Полный текст (3 308 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.
стр. 2941
وفي رواية الترمذي قال: رأي محمد ربه. قال: عكرمة قلتُ: أليس الله يقول:
ــ
واختلفوا أن نبينا ﷺ هل كلمه ربه ليلة الإسراء بغير واسطة أم لا؟.
فحكي عن الأشعري وقوم من المتكلمين أنه كلمه، وعزاه بعضهم إلى جعفر بن محمد وابن مسعود وابن عباس.
وكذلك اختلفوا في قوله تعالى: ﴿ثم دنا فتدلى﴾ فالأكثرون على أن هذا الدنو والتدلي مقسم ما بين جبريل والنبي ﷺ ، وعن ابن عباس والحسن ومحمد بن كعب وجعفر بن محمد وغيرهم رضي الله تعالى عنهم: أنه دنو من النبي ﷺ إلى ربه تعالى، أو من الله، والدنو والتدلي على هذا متأول ليس على وجهه، قال جعفر بن محمد: الدنو من الله لا حد له، ومن العباد بالحدود، فدنوه ﷺ من ربه عزو جل: قربه منه، وظهور عظيم منزلته لديه، وإشراق أنوار معرفته عليه، واطلاعه على أسرار ملكوته وغيبه بما لم يطلع عليه سواه، والدنو من الله تعالى، إظهار ذلك له وإيصال عظيم بره وفضله إليه، و ﴿قاب قوسين أو أدنى﴾ على هذا عبارة عن لطف المحل، وإيضاح المعرفة والإشراف على الحقيقة من نبينا ﷺ ، ومن الله إجابة الرغبة وإثابة المنزلة، ونحوه قوله ﷺ حكاية عن ربه: ((من تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا)) هذا آخر كلام القاضي عياض.
وأما صاحب التحرير فإنه اختار إثبات الرؤية، قال: والحجج في هذه المسألة وإن كانت كثيرة لكنا لانتمسك (إلا بالأقوى)، منها حديث ابن عباس ﵁: أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم والكلام لموسى، والرؤية لمحمد صلوات الله وسلامة عليهم أجمعين؟ والأصل في الباب حديث ابن عباس حبر الأمة والمرجوع إليه في المعضلات، وقد راجعه ابن عمر في هذه المسألة: هل رأي محمد ﷺ ربه، فأخبره أنه رآه، ولا يقدح في هذا حديث عائشة ﵂، لأن عائشة لم تخبر أنها سمعت من النبي ﷺ يقول: لم أر ربي، وإنما ذكرت ما ذكرت متأولة لقوله تعالى: ﴿ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا أو من وراء حجاب﴾ ولقوله: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ والصحابي إذا قال قولا وخالفه غيره منهم لم يكن قوله حجة، وإذا صحت الروايات عن ابن عباس في إثبات الرؤية وجب المصير إلى إثباتها فإنها ليست مما يدرك بالعقل ويؤخذ بالظن، وإنما يتلقى بالسماع ولا يستجيز أحد أن يظن بابن عباس أنه تكلم في هذا بالظن والاجتهاد، وقد قال عمر بن راشد حين ذكر اختلاف عائشة وابن عباس: ما عائشة عندنا بأعلم من ابن عباس، ثم إن ابن عباس أثبت شيئًا نفاه غيره، والمثبت مقدم على النافي. هذا كلام صاحب التحرير.
стр. 2942
﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾؟ قال: ويحك! ذاك إِذا تجلَّى بنوره الذي هو نوره، وقد رأي ربَّه مرَّتين.
ــ
وقال الشيخ محيي الدين النواوي: الحاصل أن الراجح عند أكثر العلماء أن رسول الله ﷺ رأي ربه بعيني رأسه ليلة الإسراء، وإثبات هذا ليس إلا بالسماع من رسول الله ﷺ ، وهذا مما لا ينبغي أن يشكك فيه، ثم إن عائشة لم تنف الرؤية بحديث، ولو كان معها حديث لذكرته، وإنما اعتمدت على الاستباط من الآيات، أما احتجاجها بقوله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ فجوابه أن الإدارك هو الإحاطة والله تعالى لا يحاط، فإذا ورد النص بنفي الإحاطة به لا يلزم منه نفي الرؤية بغير الإحاطة، وبقوله: ﴿ما كان لبشر أن يكلمه الله﴾ الآية فجوابه أنه لا يلزم من الرؤية وجود الكلام حال الرؤية، فيجوز وجود الرؤية من غير كلام، أو أنه عام مخصوص بما تقدم من الأدلة، وقال ابن عباس وعلى هذا معنى ﴿نزلة أخرى﴾ يعود إلى النبي ﷺ ، فقد كانت له عروجات في تلك الليلة لاستحطاط عدد الصلوات، وكل عرجة نزلة – تم كلامه.
وفي التفسير الكبير: واعلم أن النصوص وردت أن محمدًا ﷺ رأي ربه بفؤاده وجعل بصره في فؤاده، أو رآه ببصره وجهل فؤاده في بصره، وكيف لا ومذهب أهل السنة الرؤية بالإراءة لا بقدرة العبد فإذا حصل الله تعالى العلم بالشيء من طريق البصر كانت رؤية بالإراءة، وإن حصل من طريق القلب كان معرفة، والله تعالى قادر على أن يحصل العلم يخلق مدرك للعلوم في القلب، والمسألة مختلف فيها بين الصحابة، واختلاف الوقوع مما ينبيء عن الاتفاق على الجواز والله أعلم.
وروى السلمي عن جعفر بن محمد: أدناه منه حتى كان قاب قوسين، والدنو من الله تعالى لا حد له، والدنو من العبد بالحدود.
﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ قال: بلا واسطة فيما بينه وبينه سرا إلى قلبه لايعلم به أحد سواه بلا واسطة إلا في العقبى حتى يعطيه الشفاعة لأمته، ﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ أي كان ما كان وجرى ما جرى.
وذكر الشيخ أبو القاسم القشيري في مفاتيح الحجج: أخبر الله تعالى بقوله: ﴿فكان قاب قوسين أو أدنى﴾ أنه ﷺ بلغ من الرتبة والمنزلة والقدر الأعلى ما لا يفهم الخلق.
стр. 2943
ــ
ثم قال: ﴿أو أدنى﴾ أي حل فوق ذلك.
قال شيخنا شيخ الإسلام أبو حفص السهروردي قدس الله سره: ﴿ما زاغ البصر﴾ إخبار عن حالة صلوات الله تعالى وسلامه عليه بوصف خاص، وكأن ﴿ما زاغ البصر﴾ حاله في طرف الإعراض وفي طرف الإقبال، تلقى ما ورد عليه في مقام ﴿قاب قوسين﴾ بالروح والقلب ﴿وما طغى﴾ حاله في الفرار من الله تعالى حياء إلى مطاوي الانكسار لئلا تنبسط النفس.
وقال: فيه وجه آخر ألطف منه أنه ﴿ما زاغ البصر﴾ حيث لم يتخلف عن البصيرة ولم يتقاصر ﴿وما طغى﴾ لم تسبق البصيرة البصر فتجاوز حده وتتعدى مقامه، ولم يزل ﷺ مستجلسًا [حجاله في حقارة] أدب حاله حتى خرق حجب السماوات، فانصبت إليه أقسام القرب انصبابا، وانقشعت عنه الحجب حجابًا حجابًا، حتى استقام على صراط ﴿ما زغ البصر وما طغى﴾ فمر كالبرق الخاطف إلى مخدع الرمل واللطائف، وهذا غاية الأدب ونهاية الأرب.
وقال أبو العباس عن ابن عطاء: لم يره بطغيان ميل بل رآه على شرط اعتدال القوى.
وقال سهل بن عبد الله التستري: لم يرجع رسول الله ﷺ إلى شاهد نفسه ولا إلى مشاهدتها، وإنما كان مشاهدا بكليته لربه يشاهد ما يظهر عليه من الصفات التي أوجبت الثبوت في ذلك المحل.
وعن حقائق السلمي قال الصادق: لما قرب الحبيب إلى الحبيب بغاية القرب نالته غاية الهيبة، فلاطفه الحق بغاية اللطف لأنه لايحمل غاية الهيبة إلا غاية اللطف، وذلك قوله: ﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ أي كان ما كان وجرى ما جرى، قال الحبيب للحبيب ما يقول الحبيب لحبيبه، وألطف له إلطاف الحبيب لحبيبه، وأسر إليه ما يسر الحبيب إلى حبيبه، فأخفيا ولم يطلعا على سرهما أحدًا.
قال جعفر: لا يعلم ما رأي إلا الذي أرى، والذي رأي صار الحبيب إلى الحبيب قريبًا وله نجيا وبه أنيسًا، يرفع درجات من يشاء.
قال السلمي: ما كذب الفؤاد ما رأي البصر، وهو مشاهدة ربه كفاحًا ببصره وقلبه.
وقال ابن عطاء: ما اعتقد القلب خلاف ما رآه العين، وليس كل من رأي شيئًا مكن فؤاده من إدراكه، إذ العيان قد يظهر فيه فيضطرب السر عن حمل الوارد عليه، والرسول ﷺ محمول فيها فؤاده وعقله وحسه، وهذا يدل على صدق طويته وحمله فيما شوهد به والله أعلم.
стр. 2944
٥٦٦١ - وعن الشعبي، قال: لقيَ ابنُ عباس كعبًا بعرفة، سأله عن شيء، فكبَّر حتى جاوبته الجبال. فقال ابن عباس: إنا بنو هاشم فقال كعب: إنَّ الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى، فكلَّم موسى مرتين، ورآه محمد مرتين قال مسروقٌ: فدخلت على عائشة، فقلت: هل رأي محمدٌ ربَّه؟ فقالت: لقد تكلمت بشيءٍ قفَّ له شعري قلتُ: رويدًا، ثم قرأتُ ﴿لقد رأي من آيات ربه الكبرى﴾ فقالت: أين تذهب بك؟ إنما هو جبريل. من أخبرك أن محمدًا رأي ربه أو كتم شيئًا ممَّا أُمر به، أو يعلم الخمس التي قال الله تعالى: ﴿إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث﴾ فقد أعظم القرية، ولكنه رأي جبريل، لم يره في صورته إِلا مرَّتين: مرة
ــ
قوله: ((ذاك)) إذا تجلى بنوره [يعني دلَّت الآية على أنه تعالى لا تحيط به وبحقيقة ذاته حاسة الإبصار، هذا إذا تجلى بنوره] الذي هو نوره وظهر بصفة الجلال، وأما إذا تجلى بما يسعه نطاق البشرية من صفة الجمال فلا استبعاد إذن.
الحديث الثالث عن الشعبي:
قوله: ((حتى جاوبته الجبال)) صدى كأنه استعظم ما سأل عنه فكبر لذلك كذلك، ولعل ذلك السؤال سؤال رؤية الله تعالى كما سئلت عائشة ﵂: فقف لذلك شعرها.
وأما قوله: ((إنا بنو هاشم)) فبعث له على التسكين من ذلك الغيظ والتفكر في الجواب، يعني نحن بنو هاشم أهل علم ومعرفة فلا نسأل عما هو مستبعد غير واقع ومن ثمة لما تفكر قال: ((إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى عليهما الصلاة والسلام)) والله أعلم بحقيقته.
قوله: ((قف شعري)) أي قام من الفزع.
نه: ((رويدًا)) أي أمهل وتأن، وهو تصغير رود، يقال: أرود به إروادًا أي أرفق، ويقال: رويد زيد، ورويد زيدًا، وهي مصدر مضاف، وقد يكون صفة نحو ساروا سيرًا رويدًا، وهي من أسماء الأفعال المتعدية.
قوله: ((ثم قرأت ﴿لقد رأي من آيات ربه الكبرى﴾)) أي قرأت الآيات التي خاتمتها هذه، يدل عليه رواية مسلم: قلت لعائشة ﵂: فأين قوله تعالى: ﴿ثم دنى فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى﴾ الآيات؟.
قوله: ((أين تذهب بك؟)) أي أخطأت فيما فهمت من معنى الآية وذهبت إليه، فأسندت الإذهاب إلى الآية مجازًا.
стр. 2945
عند سدرة المنتهى، ومرَّة في أجياد، له ستُّمائة جناحٍ، قد سدَّ الأُفُقَ)). رواه الترمذي وروى الشيخان مع زيادة واختلاف وفي روايتهما: قال: قلت لعائشة: فأين قوله: ﴿ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى﴾؟ قالت: ذاك جبريل ﵇؛ كان يأتيه في صورة الرجل، وإنه أتاه هذه المرة في صورته التي هي صورته، فسدَّ الأفق. [٥٦٦١]
٥٦٦٢ - وعن ابن مسعود في قوله: ﴿فكان قاب قوسين أو أدنى﴾ وفي قوله: ﴿ما كذب الفؤاد ما رأي﴾ وفي قوله: ﴿رأي من آيات ربِّه الكبرى﴾ قال فيها كلِّها: رأي جبريل ﵇، له ستُّمائة جناحٍ. متفق عليه.
