلي آخره علي سبيل البيان علي المبين، كما عطف تعالي ﴿فإن فاءوا﴾ علي قوله: ﴿تربص أربعة أشهر﴾ علي مذهب صاحب الكشاف. ((مح)): الجمهور علي أن الاستنثار هو إخراج الماء من الأنف بعد الاستنشاق، وهو جذب الماء بالنفس إلي الأقصى، وتدل عليه الرواية الأخرى: ((استنشق واستنثر)) فجمع بينهما، وهو مأخوذ من النثرة طرف الأنف. وقد أجمعوا علي كراهة الزيادة علي الثلاث المستوعبة للعضو، وإذا لم يستوعب إلا بغرفتين فهي واحدة، ولم يذكر العدد في مسح الرأس، فالظاهر الاكتفاء بالواحدة.
قوله: ((نحو وضوئي هذا)) ((مح)): إنما قال: ((نحو)) ولم يقل: ((مثل))؛ لأن حقيقة مماثلة وضوئه ﷺ لا يقدر عليها غيره، وفيه استحباب ركعتين فأكثر عقيب كل وضوء، وهي سنة
стр. 319
٢٨٩ - عن عمر بن الخطاب، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ- أو فيسبغ- الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله- وفي رواية: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده
ــ
مؤكدة. قال جماعة من أصحابنا: وتفعل هذه الصلاة في أوقات النهي وغيرها؛ لأن لها سبباً، ولو صلي فريضة أو نافلة مقصودة حصلت له هذه الفضيلة، كما تحصل تحية المسجد بذلك. والمراد بقوله: ((لا يحدث نفسه بشيء)) أي من أمور الدنيا، وما لا يتعلق بالصلاة، ولو عرض له حديث فأعرض عنه عفي له ذلك، وحصلت الفضيلة؛ لما أنه تعالي عفا عن هذه الأمة الخواطر التي تعرض ولا تستقر، وعلي ما ذكرت من كلام المازري، والقاضي عياض. ((مظ)): معنى قوله: ((لا يحدث نفسه)) لا تجرى في قلبه وسوسه في الأمور الدنيوية، ليكون حاضر القلب غير ساه وغافل، وقلما يمكن الحضور بالكلية، ويحتمل أن يراد [إخلاص العمل لله]، لا لطلب الجاه [والتسلس]، وأن يراد ترك العجب، بأن لا يرى لنفسه منزلة رفيعة بأدائها، بل ينبغي أن يحقر نفسه كيلا يغتر فيتكبر.
الحديث السابع عن عقبة: قوله: ((مقبل عليهما بقلبه ووجهه)) المراد بوجهه الذات، أي مقبلاً عليهما بظاهره وباطنه، مستغرقاً خاشعاً هائباً. ومعنى ((وجب)) هاهنا أن الله تعالي يدخله الجنة تفضلاً وتكرماً، بحيث لا يخالف وعده كمن وجب عليه شيء. و ((مقبل)) وجد بالرفع في الأصول، وفي بعض النسخ: ((مقبلاً)) منصوباً حالاً؛ وكونه مرفوعاً مشكل؛ لأنه إما صفة ((مسلم)) علي أن ((من)) زائدة، وفيه بعد للفواصل، وإما خبر مبتدأ محذوف، فيكون حالا، وفيه بعد أيضاً؛ لخلوه عن الواو والضمير، اللهم إلا أن يقال: إن المبتدأ المقدر كالملفوظ، فحينئذ يكون من قبيل: كلمته فوه إلي في، والوجه العربي أن يضرب عن هذه المحال صفحاً، ويقال: هو فاعل ينازع فيه ((يقوم)) و ((يصلي)) علي سبيل التجريد، كقول [الشاعر]:
فلئن بقيت لأرحلن بغزوة تحوى الغنائم أو يموت كريم
أي أموت كريماً. فجعل الحال فاعلاً للفعل علي التجريد، وعليه قراءة عمير: ﴿فإذا انشقت السماء فكانت وردة﴾ بالرفع، بمعنى فحصلت السماء وردة. فالمعنى يصلي مقبل متناه في إقباله، ملقى علي الركعتين بشراشره. ومنه قراءة من قرأ: ﴿فهب لي من لدنك ولياً يرثني وارث من آل يعقوب﴾.
الحديث الثامن عن عمر: قوله: ((ما منكم من أحد)) من الثانية زائدة، والأولي بيانية، والجار مجرور حال علي ضعف.
стр. 320
لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله- إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء)) هكذا رواه مسلم في ((صحيحه)) والحميدي في ((أفراد مسلم))، وكذا ابن الأثير في ((جامع الأصول)). [٢٨٩]
وذكر الشيخ محيي الدين النووي في آخر حديث مسلم علي ما رويناه، وزاد الترمذي: ((اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين)).
والحديث الذي رواه محيي السنة في ((الصحاح)): ((من توضأ فأحسن الوضوء)) إلي آخره، رواه الترمذي في ((جامعه)) بعينه إلا كلمة ((أشهد)) قبل ((أن محمداً)).
٢٩٠ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل)) متفق عليه.
ــ
قوله: ((أشهد أن لا إله إلا الله)) القول بالشهادتين عقيب الوضوء إشارة إلي إخلاص العمل لله، وطهارة القلب من الشرك والرياء، بعد طهارة الأعضاء من الحدث والخبث ((مح)): يستحب أن يقال عقيب الوضوء كلمتا الشهادة، هذا متفق عليه. وينبغي أن يضم إليهما ما جاء في رواية الترمذي: ((اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين)) ويضم أيضاً ما رواه النسائي في كتاب عمل اليوم والليلة مرفوعاً: ((سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا الله أنت وحدك لا شريك لك، أستغفرك وأتوب إليك)). قال أصحابنا: وتستحب هذه الأذكار للمغتسل أيضاً. قوله: ((يدخل)) الأظهر أنها استئنافية؛ لصحة قيام ليدخل موقعها.
الحديث التاسع عن أبي هريرة: قوله: ((يدعون)) ((غب)): الدعاء كالنداء، لكن النداء قد يقال إذا قيل: ((يا)) من غير أن يضم إليه الاسم، والدعاء لا يكاد يقال إلا إذا كان معه الاسم، نحو: يا فلان، وقد يستعمل كل واحد موضع الآخر، ويستعمل استعمال التسمية، نحو: دعوت ابني زيداً، أي سميته، ودعوته إذا سألته ﴿ادع لنا ربك يبين لنا﴾، ودعوته إذا استغثته، ﴿قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون﴾.
قوله: ((غراً محجلين)) ((شف)): الغر جمع الأغر، وهو الأبيض الوجه، والمحجل من الدواب التي قوائمها بيض، مأخوذ من الحجل، وهو القيد، كأنها مقيدة بالبياض، وأصل هذا في الخيل. ومعناه أنهم إذا دعوا علي رؤوس الأشهاد أو إلي الجنة كانوا علي هذه الشية.
стр. 321
٢٩١ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء)). رواه مسلم. [٢٩١]
ــ
وانتصابهما علي الحال. ويحتمل أن يكون ((غراً)) مفعولاً ثانياً ليدعون، كما يقال: فلان يدعى ليثاً، فالمعنى أنهم يسمون بهذا الاسم لما يرى عليهم من آثار الوضوء. والمعنى هو الأول، يدل عليه قوله صلوات الله عليه: ((يأتون يوم القيامة غراً محجلين))؛ لأنهما العلامة الفارقة بين هذه الأمة وبين سائر الأمم.
أقول: لا تبعد التسمية باعتبار الوصف الظاهر، كما يسمى رجل به حمرة بأحمر؛ للمناسبة بين الاسم والمسمى، وهو أظهر؛ لأن القصد هو الشهرة والتمييز في الأصل المستعار منه، وقد ضرب بهما مثلاً في المعاني، قال مروان بن أبي حفصة:
تشابه يوماه علينا فأشكلا فما نحن ندري أي يوميه أفضل
أيوم نداه الغمر أم يوم بأسه .... وما منهما إلا أغر محجل
قوله: ((أن يطيل غرته)) أي غسل غرته، بأن يوصل الماء من فوق الغرة إلي تحت الحنك طولا، ومن الأذن إلي الأذن عرضاً.
الحديث العاشر عن أبي هريرة: قوله: ((تبلغ الحلية من المؤمن)) ضمن ((تبلغ)) معنى تتمكن، وعدى بمن، أي تتمكن من المؤمن الحلية مبلغاً يتمكنه الوضوء منه. قال أبو عبيد: الحلية هاهنا التحجيل يوم القيامة من أثر الوضوء.
((مح)): وقد اعترض بعض الحفاظ من ذلك علي أبي عبيد، وقال: لو حمل علي قوله تعالي: ﴿يحلون فيها من أساور﴾ لكان أولي. وهو غير مستقيم، إذ لا مرابطة بين الحلية والحلي؛ لأن الحلية السيماء، والحلي التزين. ويمكن أن يجاب عنه بأنه مجاز عن ذلك. ((نه)): يقال: حليته أحليه تحلية إذا ألبسته الحلية، وجمعها حلي، كلحية ولحي، وربما ضم، وتطلق الحلية علي الصفة أيضاً. (مح) وقد استدلوا بالحديث علي أن [الوضوء] من خصائص هذه الأمة- زادها الله تعالي شرفاً وقال آخرون: ليس الوضوء مختصاً، وإنما المختص الغرة والتحجيل، واحتجوا بقوله صلوات الله عليه: ((هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي)). وأجيب بأنه حديث ضعيف معروف الضعف، ولو صح لاحتمل أن تكون الأنبياء اختصت بالوضوء دون أممهم إلا هذه الأمة.
стр. 322
الفصل الثاني
٢٩٢ - عن ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ : ((استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ علي الوضوء إلا مؤمن)) رواه مالك، وأحمد وابن ماجه، والدارمي. [٢٩٢]
ــ
الفصل الثاني
الحديث الأول عن ثوبان: قوله: ((استقيموا)) ((قض)): الاستقامة اتباع الحق، والقيام بالعدل، وملازمة المنهج المستقيم. وذلك خطب عظيم، لا يتصدى لإحصائه إلا من استضاء قلبه بالأنوار القدسية، وتخلص عن الظلمات الإنسية، وأيده الله تعالي من عنده، وأسلم شيطانه بيده- وقليل ما هم- فأخبرهم بعد الأمر بذلك أنهم لا يقدرون علي إيفاء حقه، والبلوغ إلي غايته، كيلا يغفلوا عنه فلا يتكلوا علي ما يأتون به، ولا ييأسوا من رحمة الله فيما يدرون عجزاً وقصوراً لا تقصيراً. وقيل: معناه ولن تحصوا ثوابه. ((غب)): الإحصاء التحصيل بالعد، يقال: أحصيت كذا، من لفظ الحصا، واستعمال ذلك فيها من حيث أنهم كانوا يعتمدونها بالعد، كاعتمادنا فيه علي الأصابع، قال الله تعالي: ﴿وأحصى كل شيء عددا﴾ أي حصله وأحاط به. ((مظ)): ((استقيموا)) أي الزموا الطريق المستقيم في الدين، من الإتيان بجميع المأمورات، والانتهاء عن جميع المناهي.
