← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122257

شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن

الطيبي

Полный текст (3 308 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

شبهًا عروة بن مسعود، ورأيت إبراهيم فإذا أقرب من رأيت به شبهًا صاحبكم - يعنى نفسه -، ورأيت جبريل، فإذا أقرب من رأيت به شبهًا دحية بن خليفة)) رواه مسلم. ٥٧١٥ - وعن ابن عباس، عن النبي ﷺ ، قال: ((رأيت ليلة أسرى بي موسى، رجلا آدم طوالا، جعدًا كأنه من رجال شنوءة، ورأيت رجلا مربوع الخلق، إلى الحمرة والبياض، سبط الرأس، ورأيت مالكًا خازن النار، والدَّجَّال في آيات أراهن الله إياه، فلا تكن في مرية من لقائه)) متفق عليه. ــ والضرب: الرجل الخفيف. وأما ((شنوءة)): فبشين معجمة مفتوحة ثم نون ثم واو ثم همزة ثم هاء، وهي قبيلة معروفة، قال ابن قتيبة: سموا بذلك من قولهم: رجل فيه شنوءة أي تقزز. وقال الجوهرى: الشنوءة التقزز وهو التباعد عن الأدناس، ومنه أزد شنوءة وهم حي من اليمن نسب إليهم شنوئي. قال: قال ابن السكيت: أزد شنوَّة بالتشديد غير مهموز وينسب إليه الشنوي. فإن قلت: ما الفرق بين تشبيه موسى وبين التشبيهين الآخرين؟. قلت: التشبيهات الثلاثة للبيان، والأولى من باب قولك: لون عمامتي من لون هذه العمامة لعمامة بين يدي المخاطب. والثاني والثالث: كقولك: لون هذه العمامة كلون عمامتي. فالتشبيه الأول لمجرد البيان، والأخيران للبيان مع تعظيم المشبه في مقام المدح. قوله: ((به شبهًا)) قدم على العامل للاختصاص تأكيدًا لإضافة أفعل إلى من، أي وكان عروة ابن مسعود أخص الناس بعيسى شبها. الحديث السابع عشر عن ابن عباس ﵁: قوله: ((رجلا آدم)) نه: الآدم من الناس الأسمر الشديد السمرة. و ((الطوال)) بضم الطاء وتخفيف الواو، الطويل. و ((الجعد)) ضد السبط، وسبط بكسر الباء وفتحها مسترسل الشعر - انتهى كلامه -. وقوله: ((إلى الحمرة)) حال، أي مائلا لونه إلى الحمرة والبياض، فلم يكن شديد الحمرة والبياض. وقوله: ((في آيات)) أي رأيت المذكور في جملة آيات، لعله أراد الآيات المذكورة في قوله

стр. 2977

٥٧١٦ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليلة أسري بي، لقيتُ موسى - فنعته -: فإذا رجلٌ مضطربٌ، رجلُ الشعر، كأنه من رجال شنوءة، ولقيت عيسى ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس - يعني الحمام - ورأيت إبراهيم وأنا أشبه ــ تعالى: ﴿لقد رأي من آيات ربه الكبرى﴾ فعلى هذا في الكلام التفات حيث وضع إياه في موضع إياي، أو الراوى نقل معنى ما تلفظ به، والظاهر أن قوله: ﴿فلا تكن في مرية من لقائه﴾ يتعلق بأول الكلام وهو حديث موسى ﵊ تلميحًا إلى ما في التنزيل من قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه﴾. الكشاف: قيل: من لقائك موسى ﵊ ليلة الإسراء، فيكون ذكر عيسى ﵊ وما يتبعه من الآيات مستطردًا لذكر موسى، وإنما قطعة عن متعلقه وأخره ليشمل معناه الآيات على سبيل التبعية والإدماج، أي لا تكن يا محمد في رؤية ما رأيته من الآيات في شك، فعلى هذا الخطاب في قوله تعالى: ﴿فلا تكن﴾ رسول الله ﷺ والكلام كله متصل ليس فيه تغيير من الراوى إلا لفظة إياه. ويشهد له قول الشيخ محيى الدين في شرح هذا الحديث: كان قتادة يفسرها أن النبي ﷺ قد لقى موسى ﵊، ودافعه عليه جماعة، منهم: مجاهد والكلبى والسدى، ومعناه فلا تكن في شك من لقائك موسى، والشارحون ذهبوا إلى أن قوله: في آيات أراهن الله ... إلى آخره من كلام الراوى ألحقه بالحديث دفعًا لاستبعاد السامعين، وإماطة لما عسى أن يختلج في صدورهم. وقال المظهر: الخطاب في ﴿فلا تكن﴾ خطاب عام لمن سمع هذا الحديث إلى يوم القيامة، والضمير في ((لقائه)) عائد إلى الدجال، أي إذا كان خروجه موعدًا فلا تكن في شك من لقائه. وقال غيره: الضمير راجع إلى ما ذكر، أي فلا تكن في شك من رؤية ما ذكر من الآيات إلى يوم القيامة. وفي الوجوه بحث على ما لا يخفي والله أعلم. الحديث الثامن عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((فنعته)) هو من كلام الراوي أدرجه بين كلام رسول الله ﷺ . قوله: ((مضطرب)) قض: يريد أنه كان مستقيم القد حادًّا، فإن الحاد يكون قلقًا متحركًا كأن فيه اضطرابًا، ولذلك يقال: رمح مضطرب إذا كان طويلا مستقيمًا. وقيل: إنه كان مضطربًا من خشية الله تعالى، وهذه صفة النبيين والصديقين، كما روى أنه ﷺ : كان يصلي ولقلبه أزيز كأريز المرجل.

стр. 2978

ولده به)) قال: ((فأتيت بإناءين: أحدُهما لبنٌ والآخر فيه خمرٌ. فقيل لي: خُذْ أيهما شئت. فأخذت اللبن فشربته، فقيل لي: هديت الفطرة، أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك)) متفق عليه. ٥٧١٧ - وعن ابن عباس، قال: سرنا مع رسول الله ﷺ بين مكة والمدينة، فمررنا بواد، فقال: ((أي واد هذا؟)) فقالوا: وادي الأزرق. قال: ((كأني أنظر إلى موسى)) فذكر من لونِه وشعرِه شيئًا، واضعًا أصبعيه في أذنيه، له جؤارٌ إلى الله ــ قوله: ((رجل الشعر)) نه: أي لم يكن شديد الجعودة ولا شديد السبوطة بل بينهما. قوله: ((عيسى ربعة)) بالتسكين، أي لا طويل ولا قصير، والتأنيث على تأويل النفس. قوله: ((أحدهما لبن)) مظ: كان القياس ((فيه لبن)) كما قال: ((فيه خمر)) عدل إرادة لتكثير اللبن وكأن الإناء انقلب لبنًا، ولما كان الخمر منهيًّا عنه قلله. قوله: ((هديت الفطرة)) قض: أي الفطرة الأصلية التي فطر الناس عليها، فإن فيها الإعراض عما فيه غائلة وفساد كالخمر المخل بالعقل الداعى إلى الخير الوازع عن الشر المؤدى إلى صلاح الدارين وخير المنزلين، والميل إلى ما فيه نفع خال عن مضرة دنيوية ومعرة دينية كشرب اللبن فإنه من أصلح الأغذية وأول ما به حصلت التربية. تو: العالم القدسي تصاغ فيه الصور من العالم الحسي لتدرك بها المعانى، ولما كان اللبن في العالم الحسي من أول ما يحصل به التربية ويترشح به المولود صيغ عنه مثال الفطرة التي تتم بها القوة الروحانية، وينشأ عنها الخاصية الإنسانية. الحديث التاسع عشر عن ابن عباس ﵄: قوله: ((واضعًا .. مارًّا)) حالان مترادفتان أو متداخلتان من موسى ﵊ وقد تخلل بينهما كلام الراوي. و ((الجؤار)) رفع الصوت. و ((هرشي)) بفتح الهاء والشين المعجمة مقصورة، جبل على طريق الشام والمدينة قرب الجحفة. و ((لفت)) يروي فيه كسر اللام وإسكان الفاء وفتحها معه، وفتحهما. و ((الخطام)) بكسر الخاء الحبل الذي يقاد به البعير، يجعل على خطمه أي مقدم أنفه وفمه. و ((الخلبة)) بضم الخاء المعجمة والباء الموحدة بينهما لام يجوز فيها الضم والإسكان كذلك، حبل الليف.

стр. 2979

بالتلبية، مارًّا بهذا الوادي)). قال: ثم سرنا حتى أتينا على ثنية. فقال: ((أي ثنية هذه؟)) قالوا: هرشي - أو لفت فقال: ((كأني أنظر إلى يونس على ناقة حمراء، عليه جبة صوف، خطام ناقته خلبة، مارًّا بهذا الوادي ملبيًا)) رواه مسلم. ٥٧١٨ - وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: ((خفف على داود القرآن، فكان يأمر بدوابه فتسرح، فيقرأ القرآن قبل أن تسرح دوابُّه، ولا يأكل إلا من عمل يديه)) رواه البخاري. ــ مح: فإن قيل: كيف يحجون ويلبون وهم أموات والدار الآخرة ليست بدار عمل؟. الجواب من وجوه: أحدها: أنهم كالشهداء بل أفضل، والشهداء أحياء عند ربهم، فلا يبعد أن يحجوا ويصلوا ويتقربوا إلى الله تعالى بما استطاعوا، لأنهم وإن كانوا قد توفوا فهم في هذه الدنيا التي هي دار العمل، حتى إذا فنيت مدتها وتعقبتها الآخرة التي هي دار الجزاء انقطع العمل. وثانيها: التلبية دعاء وهو من عمل الآخرة، قال الله تعالى: ﴿دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين﴾. وثالثها: أن تكون هذه رؤية منام في غير ليلة الإسراء كما قال في رواية ابن عمر ﵄ ((بينا أنا نائم رأيتني أطوف بالكعبة ..)) وذكر الحديث في قصة عيسى ﵊. ورابعها: أنه ﷺ أرى حالهم التي كانت في حياتهم، ومثلوا له في حال حياتهم كيف كانوا؟ وكيف كان حجهم وتلبيتهم؟ كما قال ﷺ : ((كأني أنظر إلى موسى)). وخامسها: أن يكون أخبر عما أوحى إليه ﷺ من أمرهم وما كان منهم وإن لم يرهم رؤية عين - هذا آخر كلام القاضي عياض -. وفي الحديث دليل على استحباب وضع الأصبع في الأذن عند رفع الصوت بالآذان ونحوه، وهذا الاستنباط والاستحباب يجيء على مذهب من يقول من أصحابنا وغيرهم إن شرع من قبلنا شرع لنا والله أعلم. الحديث العشرون عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((فيقرأ القرآن)) نه: الأصل في هذه اللفظة الجمع، وكل شيء جمعته فقد قرأته، وسمى القرآن قرآنا لأنه جمع: القصص والأمر والنهي والوعد والوعيد والآيات والسور بعضها إلى بعض، كالغفران والكفران، وقد يطلق على القراءة نفسها، يقال: قرأ يقرأ قراءة وقرآنًا.