وفي رواية الترمذي قال: ﴿ما كذب الفؤاد مارأي﴾ قال: رأي رسول الله ﷺ جبريل في حلة من رفرف، قد ملأ ما بين السماءِ والأرض.
وله وللبخاري في قوله: ﴿لقد رأي من آيات ربِّه الكبرى﴾ قال: رأي رفرفًا أخضر، سد أفق السَّماء. [٥٦٦٢]
٥٦٦٣ - وسُئل مالك بن أنس عن قوله تعالى ﴿إلى ربها ناظرة﴾ فقيل: قومٌ يقولون: إلى ثوابه فقال مالك: كذبوا فأين هم عن قوله تعالى ﴿كلَاّ إنهم عن ربِّهم يومئذ لمحجوبون﴾؟ قال مالك: الناسُ ينظرون إلى الله يوم القيامة بأعيُنهم،
ــ
و ((أجياد)) موضع معروف بأسفل مكة من شعابها.
قوله: ((فتدلى)) أي تعلق عليه، ومنه تدلت الثمرة ودلى رجليه من السرير، والدوالي الثمار المعلقة.
و ((قاب قوسين)) مقدار قوسين، والقاب والقيب والقاد والقيد والقيس المقدار، وقد جاء التقدير بالقوس والرمح والسوط والزرع والباع والخطوة والشبر والفتر والأصبع.
وتقديره: وكان مقدار مسافة قربه [مثل قاب] قوسين، فحذفت هذه المضافات.
الحديث الرابع عن ابن مسعود ﵁:
قوله: ((من رفرف)) ((نه)): أي بساط، وقيل: فراش، ومنهم من يجعل الرفرف جمعًا واحده رفرفة، وجمع الرفرف رفارف.
стр. 2946
وقال: لو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة لم يعير الله الكفار بالحجاب فقال: ﴿كلَاّ إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾. رواه في ((شرح السنة)). [٥٦٦٣]
٥٦٦٤ - وعن جابر، عن النبي ﷺ : ((بينا أهلُ الجنة في نعيمهم، إذ سطعَ لهم نورٌ، فرفعوا رءوسهم، فإذا الربُّ قد أشرفَ عليهم من فوقهم، فقال السلام عليكم يا أهل الجنة! قال: وذلك قوله تعالى: ﴿سلامٌ قولاً من ربٍّ رحيم﴾. قال: فينظر إليهم وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ماداموا ينظرون إليه، حتى يحتجب عنهم ويبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم)) رواه ابن ماجه. [٥٦٦٤]
(٧) باب صفة النار وأهلها
الفصل الأول
٥٦٦٥ - عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: ((ناركم جزءٌ من سبعين جزءًا من نار جهنم)) قيل: يا رسول الله! إن كانت لكافية قال: ((فضلت عليهن بتسعة وستين جزءًا كلهنُّ مثلُ حرها)): متفق عليه. واللفظ للبخاري. وفي رواية مسلم: ((ناركم التي يوقد ابن آدم)). وفيها: ((عليها)) و ((كلها)) بدل: ((عليهن)). ((وكلهن)).
ــ
الحديث الخامس والسادس عن جابر ﵁: قوله: ((فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم)) هذا الاختصاص يؤيد ما ذهبنا إليه أن التقديم في قوله تعالى: ﴿إلى ربها ناظرة﴾ للاختصاص كما سبق في حديث ابن عمر ﵄ في أول الفصل الثاني.
باب صفة النار وأهلها
الفصل الأول
الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((إن كانت لكافية)) إن هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة، أي إن هذه النار لكافية في إحراق الكفار وعقوبة الفجار، فهلا اكتفي بها ولأي شيء زيدت في حرها؟.
стр. 2947
٥٦٦٦ - وعن ابن مسعود: قال: قال رسول الله ﷺ : ((يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها)). رواه مسلم.
٥٦٦٧ - وعن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن أهون أهل النار عذابًا من له نعلان وشراكان من نار، يغلى منهما دماغه كما يغلى المرجل، ما يُرى أن أحدًا أشدُّ منه عذابًا، وإنه لأهونهم عذابًا)). متفق عليه.
٥٦٦٨ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أهون أهل النار عذابًا أبو طالب، وهو منتعل بنعلين يغلى منهما دماغه)). رواه البخاري.
٥٦٦٩ - وعن أنسٍ، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال: يا بن آدم! هل رأيت خيرًا قط؟ هل مرَّ بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يارب! ويؤتى بأشد الناس بؤسًا في الدنيا من أهل الجنة، فيصبغ صبغة في الجنة، فيقال له: يا بن آدم! هل رأيت بؤسًا قط؟ وهل مرَّ بك شدةٌ قط؟ فيقول: لا والله، يارب! ما مرَّ بي بؤسٌ قطُّ، ولا رأيت شدَّة قطُّ)). رواه مسلم.
ــ
فإن قلت: كيف طابق قوله: ((فضلت عليهن)) جوابًا وقد علم من قوله: ((جزء من سبعين)) هذا التفضيل؟.
قلت: معناه المنع من الكفاية، أي لا بد من التفضيل لتمييز عذاب الله من عذاب الخلق، ولذلك أوثر النار على سائر أصناف العذاب زيادة في تنكيل عقوبة أعداء الله تعالى، وغضبًا شديدًا على مردة خلق الله من الجن والإنس.
قال الشيخ أبو حامل في الإحياء: اعلم أنك أخطأت في القياس، فإن نار الدنيا لا تناسب نار جهنم، ولكن لما كان أشد عذاب في الدنيا عذاب هذه النار عرف عذاب جهنم بها، وهيهات لو وجد أهل الجحيم مثل هذه النار لخاضوها هربا مما هم فيه.
الحديث الثاني إلى الخامس عن أنس ﵁: قوله: ((صبغة)) نه: أي يغمس في النار غمسة كما يغمس الثوب في الصبغ.
الحديث السادس عن أنس ﵁: قوله: ((لو أن لك ما في الأرض)) أي لو ثبت، لأن ((لو)) تقتضى الفعل الماضي، وإذا وقعت ((أن)) المفتوحة بعد ((لو)) كان حذف الفعل واجبًا، لأن ما في ((أن)) من معنى التحقيق والثبات منزل منزلة ذلك الفعل المحذوف.
стр. 2948
٥٦٧٠ - وعنه، عن النبي ﷺ قال: ((يقول الله لأهون أهل النار عذابًا يوم القيامة: لو أنَّ لك ما في الأرض من شيء أكنت تفتدى به؟ فيقول: نعم. فيقول: أردت منك أهون من هذا، وأنت في صلب آدم أن لا تشرك بي شيئًا، فأبيتَ إِلا أن تُشرك بى)) متفق عليه.
٥٦٧١ - وعن سمرة بن جندب، أنَّ النبي ﷺ قال: ((منهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه النار إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه النار إلى حُجزَتِهِ، ومنهم من تأخذه النار إلى تَرقُوته)). رواه مسلم.
ــ
قوله: ((أردت منك)) ظاهر هذا الحديث موافق لمذهب المعتزلة لأن المعنى أردت منك التوحيد فخالفت مرادى وأتيت بالشرك.
((مظ)): الإرادة هنا بمعنى الأمر، والفرق بين الإرادة والأمر أن ما يجرى في العالم لا محالة كائن بإرادته ومشيئته، وأما الأمر فقد يكون مخالفًا لإرادته ومشيئته.
أقول: الأظهر أن تحمل الإرادة هنا على أخذ الميثاق في قوله تعالى: ﴿وإذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم﴾ لقرينة قوله: ((وأنت في صلب آدم)) فقوله: ((أبيت إلا أن تشرك بي)) إشارة إلى قوله: ﴿أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل﴾ ويحمل الإباء هاهنا على نقض العهد.
قوله: ((إلا أن تشرك بي)) استثناء مفرغ وإنما حذف المستثنى منه مع أن كلامه موجب لأن في الإباء معنى الامتناع فيكون نفيًا، أي: ما اخترت إلا الشرك.
الحديث السابع عن سمرة ﵁: قوله: ((منهم من تأخذه النار)) أول الحديث في شرح السنة برواية أبي سعيد ﵁: ((إذا خلص المؤمنون من النار ...)) إلى قوله: ((فيأتونهم فيعرفونهم بصورهم لا تأكل النار صورهم)).
قوله: ((إلى ترقوته)) نه: هي العظم الذي بين نقرة النحر والعاتق، وهما ترقوتان من الجانبين، وزنها ((فعلوة)) بالفتح.
وفي الحديث بيان تفاوت العقوبات في الضعف والشدة لا أن بعضًا من الشخص معذب دون بعض، ويؤيده قوله في الحديث السابق: ((وهو منتعل بنعلين يغلى منهما دماغه)).
стр. 2949
٥٦٧٢ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما بين منكبي الكافر في النار مسيرةُ ثلاثة أيام للراكب المسرع)). وفي رواية: ((ضرس الكافر مثل أحدٍ، وغلظ جلده مسيرة ثلاث)). رواه مسلم.
وذكر حديث أبي هريرة: ((اشتكت النار إلى ربها)). في باب ((تعجيل الصلوات)).
الفصل الثاني
٥٦٧٣ - عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: ((أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة)). رواه الترمذي. [٥٦٧٣]
٥٦٧٤ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ضرسُ الكافر يوم القيامة مثل أحد، وفخذه مثل البيضاء، ومقعده من النار مسيرة ثلاث مثل الربذة)). رواه الترمذي. [٥٦٧٤]
ــ
الحديث الثامن عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((مسيرة ثلاثة)) هكذا هو في جامع الأصول وشرح السنة أنثه باعتبار الليالى.
((مح)): هذا كله لكونه أبلغ في إيلامه، وهو مقدور الله تعالى يجب الإيمان به لإخبار الصادق به.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((أوقد على النار)) هذا قريب من قوله تعالى: ﴿يوم يحمى عليها في نار جهنم﴾ أي أوقد الوقود فوق النار، أي النار ذات طبقات توقد كل طبقة فوق أخرى ومستعلية عليها.
الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((مثل البيضاء)) نه: هو اسم جبل.
و ((الربذة)) بالراء المهملة بعدها باء مفتوحة بعدهما ذال معجمة، قرية معروفة قرب المدينة.
قض: أي يزاد في مقدار أعضاء الكافر زيادة في تعذيبه بسبب زيادة المماسة للنار.
стр. 2950
٥٦٧٥ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعًا، وإن ضرسه مثل أحد، وإن مجلسه من جهنم ما بين مكة والمدينة)). رواه الترمذي. [٥٦٧٥]
٥٦٧٦ - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنَّ الكافر ليُسحب لسانه الفرسخ والفرسخين يتوطؤه الناس)). رواه أحمد، والترمذي، وقال هذا حديث غريب. [٥٦٧٦]
٥٦٧٧ - وعن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ قال: ((الصعود جبل من نار يُتصعدُ فيه سبعين خريفًا، ويهوى به كذلك فيه أبدًا)). رواه الترمذي. [٥٦٧٧]
٥٦٧٨ - وعنه، عن النبي ﷺ قال في قوله: ((كالمهل)) ((أي كعكر الزيت، فإذا قرب إلى وجهه سقطت فروة وجهه فيه)). رواه الترمذي. [٥٦٧٨]
٥٦٧٩ - وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال ((إن الحميم ليُصَبُّ على رءوسهم
ــ
الحديث الثالث والرابع عن أبي سعيد الخدري ﵁ قوله: ((الصعود)) التعريف فيه للعهد، والمشار إليه ما في قوله تعالى: ﴿سأرهقه صعودا﴾ أي سأغشيه عقبة شاقة المصعد.
قوله: ((فيه أبدًا)) فيه زيادة تأكيد، ومن أمثلة سيبويه في باب ما بينى فيه المستقر توكيدًا: عليك زيد حريص عليك، وفيك زيد راغب فيك.
الحديث الخامس عن أبي سعيد ﵁:
قوله: ((كعكر الزيت)) أي الدرن منه والدنس.
قوله: ((فروة وجهه)) أي جلدته، والأصل فيه فروة الرأس وهي جلدتها بما عليها من الشعر، فاستعارها من الرأس للوجه.