وأقول- والله أعلم-: قوله: ((ولن تحصوا)) إخبار واعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه، كما اعترض ((ولن)) تفعلوا)) بين الشرط والجزاء في قوله تعالي: ﴿فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا﴾ كأنه صلوات الله عليه لما أمرهم بالاستقامة وهي شاقة جداً تداركه بقوله: ((لن تحصوا)) رحمة ورأفة من الله علي هذا الأمة المرحومة، كما قال تعالي: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ بعد ما نزل: ﴿اتقوا الله حق تقاته﴾ أي واجب تقواه، وهو القيام بالواجبات،
стр. 323
٢٩٣ - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من توضأ علي طهر، كتب له عشر حسنات)). رواه الترمذي. [٢٩٣]
ــ
واجتناب المحرمات. قال الكواشي: لما نزلت: ﴿اتقوا الله حق تقاته﴾ قالوا: يا رسول الله! من يقوى علي هذا؟ فنزل: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ ثم نبههم صلوات الله عليه علي ما تيسر لهم من ذلك ولا يشق عليهم بقوله: ((واعلموا))، أي إن لم تطيقوا ما أمرتم به من الاستقامة فحق عليكم أن تلزموا بعضها، وهي الصلاة التي هي جامعة لكل عبادة من القراءة، والتسبيح، والتهليل، والتكبير، والإمساك عن كلام الغير، والمفطرات، وهي معراج المؤمن، ومقربته إلي جناب الحضرة الأقدس، فالزموها، وأقيموا حدودها، لاسيما مقدمتها التي هي شطر الإيمان، فحافظوا عليها، فإنه لا يحافظ عليها إلا كل مؤمن تقي.
وأيضاً في ذكر الصلاة إشارة إلي تطهير الباطن ﴿إن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر﴾، وفي الوضوء إلي تطهير الظاهر، وإليه ينظر قوله تعالي: ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ ومن ثمة خيرها علي سائر الأعمال؛ لأن محبة الله منتهي سؤال العارفين.
وقوله: ((ولا يحافظ علي الوضوء)) جملة مذيلة، فالمراد بالمؤمن الجنس، والتنكير للتعظيم.
الحديث الثاني عن ابن عمر: قوله: ((من توضأ علي طهر)) ((حس)): تجديد الوضوء مستحب إذا كان قد صلي بالوضوء الأول صلاة، فريضة كانت أو تطوعاً، وكرهه قوم إذا لم تتقدم علي التجديد صلاة.
стр. 324
الفصل الثالث
٢٩٤ - عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((مفتاح الجنة الصلاة، ومفتاح الصلاة الطهور)) رواه أحمد. [٢٩٤]
٢٩٥ - وعن شبيب بن أبي روح، عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ صلي صلاة الصبح، فقرأ الروم، فالتبس عليه. فلما صلي، قال: ((ما بال أقوام يصلون معنا لا يحسنون الطهور؟! وإنما يلبس علينا القرآن أولئك)) رواه النسائي. [٢٩٥]
ــ
الفصل الثالث
الحديث الأول عن جابر: قوله: ((مفتاح الجنة الصلاة)) جعلت الصلاة مقدمة لدخول الجنة، كما جعل الوضوء مقدمة للصلاة، فكما لا تتأتى الصلاة بدون الوضوء، كذلك لا يتهيأ دخول الجنة بدون الصلاة. وفيه دليل لمن يكفر تارك الصلاة، وعلي أنها الفارقة بين الإيمان والكفر، ولغيره هو حث علي الصلاة وبعث عليها، وأنها مما لا يستغنى عنها قط.
الحديث الثاني عن شبيب: قوله: ((لا يحسنون الطهور)) سبق بيان الإحسان في الوضوء في الفصل الأول. وفيه إشارة إلي أن السنن والآداب مكملات للواجبات ترجى بركتها، وفي فقدانها سد باب الفتوحات الغيبية، وأن بركتها تسري في الغير كما أن التقصير فيها يتعدى إلي حرمان الغير. ثم تأمل أيها الناظر في هذه الحالة! فإن مثل رسول الله ﷺ مع جلالة قدره إذا كان يتأثر من مثل تلك الهيئة، فكيف بالغير من صحبة أهل الأهواء، والبدع، والمعاشرة معهم- أعاذنا الله منها- وصحبة الصالحين علي عكس ذلك، كما ورد ((هم قوم لا يشقى بهم جليسهم)).
الحديث الثالث عن رجل من بني سليم: قوله: ((عدهن)) هذا ضمير مبهم يفسره ما بعده،
стр. 325
٢٩٦ - وعن رجل من بني سليم، قال: عدهن رسول الله ﷺ في يدي- أو يده- قال: ((التسبيح نصف الميزان، والحمد لله يملؤه، والتكبير يملأ ما بين السماء والأرض، والصوم نصف الصبر، والطهور نصف الإيمان)) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن. [٢٩٦]
٢٩٧ - وعن عبد الله الصنابحي، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا توضأ العبد المؤمن فمضمض، خرجت الخطايا من فيه. وإذا استنثر خرجت الخطايا من أنفه. وإذا غسل وجهه، خرجت الخطايا من وجهه، حتى تخرج من تحت أشفار عينيه. فإذا غسل يديه، خرجت الخطايا من تحت أظفار يديه. فإذا مسح برأسه، خرجت الخطايا.
ــ
كقوله تعالي: ﴿فسواهن سبع سموات﴾، والمفسر قوله: ((التسبيح)) إلي آخره، جعل التحميد ضعف التسبيح؛ لأنه جامع لصفات الكمال من الثبوتية والسلبية، والتسبيح تنزيهه عن النقائض، فهو من السلبية. وقوله: ((في يدي)) أي أخذ أصابع يدي، وجعل يعقدها في الكف خمس مرات علي عدد الخصال، وقد سبق تفسيرها في الحديث الأول من هذا الباب.
قوله: ((يملأ)) أي يملأ الثواب إن قدر جسماً، والتكبير نفي من الغير صفة الكبرياء والعظمة؛ لأن أفعل محمول علي المبالغة. والكبرياء مختص به تعالي فيمتلئ العارف عند ذلك هيبة وجلالاً، فلا ينظر إلي ما سواه. والله أعلم.
الحديث الرابع عن عبد الله الصنابحي: قوله: ((وإذا استنثر)) خص الاستنثار لأن القصد خروج الخطايا، وهو مناسب للاستنثار؛ لأنه إخراج الماء من أقصى الأنف بعد الاستنشاق. و ((نافلة له)) أي زائدة علي تكفير السيئات، وهي رفع الدرجات؛ لأنها كفرت بالوضوء، والنفل الزيادة والفضل، ومنه قوله تعالي: ﴿ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة﴾ وهو ولد الولد.
стр. 326
من رأسه حتى تخرج من أذنيه. فإذا غسل رجليه، خرجت الخطايا من رجليه، حتى تخرج من [تحت] أظفار رجليه. ثم كان مشيه إلي المسجد وصلاته نافلة له)). رواه مالك والنسائي. [٢٩٧].
٢٩٨ - وعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ أتى المقبرة فقال: ((السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أنا قد رأينا إخواننا)). قالوا: أو لسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: ((أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد)). فقالوا: كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟ فقال: ((أرأيت لو أن رجلاً
ــ
الحديث الخامس عن أبي هريرة: قوله: ((المقبرة)): (مح) بضم الباء، وفتحها، وكسرها، ثلاث لغات، والكسر قليلة، والدار منصوب بالاختصاص أو [النداء]؛ لأنه مضاف، والمراد بالدار علي الوجهين الجماعة والأهل. ويحتمل علي الأول المنزل. والاستثناء بقوله: ((إن شاء الله)) - مع أن الموت لا شك فيه- للعلماء فيه أقوال، والأظهر أنه وارد علي التبرك كما في قوله تعالي: ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين﴾. وقال الخطابي وغيره: إن ذلك من عادة من يحسن الكلام به، وقال أيضاً: في الحديث أن السلام علي الأموات والأحياء سواء في تقديم السلام علي (عليكم). والثالث أن الاستثناء عائد إلي اللحوق بالمكان المتبرك؛ لأنه مشكوك فيه. و ((وددت)) تمنى رؤيتهم في الحياة، وقيل: بعد الموت. ((وأنتم أصحابي)) ليس نفياً لأخوتهم، ولكن ذكره مزية لهم بالصحبة علي الأخوة، فهم إخوة وصحابة، واللاحقون إخوة فحسب، قال تعالي: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾.
أقول: ولعل الظاهر أن يحمل علي اللاحقين بعد حياته صلوات الله عليه. فإن قلت: فأي اتصال لهذه الودادة بذكر أصحاب القبور؟ قلت: عند تصور السابقين يتصور اللاحقون، أو كوشف له صلوات الله عليه عالم الأرواح [فشاهد الأرواح] المجندة السابقين منهم واللاحقين. وسؤالهم بقولهم: ((كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك؟)) أي في المحشر، مبني
стр. 327
له خيل غر محجلة، بين ظهري خيل دهم بهم، ألا يعرف خيله؟)) قالوا: بلي، يا رسول الله! قال: ((فإنهم يأتون غراً محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم علي الحوض)) رواه مسلم. [٢٩٨]
٢٩٩ - وعن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أنا أول من يؤذن له بالسجود يوم القيامة، وأنا أول من يؤذن له أن يرفع رأسه، فأنظر إلي ما بين يدي، فأعرف أمتي من بين الأمم، ومن خلفي مثل ذلك، وعن يميني مثل ذلك وعن شمالي
ــ
علي أنك تمنيت رؤيتهم في الدنيا، وإنما يتمنى ما لم يمكن حصوله، فإذن كيف تعرفهم في الآخرة؟ وإنما حملناه علي الآخرة ليطابق قوله: ((غر محجلة)) لظهورهما حينئذ. والظهر في ((بين ظهري خيل)) مقحم. ((نه)): ومنه ((فأقاموا بين ظهرانيهم)) أي أقاموا بينهم علي سبيل الاستظهار والاستناد إليهم، ومعناه أن ظهراً منهم قدامه، وظهراً وراءه، فهو مكنوف من جانبيه، ثم كثر حتى استعمل في الإقامة بين القوم مطلقاً.
قوله: ((بهم)) قيل: هي السود، وقيل: البهيم الذي لا يخالط لونه لوناً سواه، قرنه بالدهم تأكيداً للسواد. قوله: ((أرأيت لو أن رجلاً)) ((رجلاً)) اسم ((أن)) علي تأويل رجلاً ما من الرجال، وما بعده خبر له، وجواب ((لو)) ((لا يعرف))، وهمزة التقرير مقحمة مؤكدة للتي سبقت؛ لأن معنى أرأيت أخبرني.
قوله: ((وأنا فرطهم)) أي متقدمهم إلي حوضي في المحشر، يقال: فرط يفرط فهو فارط، إذا تقدم وسبق القوم ليرتاد لهم الماء، ويهيئ لهم الدلاء والأرشية.
الحديث السادس عن أبي الدرداء: قوله: ((وأنا أول من يؤذن له- إلي قوله- أن يرفع رأسه)) إشارة إلي مقام الشفاعة كما ورد في قوله: ((فيؤذن لي عليه فإذا رأيته وقعت ساجداً- إلي قوله- فيقول لي: ارفع محمد)) الحديث. وقوله: ((تعرف)) بمعنى تميز؛ ليستقيم تعلق ((من)) به، أي كيف تميز أمتك من بين سائر الأمم؟ ((وفيما بين نوح)) حال من ((الأمم)) كالبيان له، أي الأمم كائنة فيما بين نوح، ولو قيل: هو ظرف لـ ((تعرف)) لرجع المعنى كيف تعرف أمتك فيما بين نوح، ولم يكن لقوله: ((من الأمم)) معنى. وإنما خص ذكر نوح والأنبياء قبله قد بعثوا، لشهرته أو للتغليب، كما في قوله تعالي: ﴿وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح﴾ الآية. و ((إلي)) في قوله: ((إلي أمتك)) للانتهاء، أي مبتدئاً من نوح منتهياً إلي أمتك.
