Полный текст (3 308 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.
стр. 3046
وكان أصحاب رسول الله ﷺ يتهددونه ويتوعدونه، ففطن رسول الله ﷺ ما الذي يصنعون به، فقالوا: يا رسول الله! يهودي يحبسك؟ فقال رسول الله ﷺ : ((منعني ربي أن أظلم معاهدًا وغيره)) فلما ترجل النهار قال اليهودي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله، وشطر مالي في سبيل الله، أما والله ما فعلت بك الذي فعلت بك إلا لأنظر إلى نعتك في التوراة: محمد بن عبد الله، مولده بمكة، ومهاجره بطيبة، ومُلكُه بالشام، ليس بفظٍّ ولا غليظٍ ولا سخاب في الأسواق. ولا مُتزىٍّ بالفحش، ولا قول الخنا، أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وهذا مالي فاحكم فيه بما أراك الله، وكان اليهودي كثير المال. رواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) [٥٨٣٢].
٥٨٣٣ - وعن عبد الله بن أبي أوفي، قال: كان رسول الله ﷺ يكثر الذكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ولا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين فيفضي الحاجة. رواه النسائي، والدارمي [٥٨٣٣].
ــ
وترجل النهار: أي ارتفع. ((نه)): فما ترجل النهار حتى أتى بهم، أي ما ارتفع النهار تشبيها بارتفاع الرجل عن الصبي.
الحديث الثالث والحديث الرابع عن علي ﵁:
قوله: ((ولكن نكذب بما جئت به)) أي لا نكذبك لأنك عندنا صادق، والصادق الموسوم بالصدق، ولكنَّا نجحد آيات الله، وروى أن الأخنس بن شريق قال لأبي جهل: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب فإنه ليس عندنا خيرنا؟
فقال له: والله إن محمدًا لصادق وما كذب قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش؟
وقوله: ((ولكن نكذب بما جئت به)) وضع موضع ((ولكن نحسدك)) وضعًا للمسبب موضع السبب، والله أعلم.
الحديث الخامس عن عائشة ﵂:
قوله: ((وإن حجزته لتساوي الكعبة)) أي كان طويلا بحيث يساوي معقد إزاره طول الكعبة.
стр. 3047
٥٨٣٤ - وعن علي، أن أبا جهل قال للنبى ﷺ : إنا لا نكذبك ولكن نكذب بما جئت به، فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿فإنهم لايكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون﴾ رواه الترمذي. [٥٨٣٤]
٥٨٣٥ - وعن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((يا عائشة! لو شئت لسارت معى جبال الذهب، جاءني ملكٌ وإن حجزته لتساوي الكعبة، فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول: إن شئت نبيًّا عبدًا، وإن شئت نبيًّا ملكًا، فنظرت إلى جبريل ﵇، فأشار إلي أن ضع نفسك)) [٥٨٣٥].
٥٨٣٦ - وفي رواية ابن عباس: فالتفت رسول الله ﷺ إلى جبريل كالمستشير له، فأشار جبريل بيده أن تواضع. فقلت: ((نبيًّا عبدًا)).
قالت: فكان رسول الله ﷺ بعد ذلك لا يأكل متكئًا، يقولُ: ((آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد)) رواه في ((شرح السنة)). [٥٨٣٦]
ــ
قوله: ((يقرأ عليك السلام)): ((نه)): يقال: أقرأ فلانًا السلام، وأقرأ ﵇، كأنه حين يبلغه سلامه يحمله على أن يقرأ السلام ويرده.
قوله: ((نبيًا عبدًا)) هو خبر ((تكون)) محذوف بدليل الرواية الأخرى: ((إن الله يخيرك بين أن تكون عبدًا نبيًّا ..)) وجزاء الشرط محذوف، أي: إن شئت أن تكون نبيًّا عبدًا فكن إياه، والله أعلم بالصواب
باب المبعث وبدء الوحي
غب: أصل الوحى الإشارة السريعة، ولتضمن السرعة قيل: أمر وحى، وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض، وقد يكون بصوت مجرد عن التركيب وبإشارة ببعض الجوارح، وبالكناية، وقد حمل على ذلك قوله تعالى عن زكريا: ﴿فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم﴾.
стр. 3048
(٤) باب المبعث وبدء الوحي
الفصل الأول
٥٨٣٧ - عن ابن عباس، قال: بعث رسول الله ﷺ لأربعين سنة، فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه، ثم أمر بالهجرة، فهاجر عشر سنين، ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة. متفق عليه.
٥٨٣٨ - وعنه، قال: أقام رسول الله ﷺ بمكة خمس عشرة سنة، يسمع الصوت ويرى الضوء سبع سنين، ولا يرى شيئًا، وثمان سنين يُوحى إليه، وأقام بالمدينة عشرًا، وتوفي وهو ابن خمسٍ وستين. متفق عليه.
ــ
الفصل الأول
الحديث الأول عن ابن عباس ﵄:
قوله: ((لأربعين سنة)) اللام فيه بمعنى الوقت كما في قوله تعالى: ﴿قدمت لحياتى﴾.
ذكر في وفاته ثلاث روايات: إحداها: أنه ﷺ توفي وهو ابن ستين سنة، والثانية: ابن خمس وستين سنة، والثالثة: ثلات وستين سنة، وهي أصحها وأشهرها، رواه مسلم هنا من رواية: أنس وعائشة وابن عباس ومعاوية ﵃.
فرواية ((ستين)) مقتصرة على العقود.
ورواية ((الخمس)) متأولة بأن اعتبر الراوي الكسور.
وأنكر عروة على ابن عباس قوله، وقال: إنه لم يدرك أول النبوة ولا كثرت صحبته بخلاف الباقين.
وولد عام الفيل على الصحيح المشهور، وادعى القاضى عياض الإجماع عليه.
واتفقوا على أنه ولد يرم الاثنين في شهر ربيع الأول.
واختلفوا فيه هل هو ثاني الشهر أم ثامنه؟ أم عاشر؟.
وتوفي يوم الاثنين في ثانى عشر ربيع الأول ضحى، ﷺ .
وأقول: مجاز قوله: ((على رأس ستين .. إلى آخره)) كمجاز قولهم: رأس آية ... إلى آخرها، وسموا آخر الشيء رأسًا لأنه مبدأ مثله من آية أخرى أو عقد آخر.
الحديث الثاني عن ابن عباس ﵄:
стр. 3049
٥٨٣٩ - وعن أنس، قال: توفاه الله على رأس ستين سنة. متفق عليه.
٥٨٤٠ - وعنه، قال: قبض النبي ﷺ وهو ابن ثلاث وستين، وأبو بكر وهو ابن ثلاث وستين، وعمر وهو ابن ثلاث وستين. رواه مسلم.
قال محمد بن إسماعيل البخاري: ثلاث وستين، أكثر.
٥٨٤١ - وعن عائشة ﵂، قالت: أول ما بُدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لايرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه - وهو التعبد الليالي ذوات
ــ
قوله: ((ويرى الضوء سبع سنين)) يعني أنه ﷺ كان يرى من أمارات النبوة سبع سنين النبوة ضياء مجردًا، وما رأي معه ملكًا، وهو معنى قوله: ((ولايرى شيئًا)) أي سوى الضوء، قالوا: والحكمة في رؤية الضوء المجرد دون رؤية الملك حصول استئناسه أولا بالضوء المجرد، وذهاب روعه، إذ في رؤية الملك مظنة ذهول وذهاب عقل لغلبة دهشته فإنه أمر خطير.
الحديث الثالث إلى الحديث الخامس عن عائشة ﵂:
قوله: ((قالت: أول مابدئ به)) ((مح)): هذا الحديث من مراسيل الصحابة، فإن عائشة ﵂ لم تدرك هذه القضية فتكون سمعتها من النبي ﷺ أو من صحابي، ومرسل الصحابي حجة عند جمهور العلماء، إلا ما انفرد به الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني.
أقول: والظاهر أنها سمعت من النبي ﷺ لقولها: قال: ((فأخذني فغطني)) فيكون قولها: ((أول ما بديء به رسول الله ﷺ من الوحي)) حكاية ما تلفظ به ﷺ ، كقوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا ستغلبون﴾ بالتاء والياء على تأويل أن النبي ﷺ يؤدي لفظ ما أوحى إليه أو معناه، فلا يكون الحديث حينئذ من المراسيل.
قوله: ((مثل فلق الصبح)) ((قض)): شبه ماجاءه في اليقظة ووجده في الخارج طبقًا لما رآه في المنام بالصبح في إنارته ووضوحه.
والفلق: الصبح، لكنه لما كان مستعملا في هذا المعنى وفي غيره أضيف إليه للتخصيص والبيان، إضافة العام إلى الخاص، كقولهم: عين الشيء ونفسه.
أقول: للفلق شأن عظيم ولذلك جاء وصفًا لله تعالى في قوله سبحانه: ﴿فالق الإصباح﴾
стр. 3050
العدد - قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزودُ لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزودُ لمثلها، حتى جاء الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ. فقال: ((ما أنا بقاريء))، قال: ((فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ فقلتُ: ما أنا بقاريء، فأخذني فغطني الثانية، حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ. فقلتُ: ما أنا بقاريء. فأخذني فغطني الثالثة، حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم. علم الإنسان مالم يعلم﴾. فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده فدخل على خديجة، فقال: ((زملوني زملوني)) فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: ((لقد خشيت على نفسي)) فقالت خديجة: كلا، والله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق ثم انطلقت به خديجة إلى ورقة بن نوفل، ابن عم خديجة. فقالت له: يا بن عم! اسمع من ابن أخيك.
