← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122257

شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن

الطيبي

Полный текст (3 308 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

ثم أقوم عن يمين العرش ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيري)). رواه الترمذي. وفي رواية ((جامع الأصول)) عنه: ((أنا أول من تنشق عنه الأرض فأكسا)). ٥٧٦٧ - وعنه، عن النبي ﷺ قال: ((سلوا الله لي الوسيلة)) قالوا: يا رسول الله، وما الوسيلة؟ قال: ((أعلى درجة في الجنة لا ينالها إلا رجل واحد وأرجو أن أكون أنا هو)). رواه الترمذي. [٥٧٦٧] ٥٧٦٨ - عن أبي بن كعب، عن النبي ﷺ قال: ((إذا كان يوم القيامة كنت إمام النبيين، وخطيبهم، وصاحب شفاعتهم غير فخر)). رواه الترمذي. [٥٧٦٨] ٥٧٦٩ - وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله،: ((إن لكل نبي ولاة ــ الحديث الرابع عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((سلوا الله لي الوسيلة)) هي المذكورة في دعاء الأذان: ((آت محمداً الوسيلة)). نه: هي في الأصل ما يتوصل به إلى الشيء ويتقرب به، وجمعها: وسائل، يقال: وسل إليه وسيلة وتوسل - انتهى كلامه-. وإنما طلب ﷺ من أمته الدعاء له بطلب الوسيلة افتقاراً إلى الله وهضماً لنفسه، أو لتنفع أمته وتثاب به، أو يكون إرشاداً لهم في أن يطلب كل منهم من صاحبه الدعاء له. وقوله: ((أن أكون أنا هو)) قد وضع فيه الضمير المرفوع مقام المنصوب في خبر كان، وقد سبق بيانه مراراً. وقوله: ((وما الوسيلة؟)) معطوف على مقدر، أي نفعل ذلك وما الوسيلة؟. الحديث الخامس عشر عن أبي ﵁: قوله: ((إمام النبيين)) تو: هو بكسر الهمزة، والذي يفتحها ينصبها على الظرف لم يصب. الحديث السادس عشر عن عبد الله بن مسعود ﵁: قوله: ((ولاة من النبيين)) تو: أي أحباء وقرناء وهم أولى به من غيرهم.

стр. 3012

من النبيين، وإن وليي أبي وخليل ربي. ثم قرأ: ﴿إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا ولي المؤمنين﴾. رواه الترمذي. [٥٧٦٩] ٥٧٧٠ - وعن جابر، أن النبي ﷺ قال: ((إن الله بعثني لتمام مكارم الأخلاق، وكمال محاسن الأفعال)) رواه في ((شرح السنة)). [٥٧٧٠] ــ ((وإن وليي أبي)) يعنى به إبراهيم ﵊، وقد بينه بقوله: ((وخليل ربي))، وفي كتاب المصابيح: ((وإن وليي ربي)) وهو غلط، ولعل الذي حرف هذا دخل عليه من قوله سبحانه: ﴿إن وليي الله الذي نزل الكتاب﴾ والرواية على ما ذكرناه هو الصواب. مظ: لو كان كما ذكره التوربشتي لكان قياس التركيب أن يكون: وليي أبي خليل ربي من غير واو العطف الموجب للمغايرة، وبإضافة الخليل إلى ربي ليكون عطف بيان لأبي. أقول: والرواية المعتبرة كما ذكره الشيخ في جامع الترمذي وجامع الأصول، وكذا في مسند أحمد بن حنبل أيضًا، وأيضًا لو ذهب إلى أن خليل ربي عطف بيان بلا واو لزم خمول كون إبراهيم ﵊ أبا النبي ﷺ ووليه فأتى به بياناً، وإذا جعل معطوفاً عليه لزم شهرته به، والعطف يكون لإثبات وصف آخر له ﵊ على سبيل المدح، فعلى ما عليه الرواية يلزم مدحه مرتين بخلاف ذلك، ونحوه في الاعتبار قول الشاعر: إنا بني نهشل لا ندعي لأب عنه ولا هو بالأبناء يشرينا أي أنا أذكر من لا يخفي شأنه ولا يفعل كذا، فلو جعل بنو نشهل خبراً لزم خمول المتكلم أو الجهل بارتفاع شأن قومه. فإن قلت: لزم من قوله: ((لكل نبي ولاة)) أن يكون لكل واحد منهم أولياء متعددة؟. قلت: لا لأن النكرة المفردة إذا وقعت في مكان الجمع أفادت الاستغراق، أي: أن لكل واحد واحداً لقوله تعالى: ﴿ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام﴾. الحديث السابع عشر عن جابر ﵁: قوله: ((مكارم الأخلاق)) هو من إضافة الصفة إلى الموصوف كقولهم: جرد قطيفة، وأخلاق ثياب.

стр. 3013

٥٧٧١ - وعن كعب يحكى عن التوراة قال: نجد مكتوباً محمد رسول الله عبدى المختار، لا فظ ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يجزى بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، مولده بمكة، وهجرته بطيبة، وملكه بالشام، وأمته الحمادون، يحمدون الله في السراء والضراء، يحمدون الله في كل منزلة، ويكبرونه على كل شرف، رعاة للشمس، يصلون الصلاة إذا جاء وقتها، يتأزرون على أنصافهم، ويتوضئون على أطرافهم، مناديهم ينادى في جو السماء، صفهم في القتال وصفهم ــ وكذا قوله: ((محاسن الأفعال)). غب: كل شيء يشرف في باب فإنه يوصف بالكرم، قال تعالى: ﴿وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج﴾ ﴿ومقام كريم﴾ ﴿إنه لقرآن كريم﴾ وإذا وصف الله تعالى به فهو اسم لإحسانه وإنعامه المتظاهر، وإذا وصف به الإنسان فهو اسم للأخلاق والأفعال المحمودة التي تظهر منه، ولا يقال: هو كريم، حتى يظهر ذلك منه، قال بعض العلماء: الكرم كالحرية، إلا أن الحرية قد تقال في المحاسن الصغيرة والكبيرة، والكرم لا يقال إلا في المحاسن الكبيرة - انتهى كلامه -. ومعنى هذا الحديث وحديث أبي هريرة ﵁: ((مثلى ومثل الأنبياء)) إلى قوله: ((أنا سددت موضع تلك اللبنة)) يلتقيان في معنى إتمام الناقص. الحديث الثامن عشر عن كعب ﵁: قوله: ((ملكه بالشام)) مظ: أراد بالملك هاهنا النبوة والدين، فإن ذلك يكون بالشام أغلب، وإلا فملكه بجميع الآفاق لقوله: ((وسيبلغ ملك أمتى ما زوى لى منها))، وقيل: معناه الغزو والجهاد ثمة لأنها تصير بلاد الكفار، والجهاد ملكاً لأهل الإسلام، ولهذا لا ينقطع الجهاد في بلاد الشام أصلا، وأمره بالمسافرة إليها لإدراك فضيلة الجهاد والمرابطة في سبيل الله. ((يحمدون الله في كل منزلة)) أي في كل منزل، لعل تأنيثه باعتبار البقعة والناحية، قال ذو الرمة: أمنزلتى مي سلام عليكما. أي: يا منزلتى مي، إذا نزلوا شكروا الله تعالى عليه لأنه آواهم إلى المنزل والسكون فيه. قوله: ((على كل شرف)) أي يكبرون الله على كل موضع عال، تعجباً لعظمة الله تعالى وقدرته، لما يشرفون منها على عجائب خلق الله.

стр. 3014

في الصلاة سواء، لهم بالليل دوى كدوى النحل)). هذا لفظ ((المصابيح)). وروى الدارمي مع تغيير يسير. [٥٧٧١] ٥٧٧٢ - وعن عبد الله بن سلام، قال: مكتوب في التوراة: صفة محمد وعيسى بن مريم يدفن معه. قال أبو مودود: وقد بقى في البيت موضع قبره. رواه الترمذي. [٥٧٧٢] ــ قوله: ((على كل شرف)) أي يكبرون الله على كل موضع عال، تعجباً لعظمة الله تعالى وقدرته، لما يشرفون منها على عجائب خلق الله. قوله: ((ورعاة للشمس)) جمع راع، أي أنهم يحفظون أوقات الصلاة بطلوع الشمس وغروبها ودلوكها، يراقبون ذلك وينظرون سيرها ليعرفوا مواقيت الصلاة كيلا تفوت عنهم الصلاة في وقتها. وقوله: ((يتأزرون على أنصافهم)) أي يشدون الإزار على أنصافهم من السرة إلى الركبة، أو يشدون معقد السراويل، والمراد مبالغتهم في ستر عوراتهم، ويجوز أن يكون على معنى إلى، أي: أزرهم إلى أنصاف سوقهم. أقول: وفيه إدماج لمعنى التجلد والتشمر للقيام إلى الصلاة، لأن من شد إزاره إلى ساقه شمر لمزاولة ما اهتم بشأنه، يقال: كشف عن ساق الجد، وقامت الحرب على ساقها. أو يكون كناية عن التواضع والإخبات، كما أن جر الإزار كناية عن الكبر والخيلاء. ((ويتوضئون على أطرافهم)) أي يصبون الماء في التوضؤ على أطرافهم، ويسبغون أماكن الوضوء. ((مناديهم ينادى في جو السماء)) أي يؤذن مؤذنهم في مواضع عالية كالمنارة وغيرها. وقوله: ((صفهم للقتال شبه صفوفهم في الجماعات)) شبه صفوفهم في الجماعات - بسبب مجاهدتهم النفس الأمارة والشيطان - بصف القتال والمجاهدة مع أعداء الدين، وأخرجه مخرج التشابه في التشبيه إيذاناً بأن كل واحد منهما يصح أن يكون مشبها ومشبهاً به، بل أخر ذكر صف الصلاة، ليكون مشبهاً به لكونه أبلغ.

стр. 3015

الفصل الثالث ٥٧٧٣ - عن ابن عباس، قال: إن الله تعالى فضل محمدا صلي لله عليه وسلم على الأنبياء وعلى أهل السماء. فقالوا: يا أبا عباس! بم فضله الله على أهل السماء؟ قال: إن الله تعالى قال لأهل السماء ﴿ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزى الظالمين﴾ وقال الله تعالى لمحمد ﷺ : ﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر ــ معه)) هذا هو المكتوب في التوراة، أي مكتوب في التوراة صفة محمد ﷺ كيت وكيت، عيسى ابن مريم يدفن معه، أو المكتوب صفة محمد كذا وعيسى بن مريم يدفن معه. وأبو مودود هو أحد رواة الحديث. ((مدني)). الفصل الثالث الحديث الأول عن ابن عباس ﵄: قوله: ((ومن يقل منهم إني إله من دونه)) يفهم التفضيل من صولة الخطاب وغلظته في مخاطبة أهل السماء، وفرض ما لا يتأتى منهم وجعله كالواقع، وترتب الوعيد الشديد عليه إظهار لكبريائه وجلالته، وأنهم بعداء من أن ينسبوا إلى ما يشاركوني، كقوله تعالى: ﴿وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً﴾ تحقيراً لهم وتصغيراً لشأنهم. ومن ملاطفته بالخطاب معه ﷺ ، وأن ما صدر أو يصدر منه مغفور، وجعل فتح مكة عليه للمغفرة والنصرة وإتمام النعمة والهداية إلى الصراط المستقيم وإنزال السكينة في قلوب المؤمنين، انظركم التفاوت بين هذا الوعد وذلك الوعيد. وأما بيان فضله على الأنبياء: فإن الآية دلت على أن لكل نبي مرسل إلى قوم مخصوص وهو ﷺ مرسل إلى كافة الناس، ولا ارتياب بأن الرسل إنما بعثوا لإرشاد الخلق إلى الطريق المستقيم وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ومن عبادة الأصنام إلى عبادة الملك العلام، فكل من كان منهم في هذا الأمر أكثر تأثيراً كان أفضل وأفضل، فكان له ﷺ فيه القدح المعلى، وحاز قصب السبق، إذ لم يكن مختصاً بقوم دون قوم، وزمان دون زمان، بل دينه انتشر في مشارق الأرض ومغاربها، وتغلغل في كل مكان، واستمر امتداده على وجه كل مكان، زاده الله شرفاً على شرف، وعزاً على عز، ماذر شارق ولمح بارق، فله الفضل بحذافيره سابقاً ولاحقاً، ولقد صدق الله وعده في قوله تعالى: ﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادى الصالحون﴾ وحقق قول حبيبه ﷺ فيما أخبر به من قوله:

стр. 3016

لك الله ما تقدم من ذنبك وما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ قالوا: وما فضله على الأنبياء؟ قال: قال الله تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء﴾ الآية، وقال الله تعالى لمحمد ﷺ : ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس﴾ فأرسله إلى الجن والإنس. ٥٧٧٤ - وعن أبي ذر الغفاري، قال: قلت: يا رسول الله! كيف علمت أنك نبي حتى استيقنت؟ فقال: ((يا أبا ذر! أتاني ملكان وأنا ببعض بطحاء مكة، فوقع أحدهما إلى الأرض، وكان الآخر بين السماء والأرض، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: نعم. قال فزنه برجل، فوزنت به فوزنته، ثم قال: زنه بعشرة، فوزنت بهم فرجحتهم، ثم قال، كأني أنظر إليهم ينتثرون على من خفة الميزان. قال: فقال أحدهما لصاحبه: لو وزنته بأمته لرجحها)). رواهما الدارمي. [٥٧٧٤] ــ ((زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها، فسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها)). قوله: ((فأرسله)) الفاء للتعقيب، ظاهر العبارة يقتضي أن يكون للنتيجة وتوجيهه أن تعريف: ((الناس)) لاستغراق الجنس، وكافة تكف كل فرد من أفراد هذا الجنس أن يخرج من الإرسال، لأن ((كافة)) إما حال من المفعول أو صفة مصدر محذوف، والجن تبع للإنس، وهداية الجن تابعة لهداية الإنس، فمن طريق هذا الالتزام يلزم تناول رسالته ﷺ للثقلين جميعاً. الحديث الثاني عن أبي ذر ﵁: قوله: ((حتى استيقنت؟)) حتى غاية للعلم، أي كيف تدرجت في العلم حتى بلغ علمك غايته التي هي اليقين؟. قوله: ((فوزنته)) أي غلبته في الوزن. ((ينتثرون على)) أي يتساقط الألف الموزون على من خفة تلك الكفة. وفيه: أن الأمة كما يفتقرون في معرفة كون النبي صادقاً إلى إظهار خوارق العادات بعد التحدي، كذلك النبي يفتقر في معرفة كونه نبياً إلى أمثال هذه الخوارق.

стр. 3017

٥٧٧٥ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((كتب على النحر ولم يكتب عليكم، وأمرت بصلاة الضحى ولم تؤمروا بها)). رواه الدارقطني. [٥٧٧٥] ــ الحديث الثالث عشر عن ابن عباس ﵄: قوله: ((كتب على النحر)) أي أوجب، وعنى به قوله: ﴿فصل لربك وانحر﴾ ولم يوجد في الأحاديث وجوب الضحى عليه ﷺ إلا في هذا الحديث، والله أعلم.

стр. 3018

(٢) باب أسماء النبي ﷺ وصفاته ــ باب أسماء النبي ﷺ وصفاته مح: ذكر أبو بكر بن العربي المالكي في كتابه [الأحوذي في شرح الترمذي] عن بعضهم: أن لله تعالى ألف اسم, وللنبي ﷺ ألف اسم أيضًا. ثم ذكر منها على التفصيل بضعًا وستين. قال ابن الجوزي في الوفاء: ذكر أبو الحسين بن فارس اللغوي أن لنبينا ﷺ اثنين وعشرين اسمًا: (محمد) و (أحمد) و (محمود) - وقيل: هو اسم مفعول من التحميد, وهو المبالغة من الحمد، يقال حمدت فلانًا أحمده إذا أثنيت عليه بحمد على خصاله وأحمدته إذا وجدته محمودًا - ويقال: هذا الرجل محمود, فإذا بلغ النهاية في ذلك وتكاملت فيه المحاسن والمناقب فهو محمد, قال الأعشى يمدح بعض الملوك: إلى الماجد الفرع الجواد المحمد. أراد الذي تكاملت فيه الخصال المحمودة, وهذا البناء يدل أبدًا على بلوغ النهاية, كما تقول في الحمد: محمد, وفي الذم: مذمم, وقيل هذا البناء للتكثير نحو: فتحت الباب فهو مفتح, إذا فعلت به ذلك مرة بعد أخرى. و (محمد): اسم منقول من الصفة على سبيل التفاول, أي أنه سيكثر حمده. وأما أحمد: فأفعل من الحمد قطع متعلقه للمبالغة، قال ابن الجوزي في الوفاء: قال ابن قتيبة: ومن أعلام نبوة نبينا صلي الله عليه سلم أنه لم يسم قبله أحد باسمه صيانة من الله تعالى لهذا الاسم, كما فعل بيحيى, إذا لم يجعل له من قبل سميَّا, وذلك أن الله تعالى سماه في الكتب المتقدمة وبشر به الأنبياء, فلو جعل الاسم مشتركًا فيه شاعت الدواعى ووقعت الشبهة, إلا أنه لما قرب زمنه, وبشر أهل الكتاب بقربه سموا أولادهم بذلك. (والماحي): قيل: هو الذي يمحو الله به الكفر, لأنه ﷺ بعث والدنيا مظلمة بغيابه الكفر, فأتى ﷺ بالنور الساطع حتى محى الكفر, من قولك: محوت الخط محوًا, ومحت الريح والأمطار رسم الربع. مح: يحتمل أن يراد به الظهور بالحجة والغلبة, كما قال تعالى:﴾ ليظهره على الدين كله ﴿وجاء في حديث آخر مفسرًا بالذي محيت به سيئات من تبعه, كما قال الله تعالى:﴾ قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ﴿. (والحاشر): حس: أي يحشر أول الناس, لقوله ﷺ : ((أنا أول من تنشق عنه الأرض)). مح: هو من قوله ((يحشر الناس على قدمي)) أي على إثري وزمان نبوتي وليس بعدي نبي.

стр. 3019

ــ أقول: هو من الإسناد المجازي، لأنه سبب في حشر الناس، لأن الناس لم يحشروا ما لم يحشر، ومنه قولهم: ناقة ضبوث، شك في سمنها فضبثت أي حبست، وإنما جعلت ضابثة لما بها من الداعي إلى الضبث ومنه الحلوب والركوب. والعاقب: مح: قال ابن الأعرابي: العاقب والعقرب الذي يخلف في الخير من كان قبله، ومنه عقب الرجل يقال لولده. (والمقفي): قيل: هو على صيغة الفاعل، المولى الذاهب، يقال: قفي عليه أي ذهب به، وكأن المعنى: هو آخر الأنبياء فإذا فنى فلا نبي بعده، فمعنى المقفي والعاقب واحد لأنه تبع الأنبياء صلوات الله عليهم وهو المقفي لأنه المتبع للنبيين، وكل شيء يتبع شيئًا فقد قفاه، يقال: هو يقفو أثر فلان أي يتبعه، قال الله تعالى: ﴿ثم قفينا على آثارهم برسلنا﴾ وسميت قافية البيت بها لأنها كلمة تتبع سائر الكلمات وسمى القفا لأنه خلف الوجه. هذا أحد الوجهين في تسمية النبي ﷺ المقفي. والوجه الآخر: أن يكون ((المقفي)) بفتح القاف ويكون مأخوذًا من القفي، والقفي الكريم والضيف، والقفاوة البر واللطف، فكأنه سمى المقفي لكرمه وفضله. والوجه الأول أحسن وأوضح. (ونبي الرحمة): قال تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ وقال ﷺ : ((إنما أنا رحمة مهداة))، والرحمة: اللطف والرأفة والإشفاق لأنه ﷺ كان بالمؤمنين رحيمًا. (ونبي الملاحم): الملاحم جمع الملحمة وهي الحرب، سمي به لحرصه على الجهاد، ومسارعته إلى القراع، وقلة إحجامه، ولذلك قال علي ﵁: ((كنا إذا التحم الناس اتقينا برسول الله ﷺ فلم يكن أحد منا إلى العدو أقرب منه)). قال في شرح السنة: إن قيل: قد قال النبي ﷺ : ((أنا نبي الرحمة ونبي الملاحم)) كيف وجه الجمع بينهما؟ وقد قال ﷺ : ((إنما أنا رحمة)) وقال جل ذكره: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ فكيف يكون مبعوثًا بالرحمة وقد بعث بالسيف؟. قيل: هو مبعوث بالرحمة كما ذكر وكما أخبر الله تعالى، وذلك أن الله تعالى بعث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالرحمة، وأيدهم بالمعجزات، فمن أنكر من تلك الأمم الحق بعد الحجة والمعجزة عذبوا بالهلاك والاستئصال، واستؤنى بهذه الأمة فلم يعاجلوا بالهلاك

стр. 3020

ــ والاستئصال، ولكن الله أمر نبيه بالجهاد معهم بالسيف ليرتدعوا عن الكفر، ولم يجتاحوا بالسيف فإن للسيف بقية، وليس مع العذاب المنزل بقية. وروى أن قومًا من العرب قالوا: يا رسول الله أفنانا السيف. فقال: ((ذاك أبقى لآخركم)). فهذا معنى الرحمة المبعوث بها - ذكره الخطابي. قال الشيخ الإمام: ومما يؤيد ذلك حديث عائشة ﵂: أن الله تعالى بعث إليه ملك الجبال فقال: إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ فقال رسول الله ﷺ : ((بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا)). وهو مبعوث بالرحمة أيضًا حيث إن الله تعالى وضع في شريعته عن أمته ما كان في شرائع الأمم السالفة عليهم من الآصار والأغلال، كما قال الله تعالى في كتابه في قصة موسى ﵊، ﴿ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ..﴾ إلى قوله: ﴿... ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾، وأعطى أمته في الأعمار القصيرة على الأعمال اليسيرة ضعف ما أعطى الأمم الماضية في الأعمار الطويلة على الأعمال الكثيرة الثقيلة، كما جاء في حديث ابن عمر: ((إن اليهود والنصارى قالوا: ما لنا أكثر عملا وأقل عطاء؟ قال الله تعالى: ((ذلك فضلى أوتيه من أشاء)) فقد أكمل الله على الخلائق بإرساله الرحمة، وأتم عليهم النعمة، وأعظم عليهم المنة فلله الحمد أولا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا. (والشاهد): لأنه هو الذي يشهد يوم القيامة للأنبياء على الأمم بتبليغ الأنبياء إليهم برسالات الله جل ثناؤه، [ويشهد على أمته] قال تعالى: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا﴾ ويشهد لهم أي يزكيهم، قال الله تعالى: ﴿لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا﴾. وقيل: سماه شاهدًا لمشاهدته الحال كأنه الناظر إليها، والمخبر بما شاهد منها، ويقال للسان: الشاهد، لأنه يعبر ويشهد، قال الأعشى: فلا تحسبني شاكرًا لك نعمة على شاهدي يا شاهد الله فاشهدي أراد بشاهد نفسه لسانه، وبشاهد الله الملك. (والمبشر والنذير): بشر أهل الإيمان بالجنة والرضوان وأنذر أهل النار بالخزي والبوار.