стр. 328
مثل ذلك)). فقال رجل: يا رسول الله! كيف تعرف أمتك من بين الأمم فيما بين نوح إلي أمتك؟ قال: ((هم غر محجلون من أثر الوضوء، ليس أحد كذلك غيرهم، وأعرفهم أنهم يؤتون كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم تسعى بين أيديهم ذريتهم)) رواه أحمد. [٢٩٩]
(١) باب ما يوجب الوضوء
الفصل الأول
٣٠٠ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ)) متفق عليه.
٣٠١ - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول)) رواه مسلم. [٣٠١]
ــ
قوله: ((يؤتون كتبهم بأيمانهم)) وقوله: ((تسعى بين أيديهم ذريتهم)) لم يأت بالوصفين تفضلة وتمييزاً كالأول، بل أتى بهما مدحاً لأمته، وابتهاجاً بما أوتوا من الكرامة والفضيلة.
باب ما يوجب الوضوء
الفصل الأول
الحديث الأول عن أبي هريرة: قوله: ((لا تقبل صلاة من أحدث)) ((مظ)): المعنى لا يقبل الله صلاة بغير الوضوء، إلا إذا لم يجد الماء ووجد التراب، فيقوم التيمم مقام الوضوء، وإن لم يجدهما يصلي فرض الوقت لحرمة الوقت، ثم إن مات قبل وجدان الماء والتراب لم يأثم، وإن وجدهما يقضي. أقول: ((حتى يتوضأ)) غاية قوله: ((لا تقبل))، والضمير في ((يتوضأ)) للمحدث، سماه محدثاً وإن كان طاهراً باعتبار ما كان، كقوله تعالي: ﴿وآتوا اليتامى أموالهم﴾.
الحديث الثاني عن ابن عمر ﵄: قوله: ((من غلول)) الغلول الخيانة من الغنيمة والمراد هنا الحرام، قرن عدم قبول الصدقة من الحرام بعدم قبول الصلاة دون الوضوء إيذاناً بأن
стр. 329
٣٠٢ - وعن علي، قال: كنت رجلاً مذاء، فكنت أستحيي أن أسأل النبي ﷺ لمكان ابنته، فأمرت المقداد، فسأله، فقال: يغسل ذكره ويتوضأ)). متفق عليه.
٣٠٣ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((توضأوا مما مست النار)) رواه مسلم. [٣٠٣]
قال الشيخ الإمام الأجل محيي السنة، ﵀: هذا منسوخ بحديث ابن عباس:
ــ
التصدق تزكية النفس من الأوضار، وطهارة لها، كما أن الوضوء كذلك، ومن ثم صرح بلفظ الطهور، وهو المبالغة في الطهر.
الحديث الثالث عن علي ﵁: قوله: ((مذاء)) ((قض)): المذاء كثير المذي من: أمذى، وللشافعي قولان فيما إذا خرج من أحد السبيلين خارج غير معتاد، كالدم والمذي: أحدهما أنه يتعين غسله، ولا يجوز الاقتصار علي الحجر لندوره، وخصوصاً في المذي للزوجته وانتشاره. ويعضده ظاهر الحديث. والثاني جواز الاقتصار نظراً إلي المخرج، والمراد من الأمر بالغسل لتتقلص عروقه، وينقطع المذي.
((تو)): وإنما استحى من سؤال النبي صلوات الله عليه لمكان فاطمة ﵂ منه، ولأن ما يستحى منه من الأوطار النفسإنية والتأثيرات الشهوإنية مما لا يكاد يفصح به أولو الأحلام، وخاصة بحضرة الأكابر. وإنما أمر بالغسل لاحتمال أنهم كانوا لا يتنزهون عن المذي تنزههم عن البول، ولا يرونه بمثابة البول في وجوب التطهر منه، فأمرهم صلوات الله عليه بالغسل، وفيه دليل علي نجاسته.
الحديث الرابع عن أبي هريرة: قوله: ((توضؤوا)) ((قض)): الوضوء في أصل اللغة هو غسل بعض الأعضاء وتنظيفه، من الوضاءة بمعنى النظافة، والشرع نقله إلي الفعل المخصوص وقد جاء هاهنا علي أصله والمراد منه وفي نظائره غسل اليدين لإزالة الزهومة توفيقاً بينه وبين حديث ابن عباس وأم سلمة ونحوهما. ومنهم من حمله علي المعنى الشرعي، وزعم أنه منسوخ بحديث ابن عباس، وذلك إنما يتقرر أن لو علم تاريخهما، وتقدم الأول. لا يقال: ابن عباس متأخر الصحبة فيكون حديثه ناسخاً، لأنا نقول: تأخر الصحبة وحده لا يقتضي تأخر الحديث، نعم! لو كانت صحبته بعد وفاة الآخر أو غيبته دل ذلك علي تأخره، أما لو اجتمعنا عند الرسول صلوات الله عليه فلا، لجواز أن يسمع الأقدم صحبة بعد سماعه.
стр. 330
٣٠٤ - قال: إن رسول الله ﷺ أكل كتف شاة ثم صلي ولم يتوضأ متفق عليه.
٣٠٥ - وعن جابر بن سمرة، أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ : أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: ((إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ)). قال: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: ((نعم! فتوضأ من لحوم الإبل)). قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: ((نعم)). قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: ((لا)) رواه مسلم [٣٠٥]
٣٠٦ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً، فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا، فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً)) رواه مسلم. [٣٠٦]
ــ
وأقول: وقد صرح ابن الصلاح في كتابه بالنسخ، حيث قال: مما يعرف به النسخ قول الصحابي: ((كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مسته النار)).
الحديث الخامس عن جابر: قوله: ((أنتوضأ من لحوم الإبل؟)) ((مظ)): الوضوء من أكل لحم الإبل واجب عند أحمد بن حنبل، وعند غيره المراد منه غسل الكفين؛ لما في لحم الإبل من رائحة كريهة، ودسومة غليظة، بخلاف لحم الغنم ((والمرابض)) جمع مربض- بفتح الميم وكسر الباء- وهو موضع الربوض، والربوض للغنم كالاضطجاع للإنسان، وكالبروك للجمل. وكره الصلاة في مبارك الإبل لما لا يؤمن نفورها، فيلحق المصلي ضرر من صدمة وغيرها، فلا يكون له حضور.
الحديث السادس عن أبي هريرة: قوله: ((حتى يسمع)) ((حس)): معناه حتى يتيقن الحدث، لا أن سماع الصوت أو وجود الريح شرط؛ [فإنه قد يكون أصم لا يسمع الصوت] وقد يكون أخشم لا يجد الريح. وينتقض طهره إذا تيقن الحدث. قال الإمام: في الحديث دليل علي أن الريح الخارجة من أحد السبيلين توجب الوضوء. وقال أصحاب أبي حنيفة: خروج الريح من القبل لا يوجب الوضوء. وفيه دليل علي أن اليقين لا يزول بالشك في شيء من أمر الشرع، وهو قول عامة أهل العلم.
стр. 331
٣٠٧ - وعن عبد الله بن عباس، قال: إن رسول الله ﷺ شرب لبنا فمضمض، وقال: ((إن له دسماً)) متفق عليه.
٣٠٨ - وعن بريدة: أن النبي ﷺ صلي الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد، ومسح علي خفيه، فقال له عمر: لقد صنعت اليوم شيئاً لم تكن تصنعه! فقال: ((عمداً صنعته يا عمر!)) رواه مسلم.
٣٠٩ - وعن سويد بن النعمان: أنه خرج مع رسول الله ﷺ عام خيبر حتى إذا كانوا بالصهباء- وهي من أدنى خيبر- صلي العصر، ثم دعا بالأزواد، فلم يؤت إلا بالسويق، فأمر به فثري، فأكل رسول الله ﷺ وأكلنا، ثم قام إلي المغرب، فمضمض ومضمضنا، ثم صلي ولم يتوضأ. رواه البخاري.
ــ
قوله: ((فلا يخرجن من المسجد)) أقول: يوهم أن حكم غير المسجد بخلاف المسجد، لكن أشير به إلي أن الأصل أن يصلي المؤمن التقي في المسجد؛ لأنه مكان الصلاة ومعدنها، وكأن من هو خارج منه خارج من حكم المصلي مبالغة، فعلي المؤمن ملازمته، والمواظبة علي إقامة الصلوات مع الجماعات. والله أعلم.
الحديث السابع عن عبد الله بن عباس: قوله: ((إن له دسماً)) الجملة استئنافية، تعليل للتمضمض، وفيها إشعار بأن الدسومة علة مناسبة له، وقيل: المضمضة بالماء مستحبة عن كل ماله دسومة؛ إذ تبقى في الفم منه بقية تصل إلي [بطنه] في الصلاة، فعلي هذا ينبغي أن يمضمض من كل ما خيف منه الوصول إلي بطنه في الصلاة طرداً للعلة، ويؤيده حديث السويق كما سيجيء.
الحديث الثامن عن بريدة: قوله: ((عمداً صنعته)) الضمير المنصوب فيه بمعنى اسم الإشارة، والمشار إليه المذكور في الصلوات الخمس بوضوء واحد، والمسح علي الخفين. ((وعمداً)) تمييز أو حال من الفاعل، قدم اهتماماً بشرعية المسألتين في الدين، أو اختصاصاً رداً لزعم من لا يرى جواز المسح علي الخفين. وفيه دليل علي أن من قدر أن يصلي صلوات كثيرة بوضوء واحد لا تكره صلاته، إلا أن يغلب عليه الأخبثان.
الحديث التاسع عن سويد: قوله: ((ثرى)) أي بل مأخوذ من الثرى- التراب الندي الذي تحت التراب الطاهر، يقال: ثرى التراب تثرية إذا رش عليه الماء. و ((السويق)) ما [يجرش] من الشعير والحنطة وغيرهما للزاد.
стр. 332
الفصل الثاني
٣١٠ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا وضوء إلا من صوت أو ريح)). رواه أحمد، والترمذي [٣١٠].
٣١١ - وعن علي، قال: سألت رسول الله ﷺ عن المذي، فقال: ((من المذي الوضوء، ومن المني الغسل)) رواه الترمذي [٣١١].
٣١٢ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)) رواه أبو داود، والترمذي، والدارمي [٣١٢].
٣١٣ - ورواه ابن ماجه عنه وعن أبي سعيد.
ــ
الفصل الثاني
الحديث الأول عن أبي هريرة: قوله: ((لا وضوء إلا من صوت)) نفي جنس أسباب التوضؤ، واستثنى منه الصوت والريح، والنواقض كثيرة، لعل ذلك في صورة مخصوصة، فالمراد نفي جنس الشك وإثبات اليقين، أي لا يتوضأ عن شك مع سبق ظن الطهارة إلا بيقين الصوت والريح.
الحديث الثاني ظاهر.
الحديث الثالث عن علي ﵁: قوله: ((وتحريمها التكبير)) ((مظ)): سمى الدخول في الصلاة تحريماً، لأنه يحرم الكلام، والأكل، والشرب، وغيرها علي المصلي، فلا يجوز الدخول في الصلاة إلا بالتكبير مقارناً به النية. والتحليل جعل الشيء المحرم حلالا، وسمى التسليم به لتحليل ما كان محرماً علي المصلي؛ لخروجه عن الصلاة، وهو واجب عند الشافعي، مستحب عند أبي حنيفة ﵄؛ إذ لو خرج من الصلاة بما يناقضها بعد ما جلس في آخر الصلاة بقدر التشهد تمت.