ــ
وأمر بالاستعاذة برب الفلق لأنه ينبيء عن انشقاق ظلمة عالم الشهادة، وطلوع تباشير الصبح، بظهور سلطان الشمس وإشراقها الآفاق، كما أن الرؤيا الصالحة مبشرات تنبيء عن وفود أنوار عالم الغيب وآثار مطالع الهدايات، شبه به الرؤيا التي هي جزء يسير من أجزاء النبوة، وتنبيه من تنبيهاتها لمشتركي العقول على ثبوت النبوة، لأن النبي إنما سمي نبيًا لأنه ينبيء عن عالم الغيب الذي لا تستقل العقول بإدراكه.
((مح)): قالوا: إنما ابتديء ﷺ بالرؤيا لئلا يفجأه الملك ويأتيه صريح النبوة بغتة فلا تحتملها القوى البشرية، فبديء بتباشير الكرامة وصدق الرؤيا استئناسًا.
والحراء: بكسر الحا، المهملة وتخفيف الراء وبالمد، وهو مذكر مصروف هذا هو الصحيح، وقيل: مؤنث غير مصروف.
قال القاضي الزاهد صاحب [لثعلب] والخطابي وغيرهما: يغلط العوام في ((حراء)) في ثلاثة مواضع: يفتحون الحاء وهي مكسورة، ويكسرون الراء وهي مفتوحة، ويقصرون الألف وهي ممدودة.
وهو جبل بينه وبين مكة ثلاثة أميال عن يسار الذاهب من مكة إلى منى.
стр. 3051
فقال له ورقة: يا بن أخي! ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأي. فقال ورقة: هذا هو الناموس الذي أنزل الله على موسى، يا ليتنى فيها جذعًا، ياليتنى فيها أكون حيًا إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله ﷺ : ((أومخرجي هم؟)) قال: نعم؛ لم يأت رجلٌ قط بمثل ماجئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك انصرك نصرًا مؤزرًا. ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي. متفق عليه.
ــ
قوله ((الليالى ذوات العدد)) أطلق الليالى وأراد بها الليالي مع أيامهن على سبيل التغليب لأنها أنسب للخلوة، ووصف الليالي بذوات العدد لإرادة التقليل كما في قوله تعالى: ﴿دراهم معدودة﴾.
((تو)) فسرت التحنث بقولها: ((وهو التعبد الليالى ذوات العدد)) ويحتمل أن يكون التفسير من قول الزهرى أدرجه في الحديث وذلك من دأبه.
((مح)): قوله: ((الليالى ذوات العدد)) متعلق بيتحنث لا بالتعبد، ومعناه يتحنث الليالى، ولو جعل متعلقًا بالتعبد فسد المعنى، فإن التحنث لا يشترط فيه الليالى ذوات العدد، والخلوة شأن الصالحين وعباد الله العارفين.
قال الخطابي: حبب إليه الخلوة لأن معها فراغ القلب، وهي معينة على التفكر وبها ينقطع عن مألوفات البشر، ويخشع قلبه، ويجمع همه، فالمخلص في الخلوة يفتح الله عليه ما يؤنسه في خلوته تعويضًا من الله تعالى إياه عما تركه لأجله، واستنار قلبه بنور الغيب حتى تذهب ظلمة النفس، واختيار الخلوة لسلامة الدين وتفقد أحوال النفس وإخلاص العمل لله تعالى.
قوله: ((قبل أن ينزع إلى أهله)) نزع إلى أهله ينزع نزاعًا أي اشتاق، وبعير نازع وناقة نازع إذا حنت إلى أوطانها.
((تو)): ((حتى جاء الحق)) أي أمر الحق وهو الوحي، أو رسول الحق وهو جبريل ﵇.
((مح)): ((ما أنا بقاريء)) معناه لا أحسن القراءة، فإن قلت: قد تقرر في علم المعاني أن إيلاء الضمير حرف النفي يفيد الاختصاص والحصر وهو يستدعي أن يكون حكم المخاطب مشوبًا بصواب وخطأ، فيرد خطؤه إلى الصواب فأين هذا من جبريل؟.
قلت: إنه ﷺ لما سمع من جبريل: ((اقرأ)) تصور منه ﷺ أنه اعتقد أن حكمه ﷺ ليس كحكم سائر الناس في أن حصول القراءة والتمكن منها إنما هو بطريق التعلم ومدارسة الكتب فلهذا رده بقوله: ((ما أنا بقاريء)) أي حكمي كحكم سائر الناس من أن حصول القراءة إنما هو
стр. 3052
٥٨٤٢ - وزاد البخاري: حتى حزن النبي ﷺ فيما بلغنا - حزنًا غدا منه مرارًا كي يتردى من رءوس شواهق الجبل، فكلما أوفي بذورة جبل لكي يُلقي نفسه منه،
ــ
بالتعلم، وعدمه بعدمه، فلذلك أخذه وغطه مرارًا ليخرجه من حكم سائر الناس ويستفرغ منه البشرية ويفرغ فيه صفات الملكية فحينئذ يعلم معنى: اقرأ، ويخاطب بقوله: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق ..﴾ إلى قوله: ﴿.. مالم يعلم﴾ ففي المقروء أيضًا إشارة إلى رد ما تصوره ﷺ من أن القرآن إنما يتيسر بطريق التعليم فقط بل إنها كما تحصل من التعليم بواسطة العلم فقد تحصل بتعليم الله بلا واسطة، فقوله: ﴿علم بالقلم﴾ إشارة إلى العلم التعليمي، وقوله: ﴿علم الإنسان مالم يعلم﴾ إلى العلم اللدني، ومصداقه قوله تعالى ﴿إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى﴾.
قوله: ((الغط)) العصر الشديد والكبس، ومنه الغط في الماء الغوص فيه، قيل: إنما غطه ليختبره هل يقول من تلقاء نفسه شيئًا؟.
((مح)): قالوا: والحكمة في الغط شغله عن الالتفات والمبالغة في أمره بإحضار قلبه لما يقوله له، وكرره ثلاثًا مبالغة في التنبيه، فقيه أنه ينبغى للمعلم أن يحتاط في تنبيه المتعلم ويأمره بإحضار قلبه.
والجهد: يجوز فيه فتح الجيم وضمها، وهو الغاية والمشقة، ويجوز نصب الدال ورفعها، فعلى النصب بلغ جبريل في الجهد، وعلى الرفع بلغ الجهد مني مبلغه وغايته، وممن ذكر الوجهين - أعني نصب الدال ورفعها - صاحب التحرير.
((تو)): لا أرى الذي يرويه بنصب الدال إلا قد وهم فيه أو جوزه من طريق الاحتمال، فإنه إذا نصب الدال عاد المعنى إلى أنه غطه حتى استفرغ قوته في ضغطه، وجهد جهده بحيث لم يبق فيه مزيد، وهذا قول غير سديد، فإن البنية البشرية لا تستدعي استيفاء القوة الملكية لاسيما في مبدأ الأمر، وقد دلت القضية على أنه اشمأز من ذلك وتداخله الرعب.
أقول: لاشك أن جبريل في حالة الغط لم يكن على صورته الحقيقية التي تجلى بها عند سدرة المنتهى، وعندما رآه مستويًا على الكرسي فيكون استفراغ جهده بحسب الصورة التي تجلى له وغطه، وإذا صحت الرواية اضمحل الاستبعاد.
وقوله: ﴿اقرأ باسم ربك﴾ ((مح)): هذا دليل صريح في أن أول ما نزل من القرآن ﴿اقرأ﴾ وهو الصواب الذي عليه الجماهير من السلف والخلف.
وقيل: أوله ﴿يأيها المدثر﴾ وليس بشيء.
стр. 3053
تبدَّى له جبريل، فقال: يا محمد! إنك رسول الله حقًا. فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه.
ــ
واستدل بهذا الحديث بعض من يقول: ((بسم الله الرحمن الرحيم)) ليست بقرآن في أوائل السور لكونها لم تذكر هنا، وجواب المثبتين لها: أنها لم تنزل أولاً بل نزلت البسملة في وقت آخر كما نزلت باقي السورة في وقت آخر.
أقول: قوله ﴿اقرأ﴾ أمر بإيجاد القراءة مطلقًا وهو لايختص بمقروء دون مقروء، فقوله: ﴿باسم ربك﴾ حال، أي اقرأ مفتتحا باسم ربك. قل: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم اقرأ، وهذا يدل على أن البسملة مأمور بقراءتها في ابتداء كل قراءة، فيكون مأمورًا بقراءتها في ابتداء هذه السورة أيضًا.
وقوله: ﴿ربك الله خلق﴾ وصف مناسب مشعر بعلية الحكم بالقراءة والإطلاق في خلق أولا على منوال يعطى ويمنع، وجعل توطئة لقوله: ﴿خلق الإنسان﴾ إيذانًا بأن الإنسان أشرف المخلوقات، ثم الامتنان عليه بقوله: ﴿علم الإنسان مالم يعلم﴾ يدل على أن العلم أجل النعم وأكثرها فائدة.
وقوله: ((فرجع بها)) أي صار بسبب تلك الضغطة يضطرب فؤاده، ورجع يجيء بمعنى قصد أيضًا، كما في قولهم: ما روجع إليه في خطب إلا كفي، أي ما قصد. و ((زملوني)) أي غطوني بالثياب ولفوني بها.