стр. 3021

ــ (والضحوك): هو اسمه في التوراة: وذلك أنه كان طيب النفس فكهًا، وكان لا يحدث بحديث إلا ضحك حتى تبدو نواجذه، وكان لينًا مع الجفاة لطيفًا في المنطق معهم، كأن وجهه دائرة القمر عند امتلاء نوره ﷺ . (والمتوكل): الذي يكل أموره إلى الله ، فإذا أمره الله بالشيء نهض غير هيوب ولا ضرع، فاشتقاق التوكل من قولنا: رجل وكل، أي ضعيف، وكان ﷺ إذا همه أمر عظيم أو نزلت به ملمة من الملمات راجعًا إلى ربه غير متكل على حول نفسه وقوتها. (والفاتح): سمى به لفتحه من الإيمان أبوابًا [منسدة]، والفتح الحكم، قال الله تعالى: ﴿ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين﴾ أي احكم، فسمى ﷺ فاتحًا لأنه تعالى جعله حكمًا في خلقه، فجعلهم على المحجة البيضاء. ويحتمل أن يكون (الفاتح) من فتحة ما استغلق من العلم، وهذا الوجه مروي عن علي ﵁. (والأمين) مأخوذ من الأمانة، وكان ﷺ يسمى قبل البعثة أمينًا لما عاينوا من أمانته وحفظه لها، وكل من أمن منه الخلف والكذب فهو أمين. (والمصطفي) أصل الصفا خلوص الشيء من الشوب، والاصطفاء تناول صفو الشيء، كما أن الاختيار تناول خيره، واصطفاء الله تعالى بعض عباده قد يكون يإيجاده تعالى إياه صافيًا من الشوب الموجود في غيره، وقد يكون باختياره وبحكمه وإن لم يتغير ذلك من الأول. فأما المصطفي فقد شاركه فيه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وعند الإطلاق يفهم (محمد) ﷺ لأنه أرفع قدرًا. (والخاتم): من ختمت الشيء إذا أتممته وبلغت آخره، وخاتمة الشيء وختامه آخره، ومنه ختم القرآن. سمى ﷺ (خاتم النبيين) لأنه آخرهم في البعثة إلى الخلق وإن كان في الفضل أولا. (والرسول والنبي والأمي): قيل: أراد به أنه من مكة المكرمة وهي أم القرى، وقيل: المراد الذي لا يكتب ولا يقرأ. (والقثم) من القثم وهو الإعطاء، سمى به ﷺ لأنه كان أجود بالخير من الريح الهابة، ويعطي فلا يبخل، ويمنح فلا يمنع.

стр. 3022

ــ أو من القثم: الجمع، يقال للرجل الجموع للخير: قثوم سمى به ﷺ لأنه كان جامعًا لجميع المناقب الرفيعة والفضائل السنية، والأول أصح وأقرب. ونقل هذه الأسامي من الوفاء، وهو مذكور في الكتاب والسنة من غير ذلك هذه. و (نبي التوبة): لأنه تواب كثير التوب والرجوع إلى الله تعالى، لقوله ﷺ : ((إني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة أو مائة مرة)) ولأنه قبل من أمته التوبة بمجرد الاستغفار بخلاف الأمم السالفة، قال تعالى: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابًا رحيما﴾ ألم تر كيف عدل عن المضمر إلى المظهر في قوله: ﴿واستغفر لهم الرسول﴾ أي: شفاعة من اسمه الرسول لقبول توبة المذنبين بمكانة عظيمة عند الله تعالى، ولما كان هذا المعنى مختصًا به سمي: بـ (نبي التوبة). (والقاسم): [قال ﷺ : (([أنا القاسم] والله المعطى)). (والعبد): قال تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً﴾ ﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾. (وعبد الله): قال تعالى: ﴿وأنه لما قام عبد الله يدعوه﴾. (والمزمل والمدثر): رويّ عن عكرمة: أي الذي زمل أمرًا عظيمًا، أي حمله. ورويّ عن ابن عطاء: يأيها المخفي ما نظهره عليك من آثار الخصوصية آن أوان كشفه فأظهره، فقد أيدناك بمن يتبعك ويوافقك ولا يخذلك ولا يخالفك وهو أبو بكر وعلي ﵄. (والشفيع والشافع والمشفع والحبيب [والخطيب] والحي والجليل والداعي) قال تعالى: ﴿وداعيًا إلى الله﴾ أي: داعيًا لأهل الشرك والجاهلية إلى التوحيد وشرائع الإسلام ﴿بإذنه﴾ أي بتيسيره وتسهيله. (والسراج المنير) أي السراج المنير الذي جلى الله به ظلمات الشرك واهتدى به الضالون، كما تجلى ظلمات الليل بالسراج المنير ويهتدى به، أو أمد الله بنور نبوته نور البصائر كما يمد بنور السراج نور الأبصار، ووصفه بالإنارة لأن من السراج ما لا يضيء. (وحريص ورءوف ورحيم): قال الله تعالى: ﴿حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم﴾.

стр. 3023

الفصل الأول ٥٧٧٦ - عن جبير بن مطعم، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((إنَّ لى أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بى الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب)) والعاقب: الذي ليس بعده شيء. متفق عليه. ــ (والطيب): قال الله تعالى: ﴿الطيبون للطيبات﴾. (وأولوا العزم): قال الله تعالى: ﴿فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل﴾. (والصاحب): قال الله تعالى: ﴿ما ضل صاحبكم وما غوى﴾. (والصالح): هو من قول الأنبياء: ((مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح)). (والقائد والسيد): من قوله ﷺ : ((أنا سيد ولد آدم ولا فخر، وأنا قائدهم إذا وفدوا)). (والحرز): من قوله: ((وحرزا للأميين)). (والإمام): من قوله: ((كنت إمام النبيين)). (والنور): قالت أمه: خرج لها نور أضاء لها. (والأزهر): من قوله: أزهر اللون. (والأجود): من قوله: وكان رسول الله ﷺ أجود الناس بالخير. (والشكور): من قوله: أفلا أكون عبدًا شكورًا؟. الفصل الأول الحديث الأول عن جبير ﵁: قوله: ((على قدمي)) أي على أثري، والظاهر على قدميه اعتبارًا للموصول إلا أنه اعتبر المعنى المدلول بلفظة: ((أنا)). ((مح)): ضبطوه بتخفيف الياء على الإفراد، وتشديدها على التثنية. الحديث الثاني والحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((شتم قريش)) تو: يريد بذلك تعريضهم إياه بمذمم مكان محمد، وكانت العوراء بنت حرب زوجة أبي لهب تقول:

стр. 3024

٥٧٧٧ - وعن أبي موسى الأشعري، قال: كان رسول الله ﷺ يُسمي لنا نفسه أسماءً فقال: ((أنا محمد، وأحمد، والمقفي، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة)). رواه مسلم. ٥٧٧٨ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم! يشتمون مذممًا، ويلعنون مذممًا، وأنا محمد)) رواه البخاري. ٥٧٧٩ - وعن جابر بن سمرة، قال: كان رسول الله ﷺ قد شمط مقدم رأسه ولحيته، وكان إذا ادَّهن لم يتبين، وإذا شعث رأسه تبين، وكان كثير شعر اللحية، فقال رجل: وجهه مثل السيف؟ قال: لا بل كان مثل الشمس والقمر، وكان مستديرًا ورأيت الخاتم عند كتفه مثل بيضة الحمامة يشبه جسده. رواه مسلم. ــ مذممًّا قلينا ودينه أبينا وأمره عصينا الحديث الرابع عن جابر ﵁: قوله: ((وإذا شعث رأسه)) أي تفرق شعر رأسه، فدل هذا على أنه عند الادهان يجمع شعر رأسه ويضم بعضه إلى بعض، وكانت الشعرات البيض من قلتها لا تتبين فإذا شعث رأسه ظهرت. قوله: ((لا بل كان مثل الشمس والقمر)) رده الراوي ردًا بليغًا حيث شبهه بالسيف الصقيل، ولما لم يكن الوجه شاملا للطرفين قاصرًا عن تمام المراد من الاستدارة والإشراق الكامل والملاحة، قال: لا بل كان مثل الشمس في نهاية الإشراق، والقمر في الحسن والملاحة، وحين جرى التعارف في تمثيل الشمس بالإشراق والقمر في الحسن والملاحة دون الاستدارة أتى بقوله: ((وكان مستديرًا)) بيانًا للمراد فيهما. الحديث الخامس عن عبد الله بن سرجس ﵁: قوله: ((ناغض كتفه اليسرى)) ((نه)): النغض والناغض أعلى الكتف، وقيل: هو العظم الرقيق الذي على طرفه. والجمع: هو أن تجمع الأصابع وتضمها، يقال: ضربه بجمع كفه، بضم الجيم. والخيلان: جمع الخال وهو الشامة في الجسد. والثآليل: جمع ثؤلول وهو هذه الحبة التي تظهر في الجلد كالحمصة فما دونها.

стр. 3025

٥٧٨٠ - وعن عبد الله بن سرجس، قال: رأيت النبي ﷺ وأكلت معه خبزًا ولحمًا أو قال: ثريدًا - ثم درت خلفه، فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه عند ناغض كتفه اليسرى، جمعًا عليه، خيلانٌ كأمثال الثآليل. رواه مسلم. ٥٧٨١ - وعن أم خالد بنت خالد بن سعيد، قالت: أتى النبي ﷺ بثياب فيها خميصةٌ سوداءُ صغيرة، فقال: ((ائتوني بأم خالد)) فأتى بها تحمل، فأخذ الخميصة بيده، فألبسها. قال: ((ابلي وأخلقي، ثم ابلي وأخلقي)) وكان فيها علم أخضر أو أصفر. فقال: ((يا أم خالد! هذا سناه)) وهي بالحبشية: حسنة. قالت: فذهبت ألعب بخاتم النبوة، فزبرنى أبي، فقال رسول الله ﷺ : ((دعها)) رواه البخاري. ــ مح: وظاهر قوله: ((جمعا)) يحتمل أن يكون المراد تشبيه به في الهيئة، وأن يكون في المقدار، والمراد به هنا الهيئة ليوافق قوله: ((مثل بيضة الحمام)). الحديث السادس عن أم خالد ﵂: قوله: ((خميصة سوداء)) [مظ]: الخميصة كساء أسود مربع له علمان. و ((تحمل)) حال من الضمير في ((بها))، والتكرار في قوله: ((ابلي وأخلقي)) دعاء لها بطول عمرها. ((فزبرني أبي)) أي صاح عليّ ونهاني عن ذلك. وقد أشار الشيخ الصمداني ((شهاب الدين السهروردي)) قدس الله سره في عوارفه إلى استناد المشايخ الصوفية في لبس الخرقة بهذا الحديث. الحديث السابع عن أنس ﵁: قوله: ((بالطويل البائن)) قض: الظاهر البين طوله، من بان إذا ظهر. نه: أي المفرط طولا الذي يعد من قدر الرجال الطوال. و ((الأمهق)) هو الكريه البياض كلون الجص، يريد أنه كان نير البياض. ((ولا بالآدم)) أي الشديد السمرة. و ((القطط)) أي الشديد الجعودة. و ((السبط)) من الشعر المنبسط المسترسل، أي كان شعره ﷺ وسطًا بينهما. ويقال: ((رجل ربعة)) ومربوع إذا كان بين الطويل والقصير.