وأقول: شبه الشروع في الصلاة بالدخول في تحريم الملك الكريم المحمي عن الأغيار، وجعل فتح باب الحرم بالتطهر عن الأدناس والأوضار، وجعل الالتفات إلي الغير والاشتغال به تحليلاً، تنبيهاً علي التكميل بعد الكمال، والله أعلم.
стр. 333
٣١٤ - وعن علي بن طلق، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا فسا أحدكم فليتوضأ، ولا تأتوا النساء في أعجازهن)). رواه الترمذي، وأبو داود. [٣١٤]
٣١٥ - وعن معاوية بن أبي سفيان، أن النبي ﷺ قال: ((إنما العينان وكاء السه، فإذا نامت العين استطلق الوكاء)) رواه الدارمي. [٣١٥]
٣١٦ - وعن علي، قال: قال رسول الله ﷺ : ((وكاء السه العينان، فمن نام فليتوضأ)). رواه أبو داود [٣١٦]
قال الشيخ الإمام محيي السنة، ﵀: هذا في غير القاعد، لما صح:
ــ
الحديث الرابع عن علي بن طلق: قوله: ((إذا فسا أحدكم)) فإن قلت: ما وجه اتصال هاتين الهنتين؟ قلت: لعل ذلك أن الله تعالي إذا لم يجوز للعبد المؤمن هذا القدر من الهنات، ومنعه من التقرب إليه بسببها- فما ظنك بتلك العظيمة الشنعاء؟ ومن ثمة جعل ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ معترضاً بين المفسر وهو قوله تعالي: ﴿نساؤكم حرث لكم﴾ والمفسر وهو قوله: ﴿فأتوهن من حيث أمركم الله﴾.
الحديث الخامس عن معاوية: قوله: ((إنما العينان)) أي العينان كالوكاء للسه، شبه عين الإنسان وجوفه ودبره بقربة لها فم مشدود بالخيط، وشبه ما يطلقه من الغفلة عند النوم بحل ذلك الخيط من فم القربة، وفيه تصوير لقبح صدور هذه الغفلة من الإنسان.
((قض)): ((الوكاء)) ما يشد به الشيء، و ((السه)) الدبر، وأصله السته، لجمعه علي استاه، وتصغيره علي ستيهة، والمعنى أن الإنسان إذا تيقظ أمسك ما في بطنه، فإذا نام زال اختياره، واسترخت مفاصله، فلعله يخرج منها ما ينقض طهره. وذلك إشارة إلي أن نقض الطهارة بالنوم وسائر ما يزيل العقل ليس لأنفسها، بل لأنها مظنة خروج ما ينتقض الطهر به، ولذلك خص عنه نوم ممكن المقعد من الأرض.
الحديث السادس عن علي ظاهر.
стр. 334
٣١٧ - عن أنس، قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرون العشاء حتى تخفق رؤسهم، ثم يصلون ولا يتوضؤون. رواه أبو داود، والترمذي، إلا أنه ذكر فيه: ينامون. بدل: ينتظرون العشاء حتى تخفق رؤوسهم. [٣١٧]
٣١٨ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الوضوء علي من نام مضطجعاً، فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله)) رواه الترمذي وأبو داود. [٣١٨]
٣١٩ - وعن بسرة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إذا مس أحدكم ذكره، فليتوضأ)) رواه مالك، وأحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي. [٣١٩]
ــ
الحديث السابع عن أنس: قوله: ((حتى تخفق)) ((فا)): الخفقة النعسة الخفيفة، وفي الغريبين: معنى تخفق رءوسهم أي تسقط أذقانهم علي صدورهم. وقيل: هو من الخفوق والاضطراب.
الحديث الثامن عن ابن عباس ظاهر.
الحديث التاسع عن بسرة: قوله: ((إذا مس أحدكم ذكره)) ((تو)) قيل: ما روى طلق: أن النبي
стр. 335
٣٢٠ - وعن طلق بن علي، قال: سئل رسول الله ﷺ عن مس الرجل ذكره بعد ما يتوضأ. قال: ((وهل هو إلا بضعة منه؟)) رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وروى ابن ماجه نحوه.
قال الشيخ الإمام محيي السنة، ﵀: هذا منسوخ؛ لأن أبا هريرة أسلم بعد قدوم طلق. [٣٢٠]
٣٢١ - وقد روى أبو هريرة عن رسول الله ﷺ ، قال: ((إذا أفضى أحدكم بيده
ــ
ﷺ سئل عن مس الذكر فقال: ((هل هو إلا بضعة منك)) منسوخ؛ لأن أبا هريرة أسلم بعد قدوم طلق، وذلك أن طلقاً قدم علي النبي ﷺ وهو يبني مسجد المدينة، وذلك في السنة الأولي من الهجرة، وأسلم أبو هريرة عام خيبر في السنة السابعة. وقال: ادعاء النسخ فيه قول مبني علي الاحتمال، وهو خارج عن الاحتياط، إلا أن يثبت هذا القائل أن طلقا توفي قبل إسلام أبي هريرة، أو رجع إلي أرضه ولم يبق له صحبة بعد ذلك، وما يدري هذا القائل أن طلقا سمع هذا الحديث بعد إسلام أبي هريرة؟.
وذكر الخطابي أن أحمد بن حنبل كان يرى الوضوء من مس الذكر، وكان ابن معين يرى خلاف ذلك، وفي ذلك دليل ظاهر علي أن لا سبيل إلي معرفة الناسخ والمنسوخ منهما. وأقول: فإذن الأخذ بالأحوط أولي.
((مظ)): قال محيي السنة في حديث طلق: إنه منسوخ، هو قول الخطابي، وعلي تقدير تعارضهما نعود إلي قول الصحابة. قال علي وابن مسعود، وابن عباس، وأبو الدرداء، وعمار ﵃: إن المس لا يبطل، وبه أخذ أبو حنيفة ﵁. وقال عمر، وابنه، وابن عباس، وسعد بن أبي وقاص، وأبو هريرة، وعائشة ﵃: إنه يبطل، وبه أخذ الشافعي ﵁.
الحديث العاشر عن أبي هريرة: قوله: ((إذا أفضى)) أوصل، وهو لازم عدى بالباء، و ((البضعة)) قطعة من اللحم.
الحديث الحادي عشر عن عائشة: قوله: ((كان النبي ﷺ يقبل بعض أزواجه)) ((خط)): يحتج به من يذهب إلي أن الملامسة المذكورة في الآية معناها الجماع دون اللمس بسائر البدن، إلا أن أبا داود ضعفه، وقال: هو منقطع؛ لأن إبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة، والمرسل أن يروي
стр. 336
إلى ذكره ليس بينه وبينها شيء فليتوضأ)) رواه الشافعي والدارقطني. [٣٢١]
٣٢٢ - ورواه النسائي عن بسرة؛ إلا أنه لم يذكر: ((ليس بينه وبينها شيء)).
٣٢٣ - وعن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ يقبل بعض أزواجه ثم يصلي ولا يتوضأ. رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
وقال الترمذي: لا يصح عند أصحابنا بحال إسناد عروة عن عائشة، وأيضاً إسناد إبراهيم التيمي عنها.
وقال أبو داود: هذا مرسل، وإبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة. [٣٢٣]
٣٢٤ - وعن ابن عباس، قال: أكل رسول الله ﷺ كتفاً ثم مسح يده بمسح كان تحته، ثم قام فصلي. رواه أبو داود، وابن ماجه. [٣٢٤]
ــ
الرجل حديثاً عمن لم يعاصره. وهو بين المحدثين علي أنواع، واصطلحوا في تسمية أنواعه، فمنه المرسل المطلق، وهو أن يقول التابعي: قال رسول الله كذا، ومنه قسم يسمى بالمنقطع، وهو غير الأول، ومنه قسم يسمى بالمعضل، وهو أن يكون بين المرسل إلي رسول الله أكثر من رجل.
((مظ)): اختلف العلماء في المسألة: قال أبو حنيفة: المس لا يبطل بدليل هذا الحديث، وقال الشافعي وأحمد: يبطل بلمس الأجنبيات، وهذا القول مروي عن عبد الله بن عمر، وابن مسعود. وعند مالك يبطل بالشهوة وإلا فلا.
الحديث الثاني عشر عن ابن عباس: قوله: ((بمسح)) وهو بكسر الميم الكساء والجمع أمساح، ومسوح. وفيه دليل علي أن كل ما مسته النار لا يبطل الوضوء وكذا الذي يليه.
стр. 337
٣٢٥ - وعن أم سلمة، أنها قالت: قربت إلي النبي ﷺ جنباً مشوياً فأكل منه، ثم قام إلي الصلاة ولم يتوضأ، رواه أحمد. [٣٢٥]
الفصل الثالث
٣٢٦ - وعن أبي رافع، قال: أشهد لقد كنت أشوي لرسول الله ﷺ بطن الشاة، ثم صلي ولم يتوضأ. رواه مسلم.
٣٢٧ - وعنه قال: أهديت له شاة، فجعلها في القدر، فدخل رسول الله ﷺ فقال: ((ما هذا يا أبا رافع؟)) فقال: شاة أهديت لنا يا رسول الله! فطبختها في القدر. قال: ((ناولني الذراع يا أبا رافع!))، فناولته الذراع. ثم قال: ((ناولني الذراع الآخر))، فناولته الذراع الآخر. ثم قال: ((ناولني الآخر)). فقال: يا رسول الله! إنما للشاة ذراعان. فقال له رسول الله ﷺ : ((أما إنك لو سكت لناولتني ذراعاً فذراعاً ما سكت)). ثم دعا بماء فتمضمض فاه، وغسل أطراف أصابعه، ثم قام فصلي، ثم عاد إليهم فوجد عندهم لحماً بارداً، فأكل، ثم دخل المسجد فصلي ولم يمس ماء. رواه أحمد. [٣٢٧].
ــ
الحديث الثالث عشر عن أم سلمة ظاهر.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن أبي رافع: قوله: ((بطن الشاة)) يعني الكبد وما معها من القلب وغيرهما. قوله: ((أشهد)) فيه معنى القسم، ولهذا أدخل اللام علي ((قد)) جواباً له، أي والله لقد كنت أشوي، وفيه دلالة علي إثبات هذه الدعوى عند الخلاف فيها بين الصحابة، وإنما ضمن الشهادة معنى القسم لأن الشهادة إخبار عن مواطأة القلب اللسان واعتقاد ثبوت المدعي.
الحديث الثاني عن أبي رافع: قوله: ((ذراعاً فذراعاً)) الفاء فيه للتعاقب كما في قوله: ((الأمثل
стр. 338
٣٢٨ - ورواه الدارمي عن أبي عبيد إلا أنه لم يذكر ((ثم دعا بماء)) إلي آخره. [٣٢٨]
٣٢٩ - وعن أنس بن مالك، قال: كنت أنا وأبي وأبو طلحة جلوساً، فأكلنا لحماً وخبزاً، ثم دعوت بوضوء، فقالا: لم تتوضأ؟ فقلت: لهذا الطعام الذي أكلنا. فقالا: أتتوضأ من الطيبات؟! لم يتوضأ منه من هو خير منك. رواه أحمد. [٣٢٩]
٣٣٠ - وعن ابن عمر، كان يقول: قبلة الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة. ومن قبل امرأته أو جسها بيده، فعليه الوضوء. رواه مالك والشافعي. [٣٣٠]
٣٣١ - وعن ابن مسعود، كان يقول: من قبلة الرجل امرأته الوضوء. رواه مالك.