قوله: ((لقد خشيت على نفسي)) ((مح)): قال القاضي عياض: ليس هو بمعنى الشك فيما أتاه من الله تعالى، لكنه ربما خشي أنه لا يقوى على مقاومة هذا الأمر، ولا يقدر على حمل أعباء الوحي، فتزهق نفسه، أو يكون هذا لأول [ما رأي] التباشير في النوم واليقظة، وسمع الصوت قبل لقاء الملك، و [تحققه] رسالة ربه فيكون قد خاف أن يكون من الشيطان الرجيم، فأما منذ قد جاءه الملك برسالة ربه ، فلا يجوز عليه الشك فيه وتسلط الشيطان عليه. قال الشيخ محيى الدين: وهذا الاحتمال ضعيف لأنه تصريح بأن هذا كان بعد غط الملك وإتيانه: بـ ﴿اقرأ باسم ربك﴾.
стр. 3054
ــ
أقول: إخراج قوله: ((لقد خشيت)) على القسمية بعد قوله: ((يرجف فؤاده)) يدل على انفعال حصل له من الضغط فخشي على نفسه من ذلك أمرًا توهم منه كما يحصل للبشر إذا دهمه أمر لم يعهد به، ومن ثمة قال ﷺ : ((زملوني))، وأتت خديجة بكلمة الردع وصرحت بقولها: ((لا يخزيك الله)) إلى آخره. ((مح)): ((لا يخزيك الله)) هو بضم الياء وبالخاء المعجمة في رواية يونس وعقيل، وفي رواية معمر (يحزنك) بالحاء المهملة والنون، ويجوز فتح الياء في أوله وضمها، وكلاهما صحيح، والخزيُ: الفضيحة والهوان، و ((الكل)) الثقل، ويدخل في حمل الكل الإنفاق على الضعيف واليتيم والعيال وغير ذلك، وهو من الكلال [وهو] الإعياء، ((تكسب)) بفتح التاء هو الصحيح المشهور، وروى بضمها، قال ثعلب والخطابي وغيرهما: يقال: كسبت الرجل مالاً، وأكسبته مالاً، لغتان أفصحهما بحذف الألف، فمعنى الضم تكسب غيرك المال المعدوم، أي تعطيه إياه تبرعًا فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه، وقيل: معناه تعطى الناس ما لا يجدونه عند غيرك من نفائس الفرائد ومكارم الأخلاق.
ومعنى الفتح قيل: كمعنى الضم، وقيل: معناه تكسب المال المعدوم، وتصيب منه ما يعجز غيرك عن تحصيله، وكانت العرب تتمادح يكسب المال [لا سيما قريش، وكان ﷺ محظوظًا في تجارته، وهذا القول ضعيف وغلط، ويمكن تصحيحه بأن يضم معهما زيادة فمعناه] العظيم الذي يعجز عنه غيرك، ثم تجود به في وجوه الخير وأبواب المكارم، كما ذكرت من حمل الكل وصلة الرحم وقرى الضيف والإعانة على نوائب الحق.
وصاحب التحرير جعل المعدوم عبارة عن الرجل المحتاج المعدوم العاجز عن الكسب، وسماه معدومًا لكونه كالمعدوم الميت حيث لم يتصرف في المعيشة.
و ((النوائب)) جمع نائبة وهي الحادثة، وإنما أضيفت إلى الحق لأن النائبة قد تكون في الخير وقد تكون في الشر، قال لبيد:
نوائب من خير وشر كلاهما فلا الخير ممدود ولا الشر لازب
стр. 3055
٥٨٤٣ - وعن جابر، أنه سمع رسول الله ﷺ يحدث عن فترة الوحي، قال: ((فبينا أنا أمشي سمعت صوتًا من السماء، فرفعت بصري، فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعدٌ على كرسي بين السماء والأرض، فجئثت منه رعبًا حتى هويت إلى
ــ
أرادت أنك ممن لم يصبه مكروه لما جمع الله فيك من مكارم الأخلاق ومحاسن الشمائل، وفيه دلالة أن مكارم الأخلاق وخصال الخير سبب للسلامة من مصارع السوء.
وفيه مدح الإنسان في وجهه في بعض الأحوال لمصلحة تطرأ.
وفيه: تأنيس من حصلت له مخافة من أمر وتبشيره وذكر أسباب السلامة له.
وفيه: أعظم دليل وأبلغ حجة على: كمال خديجة ﵂، وجزالة رأيها، وقوة نفسها، وثبات قلبها، وعظم فقهها.
وقولها له: ((يا بن عم)) على الحقيقة؛ لأنه ورقة بن نوفل بن أسد، وهي خديجة بنت خويلد ابن أسد.
و ((الناموس)): جبريل ﵇، قال أهل اللغة: الناموس صاحب سر الخير، والجاسوس صاحب سر الشر، يقال: نامست الرجل إذا ساررته.
قال الهروي: سمي بذلك لأن الله تعالى خصصه بالوحي.
والضمير في ((ياليتني فيها)) يعود إلى أيام النبوة ومدتها.
قال المالكي: قد يظن أن ((يا)) حرف نداء حذف المنادي منه، أي: يامحمد ليتني كنت حيًا. وهو ضعيف، لأن الشيء إنما يجوز حذفه مع صحة المعنى بدونه إذا كان الموضع الذي ادعي فيه حذفه مستعملا فيه ثبوته، كحذف المنادي قبل أمرٍ، كقوله تعالى: ﴿ألا يسجدوا﴾ أي ألا يا هؤلاء اسجدوا، أو دعاء كقول الشاعر:
ألا يا اسلمي يا دارمي على البلى.
بعد ثبوته مثله في قوله تعالى: ﴿يا آدم اسكن﴾ وقوله: يا رب هب لي من لدنك مغفرة، بخلاف ليت فإن المنادي لم تستعمله العرب قبلها ثابتًا، فيتعين كون ((يا)) التي تقع قبلها لمجرد التنبيه مثل ((ألا)) في نحو: ألا ليت شعري، وقد يجمع بين ((يا)) و ((ألا)) تأكيدًا، للتنبيه كقوله: ألا يا اسلمي.
ومثل ((يا)) الواقعة قبل ليت للتنبيه ((يا)) قبل ((حبذا)) في قول الشاعر:
стр. 3056
الأرض، فجئت أهلي، فقلتُ: زملوني زملوني، فزملوني، فأنزل الله تعالى: ﴿يأيها
ــ
يا حبذا جبل الريان من جبل وحبذا ساكن الريان من كانا
وقبل ((رب)) في قول الراجز:
يارب ساريات ماتوسنا
و ((جذعًا)) يعني شابًا قويًا حتى أبالغ في نصرتك، والجذع في الأمل للدواب وهو هنا استعارة.
وقال الخطابي والمازري وغيرهما: نصب على أنه خبر كان المحذوفة تقديره: ليتني أكون فيها جذعًا، على مذهب الكوفيين.
قال القاضي: الظاهر عندي أنه منصوب على الحال، وخبر ليت قوله: ((فيها)).
قوله: ((إذ يخرجك قومك)) قال المالكي: ((إذا فيه وقع موقع ((إذا)) في إفادة الاستقبال، وهو استعمال صحيح غفل عن التنبيه عليه أكثر النحويين.
وقلت: ليس التنبيه عليه من وظيفتهم بل من وظيفة أهل المعانى، إما وضعًا للآتي موضع الماضي قطعًا بوقوعه كإخبار الله تعالى عن المستقبل، أو استحضارًا للصورة الآتية في مشاهدة السامع تعجبًا وتعجيبًا ولذلك قال ﷺ :
((أو مخرجي هم؟)) استبعادًا للإخراج وتعجبًا منه.
وقال أيضًا: الأصل فيه وفي أمثاله تقديم حرف العطف على الهمزة كما تقدم على غيرها من أدوات الاستفهام، نحو ﴿وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله﴾ ونحو: ﴿أم هل تستوي الظلماتُ والنورُ﴾ ونحو ﴿فأين تذهبون﴾ فالأصل أن يجاء بالهمزة بعد العاطف كما جيء بعده في أخواتها فيقال في: أفتطمعون، وفي أو كلما: ((فأتطمعون، وأكلما))، لأن أداة الاستفهام جزء من جملة الاستفهام، وهي معطوفة على ما قبلها من الجمل، والعاطف لا يتقدم عليه جزء مما عطف، ولكن خصت الهمزة بتقديمها على العاطف تنبيها على أنها أصل أدوات الاستفهام، لأن الاستفهام له صدر الكلام وقد خولف هذا الأصل في غير الهمزة وأرادوا التنبيه عليه، فكانت الهمزة بذاك أولى لأصالتها في الاستفهام، وقد غفل الزمخشري في معظم كلامه في الكشاف عن هذا المعنى فادعى أن بين الهمزة وحرف العطف جملة محذوفة معطوفة عليها بالعاطف مابعده، وفي هذا تكلف وحذف في موقع لم يثبت فيه الثبوت على ما سبق في ((ياليتني)).
стр. 3057
المدثر. قم فأنذر وربك فكبر. وثيابك فطهر. والرجز فاهجر﴾، ثم حمي الوحي وتتابع)). متفق عليه.