стр. 3026

٥٧٨٢ - وعن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير، وليس بالأبيض الأمهق، ولا بالآدم، وليس بالجعد القطط، ولا بالسبط، بعثه الله على رأس أربعين سنة فأقام بمكة عشر سنين، وبالمدينة عشر سنين، وتوفاه الله على رأس ستين سنة وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء. وفي رواية يصف النبي ﷺ ، قال: كان ربعة من القوم، ليس بالطويل ولا بالقصير، أزهر اللون. وقال: كان شعر رسول الله ﷺ إلى أنصاف أذنيه. وفي رواية: بين أذنيه وعاتقه. متفق عليه. وفي رواية للبخاري، قال: كان ضخم الرأس والقدمين، لم أر بعده ولا قبله مثله، وكان سبط الكفين. وفي أخرى له، قال: كان شثن القدمين والكفين. ــ و ((الأزهر)) الأبيض المستنير، والزهر والزهرة البياض النير وهو أحسن الألوان. وقوله: ((شثن القدمين والكفين)) أي أنهما يميلان إلى الغلظ والقصر، وقيل: هو الذي في أنامله غلط بلا قصر، ويحمد ذلك في الرجال لأنه أشد لقبضهم، ويذم في النساء. الحديث الثامن عن البراء ﵁. قوله: ((لمة أحسن)) نه: اللمة من شعر الرأس دون الجمة، سميت بذلك لأنها ألمت بالمنكبين، فإذا زادت فهي الجمة. الحديث التاسع عن سماك ﵁: قوله: ((ضليع الفم)) ((مح)): أي عظيمه، هكذا قاله الأكثرون وهو الأظهر. قالوا: والعرب تمدح ذلك وتذم [صغر] الفم. وقال شمر: عظيم الأسنان. وأما قوله: ((أشكل العينين)) فقال القاضي عياض: تفسير سماك ((أشكل العينين)) وهم منه وغلظ ظاهر، وصوابه ما اتفق عليها العلماء ونقله أبو عبيدة وجميع أصحاب الغريب، وهو أن الشكلة حمرة في بياض العين وهو محمود. وأما ((المنهوش)) فبالشين المعجمة. الحديث العاشر عن أبي الطفيل ﵁:

стр. 3027

٥٧٨٣ - وعن البراء، قال: كان رسول الله ﷺ مربوعاً، بعيد ما بين المنكبين، له شعرُ بلغ شحمة أُذنيه، رأيته في حلة حمراء، لم أر شيئاً قط أحسن منه. متفق عليه. وفي رواية لمسلم، قال: ما رأيت من ذي لمة أحسن في حلة حمراء من رسول الله ﷺ ، شعره يضرب منكبيه، بعيد ما بين المنكبين، ليس بالطويل ولا بالقصير. ٥٧٨٤ - وعن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة، قال: كان رسول الله ﷺ ضليع الفم، أشكل العينين، منهوش العقبين. قيل لسماك: ما ضليع الفم؟ قال: عظيم الفم قيل: ما أشكل العينين؟ قال: طويل شق العين. قيل: ما منهوش العقبين؟ قال: قليل لحم العقب. رواه مسلم. ٥٧٨٥ - وعن أبي الطفيل، قال رأيت رسول الله ﷺ كان أبيض مليحاً مُقصداً. رواه مسلم. ٥٧٨٦ - وعن ثابت، قال: سُئل أنس عن خضاب رسول الله ﷺ فقال: إنه لم يبلغ ما يخضب، لو شئت أن أعد شمطاته في لحيته - وفي رواية: لو شئت أن أعد شمطات كن في رأسه - فعلت. متفق عليه. ــ قوله: ((مقصداً)) نه: هو الذي ليس بطويل ولا قصير، ولا جسيم، كأن خلقه يجيء به القصد من الأمور، والمعتدل الذي لا يميل إلى أحد طرفي التفريط والإفراط. الحديث الحادي عشر عن ثابت: قوله: ((إنه لم يبلغ ما يخضب)) أي كان قليل الشيب لا يظهر في بدء النظر ولم يفتقر إلى كتمه بالخضاب. قوله: ((شمطاته)) نه: الشمط الشيب، والشمطات الشعرات التي كانت في شعر لحيته يريد به قلتها. و ((نبذ)) أي يسير من شيب، يقال: بأرض كذا نبذ من [كذا] أي شيء يسير. و ((العنفقة)) الشعر الذي في الشفة السفلى، وقيل: الشعر الذي بينها وبين الذقن وأصل العنفقة خفة الشيء وقلته - انتهى كلامه.

стр. 3028

وفي رواية لمسلم، قال: إنما كان البياض في عنفقته، وفي الصدغين وفي الرأس نبذ. ٥٧٨٧ - وعن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ أزهر اللون، كأن عرقه اللؤلؤ، إذا مشي تكفأ، وما مسست ديباجة ولا حريراً ألين من كف رسول الله ﷺ ، ولا شممت مسكاً ولا عنبرة أطيب من رائحة النبي ﷺ . متفق عليه. ٥٧٨٨ - وعن أم سليم، أن النبي ﷺ كان يأتيها، فيقيل عندها. فتبسط نطعاً فيقيل عليه، وكان كثير العرق، فكانت تجمع عرقه فتجعله في الطيب. فقال النبي ﷺ : ((يا أم سُليم! ما هذا؟)) قالت: عرقك نجعله في طيب وهو من أطيب الطيب. وفي رواية قالت: يا رسول الله! نرجو بركته لصبياننا قال: ((أصبتِ)). متفق عليه. ــ و ((نبذ)) مبتدأ، وقوله: ((في عنفقته)) خبره، والجملة خبر كان، والعائد محذوف، أي نبذ منه. الحديث الثاني عشر عن أنس ﵁: قوله: ((تكفأ)) مح: هو بالهمز وقد يترك همزه، وزعم كثيرون أنه بلا همزة وليس كما قالوا. تو: قيل: تمايل إلى قدام كما تتكفأ السفينة في جريها، من قولهم: أكفأته وكفأته إذا أملته، ويقال: كفأت الإناء فانكفأ وتكفأ، وأراد به الترفع عن الأرض مرة واحدة كما يكون من مشي الأقوياء وذوي الجلادة، بخلاف المتماوت الذي يجر رجله في الأرض، ويدل عليه قول الواصف، إذا مشي تقلع. ((مح)): قال شمر: معناه مال يميناً وشمالاً كما تكفأ السفينة. قال الأزهري: هذا خطأ لأن هذه صفة المختال. قال القاضي عياض: لا يعد فيما قاله ((شمر)) إذا كان خلقة وجبلة، والمذموم منه ما كان مستعملاً مقصوداً. الحديث الثالث عشر [عن أم سليم ﵂]: قوله: ((يأتيها فيقيل)) مح: أم حرام وأم سليم كانتا خالتين لرسول الله ﷺ محرمين إما من الرضاع وإما من النسب، فيحل له الخلوة بهما، فكان يدخل عليهما خاصة، ولا يدخل على غيرهما من النساء.

стр. 3029

٥٧٨٩ - وعن جابر بن سمرة، قال: صليت مع رسول الله ﷺ صلاة الأولى، ثم خرج إلى أهله وخرجت معه، فاستقبله ولدان، فجعل يمسح خدي أحدهم واحداً واحداً، وأما أنا فمسح خدي، فوجدت ليده برداً وريحاً كأنما أخرجها من جؤنة عطار. رواه مسلم. وذكر حديث جابر: ((سموا باسمي)) في ((باب الأسامي)). وحديث السائب بن يزيد: نظرت إلى خاتم النبوة في ((باب أحكام المياه)). الفصل الثاني ٥٧٩٠ - عن علي بن أبي طالب، قال: كان رسول الله ﷺ ليس بالطويل ولا ــ تو: قد وجدت في بعض كتب الحديث أنهما كانتا من ذوات محارم النبي ﷺ لأنه ﷺ لم يكن ليقيل في بيت أجنبية، وإذا لم يكن بينه وبينها سبب محرم من رحم وصلة فلابد أن يكون ذلك من جهة الرضاع، وإذ قد علمنا أن النبي ﷺ لم يحمل إلى المدينة رضيعاً تعين أن يكون ذلك من قبل أبيه عبد الله، فإنه ولد بالمدينة، وكان عبد المطلب قد فارق أباه هاشماً وتزوج بالمدينة من بني النجار، وأم سليم وأم حرام بنتا ملحان كانتا من بني النجار، فعرفنا من جميع ذلك أن الحرمة بينهم كانت حرمة رضاع، ولقد وجدنا الجم الغفير من علماء النقل أوردوا أحاديث أم حرام وأم سليم ولم يبين أحد منهم العلة، إما من الغفلة عنها، وإما لعدم العلم بها، فأحببت أن أبين وجه ذلك لئلا يظن جاهل أنه كان في سعة من ذلك لمكان العصمة، ولا يتذرع به مستبيح إلى الترخص بما لا رخصة فيه، وأراني ـ والله أعلم ـ أول من وفقت لذلك، فواها لها من درة كنت مستخرجها والله أحمد على هذه الموهبة السنية. الحديث الرابع عشر عن جابر ﵁: قوله: ((صلاة الأولى)) ((مح)): هي صلاة الظهر. وفي مسحه الصبيان بيان حسن خلقه ﷺ ورحمته للأطفال وملاطفتهم. وقوله: ((من جؤنة عطار)) ((مح)): هو بضم الجيم التي يعد فيها الطيب ويحرز. ((مح)) وفي الحديث بيان طيب ريحه ﷺ وهو مما أكرمه الله به، قالوا: وكانت هذه الريح الطيبة صفته وإن لم يمس طيباً، ومع هذا كان يستعمل الطيب في كثير من الأوقات، مبالغة في طيب ريحه، لملاقاة الملائكة، وأخذ الوحي الكريم، ومجالسة المسلمين. الفصل الثاني الحديث الأول عن علي ﵁:

стр. 3030

بالقصير، ضخم الرأس واللحية، شثن الكفين والقدمين، مشرباً حمرة، ضخم الكراديس، طويل المسربة، إذا مشى تكفأ تكفؤاً، كأنما ينحط من صبب، لم أر قبله ولا بعده مثله ﷺ . رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح. [٥٧٩٠] ٥٧٩١ - وعنه، كان إذا وصف النبي ﷺ قال: لم يكن بالطويل الممغط، ولا بالقصير المتردد، وكان ربعة من القوم، ولم يكن بالجعد القطط ولا بالسبط، كان ــ قوله: ((مشرباً حمرة)) نه: الإشراب خلط لون بلون، كأن أحد اللونين سقى اللون الآخر، يقال: بياض مشرب حمرة، بالتخفيف فإذا شدد كان للتكثير والمبالغة. و ((الكراديس)) رءوس العظام، واحدها كردوس، وقيل: هي ملتقى كل عظمتين ضخمين كالركبتين والمرفقين. و ((المسربة)) بضم الراء، ما دق من شعر الصدر سائلاً إلى الجوف. قوله: ((تكفأ تكفؤاً)) ((نه)): أي تمايل إلى قدام، هكذا روى غير مهموز والأصل الهمزة، وبعضهم يرويه مهموزاً، لأن مصدر تفعل من الصحيح تفعل كتقدم تقدماً وتكفأ تكفؤاً والهمزة حرف صحيح، وأما إذا اعتل انكسرت عين المستقبل منه نحو: تخفي تخفياً، وتسمى تسمياً، فإذا خففت الهمزة التحقت بالمعتل وصار تكفياً بالكسر. حس: ((الصبب)) الحدور وهو ما انحدر من الأرض، يريد أنه كان يمشي مشياً قوياً، يرفع رجليه من الأرض رفعاً تاماً، لا كمن يمشي اختيالاً ويقارب خطاه تنعماً. الحديث الثاني عن علي ﵁: قوله: ((الممغط)) ((نه)): هو بتشديد الميم الثانية، المتناهي الطول، وأمغط النهار إذا امتد، وأمغطت الحبل وغيره إذا مددته، وأصله منمعط والنون للمطاوعة فقبلت ميماً وأدغمت في الميم. ويقال بالعين المهملة بمعناه. و ((المتردد)) أي المتناهي في القصر كأنه يرد بعض خلقه على بعض وتداخلت أجزاؤه. و ((المطهم)) هو المنتفخ الوجه، وقيل الفاحش السمن، وقيل: النحيف الجسم، وهو من الأضداد. و ((المكلثم)) هو من الوجوه القصير الحنك الداني الجبهة المستدير مع خفة اللحم، أراد أنه كان أسيل الوجه ولم يكن مستديراً.