ــ
فالأمثل)) و ((ما)) في ((ما سكت)) للمدة، المعنى ناولني، ذراعاً غب ذراع إلي ما لا نهاية له ما دمت ساكتاً، فلما نطقت انقطعت.
الحديث الثالث والرابع عن ابن عمر: قوله: ((وجسها)) ((نه)): التجسس التفتيش عن بواطن الأمور، وقوله: ((من الملامسة)) أي التي ذكرها الله تعالي في قوله سبحانه: ﴿أو لامستم النساء﴾. وقوله: ((ومن قبل)) إلي آخره، تفريع علي ما أصله من قبل، أي إذا كان التقبيل والجس من جملة الملامسة المنصوص عليها فيلزم أن يتوضأ من قبل أو جس. ولو كان بدل الواو في ((ومن قبل)) فاء لكان أظهر، إلا أن الرواية أفصح؛ لأنه أخبر عن القضيتين، وفوض الترتيب إلي ذهن السامع.
الحديث الخامس عن ابن مسعود: قوله: ((من قبلة الرجل)) أي يجب منها الوضوء، وفي تقديم الخبر علي المبتدأ المعرف إشعار بالخلاف، ورد علي من يقول: ليس حكم التقبيل والجس حكم سائر النواقض، فرد وقيل: ليس حكمه إلا كحكم تلك النواقض، فيكون من قصر القلب.
стр. 339
٣٣٢ - وعن ابن عمر، أن عمر بن الخطاب، ﵁، قال: إن القبلة من اللمس، فتوضؤوا منها. [٣٣٢].
٣٣٣ - وعن عمر بن عبد العزيز، عن تميم الداري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الوضوء من كل دم سائل)). رواهما الدارقطني، وقال: عمر بن عبد العزيز لم يسمع من تميم الداري ولا رآه، ويزيد بن خالد، ويزيد بن محمد مجهولان. [٣٣٣]
(٢) باب آداب الخلاء
الفصل الأول
٣٣٤ - عن أبي أيوب الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا)). متفق عليه.
قال الشيخ الإمام محيي السنة، ﵀: هذا الحديث في الصحراء؛ وأما في البنيان، فلا بأس لما روى:
ــ
باب [آداب] الخلاء
الفصل الأول
الحديث الأول عن أبي أيوب: قوله: ((إذا أتيتم الغائط)) [نه]: الغائط المطمئن من الأرض، ومنه قيل لموضع قضاء الحاجة الغائط؛ لأن العادة أن يقضى في المنخفض؛ لأنه أستر له، ثم اتسع فيه حتى صار يطلق علي النجو نفسه، أي البراز.
قوله: ((ولكن شرقوا)) ((مظ)): عند الشافعي استقبال القبلة واستدبارها غير محرم في البنيان، وعند أبي حنيفة يستوي الصحراء والبنيان في تحريم استقبال القبلة واستدبارها. ((حس)): في الحديث من الفقه النهي عن استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة، واختلف أهل العلم، فذهب جماعة إلي تعميم النهي، والتسوية في الصحراء والبنيان، وقالوا: قوله ﷺ : ((شرقوا أو غربوا)) هذا خطاب لأهل المدينة، ولمن كانت قبلته علي ذاك السمت، فأما من كانت قبلته إلي جهة المشرق أو المغرب فإنه ينحرف إلي الجنوب أو الشمال. وذهب جماعة من أهل العلم إلي أن النهي عن الاستقبال والاستدبار في الصحراء، فأما في البنيان فلا بأس بهما، وبه قال
стр. 340
٣٣٥ - عن عبد الله بن عمر، قال: ارتقيت فوق بيت حفصة لبعض حاجتي، فرأيت رسول الله ﷺ يقضي حاجته مستدبر القبلة مستقبل الشام- متفق عليه.
٣٣٦ - وعن سلمان، قال: نهانا- يعني رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم. رواه مسلم.
٣٣٧ - وعن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)). متفق عليه.
ــ
الشافعي وجماعة؛ لأن الصحراء لا تخلو عن مصل من ملك، أو إنسي، أو جني، فإذا قعد مستقبل القبلة أو مستدبرها ربما يع بصر مصل علي عورته، ونهي عن ذلك، وهذا المعنى مأمون في الأبنية، فإن الحشوش محضرة الشياطين.
الحديث الثاني عن سلمان: قوله: ((أو أن نستنجي)) ((فا)): الاستنجاء قطع النجاسة، من: نجوت الشجرة، وأنجاها واستنجاها، إذا قطعها من الأرض. و ((رجيع)) فعيل بمعنى مفعول، والمراد الروث أو العذرة؛ لأنه رجع أي رد من حال إلي أخرى، وكل مردود رجيع ((مظ)) النهي عن الاستنجاء نهي تنزيه وكراهة لا تحريم والاستنجاء بثلاثة أحجار واجب عند الشافعي وإن حصل النقاء بأقل منها، وعند أبي حنيفة النقاء متعين لا العدد ((خط)): سمى الرجيع رجيعاً لرجوعه عن حال الطهارة إلي النجاسة. وقال: لا يجوز الاستنجاء بعظم ميتة أو مذكاة، قيل: علة النهي لملاسة العظم، فلا يزيل النجاسة، وقيل: علته أنه يمكن مصه أو مضغه عند الحاجة، وقيل: لأن النبي ﷺ قال: ((إن العظم زاد إخوانكم من الجن)).
الحديث الثالث عن أنس: قوله: ((من الخبث)) ((حس)): الخبث- بضم الباء- جمع الخبيث، والخبائث جمع الخبيثة، يريد ذكران الشياطين وإناثهم. ويروى بسكون الباء، ويراد به الكفر، والخبائث الشياطين. وخص الخلاء لأن الشياطين تحضر الأخلية؛ لأنها يهجر فيها ذكر الله، وذكر هذا في الغريبين أيضاً. ((تو)): ((الخبث)) ساكنة الباء، فإنه مصدر خبث الشيء يخبث خبثاً. وفي إيراد الخطابي هذا اللفظ في جملة الألفاظ التي يرويها الرواة ملحونة نظر؛ لأن الخبيث إذا جمع يجوز أن تسكن الباء للتخفيف، كما يفعل في سبيل وسُبُل وسُبْل، ونظائرها من الجموع، وهذا الباب مستفيض في كلامهم غير نادر، ولا يسع أحداً مخالفته، إلا أن يزعم أن ترك التخفيف فيه أولي؛ لئلا تشتبه بالخبث الذي هو المصدر.
стр. 341
٣٣٨ - وعن ابن عباس، قال: مر النبي ﷺ بقبرين، فقال: ((إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير. أما أحدهما فكان لا يستتر من البول- وفي رواية لمسلم: لا يستنزه من البول-؛ وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة)) ثم أخذ جريدة رطبة، فشقها بنصفين، ثم غرز في كل قبر واحدة. قالوا: يا رسول الله! لم صنعت هذا؟ فقال: ((لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا)). متفق عليه.
ــ
الحديث الرابع عن ابن عباس: قوله: ((وما يعذبان في كبير)) ((حس)): معناه أنهما لا يعذبان في أمر يشق ويكبر عليهما الاحتراز عنه، فإنه لم يشق عليهما الاستتار عند البول، وترك النميمة، ولم يرد أن الأمر فيهما هين غير كبير في أمر الدين. ((نه)): وكيف لا يكون كبيرة وهما يعذبان فيه؟
قوله: ((لا يستتر)) روى في شرح السنة هذا الحديث في باب الاستتار عند قضاء الحاجة وقال: قال عبد الواحد الأعمش: ((كان لا [يستتر] من البول))، وفي رواية أخرى: [((وكان لا يستنتر))] وروى بعضهم: ((لم يكن يستنزه))، والاستنتار من البول كالاجتذاب مرة بعد أخرى، يعني الاستبراء، والنتر الجذب بالعنف. ((شف)): في الغريبين وفي الفائق والنهاية: يستنثر من البول بنون بين التائين من الاستنتار، ورووا هذا الحديث في باب النون مع التاء، وفي الغريبين: الاستنتار كالاجتذاب مرة بعد أخرى، يعني الاستبراء. قال الليث: النتر جذب فيه جفوة، هذا هو الذي يساعد عليه المعنى لا الاستتار، وعليه كلام الشيخ محيي الدين كما سيجيء [إيفاء].
((فا)): الجريدة السعفة التي جردت عنها الخوص أي قشرته، وكل شيء قشرته عن شيء فقد جردته. وقوله: ((لعله أن يخفف)) شبه لعل بعسى، وأتى بأن في خبره، قال المالكي: الرواية يخفف عنها علي التوحيد والتإنيث وهو ضمير النفس، فيجوز إعادة الضميرين في ((لعله)) و ((عنها)) إلي الميت باعتبار كونه إنساناً وكونه نفساً. ويجوز كون الهاء في ((لعله)) ضمير الشأن، وفي ((عنها)) للنفس، وجاز تفسير الشأن بأن وصلتها، مع أنها في تقدير مصدر؛ لأنها في حكم جملة لاشتمالها علي مسند ومسند إليه، ولذلك سدت مسد مطلوبي حسب وعسى، في نحو: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة﴾ وفي: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئاً﴾. ويجوز في قول الأخفش أن تكون ((أن)) زائدة مع كونها ناصبة كزيادة البار ومن، مع كونهما جارتين. ومن تفسير ضمير الشأن وصلتها: قول عمر- ﵁ ((فما هو إلا أن سمعت أن أبا بكر تلاها فعقرت وحتى ما تقلني رجلاي)).
стр. 342
ــ
أقول: لعل الظاهر أن يكون الضمير مبهماً يفسره ما بعده، كما في قوله تعالي: ﴿ما هي إلا حياتنا الدنيا﴾. قال صاحب الكشاف: هذا ضمير لا يعلم ما يعنى به إلا بما يتلوه من بيانه، وأصله إن الحياة إلا حياتنا الدنيا، ثم وضع هي موضع الحياة؛ لأن الخبر يدل عليها ويبينها. ومنه: هي النفس تتحمل ما حملت. والرواية بتثنية الضمير في ((عنهما)) لا تستدعي إلا هذا التأويل.
((مح)): ((بنصفين)) حال، والباء زائدة للتأكيد. وأما وضعه ﷺ الجريدتين علي القبر فقال العلماء: هو محمول علي أنه ﷺ سأل الشفاعة لهما فأجيب بالتخفيف عنهما إلي أن ييبسا. وقد ذكر مسلم في آخر الكتاب في الحديث الطويل حديث جابر: ((أن صاحبي القبرين أجيبت شفاعتي [فيهما])) أي برفع] ذلك عنهما ما دام القضيبان رطبين. وقيل: يحتمل أنه ﷺ كان يدعو لهما تلك المدة. وقيل: لكونهما يسبحان ما داما رطبين، وليس لليابس تسبيح، كذا مذهب كثيرين أو الأكثرين من المفسرين في قوله تعالي: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده﴾ قالوا: معناه وإن من شيء حي. ثم قالوا: معناه: وإن من شيء حي. ثم قالوا: حياة كل شيء بحسبه، فحياة الخشب ما لم ييبس، والحجر ما لم يقطع، وذهب المحققون من المفسرين وغيرهم إلي أنه علي عمومه، ثم اختلفوا هل يسبح حقيقة أم في دلالة علي الصانع، فيكون مسبحاً منزهاً بصورة حالية؟ والمحققون علي أنه يسبح حقيقة، وقد أخبر الله تعالي عنه في قوله: ﴿وإن منها لما يهبط من خشية الله﴾. وإذا كان العقل لا يحيل التمييز فيها، وجاء النص به وجب المصير إليه.