ــ
والجواب أنه لا يجوز فيما نحن بصدده أن يقدر تقديم حرف العطف على الهمزة لأن قوله ﷺ : ((أو مخرجي هم؟)) جواب ورد على قوله: ((إذ يخرجك قومك)) على سبيل الاستبعاد والتعجب فيكف يستقيم العطف؟ ولأن هذه جملة إنشائية وتلك خبرية، والحق أن الأصل أمخرجي هم؟ فأريد مزيد استبعاد وتعجب فجيء بحرف العطف على تقدير: على أو ماضي، أو هم مخرجي، وأما إنكار الحذف في مثل هذه المواضع فمستبعد لأن مثل هذه الحذوف من حلية من رشح بالبلاغة لاسيما قد شحن التنزيل بمثلها، على أن الحذف المردود هو ما لا دليل عليه ولا أمارة قائمة عليه، والدليل هنا وجود العاطف، ولا يجوز العطف على المذكور فيجب أن يقدر بعد الهمزة ما يوافق المعطوف تقريرًا للاستبعاد وشدا لعضده.
وقال: ((مخرجي)) خبر مقدم، وهم مبتدأ مؤخر، ولا يجوز العكس لأن مخرجي نكرة فإن إضافته إضافة غير محضة، ولو روي ((مخرجي)) مخفف الياء على أنه مفرد لجاز وجعل مبتدأ وما بعده فاعل سد مسد الخبر، لأن مخرجي معتمدة على همزة الاستفهام مستندة إلى ما بعدها لأنه وإن كان ضميرًا فإنه منفصل والمنفصل من الضمائر يجري مجرى الظاهر، ومنه قول الشاعر:
أمنجز أنتم وعدًا وثقت به أم اقتفيتم جميعًا نهج عرقوب
((وإن يدركني يومك)) ((قض)): يريد الزمان الذي أظهر فيه الدعوة أو عاداه قومه فيه وقصدوا إيذاءه وإخراجه.
و ((المؤزر)) البالغ في القوة من الأزر وهو القوة.
و ((لم ينشب)) أي لم يلبث ولم يبرح وأصله أنه لم يتعلق بشيء، أو لم يشتغل فكنى به عن ذلك.
قوله: ((أن توفي)) بدل اشتمال من ورقة، أي لم تلبث وفاته.
وقوله: ((فيما بلغنا)) معترض بين الفعل ومصدره.
و ((الشواهق)) الجبال العالية.
((فيسكن لذلك جأشه)) أي اضطراب قلبه وقلقه.
الحديث السادس عن جابر ﵁:
قوله: ((فجئثت)) ((تو)): جئث الرجل إذا أُفزع، وكذلك جئف.
وقوله: ((رعبًا)) أي ممتلئًا رعبًا، ويجوز أن يكون معناه: مرعوبًا كل الرعب، ويحتمل أن يكون من ((الجأث)) وهو الإفزاع بالرعب لاقتران معنييهما، وهو أن الفزع انقباض ونقار يعترى
стр. 3058
٥٨٤٤ - وعن عائشة، أن الحارث بن هشام سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ : ((أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس،
ــ
الإنسان من الشيء المخيف وهو قريب من الفزع، والرعب والانقطاع من امتلاء الخوف، والرعب يتعدى ولا يتعدى يقال: رعبته فرعب.
((قض)): رعبًا نصب على المفعول لأجله.
الحديث السابع عن عائشة ﵂:
قوله: ((مثل صلصلة الجرس)) يجوز أن يكون مفعولا مطلقًا، والأحسن أن يكون حالا، أي يأتيني الوحي مشابهًا صوته لصلصلة الجرس، والصلصلة صوت الحديد إذا حرك، يقال: صل الحديد وصلصل.، والصلصلة أشد من الصليل.
((تو)): هذا الحديث يغالط فيه أبناء الضلالة ويتخذونه ذريعة إلى تضليل العامة وتشكيكهم، وهو حق أبلج ونور يتوقد من شجرة مباركة يكاد زيتها يضىء ولو لم تمسسه نار، لايغلط فيه إلا من أعمى الله قلبه، وجملة القول في هذا الباب أن نقول: كان النبي ﷺ معنيًا بالبلاغ مهيمنًا على الكتاب مكاشفًا بالعلوم الغيبية، مخصوصًا بالمسامرات العلية، كان يتوفر على الأمة حصتهم بقدر الاستعداد، فإذا أراد أن ينبئهم بما لا عهد لهم به من تلك العلوم صاغ لها أمثلة من عالم الشهادة ليعرفوا مما شاهدوه ما لم يشاهدوه، فلما سأله الصحابة عن كيفية الوحي وكان ذلك من المسائل العويصة والعلوم الغريبة التي لا يميط نقاب التعري عن وجهها لكل طالب ومتطلب، وعالم ومتعلم ضرب لها في الشاهد مثلا بالصوت المتدارك الذي يسمع ولا يفهم منه شيء، تنبيهًا على أن إتيانها يرد على القلب في لبسة الجلال وأبهة الكبرياء، فيأخذ هيبة الخطاب حين ورودها بمجامع القلب، ويلاقى من ثقل القول ما لا علم له بالقول مع وجود ذلك، فإذا سرى عنه وجد القول بينًا ملقى في الروع واقعًا موقع المسموع، وهذا معنى قوله: ((فيفصم عني وقد وعيت)).
ومعنى: ((يفصم)) يقلع عني كرب الوحي، شبهه بالحمى إذا فصمت عن المحموم، يقال: أفصم المطر أي أقلع.
وهذا الضرب من الوحي شبيه بما يوحى إلى الملائكة على ما رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: ((إذا قضى الله في السماء أمرًا ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كأنها [سلسلة] على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير)).
وقد تبين لنا من حديث عائشة ﵂ أن الوحي كان يأتيه على صفتين:
أولاهما: أشد من الأخرى، وذلك لأنه كان يرد فيها من الطباع البشرية إلى الأوضاع
стр. 3059
وهو أشده علىَّ، فيفصم عني وقد وعيتُ عنه ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملكُ رجلا فيكلمني، فأعي ما يقولُ)). قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقًا. متفق عليه.
ــ
الملكية فيوحى إليه كما يوحى إلى الملائكة على ما ذكر في حديث أبي هريرة ﵁، وهو حديث حسن صحيح.
والأخرى: يرد فيها الملك إلى شكل البشر وشاكلته وكانت هذه أيسر والله أعلم.
أقول: لا يبعد أن يكون هناك صوت على الحقيقة متضمن للمعاني مدهش للنفس لعدم مناسبتها إياه ولكن القلب للمناسبة يشرب معناه، فإذا سكن الصوت آفاق النفس فحينئذ تتلقى النفس من القلب ما ألقى إليه فيعي، على أن العلم بكيفية ذلك من الأسرار التي لا يدركها العقل.
((مح)): قال القاضي عياض: إن ما جاء من مثل ذلك يجري على ظاهره، وكيفية ذلك وصورته مما لا يعلمه إلا الله تعالى، ومن أطلعه على شيء من ذلك من ملائكته ورسله، وما يتأول هذا ويحيله عن ظاهره إلا ضعيف النظر والإيمان إذ جاءت به الشريعة ودلائل العقول لا تحيله.
[مظ]: يريد - والله أعلم - أنه صوت متدارك يسمعه ولا يثبته عند أول ما يقرع بسمعه حتى يتفهم ويتثبت فيتلقنه حينئذ ويعيه، ولذلك قال: ((هو أشده عليّ)).
قوله: ((ليتفصد عرقًا)) ((تو)): أي يسيل، يقال: انفصد الشيء وتفصد إذا سال، كأنه شبه بالعِرق المفصود إذا سال عنه الدم.
الحديث الثامن عن عبادة ﵁:
قوله: ((كُرِبَ لذلك)) ((تو)): يحتمل أنه كان يهتم لأمر الوحي أشد الاهتمام، ويهاب مما يطالب به من حقوق العبودية والقيام بشكر النعم، ويخشى على عصاة الأمة أن ينالهم من الله خزي ونكال فيأخذه الغم الذي يأخذ بالنفس حتى يعلم ما يقضي إليه.
ويحتمل أن المراد منه كرب الوحي وشدته، فإن الأصل في الكرب الشدة، وإنما قال الصحابي: كرب، لما وجد من شبه حاله بحال المكروب.
стр. 3060
٥٨٤٥ - وعن عبادة بن الصامت، قال: كان النبي ﷺ إذا أنزل عليه الوحي كُرِبَ لذلك وتربَّد وجهه وفي رواية: نكس رأسه، ونكس أصحابه رءوسهم، فلما أُتلي عنه رفع رأسه. رواه مسلم.
ــ
وقوله: ((تربد وجهه)) أي تغير، وأكثر ما يقال ذلك في التغير من الغضب، وتربد الرجل أي تعبس.
وقوله: ((فلما أُتلى عنه)) كذا هو في المصابيح، وأرى صوابه: ((فلما تليّ عليه)) من التلاوة، وإن كان ((أتلى عليه)) محققًا فمعناه أحيل، يقال: أتليته إذا أحلته، أي أحيل إليه البلاغ، وذلك أن الملك إذا قضى إليه ما نزل به فقد أحال عليه البلاغ.
((مح)): أتلي، بهمزة وتاء مثناة فوق ساكنة ولام وياء، هكذا هو في معظم نسخ بلادنا، معناه: ارتفع عنه الوحي، هكذا فسره صاحب التحرير وغيره.
ووقع في بعض النسخ: ((أجلي)) بالجيم.
وفي رواية ابن ماهان: ((نجلي)) ومعناهما أزيل عنه وزال عنه.
أقول: ضمن ((أتلي)) معنى ((أقلع)) فعدى بعن، وينصره رواية شرح السنة: ((فلما أقلع عنه)).