стр. 3031

جعداً رجلاً، ولم يكن بالمطهم ولا بالمكلثم، وكان في الوجه تدوير، أبيض مشرب، أدعج العينين، أهدب الأشفار، جليل المشاش والكتد، أجرد، ذو مسربة، شثن الكفين والقدمين، إذا مشى يتقلع كأنما يمشي في صبب، وإذا التفت التفت معاً، بين كتفيه خاتم النبوة، وهو خاتم النبيين، أجود الناس صدراً، وأصدق الناس لهجة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشيرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله ﷺ . رواه الترمذي. [٥٧٩١] ــ ولما كان المكلثم المستدير بينه بقوله: ((وكان في الوجه تدوير)) نه: لم يكن مستديراً كل الاستدارة بل كان فيه بعض ذلك، ويكون معنى قوله: ((وكان في الوجه تدوير)) أي: كان تدويرًا ما، وكان بين الإسالة والاستدارة [مسنون الوجه]. ((تو)): قوله: ((أدعج)) الدعج والدعجة شدة سواد العين وغيرها، يريد أن سواد عينيه كان شديداً. وقيل: الدعجة شدة سواد العين في بياضها. و ((أهدب الأشفار)) أي طويل شعر الأجفان. و ((جليل المشاش)) أي عظيم رءوس العظام كالمرفقين والركبتين والكتفين. وقال الجوهري: هي رءوس العظام اللينة التي يمكن مضغها. و ((الكتد)) بفتح التاء وكسرها مجتمع الكتفين وهو الكاهل. و ((الأجرد)) الذي ليس على بدنه شعر، ولم يكن ﷺ كذلك، وإنما أراد به أن الشعر كان في أماكن من بدنه كالمسربة والساعدين والساقين، فإن ضد الأجرد الأشعر وهو الذي على جميع بدنه شعر. و ((شثن الكفين والقدمين)) أي أنهما يميلان إلى الغلظ والقصر، وقيل: هو الذي في أنامله غلظ بلا قصر، ويحمد ذلك في الرجال لأنه أشد لقبضهم ويذم في النساء. وقوله: ((إذا مشى تقلع)) أراد قوة مشيه كأنه يرفع رجليه عن الأرض رفعاً قوياً لا كمن يمشي اختيالاً متقارب الخطا، فإن ذلك من مشي النساء، ويوصفن به. وقوله: ((وإذا التفت التفت معاً)) أراد أنه لا يسارق بالنظر، وقيل: أراد لا يلوي عنقه يمنة ولا يسرة إذا نظر إلى الشيء، وإنما يفعل ذلك الطائش الخفيف. ولكن كان يقبل جميعاً ويدبر جميعاً: تو: يريد أنه كان إذا توجه إلى الشيء توجه بكليته ولا يخالف ببعض جسده بعضاً كيلا يخالف بدنه قلبه وقصده ومقصده، ثم لما في ذلك من التلون وأمارة الخفة.

стр. 3032

٥٧٩٢ - وعن جابر، أن النبي ﷺ لم يسلك طريقاً فيتبعه أحد إلا عرف أنه قد سلكه، من طيب عرقه - أو قال: من ريح عرقه - رواه الدارمي. [٥٧٩٢] ٥٧٩٣ - وعن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، قال: قلت للربيع بنت معوذ بن عفراء: صفي لنا رسول الله ﷺ ، قالت: يا بني لو رأيته رأيت الشمس طالعة. رواه الدارمي. [٥٧٩٣] ٥٧٩٤ - وعن جابر بن سمرة، قال: رأيت النبي ﷺ في ليلة إضحيان، فجعلت أنظر إلى رسول الله ﷺ وإلى القمر، وعليه حلة حمراء، فإذا هو أحسن عندي من القمر. رواه الترمذي، والدارمي. [٥٧٩٤] ــ واللهجة: اللسان، يقال: هو فصيح اللهجة، من لهج بالشيء إذا ولع به. نه: والعريكة الطبيعة، يقال: فلان لين العريكة إذا كان مطاوعاً منقاداً قليل الخلاف. وهاب الشيء يهابه إذا خافه وإذا وقره وعظمه. و ((من رآه بديهة)) أي مفاجأة وبغتة، يعني من لقيه قبل الاختلاط به هابه لوقاره وسكونه، فإذا جالسه وخالطه بان له حسن خلقه. نه: والنعت: وصف الشيء بما فيه من حسن، ولا يقال في القبيح إلا أن يتكلف متكلف فيقول: نعت سوء، والوصف يقال في الحسن والقبح. انتهى كلامه. والمعنى: من أراد أن يصفه فيعجز عن وصفه فيعجز عن وصفه فيقول: لم أر قبله. قوله: ((عشرة)) هكذا هو في الترمذي والجامع، أي: الصحبة، وفي المصابيح: ((العشيرة)) أي الصاحب. الحديث الثالث: عن جابر ﵁: قوله: ((من ريح عرقه)) هو بفتح الراء والقاف، و ((أو)) لترديد الراوي. وقد سبق للشيخ محيى الدين معناه في الحديث الآخر من الفصل الأول. الحديث الرابع عن أبي عبيدة ﵁: قوله: ((لو رأيته رأيت الشمس طالعة)) أي لرأيت شمساً طالعة، جرد من نفسه الزكية الطاهرة شمساً وهي هي، ونحوه قولك: لئن لقيته ليلقينك منه الأسد وإذا نظرت إليه لم تر إلا أسداً. الحديث الخامس عن جابر ﵁:

стр. 3033

٥٧٩٥ - وعن أبي هريرة، قال: ما رأيت شيئاً أحسن من رسول الله ﷺ ، كأن الشمس تجري في وجهه. وما رأيت أحداً أسرع في مشيه من رسول الله ﷺ ، كأنما الأرض تطوى له، إنا لنجهد أنفسنا وإنه لغير مكترث. رواه الترمذي. [٥٧٩٥] ٥٧٩٦ - وعن جابر بن سمرة، قال: كان في ساقي رسول الله ﷺ حموشة، وكان لا يضحك إلا تبسماً، وكنت إذا نظرت إليه قلت: أكحل العينين، وليس بأكحل. رواه الترمذي. [٥٧٩٦] ــ قوله: ((إضحيان)) ((فا)) يقال: ليلة ضحياء وإضحياء وإضحيانة وهي المقمرة من أولها إلى آخرها، وأفعلان مما قل في كلامهم وهو بكسر الهمزة. الحديث السادس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((كأن الشمس تجري في وجهه)) شبه جريان الشمس في فلكها بجريان الحسن في وجهه، وفيه معنى قول الشاعر: يزيدك وجهه حسناً إذا ما زدته نظراً وفيه أيضًا عكس التشبيه للمبالغة، ويجوز أن يقدر متعلق الخبر للاستقرار فيكون من باب تناسي التشبيه، فجعل وجهه ﷺ مقراً ومكاناً لها من باب التناسي ومنه قول الشاعر: هي الشمس مسكنها السماء فعز الفؤاد عزاء جميلاً قوله: ((إن لنجهد أنفسنا)) تو: يجوز فيه فتح النون وضمها، يقال: جهد دابته وأجهدها إذا حملها فوق طاقتها. نه: ((لغير مكترث)) أي غير مبال، ولا يستعمل إلا في النفي أما في الإثبات فشاذ. الحديث السابع عن جابر ﵁: قوله: ((حموشة)) قض: حموشة الساق دقتها، يقال: حمشت قوائم الدابة إذا دقت، وشفة حمشة قليلة اللحم. قوله: ((لا يضحك إلا تبسماً)) جعل التبسم من الضحك واستثنى منه، فإن التبسم من الضحك بمنزلة السنة من النوم، ومنه قوله تعالى: ﴿فتبسم ضاحكاً من قولها﴾ أي شارعاً في الضحك.

стр. 3034

الفصل الثالث ٥٧٩٧ - عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ أفلج الثنيتين، إذا تكلم رُئى كالنور يخرج من بين ثناياه. رواه الدارمي. [٥٧٩٧] ٥٧٩٨ - وعن كعب بن مالك، قال: كان رسول الله ﷺ إذا سر استنار وجهه، حتى كأن وجهه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك. متفق عليه. ٥٧٩٩ - وعن أنس، أن غلاماً يهودياً كان يخدم النبي ﷺ ، فمرض فأتاه النبي ﷺ يعوده، فوجد أباه عند رأسه يقرأ التوراة، فقال له رسول الله ﷺ : ((يا يهودي! أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، هل تجد في التوراة نعتي وصفتي ومخرجي؟)). قال: لا، قال الفتى. بلى والله يا رسول الله! إنا نجد لك في التوراة نعتك وصفتك ومخرجك، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فقال النبي ﷺ لأصحابه: ((أقيموا هذا من عند رأسه، ولوا أخاكم)) رواه البيهقي في ((دلائل النبوة)). [٥٧٩٩] ــ الفصل الثالث الحديث الأول عن ابن عباس ﵄: قوله: ((أفلج الثنيتين)) نه: الفلج بالتحريك فرجة ما بين الثنايا والرباعيات، والفرق فرجة ما بين الثنيتين. انتهى كلامه. وفي الحديث استعمل ((فلج)) موضع ((فرق)) والضمير في ((يخرج)) يجوز أن يرجع إلى ما دل عليه ((تكلم)) وأن يرجع إلى ((النور)) والكاف زائدة نحو قولك: مثلك يجود، فعلى الأول: تشبيه، ووجه البيان الظهور، كما شبهت الحجة الظاهرة بالنور، وعلى الثاني: لا تشبيه فيه ويكون من معجزاته ﷺ . الحديث الثاني عن كعب ﵁: قوله: ((وكنا نعرف ذلك)) حال مؤكدة، أي كان ظاهراً جلياً لا يخفي على كل ذي بصر وبصيرة. الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁:

стр. 3035

٥٨٠٠ - وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: ((إنما أنا رحمة مهداة)) رواه الدارمي، والبيهقي في ((شعب الإيمان)). (٣) باب في أخلاقه وشمائله ﷺ القصل الأول ٥٨٠١ - عن أنس، قال: خدمت النبي ﷺ عشر سنين، فما قال لي: أفٍ ولا: لم صنعت؟ ولا: ألا صنعت؟ متفق عليه. ــ قوله: ((إنما أنا رحمة مهداة)) أي ما أنا إلا رحمة للعالمين أهداها الله إليهم، فمن قبل هديته أفلح ونجا، ومن لم يقبل خاب وخسر، كقوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾. باب في أخلاقه وشمائله ﷺ نه: الخلق بضم اللام وسكونها الدين والطبع والسجية، وحقيقته أنه لصورة الإنسان الباطنة، وهي نفسه وأوصافها المختصة بها بمنزلة الخلق لصورته الظاهرة وأوصافها ومعانيها، ولهما أوصاف حسنة وقبيحة، والثواب والعقاب متعلقان بأوصاف الصورة الباطنة أكثر مما يتعلقان بأوصاف الصورة الظاهرة. والشمائل: جمع شمال وهو الخلق. الفصل الأول الحديث الأول عن أنس ﵁: قوله: ((أف)) اسم الفعل بمعنى الضجر والكره، وحرف التحضيض دخل على الماضي فأفاد التقديم، كما في المضارع يفيد التحريض. واعلم أن ترك اعتراض النبي ﷺ على أنس ﵁ فيما خالف أمره إنما يعرض فيما يتعلق بالخدمة والآداب، لا فيما يتعلق بالتكاليف الشرعية فإنه لا يجوز ترك الاعتراض فيه. وفيه أيضًا مدح أنس فإنه لم يرتكب ما يتوجه إليه من النبي ﷺ اعتراض ما. الحديث الثاني عن أنس ﵁: قوله: ((حتى أمر)) حكاية الحال الماضية، كما تقول: شربت الإبل حتى يجر بطنه، ويجوز أن تكون حتى ناصبة بمعنى كي.