واستحب العلماء قراءة القرآن عند القبر لهذا الحديث؛ لأنه إذا كان يرجى التخفيف لتسبيح الجريد فبتلاوة القرآن أولي، وقد ذكر البخاري في صحيحه أن بريدة بن الحصيب الصحابي ﵁ أوصى أن يجعل في قبره جريدتان. ففيه أنه ﵁ تبرك بفعل مثل فعل النبي ﷺ ، وقد أنكر الخطابي ما يفعله الناس علي القبور من الأخواص ونحوها متعلقين بهذا الحديث، وقال: لا أصل له، ولا وجه له.
وأما فقه الباب ففيه إثبات عذاب القبر، وهو مذهب أهل الحق، وفيه نجاسة الأبوال. وفي الرواية الثانية: ((لا يستنزه من البول)) وهو غلط. وفيه تحريم النميمة؛ لأن المشي بالنميمة والسعي بالفساد من أقبح القبائح، لاسيما مع قوله ﷺ ((كان يمشي)) بلفظ ((كان)) لتي للحالة المستمرة غالباً. وفيه أيضاً أن عدم التنزه من البول يلزم منه بطلان الصلاة، وتركها كبيرة بلا شك. أقول: وممكن أن يقال: إن معرفة الحكمة من كونها ما داما رطبين يمنعان العذاب كمعرفة عدد الزبإنية في أنه تعالي هو المختص بها.
стр. 343
٣٣٩ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((اتقوا اللاعنين)). قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال: ((الذي يتخلي في طريق الناس أو في ظلهم)). رواه مسلم. [٣٣٩]
٣٤٠ - وعن أبي قتادة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء، وإذا أتى الخلاء، فلا يمس ذكره بيمينه، ولا يتمسح بيمينه)). متفق عليه.
٣٤١ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من توضأ فليستنثر، ومن استجمر فليوتر)). متفق عليه.
ــ
الحديث الخامس عن أبي هريرة: قوله: ((اتقوا اللاعنين)) ((حس)): معناه اتقوا الأمرين الجاليين اللعن، وذلك أن من فعلهما لعن وشتم. وفي حديث آخر في هذا الباب ((اتقوا الملاعن الثلاث)) وهي جمع ملعنة، وهي الفعلة التي تلعن فاعلها، كأنها مظنة اللعن ومعلمة له، كما يقال: ((الولد مبخلة مجبنة)) وأرض مأسدة.
قوله: ((الذي يتخلي)) المضاف محذوف أي تخلي الذي يتخلي أو عبر عن الفعل بفاعله، والمراد من ظلهم ما اختاروه نادياً ومقبلا.
الحديث السادس عن أبي قتادة: قوله: ((فلا يتنفس في الإناء)) لعل علة النهي تغير ما في الإناء به، ((ولا يتمسح)) أي لا [يستنجي]. فإن قيل: كيف يستنجي بالحجر، فإن أخذه بشماله والذكر بيمينه فقد مس ذكره، وهو منهي عنه، وكذلك العكس؟ قلنا: طريقه أن يأخذ الذكر بشماله، ويمسحه علي جدار أو حجر كبير بحيث لا يستعمل يمينه، لا في أخذ الذكر، ولا في الحجر، كذا في المظهر والأشرف. وأقول: من دخل الخلاء الأغلب أن يبتلي بما يخرج من السبيلين، فيكون النهي بمسح اليمين أي الاستنجاء بها مختصاً بالدبر، ونهي المس مختصاً بالقبل، ويعلم منه [أنه] إذا أخذ الحجر باليمين، ومسح بشماله ذكره عليه لم يكره.
الحديث السابع عن أبي هريرة: قوله: ((فليستنثر)) مضى شرحه. ((استجمر)) أي تمسح بالأحجار الصغار، والإيتار أن يتحراه وتراً ثلاثاً أو خمساً.
стр. 344
٣٤٢ - وعن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ يدخل الخلاء، فأحمل أنا وغلام إداوة من ماء وعنزة يستنجي بالماء)). متفق عليه
الفصل الثاني
٣٤٣ - عن أنس، قال: كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء نزع خاتمه. رواه أبو داود، والنسائي، والترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.
وقال أبو داود: هذا حديث منكر. وفي روايته: وضع بدل: نزع.
٣٤٤ - وعن جابر، قال: كان النبي ﷺ إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد. رواه أبو داود [٣٤٤]
٣٤٥ - وعن أبي موسى، قال: كنت مع النبي ﷺ ذات يوم
ــ
الحديث الثامن عن أنس: قوله: ((يدخل الخلاء)) الخلاء ممدود المتوضأ، لخلو الإنسان فيه، والإداوة المطهرة، والعنزة أطول من العصا وأقصر من الرمح فيها سنان، وحملها لأنه ﷺ كان يبعد بحيث لا يراه الناس دفعاً لضرر وغائلة، ولنبش الأرض الصلبة لئلا يرتد البول. و ((يستنجي بالماء)) أي يزيل النجوة والعذرة به، والنجوة ما ارتفع من الأرض، جعل كناية عن الحدث؛ لأن صاحب الحاجة يتستر بها، كما جعل الغائط- وهو المطمئن من الأرض- كناية عنه.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن أنس: قوله: ((نزع خاتمه)) وذلك لما كان عليه: ((محمد رسول الله)) وفيه دليل علي وجوب تنحيه المستنجي اسم الله، واسم رسوله، والقرآن.
الحديث الثاني عن جابر: قوله: ((البراز)) ((تو)): هو- بفتح الباء- اسم للفضاء الواسع، كنوا به عن حاجة الإنسان، يقال: ((تبرز)) إذا تغوط، وهما كنايتان حسنتان، يتعففون عما يفحش ذكره، صيانة للألسنة عما تصان عنه الأبصار. وكسر الباء فيه غلط؛ لأن البراز- بالكسر- مصدر: بارز في الحرب.
الحديث الثالث عن أبي موسى: قوله: ((أتى دمثاً)) ((فا)): دمث المكان دمثاً إذا لان وسهل. ((شف)): الارتياد افتعال من الردود، كالابتغاء من البغي، ومنه الرائد طالب المرعى،
стр. 345
فأراد أن يبول، فأتى دمثاً في أصل جدار، فبال. ثم قال: ((إذا أراد أحدكم أن يبول، فليرتد لبوله)). رواه أبو داود. [٣٤٥]
٣٤٦ - وعن أنس، قال: كان النبي ﷺ إذا أراد الحاجة لم يرفع ثوبه حتى يدون من الأرض. رواه الترمذي، وأبو داود، والدارمي. [٣٤٦]
٣٤٧ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنما أنا لكم مثل الوالد لولده، أعلمكم: إذا أتيتم الغائط، فلا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها، وأمر بثلاثة أحجار. ونهي عن الروث والرمة. ونهي أن يستطيب الرجل بيمينه. رواه ابن ماجه، والارمي. [٣٤٧]
ــ
يقال: راد الكلأ وارتاده. والمعنى فليطلب مكاناً مثل هذا، فحذف المفعول لدلالة الحال عليه. ((خط)): ويشبه أن يكون الجدار الذي قعد إليه جداراً عادياً غير مملوك لأحد؛ فإن البول يضر بأصل البناء، ويوهي أساسه، وهو صلوات الله عليه لا يفعل ذلك في ملك أحد إلا بإذنه، أو يكون قعوده متراخياً عن جذم البناء، فلا يصيبه البول فيضر به.
الحديث الرابع عن أنس: قوله: ((حتى يدنو من الأرض)) يستوي فهي الصحراء والبنيان؛ لأن رفع الثوب كشف للعورة، وهو لا يجوز إلا عند الحاجة، ولا ضرورة في الرفع قبل أن يقرب من الأرض.
الحديث الخامس عن أبي هريرة: قوله: ((إنما أنا لكم مثل الوالد)) ((خط)): هذا الكلام بسط للمخاطبين وتإنيس؛ لئلا يحتشموه، ولا يستحيوا عن مسألته فيما يعرض لهم من أمر دينهم، كما لا يستحي الولد عن مسئلة الوالد فيما عن وعرض له. وفي هذا بيان وجوب طاعة الآباء، وأن الواجب عليهم تأديب أولادهم، وتعليمهم ما يحتاجون إليه من أمر الدين. ((فا)): الرمة بمعنى الرميم، وهو العظم البالي، أو جمع رميم، كخليل وخلة، رم العظم إذا بلي. ((نه)): نهي عنها لأنها كانت ميتة وهي نجسة أو لأنه لملاسته لا يقلع النجاسة. ((حس)): تخصيص النهي
стр. 346
٣٤٨ - وعن عائشة، قالت: كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى. رواه أبو داود. [٣٤٨]
٣٤٩ - وعنها، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إذا ذهب أحدكم إلي الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن، فإنها تجزئ عنه)). رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والدارمي. [٣٤٩]
٣٥٠ - وعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام، فإنها زاد إخوانكم من الجن)). رواه الترمذي، والنسائي، إلا أنه لم يذكر: ((زاد إخوانكم من الجن)). [٣٥٠]
ــ
بهما يدل علي الاستنجاء يجوز بكل ما يقوم مقام الحجر في الإنقاء، وهو كل جامد طاهر قالع غير محترم، من مدر، وخشب، وخزف، وخرق. وسمي الاستنجاء استطابة لما فيه من إزالة النجاسة، وتطهير موضعها من البدن، والله أعلم.
الحديث السادس عن عائشة: قوله: ((كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى)) ((كانت)) بمعنى الاستمرار والعادة، و ((الأذى)) ما تستكرهه النفس الزكية، ومنه سمي المحيض أذى، فينبغي أن يفسر الطهور بما يقابله بما تستطيبه النفس الطاهرة، [فقولها]: ((لخلائه)) فيه إيماء إلي أن دخوله المسجد بالرجل اليمنى المضمن في قوله: ((لطهوره)). و ((ما)) في قوله: ((وما كان)) مجرور المحل عطف علي ((خلائه)) و ((كان)) تامة، و ((من)) بيان لـ ((ما)) هذا من آداب الله التي أدب بها حبيبه ونجيه وصفيه صلوات الله عليه.
الحديث الرابع عن عائشة: قوله: ((يستطيب)) بالرفع مستأنف علة للأمر، والباء الأولي للتعدية، والثانية للآلة، كما في قولك: ضربت بالسوط. وقوله: ((يجزئ)) أي يكفي ويغني عن الماء، وينوب عنه، ذكره عقب قوله: ((يستطيب)) أي يزيل النجاسة ويطهر موضعها؛ استطابة للنفوس بهذا الترخيص.
الحديث الخامس عن ابن مسعود: قوله: ((فإنه زاد إخوانكم من الجن)) فيه دليل علي أن الجن
стр. 347
٣٥١ - وعن رويفع بن ثابت، قال: قال لي رسول الله ﷺ : يا رويفع! لعل الحياة ستطول بك بعدي، فأخبر الناس أن من عقد لحيته، أو تقلد وتراً، أو استنجى برجيع دابة، أو عظم؛ فإن محمداً بريء منه)). رواه أبو داود [٣٥١].