الحديث التاسع عن ابن عباس ﵄:
قوله: ((ما جربنا عليك إلا صدقا)) ضمن جرب معنى ألقي، أي ما ألقينا عليك شيئا من الأخبار مجربين إياك إلا وجدناك فيه صادقًا، ومر الكلام مستقصى في هذا الحديث في باب قبل كتاب الفتن مع تغيير يسير.
الحديث العاشر عن عبد الله بن مسعود ﵁:
قوله: ((إلى فرثها ودمها)) الضمير راجع إلى جزور وهي مؤنث.
((نه)): الجزور البعير ذكراً كان أو أنثى إلا أن اللقطة مؤنثة، يقال: هذه جزور وإن أردت ذكرًا والجمع [جزر] وجرائر.
والسلا: الجلد الرقيق الذي يخرج فيه الولد من بطن أمه ملفوفًا فيه، قيل: هي في الماشية السلا وفي الناس المشيمة، والأول أشبه؛ لأن المشيمة تخرج بعد الولد ولا يكون الولد فيها حين يخرج.
قوله: ((فانبعث أشقاهم)) ((مح)): هو عقبة بن أبي معيط كما مرح به في الرواية الأخرى، فإذا قيل: كيف استمر في الصلاة مع وجود نجاسة على ظهره؟
стр. 3061
٥٨٤٦ - وعن ابن عباس، قال: لما نزلت ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ خرج النبي ﷺ حتى صعد الصفا، فجعل ينادي: ((يا بني فهر! يا بني عدي!)) لبطون قريش حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش فقال: ((أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلا تخرج من سفح هذا الجبل - وفي رواية: أن خيلا تخرج بالوادي تريد أن تغير عليكم - أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقًا. قال: ((فإني نذيرٌ لكم بين يدي عذاب شديد)). قال أبو لهب: تبالك، ألهذا جمعتنا؟! فنزلت: ﴿تبت يدا أبي لهب وتب﴾ متفق عليه.
٥٨٤٧ - وعن عبد الله بن مسعود، قال: بينما رسول الله ﷺ يصلي عند الكعبة وجمع قريش في مجالسهم، إذ قال قائل: أيكم يقوم إلى جزور آل فلان فيعمد إلى فرثها ودمها وسلاها ثم يمهله حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه؟ فانبعث أشقاهم، فلما سجد وضعه بين كتفيه، وثبت النبي ﷺ ساجدًا، فضحكوا حتى مال بعضهم على بعض من الضحك، فانطلق منطلق إلى فاطمة، فأقبلت تسعى، وثبت النبي ﷺ
ــ
أجاب القاضي عياض: بأنه ليس هذا بنجس؛ لأن الفرث ورطوبة البدن طاهران وإنما النجس الدم، وهو مذهب مالك ومن وافقه من أن روث ما يؤكل لحمه طاهر، ومذهبنا ومذهب أبي حنيفة أنه نجس.
وهذا القول الذي قاله القاضي ضعيف؛ لأن هذا السلا يتضمن النجاسة من حيث إنه لا ينفك من الدم في الغالب، ولأنه ذبيحة عباد الأوثان، والجواب المرضي أنه لم يعلم ما وضع على ظهره فاستمر في سجوده استصحابًا للطهارة.
((حس)): قيل: كان الصنيع منهم قبل تحريم هذه الأشياء من: الفرث والدم وذبيحة أهل الشرك، فلم يكن تبطل الصلاة بها كالخمر كان يصيب ثيابهم قبل تحريمها.
أقول: لعل ثباته على ذلك كان مزيدًا للشكوى وإظهار ما صنع أعداء الله تعالى برسول الله ﷺ ليأخذهم أخذًا وبيلا، ولذلك كرر له الدعاء ثلاثا.
وقوله: ((عليك بقريش)) أي اذهب بهم واستأصلهم عن آخرهم كما يقال: ذهبت به الخيلاء.
стр. 3062
ساجدًا حتى ألقته عنه، وأقبلت عليهم تسبُّهم، فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة قال: ((اللهم عليك بقريش)) ثلاثًا - وكان إذا دعا؛ دعا ثلاثًا، وإذا سأل! سأل ثلاثا -: ((اللهم عليك بعمرو بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط، وعمارة بن الوليد)). قال عبد الله: فو الله لقد رأيتهم صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب قليب بدر، ثم قال رسول الله ﷺ : وأتبع أصحاب القليب لعنة)). متفق عليه.
٥٨٤٨ - وعن عائشة: أنها قالت: يارسول الله؟ هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أُحد؟ فقال: ((لقد لقيت من قومك، فكان أشد مالقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت - وأنا مهموم - على وجهي، فلم أستفق إلا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك وماردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم)) قال: ((فناداني ملك
ــ
وقوله: ((وأتبع أصحاب القليب لعنة)) أي أتبع عذابهم الدنيا بعذاب الآخرة من قوله تعالى: ﴿وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود﴾ أي بئس العون المعان، فإذا اللعنة لما تبعتهم كأنها رفدتهم على سبيل ما يستوجبون به العذاب على التهكمية فلما أعينت في الآخرة بلعنة أخرى صارت مرفودة، فإذن اللعنة ملعونة، وفي الحقيقة [هم] الملعونون دنيا وعقبى.
الحديث الحادي عشر عن عائشة ﵂:
قوله: ((أشد مالقيت)) خبر كان؛ واسمه عائد على مقدر وهو مفعول قوله: ((لقد)).
و ((يوم العقبة)) ظرف كان، المعنى: كان مالقيت من قومك يوم العقبة أشد مالقيت منهم، وأراد بالعقبة التي بمنى، وكان رسول الله ﷺ يقف عند العقبة في الموسم يعرض نفسه على قبائل العرب يدعوهم إلى الله تعالى وإلى الإسلام، فدعا ابن عبد ياليل فما أجاب إلى ما أراد ﷺ .
ووضع ((إذا)) التي هي للاستقبال موضع ((إذا)) استحضارًا لتلك الحالة الفظيعة.
و ((على وجهي)) متعلق بقوله: ((انطلقت)) أي: انطلقت حيرانًا هائمًا لا أدري أين أتوجه من شدة ذلك ولم أستفق مما أنا فيه من الغم حتى بلغت ((قرن الثعالب)).
و ((القرن)) جبل صغير، و ((قرن الثعالب)) جبل بعينه بين مكة والطائف.
وقوله: ((لتأمرني بأمرك)) أي بشأنك وبما تريده.
стр. 3063
الجبال، فسلم عليَّ ثم قال: يا محمد! إنَّ الله قد سمع قول قومك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين)) فقال رسول الله ﷺ : ((بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئا)). متفق عليه.
٥٨٤٩ - وعن أنس، أن رسول الله ﷺ كسرت رباعيته يوم أحد، وشُج في رأسه، فجعل يسلت الدم عنه ويقول: ((كيف يفلح قومٌ شجوا رأس نبيهم وكسروا رباعيته؟)) رواه مسلم.
٥٨٥٠ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((اشتد غضب الله على قوم فعلوا بنبيه)). يشير إلى رباعيته ((اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله في سبيل الله)). متفق عليه.
وهذا الباب خالٍ عن: الفصل الثاني
ــ
((نه)): ((الأخشبان)) الجبلان المطبقان بمكة وهو أبو قبيس والأحمر وهو جبل مشرف وجهه على قيعان، والأخشب كل جبل خشن غليظ.
الحديث الثاني عشر عن أنس ﵁:
قوله: ((يسلت الدم)) أي يزيله من رأسه، من سلتت المرأة خضابها إذا أزالته.
و ((شج في رأسه)) من باب قوله: [يجرح في عراقيبها نصلى] بولغ في الشج حيث أوقع الرأس ظرفًا.
الحديث الثالث عشر عن أبي هريرة ﵁:
قوله: ((يشير إلى رباعيته)) حال من رسول الله ﷺ وعامله ((قال)) وقع مفسرًا لمفعول فعلوا [أي فعلوا] هذا.
وقوله: ((يقتله رسول الله ﷺ ) يحتمل أن يراد به الجنس، وأن يراد به نفسه ﷺ وضعًا للظاهر موضع [المضمر] إشعارًا بأن من يقتله من هو رحمة للعالمين لم يكن إلا أشقى الناس، والذي قتله رسول الله ﷺ هو أبي بن خلف.
((مح)): ((في سبيل الله)) احترازًا ممن يقتله في حد أو قصاص، لأن من يقتله في سبيل الله كان قاصدًا له ﷺ .
الفصل الثاني
خالٍ.
стр. 3064
الفصل الثالث
٥٨٥١ - عن يحيى بن أبي كثير، قال: سألتُ أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن؟ قال: ﴿يأيها المدثر﴾ قلت: يقولون: ﴿اقرأ باسم ربك﴾ قال أبو سلمة: سألتُ جابرًا عن ذلك. وقلت له مثل الذي قلت لي. فقال لي جابر: لا أحدثك إلا بما حدثنا رسول الله ﷺ قال: ((جاورت بحراء شهرًا، فلما قضيت جواري هبطتُ، فنوديت فنظرت عن يميني فلم أر شيئًا، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئًا ونظرت عن خلفي فلم أر شيئًا، فرفعت رأسي فرأيت شيئًا، فأتيت خديجة، فقلت: دثروني، فدثروني، وصبوا عليَّ ماءً باردًا، فنزلت: ﴿يأيها المدثر. قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر. والرجز فاهجر﴾ وذلك قبل أن تفرض الصلاة. متفق عليه.