стр. 2980

٥٧١٩ - وعنه، عن النبي ﷺ ، قال: ((كانت امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت صاحبتها: إنما ذهب بابنك. وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود، فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما فقالت الصغرى: لا تفعل، يرحمك الله، هو ابنها، فقضى به للصغرى)) متفق عليه. ٥٧٢٠ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((قال سليمان: لأطوفن الليلة على تسعين امرأة - وفي رواية: بمائة امرأة - كلهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله. فقال له الملك: قل إن شاء الله. فلم يقل ونسي، فطاف عليهن، فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجلٍ، وايم الذي نفس محمد بيده، لو قال: إن شاء الله، لجاهدوا في سبيل الله فرسانًا أجمعون)) متفق عليه. ــ تو: يرد بالقرآن الزبور، وإنما قال القرآن لأنه قصد به إعجازه من طريق القراءة. وقد دل الحديث على أن الله تعالى يطوي الزمان لمن شاء من عباده، كما يطوي المكان لهم، وهذا باب لا سبيل إلى إدراكه إلا بالفيض الرباني. الحديث الحادي والعشرون عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((فقضى به للكبرى)) مح: قالوا: يحتمل أن داود ﵊ قضى به للكبرى لشبه رآه فيهما، أو لكونه كان في يدها، وأما سليمان فتوصل بطريق من الحيلة والملاطفة إلى معرفة باطن القضية، وإنما أراد اختبار شفقتهما لتتميز له الأم لا القطع حقيقة، فلما تميزت حكم به للصغرى بإقرار الكبرى لا بمجرد الشفقة. قال العلماء: ومثل ذلك يفعله الحكام ليتوصلوا به إلى حقيقة الصواب. فإن قيل: كيف نقض سليمان حكم أبيه داود؟. فالجواب من وجوه: أحدها: أن داود لم يكن جزم بالحكم. وثانيها: أن يكون ذلك فتوى من داود. وثالثها: لعله كان في شرعهم فسخ الحكم إذا رفعه الخصم إلى حاكم آخر يرى خلافه. الحديث الثاني والعشرون عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((كلهن تأتي بفارس)) أي كل واحدة منهن، والكل هاهنا واجب أن يكون إفراديًا. قوله: ((وايم الذي نفس محمد بيده)) تو: الأصل في ((ايم الله)) ((ايمن الله)) حذف منه النون،

стр. 2981

٥٧٢١ - وعنه، أن رسول الله ﷺ قال: ((كان زكريَّاء نجارًا)) رواه مسلم. ٥٧٢٢ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الأولى والآخرة، الأنبياء إخوةٌ من علات، وأمهاتهم شتى، ودينهم واحدٌ، وليس بيننا نبيٌّ)). متفق عليه. ــ وهو اسم وضع للقسم هكذا بضم الميم والنون وألفه ألف وصل عند أكثر النحويين، ولم يجيء في الأسماء ألف الوصل مفتوحة غيرها، وتقديره ((ايمن الله قسمى)) وإذا حذفت منه النون قيل: ((ايم الله)) بكسر الهمزة أيضًا. و ((أجمعون)) تأكيد للضمير، ومنهم من يرويه ((أجمعين)) على الحال، والرواية المعتد بها ((أجمعون)) بالرفع. قيل: والحديث يدل على أن من أراد أن يعمل عملا يستحب أن يقول عقيب قوله: ((إنى أعمل كذا)) ((إن شاء الله)) تتميمًا تبركًا وتيمنًا وتسهيلا لذلك العمل. الحديث الثالث والعشرون والرابع والعشرون عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((أنا أولى الناس بعيسى)) ((قض)): الموجب لكونه أولى الناس بعيسى عليهما الصلاة والسلام أنه كان أقرب المرسلين إليه، وأن دينه متصل بدينه ليس بينهما نبي، وأن عيسى كان مبشرًا به ممهدًا لقواعد دينه داعيًا للخلق إلى تصديقه. و ((العلة)) الضرة، مأخوذ من العلل وهو الشربة الثانية بعد الأولى، وكأن الزوج علَّ منها بعد ما كان ناهلا من الأخرى. وأولاد العلات: أولاد الضرات من رجل واحد، والمعنى أن حاصل أمر النبوة والغاية القصوى من البعثة التي بعثوا جميعًا لأجلها دعوة الخلق إلى معرفة الحق، وإرشادهم إلى ما به ينتظم معاشهم ويحسن معادهم، فهم متفقون في هذا الأصل، وإن اختلفوا في تفاريع الشرع التي هي كالوصلة المؤدية والأوعية الحافظة له، فعبر عما هو الأصل المشترك بين الكل بالأب ونسبهم إليه، وعبر عما يختلفون فيه من الأحكام والشرائع المتفاوتة بالصورة المتقاربة في الغرض بالأمهات، وهو معنى قوله: ((أمهاتهم شتى ودينهم واحد)) وأنهم وإن تباينت أعصارهم وتباعدت أيامهم فالأصل الذي هو السبب في إخراجهم وإبرازهم - كلا في عصره - أمر واحد وهو الدين الحق الذي فطر الناس مستعدين لقبوله ممكنين من الوقوف عليه والتمسك به، فعلى هذا المراد بالأمهات الأزمنة التي اشتملت عليهم وانكشفت عنهم. قوله: ((الأنبياء إخوة من علات ... إلى آخره)) استئناف فيه دليل على الحكم السابق وكأن

стр. 2982

٥٧٢٣ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((كل بنى آدم يطعن الشيطان في جنبيه بأصبعيه حين يولد، غير عيسى بن مريم ذهب يطعن فطعن في الحجاب)). متفق عليه. ٥٧٢٤ - وعن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسيةُ امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)) متفق عليه. ــ سائلا سأل عما هو المقتضى لكونه أولى الناس به فأجاب بأن بين الأنبياء أخوة ليست بينهم وبين سائر الناس، ثم بينهما من قرب الزمان واتصال الدعوة ما ليس بين عيسى وغيره من الأنبياء، وهو معنى قوله: ((ليس بيننا نبي)) أي بيني وبين عيسى ﵇ والله أعلم. أقول: قوله: ((الأنبياء إخوة من علات)) كما مر استئناف على بيان الموجب لقوله ﷺ : ((أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الأولى والآخرة)) فينبغى أن ينزل البيان على المبين، يعني الأنبياء كلهم متساوون فيما بعثوا لأجله من أصل التوحيد وليس لأحد اختصاص فيه، لكن أنا أخص الناس بعيسى لأنه كان مبشرًا بي قبل بعثتي وممهدًا لقواعد ملتي، تم في آخر الزمان متابع لشريعتي وناصر لديني فكأننا واحد. و ((الأولى والآخرة)) يحتمل أن يراد بهما الحالة الأولى وهي كونه مبشرًا، والحالة الآخرة وهي كونه ناصرًا ومقويًا لدينه ﵊ وعلى جميع النبيين. فإن قلت: كيف التوفيق بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا﴾ - أي أنا أخصهم به وأقربهم منه-؟. قلت: الحديث وارد في كونه ﷺ ، متبوعًا، والتنزيل في كونه تابعًا وله الفضل تابعًا ومتبوعًا، قال الله تعالى: ﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم﴾ وقد مرَّ تفسيره. الحديث الخامس والعشرون عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((فطعن في الحجاب)) أي المشيمة، وهذا يدل على أن المس في قوله ﷺ : ((ما من مولود إلا يمسه الشيطان)) على الحقيقة كما مر في باب الوسوسة. الحديث السادس والعشرون عن أبي موسى ﵁: قوله: ((كفضل الثريد على سائر الطعام)) لم يعطف عائشة ﵁ على آسية لكن أبرز الكلام في صورة جملة مستقلة تنبيها على اختصاصها بما امتازت به عن سائرهن، ونحوه في الأسلوب قوله ﷺ : ((حبب إلى من الدنيا ثلاث: الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة)).

стр. 2983

وذكر حديث أنس: ((يا خير البرية)). وحديث أبي هريرة: ((أي الناس أكرم)) وحديث ابن عمر: ((الكريم بن الكريم)) في ((باب المفاخرة والعصبية)). الفصل الثاني ٥٧٢٥ - عن أبي رزين. قال: قلت: يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: ((كان في عماء، ما تحته هواء، وما فوقه هواء، وخلق عرشه على الماء)). رواه الترمذي وقال: قال يزيد بن هارون العماء: أي ليس معه شيء. [٥٧٢٥] ــ تو: قيل إنما مثل بالثريد لأنه أفضل طعام العرب ولا يرون في الشبع أغنى غناء منه. وقيل: إنهم كانوا يحمدون الثريد فيما طبخ بلحم. وروى: ((سيد الطعام اللحم)). وكأنها فضلت على النساء كفضل اللحم على سائر الأطعمة، والسر فيه أن الثريد مع اللحم جامع بين: الغذاء واللذة والقوة وسهولة التناول وقلة المؤنة في المضغ وسرعة المرور في المريء، فضرب مثلا ليؤذن بما أعطيت من: حسن الخلق وحلاوة المنطق وفصاحة اللهجة وجودة القريحة ورزانة الرأي ورصانة العقل والتحبب إلى البعل، فهي تصلح للتبعل والتحدث والاستئناس بها والإصغاء إليها، وحسبك أنها عقلت من النبي ﷺ ما لم يعقل غيرها من النساء وروت ما لم يرو مثلها من الرجال. وعما يدل على أن الثريد أشهى الأطعمة عندهم وألذها قول الشاعر: إذا ما الخبز تأدمه يلحم فذاك أمانة الله الثريد الفصل الثاني الحديث الأول عن أبي رزين ﵁: قوله: ((كان في عماء)) ((فا)): هو السحاب الرقيق، وقيل: السحاب الكثيف المطبق. وقيل: شبه الدخان يركب رءوس الجبال، وعن الجرمى: الضباب. نه: العماء بالفتح والمد السحاب، قال أبو عبيدة: لا ندرى كيف كان ذلك العماء؟ وفي

стр. 2984

٥٧٢٦ - وعن العباس بن عبد المطلب، زعم أنه كان جالسا في البطحاء في عصابة ورسول الله ﷺ جالس فيهم، فمرت سحابة، فنظروا إليها، فقال رسول الله ﷺ : ((ما تسمون هذه؟)). قالوا: السَّحاب. قال: ((والمزن؟)) قالوا: والمزن. قال: ــ رواية: ((عمى)) بالقصر، ومعناه ليس معه شيء، وقيل: هو كل أمر لا تدركه عقول بنى آدم ولا يبلغ كنهه الوصف والفطن. ولا بد في قوله: ((أين كان ربنا؟)) من مضاف محذوف كما حذف في قوله تعالى: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم﴾ ونحوه، فيكون التقدير: ((أين كان عرش ربنا؟)) يدل عليه قوله تعالى: ﴿وكان عرشه على الماء﴾. قال الأزهرى: نحن نؤمن به ولا نكيفه بصفة، أي نجرى اللفظ على ما جاء عليه من غير تأويل. أقول: لم يفتقر إلى التقدير، ولا بد لقوله: ((في عماء)) بالمد، من التأويل حتى يوافق الرواية الأخرى: ((عمى)) مقصورًا، وأما ما ورد في الصحاح عن عمران بن الحصين ﵁: ((كان الله ولم يكن شيء وكان عرشه على الماء)) وذلك أن قوله: ((ما تحته هواء وما فوقه هواء)) جاء تتميمًا وصونا لما يفهم من قوله: ((في عماء)) من المكان فإن الغمام المتعارف محال أن يوجد بغير هواء فهو نظير قوله: ((كلتا يديه يمين)) على ما سبق، فالجواب من الأسلوب الحكيم، سئل عن المكان فأجاب عن أن لامكان، يعني إن كان هذه مكانًا فهو في مكان، وهو إرشاد له في غاية اللطف. قض: المراد به ما لا تقبله الأوهام ولا تدركه الفطن والأفهام، عبر به عن عدم المكان بما لا يدرك ولا يتوهم، وعن عدم ما يحويه ويحيط به بالهواء، فإنه يطلق ويراد به الخلاء الذي هو عبارة عن عدم الجسم ليكون أقرب إلى فهم السامع، ويدل عليه أن السؤال كان عما قبل أن يخلق خلقه، فلو كان العماء أمرًا موجودًا لكان مخلوقًا إذ ما من شيء سواه إلا وهو مخلوق خلقه وأبدعه، فلم يكن الجواب طبق السؤال. الحديث الثاني عن العباس ﵁: قوله: ((المزن)) نه: هو الغيم والسحاب واحدته مزنة، وقيل: هي السحاب الأبيض وكذا: ((العنان)) بالفتح السحاب والواحدة عنانة، وقيل: ما عن لك فيها، أي اعترض وبدا لك إذا رفعت رأسك.