стр. 3036

٥٨٠٢ - وعنه، قال: كان رسول الله ﷺ من أحسن الناس خلقاً، فأرسلني يوماً لحاجة، فقلت: والله لا أذهب، وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به رسول الله ﷺ ، فخرجت حتى أمر على صبيان وهم يلعبون في السوق، فإذا رسول الله ﷺ قد قبض بقفاي من ورائي، قال: فنظرت إليه وهو يضحك، فقال: ((يا أنيس! ذهبت حيث أمرتك؟)). فقلت: نعم، أنا أذهب يا رسول الله!. رواه مسلم. ــ وقول أنس ﵁: ((نعم)) في جواب النبي ﷺ : ((ذهبت حيث أمرتك؟)) مع أنه لم يذهب منبيء عن عزمه على ذهابه إلى المأمور به، فإنه قد جزم بذهابه إليه فكأنه قد ذهب، ولهذا قال: أنا ذاهب، ويحمل قوله لرسول الله ﷺ : والله لا أذهب، وأمثاله على أنه كان صبياً غير مكلف. الحديث الثالث عن أنس ﵁: قوله: ((نجراني)) نه: هو موضع معروف بين الحجاز والشام واليمن. والجبذ: لغة في الجذب، وقيل: هو مقلوب منه. قوله: ((في نحر الأعرابي)) أي استقبل ﷺ نحره استقبالاً تاماً، وهو معنى قوله: ((وإذا التفت التفت معاً)) وهذا يدل على أنه لم يتغير ولم يتأثر من سوء أدبه، ولعله كان من المؤلفة قلوبهم ولذلك خاطبه باسمه. الحديث الرابع عن أنس ﵁: قوله: ((فاستقبلهم)) الضمير راجع إلى ما دل عليه الصوت الذي فزع منه أهل المدينة. قوله: ((لم تراعوا)) معناه لا فزع ولا روع فاسكنوا. حس: ويروى: ((لن تراعوا)) والعرب تضع ((لم)) و ((لن)) موضع ((لا)) انتهى كلامه. فعلى هذا يكون خبراً في معنى النهي. وقوله: ((ما عليه سرج)) صفة أخرى لفرس جاء بياناً وتأكيداً. قوله: ((في عنقه)) أي في عنق النبي ﷺ سيف. وقوله: ((بحراً)) أي جواداً واسع الجري، وذلك الفرس يسمى ((المندوب)) أي المطلوب. مح: فيه بيان ما أكرمه الله تعالى به من جليل الصفات. وفيه: معجزة انقلاب الفرس سريعاً بعد أن كان بطيئاً.

стр. 3037

٥٨٠٣ - وعنه، قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجبذه بردائه جبذة شديدة، ورجع نبي الله ﷺ في نحر الأعرابي حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله ﷺ قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد! مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله ﷺ ، ثم ضحك، ثم أمر له بعطاء. متفق عليه. ٥٨٠٤ - وعنه، قال: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق الناس قبل الصوت، فاستقبلهم النبي ﷺ قد سبق الناس إلى الصوت وهو يقول: ((لم تراعوا، لم تراعوا)) وهو على فرس لأبي طلحة عري ما عليه سرج، وفي عنقه سيف. فقال: ((لقد وجدته بحراً)) متفق عليه. ٥٨٠٥ - وعن جابر، قال: ما سئل رسول الله ﷺ قط فقال: لا. متفق عليه. ــ وفيه: جواز سبق الإنسان وحده في كشف أخبار العدو ما لم يتحقق الهلاك. وجواز العارية. وفيه جواز الغزو على الفرس المستعار. واستحباب تقلد السيف في العنق. وتبشير الناس بعد الخوف إذا ذهب. الحديث الخامس عن جابر ﵁: قوله: ((فقال: لا)) ومنه قول الفرزدق في زين العابدين: حمال أثقال إذا فدحوا ... حلو الشمائل يحلو عنده نعم ما قال: لا قط إلا في تشهده ... لولا التشهد لم ينطق بذاك فم الحديث السادس عن أنس ﵁: قوله: ((ما يخاف الفقر)) يجوز أن يكون حالاً من ضمير يعطى، وأن يكون صفة لعطاء والتنكير فيه للتعظيم، أي: عطاء ما يخاف الفقر معه.

стр. 3038

٥٨٠٦ - وعن أنس، أن رجلاً سأل النبي ﷺ غنماً بين جبلين، فأعطاه إياه، فأتى قومه، فقال: أي قوم! أسلموا، فوالله إن محمداً ليعطى عطاءً ما يخاف الفقر. رواه مسلم. ٥٨٠٧ - وعن جبير بن مطعم، بينما هو يسير مع رسول الله ﷺ مقفله من حنين، فعلقت الأعراب يسألونه حتى اضطروه إلى سمرة، فخطفت رداءه فوقف النبي ﷺ ، فقال: ((أعطوني ردائي، لو كان لي [عدد] هذه العضاه نعم لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلاً ولا كذوباً ولا جباناً)). رواه البخاري. ــ وقوله: ((يا قوم أسلموا)) فإن قلت: كيف دل هذا الوصف على وجوب الإسلام؟ قلت: مقام ادعاء النبوة مع العطاء الجزيل يدل على وثوقه على من أرسله إلى دعوة الخلق، فإن من جبلة الإنسان خوف الفقر، كما قال الله تعالى: ﴿الشيطان يعدكم الفقر﴾. الحديث السابع عن جبير ﵁: قوله: ((مقفله)) مصدر ميمي، أو اسم زمان، أي عند رجوعه أو زمان رجوعه. وقوله: ((فعلقت الأعراب)) أي طفقت، وقيل تشبثت. وقوله: ((فخطفت)) أي علق رداؤه بها، فاستعير لها الخطف. وفي الغريبين: ((العضاه)) اسم شجر أم غيلان، وقيل: كل شجر له شوك عظيم، الواحدة عضة، وأصلها عضهة. و ((عدد)) منصوب على المصدر، أي بعدد عددها، أو على نزع الخافض، أي بعددها. قوله: ((ثم لا تجدوني بخيلاً)) مظ: يعني إذا جربتموني في الوقائع لا تجدوني متصفاً بالأوصاف الرذيلة. وفيه: دليل على جواز تعريف نفسه بالأوصاف الحميدة لمن لا يعرفه ليعتمد عليه. أقول: ((ثم)) هنا للتراخي في الرتبة، يعني: أنا في ذلك العطاء لسن بمضطر إليه، بل أعطيه مع أريحية نفس ووفور نشاط، ولا بكذوب أدفعكم عن نفسي ثم أمنعكم عنه، ولا بجبان أخاف أحداً. فهو كالتتميم للكلام السابق. الحديث الثامن والتاسع والعاشر عن أنس ﵁:

стр. 3039

٥٨٠٨ - وعن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى الغداة جاء خدم المدينة بآنيتهم فيها الماء، فما يأتون بإناء إلا غمس يده فيها، فربما جاءوه بالغداة الباردة فيغمس يده فيها. رواه مسلم. ٥٨٠٩ - وعنه، قال: كانت أمة من إماء أهل المدينة تأخذ بيد رسول الله ﷺ فتنطلق به حيث شاءت. رواه البخاري. ٥٨١٠ - وعنه، أن امرأة كانت في عقلها شيء، فقالت: يا رسول الله! إن لي إليك حاجة، فقال: ((يا أم فلان! انظري أي السكك شئت حتى أقضي لك حاجتك)) فخلا معها في بعض الطرق، حتى فرغت من حاجتها. رواه مسلم. ٥٨١١ - وعنه، قال: لم يكن رسول الله ﷺ فاحشاً ولا لعاناً ولا سباباً، كان يقول عند المعتبة: ((ما له ترب جبينه؟!)). رواه البخاري. ــ قوله: ((جاءوه بالغداة الباردة)) فيه تكلف المشاق لتطييب قلوب الناس لا سيما مع الخدم والضعفاء، وليتبركوا بإدخال يده الكريمة في أوانيهم، وبيان تواضعه ﷺ مع الضعفاء. الحديث الحادي عشر عن أنس ﵁: قوله: ((ولا لعاناً ولا سباباً)) فإن قلت: بناء فعل للتكثير أو للمبالغة، ونفيه لا يستلزم نفي اللعن والسب مطلقاً؟. قلت: المفهوم هنا غير معتبر لأنه وارد في مدحه ﷺ ، فإن أريد التكثير فيعتبر بحسب من يستحق اللعن من الكفار والمنافقين، أي ليس لعاناً لكل واحد منهم، وإن أريد المبالغة كان المعنى: أن اللعن بلغ في العظم بحيث لولا الاستحقاق لكان اللاعن بمثله لعاناً بليغ اللعن، نحو قوله تعالى: ﴿وأن الله ليس بظلام للعبيد﴾. قوله: ((ترب جبينه)) [نه]: أي غاية ما يقول عند الغضب والمخاصمة هذه الكلمة، وهي أيضًا ذات وجهين، إذ يحتمل أن تكون دعاء على المقول له بمعنى رغم أنفك، وأن تكون دعاء له بمعنى سجد لله وجهك. الحديث الثاني عشر عن أبي هريرة ﵁:

стр. 3040

٥٨١٢ - وعن أبي هريرة، قال: قيل يا رسول الله! ادع على المشركين. قال ((إني لم أبعث لعاناً؛ وإنما بعثت رحمة)). رواه مسلم. ٥٨١٣ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: كان النبي ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها، فإذا رأي شيئاً يكرهه عرفناه في وجهه. متفق عليه. ٥٨١٤ - وعن عائشة [﵂]، قالت: ما رأيت النبي ﷺ مستجمعاً قط ضاحكاً حتى أرى منه لهواته، وإنما كان يتبسم. رواه البخاري. ٥٨١٥ - وعنها، قالت: إن رسول الله ﷺ لم يكن يسرد الحديث كسردكم، كان يحدث حديثاً لو عده العاد لأحصاه. متفق عليه. ٥٨١٦ - وعن الأسود، قال: سألت عائشة: ما كان النبي ﷺ يصنع في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله - تعني خدمة أهله - فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة. رواه البخاري. ــ قوله: ((وإنما بعثت رحمة)) أي إنما بعثت لأقرب الناس إلى الله تعالى وإلى رحمته، وما بعثت لأبعدهم عنها، فاللعن مناف لحالي فكيف ألعن؟ الحديث الثالث عشر عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((في خدرها)) تتميم، فإن العذراء إذا كانت في خدرها كانت أشد حياء مما إذا كانت خارجة عنه. ((مح)): قوله: ((عرفناه في وجهه)) معناه أنه ﷺ لم يتكلم بالشيء الذي يكرهه لحيائه، بل يتغير وجهه فيفهم كراهيته له، وفيه فضيلة الحياء، وأنه محثوث عليه ما لم ينته إلى الضعف والخور. الحديث الرابع عشر عن عائشة ﵂: قوله: ((مستجمعاً)) تو: تريد ضاحكاً كل الضحك. يقال: استجمع كل مجمع، واستجمع الفرس جريا، انتهى كلامه. فعلى هذا ضاحكاً وضع موضع ضحكاً على أنه منصوب على التمييز. قال في المغرب: استجمع السيل اجتمع من كل موضع، واستجمعت للمرء أموره، وهو لازم، وقولهم استجمع الفرس جرياً نصب على التمييز، وأما قول الفقهاء: مستجمعاً شرائط الجمعة فليس [بثبت]- انتهى كلامه.