ــ
مسلمون حيث سماهم إخواناً للمسلمين، وأنهم يأكلون. روى الحافظ أبو نعيم في دلائل النبوة قال ﷺ لابن مسعود في ليلة وفود الجن: ((أولئك جن نصيبين جاءوني فسألوني المتاع- والمتاع الزاد- فمتعتهم بكل عظم حائل أو روثة أو بعرة، قلت: وما يغني منهم ذلك؟ قال: إنهم لا يجدون عظماً إلا وجدوا عليه لحمه الذي كان عليه يوم أخذ، ولا روثة إلا وجدوا منها حبها الذي كان فيها يوم أكلت، فلا يستنج أحدكم بعظم ولا روثة)). فعلي هذا يعود الضمير في ((فإنه)) إلي الروث والعظام باعتبار المذكور، كما ورد في شرح السنة، وجامع الأصول، وبعض نسخ المصابيح، وفي بعضها وفي جامع الترمذي ((فإنها))، فالضمير للعظام، والروث تابع لها، وعليه قوله وتعالي: ﴿وإذا رأوا تارة أو لهواً﴾.
الحديث التاسع عن رويفع: قوله: ((ستطول بك)) الباء للإلصاق، والسين للتأكيد في الاستقبال، والفاء في ((فأخبر)) جزاء شرط محذوف، والتقدير لعل الحياة ستمتد ملتصقاً بك ومستمراً، فإذا طالت الحياة فأخبر. وفيه إظهار للمعجزة بإخباره عن الغيب من تغيير يحصل في الدين بعد القرن الأول، وأن هذه الأمور المذكورة مهتم بشأنها، ومن ثم عدل إلي الاسم المظهر من المضمر، حيث لم يقل: ((فإني بريء)) إظهاراً للموجدة والغضب.
قوله: ((من عقد)) ((فا)): قيل: هو معالجتها حتى تنعقد وتتجعد، من قولهم: جاء فلان عاقداً عنقه، إذا لواه تكبراً. وقيل: كانوا يعقدونها في الحروب، فأمرهم صلوات الله عليه بإرسالها، لما فيها من التأنث.
قوله: ((أو تقلد وتراً)) قال أبو عبيدة: الأشبه أنه نهي عن تقليد الخيل أوتار القسي لئلا تصيبها العين، أو مخافة اختناقها به، لاسيما عند شدة الركض. روى أنه صلوات الله عليه أمر بقطع الأوتار من أعناق الخيل تنبيهاً به علي أنها لا ترد شيئاً من قدر الله، وأن الله هو الصارف للبلايا، والحافظ عن المكاره.
الحديث العاشر عن أبي هريرة: قوله: ((من استجمر فليوتر)) في الاستجمار بالوتر إشارة إلي
стр. 348
٣٥٢ - وعن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من اكتحل فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج. ومن استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج. ومن أكل فما تخلل، فليلفظ، وما لاك بلسانه فليبتلع، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج. ومن أتى الغائط فليستتر، ومن لم يجد إلا أن يجمع كثيباً من رمل فليستدبره، فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج)). رواه أبو داود، وابن ماجة، والدارمي. [٣٥٢]
ــ
جواز الاستنجاء بأقل من ثلاثة كما هو مذهب الحنفية. ((خط)): المراد أن الاستجمار بالحجر خاصة ليس بعزيمة لا يجوز تركها إلي غيرها، لكنه إذا استنجى بالحجارة فليجعله وتراً، ثلاثاً أو خمساً، وإلا فلا حرج إن تركه إلي غيره. وقال أيضاً: في قوله: ((من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج)) دليل علي أن أمر النبي ﷺ يدل علي الوجوب وإلا لما كان يحتاج إلي بيان سقوط وجوبه بقوله: ((لا حرج)) أي لا إثم. وقال أيضاً: في قوله: ((فليوتر)) دليل علي وجوب الثلاث؛ لأنه من المعقول أنه صلوات الله عليه لم يرد به الوتر الذي هو واحد؛ لأنه زيادة صفة علي الاسم، ولا يحصل بأقل من واحد، فعلم أنه صلوات الله عليه قصد به ما زاد علي الواحد وأدناه الثلاث.
وأقول: لعله أراد أن الاستجمار هو إزالة النجاسة بالجمار، ولو أريد الفرد لقيل: فليستجمر بواحد. فلما عدل إلي الوتر علم أن المراد التنقية، وذلك لا يحصل بالواحد علي الغالب، فوجب الحمل علي الوصف الذي هو خلاف الشفع، ويحصل به النقاء، وأقله الثلاث. و ((ما)) في ((فما تخلل)) يجوز أن تكون شرطية، والجزاء ((فليلفظ))، والشرطية جزاء للشرط الأول، و ((مالاك فليبتلع)) عطف علي ((تخلل))، ويجوز أن تكون ((ما)) موصولة عطفاً علي ((أكل))، وخبره ((فليلفظ))، وأن يكون ((فليلفظ)) خبراً للموصول، والفاء لتضمنه معنى الشرط والجملة جزاء، والثاني أوجه.
((مظ)): وإنما قيل: ((فما تخلل فليلفظ، ومالاك فليبتلع)) لأنه ربما يخرج مع الخلال دم، ومالاك بلسانه أي أداره في الفم ومضغه مؤمن من خروج الدم للين اللسان، وإنما نفي الحرج من الخلال لأنه لم يتيقن خروج الدم معه، وإن تيقن حرم أكله.
قوله: ((فإن لم يجد إلا أن يجمع)) ((خط)): أمر النبي صلوات الله عليه بالتستر ما أمكن، وبأن لا يكون قعود الإنسان بحيث تقع عليه أبصار الناظرين فيهتك الستر، أو يهب عليه الريح
стр. 349
٣٥٣ - وعن عبد الله بن مغفل، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يبولن أحدكم في مستحمه، ثم يغتسل فيه، أو يتوضأ فيه، فإن عامة الوسواس منه)). رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي؛ إلا أنهما لم يذكرا: ((ثم يغتسل فيه، أو يتوضأ فيه)). [٣٥٣]
٣٥٤ - وعن عبد الله بن سرجس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يبولن أحدكم في جحر)). رواه أبو داود، والنسائي. [٣٥٤]
ــ
فيصيبه البلل فيتلوث ثيابه وبدنه، وكل ذلك من لعب الشيطان به، وقصده إياه بالفساد- انتهي كلامه. والاستثناء في ((إلا أن يجمع)) متصل، أي فإن لم يجد ما يستتر به إلا جمع كثيب من رمل فليجمعه ويستدبره. ومعنى التعليل في قوله: ((فإن الشيطان يلعب به إذا لم يستتر)) يمكنه من وسوسة الغير إلي النظر إلي مقعده.
الحديث الحادي عشر عن عبد الله بن مغفل: قوله: ((ثم يغتسل)) هو عطف علي الفعل المنهي، و ((ثم)) استبعادية، أي بعيد من العاقل الجمع بينهما، ويجوز فيه الرفع، والنصب، والجزم، وسيأتي توجيهه في الفصل الأول من باب أحكام المياه. ((خط)): هذا إذا كان المكان صلباً ولم يكن للبول مسلك، فيتوهم المغتسل أنه أصابه شيء من رشاشه، فإنه يورث عامة الوسواس.
الحديث الثاني عشر عن عبد الله: قوله: ((في جحر)) ((تو)): وجه النهي أن الجحر مأوى الهوام المؤذية وذوات السموم، فلا يؤمن أن يصيبه مضرة من قبل ذلك. ويقال: إن الذي يبول في الجحر يخشى عليه عادية الجن، وقد نقل أن سعد بن عبادة الخزرجي قتلته الجن، لأنه بال في جحر بأرض حوران. وروي في كتب الفقه أنه سمع من الجحر:
نحن قتلنا سيد الخز رج سعد بن عبادة
ورميناه بسهـ م فلم نخط فؤاده
والله أعلم بصحته.
стр. 350
٣٥٥ - وعن معاذ، قال: قال رسول الله ﷺ : ((اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل)). رواه أبو داود، وابن ماجة. [٣٥٥]
٣٥٦ - وعن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان، فإن الله يمقت علي ذلك)). رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجة. [٣٥٦]
٣٥٧ - وعن زيد بن أرقم، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن هذه الحشوش محتضرة، فإذا أتى أحدكم الخلاء، فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث)) رواه أبو داود، وابن ماجة. [٣٥٧]
ــ
الحديث الثالث عشر عن معاذ: قوله: ((اتقوا الملاعن)) مضى شرحه في الحديث الخامس من الفصل الأول. وقوله: ((في الموارد)) واحدها مورد، وهو مفعل من الورود، وهو الماء الذي يرد عليه الناس من عين أو نهر. و ((قارعة الطريق)) هي الطريق الواسعة التي يقرعها الناس بأرجلهم، أي يدقونها ويمرون عليها.
الحديث الرابع عشر عن أبي سعيد: قوله: ((يضربان)) الضرب في الأرض الذهاب فيها، والأصل فيه أن الذاهب في الأرض يضربها برجليه. ((تو)): يقال: ضربت الأرض إذا أتيت الخلاء، وضربت في الأرض إذا سافرت. وأقول: ((الغائط)) نصبه بنزع الخافض، أي للغائط، ويحتمل أن يكون ظرفاً، أي يضربون في الأرض المطمئنة للغائط، فحذف المفعول له لدلالة الظرف عليه، و ((يضربان، ويتحدثان)) صفتا ((الرجلان))؛ لأن التعريف فيه للجنس، أي رجلان من جنس الرجال، ويجوز أن يكونا خبرين لمبتدأ محذوف، أي هما يضربان ويتحدثان، استئنافاً أو حالاً علي بعد، و ((كاشفين)) حال مقدرة من ضمير ((يضربان))، ولو جعل حالاً من ضمير ((يتحدثان)) استئنافاً لم تكن مقدرة، وعلي التقادير النهي منصب علي المجموع.
((حس)): لا يذكر الله بلسانه علي قضاء الحاجة ولا في المجامعة، بل في النفس. قال أبو عمرو: سلم علي النبي صلوات الله عليه وهو يبول فلم يرد عليه. وإذا عطس في الخلاء يحمد الله في نفسه، قال الحسن، والشعبي، والنخعي.
الحديث الخامس عشر عن زيد: قوله: ((إن هذه الحشوش)) ((نه)): ((يعني الكنف، ومواضع قضاء
стр. 351
٣٥٨ - وعن علي، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا دخل أحدهم الخلاء أن يقول: بسم الله)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب، وإسناده ليس بقوي. [٣٥٨]
٣٥٩ - وعن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: ((غفرانك)). رواه الترمذي، وابن ماجه، والدارمي. [٣٥٩]
٣٦٠ - وعن أبي هريرة، قال: كان النبي ﷺ إذا أتى الخلاء أتيته بماء في تور أوركوة، فاستنجى، ثم مسح يده علي الأرض، ثم أتيته بإناء آخر، فتوضأ. رواه أبو داود، وروى الدارمي والنسائي معناه. [٣٦٠]
ــ
الحاجة، الواحد الحش- بالفتح- وأوصله من الحش البستان؛ لأنهم كانوا كثيراً ما يتغاطون في البساتين). ((ومحتضرة)) أي يحضرها الجن والشياطين.
الحديث السادس عشر عن علي ﵁: قوله: ((ستر)) مبتدأ، والخبر ((أن يقول))، و ((ما)) موصولة مضاف إليها، وصلتها الظرف.