стр. 2985

((والعنان؟)). قالوا: والعنان. قال: ((هل تدرون ما بعد ما بين السماء والأرض؟)) قالوا. لا ندري قال: ((إن بعد ما بينهما إما واحدة وإما اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة، والسماء التي فوقها كذلك)) حتى عد سبع سماوات. ثم ((فوق السماء السابعة بحر، بين أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك ثمانية أو عال، بين أظلافهن ووركهن مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم على ظهورهن العرش، بين أسفله وأعلاه ما بين سماء إلى سماء، ثم الله فوق ذلك)). رواه الترمذي، وأبو داود. [٥٧٢٦] ٥٧٢٧ - وعن جبير بن مطعم، قال: أتى رسول الله ﷺ أعرابي، فقال: جهدت الأنفس، وجاع العيال، ونهكت الأموال، وهلكت الأنعام، فاستسق الله لنا، فإنا ــ و: ((الأوعال)) هي تيوس الجبل واحدها: ((وعل)) بكسر العين؟ والمراد هاهنا ملائكة على صورة الأوعال. و ((الظلف)) للبقر والغنم كالحافر للفرس والبغل. و ((الورك)) ما فوق الفخذ وهي مؤنثة. أقول: استعمل ((زعم)) ونسبه إلى عباس رمزًا إلى أنه لم يكن حينئذ مسلمًا ولا تلك العصابة كانوا مسلمين، يدل عليه قوله: ((في البطحاء)) وأراد ﷺ أن يشغلهم عن السفليات إلى العلويات، والتفكر في ملكوت السموات والعرش، ثم يترقوا إلى معرفة خالقهم ورازقهم ويستنكفوا عن عبادة الأصنام ولا يشركوا بالله الملك العلام، فأخذ في الترقى من السحاب، ثم من السماوات، ثم من البحر ثم من الأوعال، ثم من العرش إلى ذى العرش، فالفوقية بحسب العظمة لا المكان، فإن الله فوق أن يكون العرش منزله ومستقره، بل الله خالقه وهو منزه عن المقر والمكان والله أعلم. والمراد بـ ((السبعون)) في الحديث التكثير لا التحديد، لما ورد أن بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة، والتنكير هنا أبلغ والمقام له أدعى. الحديث الثالث عن جبير ﵁: قوله: ((جهدت الأنفس)) الجهد: بفتح الجيم المشقة، وبضمها الطاقة. و ((نهك)) أي دنف وضنى، فهو منهوك، والمراد به هاهنا نقصان الأموال وتلفها. قوله: ((فإنا نستشفع بك على الله)) يقال: استشفعت بفلان على فلان فتشفع لى إليه وشفعه

стр. 2986

نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك. فقال النبي ﷺ : سبحان الله، سبحان الله)). فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال: ((ويحك إنه لا يستشفع بالله على أحد، شأن الله أعظم من ذلك، ويحك أتدري ما الله؟ إن عرشه على سماوا ته لهكذا)) وقال بأصابعه مثل القبة عليه ((وإنه ليئط أطيط الرحل بالراكب)) رواه أبو داود. [٥٧٢٧] ٥٧٢٨ - وعن جابر بن عبد الله، عن رسول الله ﷺ قال: ((أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش، أن ما بين شحمة أذنيه إلى عاتقيه مسيرة سبعمائة عام)). رواه أبو داود. [٥٧٢٨] ــ أجاب شفاعته، ولما قيل: إن الشفاعة الانضمام إلى آخر ناصرًا له وسائلا عنه إلى ذي سلطان منع ﷺ أن يستشفع بالله تعالى على أحد، وقوله ذلك إشارة إلى أثر هيبة أو خوف استشعر من قوله ((سبحان الله)) تنزيها عما نسب إلى الله تعالى من الاستشفاع به على أحد، وتكراره ذلك مرارًا. وقوله: ((لهكذا)) اللام فيه ابتدائية دخلت في خبر ((إن)). و ((مثل القبة)) حال من المشار به، وفي ((قال)) معنى الإشارة، أي: أشار بأصابعه مشابهة هذه الهيئة، وهي الهيئة الحاصلة للأصابع الموضوعة على الكف مثلا حالة الإشارة. قوله: ((ليئط به)) نه: يعني أنه ليعجز عن حمله وعظمته إذا كان معلومًا أن أطيط الرحل بالراكب إنما يكون لقوة ما فوقه وعجزه عن احتماله. خط: هذا الكلام إذا أجرى على ظاهره كان فيه نوع من الكيفية، والكيفية عن الله وعن صفاته منفية. قيل: إنه ليس المراد منه تحقيق هذه الصفة ولا تحديده على هذه الهيئة، وإنما هو كلام تقريب أريد به تقرير عظمة الله تعالى في النفوس، وإفهام السائل من حيث يدركه فهمه، إذ كان أعرابيا جافيًا لا علم له بمعانى ما دق من الكلام، وقرر بهذا التمثيل والتشبيه معنى عظمة الله تعالى وجلاله في نفس السائل، وأن من يكون كذلك لا يجعل شفيعًا إلى من هو دونه.

стр. 2987

٥٧٢٩ - وعن زرارة بن أوفي أنَّ رسول الله ﷺ قال لجبريل: ((هل رأيت ربك؟ فانتفض جبريل وقال: يا محمد! إن بيني وبينه سبعين حجابًا من نور، لو دنوت من بعضها لاحترقت)) هكذا في ((المصابيح)). [٥٧٢٩] ٥٧٣٠ - ورواه أبو نعيم في ((الحلية)) عن أنس إلا أنه لم يذكر: ((فانتفض جبريل)). [٥٧٣٠] ٥٧٣١ - وعن ابن عباس، قال: رسول الله ﷺ : ((إذ الله خلق إسرافيل، منذ يوم خلقه صافًا قدميه لا يرفع بصره، بينه وبين الرب ﵎ سبعون نورًا، ما منها من نورٍ يدنو منه إلا احترق)) رواه الترمذي وصححه. ٥٧٣٢ - وعن جابر، أن النبي ﷺ قال: ((لما خلق الله آدم وذريته، قالت الملائكة: ياربِّ! خلقتهم يأكلون ويشربون وينكحون ويركبون، فاجعل لهم الدنيا ــ الحديث الرابع والخامس عن زرارة ﵁: قوله: ((فانتفض)) أي: ارتعد من هيبة ما سمع، قيل: فيه دليل على حقيقة رؤية الله تعالى في دار البقاء، فإنه لو كانت مستحيلة ما سأل النبي ﷺ عنها. الحديث السادس عن ابن عباس ﵄: قوله: ((منذ يوم خلقه)) ((مظ)): منذ هاهنا حرف جر وهو بمعنى في - انتهى كلامه -. و ((صافًا)) حال من إسرافيل لا من ضميره المنصوب، و ((منذ يوم)) ظرف لصافًا وليس بمعنى في، المعنى أن الله خلق إسرافيل صافًا قدميه من أول مدة خلقه. قال الدار الحديثى: اتفقوا أن مذ ومنذ إنما يدخلان أسماء الزمان، ثم قالوا: إن أريد ابتداء الزمان الماضى الذي انتهاؤه أنت فيه يكونان للابتداء، نحو ما رأيته منذ يومين أو منذ سنة كذا، أي انتفي الرؤية من ابتداء يومين أنا في آخرهما، وليسا بمعنى في وإن قال به بعض؛ لأن المفهوم منهما نفي الرؤية في مدة معينة أنت في آخرها مقصودًا به ابتداؤها وانتهاؤها. الحديث السابع عن جابر ﵁: قوله: ((لا اجعل)) يحتمل أن تكون ((لا)) نفي لأجعل، وأن تكون ردًا لقولهم، ثم يبتدىء بالجملة الاستفهامية إنكارًا عليهم وهو أبلغ.

стр. 2988

ولنا الآخرة. قال الله تعالى: لا أجعلُ من خلقته بيديَّ ونفخت فيه من روحي؛ كمن قلت له: كن فكان)) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [٥٧٣٢] الفصل الثالث ٥٧٣٣ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((المؤمن أكرم على الله من بعض ملائكته)) رواه ابن ماجه. [٥٧٣٣] ٥٧٣٤ - وعنه، قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: ((خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبثَّ فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق وآخر ساعة من النهار فيما بين العصر إلى الليل)) رواه مسلم. ــ قوله: ((كمن قلت له: كن)) أي لا يستوي في الكرامة من خلقته بنفسي ولا وكلت خلقه إلى أحد، ((ونفخت فيه من روحي)) وهو آدم وأولاده مع من يكون بمجرد الأمر بقول: كن، وهو الملك، وإضافة الروح إلى نفسه إضافة تشريف كقوله: بيت الله. الفصل الثالث الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((المؤمن أكرم على الله)) يراد بالمؤمن عوامهم، وببعض الملائكة عوامهم أيضًا. قال محيى السنة في تفسير قوله تعالى: ﴿ولقد كرمنا بنى آدم﴾: الأولى أن يقال: عوام المؤمنين أفضل من عوام الملائكة، وخواص المؤمنين أفضل من خواص الملائكة، قال الله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية﴾ ويستدل به أهل الله في تفضيل الأنبياء على الملائكة. الحديث الثاني والثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((روايا الأرض)) ((نه)): سمى السحاب روايا البلاد، والروايا من الإبل الحوامل للماء واحدتها راوية، فشبهها بها، وبه سميت المزادة راوية، وقيل: بالعكس.

стр. 2989

٥٧٣٥ - وعنه، قال: بينما نبي الله ﷺ جالس وأصحابه إذ أتى عليهم سحاب، فقال نبي الله ﷺ : ((هل تدرون ما هذا؟)). قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ((هذه العنان هذه روايا الأرض، يسوقها الله إلى قوم لا يشكرونه، ولا يدعونه)). ثم قال: ((هل تدرون ما فوقكم؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ((فإنها الرقيع، سقف محفوظ، وموج مكفوفٌ)). ثم قال: ((هل تدرون ما بينكم وبينها؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ((بينكم وبينها خمسمائة عام)) ثم قال: ((هل تدرون ما فوق ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: ((سماءان بعد ما بينهما خمسمائة سنة)). ثم قال كذلك حتى عدَّ سبع سموات ((ما بين كل سماءين ما بين السماء والأرض)). ثم قال: ((هل تدرون ما فوق ذلك؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ((إن فوق ذلك العرش، وبينه وبين السماء بعد ما بين السماءين)). ثم قال: ((هل تدرون ما الذي تحتكم؟)). قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ((إنها الأرض)) ثم قال: ((هل تدرون ما تحت ذلك؟)). قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ((إن تحتها أرضًا أخرى، بينهما مسيرة خمسمائة سنة)). حتى عدَّ سبع أرضين ((بين كل أرضين مسيرة خسمائة سنة)). قال ((والذي نفس محمد بيده لو أنكم دليتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله)). ثم قرأ: (هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيءٍ عليم) رواه أحمد، والترمذي. وقال الترمذي: ــ و ((الرقيع)) اسم لكل سماء، والجمع أرقعة، وقيل: الرقيع اسم سماء الدنيا. و ((المكفوف)) الممنوع من الاسترسال، يعني أن الله تعالى حفظها أن تقع على الأرض وهي معلقة بلا عمد كالموج المكفوف. وقوله: ((دليتم)) أي أرسلتم، يقال: أدليت الدلو ودليتها إذا أرسلتها في البئر. قوله: ((على علم الله وقدرته وسلطانه)) أما علم الله تعالى فهو من قوله تعالى: ﴿وهو بكل شيء عليم﴾. وأما قدرته فهو من قوله تعالى، ﴿هو الأول والآخر﴾ أي هو الأول الذي يبديء كل شيء ويخرجه من العدم إلى الوجود، والآحر الذي يفنى كل شيء: ﴿كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾. وأما سلطانه فمن قوله: ﴿والظاهر والباطن﴾ قال الأزهري: يقال: ظهرت على فلان إذا غلبته، وظهرت على السطح إذا علوته - انتهى كلامه -.

стр. 2990

قراءة رسول الله ﷺ الآية تدل على أنه أراد: لهبط على علم الله وقدرته وسلطانه، وعلم الله وقدرته وسلطانه في كل مكان، وهو على العرش، كما وصف نفسه في كتابه. [٥٧٣٥] ٥٧٣٦ - وعنه، أن رسول الله ﷺ قال: ((كان طول آدم ستين ذراعا في سبع أذرع عرضًا)). [٥٧٣٦] ٥٧٣٧ - وعن أبي ذر، قال: قلت: يا رسول الله! أي الأنبياء كان أول؟ قال: ((آدم)). قلت: يا رسول الله! ونبي كان؟ قال: ((نعم نبيٌّ مكلم)). قلتُ: يا رسول الله كم المرسلون؟ قال: ((ثلاثمائة وبضعة عشر جما غفيرا)). [٥٧٣٧] ــ المعنى: هو الغالب الذي لا يغلب فيتصرف في المكونات على سبيل الغلبة والاستيلاء إذ ليس فوقه أحد يمنعه. والباطن: هو الذي لا ملجأ ولا منجي دونه. والكاف في ((كما)) منصوب على الصدر، أي هو مستو على العرش استواء مثل ما وصف نفسه به في كتابه، وهو مستأثر بعلمه باستوائه عليه، وفي قول الترمذي إشعار إلى أنه لا بد لقوله ((لهبط على الله)) من هذا التأويل المذكور، ولقوله: ﴿على العرش استوى﴾ من تفويض علمه إليه تعالى والإمساك عن تأويله، كما سبق أن بعضًا من خلاف الظاهر يحتاج إلى التأويل ومنها ما لا يجوز الخوض فيه. الحديث الرابع والخامس عن أبي ذر ﵁: قوله: ((ونبي كان)) لا بد فيه من تقدير همزة الاستفهام للتقرير لما قال أولا: ((أي الأنبياء؟)) وأجيب بقوله: ((آدم)) أي: أو هو نبي كان؟. ذكر ((نبي)) بعد قوله: ((نعم)) لينيط به ((مكلم)) أي لم يكن نبيًا فقط بل كان نبيًا مكلما أنزل عليه الصحف. الكشاف في قوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي﴾ هذا دليل بيِّن على تغاير الرسول والنبي، والفرق بينهما أن الرسول من الأنبياء من جمع إلى المعجزة الكتاب المنزل عليه، والنبي غير الرسول من لم ينزل عليه كتاب، وإنما أمر أن يدعو إلى شريعة من قبله.