ــ
الفصل الثالث
الحديث الأول عن يحيى:
قوله: ((لا أحدثك .. إلخ)) إخبار عما سمع واعتقد من أن أول ما نزل من القرآن: ﴿يأيها المدثر﴾ لكن لايدل على المطلوب؛ لأنه قال: في آخرته فقلت: ((دثروني، فنزلت، ﴿يأيها المدثر﴾ وقد سبق في حديث عائشة ﵂ أن أول ما نزل من القرآن ﴿اقرأ باسم ربك﴾.
((مح)): قول من قال: إن أول ما نزل ﴿يأيها المدثر﴾ ضعيف، والصواب أن أول ما نزل على الإطلاق ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ كما صرح به في حديث عائشة، وأما ﴿يأيها المدثر﴾ فكان نزولها بعد فترة الوحي كما صرح به في رواية الزهري عن جابر يدل عليه قوله وهو يحدث عن فترة الوحي ... إلى أن قال: فأنزل الله ﴿يأيها المدثر﴾.
أقول: ينبغي أن يقدر في هذا الحديث بعد قوله: ((جاورت بحراء)) جاءه الملك فقال: اقرأ .. إلى قوله: فيرجف فؤاده ثم فتر الوحي، فلما قضيت جواري هبطت فنوديت .. إلخ.
ويؤيد هذا التقرير الحديث السابق وهو حديث جابر أنه سمع رسول الله ﷺ يحدث عن فترة الوحي: ((فبينا أنا أمشي سمعت صوتًا من السماء .. الحديث)) فإن فترة الوحي يدل على تقدمه. والله أعلم.
стр. 3065
(٥) باب علامات النبوة
الفصل الأول
٥٨٥٢ - عن أنس، أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه، فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرج منه علقة فقال: هذا حظُّ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه وأعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه - يعني ظئره - فقالوا: إن محمدًا قد قُتل، فاستقبلوه وهو منتقعُ اللون قال أنس: فكنت أرى أثر المخيط في صدره رواه مسلم.
٥٨٥٣ - وعن جابر بن سمرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم عليَّ قبل أن أُبعث، إني لأعرفه الآن)). رواه مسلم.
ــ
((قضيت جواري)): بالكسر أي اعتكافي.
باب علامات النبوة
الفصل الأول
الحديث الأول عن أنس ﵁: قوله: ((ثم لأمه)) ((تو)): تقول: لأمت الجرح والصدع إذا سددته فالتأم، يريد أنه سواه وأصلحه.
ويقال: انتقع لونه، إذا تغير من جنون أو فزع، وكذلك ((امتقع)) بالميم.
وهذا الحديث وأمثاله مما يجب فيه التسليم ولا يتعرض له بتأويل من طريق المجاز والاتساع إذ لا ضرورة في ذلك، إذ هو خبر صادق مصدوق عن قدرة القادر.
قوله: ((هذا حظ الشيطان منك)) قيل: إن النبي ﷺ لما كان بشرًا متعلقًا [عما انعلق عنه] سائر البشر، ولا ينكر هذا لقوله تعالى: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى﴾ والعلقة في الإنسان أصل المفاسد والمعاصى، ولذلك قال جبريل ﵇ بعد ما أخرجها: ((هذا حظ الشيطان منك)) فعصمه من آفته وطغمه، كما أسلم له شيطانه على يده، قدر الله تعالى في سابقة لطفه أن يخرج حظ الشيطان منه، فجعله قدسيًّا طاهر الأصل والعنصر منور القلب مقدس الجسم مستعدًا لقبول الوحي السماوي والفيض الإلهي، لا تتطرق إليه هواجس النفس.
الحديث الثاني عن جابر ﵁:
стр. 3066
٥٨٥٤ - وعن أنس قال, إن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية, فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما. متفق عليه.
٥٨٥٥ - وعن ابن مسعود, قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فرقتين: فرقة فوق الجبل, وفرقة دونه, فقال رسول الله ﷺ : ((اشهدوا)) متفق عليه.
ــ
قوله: ((إني لأعرفه الآن)) تقرير لقوله: ((إني لأعرف حجرًا بمكة)) واستحضار له في مشاهدته وكأنه يسمع سلامه الآن.
الحديث الثالث عن أنس ﵁:
قوله: ﴿فأراهم القمر﴾ قال الزجاج: زعم قوم – عدلوا عن القصد وما عليه أهل العلم – أن تأويله أن القمر ينشق يوم القيامة, والأمر بين في اللفظ لقوله: ﴿وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر﴾ فكيف يكون هذا في يوم القيامة؟؛ لأن معنى قوله: ﴿سحر مستمر﴾ مطرد, يدل على أنهم رأوا قبله آيات أخرى مترادفة ومعجزات سابقة.
وقال الإمام فخر الدين الرازي: إنما ذهب المنكر إلى ما ذهب؛ لأن الانشقاق أمر هائل, ولو وقع لعم وجه الأرض وبلغ مبلغ التواتر.
والجواب: أن الموافق قد نقله وبلغ مبلغ التواتر, وأما المخالف فربما ذهل أو حسب أنه نحو الخسوف, والقرآن أولى دليل وأقوى شاهد, وإمكانه لا شك فيه, وقد أخبر عنه الصادق فيجب اعتقاد وقوعه وأما امتناع الخرق والالتئام فحديث اللئام.
((مح)): قالوا: إنما هذا الانشقاق حصل في الليل ومعظم الناس نيام غافلون, والأبواب مغلقة, وهم متغطون بثيابهم, فقل من يتفكر في السماء وينظر إليها.
((حس)): هذا شيء طلبه قوم خاص على ما حكاه أنس, فأراهم ذلك ليلا وأكثر الناس نيام ومستكنون في الأبنية, والأيقاظ في البوادي والصحاري قد يتفق أن يكونوا مشاغيل في ذلك الوقت, وقد يكسف القمر فلا يشعر به كثير من الناس, وإنما كان ذلك في قدر اللحظة التي هي مدرك البصر, ولو دامت هذه الآية حتى يشترك فيها العامة والخاصة ثم لم يؤمنوا لاستؤصلوا بالهلاك, فإن من سنة الله تعالى في الأمم قبلنا أن نبيهم كان إذا أتى بآية عامة يدركها الحس فلم يؤمنوا أهلكوا، كما قال الله تعالى في المائدة: ﴿إنى منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإنى أعذبه عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين﴾ فلم يظهر الله هذه الآية للعامة لهذه الحكمة. والله أعلم.
стр. 3067
٥٨٥٦ - وعن أبي هريرة، قال: قال أبو جهل: هل يُعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ فقيل: نعم فقال: واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته, فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلي – زعم ليطأ على رقبته – فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه, ويتقي بيديه, فقيل له مالك, فقال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار وهولا, وأجنحة فقال رسول الله ﷺ لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا)) رواه مسلم.
٥٨٥٧ - وعن عدي بن حاتم, قال: بينا أنا عند النبي ﷺ إذا آتاه رجلٌ فشكا إليه الفاقة, ثم آتاه الآخر فشكا إليه قطع السبيل. فقال: ((يا عدي! هل رأيت الحيرة؟ فإن
ــ
الحديث الرابع والخامس عن أبي هريرة ﵁:
قوله: ((هل يعفر؟)) يريد به سجوده على التراب، وإنما آثر التعفير على السجود تعنتًا وعنادًا وإذلالا وتحقيرًا.
قوله: ((زعم)) وقع حالا من الفاعل بعد حال من المفعول, وزعم بمعنى طمع وأراد.
قال في أساس البلاغة: ومن المجاز: زعم فلان في غير مزعم, طمع في غير مطمع, لأن الطامع زاعم ما لم يستيقن.
قوله: ((إلا وهو ينكص)) المستثنى فاعل ((فجيء)) أي: فما فجيء في أصحاب أبي جهل من أمر إلا نكوص عقبيه, وقد سد الحال ها هنا مسد الفاعل, كما سدت مسد الخبر في قوله ﷺ : ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)) وفيه إرخاء عنان الكلام للمعنى لا للفظ, ويحتمل أن يكون الضمير المستتر في ((فجئهم)) لأبي جهل. والمجرور في ((منه)) للأمر, أي: ما فجيء أبو جهل وأصحابه من الأحوال إلا هذه الحالة.
والهول: الخوف والأمر الشديد, وقد هاله يهوله فهو هائل.
والخطف: استلاب الشيء وأخذه بسرعة.
الحديث السادس عن عدي ﵁:
قوله: ((هل رأيت الحيرة؟)) ((نه)): الحيرة بكسر الحاء البلد القديم بظهر الكوفة, ومحلة معروفة بنيسابور.
والظعينة: المرأة، قيل لها ذلك لأنها تظعن مع الزوج حيثما ظعن, أو لأنها تحمل على الراحلة إذا ظعنت.
стр. 3068
طالت بك حياةٌ فلترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدًا إلا الله, ولئن طالت بك حياةٌ لتفتحن كنوز كسرى, ولئن طالت بك حياةٌ لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله فلا يجد أحدًا يقبله منه, وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه وليس بينه وبينه ترجمان يترجم له, فليقولن ألم أبعث إليك رسولا فيبلغك؟ فيقول: بلى, فيقول: ألم أعطك مالا وأفضل عليك؟ فيقول: بلى فينظر عن يمينه فلا يرى إلاجهنم, وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم, اتقوا النار ولو بشق تمرة. فمن لم يجد فبكلمة طيبة)) قال عديٌّ: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله, وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز, ولئن طالت بكم حياةٌ لترون ما قال النبي أبو القاسم ﷺ : ((يخرج ملء كفه)). رواه البخاري.