الحديث السادس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((حتى يخلص)) قض: يخلص إلى
стр. 2951
فينفذ الحميم، حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت ما في جوفه حتى يمرق من قدميه، وهو الصهر ثم يُعاد كما كان)). رواه الترمذي. [٥٦٧٩]
٥٦٨٠ - وعن أبي أُمامة، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿يسقى من ماء صديد يتجرعه﴾ قال: ((يقرب إلى فيه يكرهه، فإذا أدنى منه شوى وجهه، ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه قطع أمعاءه، حتى يَخْرج من دبره. يقول الله تعالى: ﴿وسُقُوا ماء حميمًا فقطع أمعاءهم﴾ ويقول: ﴿وإن يستغيثوا يغاثوا بماءٍ كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب﴾)). رواه الترمذي. [٥٦٨٠]
٥٦٨١ - وعن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال ((لسرادق النار أربعة جُدُرٍ، كثف كل جدار مسيرةُ أربعين سنة)). رواه الترمذي. [٥٦٨١]
٥٦٨٢ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لو أن دلوا من غساقٍ يُهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا)). رواه الترمذي. [٥٦٨٢]
ــ
جوفه أي يصل إليه ((فيسلت)) أي يذهب ويمر ((حتى يمرق)) أي يخرج، من مرق السهم إذا نفذ في الغرض وخرج منه.
و ((الصهر)) الإذابة، فيه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿يصهر به ما في بطونهم والجلود﴾.
الحديث السابع إلى التاسع عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((لسرادق النار)) روى بفتح اللام على أنه مبتدأ، وكسرها على أنه خبر، وهذا أظهر.
نه: السرادق كل ما أحاط بشيء من حائط أو مضرب أو خباء.
الحديث العاشر عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((من غساق)) نه: هو بالتخفيف والتشديد، ما يسيل من صديد أهل النار وغسالتهم، وقيل: ما يسيل من دموعهم، وقيل: هو الزمهرير.
((لأنتن)) أنتن الشيء إذا تغير وصار ذا نتن.
стр. 2952
٥٦٨٣ - وعن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية: ﴿اتقوا الله حق تقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون﴾. قال رسول الله ﷺ : ((لو أنَّ قطرةً من الزَّقُّرم قطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم فكيف بمن يكون طعامه؟!)) رواه الترمذي، وقال هذا حديث حسن صحيح. [٥٦٨٣]
٥٦٨٤ - وعن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: ﴿وهم فيها كالحون﴾ قال: ((تشويه النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته)). رواه الترمذي. [٥٦٨٤]
ــ
الحديث الحادي عشر عن ابن عباس ﵄: قوله: ((حق تقاته)) أي واجب تقواه وما يحق منها، وهو القيام بالمواجب واجتناب المحارم، أي بالغوا في التقوى حتى لا تتركوا من المستطاع منها شيئًا وهذا معنى قوله: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾.
وقوله: ﴿ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ تأكيد لهذا المعنى، أي لا تكونن على حال سوى حال الإسلام إذا أدرككم الموت، فمن واظب على هذه الحالة وداوم عليها مات مسلمًا، وسلم في الدنيا من الآفات، وفي الأخرة من العقوبات، ومن تقاعد عنها وقع في العذاب في الآخرة، ومن ثم أتبعه ﷺ بقوله: ((لو أن قطرة من الزقوم ..)) الحديث.
و ((الزقوم)) ما وصفه الله تعالى في كتابه العزيز فقال تعالى: ﴿إنها شجرة تخرج في أصل الحميم طلعها كأنه رءوس الشياطين﴾ وهو فعول من الزقم اللقم الشديد والشرب المفرط.
الحديث الثاني عشر عن أبي سعيد ﵁:
قوله: ((كالحون)) أي: عابسون حين تحترق وجوههم من النار.
قوله: ((فتقلص)) على صيغة المضارع، أي تتقلص ومعناه تنقبض.
الحديث الثالث عشر والرابع عشر من أبي الدرداء ﵁: قوله: ((فيعدل ماهم فيه)) أي مثله ومساويه في الألم.
стр. 2953
٥٦٨٥ - وعن أنس، عن النبي ﷺ قال: ((يأيها الناس! ابكوا فإن لم تستطيعوا فتباكوا، فإن أهل النار يبكون في النار حتى تسيل دموعهم في وجوههم، كأنها جداول، حتى تنقطع الدموع، فتسيل الدماء، فتقرح العيون، فلو أن سفنا أزجيت فيها لجرت)) رواه في ((شرح السنة)). [٥٦٨٥]
٥٦٨٦ - وعن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يُلقى على أهل النار الجوعُ، فيعدِلُ ماهم فيه من العذاب، فيستغيثون، فيغاثون بطعام من ضريع، لا يسمنُ ولا يغنى من جوع، فيستغيثون بالطعام، فيغاثون بطعام ذى غُصَّةٍ. فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغُصص في الدنيا بالشراب، فيستغيثون بالشراب فيرفع إليهم الحميم بكلاليب الحديد، فإذا دنت من وجوههم شوت وجوههم، فإذا دخلت بطونهم قطعت مافي بطونهم، فيقولون: ادعوا خزنة جهنم، فيقولون: ألم تكُ تأتيكم رسلكم بالبينات؟ قالوا: بلى. قالوا: فادعوا، وما دعاءُ الكافرين إلا في ضلال)) قال: ((فيقولون: ادعوا مالكًا، فيقولون: يا مالكُ! ليقض علينا ربُّكَ)) قال: ((فيجييهم إنكم ماكثونَ)). قال الأعمشُ: نبئتُ أنَّ بين دعائهم وإجابة مالك إياهُم ألف عامٍ. قال.
ــ
قوله: ((من ضريع)) هو نبت بالحجاز ذو شوك، يقال له: الشبرق.
وقوله: ((بطعام ذى غصة)) هو ما يتشبث في الحلق ولايسوغ فيه.
وقوله: ((فيذكرون)) يقتضى محذوفا، أي إذا أتوا بطعام ذى غصة فتناولوه وغصوا به فيذكرون.
قوله: ((ادعوا خزنة جهنم)) الظاهر أن ((خزنة)) ليس بمفعول لادعوا بل هو منادى ليطابق قوله تعالى: ﴿وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يومًا من العذاب﴾ وقوله ﴿ألم تك تأتيكم رسلكم بالبينات﴾ إلزام للحجة وتوبيخ وأنهم خلفوا وراءهم أوقات الدعاء والتضرع، وعطلوا الأسباب التي يستجيب الله لها الدعوات، قالوا: فادعوا أنتم فإنا لا نجتريء على ذلك، وليس قولهم: فادعوا، لرجاء المنفعة ولكن للدلالة على الخيية، وأن الملك المقرب إذا لم يسمع دعاؤه فكيف يسمع دعاء الكافرين؟ ولما أيسوا من دعاء خزنة جهنم لأجلهم وشفاعتهم لهم أيقنوا أن لاخلاص لهم ولا مناص من عذاب الله، فقالوا: ((يا مالك ادع
стр. 2954
((فيقولون: ادعوا ربكم، فلا أحدٌ خير من ربكم، فيقولون: ((ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قومًا ضالين ربنا أخرجنا منها فإن عُدنا فإنا ظالمون)) قال: ((فيجيبُهم: ﴿اخسئوا فيها ولاتكلمون﴾ قال ((فعند ذلك يئسوا من كل خير وعند ذلك بأخذون في الزفير والحسرة والويل)). قال عبد الله بن عبد الرحمن: والناسُ لا يرفعون هذا الحديث. رواه الترمذي. [٥٦٨٦]
٥٦٨٧ - وعن النعمان بن بشير، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقولُ: ((أنذرتكم النار، أنذرتكم النار)) فما زال يقولها، حتى لو كان في مقامى هذا سمعه أهل السوق، وحتى سقطت خميصةٌ كانت عليه عند رجليه. رواه الدارمي. [٥٦٨٧]
٥٦٨٨ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لو أن رصاصةً مثل هذه - وأشار إلى مثل الجمجمة - أرسلت من السماء إلى الأرض، وهي
ــ
ربك ليقض علينا)) أي سل ربك أن يقضي علينا، وهو من: قضى عليه إذا أماته.
و ((غلبت علينا شقوتنا)) أي ملكتنا، من قولك: غلبني فلان على كذا إذا أخذه منك وامتلكه.
والشقاوة: سوء العاقبة.
واخسئوا فيها: ذلوا وانزجروا كما تنزجر الكلاب إذا زجرت، يقال: خسأ الكلب وخسأ بنفسه.
﴿ولا تكلمون﴾ في رفع العذاب فإنه لا يرفع ولايخفف.
الحديث الخامس عشر عن النعمان ﵁: قوله: ((حتى لو كان في مقامي)) في الكلام حذف، أي قال الراوى: لم يزل يقول ويمد بها صوته ويتحرك حتى لو كان في مقامي هذا المكان كان الراوي فيه سمعه أهل السوق وحتى سقطت خميصته.
الحديث السادس عشر عن عبد الله ﵄: قوله: ((لو أن رصاصة)) تو: في سائر نسخ المصابيح ((رضراضة)) مكان ((رصاصة)) وهو غلط لم يوجد في جامع الترمذي، ولعل الغلط وقع من غيره، ((والرصاصة)) القطعة من الرصاص.
((وأشار إلى مثل الجمجمة)) تشبيهًا بحجمها وتنبيها على تدور شكلها، بين مدى قعر جهنم بأبلغ ما يمكن من البيان، فإن الرصاص من الجواهر الرزينة، والجوهر كلما كان أتم رزانة كان
стр. 2955
مسيرة خمسمائة سنة، لبلغت الأرض قبل الليل، ولو أنها أرسلت من رأس السلسلة، لسارت أربعين خريفًا الليل والنهار قبل أن تبلغ أصلها أو قعرها)). رواه الترمذي. [٥٦٨٨]
٥٦٨٩ - وعن أبي بُردة، عن أبيه، أن النبي ﷺ قال: ((إن في جهنم لواديًا يقال له: هبهب، يسكنه كل جبار)). رواه الدارمي. [٥٦٨٩]
الفصل الثالث
٥٦٩٠ - عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ، قال: ((يعظم أهل النار في النار حتى إنَّ بين شحمة أذن أحدهم إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عامٍ، وإنَّ غلظ جلدِه سبعونَ ذراعًا، وإنَّ ضرسه مثل أحدٍ)). [٥٦٩٠]
ــ
أسرع هبوطًا إلى مستقره لاسيما إذا انضم إلى رزانته كبر جرمه، ثم قدره على الشكل الكروي فإنه أقوى انحدارًا. وأبلغ مرورًا في الجو.
أقول: قوله: ((قبل أن تبلغ أصلها)) متعلق بمحذوف، أي سارت الرصاصة ومضى أربعون خريفًا قبل أن تبلغ الرصاصة إلى أصل السلسلة وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿في سلسلة ذرعها سبعون ذراعًا﴾ والمراد بالعدد الكثرة.
وإذا روى: ((أو قعرها)) يراد به قعر جهنم لأن السلسلة لا قعر لها، والله أعلم.
الحديث السابع عشر عن أبي بردة ﵁:
قوله: ((هبهب)) نه: الهبهب السريع، وهبهب السراب إذا ترقوق.
الجوهري: هبهبته إذا دعوته لينزو، والهبهبي الراعي.
تو: سمى بذلك إما لسرعة وقوعه في المجرمين، أو لشدة أجيج النار فيه أو للمعانه عند الاضطرام والالتهاب.
стр. 2956
٥٦٩١ - وعن عبد الله بن الحارث بن جزء، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنَّ في النار حيَّات كأمثال البُخت تلسع إحداهن اللسعة فيجد حموتها أربعين خريفًا، وإن في النار عقارب كأمثال البغال المؤكفة، تلسع إحداهن اللسعة فيجد حموتها أربعين خريفًا)). رواه أحمد. [٥٦٩١]
٥٦٩٢ - وعن الحسن، قال: حدثنا أبو هريرة، عن رسول الله ﷺ ، قال: ((الشمس والقمر ثوران مكوران في النار يوم القيامة)). فقال الحسن، وما ذنبهما؟ فقال: أحدثك عن رسول الله ﷺ ! فسكت الحسن. رواه البيهقي في ((كتاب البعث والنشور)). [٥٦٩٢]
٥٦٩٣ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يدخل النار إلا شقي)). قيل: يا رسول الله! ومن الشقي؟ قال: ((من لم يعمل لله بطاعةٍ، ولم يترك له معصيةً)). رواه ابن ماجه. [٥٦٩٣]
ــ
الفصل الثالث
الحديث الأول إلى الثالث: عن الحسن.
قوله: ((مكوران)) هو من طعنة فكوره إذا ألقاه، أي يلقى ويطرح كل منهما عن فلكهما.
قوله: ((أحدثك عن رسول الله ﷺ ) أي تقابل النص الجلي بالقياس وتجعل موجب دخول النار العمل، فإن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁:
قوله: ((بطاعة)) الباء فيه زائدة، وكذا في قوله: ((بمعصية)) وبناء المرة فيهما مع التنكير للتقليل، وزيادة الباء للتيأكيد يدل على ترجيح جانب الرحمة، وأن الله لا يضيع أجر من عمل له طاعة ما، أو ترك لأجله ولخوفه معصية ما، نحو قوله تعالى: ﴿وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى﴾.