стр. 2991

وفي رواية عن أبي أمامة، قال أبو ذر: قلت: يا رسول الله كم وفاءُ عدة الأنبياء؟ قال: ((مائة ألف وأربعةٌ وعشرون ألفًا، الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جمًا غفيرًا)). ٥٧٣٨ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ليس الخبر كالمعاينة، إن الله تعالى أخبر موسى بما صنع قومه في العجل، فلم يُلق الألواح، فلما عاين ما صنعوا ألقى الألواح فانكسرت)) روى الأحاديت الثلاثة أحمد [٥٧٣٨]. [كتاب الفضائل والشمائل] (١) باب فضائل سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه الفصل الأول ٥٧٣٩ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((بعثت من خير قرون بني ــ وقوله: ((كم وفاء؟)) أي: وكم كمال عددهم؟. نه: يقال: وفي الشيء وفاء إذا تم وكمل. قوله: ((جمًا غفيرًا)) نه: أي مجتمعين كثيرين وأصل الكلمة من الجموم والجمة، وهو الاجتماع والكثرة. والغفير: من الغفرة وهو التغطية والستر، جعلت الكلمتان في موضع الشمول والإحاطة، ولم تقل العرب ((الجماء)) إلا موصوفة وهي منصوبة على المصدر كطرًا وقاطبة فإنها أسماء وضعت موضع المصدر. الحديث السادس عن ابن عباس ﵄: قوله: ((إن الله تعالى أخبر)) استشهاد وتقرير لمعنى قوله: ((ليس الخبر كالمعاينة)) فإنه تعالى لما قال: ﴿إنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري﴾ عند نزول ألواح التوراة عليه لم يلق الألواح، ﴿ما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفًا قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه﴾. كتاب الفضائل والشمائل باب فضائل سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه الفصل الأول الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((قرنا فقرنًا)) حس: القرن كل طبقة

стр. 2992

آدمَ قرناً فقرناً، حتى كنتُ من القرن الذي كنتُ منه)). رواه البخاري. ــ مقترنين في وقت، سمى قرناً لأنه يقرن أمة بأمة وعالماً بعالم، وهو مصدر قرنت، أي وصلت، وجعل اسماً للوقت أو لأهله. وقيل: القرن ثمانون سنة، وقيل: أربعون، وقيل: مائة. قوله: ((حتى كنت)) غاية قوله: ((بعثت)) والمراد بالبعث تقلبه في أصلاب الآباء أباً فأباً قرناً فقرناً حتى ظهر في القرن الذي وجد فيه، يعني انتقلت أولاً من صلب ولد إسماعيل، ثم من كنانة، ثم من قريش، ثم من بني هاشم، فالفاء في قوله: ((قرناً فقرناً)) للترتيب على سبيل الترقي من الآباء الأبعد إلى الأقرب فالأقرب، كما في قولك: خذ الأفضل فالأكمل، واعمل الأحسن فالأجمل، نحو: ﴿فالزاجرات زجراً فالتاليات ذكراً﴾ وعلى أن الطوائف الصافات ذوات فضل، والزاجرات أفضل والتاليات، وفي معناه أنشد ابن الرومي: كم من أب قد علا بابن ذرى شرف ... كما علا برسول الله عدنان وفي قولنا: ((حتى ظهر في القرن الذي وجد)) نسخته مما روى الإمام ابن الجوزي في كتابه الوفاء عن كعب الأحبار ﵁ قال: لما أراد الله أن يخلق محمداً ﷺ أمر جبريل ﵇ فأتاه بالقبضة البيضاء التي هي موضع قبر رسول الله ﷺ ، فعجنت بماء التسنيم، فغمست في أنهار الجنة، وطيف بها في السموات، فعرفت الملائكة محمداً ﷺ وفضله قبل أن يعرف آدم، ثم كان نور محمد يرى في غرة جبهة آدم، وقيل له: يا آدم هذا سيد ولدك من المرسلين، فلما حملت حواء بشيث انتقل النور من آدم إلى حواء، وكانت تلد في كل بطن ولدين إلا شيئاً فإنها ولدته وحده كرامة لمحمد ﷺ ، ثم لم يزل ينتقل من طاهر إلى طاهر إلى أن ولد ﷺ . وروى أيضًا أنه مر عبد الله بن عبد المطلب بامرأة من خثعم يقال لها: (فاطمة بنت مر) وكانت من أجمل الناس وأعفهم، وكانت قرأت الكتب، فرأت نور النبوة في وجه عبد الله فقالت: هل لك أن تقع على وأعطيك، مائة من الإبل؟ فقال: أما الحرام فالممات دونه ... وأما الحل فلا حل ثم مضى إلى امرأته بنت وهب وكان معها، ثم ذكر الخثعمية وما عرضت عليه فأقبل إليها، فلم ير منها الإقبال عليه آخراً كما رآه منها أولاً، فقال لها: هل لك فيما قلت لي؟ فقالت: قد كان ذلك مرة فاليوم لا. فذهب ميلاً، وقالت: أي شيء صنعت بعدي، قال: وقعت على زوجتي آمنة، فقالت: والله لست بصاحبة ريبة ولكني رأيت نور النبوة في وجهك فأردت أن يكون ذلك في، فأبى الله إلا أن يجعله حيث جعله.

стр. 2993

٥٧٤٠ - وعن واثلة بن الأسقع، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: ((إِن الله اصطفي كنانة من ولد إِسماعيل، واصطفي قريشاً من كنانة، واصطفي من قريش بنى هاشم، واصطفاني من بني هاشم)) رواه مسلم. وفي رواية للترمذي: ((إن الله اصطفي من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفي من ولد إسماعيل بني كنانة)). [٥٧٤٠] ٥٧٤١ - وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافعٍ، وأول مشفع)) رواه مسلم. ــ وفي رواية: لما خرج عبد المطلب بعبد الله ليزوجه مر به على كاهنة يقال لها: (فاطمة بنت مر) وقد قرأت الكتب فرأت في وجهه نوراً، فقالت: يا فتى هل لك أن تقع على وأعطيك .. إلى آخره. الحديث الثاني عن واثلة ﵁: قوله: ((واصطفاني من بني هاشم)) حس: هو أبو القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصى بن كلاب بن مرة ابن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، ولا يصح حفظ النسب فوق عدنان، وقريش هم أولاد النضر بن كنانة كانوا يتفرقون في البلاد فجمعهم قصي بن كلاب في مكة، فسموا قريشاً لأنه قرشهم أي جمعهم ولكنانة ولد سوى النضر وهم لا يسمون قريشاً لأنهم لم يقرشوا. الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁: ((أنا سيد ولد آدم)) مح: قال الهروي: السيد هو الذي يفوق قومه في الخير، وقال غيره: هو الذي يفزع إليه في النوائب والشدائد، فيقوم بأمورهم ويتحمل عنهم مكارههم ويرفعها عنهم، والتقييد بيوم القيامة مع أنه ﷺ سيدهم في الدنيا والآخرة معناه أنه: يظهر يوم القيامة سؤدده بلا منازع ولا معاند بخلاف الدنيا فقد نازعه فيها ملوك الكفار وزعماء المشركين، وهو قريب من معنى قوله تعالى: ﴿لمن الملك اليوم لله الواحد القهار﴾ مع أن الملك له قبل ذلك، لكن كان في الدنيا من يدعي الملك أو من يضاف إليه مجازاً فانقطع كل ذلك في الآخرة. وفي الحديث دليل على فضيلته ﷺ على كل الخلق، لأن مذهب أهل

стр. 2994

٥٧٤٢ - وعن أنسٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((أنا أكثر الأنبياء تبعاً يوم القيامة، وأنا أول من يقرع باب الجنة)) رواه مسلم،. ٥٧٤٣ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((آتى باب الجنة يوم القيامة، فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمدٌ فيقول: بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك)). رواه مسلم. ٥٧٤٤ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أنا أول شفيع في الجنة لم يصدق نبي من الأنبياء ما صدقت، وإن من الأنبياء نبياً ما صدقه من أمته إلا رجل واحد)) رواه مسلم. ــ السنة أن الآدمي أفضل من الملائكة، وهو ﷺ أفضل الآدميين بهذا الحديث وغيره، وأما الحديث الآخر: ((لا تفضلوا بين الأنبياء)) فجوابه من خمسة أوجه: أحدها: أنه ﷺ قاله قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم. والثاني: قاله أدباً وتواضعاً. والثالث: أن المنهى إنما هو عن تفضيل يؤدي إلى تنفيص المفضول. والرابع: إنما نهى عن تفضيل يؤدي إلى الخصومة والفتنة. والخامس: أن النهي مختص بالتفضيل في نفس النبوة ولا تفاضل فيها، وإنما التفاضل بالخصائص وفضائل أخرى، ولابد من اعتقاد التفضيل فقد قال الله تعالى: ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض﴾. الحديث الرابع والخامس عن أنس ﵁: قوله: ((بك أمرت)) بك متعلق بأمرت، والباء للسببية قدمت للتخصيص، والمعنى: بسببك أمرت أن لا أفتح لغيرك لا بشيء آخر، ويجوز أن يكون صلة للفعل و ((أن لا أفتح)) بدلاً من الضمير المجرور، أي أمرت بأن لا أفتح لأحد غيرك. الحديث السادس عن أنس ﵁. قوله: ((أنا أول شفيع في الجنة)) مظ: أي أنا شافع للعصاة من أمتي في دخول الجنة. وقيل: أنا أول شافع في الجنة لرفع درجات الناس فيها. و ((ما)) في ((ما صدقت)) مصدرية، وهذا كناية عن أنه ﷺ أكثر الأنبياء أمة.

стр. 2995

٥٧٤٥ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول ﷺ : ((مثلي ومثل الأنبياء كمثل قصر أحسن بنيانه ترك منه موضع لبنة، فطاف به النظار، يتعجبون من حسن بنيانه، إلا موضع تلك اللبنة، فكنتُ أنا سددت موضع اللبنة، ختم بي البنيان وختم بي الرسل)). وفي رواية: ((فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين)). متفق عليه. ٥٧٤٦ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحياً أوحى الله إلي، وأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة)) متفق عليه. ــ الحديث السابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((مثلي ومثل الأنبياء)) هذا من التشبيه التمثيلي، شبه الأنبياء وما بعثوا به من الهدى والعلم وإرشادهم الناس إلى مكارم الأخلاق بقصر شيد بنيانه وأحسن بناؤه، ولكن ترك منه ما يصلحه وما يسد خلله من اللبنة، فبعث نبينا لسد ذلك الخلل مع مشاركته إياهم في تأسيس القواعد ورفع البنيان، هذا على أن يكون الاستثناء منقطعاً، ويجوز أن يكون متصلاً من حيث المعنى إذ حاصل الكلام: تعجبهم المواضع إلا موضع تلك اللبنة، وليس ذلك المصلح إلا ما اختص به من معنى المحبة، وحق الحقيقة الذي يعتنيه أهل العرفان. وقوله: ((أنا سددت موضع اللبنة)) يحتمل وجهين: أن يكون الساد بلبنة ذلك الموضع، وأن يسده بنفسه ويكون بمنزلة اللبنة، ويؤيد هذا الرواية الأخرى من قوله: ((فأنا اللبنة)). الحديث الثامن عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((ما من الأنبياء من نبي)) من فيه بيانية، ومن الثانية زائدة تزاد بعد النفي، و ((ما)) في ((ما مثله)) موصولة وقعت مفعولاً ثانياً لأعطى، و ((مثله)) مبتدأ، و ((آمن)) خبره، والجملة صلة الموصول، والراجع إلى الموصول ضمير المجرور في عليه وهو حال، أي مغلوباً عليه في التحدي والمباراة، والمراد بالآيات المعجزات، وموقع المثل هنا موقعه في قوله تعالى: ﴿فأتوا بسورة من مثله﴾ أي مما هو على صفته في البيان الغريب وعلو الطبقة في حسن النظم، يعني: ليس نبي من الأنبياء إلا قد أعطاه الله تعالى من المعجزات الدالة على نبوته الشيء الذي من صفته أنه إذا شوهد اضطر المشاهد إلى الإيمان به، وتحريره أن كل نبي اختص بما يثبت دعواه من خارق العادات بحسب زمانه، فإذا انقطع زمانه انقطعت تلك المعجزة، كقلب العصا ثعباناً في زمن موسى ﵊، وإخراج اليد البيضاء، لأن الغلبة في زمنه للسحر فآتاهم بما هو فوق السحر واضطر إلى الإيمان، وفي زمن