стр. 3041

٥٨١٧ - وعن عائشة، قالت ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثماً، فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه في شيء قط، إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها. متفق عليه. ٥٨١٨ - وعنها، قالت: ما ضرب رسول الله ﷺ لنفسه شيئاً قط بيده، ولا امرأة ولا خادماً، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه، إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله. رواه مسلم. الفصل الثاني ٥٨١٩ - عن أنس، قال: خدمت رسول الله ﷺ وأنا ابن ثمان سنين، خدمته ــ الحديث الخامس عشر عن عائشة ﵂: قوله: ((لم يكن يسرد)) يقال: فلان سرد الحديث سرداً إذا تابع الحديث بحديث استعجالاً، وسرد الصوم تواليه، يعني لم يكن حديث النبي ﷺ متتابعاً بحيث يأتي بعضه إثر بعض فيلتبس على المستمع، بل كان يفصل بين كلامين بحيث لو أراد المستمع عده أمكنه، فيتكلم بكلام واضح مفهوم في غاية الوضوح والبيان. الحديث السادس عشر عن الأسود ﵁: قوله: ((في مهنة أهله)) ((نه)): المهنة الخدمة، والرواية بفتح الميم وقد تكسر، قال الزمخشري: وهو عند الإثبات خطأ، وقال الأصمعي: المهنة بفتح الميم ولا يقال: مهنة بالكسر، وكان القياس لو قيل مثل: جلسة وخدمة، إلا أنه جاء على فعلة واحدة. الحديث السابع عشر والثامن عشر عن عائشة ﵂: قوله: ((نيل منه)) ((نه)): يقال: نال ينال نيلا إذا أصاب، وفي الحديث ((أن رجلاً كان ينال من الصحابة))، يعني الوقيعة فيهم. قوله: ((إلا أن تنتهك حرمة الله تعالى)) استثناء منقطع، أي ما عاقب أحداً لخاصة نفسه بجناية جني عليه، بل بحق الله تعالى إذا فعل شيئاً من المحرمات امتثالاً لقوله تعالى: ﴿ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله﴾. الفصل الثاني الحديث الأول عن أنس ﵁:

стр. 3042

عشر سنين، فما لامني على شيء قط أتي فيه على يدي، فإن لامني لائم من أهله قال: ((دعوه، فإنه لو قضي شيء كان)). هذا لفظ ((المصابيح)) وروى البيهقي في ((شعب الإيمان)) مع تغيير يسير. [٥٨١٩] ٥٨٢٠ - وعن عائشة [﵂] قالت: لم يكن رسول الله ﷺ فاحشاً ولا متفحشاً ولا سخاباً في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح. رواه الترمذي. [٥٨٢٠] ٥٨٢١ - وعن أنس، يحدث عن النبي ﷺ أنه كان يعود المريض، ويتبع الجنازة، ويجيب دعوة المملوك، ويركب الحمار، لقد رأيته يوم خيبر على حمار خطامه ليف. رواه ابن ماجه والبيهقي في ((شعب الإيمان)). [٥٨٢١] ٥٨٢٢ - وعن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته، وقالت: كان بشراً من البشر، يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه. رواه الترمذي. [٥٨٢٢] ــ قوله: ((أتى فيه على يدي)) هو صفة شيء، وضمن فيه معنى عيب أو طعن، و ((على يدي)) حال. الحديث الثاني عن عائشة ﵂: قوله: ((فاحشاً ولا متفحشاً)) نه: الفاحش ذو الفحش في كلامه وفعاله، والمتفحش الذي يتكلف ذلك ويتعمده. ((قض)): نفت عنه ﷺ الفحش والتفوه به طبعاً وتكلفاً. الحديث الثالث والحديث الرابع عن عائشة ﵂: قوله: ((يخصف نعله)) ((حس)): أي يطبق طاقة على طاقة، وأصل الخصف الضم والجمع، ومنه قوله تعالى: ﴿وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة﴾ أي يطبقان ورقة فوق ورقة على بدنهما.

стр. 3043

٥٨٢٣ - وعن خارجة بن زيد بن ثابت، قال: دخل نفر على زيد بن ثابت، فقالوا له: حدثنا أحاديث رسول الله ﷺ قال: كنت جاره، فكان إذا نزل عليه الوحي بعث إلي فكتبته له، فكان إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا. وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا، فكل هذا أحدثكم عن رسول الله ﷺ . رواه الترمذي. [٥٨٢٣] ٥٨٢٤ - وعن أنس، أن رسول الله ﷺ كان إذا صافح الرجل لم ينزع يده من يده حتى يكون هو الذي ينزع يده، ولا يصرف وجهه عن وجهه حتى يكون هو الذي يصرف وجهه عن وجهه، ولم ير مقدماً ركبتيه بين يدي جليس له. رواه الترمذي. [٥٨٢٤] ٥٨٢٥ - وعنه، أن رسول الله ﷺ كان لا يدخر شيئاً لغد. رواه الترمذي. [٥٨٢٥] ٥٨٢٦ - وعن جابر بن سمرة، قال: كان رسول الله ﷺ طويل الصمت. رواه في ((شرح السنة)). [٥٨٢٦] ــ قوله: ((كان بشراً)) تمهيد لما تقوله بعده، لأنه لما رأت اعتقاد الكفار أن النبي ﷺ لا يليق بمنصبه أن يفعل ما يفعل غيره من عامة الناس، وجعلوه كالملوك فإنهم يترفعون عن الأفعال العادية الدنيئة تكبراً، كما حكى الله تعالى عنهم في قوله: ﴿مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق﴾ فقالت: إنه ﷺ كان خلقاً من خلق الله تعالى، وواحداً من أولاد آدم شرفه الله تعالى بالنبوة، وكرمه بالرسالة، وكان يعيش مع الخلق بالخلق، ومع الحق بالصدق فيفعل مثل ما فعلوا، ويعينهم في أفعالهم تواضعاً وإرشاداً لهم إلى التواضع ورفع الترفع، وتبليغ الرسالة من الحق إلى الخلق كما أمر، قال تعالى: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي﴾. الحديث الخامس والسادس عن أنس ﵁: قوله: ((ولم ير مقدماً ركبتيه)) قيل: أي ما كان يجلس في مجلس بحيث تكون ركبتاه متقدمتين على ركبتي صاحبه، كما يفعل الجبابرة في مجالسهم. وقيل: لم يكن يرفع ركبتيه عند من يجالسه، بل كان يخفضهما تعظيماً لجليسه.

стр. 3044

٥٨٢٧ - وعن جابر، قال: كان في كلام رسول الله ﷺ ترتيل وترسيل. رواه أبو داود. [٥٨٢٧] ٥٨٢٨ - وعن عائشة، قالت: ما كان رسول الله ﷺ يسرد سردكم هذا، ولكنه كان يتكلم بكلام بينه فصل، يحفظه من جلس إليه. رواه الترمذي. [٥٨٢٨] ٥٨٢٩ - وعن عبد الله بن الحارث بن جزء، قال: ما رأيت أحداً أكثر تبسماً من رسول الله ﷺ . رواه الترمذي. [٥٨٢٩] ٥٨٣٠ - وعن عبد الله بن سلام، قال: كان رسول الله ﷺ إذا جلس يتحدث يكثر أن يرفع طرفه إلى السماء. رواه أبو داود. [٥٨٣٠] ــ قالوا: أراد بالركبتين الرجلين، وتقديمهما مدهما وبسطهما كما يقال: قدم رجلاً وأخر أخرى، ومعناه كان ﷺ لا يمد رجليه عند جليسه تعظيماً له. وفيه وفي قوله: [((كان لا ينزع يده قبل نزع صاحبه))] تعليم لأمته في إكرام صاحبه وتعظيمه، فلا يبدأ بالمفارقة عنه، ولا يهينه بمد الرجلين إليه في وجهه، وإرشاد لهم أن يكرموا من يجالسهم ويصافحهم جلباً للمودة بينهم. الحديث السابع إلى التاسع عن جابر ﵁: قوله: ((ترتيل وترسيل)) ((نه)) ترتيل القراءة التأني فيها والتمهل وتبيين الحروف والحركات، تشبيهاً [يالثغر] المرتل، وهو المشبه بنور الأقحوان، يقال: رتل القراءة وترتل فيها. والترسيل: الترتيل، يقال: ترسل الرجل في كلامه ومشيه إذا لم يعجل، وهو الترتيل سواء. الحديث العاشر إلى الحديث الثاني عشر عن عبد الله بن سلام ﵁: قوله: ((طرفه إلى السماء)) انتظاراً لما يوحى، وشوقاً إلى الرفيق الأعلى، قال الشاعر: تلفت نحو الحي حتى وجدتني وجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا

стр. 3045

الفصل الثالث ٥٨٣١ - عن عمرو بن سعيد، عن أنس، قال: ما رأيت أحداً كان أرحم بالعيال من رسول الله ﷺ ، كان إبراهيم ابنه مسترضعاً في عوالي المدينة، فكان ينطلق ونحن معه، فيدخل البيت وإنه ليدخن، وكان ظئره قيناً، فيأخذه فيقبله ثم يرجع. قال عمرو: فلما توفي إبراهيم قال رسول الله ﷺ : ((إن إبراهيم ابني، وإنه مات في الثدي، وإن له لظئرين تكملان رضاعه في الجنة)) رواه مسلم. ٥٨٣٢ - وعن علي، أن يهودياً يقال له: فلان، حبر، كان له على رسول الله ﷺ دنانير، فتقاضى النبي ﷺ ، فقال له: ((يا يهودي! ما عندي ما أعطيك)). قال: فإني لا أفارقك يا محمد حتى تعطيني. فقال رسول الله ﷺ : ((إذًا أجلس معك)) فجلس معه، فصلى رسول الله ﷺ الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والغداة، ــ الفصل الثالث الحديث الأول عن عمرو بن سعيد ﵁: قوله: ((أرحم بالعيال)) مح: هذا هو المشهور، ويروى ((بالعباد)). و ((العوالي)): القرى التي عند المدينة. والظئر: بكسر الظاء مهموزة، المرضعة ولد غيرها، وزوجها ظئر لذلك المرضع، والظئر يقع على الأنثى والذكر. والقين: الحداد. قوله: ((إنه مات في الثدي)) أي مات في سن رضاع الثدي، أو في حال تغذيته بلبن الثدي. ومعنى: ((تكملان رضاعه)) أي تتمانه سنتين، فإنه توفي وله سنة عشر شهراً - أو سبعة عشر شهراً - فترضعانه بقية السنتين. قال صاحب التحرير: وهذا الإتمام لإرضاع إبراهيم يكون عقيب موته، ويدخل الجنة متصلاً بموته فيتم فيها رضاعه كرامة له ولأبيه ﷺ . الحديث الثاني عن علي ﵁: قوله: ((يهودي يحبسك؟)) همزة الإنكار مقدرة، والتنكير فيه للتحقير.