стр. 2957
(٨) باب خلق الجنة والنار
الفصل الأول
٥٦٩٤ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((تحاجت الجنة والنار فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: فما لي لايدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وغرتهم. قال الله تعالى للجنة: إنما أنت رحمتي ارحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما النار فلا تمتليء حتى يضع الله رجله. تقول: قط قط قط. فهنالك تمتليء ويزوى بعضها إلى بعض، فلا يظلم الله من خلقه أحدًا، وأما الجنة فإن الله ينشيء لها خلقًا)) متفق عليه.
ــ
باب خلق الجنة والنار
الفصل الأول
الحديث الأول والثاني عن أبي هريرة ﵁:
قوله: ((تحاجت الجنة والنار)) نه: يقال: حاججته حجاجًا ومحاجة فأنا محاج أي غالبته فالحجة عليه، ومنه الحديث: ((فحج آدم موسى)) أي غلبة بالحجة - انتهى كلامه -.
والحديث لا يحمل على هذا لأن كل واحدة منهما ليست بغالبة على الأخرى فيما تكلمت به بل لمجرد حكاية ما اختصت به، وفيها شائبة من معنى الشكاية، ألا ترى كيف قال الله تعالى للجنة: ((إنما أنت رحمتي)) وللنار: ((إنما أنت عذابي)) فأفحم كلا منهما بما تقتضيه مشيئته.
وهذه المحاجة جارية على التحقيق فإنه تعالى قادر على أن يجعل كل واحدة منهما مميزة مخاطبة، أو على التمثيل.
و ((سقطهم)) أي أرداءهم.
((وغرتهم)) بغين معجمة مكسورة، أي من ليس لهم حذق في أمور الدنيا.
((حس)): سمى الجنة رحمة لأن بها تظهر رحمة الله تعالى كما قال: ((أرحم بك من أشاء)) وإلا فرحمة الله من صفاته التي لم يزل بها موصوفًا، ليس لله تعالى صفة حادثة ولا اسم حادث فهو قديم بجميع أسمائه وصفاته ﷻ وتقدست أسماؤه، والقدم والرجل المذكوران في هذا الحديث من صفات الله تعالى المنزهة عن التكييف والتشبيه، وكذلك كل
стр. 2958
٥٦٩٥ - وعن أنس، عن النبي ﷺ قال: ((لا تزال جهنم يُلقى فيها وتقولُ: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض، فتقول: قط قط، بعزتك وكرمك، ولايزال في الجنة فضلٌ حتى ينشيء الله لها خلقًا فيسكنهم فضل الجنة)). متفق عليه. وذكر حديث أنس: ((حفت الجنة بالمكاره)) في ((كتاب الرقاق)).
الفصل الثاني
٥٦٩٦ - عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: ((لما خلق الله الجنة قال
ــ
ما جاء من هذا القبيل في الكتاب والسنة كاليد والأصبع والعين والمجيء والإتيان والنزول، فالايمان بها فرض، والامتناع عن الخوض فيها واجب، فالمهتدي من سلك فيها طريق التسليم، والخائض فيها زائغ، والمنكر معطل، والمكيف مشبه، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾.
قوله: ((قط قط)) أي حسبي.
((مح)): فيه ثلاث لغات، بإسكان الطاء فيهما، وبكسرها منونة وغير منونة.
((ويزوي بعضها إلى بعض)) أي يضم بعضها إلى بعض ويجمع.
وقوله: ((وأما الجنة)) أما التفصيلية تقتضي متعددًا وقرينتها قوله: ((فلا يظلم الله من خلقه)). يعني أما النار فيضع الله رجله فتمتليء، ولا ينشيء لها خلقًا فلا يظلم الله من خلقه أحدًا لم يعمل سوءا، وأما الجنة فينشيء لها خلقًا لم يعمل خيرًا، حتى تمتليء، فإن الله متفضل على عباده بغير عمل منهم فالله أعلم بحقائق الأمور. ((مح)): وأما الجنة فإن الله ينشيء لها خلقا.
هذا دليل لأهل السنة على أن الثواب ليس متوقفًا على الأعمال، فإن هؤلاء يخلقون حينئذ ويعطون الجنة بغير عمل - انتهى كلامه.
وللمعتزلة أن يقولوا: إن نفي الظلم عمن لم يذنب دليل على أنه إن عذبهم كان ظلمًا وهو عين مذهبنا.
والجواب: إنا وإن قلنا: إنه تعالى وإن عذبهم لم يكن ظالما فإنه لم يتصرف في ملك غيره، لكنه تعالى لا يفعل ذلك لكرمه ولطفه مبالغة في نفي الظلم وإثبات للكرم.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁:
стр. 2959
لجبريل: اذهب فانظر إليها، نذهب فنظر إليها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها، ثم جاء فقال: أي رب! وعزتك لايسمع بها أحدٌ إلا دخلها، ثم حفها بالمكاره، ثم قال: يا جبريل! اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها، ثم جاء فقال: أي رب! وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحدٌ)). قال: ((فلما خلق الله النار قال: يا جبريل! اذهب فانظر إليها، قال: ((فذهب فنظر إليها، ثم جاء فقال: أي رب! وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها، فحفها بالشهوات، ثم قال: يا جبريل! اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها، فقال: أي رب! وعزتك لقد خشيت أن لا يبقى أحد إلا دخلها)). رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي. [٥٦٩٦]
الفصل الثالث
٥٦٩٧ - عن أنسٍ، أن رسول الله ﷺ صلى لنا يومًا الصلاة، ثم رقى المنبر، فأشار بيده قبل قبلة المسجد، فقال: ((قد أريتُ الآن مذ صليتُ لكم الصلاة الجنة والنار ممثلتين في قبل هذا الجدار، فلم أر كاليوم في الخير والشر)). رواه البخاري.
ــ
قوله: ((لا يسمع بها أحد إلا دخلها)) أي طمع في دخولها، ولا يهتم إلا بشأنها لحسنها وبهجتها.
وقوله: ((لقد خشيت أن لا يدخلها أحد)) أي لوجود المكاره من التكاليف الشاقة ومخالفة هوى النفس وكسر الشهوات، وقوله: ((لا يسمع بها أحد فيدخلها)) أي لا يسمع بها أحد إلا فزع منها واحترز فلا يدخلها.
الفصل الثالث
الحديث الأول: عن أنس ﵁: قوله: ((كاليوم)) الكاف في موضع الحال، وذو الحال المفعول به وهو الجنة والنار لشهادة السابق، والمعنى لم أر الجنة والنار في الخير والشر يومًا من الأيام مثل ما رأيت اليوم، أي رأيتهما رؤية جلية ظاهرة مثلتا في قبل هذا الجدار ظاهرًا خيرها وشرها، ونحوه قول الشاعر:
حتى إذا الكلاب قال لها كاليوم مطلوبًا ولا طالبًا
стр. 2960
(٩) باب بدء الخلق وذكر الأنبياء
عليهم الصلاة والسلام
الفصل الأول
٥٦٩٨ - عن عمران بن حصين، قال: إنى كنت عند رسول الله ﷺ إذ جاءه قوم من بني تميم، فقال: ((اقبلوا البشرى يابني تميم!)) قالوا: بشرتنا فأعطنا، فدخل ناس من أهل اليمن، فقال: ((اقبلوا البشرى يا أهل اليمن! إذ لم يقبلها بنو تميم)). قالوا: قبلنا، جئناك لنتفقه في الدين، ولنسألك عن أول هذا الأمر ما كان؟ قال: ((كان
ــ
باب
بدء الخلق وذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
الفصل الأول
الحديث الأول عن عمران ﵁: قوله: ((إذ جاءه قوم)) أي وقت مجيئهم.
قوله: ((اقبلوا البشرى يابني تميم)) أي اقبلوا مني ما يقتضي أن تبشروا بالجنة من التفقه في الدين والعمل به، ولما لم يكن جل اهتماهم إلا بشأن الدنيا والاستعطاء دون دينهم قالوا: ((بشرتنا فأعطنا)) أي بشرتنا بالتفقه وإنما جئنا للاستعطاء فأعطنا فالفاء فصيحة، ومن ثم قال رسول الله ﷺ : ((إذ لم يقبلها بنو تميم)).
قوله: ((عن أول هذا الأمر)) أي مبدأ العالم.
و ((ما)) في ((ما كان)) استفهامية، أي: أي شيء كان أول الأمر؟ كرر السؤال لمزيد الاهتمام، وإنما تحسر الراوي بقوله: ((لوددت)) لأنه ظفر بالسؤال ولم يفز بالأول من التفقه في الدين.
قوله: ((ولم يكن شيء قبله)) حال، كما في قول الحماسي.
مشينا مشية الليث غدا والليث غضبان
وعلى مذهب الكوفي خبر، والمعنى يساعده إذ التقدير: كان الله في الأزل متفردًا متوحدًا، وهو مذهب الأخفش فإنه جوز دخول الواو في خبر كان وأخواتها نحو: ((كان زيد وأبوه قائم)) على جعل الجملة خبرًا مع الواو تشبيها للخبر بالحال.
стр. 2961
الله ولم يكن شيء قبلة، وكان عرشُه على الماء، ثمَّ خلقَ السماواتِ والأرضَ، وكتبَ في الذكر كل شيء)) ثم أتاني رجلٌ فقال: يا عمرانُ! أدرك ناقتكَ فقد ذهبت، فانطلقت أطلبها، وايم الله لوددت أنَّها قد ذهبت ولم أقُم رواه البخاري.
ــ
((تو)): هذا فصل مستقل بنفسه لا امتزاج له بالفصل الثاني وهو قوله: ﴿وكان عرشه على الماء﴾ لما بين الفصلين من المنافاة، فإنك إذا جعلت ﴿وكان عرشه على الماء﴾ من تمام القول الأول فقد ناقضت الأول بالثاني، لأن القديم من لم يسبقه شيء ولم يعارضه في الأولية، وقد أشار بقوله: ﴿وكان عرشه على الماء﴾ إلى أنهما كانا مبدأ التكوين، وأنهما كانا مخلوقين قبل السماوات والأرض، ولم يكن تحت العرش قبل السماوات والأرض إلا الماء، وكيفما كان فالله خالق ذلك كله وممسكه بقوته وقدرته.
أقول: أراد الشيخ بما قال أن المعطوف عليه مقيد بقوله: ولم يكن قبله شيء)) فلو جعل المعطوف غير مستقل لزم المحذور، فإذا جعل مستقلا ويعطف الثانية على الأولى من حيث الجملية فلا، فإذن لفظة ((كان)) في الموضعين بحسب حال مدخولها فالمراد بالأول الأزلية والقدم، وبالثاني الحدوث بعد العدم.
غب: ((كان)) عبارة عما مضى من الزمان وفي كثير من وصف الله تنبيء عن معنى الأزلية، قال الله تعالى: ﴿وكان الله بكل شيء عليما﴾ وما استعمل منه في جنس الشيء متعلقًا بوصف له موجود فيه فتنبيه على أن ذلك الوصف لازم له قليل الانفكاك منه، قال الله تعالى: ﴿وكان الشيطان للإنسان خذولا﴾ ولا فرق بين أن يكون الزمان المستعمل فيه ((كان)) قد تقدم تقدمًا كبيرًا، وبين أن يكون في زمان قد تقدم بآن واحد على الوقت الذي استعملت فيه ((كان)) كقوله تعالى: ﴿كيف نكلم من كان في المهد صبيا﴾ - انتهى كلامه -.
ومما يدل على صحة قولنا: وبالثاني الحدوث بعد العدم، ما ورد في الفصل الثاني من النص القاطع: ((كان في عماء ما تحته ماء وما فوقه هواء وخلق عرشه على الماء)) فالحاصل أن عطف قوله: ((وكان عرشه على الماء)) على قوله: ((كان الله ولم يكن قبله شيء)) من باب الإخبار عن حصول الجملتين في الوجود، وتفويض الترتيب إلى الذهن فالواو فيه بمنزلة ثم، وقد سبق في باب الإيمان بالقدر مزيد تقرير وشرح لهذا الكلام
стр. 2962
٥٦٩٩ - وعن عمر، قال: قام فينا رسول الله ﷺ مقامًا، فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم، وأهل النار منازلهم، حفظ ذلك من حفظه، ونسيه من نسيه رواه البخاري.
٥٧٠٠ - وعن أبي هريرة، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقولُ: ((إنَّ الله تعالى كتب كتابًا قبلَ أن يخلق الخلق: إنَّ رحمتي سبقَت غضبي؛ فهو مكتوبٌ عنده فوق العرش)) متفق عليه.
ــ
الحديث الثاني عن عمر ﵁: قوله: ((حتى دخل أهل الجنة)) غاية أخبرنا أي أخبرنا مبتدئا من بدء الخلق حتى انتهى إلى وصول أهل الجنة الجنة، ووضع الماضي موضع المضارع للتحقيق المستفاد من قول الصادق الأمين ﷺ .
الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((كتب كتابًا)) تو: يحتمل أن يكون المراد بالكتاب اللوح المحفوظ، ويكون معنى قوله: ((فهو مكتوب عنده)) أي فعلم ذلك عنده، ويحتمل أن يكون المراد القضاء الذي قضاه وعلى الوجهين، فإن قوله: ((فهو مكتوب عنده فوق العرش)) تنبيه على كينونته مكنونا على سائر الخلائق، مرفوعًا عن حيز الإدراك، ولا تعلق بهذا القول بما يقع في النفوس من التصورات، تعالى الله عن صفات المحدثات، فإنه هو المباين عن جميع خلقه المتسلط على كل شيء بقهره وقدرته، وفي سبق الرحمة بيان أن قسط الخلق منها أكبر من قسطهم من الغضب، وأنها تنالهم من غير استحقاق، وأن الغضب لا ينالهم إلا بالاستحقاق، ألا ترى أنها تشمل الإنسان جنينًا ورضيعًا وفطيمًا وناشئًا من غير أن تصدر منه طاعة استوجب بها ذلك، ولا يلحقه الغضب إلا بما يصدر عنه من المخالفات ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم﴾ فالحمد لله على ما ساق إلينا من النعم قبل استحقاقنا.
مح: غضب الله تعالى ورضاه يرجعان إلى إثابة المطيع وعقاب العاصي، والمراد بالسبق هنا وبالغلبة في أخرى كثرة الرحمة وشمولها، كما يقال: غلب على فلان الكرم والشجاعة، إذا كثرا منه.
أقول: قوله: ((إن رحمتي سبقت غضبي)) يحتمل أن تكون ((أن)) مفتوحة بدلا من ((كتابا)) أو مكسورة حكاية لمضمون الكتاب، وهو على وزان قوله تعالى: ﴿كتب على نفسه الرحمة﴾
стр. 2963
٥٧٠١ - وعن عائشة، عن رسول الله ﷺ قال: ((خُلقت الملائكة من نور، وخُلقَ الجان من مارج من نار، وخُلقَ آدمُ مما وصف لكم)). رواه مسلم.
٥٧٠٢ - وعن أنس، أنَّ رسول الله ﷺ قال: ((لما صورَ الله آدم في الجنة تركه ما شاء أن يتركه، فجعل إبليس يطيف به ينظر ما هو، فلما رآه أجوف عرف أنه خلق خلقًا لا يتمالك)). رواه مسلم.
ــ
أي أوجب وعدًا أن يرحمهم قطعًا، بخلاف ما يترتب عليه مقتضى الغضب من العقاب، فإن الله تعالى غفور كريم يتجاوز عنه بفضله، وأنشد:
وإنى إذا ما أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
فالمراد بالسبق هنا القطع بوقوعها.
الحديث الرابع عن عاثشة ﵂:
قوله: ((الجان من مارج)) مح: الجان أي الجن والمارج، اللهب المختلط بسواد النار.
الحديث الخامس عن أنس ﵁:
قوله: ((لما صور الله آدم)) ((تو)): أرى هذا الحديث مشكلا جدًّا، فقد ثبت بالكتاب والسنة أن آدم خلق من أجزاء الأرض، وقد دل على أنه دخل الجنة وهو بشر حي، ويؤيده المفهوم من نص الكتاب: ﴿وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة﴾.
قض: الأخبار متظاهرة على أنه تعالى خلق آدم من تراب قبض من وجه الأرض، وخمره حتى صار طينًا، ثم تركه حتى صار صلصالا، وكان ملقى بين مكة والطائف ببطن نعمان، ولكن ذلك لا ينافي تصويره في الجنة لجواز أن تكون طينته لما خمرت في الأرض وتركت فيها حتى مضت عليها الأطوار واستعدت لقبول الصورة الإنسانية حملت إلى الجنة فصورت ونفخ فيها الروح، وقوله تعالى: ﴿يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة﴾ فلا دلالة له أصلا على أنه أدخل الجنة بعد ما نفخ فيه الروح، إذ المراد بالسكون الاستقرار والتمكن، والأمر به لا يجب أن يكون قبل الحصول في الجنة، وقد تضافرت وتعاونت الروايات على أن حواء خلقت من آدم في الجنة وهي أحد المأمورين به، ولعل آدم ﵇ لما كانت مادته التي هي البدن من العالم السفلي، وصورته التي بها يتميز عن سائر الحيوانات ويضاهي بها الملائكة من العالم العلوي، أضاف الرسول ﷺ تكون مادته إلى الأرض لأنها نشأت فيها، وأضاف حصول صورته إلى الجنة لأنها منها.
стр. 2964
٥٧٠٣ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((اختتن إبراهيم النبيُّ وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم)) متفق عليه.
٥٧٠٤ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لم يكذب إبراهيم إلَاّ ثلاثَ كذباتٍ: ثنتين منهنَّ في ذات الله قوله ﴿إني سقيم﴾، وقوله (بل فعله كبيرهم هذا)،
ــ
وقوله: ((لا يتمالك) أي لا يكون له قوة وثبات بل يكون متزلزل الأمر متغير الحال معرضًا للآفات.
مح: طاف بالشيء يطوف طوفًا وطوافًا، وأطاف يطيف إذا استدار حوله، ((لا يتمالك)) أي لا يملك نفسه ولا يتجنب الشهوات، وقيل: لا يملك دفع الوسواس عنه. وقيل: لا يملك نفسه عند الغضب.
أقول: الأجوف في صفة الإنسان مقابل للصمد في صفة الباريء.
قيل: السيد سمى بالصمد لأنه يصمد إليه في الحوائج، ويقصد إليه في الرغائب، من صمدت الشيء إذا قصدته، وقيل: إنه المميز عن أن يكون بصدد الحاجة أو في معرض الآفة، مأخوذ من الصمد بمعنى المصعد وهو الصلب الذي لا جوف له، فالإنسان مفتقر إلى الغير لقضاء حوائجه وإلى الطعام والشراب ليملأ جوفه، فإذا لا تماسك له في شيء ظاهرًا وباطنًا.
الحديث السادس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((بالقدوم)) تو: القدوم بالتخفيف آلة النجار معروفة، وبالتشديد اسم موضع، وقيل: هو بالتخفيف أيضًا، هكذا في جامع الأصول وفي كتاب الحميدي: قال البخاري: قال أبو الزناد (وهو راوي الحديث): اختتن إبراهيم بالقدوم (مخففة) وهو موضع.
تو: ومن المحدثين من يشدد وهو خطأ.
مح: ((القدوم)) وقع في رواية البخاري الخلاف في التخفيف والتشديد، يقال لآلة النجار، قدوم بالتخفيف لا غير، وأما ((القدوم)) مكان بالشام ففيه التشديد والتخفيف، ومن رواه بالتشديد أراد به القرية، ورواية التخفيف تحتمل القرية والآلة، والأكثرون على التخفيف.
الحديث السابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((إلا ثلاث كذبات)) مح: قال المازري: أما الكذب فيما هو طريق البلاغ عن الله تعالى فالأنبياء معصومون منه، سواء قل أو كثر، فإن تجويزه منهم يرفع الوثوق بأقوالهم، ولأن منصب النبوة يرتفع عنه، وأما ما لا يتعلق بالبلاغ
стр. 2965
وقال: بينا هو ذات يوم وسارة، إذ أتى على جبار من الجبابرة، فقيل له: إنَّ هاهُنا رجلا معه امرأةٌ من أحسن الناس، فأرسل إليه، فسأله عنها: من هذه؟ قال: أختي. فأتى سارة، فقال لها: إنَّ هذا الجبار إن يعلم أنكِ امرأتي يغلبني عليك، فإن سألك فأخبريه أنك أختي، [فإنك أختي] في الإسلام، ليس على وجه الأرض مؤمنٌ غيري
ــ
ويعد من الصغائر كالكذبة الواحدة في حقير من أمور الدنيا ففي إمكان وقوعه منهم وعصمتهم منه القولان المشهوران للسلف والخلف.
قوله: ((في ذات الله)) قال في المغرب: ذو بمعنى الصاحب يقتضي شيئين موصوفًا ومضافًا إليه، وتقول للمؤنث: امرأة ذات مال، ثم اقتطعوها عن مقتضيها وأجروها مجرى الأسماء التامة المستقلة بأنفسها غير المقتضية لما سواها فقالوا: ذات قديمة أو محدثة، ونسبوا إليها من غير تغيير علامة التأنيث، فقالوا: الصفات الذاتية، واستعملوها استعمال النفس والشيء. وعن أبي سعيد: كل شيء ذات وكل ذات شيء.
مح: هذه أيضًا في ذات الله تعالى، لأنها سبب دفع كافر ظالم عن مواقعة فاحشة عظيمة لا يرضي بها الله تعالى، وإنما خص الثنتين بأنهما في ذات الله تعالى لكون الثالثة متضمنة نفعًا له ودفعًا لحرمه - انتهى كلامه -.
أقول: قوله: ((في ذات الله)) أي في الدفع عن ذات الله ما لا يليق بجلاله، يدل عليه ما جاء في حديث آخر: ((ما منها كذبة إلا ما حل عن دين الله)) أي خاصم وجادل وذب عن دين الله تعالى، وهو معنى التعريض لأنه نوع من الكناية ونوع من التعريض يسمى بالاستدراج وهو: إرخاء العنان مع الخصم في المجاراة ليعثر حيث يريد تبكيته، فسلك إبراهيم ﵇ مع القوم هذا المنهج، فقوله: ((إنى سقيم)) إيهام منه أنه استدل بأمارة علم النجوم على أنه سقيم ليتركوه فيفعل بالأصنام ما أراد أن يفعل، أو سقيم لما أجد من الغيظ والحنق باتخاذكم النجوم آلهة.
وقوله: ((بل فعله كبيرهم)) تنبيه على أن الإله الذي لم يقدر على دفع المضرة عن نفسه، كيف يرجى منه دفع الضرر عن الغير؟.
وقوله عن سارة: ((أختي)) دفع عنها قصد الجبار إياها، قيل: كان من ديدن هذا الجبار أو من دينه أن لا يتعرض إلا لذوات الأزواج، فلذلك قال: ((إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك)) ويحتمل أن يكون المراد به أنه إن علم ذلك ألزمني بالطلاق، أو قصد قتلي حرصًا عليك.
فإن قلت: فإذا شهد له الصادق المصدوق بالبراءة عن ساحته، فما باله يشهد على نفسه بها في حديث الشفاعة في قوله: ((وإني كنت قد كذبت ثلاث كذبات)) فذكرها نفسي نفسي نفسي؟ على أن تسميتها وأنها معاريض بالكذبات إخبار بالشيء على خلاف ما هو به؟.
стр. 2966
وغيرُكِ، فأرسل إليها، فأتي بها، قام إبراهيم يُصلي، فلمَّا دخلت عليه، ذهب يتناولها بيده، فأخذ - ويُروى فغطَّ - حتى ركض برجله، فقال: ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت الله فأطلق، ثم تناولها الثانية، فأخذ مثلها أو أشد، فقال: ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت الله فأطلق، فدعا بعض حجبته، فقال: إنك لم تأتني بإنسانٍ، إنما أتيتني بشيطانٍ، فأخدَمَها هاجر، فأتته وهو قائمٌ يصلي، فأومأ بيده مهيم؟ قالت: رد
ــ
قلت: نحن وإن أخرجناها عن مفهوم الكذبات باعتبار التورية وسميناها معاريض فلا ننكر أن صورتها صورة التعريج عن المستقيم، فالحبيب قصد إلى براءة ساحة الخليل عما لا يليق بها فسماها معاريض، والخليل لمح إلى مرتبة الشفاعة هنالك وأنها مختصة بالحبيب فتجوز بالكذبات.
مح: قوله: ((إذ أتى)) جواب: ((بينا)) أي بيناهما يسيران ذات يوم إذ أتيا على بلد جبار من الجبابرة فوشى بهما، وقوله: ((من هذه؟)) بيان للسؤال سأل الجبار بهذا اللفظ، وقوله: ((يغلبني عليك)) أي يأخذك مني قهرًا، من قولك: غلبني فلان على كذا إذا أخذه منك وامتلكه.
وقوله: ((ليس على وجه الأرض مؤمن غيرى وغيرك)) يريد به قوله: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ يعني أن الإيمان قد عقد بين أهله من السبب القريب والسبب اللاصق ما يفضل الأخوة في النسب، وليس أحد أحق بهذا الاسم العقد مني ومنك الآن، لأنه ليس على الأرض مؤمن غيري وغيرك.
وقوله: ((فأرسل إليها)) أي الجبار إلى سارة يطلبها.
وقوله: ((قام إبراهيم)) جملة مستأنفة، كأن قائلا قال: فما فعل بعد؟ فأجيب: قام.