стр. 2996

٥٧٤٧ - وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة)) متفق عليه. ٥٧٤٨ - وعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: ((فضلت على الأنبياء بست: ــ عيسى ﵊ الطب فآتاهم بما هو أعلى من الطب وهو إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وفي زمانه ﷺ البلاغة والفصاحة فجاء بالقرآن وأبطل الكل. قوله: ((وإنما كان الذي أوتيته وحياً)) قض: أي معظم الذي أوتيت وأفيده، إذ كان له غير ذلك معجزات من جنس ما أوتيه غيره. والمراد بالوحي: القرآن البالغ أقصى غاية الإعجاز في النظم والمعنى، وهو أكثر فائدة وأعم منفعة من سائر المعجزات، فإنه يشتمل على الدعوة والحجة، ويستمر على مر الدهور والأعصار، وينتفع به الحاضرون عند الوحي المشاهدون، والغائبون عنه والموجودون بعده إلى يوم القيامة على السواء، ولذلك رتب عليه قوله: ((فأرجو أن أكون أكثرهم تبعاً يوم القيامة)). الحديث التاسع عن جابر ﵁: قوله: ((نصرت بالرعب)) نه: الرعب الفزع والخوف، وقد أوقع الله تعالى في قلوب أعداء النبي ﷺ الخوف منه، فإذا كان بينه وبينهم مسيرة شهر هابوا وفزعوا منه. قوله: ((وجعلت لي الأرض مسجداً)) حس: أراد أن أهل الكتاب لم تبح لهم الصلاة إلا في بيعهم وكنائسهم، وأباح الله لهذه الأمة الصلاة حيث كانوا تخفيفاً عليهم وتيسيراً، ثم خص من جميع المواضع: الحمام والمقبرة والمكان النجس. وقوله: ((طهوراً)) أراد به التيمم بالتراب. قوله: ((وأعطيت الشفاعة)) أي المقام المحمود الذي يغبطه عليه الأولون والآخرون. والتعريف في ((النبي)) لاستغراق الجنس وهو أشمل من لو جمع، لما تقرر في علم المعاني أن استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع، لأن الجنسية في المفرد قائمة في وحدانيته فلا يخرج منه شيء، وفي الجمع فيما فيه الجنسية من الجموع فيخرج منه واحد أو اثنان على الخلاف في أقل الجمع اثنان أو ثلاثة. الحديث العاشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((فضلت على الأنبياء بست)) تو: وفي

стр. 2997

أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون)) رواه مسلم. ٥٧٤٩ - وعنه، أن رسول الله ﷺ قال: ((بعثت بجوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وبينا أنا نائم رأيتني أوتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي)) متفق عليه. ٥٧٥٠ - وعن ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها، وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة، وأن لا يسلط ــ حديث جابر بخمس، وليس هذا باختلاف تضاد، وإنما هو اختلاف زمان، يقع فيه حديث الخمس متقدماً وذلك أنه أعطيها فحدث به، ثم زيد له السادسة فأخبر عن ست. قوله: ((أعطيت جوامع الكلم)) حس: قيل: هي القرآن جمع الله بلطفه معاني كثيرة في ألفاظ يسيرة، وقيل: إيجاز الكلام في إشباع من المعنى، فالكلمة القليلة الحروف منها تتضمن كثيراً من المعاني وأنواعاً من الكلام. وقوله: ((إلى الخلق كافة)) كافة يجوز أن يكون مصدراً، أي أرسلت إرسالة عامة لهم محيطة بهم لأنها إذا شملتهم فقد كفتهم أن يخرج منها أحد منهم، أو أن تكون حالاً إما من الفاعل، والتاء على هذا للمبالغة كتاء الراوية والعلامة، وإما من المجرور أي مجموعين قيل: هذا الحديث وإن دل بمنطوقه على أنه ﷺ مخصوص من عند الله بالفضائل الست، لكن لا يدل بمفهومه على حصر فضائله فيها، فإن له فضائل غير منحصرة. وقوله: ((وختم بي النبيون)) أي أغلق باب الوحي وقطع طريق الرسالة وسد، وأخبر باستغناء الناس عن الرسل وإظهار الدعوة بعد تصحيح الحجة وتكميل الدين، كما قال الله تعالى: ﴿اليوم أكملت لك دينكم﴾ أما باب الإلهام فلا ينسد، وهو مدد يعين النفوس الكاملة فلا ينقطع لدوام الضرورة وحاجتها إلى تأكيد وتجديد وتذكير، وكما أن الناس استغنوا عن الرسالة والدعوة احتاجوا إلى التذكير والتنبيه لاستغراقهم في الوساوس وانهماكهم في الشهوات، فالله تعالى أغلق باب الوحي بحكمته وفتح باب الإلهام برحمته لطفاً منه بعباده. الحديث الحادي عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((بمفاتيح خزائن الأرض)) نه: أراد ما سهل الله تعالى له ولأمته من افتتاح البلاد المتعددات، واستخراج الكنوز المتنوعات.

стр. 2998

عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد! إذا قضيت قضاءً فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدواً سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا ويسبي بعضهم بعضًا)). رواه مسلم. ــ الحديث الثاني عشر عن ثوبان ﵁: قوله ((زوى لي الأرض)) تو: زويت الشيء جمعته وقبضته، يريد به تقريب البعيد منها حتى اطلع عليه اطلاعه على القريب منها. خط: توهم بعض الناس أن ((من)) في ((منها)) للتبعيض وليس ذلك كما توهمه بل هي للتفصيل للجملة المتقدمة، والتفصيل لا يناقض الجملة، ومعناه أن الأرض زويت لي جملتها مرة واحدة فرأيت مشارقها ومغاربها، ثم هي تفتح لأمتي جزء فجزء حتى يصل ملك أمتي إلى كل أجزائها. تو: يريد بالأحمر والأبيض خزائن كسرى وقيصر، وذلك لأن الغالب على نقود ممالك كسرى الدنانير، والغالب على نقود ممالك قيصر الدراهم،. قوله: ((بسنة عامة)) السنة: القحط والجدب وهي من الأسماء الغالبة. وقوله: ((من سوى أنفسهم)) صفة ((عدوا))، أي كائنا من سوى أنفسهم، وإنما قيده بذلك القيد لما سأل أولاً ذلك فمنع، على ما يأتي في الحديث الآتي. وقوله: ((فيستبيح بيضتهم)) أي مجتمعهم وموضع سلطانهم ومستقر دعوتهم وبيضة الدار وسطها ومعظمها، أراد عدواً يستأصلهم ويهلكهم جميعهم. وقيل: أراد إذا هلك أصل البيضة كان هلاك كلها من طعم أو فرخ وإذا لم يهلك أصل البيضة ربما سلم بعض أفراخها. والنفي منصب على السبب والمسبب معاً، فيفهم منه أنه قد يسلط عليهم عدو لكن لا يستأصل شأفتهم. قوله: ((أعطيتك لأمتك)) اللام فيه هي التي في قوله سابقاً: ((سألت ربي لأمتي)) أي أعطيت سؤالك لدعائك لأمتك، والكاف هو المفعول الأول. قوله: ((أن لا أهلكهم)) هو المفعول الثاني كما هو في قوله: ((سألت ربي أن لا يهلكها)) هو المفعول الثاني. وجواب: ((لو)) ما يدل عليه قوله: ((وأن لا أسلط)). و ((حتى)) بمعنى كي، أي لكي يكون بعض أمتك يهلك بعضاً. فقوله: ((إني إذا قضيت قضاءً فلا يرد)) توطئة لهذا المعنى، ويدل عليه حديث خباب بن الأرت قال: قال رسول الله ﷺ : ((إني سألت ربي ثلاثاً فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألته أن

стр. 2999

٥٧٥١ - وعن سعد، أن رسول الله ﷺ مر بمسجد بني معاوية، دخل فركع فيه ركعتين وصلينا معه، ودعا ربه طويلاً، ثم انصرف فقال: ((سألت ربي ثلاثاً، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة، سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة، فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها)). رواه مسلم. ٥٧٥٢ - وعن عطاء بن يسار، قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص قلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة، قال: أجل، والله إنه لموصوف ببعض ــ لا يهلك أمتي بسنة فأعطانيها، وسألته أن لا يسلط عليهم عدواً من غيرهم فأعطانيها، وسألته أن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها)). ((مظ)): أعلم أن لله تعالى في خلقه قضائين، مبرماً ومعلقاً، أما القضاء المعلق فهو عبارة عما قدره في الأزل معلقاً بفعل، كما قال: إن فعل الشيء الفلاني كان كذا وكذا، وإن لم يفعله فلا يكون كذا وكذا فهو من قبيل ما يتطرق إليه المحو والإثبات، كما قال الله تعالى في محكم خطابه: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت﴾. أما القضاء المبرم فهو عبارة عما قدره سبحانه في الأزل من غير أن يعلقه بفعل، فهو في الوقوع نافذ غاية النفاذ بحيث لا يتغير بحال ولا يتوقف على المقضى عليه ولا المقضى له، لأنه من علمه بما كان وما يكون وخلاف معلومه مستحيل قطعاً، وهذا مما لا يتطرق إليه المحو والإثبات، قال الله تعالى: ﴿لا معقب لحكمه﴾ فقول النبي ﷺ : ((إذا قضيت قضاء فلا يرد)) من القبيل الثاني، ولذلك لم يجب إليه. وفيه: أن الأنبياء مستجابو الدعوة إلا في مثل هذا. الحديث الثالث عشر عن سعد ﵁: قوله: ((أمتي بالغرق)) يراد به والله أعلم الغرق العام كما فعل تعالى بقوم نوح وقوم فرعون. والضمير في ((أعطانيها)) عائد إلى المسألة. الحديث الرابع عشر عن عطاء ﵁: قوله: ((أجل)) هو حرف يصدق به الخبر خاصة تقول لمن قال: ((قام زيد)): أجل. وجوز بعضهم وقوعه بعد الاستفهام، وفي الحديث جاء جواباً للأمر على تأويل: قرأت التوراة هل وجدت صفة الرسول ﷺ فيها؟ فأخبرني قال: أجل. قوله: ((إنا أرسلناك شاهداً)) حال مقدرة من الكاف، أو من الفاعل، أي مقدراً أو مقدرين شهادتك على من بعثت إليهم، وعلى تكذيبهم وتصديقهم، أي مقبولاً قولك عند الله لهم وعليهم، كما يقبل قول الشاهد العدل في الحكم.