٥٨٥٨ - وعن خباب بن الأرت, قال: شكونا إلى النبي ﷺ , وهو متوسد بردة في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة, فقلنا: ألا تدعو الله, فقعد وهو محمرٌ وجهه وقال: ((كان الرجل فيمن كان قبلكم يحفر له في الأرض, فيجعل فيه, فيجاء بمنشار, فيوضع فوق رأسه فيشق نصفين. فما يصُده ذلك عن دينه. ويمشط بأمشاط
ــ
وقيل: الظغينة المرأة في الهودج, ثم قيل للهودج بلا امرأة وللمرأة بلا هودج: ((ظعينة))
قوله: ((وأفضل عليك)) أي أحسن إليك بمعنى أعطيتك المال ومكنتك من إنفاقه والاستمتاع منه.
فإن قلت: ما وجه نظم هذا الحديث؟
قلت: لما اشتكى الرجل الفاقة والخوف وهو العسر المعني في قوله تعالى: ﴿إن مع العسر يسرا﴾ وهو ما كانت الصحابة عليه قبل فتح البلاد, أجاب عن السائل في ضمن بشارة لعدي وغيره من الصحابة باليسر والأمن, ثم بين أن هذا اليسر والغنى الدنيوي عسر في الآخرة وندامة, إلا من وفقه الله تعالى بأن يسلطه على إنفاقه فيصرفه في مصارف الخير, ونظيره حديث علي ﵁: ((كيف بكم إذا غدا أحدكم في حلة, وراح في حلة, ووضعت بين يديه صحفه؟ .. إلى قوله-: لأنتم اليوم خير منكم يومئذ؟)) وقد سبق في باب: تغير الناس.
стр. 3069
الحديد ما دون لحمه من عظم وعصب. وما يصدُّه ذلك عن دينه, والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه, ولكنكم تستعجلون)). رواه البخاري.
٥٨٥٩ - وعن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ يدخل على أم حرام بنت ملحان, وكانت تحت عباده بن الصامت, فدخل عليها يومًا فأطعمته؛ ثم جلست تفلي رأسه، فنام رسول الله ﷺ ثم استيقظ وهو يضحك, قالت: فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: ((ناس من أمتي عرضُوا على غزاة في سبيل الله, يركبون ثبج هذا البحر ملوكًا على الأسرة, أو مثل الملوك على الأسرة)). فقلت: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم, فدعا لها ثم وضع رأسه فنام، ثم استيقظ وهو يضحك, فقلت: يا رسول الله! ما يضحكك؟ قال: ((ناسٌ من أمتي عرضوا على غزاة في سبيل الله)). كما قال في الأولى. فقلت: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم. قال: ((أنت من الأولين)). فركبت أم حرام البحر في زمن معاوية, فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر, فهلكت. متفق عليه.
٥٨٦٠ - وعن ابن عباس, قال: إن ضمادًا قدم مكة وكان من أزد شنوءة, وكان
ــ
قوله: ((لترون ما قال)) أي سيُرى ما قال وهو الرجل الذي يخرج بصدقته ... إلى آخره.
الحديث السابع عن خباب ﵁ قوله: ((من عظم وعصب)) بيان ((ما)) في ((ما دون لحمه)) وفيه من المبالغة أن الأشماط تنفذ من: اللحم إلى العظم والعصب لحدتها وقوتها.
الحديث الثامن عن أنس ﵁:
قوله: ((على أم حرام)) قد ذكر وجه الدخول عليها في حديث أختها أم سليم.
وثبج كل شيء وسطه, وثبج الرمل معظمه, شبه ثبج البحر بظهر الأرض, والسفينة بالسرير, فجعل الجلوس عليها متشابهًا لجلوس الملوك على أسرتهم, إيذانًا بأنهم بذالون لأنفسهم, ويركبون هذا الأمر العظيم مع وفور نشاطهم وتمكنهم من مقامهم كالملوك على أسرتهم.
مح: قيل: هو صفة لهم في الآخرة إذا دخلوا الجنة, والأصح أنها صفة لهم في الدنيا، أي يركبون مراكب الملوك لسعة حالهم واستقامة أمرهم وكثره عددهم.
الحديث التاسع عن ابن عباس ﵄:
стр. 3070
يرقي من هذا الريح, فسمع سفهاء أهل مكة يقولون إن محمدا مجنون فقال: لو أني رأيت هذا الرجل لعل الله يشفيه على يدي. قال: فلقيه. فقال: يا محمد! إني أرقي من هذا الريح, فهل لك؟ فقال رسول الله ﷺ : ((إن الحمد لله, نحمده ونستعينه, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله, أما بعد)) فقال: أعد على كلماتك هؤلاء, فأعادهنَّ عليه رسول الله ﷺ ثلاث مرات فقال: لقد سمعت قول الكهنة, وقول السحرة, وقول الشعراء, فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء. ولقد بلغن
ــ
قوله: ((من هذا الريح)) الإشارة بهذا إلى ما في الذهن, والخبر مبين له, وذكره باعتبار الجنون.
تو: الإشارة بهذا إلى جنس العلة التي كانوا يرونها الريح, وأنهم كانوا يرون أن الخبل الذي يصيب الإنسان والأدواء التي كانوا يرونها من مسة الجن نفخة من نفخات الجن فيسمونها الريح.
قوله ((لعل الله يشفيه)) جواب للو, أي لو رأيته لداويته ورجوت شفاءه من الله تعالى.
قوله ((فقال رسول الله ﷺ : إن الحمد لله)) طابق هذا القول قول ضماد من حيث إنه لما سمع من سفهاء أهل مكة: أن محمدًا مجنون اعتقد أنه كذلك فقال: هل لك رغبة في أن أرقيك وأخلصك من الجنون؟ كأنه ﷺ ما التفت إلى قوله ذلك وأرشده إلى الحق البحت والصدق المحض: أي أني لست بمجنون أتكلم بكلام المجانين بل كلامي نحو هذا وأمثاله, فتفكروا فيه هل ينطق المجنون بمثل هذه الكلمات, ونحوه قوله تعالى: ﴿ويقولون إنه لمجنون وما هو إلا ذكر للعالمين﴾ أي أنهم جننوه لأجل القرآن, وما هو إلا ذكر وموعظة للعالمين فكيف يجنن من جاء بمثله.
وأشار بهؤلاء إلى الكلمات, والعرب ربما استعملوها في غير العقلاء وقد شهد به التنزيل, قال الله تعالى: ﴿إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا﴾ قال الشاعر:
ذم المنازل بعد منزله اللوى ... والعيش بعد أولئك الأيام
قوله ((ولقد بلغن قاموس البحر)) تو: وفي كتاب المصابيح: ((بلغنا)) وهو خطأ لا سبيل إلى تقويمه من طريق المعنى, والرواية لم ترد به.
و ((ناعوس البحر)) أيضًا خطأ.
стр. 3071
قاموس البحر, هات يدك أبايعك على الإسلام, قال: فبايعه. رواه مسلم.
وفي بعض نسخ ((المصابيح)): بلغنا الناعوس البحر.
وذكر حديثا أبي هريرة وجابر بن سمرة ((يهلك كسرى)) والآخر ((ليفتحن عصابةٌ)) في باب ((الملاحم))
ــ
وكذلك رواه مسلم في كتابه وغيره من أهل الحديث وقد وهموا فيه, والظاهر أن سمع بعض الرواة أخطأ فيه فروي ملحونًا, وهذه هي الألفاظ التي لم تسمع في لغه العرب والصواب فيه ((قاموس البحر)) وهو وسطه ومعظمه, من القمس وهو الغوص, والقماس الغواص.
أقول: قوله: ((بلغنا)) خطأ إن أراد به من حيث الرواية فلا ننكره لأنا ما وجدناها في الأصول, وإن أراد بحسب المعنى فمعناه صحيح أي: قد وصلنا إلى لجة البحر ومحل اللآلئ والدر فيجب أن نقف عليه ونغوص فيه استخراجًا لفوائده والتقاطًا لفرائده.
ومعنى قوله: ((بلغن)) أن كلماتك قد بلغت في الفصاحة والبلاغة الغاية القصوى بحيث لم ير لأحد من الفصحاء مثله.
فعلى الأول: قوله: ((قاموس البحر)) استعارة مصرحة لأن المشبه وهو الكلمات غير مذكورة في هذه الجملة, وعلى الثاني تشبيه واقع على سبيل التجريد لذكر المشبه والمشبه به.
وقوله: ((ناعوس البحر)) أيضًا خطأ وليس بصواب, إما رواية، فقد فقال الشيخ محيى الدين في شرح صحيح مسلم: ناعوس البحر ضبطناه بوجهيين أشهرهما بالنون والعين هذا هو الموجود في أكثر نسخ بلادنا, والثاني: قاموس البحر بالقاف والميم, وهذا الثاني هو المشهور في روايات الحديث في غير صحيح مسلم.
قال القاضي عياض: وروى بعضهم ((ناعوس البحر)) بالنون والعين, وقال شيخنا أبو الحسن: ((ناعوس البحر)) بمعنى القاموس.