((وذهب يتناولها)) أي طفق.
((فأخذ)) أي حبس نفسه وضغط، والمراد به الخنق هاهنا، أي أخذ بمجاري نفسه حتى سمع له غطيط، وكذا معنى ((الغط)).
((وركض برجله)) أي ضرب، وأصل الركض الضرب بالرجل كما تركض الدابة.
وقوله: ((فأخذ مثلها)) أي أخذه مثل الأخذة الأولى.
وقوله: ((إنما أتيتني بشيطان)) أراد به المتمرد من الجن، وكانوا يهابون الجن ويعظمون أمرهم.
وقوله: ((فأخدمها)) أي الجبار.
стр. 2967
الله كيد الكافر في نحره، وأخدم هاجر)) قال أبو هريرة: تلك أمكم يابني ماء السماء! متفق عليه.
٥٧٠٥ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((نحن أحقُّ بالشك من إبراهيم إذ قال: (ربِّ أرني كيف تحيي الموتى) ويرحم الله لوطًا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثتُ في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي)). متفق عليه.
ــ
((هاجر)) خادمة لسارة.
و ((مهيم)) هي كلمة يمانية يستفهم بها، ومعناها ما حالك وما شأنك، جعلت مفسرة للإيماء، أي أومأ بيده إيماء يفهم منه معناها.
قوله: ((كيد الكافر في نحره)) النحر أعلى الصدر، هو من قوله تعالى: ﴿ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله﴾.
قوله: ((أمكم يا بني ماء السماء)) ((قض)): قيل: أراد بهم العرب سموا بذلك لأنهم يبتغون المطر ويتعيشون به والعرب وإن لم يكونوا بأجمعهم من بطن هاجر لكن غلب أولاد إسماعيل على غيرهم.
وقيل: أراد بهم الأنصار لأنهم أولاد ((عامر بن حارثة الأزدي)) جد ((نعمان بن المنذر)) وهو كان ملقبا ((بماء السماء)) لأنه كان يستمطر به.
ويحتمل أنه أراد بهم ((بني إسماعيل)) وسماهم بذلك لطهارة نسبهم وشرف أصولهم.
الحديث الثامن عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((نحن أحق بالشك)) خط: مذهب هذا الحديث التواضع والهضم من النفس، وليس في قوله هذا اعتراف بالشك على نفسه ولا على إبراهيم، لكن فيه نفي الشك عن كل واحد منهما، يقول: إذا لم أشك أنا ولم أرتب في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى فإبراهيم ﵇ أولى بأن لا يشك ولا يرتاب فيه، وفيه الإعلام أن المسألة من قبل إبراهيم لم تعرض من قبل الشك ولكن من قبل زيادة العلم، واستفادة معرفة كيفية الإحياء، والنفس تجد من الطمأنينة بعلم الكيفية ما لم تجده بعلم الآنية، والعلم في الوجهين حاصل والشك مرفوع.
وقد قيل: إنما طلب الإيمان حسًّا وعيانًا لأنه فوق ما كان عليه من الاستدلال، والمستدل لا يزول عنه الوسواس والخواطر، وقد قال ﷺ : ((ليس الخبر كالمعاينة)).
стр. 2968
٥٧٠٦ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن موسى كان رجلا حييا ستيرًا، لا يُرى من جلده شيء استحياء، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما تستر هذا التستر إلا من عيب بجلده: إما برص أو أدرة، وإن الله أراد أن يبرئه، فخلا يومًا وحده ليغتسل، فوضع ثوبه على حجر، ففر الحجر بثوبه، فجمح موسى في إثره يقول: ثوبي يا حجرُ! ثوبي يا حجرُ! حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل، فرأوه عُريانا أحسن ما خلق الله وقالوا والله ما بموسي من بأس، وأخذ ثوبه، وطفق بالحجر
ــ
قوله: ((ويرحم الله لوطًا)) تمهيد وتقدمة للخطاب المزعج، كما في قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾.
((قض)): استعظام لما قاله واستغراب لما بدر منه حينما أجهده قومة فقال: ﴿أو آوى إلى ركن شديد﴾ إذ لا ركن أشد وأمنع من الركن الذي كان يأوى إليه، وهو عصمة الله تعالى وحفظه.
قوله: ((لأجبت الداعي)) يريد به قوله تعالى: ﴿فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله﴾ تو: هو منبيء عن إحماده صبر يوسف وتركه الاستعجال بالخروج من السجن مع امتداد مدة الحبس عليه.
ثم إن في ضمن هذا الحديث تنبيها على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وإن كانوا من الله بمكان لا يشاركهم فيه أحد، فإنهم بشر يطرأ عليهم من الأحوال ما يطرأ على البشر، فلا تعدوا ذلك منقصة ولا تحسبوه مسبة.
الحديث التاسع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((أدرة)) نه: الأدرة بالضم نفخة بالخصية، يقال: رجل أدر بين الأدرة، بفتح الهمزة والدال، وهي التي يسميها الناس الغيلة.
و ((جمح)) أي أسرع إسراعًا لا يرده شيء، وكل شيء مضى لوجهه على أمر فقد جمح.
و ((الندب)) بالتحريك أثر الجرح إذا لم يرتفع عن الجلد، فشبه به أثر الضرب بالحجر.
أقول: الفاء في قوله: ((فإن الله)) للتعقيب، وأصل الكلام فقالوا: كيت وكيت فأراد الله أن يبرئه، وأتى بإن المؤكدة تأكيدًا اعتناء بشأنه.
وقوله: ((عريانًا)) حال، وكذا قوله: ((أحسن)) لأن الرؤية بمعنى النظر.
стр. 2969
ضربًا، فوالله إن بالحجر لندبًا من أثر ضربه ثلاثًا أو أربعة أو خمسًا. متفق عليه.
٥٧٠٧ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((بينا أيوب يغتسل عُريانا، فخر عليه جرادٌ من ذهب، فجعل أيوبُ يحثي في ثوبه، فناداه ربه: يا أيوبُ! ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى وعزتك، ولكن لا غنى بي عن بركتك)). رواه البخاري.
ــ
قوله: ((ثلاثا)) أي ندبات، بيانًا وتفسيرًا لاسم إن.
مح: فيه معجزتان ظاهرتان لموسى ﵊، إحداهما: مشى الحجر بثوبه، والثانية: حصول الندب في الحجر بضربه، وفيه: حصول التمييز في الجماد، وفيه: جواز الغسل عريانًا في الخلوة وإن كان ستر العورة أفضل، وبهذا قال الشافعي ومالك وأحمد، وخالفهم ابن أبي ليلى فقال: إن للماء ساكنًا.
وفيه: ابتلاء الأنبياء والصالحين من أذى السفهاء والجهال وصبرهم عليه.
وفيه: أن الأنبياء صلوات الله وسلامة عليهم منزهون عن النقائص في الخلق والخلق، سالمون من العاهات والمعايب، اللهم إلا على سبيل الابتلاء.
قوله: ((بالحجر)) متعلق بخبر طفق، أي طفق يضرب الحجر ضربًا.
الحديث العاشر عن أبي هريرة ﵁:
قوله: ((فخر عليه)) نه: خر يخر بالضم والكسر إذا سقط من علو، وخر الماء يخر بالكسر.
و ((يحثى في ثوبه)) أي يصيد فيه.
أقول: الفاء في ((فخر)) مثلها في قوله ﷺ : ((بينا أنا نائم أطوف بالكعبة فإذا دخل آدم)).
قال المالكى: الفاء في قوله: ((فإذا دخل آدم)) زائدة كالأولى في قوله تعالى: ﴿فبذلك فليفرحوا﴾.
قال جار الله: أصل الكلام: قل: بفضل الله وبرحمته فليفرحوا فبذلك فليفرحوا.
أقول: قدر ثلاث فاءات فالأولى: لربط الكلام بما قبله، والثالثة: جواب الشرط المقدر، والثانية: زائدة، لأن الباء في ((بذلك)) متعلقة بما بعده قدم للاختصاص.
قوله: ((ألم كن أغنيتك؟)) هذا ليس بعتاب منه تعالى، فإن الإنسان وإن كان مثريا لا يشبع
стр. 2970
٥٧٠٨ - وعنه، قال: استبَّ رجلٌ من المسلمين ورجلٌ من اليهود. فقال المسلم: والذي اصطفي محمدًا على العالمين. فقال اليهودي: والذي اصطفي موسى على العالمين. فرفع المسلم يده عند ذلك فلطم وجه اليهودى، فذهب اليهودي إلى النبي ﷺ ، فأخبره بما كان من أمره وأمر المسلم، فدعا النبي ﷺ المسلم فسأله عن ذلك، فأخبره، فقال النبي ﷺ : ((لا تخيروني على موسى، فإنَّ الناس يصعقون يوم القيامة، فأصعق معهم فأكون أول من يفيق، فإذا موسى باطشٌ
ــ
بثراه بل يريد المزيد عليه، بل من قبيل التلطف والامتحان بأنه هل يشكر على ما أنعم عليه فيزيد في الشكر، وإليه الإشارة بقوله: ((ولكن لا غنى لى عن بركتك)) ونحوه قوله ﷺ لعمر ﵁ جوابًا عن قوله: ((أعطه أفقر إليه مني؟)) ((ما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه ومالا فلا تتبعه نفسك)).
الحديث الحادي عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لا تخيروني على موسى)) تو: أي لا تفضلوني عليه، قول قاله على سبيل التواضع أولا، ثم لردع الأمة عن التخيير بين أنبياء الله من تلقاء أنفسهم ثانيًا، فإن ذلك يفضي بهم إلى العصبية، فينتهز الشيطان عند ذلك فرصة فيدعوهم إلى الإفراط والتفريط، فيطرون الفاضل فوق حقه ويبخسون المفضول حقه، فيقعون في مهواة الغي، ولهذا قال: ((لا تخيروا بين الأنبياء)) أي لا تقدموا على ذلك بأهوائكم وآرائكم بل بما أتاكم من الله من البيان، وعلى هذا النحو قول النبي ﷺ : ((ولا أقول إن أحدًا خير من يونس بن متى)) أي: لا أقول من تلقاء نفسي، ولا أفضل أحدًا عليه من حيث النبوة والرسالة فإن شأنهما لا يختلف باختلاف الأشخاص، بل يقول: كل من أكرم بالنبوة فإنهم سواء فيما جاءوا به عن الله تعالى وإن اختلفت مراتبهم، وكذلك من أكرم بالرسالة، وإليه وقعت الإشارة بقوله سبحانه: ﴿لا نفرق بين أحد من رسله﴾ وإنما خص يونس بالذكر من بين الرسل لما قص الله عليه في كتابه من أمر يونس، وتوليه عن قومه، وضجره عند تثبطهم في الإجابة، وقلة الاحتمال عنهم والاحتفال بهم حين أرادوا التنصل، فقال عز من قائل: ﴿ولا تكن كصاحب الحوت﴾ وقال: ﴿وهو مليم﴾ فلم يأمن ﷺ أن يخامر بواطن الضعفاء من أمته ما يعود إلى نقيصة في حقهم، فنبأهم أن ذلك ليس بقادح فيما آتاه الله من فضله، وأنه مع ما كان من شأنه كسائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين.
стр. 2971
بجانب العرش، فلا أدري كان فيمن صعق فأفاق قبلي، أو كان فيمن استثنى الله؟)).
وفي رواية: ((فلا أدري أحوسب بصعقة يوم الطورِ، أو بعث قبلي؟ ولا أقول: إن أحدًا أفضل من يونس بن متى)).
٥٧٠٩ - وفي رواية أبي سعيد قال: ((لا تخيروا بين الأنبياء)) متفق عليه.
وفي رواية أبي هريرة: ((لا تفضلوا بين أنبياء الله)).
٥٧١٠ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول ﷺ : ((ما ينبغي لعبد أن يقول: إني خيرٌ من يونس بن متى)) متفق عليه.
ــ
هذا قول جامع في بيان ما ورد في هذا الباب فافهم ترشد إلى الأقوم.
وأما ما ذكره في هذا الحديث من الصعقة فهي بعد البعث عند نفخة الفزع، وأما في البعث فلا تقدم لأحد فيه على نبينا ﷺ ، واختصاص موسى ﵊ بهذه الفضيلة لا يوجب تفضيلا على من تقدمه بسوابق جمة وفضائل كثيرة، والله المسئول أن يعرفنا حقوقهم، ويحيينا على محبتهم، ويميتنا على سنتهم، ويحشرنا على ما كانوا عليه.
قوله: ((ولا أقول: إن أحدًا)) قال المالكي: استعمل أحدًا في الإثبات لمعنى العموم لأنه في سياق النفي، كأنه قيل: لا أحد أفضل من يونس والشيء قد يعطى حكم ما هو في معناه وإن اختلف في اللفظ، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿أو لم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر﴾ فأجرى في دخول الباء على الخبر مجرى (أو ليس الذي) لأنه بمعناه، ومن إيقاع أحد في الإيجاب المؤول بالنفي قول الفرزدق:
ولو سئلت عني نوار وأهلها إذًا أحد لم تنطق الشفتان
فإن ((أحد)) وإن وقع مثبتًا لكنه في الحقيقة منفي لأنه مؤخر معنى، كأنه قال: إذا لم ينطق أحد.