стр. 3000

صفته في القرآن: ﴿يأيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً﴾ وحرزاً للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة؛ ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح بها أعينًا عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غُلفاً. رواه البخاري. [٥٧٥٢] ــ قوله: ((حرزاً للأميين)) قض: أي حصناً وموئلاً للعرب يتحصنون به من غوائل الشيطان، أو عن سطوة العجم وتغلبهم، وإنما سموا أميين لأن أغلبهم لا يقرءون ولا يكتبون. ((ليس بفظ)) يحتمل أن يكون آية أخرى في التوراة لبيان صفته، وأن يكون هو حالاً إما من ((المتوكل)) وإما من الكاف في ((سميتك))، فعلى هذا فيه التفات. وكذا في قوله: ((لن يقبضه حتى يقيم)) بالياء المثناة من تحت على رواية المشكاة ويعضده ما في شرح السنة: ((لن يقبضه الله)). قال الكلبي: ((فظاً)) في القول، ((غليظ القلب)) في الفعل. قوله: ((ولا سخاب في الأسواق)) أي هو لين الجانب شريف النفس لا يرفع الصوت على الناس لسوء خلقه، ولا يكثر الصياح عليهم في السوق لدناءته، بل يلين جانبه لهم ويرفق بهم. قوله: ((الملة العوجاء)) قض: يريد به ملة إبراهيم، فإنها قد اعوجت في أيام الفترة، فزيدت ونقصت وغيرت وبدلت، وما زالت كذلك حتى قام الرسول ﷺ فأقامها. قوله: ((بأن يقولوا)) متعلق بقوله: ((يقيم)) فإن قلت: قوله: ((إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن)) يقتضى أن تكون المذكورات كلها مثبتة في القرآن؟. قلت: أجل، أما قوله: ﴿يأيها النبي إنا أرسلناك﴾ ففي الأحزاب. وقوله: ((حرزاً للأميين)) ففي قوله: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب﴾. وقوله: ((وسميتك المتوكل ..)) إلى قوله: ((ولكن يعفو ويغفر)) في قوله: ﴿ولو كنت فظاً غليظ القلب ...﴾ إلى قوله: ﴿... إن الله يحب المتوكلين﴾. قوله: ((ولا سخاب في الأسواق)) في قوله تعالى: ﴿فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين﴾ أي دم على التسبيح والتحميد، واجعل نفسك من الذين لهم مساهمة ونصيب

стр. 3001

٥٧٥٣ - وكذا الدارمي، عن عطاء، عن ابن سلام نحوه. وذكر حديث أبي هريرة: ((نحن الآخرون)) في ((باب الجمعة)). [٥٧٥٣] ــ وافر في السجود، فلا تخل بها ولا تشتغل بغيرها، ومن ثم قال ﷺ : ((ما أوحى إلى أن اكون من التاجرين ولكن أوحى إلى أن أكون من الساجدين)) قوله: ((ولا سخاب في الأسواق)) من باب قوله تعالى: ﴿ولا شفيع يطاع﴾ إذ هو يحتمل أن يراد به نفي سخاب وحده ونفيهما معاً، وهو المراد هنا. وقوله: ((ولا يدفع السيئة بالسيئة)) في قوله تعالى: ﴿ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن﴾. وقوله: ((حتى يقيم به الملة العوجاء)) في قوله تعالى: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد﴾ أي ما يوحى إلي أن أقيم التوحيد وأنفي الشرك. قلت: كيف الجمع بين قوله: ((ويفتح به أعيناً عمياً)) وبين قوله تعالى: ﴿وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم﴾؟. قلت: دل على إيلاء الفاعل المعنوي حرف النفي على أن الكلام في الفاعل، وذلك أن الله تعالى نزل حرصه على إيمان القوم بمنزلة من يدعى استقلالاً بالهداية، فقال له: أنت لست بمستقل فيها بل إنك لتهدي إلى صراط مستقيم بإذن الله تعالى وتيسيره، وعلى هذا ((يفتح)) معطوف على قوله: ((يقيم الله بواسطته الملة العوجاء، بأن يقولوا ((لا إله إلا الله)) ويفتح بواسطة هذه الكلمة أعيناً عمياً، هذا على رواية البخاري والدارمي وكتاب الحميدي وجامع الأصول، وأما في المصابيح: ((يفتح بها أعين عمى)) على بناء المفعول، والأول أصح رواية ودراية. فإن قلت: هل لليهود أن يتمسكوا بقوله: ((حرزاً للأميين)) على ما زعموا أنه مبعوث إلى العرب خاصة؟. قلت: لا، لقوله: ((حتى يقيم به الملة العوجاء)) لأنهم حرفوا وبدلوا وغيروا، فأرسل ليقيم عوجهم وأودهم، وهل أحد أقوم وأولى منه بإقامة عوجهم والله أعلم.

стр. 3002

الفصل الثاني ٥٧٥٤ - عن خباب بن الأرت، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة، فأطالها. قالوا: يا رسول الله! صليت صلاةً لم تكن تصليها قال: ((أجل، إنها صلاة رغبة ورهبة، وإني سألت الله فيها ثلاثاً، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألته أن لا يهلك أمتي بسنة فأعطانيها، وسألته أن لا يسلط عليهم عدواً من غيرهم فأعطانيها، وسألته أن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها)). رواة الترمذي، والنسائي. [٥٧٥٤] ٥٧٥٥ - وعن أبي مالك الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إِن الله أجاركم من ثلاث خلال: أن لا يدعو عليكم نبيكم فتهلكوا جميعاً، وأن لا يظهر أهل الباطل على أهل الحق، وأن لا تجتمعوا على ضلالة)). رواه أبو داود. [٥٧٥٥] ــ الفصل الثاني الحديث الأول عن خباب ﵁: قوله: ((وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض)) هو من قوله تعالى: ﴿أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض﴾ المعنى: يخلطكم فرقاً مختلفين على أهواء شتى، كل فرقة منكم متابعة لإمام، وينشب القتال بينكم وتختلطوا وتشتبكوا في ملاحم القتال، يضرب بعضكم رقاب بعض. الحديث الثاني عن أبي مالك ﵁: قوله: ((وأن لا يظهر أهل الباطل)) تو: يريد أن الباطل وإن كثر أنصاره فلا يغلب الحق بحيث يمحقه ويطفئ نوره، ولم يكن ذلك بحمد الله مما ابتلينا به من الأمر الفادح والمحنة العظمى بتسليط الأعداء علينا مع استمرار الباطل، فالحق أبلج والشريعة قائمة لم تخمد نارها ولم يندرس منارها. أقول: وحرف النفي في القرائن زائد، مثله في قوله تعالى: ﴿ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك﴾ وفائدته توكيد معنى الفعل الذي يدخل عليه وتحقيقه، وذلك أن الإجارة تثبت إذا كانت الخلال مثبتة لا منفية.

стр. 3003

٥٧٥٦ - وعن عوف بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لن يجمع الله على هذه الأمة سيفين: سيفاً منها وسيفاً من عدوها، رواه أبو داود. [٥٧٥٦] ٥٧٥٧ - وعن العباس، أنه جاء إلى النبي ﷺ فكأنه سمع شيئاً، فقام النبي ﷺ على المنبر، فقال: ((من أنا؟)) فقالوا: أنت رسول الله. فقال: ((أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إن الله خلق الخلق فجعلني في خيرهم، ثم جعلهم فرقتين، ــ الحديث الثالث عن عوف ﵁: قوله: ((سيفين سيفاً منها وسيفاً من عدوها)) قض: معناه أن سيوفهم وسيوف أعدائهم لا يجتمعان عليهم فيؤديان إلى استئصالهم، بل إذا جعلوا بأسهم بينهم سلط الله عليهم العدو فيشغلهم به عن أنفسهم ويكف عنهم بأسهم - وهو قول الشيخ التوربشتي-. أقول: والظاهر أن يقال: إنه تعالى وعدني أن لا يجتمع على أمتي محاربتين: محاربة بعضهم بعضاً ومحاربة الكفار معهم، بل يكون أحدهما، فإذا كانت إحداهما لا تكون الأخرى، لأنه موافق للأحاديث السابقة، لأنه ﷺ سأل ربه أن لا يسلط عليهم عدواً من غيرهم ليستأصلهم، وسأله أن لا يذيق بعضهم بأس بعض، فأجاب الأول ومنع الثاني ولم يجمع بين المنعين. الحديث الرابع عن العباس ﵁: قوله: ((فكأنه سمع)) مسبب عن محذوف، أي جاء العباس غضبان بسبب ما سمع طعنا من الكفار في رسول الله ﷺ ، نحو قوله تعالى: ﴿لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم﴾ كأنهم حقروا شأنه وأن هذا الأمر العظيم الشأن لا يليق إلا بمن هو عظيم من إحدى القريتين: كالوليد بن المغيرة، وعروة بن مسعود الثقفي مثلاً، فأمرهم ﷺ على سبيل التبكيت على ما يلزم تعظيمه وتفخيمه، وأنه أولى بهذا الأمر من غيره لأن نسبه أعرق وأرومته أعلى وأشرف، ومن ثم لما قالوا ((أنت رسول الله)) ردهم بقوله: ((أنا محمد بن عبد الله)) ويعضد هذا التأويل ما روى البخاري عن أبي سفيان أنه حين سأله هرقل عظيم الروم عن نسبه ﷺ فقال: ((هو فينا ذو نسب)) فقال هرقل: سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها)) ألا ترى أنه جعل النسب ظرفاً لتبعث وأتى بفي، أي عريق في النسب. قوله: ((ثم جعلهم قبائل)) بعد قوله: ((ثم جعلهم فرقتين)) إشارة إلى بيان الطبقات الست التي عليها العرب وهي: الشعب والقبيلة والعمارة والبطن والفخذ والفصيلة.

стр. 3004

في خير فرقة، ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتاً فجعلني في خيرهم بيتاً، فأنا خيرهم نفساً وخيرهم بيتاً)). رواه الترمذي. [٥٧٥٧] ٥٧٥٨ - وعن أبي هريرة، قال: قالوا: يا رسول الله! متى وجبت لك النبوة؟ قال: ((وآدم بين الروح والجسد)). رواه الترمذي. [٥٧٥٨] ٥٧٥٩ - وعن العرباض بن سارية، عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: ((إني عند الله مكتوب. خاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأخبركم بأول أمري، دعوة ــ فالشعب يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبطن يجمع الأفخاذ، والفخذ يجمع الفصائل، فخزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة. وسميت الشعوب لأن القبائل تنشعب منها. فقوله: ((خلق الخلق)) أي الملائكة والثقلين. ((فجعلني في خيرهم)) أي في الإنس. ((ثم جعلهم فرقتين)) العرب والعجم. ((فجعلني في خيرهم)) أي في العرب. وهلم جرا. فأنا بفضل الله ولطفه على ما في سابقة الأزل: خير الخلق نفساً، حيث خلقني إنساناً، رسولاً، خاتماً للرسل، تمم دائرة الرسالة بي، وجعلني نقطة تلك الدائرة يطوف جميعهم حولي، ويحتاجون إلي، وخيرهم بطناً، حيث نقلني من طيب إلى طيب، إلى أن نقلني من صلب عبد الله بالنكاح من أشرف القبائل والبطون، فأنا أفضل خلق الله عليه وأكرمهم لديه. الحديث الخامس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((وآدم بين الروح والجسد)) جواباً لقولهم: ((متى وجبت؟)) أي وجيت في هذه الحالة، فعامل الحال وصاحبها محذوفان. الحديث السادس عن العرباض بن سارية ﵁: قوله: ((وإن آدم لمنجدل)) فا: انجدل مطاوع جدله إذا ألقاه على الأرض، وأصله الإبقاء على الجادلة - وهي الأرض الصلبة - وهذا على سبيل إنابة فعل مناب فعل. و ((الطينة)) الخلقة من قولهم: طانه الله على طينتك.

стр. 3005

إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أمي التي رأت حين وضعتني وقد خرج لها نور أضاء لها منه قصور الشام)). رواه في ((شرح السنة)). [٥٧٥٩] ــ والجار الذي هو ((في)) ليس بمتعلق ((بمنجدل)) وإنما هو خبر ثان، لأن الواو وما بعدها في محل النصب على الحال من المكتوب، والمعنى: كتبت خاتم الأنبياء في الحال الذي آدم ﵊ مطروح على الأرض، حاصل في أثناء الخلقة لما يفرغ من تصويره وإجراء الروح فيه. أقول: قوله: على سبيل إنابة فعل مناب فعل لا يجوز إجراء ((منجدل)) على أن يكون مطاوعاً لجدل، لما يلزم منه أن يكون آدم منفعلاً من الأرض الصلبة، بل هو ملقى عليها، ولا يجوز أن يكون في متعلقاً بمنجدل، لما يلزم منه أن يكون المنجدل مظروفاً في طينته، وإنما هو ظرف له وهو حاصل فيه. وفيه أن الغايات والكمالات سابقة في التقدم لاحقة في الوجود. قوله: ((بأول أمري)) قيل: أي بأول ظهر من نبوتي ومبعثي في الدنيا على لسان أبي الملة الحنيفية إبراهيم ﵊. وقوله: ((دعوة إبراهيم)) أي هو دعا ربه حين بنى الكعبة فقال: ﴿ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم﴾ فاستجاب الله دعاءه فيه. ((وبشارة عيسى)): أراد قوله تعالى: ﴿ومبشراً برسول يأتيي من بعدي اسمه أحمد﴾. قوله: ((ورؤيا أمي)) يحتمل أن يراد منه الرؤية في المنام وفي اليقظة: فعلى الأول: معنى ((وضعتني)) أي شارفت وقربت من الوضع، وذلك لما روى ابن الجوزي في كتاب الوفاء أن أمه ﷺ رأت حين دنت ولادتها أن أتاها آت فقال لها: قولي: أعيذه بالواحد الصمد من شر كل حاسد. بعد أن رأت حين حملت به أن آتيا أتاها وقال: هل شعرت أنك حملت بسيد هذه الأمة ونبيها؟. وعلى الثاني: يكون المرئي محذوفاً وهو ما دل عليه قوله: ((وقد خرج لها نور أضاء لها منه قصور الشام)).