стр. 3046

وكان أصحاب رسول الله ﷺ يتهددونه ويتوعدونه، ففطن رسول الله ﷺ ما الذي يصنعون به، فقالوا: يا رسول الله! يهودي يحبسك؟ فقال رسول الله ﷺ : ((منعني ربي أن أظلم معاهدًا وغيره)) فلما ترجل النهار قال اليهودي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله، وشطر مالي في سبيل الله، أما والله ما فعلت بك الذي فعلت بك إلا لأنظر إلى نعتك في التوراة: محمد بن عبد الله، مولده بمكة، ومهاجره بطيبة، ومُلكُه بالشام، ليس بفظٍّ ولا غليظٍ ولا سخاب في الأسواق. ولا مُتزىٍّ بالفحش، ولا قول الخنا، أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وهذا مالي فاحكم فيه بما أراك الله، وكان اليهودي كثير المال. رواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) [٥٨٣٢]. ٥٨٣٣ - وعن عبد الله بن أبي أوفي، قال: كان رسول الله ﷺ يكثر الذكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ولا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين فيفضي الحاجة. رواه النسائي، والدارمي [٥٨٣٣]. ــ وترجل النهار: أي ارتفع. ((نه)): فما ترجل النهار حتى أتى بهم، أي ما ارتفع النهار تشبيها بارتفاع الرجل عن الصبي. الحديث الثالث والحديث الرابع عن علي ﵁: قوله: ((ولكن نكذب بما جئت به)) أي لا نكذبك لأنك عندنا صادق، والصادق الموسوم بالصدق، ولكنَّا نجحد آيات الله، وروى أن الأخنس بن شريق قال لأبي جهل: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب فإنه ليس عندنا خيرنا؟ فقال له: والله إن محمدًا لصادق وما كذب قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش؟ وقوله: ((ولكن نكذب بما جئت به)) وضع موضع ((ولكن نحسدك)) وضعًا للمسبب موضع السبب، والله أعلم. الحديث الخامس عن عائشة ﵂: قوله: ((وإن حجزته لتساوي الكعبة)) أي كان طويلا بحيث يساوي معقد إزاره طول الكعبة.

стр. 3047

٥٨٣٤ - وعن علي، أن أبا جهل قال للنبى ﷺ : إنا لا نكذبك ولكن نكذب بما جئت به، فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿فإنهم لايكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون﴾ رواه الترمذي. [٥٨٣٤] ٥٨٣٥ - وعن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((يا عائشة! لو شئت لسارت معى جبال الذهب، جاءني ملكٌ وإن حجزته لتساوي الكعبة، فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول: إن شئت نبيًّا عبدًا، وإن شئت نبيًّا ملكًا، فنظرت إلى جبريل ﵇، فأشار إلي أن ضع نفسك)) [٥٨٣٥]. ٥٨٣٦ - وفي رواية ابن عباس: فالتفت رسول الله ﷺ إلى جبريل كالمستشير له، فأشار جبريل بيده أن تواضع. فقلت: ((نبيًّا عبدًا)). قالت: فكان رسول الله ﷺ بعد ذلك لا يأكل متكئًا، يقولُ: ((آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد)) رواه في ((شرح السنة)). [٥٨٣٦] ــ قوله: ((يقرأ عليك السلام)): ((نه)): يقال: أقرأ فلانًا السلام، وأقرأ ﵇، كأنه حين يبلغه سلامه يحمله على أن يقرأ السلام ويرده. قوله: ((نبيًا عبدًا)) هو خبر ((تكون)) محذوف بدليل الرواية الأخرى: ((إن الله يخيرك بين أن تكون عبدًا نبيًّا ..)) وجزاء الشرط محذوف، أي: إن شئت أن تكون نبيًّا عبدًا فكن إياه، والله أعلم بالصواب باب المبعث وبدء الوحي غب: أصل الوحى الإشارة السريعة، ولتضمن السرعة قيل: أمر وحى، وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض، وقد يكون بصوت مجرد عن التركيب وبإشارة ببعض الجوارح، وبالكناية، وقد حمل على ذلك قوله تعالى عن زكريا: ﴿فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم﴾.

стр. 3048

(٤) باب المبعث وبدء الوحي الفصل الأول ٥٨٣٧ - عن ابن عباس، قال: بعث رسول الله ﷺ لأربعين سنة، فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه، ثم أمر بالهجرة، فهاجر عشر سنين، ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة. متفق عليه. ٥٨٣٨ - وعنه، قال: أقام رسول الله ﷺ بمكة خمس عشرة سنة، يسمع الصوت ويرى الضوء سبع سنين، ولا يرى شيئًا، وثمان سنين يُوحى إليه، وأقام بالمدينة عشرًا، وتوفي وهو ابن خمسٍ وستين. متفق عليه. ــ الفصل الأول الحديث الأول عن ابن عباس ﵄: قوله: ((لأربعين سنة)) اللام فيه بمعنى الوقت كما في قوله تعالى: ﴿قدمت لحياتى﴾. ذكر في وفاته ثلاث روايات: إحداها: أنه ﷺ توفي وهو ابن ستين سنة، والثانية: ابن خمس وستين سنة، والثالثة: ثلات وستين سنة، وهي أصحها وأشهرها، رواه مسلم هنا من رواية: أنس وعائشة وابن عباس ومعاوية ﵃. فرواية ((ستين)) مقتصرة على العقود. ورواية ((الخمس)) متأولة بأن اعتبر الراوي الكسور. وأنكر عروة على ابن عباس قوله، وقال: إنه لم يدرك أول النبوة ولا كثرت صحبته بخلاف الباقين. وولد عام الفيل على الصحيح المشهور، وادعى القاضى عياض الإجماع عليه. واتفقوا على أنه ولد يرم الاثنين في شهر ربيع الأول. واختلفوا فيه هل هو ثاني الشهر أم ثامنه؟ أم عاشر؟. وتوفي يوم الاثنين في ثانى عشر ربيع الأول ضحى، ﷺ . وأقول: مجاز قوله: ((على رأس ستين .. إلى آخره)) كمجاز قولهم: رأس آية ... إلى آخرها، وسموا آخر الشيء رأسًا لأنه مبدأ مثله من آية أخرى أو عقد آخر. الحديث الثاني عن ابن عباس ﵄:

стр. 3049

٥٨٣٩ - وعن أنس، قال: توفاه الله على رأس ستين سنة. متفق عليه. ٥٨٤٠ - وعنه، قال: قبض النبي ﷺ وهو ابن ثلاث وستين، وأبو بكر وهو ابن ثلاث وستين، وعمر وهو ابن ثلاث وستين. رواه مسلم. قال محمد بن إسماعيل البخاري: ثلاث وستين، أكثر. ٥٨٤١ - وعن عائشة ﵂، قالت: أول ما بُدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لايرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه - وهو التعبد الليالي ذوات ــ قوله: ((ويرى الضوء سبع سنين)) يعني أنه ﷺ كان يرى من أمارات النبوة سبع سنين النبوة ضياء مجردًا، وما رأي معه ملكًا، وهو معنى قوله: ((ولايرى شيئًا)) أي سوى الضوء، قالوا: والحكمة في رؤية الضوء المجرد دون رؤية الملك حصول استئناسه أولا بالضوء المجرد، وذهاب روعه، إذ في رؤية الملك مظنة ذهول وذهاب عقل لغلبة دهشته فإنه أمر خطير. الحديث الثالث إلى الحديث الخامس عن عائشة ﵂: قوله: ((قالت: أول مابدئ به)) ((مح)): هذا الحديث من مراسيل الصحابة، فإن عائشة ﵂ لم تدرك هذه القضية فتكون سمعتها من النبي ﷺ أو من صحابي، ومرسل الصحابي حجة عند جمهور العلماء، إلا ما انفرد به الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني. أقول: والظاهر أنها سمعت من النبي ﷺ لقولها: قال: ((فأخذني فغطني)) فيكون قولها: ((أول ما بديء به رسول الله ﷺ من الوحي)) حكاية ما تلفظ به ﷺ ، كقوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا ستغلبون﴾ بالتاء والياء على تأويل أن النبي ﷺ يؤدي لفظ ما أوحى إليه أو معناه، فلا يكون الحديث حينئذ من المراسيل. قوله: ((مثل فلق الصبح)) ((قض)): شبه ماجاءه في اليقظة ووجده في الخارج طبقًا لما رآه في المنام بالصبح في إنارته ووضوحه. والفلق: الصبح، لكنه لما كان مستعملا في هذا المعنى وفي غيره أضيف إليه للتخصيص والبيان، إضافة العام إلى الخاص، كقولهم: عين الشيء ونفسه. أقول: للفلق شأن عظيم ولذلك جاء وصفًا لله تعالى في قوله سبحانه: ﴿فالق الإصباح﴾

стр. 3050

العدد - قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزودُ لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزودُ لمثلها، حتى جاء الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ. فقال: ((ما أنا بقاريء))، قال: ((فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ فقلتُ: ما أنا بقاريء، فأخذني فغطني الثانية، حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ. فقلتُ: ما أنا بقاريء. فأخذني فغطني الثالثة، حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم. علم الإنسان مالم يعلم﴾. فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده فدخل على خديجة، فقال: ((زملوني زملوني)) فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: ((لقد خشيت على نفسي)) فقالت خديجة: كلا، والله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق ثم انطلقت به خديجة إلى ورقة بن نوفل، ابن عم خديجة. فقالت له: يا بن عم! اسمع من ابن أخيك. ــ وأمر بالاستعاذة برب الفلق لأنه ينبيء عن انشقاق ظلمة عالم الشهادة، وطلوع تباشير الصبح، بظهور سلطان الشمس وإشراقها الآفاق، كما أن الرؤيا الصالحة مبشرات تنبيء عن وفود أنوار عالم الغيب وآثار مطالع الهدايات، شبه به الرؤيا التي هي جزء يسير من أجزاء النبوة، وتنبيه من تنبيهاتها لمشتركي العقول على ثبوت النبوة، لأن النبي إنما سمي نبيًا لأنه ينبيء عن عالم الغيب الذي لا تستقل العقول بإدراكه. ((مح)): قالوا: إنما ابتديء ﷺ بالرؤيا لئلا يفجأه الملك ويأتيه صريح النبوة بغتة فلا تحتملها القوى البشرية، فبديء بتباشير الكرامة وصدق الرؤيا استئناسًا. والحراء: بكسر الحا، المهملة وتخفيف الراء وبالمد، وهو مذكر مصروف هذا هو الصحيح، وقيل: مؤنث غير مصروف. قال القاضي الزاهد صاحب [لثعلب] والخطابي وغيرهما: يغلط العوام في ((حراء)) في ثلاثة مواضع: يفتحون الحاء وهي مكسورة، ويكسرون الراء وهي مفتوحة، ويقصرون الألف وهي ممدودة. وهو جبل بينه وبين مكة ثلاثة أميال عن يسار الذاهب من مكة إلى منى.
следующие страницы →