الحديث السابع عشر عن عائشة: قوله: ((غفرانك)) ((تو)): الغفران مصدر كالمغفرة، والمعنى أسألك غفرانك، ذكر العلماء في تعقيبه ﷺ الخروج من المتوضى بهذا الدعاء وجهين: أحدهما أنه استغفر من الحالة التي اقتضت هجران ذكر الله تعالي، فإنه كان يذكر الله علي سائر أحواله إلا عند الحاجة، والآخر أنه وجد القوة البشرية قاصرة عن الوفاء بشكر ما أنعم الله عليه من تسويغ الطعام والشراب، وتقريره القوى المفطورات لمصلحة البدن، وترتيب الغذاء من حين التناول إلي أوان المخرج، فلجأ إلي الاستغفار اعترافاً بالقصور عن بلوغ حق تلك النعم.
الحديث الثامن عشر عن أبي هريرة: قوله: ((في تور)) التور إناء من صفر أو حجارة كالإجانة يتوضأ منه، و ((الركوة)) إناء صغير من جلد يشرب منه الماء، والجمع ركا.
стр. 352
٣٦١ - وعن الحكم بن سفيان، قال: كان النبي ﷺ إذا بال توضأ، ونضح فرجه. رواه أبو داود، والنسائي. [٣٦١]
٣٦٢ - وعن أميمة بنت رقيقة، قالت: كان للنبي ﷺ قدح من عيدان تحت سريره يبول فيه بالليل. رواه أبو داود والنسائي. [٣٦٢]
٣٦٣ - وعن عمر، قال: رإني النبي ﷺ وأنا أبول قائماً، فقال: ((يا عمر! لا تبل قائماً))، فما بلت قائماً بعد. رواه الترمذي، وابن ماجه.
قال الشيخ الإمام محيي السنة، ﵀: قد صح: [٣٦٣]
٣٦٤ - عن حذيفة، قال: أتى النبي ﷺ سباطة قوم، فبال قائماً. متفق عليه. قيل: كان ذلك لعذر.
ــ
الحديث التاسع عشر عن الحكم: قوله: ((ونضح)) ((نه)): الانتضاح بالماء هو أن يأخذ قليلاً منه فيرش به مذاكيره بعد الوضوء؛ لينفي عنه الوسواس، وقد نضح عنه الماء، ونضحه به إذا رشه عليه. ((تو)): قيل: إنه صلوات الله عليه كان يفعل ذلك قطعاً للوسوسة، وقد أجاره الله تعالي عن تسليط الشيطان، لكن يفعله تعليماً للأمة، أو يفعله ليرتد البول، ولا ينزل منه الشيء بعد الشيء.
الحديث العشرون عن أميمة: قوله: ((من عيدان)) ((الجوهري)): العود من الخشب، واحد العيدان والأعواد، وإنما جمعه اعتباراً للأجزاء كبرمة أعشار.
الحديث الحادي والعشرون عن عمر: قوله: ((لا تبل)) ((مظ)): علة النهي أنه تبدو العورة بحيث يراه الناس، ولأنه لا يأمن من رجوع البول إليه، وهذا نهي تنزيه.
الحديث الثاني والعشرون عن حذيفة: قوله: ((سباطة)) ((نه)): السباطة والكناسة الموضع الذي يرمي فيه التراب، والأوساخ، وما يكنس الناس من المنازل، وإضافتها إلي القوم إضافة تخصيص لا تمليك؛ لأنها كانت مواتاً سباخة. ((حس)): السباطة تكون في الأغلب مرتفعة عن
стр. 353
الفصل الثالث
٣٦٥ - عن عائشة، ﵂، قالت: من حدثكم أن النبي ﷺ كان يبول قائماً فلا تصدقوه؛ ما كان يبول إلا قاعداً. رواه أحمد، والترمذي، والنسائي. [٣٦٥]
٣٦٦ - وعن زيد بن حارثة، عن النبي ﷺ : أن جبريل أتاه في أول ما أوحي إليه، فعلمه الوضوء والصلاة، فلما فرغ من الوضوء، أخذ غرفة من الماء، فنضح بها فرجه)). رواه أحمد، والدراقطني.
٣٦٧ - وعن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((جاءني جبريل، فقال: يا محمد! إذا توضأت فانتضح)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب، وسمعت محمداً- يعني البخاري- يقول: الحسن بن علي الهاشمي الراوي منكر الحديث. [٣٦٧]
ــ
وجه الأرض، لا يرتد فيها البول علي البائل، وتكون سهلا. وقيل: إنه صلوات الله عليه لم يجد مكاناً للقعود، وقيل: كان برجله جرح لم يتمكن من القعود معه. قال الشافعي: كانت العرب تستشفي لوجع الصلب بالبول قائماً، فلعله كان به ذلك وإلا فالمعتاد من فعله البول قاعداً، وهو الاختيار.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن عائشة: قوله: ((ما كان يبول إلا قاعداً)) الحديث يؤيد ما ذكره أن بوله قائماً كان لعذر اضطره إليه.
الحديث الثاني سبق شرحه.
الحديث الثالث عن أبي هريرة: قوله: ((منكر الحديث)) قال ابن الصلاح: قيل: هو ما تفرد به من ليس ثقة ولا ضابطاً. قال البرديجي: هو الفرد الذي لا يعرف متنه من غير رواية، والصواب ما تقدم.
стр. 354
٣٦٨ - وعن عائشة، ﵂، قالت: بال رسول الله ﷺ فقام عمر خلفه بكوز من ماء، فقال: ((ما هذا ياعمر؟)) قال: ماء تتوضأ به. قال: ((ما أمرت كلما بلت أن أتوضأ، ولو فعلت لكانت سنة)). رواه أبو داود، وابن ماجه. [٣٦٨]
٣٦٩ - وعن أبي أيوب، وجابر، وأنس، أن هذه الآية لما نزلت: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا، والله يحب المتطهرين﴾، قال رسول الله ﷺ : ((يا معشر الأنصار! إن الله قد أثنى عليكم في الطهور، فما طهوركم؟)) قالوا: نتوضأ للصلاة، ونغتسل من الجنابة، ونستنجي بالماء. قال: ((فهو ذاك، فعليكموه)). رواه ابن ماجه [٣٦٩]
٣٧٠ - وعن سلمان، قال: قال بعض المشركين، وهو يستهزئ: إني لأرى صاحبكم يعلمكم حتى الخراءة. قلت: أجل! أمرنا أن لا نستقبل القبلة، ولا نستنجي بأيماننا، ولا نكتفي بدون ثلاثة أحجار ليس فيها رجيع ولا عظم. رواه مسلم، وأحمد واللفظ له.
ــ
الحديث الرابع عن عائشة: قوله: ((فقام عمر)) في الحديث إشعار بأنه ﷺ ما فعل أمراً ولا تكلم بشيء إلا بأمر الله، وأن سننه أيضاً مأمور بها وإن لم تكن فرضاً، وأنه كان يترك ما هو أولي به تخفيفاً علي الأمة، ورحمة عليهم، وأن الأمر مبني علي اليسر.
الحديث الخامس عن أبي أيوب: قوله: ((فيه)) الضمير راجع إلي مسجد قباء، وقيل: إلي مسجد المدينة، والتطهر: [بناء المبالغة] يحتمل التطهير التام ويحتمل التثليث، ولذلك أجابوا عن السؤال بقولهم: ((نتوضأ للصلاة، ونغتسل من الجنابة، ونستنجي بالماء)) ومحبتهم للتطهير أنهم يؤثرونه علي أنفسهم، ويحرصون عليه حرص المحب للشيء المشتهي له علي إيثاره، ومحبة الله إياهم أنه يرضي عنهم، ويحسن إليهم، كما يفعل المحب بمحبوبه.
قوله: ((فهو ذاك)) أي ثناء الله تعالي إثر تطهركم البالغ، و ((فعليكموه))، أي الزموا التطهير ولا تفارقوه.
الحديث السادس عن سلمان: قوله: ((حتى الخراءة)) ((مظ)): الخراءة مكسورة الخاء ممدودة- التخلي والقعود عند الحاجة، وأكثر الرواة يفتحون الخاء ويقصرونها. ((الجوهري)): هي بالفتح مصدر، وبالكسر اسم. وأما جواب سلمان فهو من باب الأسلوب الحكيم؛ لأن المشرك لما
стр. 355
٣٧١ - وعن عبد الرحمن بن حسنة، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده الدرقة فوضعها، ثم جلس فبال إليها. فقال بعضهم: انظروا إليه يبول كما تبول المرأة. فسمعه النبي ﷺ فقال: ((ويحك! أما علمت ما أصاب صاحب بني إسرائيل؟! كانوا إذا أصابهم البول قرضوه بالمقاريض، فنهاهم، فعذب في قبره)). رواه أبو داود وابن ماجه [٣٧١].
٣٧٢ - ورواه النسائي عنه عن أبي موسى.
٣٧٣ - وعن مروان الأصفر، قال: رأيت ابن عمر أناخ راحلته مستقبل القبلة، ثم جلس يبول إليها. فقلت: يا أبا عبد الرحمن! أليس قد نهي عن هذا؟ قال: بل
ــ
استهزأ كان من حقه أن يهدد، أو يسكت عن جوابه، لكنه ﵁ ما التفت إلي ما قال وما فعل من الاستهزاء، وأخرج الجواب مخرج المرشد الذي يلقن السائل المجد، يعني ليس هذا مكان الاستهزاء، بل هو جد وحق، فالواجب عليك أن تترك العناد، وتلزم الطريق المستقيم، والمنهج القويم، بتطهر ظاهرك وباطنك من الأرجاس والأنجاس. وقريب منه قوم صالح ﵇، سألوا مؤمنيهم مستهزئين: ﴿أتعلمون أن صالحاً مرسل﴾ أجابوا ﴿إنا بما أرسل به مؤمنون﴾ أي إرساله أمر معلوم مكشوف لا كلام فيه، وإنما الكلام في وجوب الإيمان به، فإنا آمنا به، وامتثلنا ما أمر به، وانتهينا عما نهي عنه. قوله: ((ليس فيها رجيع)) صفة مؤكدة لأحجار، مزيلة لتوهم متوهم أنها مجاز، أو واردة علي التغليب، وفيه استقصاء للإرشاد، ومبالغة للرد علي المشرك.
الحديث السابع عن عبد الرحمن: قوله: ((وفي يده الدرقة)) أي جعلها حائلاً بينه وبين الناس، وبال مستقبلاً إليها، ((الدرقة)) الترس إذا كان من جلود ليس فيه خشب ولا عقب. ((نه)): ((ويح)) كلمة تقال لمن ترحم وترفق به، يقال: ويح زيد، وويحاً له، وويح له. و ((قرضوه)) قطعوه، شبه نهي هذا المنافق عن الأمر بالمعروف عند المسلمين بنهي صاحب بني إسرائيل ما كان معروفاً عندهم وفي دينهم، والقصد فيه توبيخه وتهديده، وأنه من أصحاب النار، فلما عيره بالحياء وفعل النساء وبخه بالوقاحة، وأنه ينكر ما هو معروف بين رجال الله [من] الأمم السابقة واللاحقة.
الحديث الثامن عن مروان، والتاسع عن أنس، والعاشر عن ابن مسعود: قوله: ((حممه)) ((حس)): الحمم الفحم، وما أحرق من الخشب أو العظام ونحوهما، والاستنجاء به منهي؛ لأنه
следующие страницы →