стр. 3006

٥٧٦٠ - ورواه أحمد، عن أبي أمامة من قوله: ((سأخبركم)) إلى آخره. [٥٧٦٠] ٥٧٦١ - وعن أبي سعيد، قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر. وما من نبي يومئذ: آدم فمن سواهُ إلا تحت ــ الحديث السابع عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((ولا فخر)) حال مؤكدة، أي: أقول هذا ولا فخر. تو: الفخر إدعاء العظمة والمباهاة بالأشياء الخارجة عن الإنسان كالمال والجاه. مح: فيه وجهان: أحدهما: قاله امتثالاً لأمر الله تعالى ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾. وثانيهما: أنه من البيان الذي يجب عليه تبليغه إلى أمته ليعرفوه ويعتقدوه ويعملوا بمقتضاه في توقيره ﷺ كما أمرهم الله تعالى به. قال الراغب: فإن قلت: كيف استحسن مدح الإنسان نفسه وقد علم في الشاهد استقباحه؟ حتى قيل للحكيم: ما الذي لا يحسن وإن كان حقاً؟ قال: مدح الإنسان نفسه؟. قلنا: قد يحسن ذلك عند تنبيه المخاطب على ما خفي عليه من حاله، كقول المعلم للمتعلم: اسمع مني فإنك لا تجد مثلي، وعلى ذلك قول يوسف ﵊: ﴿اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم﴾ وسئل بعض المحققين عن شيء لم يقبح إطلاقه في الله تعالى مع ورود الشرع فأنشد: ويقبح من سواك الفعل عندي وتفعله فيحسن منك ذاكا قال الشيخ أبو حامد في الإحياء: قال عمر بن الخطاب ﵁: ((المدح هو الذبح)) وذلك لأن المذبوح هو الذي يفتر عن العمل، فكذلك الممدوح، لأن المدح يوجب الفتور ويورث الكبر والعجب، وهو لذلك مهلك كالذبح، فإن سلم المدح عن هذه الآفات لم يكن به بأس بل ربما كان مندوباً إليه، ولذلك أثنى رسول الله ﷺ على الصحابة، وكانوا أجل رتبة من أن يورثهم ذلك كبراً وعجباً، بل يزيدهم جداً ببعثهم على أن يزيدوا فيما يستوجبون الحمد من مكارم الأخلاق. نه: قاله ﷺ إخباراً عما أكرمه الله تعالى به من الفضل والسؤدد، وتحدثاً بنعمة الله تعالى عنده، وإعلاماً لأمته ليكون إيمانهم به على حسبه وموجبه، ولهذا أتبعه بقوله: ((ولا فخر)) أي

стр. 3007

لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر)). رواه الترمذي. [٥٧٦١] ٥٧٦٢ - وعن ابن عباس، قال: جلس ناس من أصحاب رسول الله، فخرج، حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون، قال بعضهم: إن الله اتخذ إبراهيم خليلاً، وقال ــ أن هذه الفضيلة التي نلتها كرامة من الله تعالى لم أنلها من قبل نفسي، ولا بلغتها بقوتي، فليس لي أن أفتخر بها. واللواء: الراية، ولا يمسكها إلا صاحب الجيش، يريد به انفراده بالحمد يوم القيامة على رءوس الخلائق، والعرب تضع اللواء موضع الشهرة. أقول: فعلى هذا لواء الحمد عبارة عن الشهرة وانفراده بالحمد على رءوس الخلائق. ويحتمل أن يكون لحمده لواء يوم القيامة حقيقة يسمى: لواء الحمد، وعليه كلام الشيخ التوربشتي حيث قال: لا مقام من مقامات عباد الله الصالحين أرفع وأعلى من مقام الحمد، ودونه تنتهي سائر المقامات، ولما كان نبينا سيد المرسلين ﷺ أحمد الخلائق في الدنيا والآخرة أعطى لواء الحمد، ليأوي إلى لوائه الولون والاخرون، وإليه الإشارة بقوله ﷺ : ((آدم فمن دونه تحت لوائي)) ولهذا المعنى افتتح كتابه بالحمد، واشتق اسمه من الحمد فقيل: محمد وأحمد، وأقيم يوم القيامة المقام المحمود، ويفتح عليه في ذلك المقام من المحامد ما لم يفتح على أحد قبله ولا يفتح على أحد بعده، وأمد أمته ببركته من الفضل الذي أتاه فنعت أمته في الكتب المنزلة قبله بهذا النعت فقال: أمته الحامدون يحمدون الله في السراء والضراء، ولله الحمد أولاً وآخراً. قوله: ((وما من نبي يومئذ آدم)) ((نبي)) نكرة وقعت في سياق النفي وأدخل عليه ((من)) الاستغراقية فيفيد استغراق الجنس. وقوله: ((آدم فمن سواه)) بدل أو بيان من محله، و ((من)) فيه موصولة و ((سواه)) صلته، وصح لأنه ظرف، وأوثر الفاء التفصيلية في ((فمن سواه)) على الواو للترتيب على منوال قولهم: المثل فالأمثل. الحديث التاسع عن ابن عباس ﵄: قوله ((سمعهم)) حال من الضمير في ((دنا)) وقد مقدرة. و ((يتذاكرون)) حال من الضمير المنصوب في ((سمعهم)).

стр. 3008

آخر: موسى كلمه الله تكليماً، وقال آخر: فعيسى كلمه الله وروحه. وقال آخر: آدم اصطفاه الله، فخرج عليهم رسول الله ﷺ وقال: ((قد سمعت كلامكم وعجبكم، إن إبراهيم خليل الله وهو كذلك، وموسى نجى الله وهو كذلك، وعيسى روحه وكلمته وهو كذلك، وآدم اصطفاه الله وهو كذلك، ألا وانا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة، تحته آدم فمن دونه ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع يوم ــ والفاء في قوله: ((فعيسى)) جواب شرط محذوف، أي إذا ذكرتم الخليل والكليم فاذكروا عيسى كقوله تعالى: ﴿فلم تقتلوهم﴾ أي إذا افتخرتم بقتلهم فإنكم لم تقتلوهم. وقوله: ((كلمة الله)) سمى بها لأنه وجد من غير واسطة أب. و ((روحه)) إضافة تشريف كبيت الله ونحوه. وقوله: ((فخرج عليهم رسول الله ﷺ ) كرره لينيط به غير ما أناط به أولاً، أو يكون خرج أولاً من مكان وثانياً منه إلى آخر. وقوله: ((قد سمعت كلامكم)) من باب قوله: قلدته سيفاً ورمحاً، أي سمعت كلامكم وأدركت عجبكم. قوله: ((وأنا حبيب الله ولا فخر)) هو قريب من القول الموجب، قرر أولاً ما ذكر من فضائلهم بقوله: ((وهو كذلك)) ثم نبه على أنه أفضلهم واكملهم وجامع لما كان متفرقاً فيهم، فالحبيب خليل ومكلم ومشرف. وقيل: من قاس الحبيب بالخليل فقد أخطأ، لأن الحبيب من جهة القلب، يقال: حببته أي أصبت حبة قلبة، كما يقال: كابدته وراءسته وفاءدته، أي أصبت كبده ورأسه وفؤاده. والخليل من الخلة وهي الحاجة، أي المحب لحاجته إلى من يخالله، والحبيب محب لا لحاجته. وعن جعفر بن محمد قال: أظهر اسم الخلة لإبراهيم ﵊ لأن الخليل ظاهر في المعنى، وأخفي اسم المحبة لمحمد ﷺ لتمام حاله إذ لا يحب الحبيب إظهار حال حبيبه بل يحب إخفاءه وستره لئلا يطلع عليه سواه، ولا يدخل أحد فيما بينهما، وقال لنبيه وصفيه لما أظهر له حال المحبة: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ وليس الطريق إلى محبة الله إلا باتباع حبيبه، ولا يتوصل إلى الحبيب بشيء أحسن من مصاحبة حبيبه وطلب رضاه.

стр. 3009

القيامة ولا فخر، وأنا أول من يحرك حلق الجنة فيفتح الله لي فيدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين على الله ولا فخر)) رواه الترمذي والدارمي. [٥٧٦٢] ٥٧٦٣ - وعن عمرو بن قيس، أن رسول الله ﷺ قال: ((نحن الآخرون، ــ غب: قيل الخلة تنسب إلى العبد ولا تنسب إلى الله تعالى، فيقال: إبراهيم خليل الله، ولا يقال: الله خليل إبراهيم، وهو وإن كان من الأسماء المتضايقة التي يقتضى وجود أحدهما وجود الآخر وارتفاعه ارتفاع الآخر، إلا أنه ليس المراد بقولهم: ((إبراهيم خليل الله)) مجرد الصداقة بل المراد الفقر إليه، وخص إبراهيم ﵊ بهذا الاسم وإن شاركته الموجودات كلها في افتقارها إليه لمعنى فيه، وهو أنه لما استغنى عن المعينات من أعراض الدنيا واعتمد على الله حقا وصار بحيث لما قال له جبريل ﵇: ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا، وصبر إذ ألقى في النار، وعرض ابنه للذبح، صار لاستغنائه عما سواه فقيراً إليه، فخص بهذا الاسم. أما المحبة فأجيز نسبتها إلى الله تعالى، فقيل: محمد حبيب الله، وقد قال الله تعالى: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾ وقال الله تعالى: ﴿فاتبعوني يحببكم الله﴾ قال بعض الصوفية: من أحب الله فهو المراد ومنزلته منزلة من سأله فقال: ﴿رب اشرح لي صدي﴾ ومن أحبه الله فهو المراد ومنزلته منزلة من قال له: ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ قوله: ((ومعي فقراء المؤمنين)) هذا دليل على فضلهم وكرامتهم على الله تعالى، لأنهم استحقوا محبة الله تعالى لمتابعتهم حبيبه واتصافهم بصفته، وليس الفقر عند الصوفية الفاقة والحاجة، بل الفقر عندهم الحاجة إلى الله تعالى لا إلى غيره، والاستغناء به لا عنه بغيره، قال الثوري: نعت الفقير السكون عند العدم والبذل عند الوجود. وقيل لسهل بن عبد الله: أليس النبي ﷺ استعاذ من الفقر؟ فقال: إنما استعاذ من فقر النفس، الذي مدح ﷺ الغنى في ضده فقال: ((الغنى غنى النفس)) فكذلك الفقر المذموم فقر النفس، وهو الذي استعاذ منه النبي ﷺ . الحديث العاشر عن عمرو ﵁: قوله: ((نحن الآخرون)) يعني في المجئ إلى

стр. 3010

ونحن السابقون يوم القيامة، وإني قائل قولاً غير فخر: إبراهيم خليل الله، وموسى صفي الله، وأنا حبيب الله، ومعي لواء الحمد يوم القيامة، وإن الله وعدني في أمتي، وأجارهم من ثلاث: لا يعمهم بسنة، ولا يستأصلهم عدو، ولا يجمعهم على ضلالة)). رواه الدارمي. [٥٧٦٣] ٥٧٦٤ - وعن جابر، أن النبي ﷺ قال: ((أنا قائد المرسلين ولا فخر، وأنا خاتم النبيين ولا فخر، وأنا أول شافع ومشفع ولا فخر)). رواه الدارمي. [٥٧٦٤] ٥٧٦٥ - وعن أنسٍ، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أنا أول الناس خروجاً إذا بعثوا، وأنا قائدهم إذا وفدوا، وأنا خطيبهم إذا أنصتوا، وأنا مستشفعهم إذا حبسوا، وأنا مبشرهم إذا أيسوا الكرامة، والمفاتيح يومئذ بيدي، ولواء الحمد يومئذ بيدي، وأنا أكرم ولد آدم على ربي، يطوف على ألف خادم كأنهن بيض مكنون، أو لؤلؤ منثور)). رواه الترمذي، والدارمي، وقال الترمذي: هذا حديث غريب. [٥٧٦٥] ٥٧٦٦ - وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: ((فأكسا حلة من حلل الجنة، ــ والسابقون: في دخول الجنة وغيرها من الفضائل. و ((في أمتي)) أي في شأنهم وشفاعتهم وتخليصهم. ((وأجارهم)) أي أنقذهم. الحديث الحادي عشر والثاني عشر عن أنس ﵁: قوله: ((فأنا خطيبهم إذا أنصتوا)) أي أنا المتكلم من بين الناس حين سكتوا عن الاعتذار فأعتذر لهم عند ربهم، فأطلق لساني بالثناء على الله تعالى بما هو أهله ولم يؤذن لأحد في التكلم. قوله: ((وأنا مستشفعهم)) في بعض النسخ بفتح الفاء على بناء المفعول من قولهم: استشفعته إلى فلان، أي سألته أن يشفع إليه. وفي بعضها بكسر الفاء على بناء الفاعل، أي سألت الله أن أكون شفيعاً لهم. الحديث الثالث عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((فأكسا)) عطف على مقدر على ما رواه صاحب الجامع.