قوله: ((لا تفضلوا بين أنبياء الله)) بالصاد المهملة ظاهر، أي لا تفرقوا بينهم، وبالضاد المعجمة معناه لا يوقع الفضل بين أنبياء الله، أي لا تفضلوا بعض الأنبياء على بعض نحو قوله تعالى: ﴿لقد تقطع بينكم﴾ أي وقع التقطع بينكم، كما تقول: جمع بين الشيئين، تريد أوقع الجمع بينهما - في الكشاف -.
الحديث الثاني عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((أنا خير)) قيل: ضمير المتكلم
стр. 2972
وفي رواية للبخاري قال: من قال: أنا خيرٌ من يونس بن متى فقد كذب)).
٥٧١١ - وعن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنَّ الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرًا، ولو عاش لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا)) متفق عليه.
٥٧١٢ - وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: ((إنما سمى الخضر لأنه جلس
ــ
يعود إلى رسول الله ﷺ ، وقيل: يعود إلى كل قائل، أي لا يقول بعض الجاهلين من المجتهدين في العبادة أو العلم أو غير ذلك من الفضائل، فإنه لو بلغ ما بلغ إلا أنه لم يبلغ درجة النبوة، ويؤيده الرواية الأولى: ((ما ينبغى لعبد أن يقول: إنى خير من يونس بن متى)).
مظ: إنما خص يونس بالذكر لأن الله تعالى لم يذكره في جملة أولي العزم من الرسل، وقال الله تعالى: ﴿ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم﴾ فقصر به عن مراتب أولى العزم والصبر من الرسل، بقوله صلى الله عليه وآله وبارك وسلم: إذا لم آذن لكم أن تفضلوني على يونس بن متى، فلا يجوز لكم أن تفضلوني على غيره من ذوي العزم من أجلة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهذا منه ﷺ على التواضع والهضم من نفسه، وليس ذلك بمخالف لقوله: ((أنا سيد ولد آدم ولا فخر)) لأنه لم يقل ذلك مفتخرًا ولا متطاولا به على الخلق، وإنما قال ذلك ذاكرًا للنعمة ومعترفًا بالمئة فيه، وأراد بالسيادة ما يكرم به في القيامة من الشفاعة، وعلى هذا المعنى ينبغي أن يؤول قوله: ((من قال: أنا خير منه فقد كذب)) لأن المراد أنا خير في النبوة والرسالة كما قال الله تعالى: ﴿لا نفرق بين أحد من رسله﴾ والله أعلم.
الحديث الثالث عشر عن أبي هريرة ﵁:
قوله: ((الخضر)) مح: جمهور العلماء على أنه حي موجود بين أظهرنا لا سيما عند الصوفية وأهل الصلاح والمعرفة، وحكاياتهم في رؤيته والاجتماع به والأخذ عنه وسؤاله وجوابه وحضوره في المواضع الشريفة ومواطن الخير أكثر من أن تحصر، وصرح الشيخ أبو عمرو بن الصلاح بذلك، قال: وشذ من أنكره من المحدثين.
قال الجيزي المفسر وأبو عمرو، هو نبي، واختلفوا في كونه مرسلا.
وقال القشيري وكثيرون: هو ولي.
стр. 2973
على فروة بيضاء فإذا هي تهتز من خلفه خضراء)). رواه البخاري.
٥٧١٣ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((جاء ملك الموت إلى موسى بن عمران، فقال له: أجب ربك)). قال: ((فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها)) قال:
ــ
واحتج من قال بنبوته بقوله تعالى: ﴿وما فعلته عن أمري﴾ فدل على أنه أوحى إليه، وبأنه أعلم من موسى ﵊، ويبعد أن يكون الولي أعلم من نبي.
وأجاب الآخرون: يجوز أن يكون قد ألقى إليه بطريق الإلهام، كما ألقى إلى أم موسى في قوله تعالى: ﴿إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى أن اقذفيه ...﴾.
قال الثعلبي المفسر: الخضر نبي معمر محجوب عن أكثر الأبصار.
قال: وقيل: إنه لا يموت إلا في آخر الزمان حين يرفع القرآن.
وذكر أقوالا في أنه في زمن ابراهيم الخليل ﵊ أم بعده بقليل أو كثير.
قال القاضي عياض: في هذا حجة بينة لأهل السنة وصحة مذهبهم أن العبد لا قدرة له على الفعل إلا بإرادة الله وتيسيره له، خلافًا للمعتزلة القائلين بأن للعبد فعلا من قبل نفسه وقدرة على الهدى والضلال.
وفيه: أن الذين قضى لهم بالنار طبع على قلوبهم وختم وجعل من بين أيديهم سدًا ومن خلفهم سدًا وحجابًا مستورًا، وجعل في آذانهم وقرًا، وفي قلوبهم مرض ليتم سابقته ويمضي كلمته لاراد لحكمه ولا معقب لأمره وقضائه.
وقد يحتج بهذا الحديث من يقول: أطفال الكفار في النار.
قوله: ((لأرهق أبويه)) نه: أي أغشاهما، يقال: رهقه بالكسر يرهقه رهقًا أي غشيه، وأرهقه أي أغشاه إياه، وأرهقني فلان إثما حتى رهقته أي حملني إثمًا حتى حمله له.
الحديث الرابع عشر عن أبي هريرة ﵁:
قوله: ((على فروة بيضاء)) الفروة: الأرض اليابسة، وقيل: الهشيم اليابس من النبات.
أقول: لعل الثاني أنسب لأن قوله: ((خضراء)) إما تمييز أو حال، كأنه قيل: نظر الخضر ﵇ إلى مجلسه ذاك فإذا هي تتحرك من جهة الخضرة والنضارة.
الحديث الخامس عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((ففقأها)) أي قلعها وأعماها.
مح: هي بالهمز.
و ((متن الثور)) ظهره.
стр. 2974
((فرجع الملك إلى الله، فقال: إنك أرسلتني إلى عبدٍ لك لا يريد الموت، وقد فقأ عيني)) قال: ((فرد الله إليه عينه، وقال: ارجع إلى عبدي فقل: الحياة تريد؟ فإن كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثورٍ، فما توارت يدك من شعرة فإنك تعيثس بها سنةٌ، قال: ثم مه؟، قال: ثمَّ تموت. قال: فالآن من قريبٍ، رب أدنني من الأرض المقدسة رميةً بحجر)). قال رسول ﷺ : ((والله لو أني عنده لأريتكم قبره إلى جنب الطريق عند الكثيب الأحمر)) متفق عليه.
ــ
و ((رمية بحجر)) قدر ما يبلغه.
و ((ثم مه)) هي هاء السكت، و ((ما)) استفهامية، أي: ثم ماذا يكون أحياة أم موت؟.
و ((الكثيب)) الرمل المستطيل.
ومعنى: ((أجب ربك)) أي للموت.
وأما سؤاله الإدناء من الأرض المقدسة لشرفها وفضيلة ما فيها من المدفونين من الأنبياء وغيرهم.
قالوا: وإنما سأل الإدناء ولم يسأل نفس بيت المقدس لأنه خاف أن يكون قبره مشهورًا عندهم فيفتتن به الناس.
وفي هذا استحباب الدفن في المواضع الفاضلة والمواطن المباركة والقرب من مدافن الصالحين.
قال المازري: وقد أنكر بعض الملاحدة هذا الحديث، وقالوا: كيف يجوز على موسى فقء عين ملك الموت؟.
وأجاب عن هذا بأجوبة: أحدها: أنه لا يمتنع أن يكون موسى ﵊ قد أذن الله له في هذه اللطمة، ويكون ذلك امتحانًا للملطوم، والله سبحانه يفعل في خلقه ما يشاء ويمتحنهم بما أراد.
والثاني: أن هذا على المجاز والمراد أن موسى ناظره وحاجَّه فغلبه بالحجة، يقال: فقأ فلان عين فلان إذا غلبه بالحجة، قال: وفي هذا ضعف لقوله ﷺ : ((فرد الله عليه عينه)) فإن قيل: أراد رد حجته، كان بعيدًا.
والثالث: أن موسى لم يعلم أنه ملك من عند الله وظن أنه رجل قصده يريد نفسه فدافعه عنها، فأدت المدافعة إلى فقء عينه، لا أنه قصدها، وهذا جواب الإمام أبي بكر بن خزيمة وغيره من المتقدمين، واختاره المازري والقاضي عياض، وأتاه في المرة الثانية بعلامة علم بها أنه ملك الموت فاستسلم له بخلاف الأولى.
стр. 2975
٥٧١٤ وعن جابر، أن رسول الله ﷺ قال: ((عرض على الأنبياءُ فإذا موسى ضربٌ من الرجال، كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى بن مريم فإذا أقرب من رأيت به
ــ
حس: يجب على المسلم الإيمان به على ما جاء به من غير أن يعتبره بما جرى عليه عرف البشر فيقع في الارتياب، لأنه أمر مصدره قدرة الله تعالى وحكمه، وهي مجادلة جرت بين ملك كريم ونبي كليم، كل واحد منهما مخصوص بصفة يخرج بها عن حكم عوام البشر ومجاري عاداتهم في المعنى الذي خص به، فلا يعتبر حالهما بحال غيرهما، وقد اصطفي الله تعالى موسى بالمعجزات الباهرة والآيات الظاهرة، فلما دنت وفاته وهو بشر يكره الموت طبعًا لطف الله به بأن لم يفاجئه بغتة، ولم يأمر الملك الموكل به بأن يأخذه قهرًا، بل أرسله على سبيل الامتحان في صورة بشر، فلما رآه موسى استنكر شأنه واستوعر مكانه، فاحتجز منه دفعًا عن نفسه بما كان من صكه إياه فأتى ذلك على عينه التي ركبت في الصورة البشرية، وقد كان في طبع موسى ﵇ حدة على ما قص الله تعالى علينا من أمره في كتابه، من: وكزه القبطي، وإلقائه الألواح، وأخذه برأس أخيه يجره إليه، هذا وقد جرت سنة الدين بدفع كل قاصد بسوء.
وقد ذكر الخطابي ﵀ هذا المعنى في كتابه ردًا على من طعن في هذا الحديث وأمثاله من أهل البدع الملحدين - أبادهم الله تعالى - انتهى كلامه -.
فإن قلت: أي فرق بين قول الملك: ((عبد لك)) على التنكير، وبين قول الله: عبدى؟.
قلت: يدل قول الملك على نوع طعن حيث نكره وشنع عليه بقوله: لا يريد الموت، وقول الله تفخيم لشأنه وتعظيم مكانة حيث أضافه إلى نفسه ردًا عليه وتنبيها أن ما ظهر من موسى كان دلالا منه واعتزازًا وأننا نرضي بما يريد فجعلنا الخيرة له إكرامًا.
قوله: ((فما توارت يدك)) قض: هكذا مذكور في صحيح مسلم، ولعل الظاهر فما وارت يدُك بالرفع، وأخطأ بعض الرواة، ويدل عليه ما روى البخاري في صحيحه: فله ما غطت يده بكل شعرة سنة.
ويحتمل أن يكون بدلا منصوبًا بنزع الخافض، وفي ((توارت)) ضمير، وإنما أنثه لكونه مفسرًا بالشعرة)).
أقول: قوله: ((من شعرة)) بيان ((ما)) والضمير فيه راجع إلى متن الثور، وما توارت قطعة منه فأنثه باعتبار القطعة التي توارت بيدك أو تحت يدك.
الحديث السادس عشر عن جابر ﵁: قوله: ((فإذا موسى ضرب من الرجال)) قض: لعل أرواحهم مثلت له بهذه الصورة، ولعل صورهم كانت كذلك، أو صور أبدانهم كوشفت له في نوم أو يقظة.
стр. 2976
شبهًا عروة بن مسعود، ورأيت إبراهيم فإذا أقرب من رأيت به شبهًا صاحبكم - يعنى نفسه -، ورأيت جبريل، فإذا أقرب من رأيت به شبهًا دحية بن خليفة)) رواه مسلم.
٥٧١٥ - وعن ابن عباس، عن النبي ﷺ ، قال: ((رأيت ليلة أسرى بي موسى، رجلا آدم طوالا، جعدًا كأنه من رجال شنوءة، ورأيت رجلا مربوع الخلق، إلى الحمرة والبياض، سبط الرأس، ورأيت مالكًا خازن النار، والدَّجَّال في آيات أراهن الله إياه، فلا تكن في مرية من لقائه)) متفق عليه.
ــ
والضرب: الرجل الخفيف.