стр. 3011

ثم أقوم عن يمين العرش ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيري)). رواه الترمذي. وفي رواية ((جامع الأصول)) عنه: ((أنا أول من تنشق عنه الأرض فأكسا)). ٥٧٦٧ - وعنه، عن النبي ﷺ قال: ((سلوا الله لي الوسيلة)) قالوا: يا رسول الله، وما الوسيلة؟ قال: ((أعلى درجة في الجنة لا ينالها إلا رجل واحد وأرجو أن أكون أنا هو)). رواه الترمذي. [٥٧٦٧] ٥٧٦٨ - عن أبي بن كعب، عن النبي ﷺ قال: ((إذا كان يوم القيامة كنت إمام النبيين، وخطيبهم، وصاحب شفاعتهم غير فخر)). رواه الترمذي. [٥٧٦٨] ٥٧٦٩ - وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله،: ((إن لكل نبي ولاة ــ الحديث الرابع عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((سلوا الله لي الوسيلة)) هي المذكورة في دعاء الأذان: ((آت محمداً الوسيلة)). نه: هي في الأصل ما يتوصل به إلى الشيء ويتقرب به، وجمعها: وسائل، يقال: وسل إليه وسيلة وتوسل - انتهى كلامه-. وإنما طلب ﷺ من أمته الدعاء له بطلب الوسيلة افتقاراً إلى الله وهضماً لنفسه، أو لتنفع أمته وتثاب به، أو يكون إرشاداً لهم في أن يطلب كل منهم من صاحبه الدعاء له. وقوله: ((أن أكون أنا هو)) قد وضع فيه الضمير المرفوع مقام المنصوب في خبر كان، وقد سبق بيانه مراراً. وقوله: ((وما الوسيلة؟)) معطوف على مقدر، أي نفعل ذلك وما الوسيلة؟. الحديث الخامس عشر عن أبي ﵁: قوله: ((إمام النبيين)) تو: هو بكسر الهمزة، والذي يفتحها ينصبها على الظرف لم يصب. الحديث السادس عشر عن عبد الله بن مسعود ﵁: قوله: ((ولاة من النبيين)) تو: أي أحباء وقرناء وهم أولى به من غيرهم.

стр. 3012

من النبيين، وإن وليي أبي وخليل ربي. ثم قرأ: ﴿إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا ولي المؤمنين﴾. رواه الترمذي. [٥٧٦٩] ٥٧٧٠ - وعن جابر، أن النبي ﷺ قال: ((إن الله بعثني لتمام مكارم الأخلاق، وكمال محاسن الأفعال)) رواه في ((شرح السنة)). [٥٧٧٠] ــ ((وإن وليي أبي)) يعنى به إبراهيم ﵊، وقد بينه بقوله: ((وخليل ربي))، وفي كتاب المصابيح: ((وإن وليي ربي)) وهو غلط، ولعل الذي حرف هذا دخل عليه من قوله سبحانه: ﴿إن وليي الله الذي نزل الكتاب﴾ والرواية على ما ذكرناه هو الصواب. مظ: لو كان كما ذكره التوربشتي لكان قياس التركيب أن يكون: وليي أبي خليل ربي من غير واو العطف الموجب للمغايرة، وبإضافة الخليل إلى ربي ليكون عطف بيان لأبي. أقول: والرواية المعتبرة كما ذكره الشيخ في جامع الترمذي وجامع الأصول، وكذا في مسند أحمد بن حنبل أيضًا، وأيضًا لو ذهب إلى أن خليل ربي عطف بيان بلا واو لزم خمول كون إبراهيم ﵊ أبا النبي ﷺ ووليه فأتى به بياناً، وإذا جعل معطوفاً عليه لزم شهرته به، والعطف يكون لإثبات وصف آخر له ﵊ على سبيل المدح، فعلى ما عليه الرواية يلزم مدحه مرتين بخلاف ذلك، ونحوه في الاعتبار قول الشاعر: إنا بني نهشل لا ندعي لأب عنه ولا هو بالأبناء يشرينا أي أنا أذكر من لا يخفي شأنه ولا يفعل كذا، فلو جعل بنو نشهل خبراً لزم خمول المتكلم أو الجهل بارتفاع شأن قومه. فإن قلت: لزم من قوله: ((لكل نبي ولاة)) أن يكون لكل واحد منهم أولياء متعددة؟. قلت: لا لأن النكرة المفردة إذا وقعت في مكان الجمع أفادت الاستغراق، أي: أن لكل واحد واحداً لقوله تعالى: ﴿ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام﴾. الحديث السابع عشر عن جابر ﵁: قوله: ((مكارم الأخلاق)) هو من إضافة الصفة إلى الموصوف كقولهم: جرد قطيفة، وأخلاق ثياب.

стр. 3013

٥٧٧١ - وعن كعب يحكى عن التوراة قال: نجد مكتوباً محمد رسول الله عبدى المختار، لا فظ ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يجزى بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، مولده بمكة، وهجرته بطيبة، وملكه بالشام، وأمته الحمادون، يحمدون الله في السراء والضراء، يحمدون الله في كل منزلة، ويكبرونه على كل شرف، رعاة للشمس، يصلون الصلاة إذا جاء وقتها، يتأزرون على أنصافهم، ويتوضئون على أطرافهم، مناديهم ينادى في جو السماء، صفهم في القتال وصفهم ــ وكذا قوله: ((محاسن الأفعال)). غب: كل شيء يشرف في باب فإنه يوصف بالكرم، قال تعالى: ﴿وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج﴾ ﴿ومقام كريم﴾ ﴿إنه لقرآن كريم﴾ وإذا وصف الله تعالى به فهو اسم لإحسانه وإنعامه المتظاهر، وإذا وصف به الإنسان فهو اسم للأخلاق والأفعال المحمودة التي تظهر منه، ولا يقال: هو كريم، حتى يظهر ذلك منه، قال بعض العلماء: الكرم كالحرية، إلا أن الحرية قد تقال في المحاسن الصغيرة والكبيرة، والكرم لا يقال إلا في المحاسن الكبيرة - انتهى كلامه -. ومعنى هذا الحديث وحديث أبي هريرة ﵁: ((مثلى ومثل الأنبياء)) إلى قوله: ((أنا سددت موضع تلك اللبنة)) يلتقيان في معنى إتمام الناقص. الحديث الثامن عشر عن كعب ﵁: قوله: ((ملكه بالشام)) مظ: أراد بالملك هاهنا النبوة والدين، فإن ذلك يكون بالشام أغلب، وإلا فملكه بجميع الآفاق لقوله: ((وسيبلغ ملك أمتى ما زوى لى منها))، وقيل: معناه الغزو والجهاد ثمة لأنها تصير بلاد الكفار، والجهاد ملكاً لأهل الإسلام، ولهذا لا ينقطع الجهاد في بلاد الشام أصلا، وأمره بالمسافرة إليها لإدراك فضيلة الجهاد والمرابطة في سبيل الله. ((يحمدون الله في كل منزلة)) أي في كل منزل، لعل تأنيثه باعتبار البقعة والناحية، قال ذو الرمة: أمنزلتى مي سلام عليكما. أي: يا منزلتى مي، إذا نزلوا شكروا الله تعالى عليه لأنه آواهم إلى المنزل والسكون فيه. قوله: ((على كل شرف)) أي يكبرون الله على كل موضع عال، تعجباً لعظمة الله تعالى وقدرته، لما يشرفون منها على عجائب خلق الله.

стр. 3014

في الصلاة سواء، لهم بالليل دوى كدوى النحل)). هذا لفظ ((المصابيح)). وروى الدارمي مع تغيير يسير. [٥٧٧١] ٥٧٧٢ - وعن عبد الله بن سلام، قال: مكتوب في التوراة: صفة محمد وعيسى بن مريم يدفن معه. قال أبو مودود: وقد بقى في البيت موضع قبره. رواه الترمذي. [٥٧٧٢] ــ قوله: ((على كل شرف)) أي يكبرون الله على كل موضع عال، تعجباً لعظمة الله تعالى وقدرته، لما يشرفون منها على عجائب خلق الله. قوله: ((ورعاة للشمس)) جمع راع، أي أنهم يحفظون أوقات الصلاة بطلوع الشمس وغروبها ودلوكها، يراقبون ذلك وينظرون سيرها ليعرفوا مواقيت الصلاة كيلا تفوت عنهم الصلاة في وقتها. وقوله: ((يتأزرون على أنصافهم)) أي يشدون الإزار على أنصافهم من السرة إلى الركبة، أو يشدون معقد السراويل، والمراد مبالغتهم في ستر عوراتهم، ويجوز أن يكون على معنى إلى، أي: أزرهم إلى أنصاف سوقهم. أقول: وفيه إدماج لمعنى التجلد والتشمر للقيام إلى الصلاة، لأن من شد إزاره إلى ساقه شمر لمزاولة ما اهتم بشأنه، يقال: كشف عن ساق الجد، وقامت الحرب على ساقها. أو يكون كناية عن التواضع والإخبات، كما أن جر الإزار كناية عن الكبر والخيلاء. ((ويتوضئون على أطرافهم)) أي يصبون الماء في التوضؤ على أطرافهم، ويسبغون أماكن الوضوء. ((مناديهم ينادى في جو السماء)) أي يؤذن مؤذنهم في مواضع عالية كالمنارة وغيرها. وقوله: ((صفهم للقتال شبه صفوفهم في الجماعات)) شبه صفوفهم في الجماعات - بسبب مجاهدتهم النفس الأمارة والشيطان - بصف القتال والمجاهدة مع أعداء الدين، وأخرجه مخرج التشابه في التشبيه إيذاناً بأن كل واحد منهما يصح أن يكون مشبها ومشبهاً به، بل أخر ذكر صف الصلاة، ليكون مشبهاً به لكونه أبلغ.

стр. 3015

الفصل الثالث ٥٧٧٣ - عن ابن عباس، قال: إن الله تعالى فضل محمدا صلي لله عليه وسلم على الأنبياء وعلى أهل السماء. فقالوا: يا أبا عباس! بم فضله الله على أهل السماء؟ قال: إن الله تعالى قال لأهل السماء ﴿ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزى الظالمين﴾ وقال الله تعالى لمحمد ﷺ : ﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر ــ معه)) هذا هو المكتوب في التوراة، أي مكتوب في التوراة صفة محمد ﷺ كيت وكيت، عيسى ابن مريم يدفن معه، أو المكتوب صفة محمد كذا وعيسى بن مريم يدفن معه. وأبو مودود هو أحد رواة الحديث. ((مدني)). الفصل الثالث الحديث الأول عن ابن عباس ﵄: قوله: ((ومن يقل منهم إني إله من دونه)) يفهم التفضيل من صولة الخطاب وغلظته في مخاطبة أهل السماء، وفرض ما لا يتأتى منهم وجعله كالواقع، وترتب الوعيد الشديد عليه إظهار لكبريائه وجلالته، وأنهم بعداء من أن ينسبوا إلى ما يشاركوني، كقوله تعالى: ﴿وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً﴾ تحقيراً لهم وتصغيراً لشأنهم. ومن ملاطفته بالخطاب معه ﷺ ، وأن ما صدر أو يصدر منه مغفور، وجعل فتح مكة عليه للمغفرة والنصرة وإتمام النعمة والهداية إلى الصراط المستقيم وإنزال السكينة في قلوب المؤمنين، انظركم التفاوت بين هذا الوعد وذلك الوعيد. وأما بيان فضله على الأنبياء: فإن الآية دلت على أن لكل نبي مرسل إلى قوم مخصوص وهو ﷺ مرسل إلى كافة الناس، ولا ارتياب بأن الرسل إنما بعثوا لإرشاد الخلق إلى الطريق المستقيم وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ومن عبادة الأصنام إلى عبادة الملك العلام، فكل من كان منهم في هذا الأمر أكثر تأثيراً كان أفضل وأفضل، فكان له ﷺ فيه القدح المعلى، وحاز قصب السبق، إذ لم يكن مختصاً بقوم دون قوم، وزمان دون زمان، بل دينه انتشر في مشارق الأرض ومغاربها، وتغلغل في كل مكان، واستمر امتداده على وجه كل مكان، زاده الله شرفاً على شرف، وعزاً على عز، ماذر شارق ولمح بارق، فله الفضل بحذافيره سابقاً ولاحقاً، ولقد صدق الله وعده في قوله تعالى: ﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادى الصالحون﴾ وحقق قول حبيبه ﷺ فيما أخبر به من قوله:
следующие страницы →