وأما ((شنوءة)): فبشين معجمة مفتوحة ثم نون ثم واو ثم همزة ثم هاء، وهي قبيلة معروفة، قال ابن قتيبة: سموا بذلك من قولهم: رجل فيه شنوءة أي تقزز.
وقال الجوهرى: الشنوءة التقزز وهو التباعد عن الأدناس، ومنه أزد شنوءة وهم حي من اليمن نسب إليهم شنوئي.
قال: قال ابن السكيت: أزد شنوَّة بالتشديد غير مهموز وينسب إليه الشنوي.
فإن قلت: ما الفرق بين تشبيه موسى وبين التشبيهين الآخرين؟.
قلت: التشبيهات الثلاثة للبيان، والأولى من باب قولك: لون عمامتي من لون هذه العمامة لعمامة بين يدي المخاطب.
والثاني والثالث: كقولك: لون هذه العمامة كلون عمامتي.
فالتشبيه الأول لمجرد البيان، والأخيران للبيان مع تعظيم المشبه في مقام المدح.
قوله: ((به شبهًا)) قدم على العامل للاختصاص تأكيدًا لإضافة أفعل إلى من، أي وكان عروة ابن مسعود أخص الناس بعيسى شبها.
الحديث السابع عشر عن ابن عباس ﵁: قوله: ((رجلا آدم)) نه: الآدم من الناس الأسمر الشديد السمرة.
و ((الطوال)) بضم الطاء وتخفيف الواو، الطويل.
و ((الجعد)) ضد السبط، وسبط بكسر الباء وفتحها مسترسل الشعر - انتهى كلامه -.
وقوله: ((إلى الحمرة)) حال، أي مائلا لونه إلى الحمرة والبياض، فلم يكن شديد الحمرة والبياض.
وقوله: ((في آيات)) أي رأيت المذكور في جملة آيات، لعله أراد الآيات المذكورة في قوله
стр. 2977
٥٧١٦ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليلة أسري بي، لقيتُ موسى - فنعته -: فإذا رجلٌ مضطربٌ، رجلُ الشعر، كأنه من رجال شنوءة، ولقيت عيسى ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس - يعني الحمام - ورأيت إبراهيم وأنا أشبه
ــ
تعالى: ﴿لقد رأي من آيات ربه الكبرى﴾ فعلى هذا في الكلام التفات حيث وضع إياه في موضع إياي، أو الراوى نقل معنى ما تلفظ به، والظاهر أن قوله: ﴿فلا تكن في مرية من لقائه﴾ يتعلق بأول الكلام وهو حديث موسى ﵊ تلميحًا إلى ما في التنزيل من قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه﴾.
الكشاف: قيل: من لقائك موسى ﵊ ليلة الإسراء، فيكون ذكر عيسى ﵊ وما يتبعه من الآيات مستطردًا لذكر موسى، وإنما قطعة عن متعلقه وأخره ليشمل معناه الآيات على سبيل التبعية والإدماج، أي لا تكن يا محمد في رؤية ما رأيته من الآيات في شك، فعلى هذا الخطاب في قوله تعالى: ﴿فلا تكن﴾ رسول الله ﷺ والكلام كله متصل ليس فيه تغيير من الراوى إلا لفظة إياه. ويشهد له قول الشيخ محيى الدين في شرح هذا الحديث: كان قتادة يفسرها أن النبي ﷺ قد لقى موسى ﵊، ودافعه عليه جماعة، منهم: مجاهد والكلبى والسدى، ومعناه فلا تكن في شك من لقائك موسى، والشارحون ذهبوا إلى أن قوله: في آيات أراهن الله ... إلى آخره من كلام الراوى ألحقه بالحديث دفعًا لاستبعاد السامعين، وإماطة لما عسى أن يختلج في صدورهم.
وقال المظهر: الخطاب في ﴿فلا تكن﴾ خطاب عام لمن سمع هذا الحديث إلى يوم القيامة، والضمير في ((لقائه)) عائد إلى الدجال، أي إذا كان خروجه موعدًا فلا تكن في شك من لقائه.
وقال غيره: الضمير راجع إلى ما ذكر، أي فلا تكن في شك من رؤية ما ذكر من الآيات إلى يوم القيامة.
وفي الوجوه بحث على ما لا يخفي والله أعلم.
الحديث الثامن عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((فنعته)) هو من كلام الراوي أدرجه بين كلام رسول الله ﷺ .
قوله: ((مضطرب)) قض: يريد أنه كان مستقيم القد حادًّا، فإن الحاد يكون قلقًا متحركًا كأن فيه اضطرابًا، ولذلك يقال: رمح مضطرب إذا كان طويلا مستقيمًا.
وقيل: إنه كان مضطربًا من خشية الله تعالى، وهذه صفة النبيين والصديقين، كما روى أنه ﷺ : كان يصلي ولقلبه أزيز كأريز المرجل.
стр. 2978
ولده به)) قال: ((فأتيت بإناءين: أحدُهما لبنٌ والآخر فيه خمرٌ. فقيل لي: خُذْ أيهما شئت. فأخذت اللبن فشربته، فقيل لي: هديت الفطرة، أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك)) متفق عليه.
٥٧١٧ - وعن ابن عباس، قال: سرنا مع رسول الله ﷺ بين مكة والمدينة، فمررنا بواد، فقال: ((أي واد هذا؟)) فقالوا: وادي الأزرق. قال: ((كأني أنظر إلى موسى)) فذكر من لونِه وشعرِه شيئًا، واضعًا أصبعيه في أذنيه، له جؤارٌ إلى الله
ــ
قوله: ((رجل الشعر)) نه: أي لم يكن شديد الجعودة ولا شديد السبوطة بل بينهما.
قوله: ((عيسى ربعة)) بالتسكين، أي لا طويل ولا قصير، والتأنيث على تأويل النفس.
قوله: ((أحدهما لبن)) مظ: كان القياس ((فيه لبن)) كما قال: ((فيه خمر)) عدل إرادة لتكثير اللبن وكأن الإناء انقلب لبنًا، ولما كان الخمر منهيًّا عنه قلله.
قوله: ((هديت الفطرة)) قض: أي الفطرة الأصلية التي فطر الناس عليها، فإن فيها الإعراض عما فيه غائلة وفساد كالخمر المخل بالعقل الداعى إلى الخير الوازع عن الشر المؤدى إلى صلاح الدارين وخير المنزلين، والميل إلى ما فيه نفع خال عن مضرة دنيوية ومعرة دينية كشرب اللبن فإنه من أصلح الأغذية وأول ما به حصلت التربية.
تو: العالم القدسي تصاغ فيه الصور من العالم الحسي لتدرك بها المعانى، ولما كان اللبن في العالم الحسي من أول ما يحصل به التربية ويترشح به المولود صيغ عنه مثال الفطرة التي تتم بها القوة الروحانية، وينشأ عنها الخاصية الإنسانية.
الحديث التاسع عشر عن ابن عباس ﵄: قوله: ((واضعًا .. مارًّا)) حالان مترادفتان أو متداخلتان من موسى ﵊ وقد تخلل بينهما كلام الراوي.
و ((الجؤار)) رفع الصوت.
و ((هرشي)) بفتح الهاء والشين المعجمة مقصورة، جبل على طريق الشام والمدينة قرب الجحفة.
و ((لفت)) يروي فيه كسر اللام وإسكان الفاء وفتحها معه، وفتحهما.
و ((الخطام)) بكسر الخاء الحبل الذي يقاد به البعير، يجعل على خطمه أي مقدم أنفه وفمه. و ((الخلبة)) بضم الخاء المعجمة والباء الموحدة بينهما لام يجوز فيها الضم والإسكان كذلك، حبل الليف.
стр. 2979
بالتلبية، مارًّا بهذا الوادي)). قال: ثم سرنا حتى أتينا على ثنية. فقال: ((أي ثنية هذه؟)) قالوا: هرشي - أو لفت فقال: ((كأني أنظر إلى يونس على ناقة حمراء، عليه جبة صوف، خطام ناقته خلبة، مارًّا بهذا الوادي ملبيًا)) رواه مسلم.
٥٧١٨ - وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: ((خفف على داود القرآن، فكان يأمر بدوابه فتسرح، فيقرأ القرآن قبل أن تسرح دوابُّه، ولا يأكل إلا من عمل يديه)) رواه البخاري.
ــ
مح: فإن قيل: كيف يحجون ويلبون وهم أموات والدار الآخرة ليست بدار عمل؟.
الجواب من وجوه: أحدها: أنهم كالشهداء بل أفضل، والشهداء أحياء عند ربهم، فلا يبعد أن يحجوا ويصلوا ويتقربوا إلى الله تعالى بما استطاعوا، لأنهم وإن كانوا قد توفوا فهم في هذه الدنيا التي هي دار العمل، حتى إذا فنيت مدتها وتعقبتها الآخرة التي هي دار الجزاء انقطع العمل.
وثانيها: التلبية دعاء وهو من عمل الآخرة، قال الله تعالى: ﴿دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين﴾.
وثالثها: أن تكون هذه رؤية منام في غير ليلة الإسراء كما قال في رواية ابن عمر ﵄ ((بينا أنا نائم رأيتني أطوف بالكعبة ..)) وذكر الحديث في قصة عيسى ﵊.
ورابعها: أنه ﷺ أرى حالهم التي كانت في حياتهم، ومثلوا له في حال حياتهم كيف كانوا؟ وكيف كان حجهم وتلبيتهم؟ كما قال ﷺ : ((كأني أنظر إلى موسى)).
وخامسها: أن يكون أخبر عما أوحى إليه ﷺ من أمرهم وما كان منهم وإن لم يرهم رؤية عين - هذا آخر كلام القاضي عياض -.
وفي الحديث دليل على استحباب وضع الأصبع في الأذن عند رفع الصوت بالآذان ونحوه، وهذا الاستنباط والاستحباب يجيء على مذهب من يقول من أصحابنا وغيرهم إن شرع من قبلنا شرع لنا والله أعلم.
الحديث العشرون عن أبي هريرة ﵁:
قوله: ((فيقرأ القرآن)) نه: الأصل في هذه اللفظة الجمع، وكل شيء جمعته فقد قرأته، وسمى القرآن قرآنا لأنه جمع: القصص والأمر والنهي والوعد والوعيد والآيات والسور بعضها إلى بعض، كالغفران والكفران، وقد يطلق على القراءة نفسها، يقال: قرأ يقرأ قراءة وقرآنًا.
стр. 2980
٥٧١٩ - وعنه، عن النبي ﷺ ، قال: ((كانت امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت صاحبتها: إنما ذهب بابنك. وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود، فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما فقالت الصغرى: لا تفعل، يرحمك الله، هو ابنها، فقضى به للصغرى)) متفق عليه.
٥٧٢٠ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((قال سليمان: لأطوفن الليلة على تسعين امرأة - وفي رواية: بمائة امرأة - كلهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله. فقال له الملك: قل إن شاء الله. فلم يقل ونسي، فطاف عليهن، فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجلٍ، وايم الذي نفس محمد بيده، لو قال: إن شاء الله، لجاهدوا في سبيل الله فرسانًا أجمعون)) متفق عليه.
ــ
تو: يرد بالقرآن الزبور، وإنما قال القرآن لأنه قصد به إعجازه من طريق القراءة. وقد دل الحديث على أن الله تعالى يطوي الزمان لمن شاء من عباده، كما يطوي المكان لهم، وهذا باب لا سبيل إلى إدراكه إلا بالفيض الرباني.
الحديث الحادي والعشرون عن أبي هريرة ﵁:
قوله: ((فقضى به للكبرى)) مح: قالوا: يحتمل أن داود ﵊ قضى به للكبرى لشبه رآه فيهما، أو لكونه كان في يدها، وأما سليمان فتوصل بطريق من الحيلة والملاطفة إلى معرفة باطن القضية، وإنما أراد اختبار شفقتهما لتتميز له الأم لا القطع حقيقة، فلما تميزت حكم به للصغرى بإقرار الكبرى لا بمجرد الشفقة.
قال العلماء: ومثل ذلك يفعله الحكام ليتوصلوا به إلى حقيقة الصواب.
فإن قيل: كيف نقض سليمان حكم أبيه داود؟.
فالجواب من وجوه: أحدها: أن داود لم يكن جزم بالحكم.
وثانيها: أن يكون ذلك فتوى من داود.
وثالثها: لعله كان في شرعهم فسخ الحكم إذا رفعه الخصم إلى حاكم آخر يرى خلافه.
الحديث الثاني والعشرون عن أبي هريرة ﵁:
قوله: ((كلهن تأتي بفارس)) أي كل واحدة منهن، والكل هاهنا واجب أن يكون إفراديًا.
قوله: ((وايم الذي نفس محمد بيده)) تو: الأصل في ((ايم الله)) ((ايمن الله)) حذف منه النون،
следующие страницы →