((نه)): قال أبو موسى: ((ناعوس البحر)) كذا وقع في صحيح مسلم, وفي سائر الروايات ((قاموس البحر)) وهو وسطه ولجته, ولعله لم يجود كتبته فصحفه بعضهم, وليست هذه اللفظة أصلا في مسند إسحاق بن راهويه الذي روى عنه مسلم هذا الحديث, غير أنه قرنه بأبي موسى وروايته فلعلها فيها, قال: وإنما أورد نحو هذه الألفاظ؛ لأن الإنسان إذا طلبه ولم يجده في شئ من الكتب فيتحير فإذا نظر في كتابنا عرف أصله ومعناه.
وإما دراية: فقال القاضي ناصر الدين: ((ناعوس البحر)) معظمه ولجته التي يغاص فيها لإخراج اللآلئ, من نعس إذا نام, لأن الماء من كثرته لا تظهر حركته فكأنه نائم.
стр. 3072
وهذا الباب خال عن: الفصل الثاني
الفصل الثالث
٥٨٦١ - عن ابن عباس, قال: حدثني أبو سفيان بن حرب من فيه إلى فيَّ، قال: انطلقت في المدة التي كانت بينى وبين رسول الله ﷺ قال: فبينا أنا بالشام
ــ
أقول هذا على طريق المجاز والتوسع في الكلام, وقد تقرر أن المجاز لا يستدعي تقدم استعمال فيما جوز فيه, بل العلاقة المعتبرة كافية في الاستعمال, وقد جاء في أساس البلاغة: ومن المجاز تناعس البرق إذا فتر وحده ناعس, وقد عرف عن حال الغواصين أنهم إنما يغوصون في لجة البحر إذا كان هادئًا ساكنا غير متلاطم أمواجه حتى يتمكنوا من إخراج الدر, فشبه تمكن الكلمات بسبب نظمها المعجز من استخراج المعاني منها بتمكن [البحر بالدر] من استخراج الدر واللآلئ منه.
ويجوز أن يراد بناعوس البحر: رسول الله ﷺ على سبيل الاستعارة, على أنه من الجائز أن يكون الناعوس حقيقة في القاموس, وكانت لغه غريبة خفي مكانها فلم تنقل نقلا فاشيًا
الفصل الثاني
خال
الفصل الثالث
الحديث الأول عن ابن عباس ﵄:
قوله ((انطلقت)) أي سافرت وهاجرت أوطاني.
قوله: ((من فيه إلى في)) من للابتداء, أي الحديث الذي أرويه انتقل من فيه إلى في لم يكن بيننا واسطة.
قوله: ((في المدة التي كانت بيني وبين رسول الله ﷺ ) مح: يعني صلح الحديبية.
و ((دحية)) بكسر الدال وفتحها.
و ((عظيم بصرى)) أميرها.
و ((هرقل)) بكسر الهاء وفتح الراء وسكون القاف.
قال العلماء: وإنما سأل قريب النسب لأنه أعلم بحاله وأبعد من أن يكذب في نسبه, ثم
стр. 3073
إذ جيء بكتاب من النبي ﷺ إلى هرقل: قال: وكان دحية الكلبيُّ جاء به فدفعه إلى عظيم بُصرى, فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل, فقال هرقل: هل هنا أحدٌ من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ قالوا: نعم, فدعيت في نفرٍ من قريش, فدخلنا على هرقل, فأجلسنا بين يديه، فقال: أيكم أقرب نسبًا من هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي, قال أبو سفيان: فقلت: أنا, فأجلسوني بين يديه, وأجلسوا أصحابي خلفي, ثم دعا بترجمانه فقال: قل لهم: إني سائل هذا عن هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي, فإن كذبني فكذبوه. قال أبو سفيان: وايم الله لولا مخافةُ أن يؤثر عليَّ الكذب لكذبته, ثم قال لترجمانه: سله كيف حسبه فيكم؟ قال: قلت: هو فينا ذو حسب. قال: فهل كان من آبائه من ملكٍ؟ قلت: لا. قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا: قال: ومن يتبعه؟ أشراف الناس أم ضعفاؤهم؟ قال: قلت: بل
ــ
أكد ذلك فقال لأصحابه: ((إن كذبني فكذبوه)) أي لا تستحيوا منه, وإنما أجلس أصحابه خلفه ليكون أهون عليهم في تكذيبه إن كذب.
و ((الترجمان)) بضم التاء وفتحها والفتح أفصح, وهو المعبر عن لغة أخرى.
و ((لولا مخافة أن يؤثر على)) معناه لولا خوف أن ينقلوا عنى الكذب إلى قومى ويتحدثوا به لكذبت عليه لبغضي إياه, وإنما عداه بعلي لتضمن معنى المضرة, أي: كذب يكون عليّ لا لي.
وفي هذا بيان أن الكذب قبيح في الجاهلية كما هو قبيح في الإسلام.
قوله: ((ومن يتبعه؟)) وفي الحميدي وجامع الأصول: فهل يتبعه؟ و ((أم)) هنا متصلة, وفي وقوعها قرينة ((هل)) إشكال, لأن هل تستدعي السؤال عن حصول الجملة, وأم المتصلة تستدعي حصولها لكن السؤال بها عن تعين أحد المعنيين مسندًا ومسندًا إليه, والظاهر ما في صحيح مسلم وشرحه والمشكاة ومن يتبعه فتكون همزة الاستفهام مقدرة في قوله: ((أشراف الناس)) فسأل أولا مجملا, ثم سأل ثانيًا مفصلا.
و ((السخط)) بفتح السين كراهة الشيء وعدم الرضي به.
و ((السجال)) بكسر السين من المساجلة, وأصله من السجل وهو الدلو, لأن لكل واحد من الواردين دلوًا مثل ما للآخر, ولكل واحد منهم يوم في الاستسقاء, ومعناه هاهنا أن الحرب دلو تارة له وتارة عليه.
وقوله: ((ونحن منه في هذه المدة)) يعني مدة الهدنة والصلح الذي جرى يوم الحديبية.
стр. 3074
ضعفاؤهم: قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: لا: بل يزيدون. قال: هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطةً له؟ قال: قلت: لا. قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم. قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قال: قلت: يكون الحرب بيننا وبينه سجالا, يصيب منا ونصيب منه. قال. فهل يغدر؟ قلت: لا ونحن منه في هذه المدة, لا ندري ما هو صانع فيها؟ قال: والله ما أمكنني من كلمة أدخل فيها شيئًا غير هذه قال: فهل قال هذا القول أحدٌ قبله؟ قلت: لا. ثم قال لترجمانه: قل له: إني سألتك عن حسبه فيكم, فزعمت أنه فيكم ذو حسب, وكذلك الرسل تبعث في أحساب قومها. وسألتك هل كان في آبائه ملك؟ فزعمت أن لا, فقلت: لو كان من آبائه ملك قلت: رجل يطلب مُلك آبائه. وسألتك عن أتباعه أضعفاؤهم أم أشرافهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم, وهم أتباع الرسل. وسألتك: هل تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فزعمت أن لا, فعرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على الله. وسألتك هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة
ــ
قوله: ((تبعث في أنساب قومها)) من باب التجريد, أي يبعث ذا حسب, وهي كقولك: في البيضة عشرون رطلا من الحديد, وهي في نفسها هذا المقدار.
قوله: ((لم يكن ليدع الكذب)) ليدع. ليترك، واللام تأكيد للجحد, المعنى لم يصح ولم يستقم أن يترك رسول الله ﷺ الكذب على الناس قبل أن يظهر رسالته ثم بعد إظهاره الرسالة يكذب على الله تعالى, هذا بعيد, ونحوه قوله تعالى: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ أي محال أن يعذبهم وأنت فيهم.
وثم في الحديث استبعادية كقوله تعالى: ﴿ثم أنتم تمترون﴾
مح: والحكمة في ذلك أنه أبعد من انتحاله الباطل وأقرب إلى انقياد الناس له.
وأما قوله: ((ضعفاؤهم وهم أتباع الرسل)) فلكون الأشراف يأنفون من تقدم مثلهم عليهم, والضعفاء لا يأنفون فيسارعون إلى الانقياد واتباع الحق.
وأما سؤاله عن الردة فلأن من دخل على بصيرة في أمر محقق لا يرجع عنه, بخلاف من دخل في الأباطيل.
стр. 3075
له؟ فزعمت أن لا, وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشته القلوب وسألتك هل يزيدون أم ينقصون؟ فزعمت أنهم يزيدون, وكذلك الإيمان حتى يتم. وسألتك هل قاتلتموه؟ فزعمت أنكم قاتلتموه، فتكون الحرب بينكم وبينه سجالا ينال منكم وتنالون منه, وكذلك الرسل تبتلى, ثم تكون لها العاقبة. وسألتك هل يغدر. فزعمت أنه لا يغدر, وكذلك الرسل لا تغدر, وسألتك هل قال هذا القول أحد قبله؟ فزعمت أن لا، فقلت: لو كان قال هذا القول أحد قبله, قلت: رجل ائتم بقول قيل قبله قال: ثم قال: بما يأمركم؟ قلنا: يأمرنا بالصلاة, والزكاة, والصلة, والعفاف قال: إن يكُ ما تقول حقا فإنه نبيٌّ, وقد كنت أعلم أنه خارجٌ, ولم أكن أظنه منكم, ولو أني أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه, ولو كنت عنده لغسلت عند قدميه, وليبلغن ملكه ما تحت قدمي. ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ فقرأه. متفق عليه.
وقد سبق تمام الحديث في ((باب الكتاب إلى الكفار)).
ــ
وأما سؤاله عن الغدر فلأن من طلب حظ الدنيا لا يبالي بالغدر وغيره مما يتوصل به إلى ذلك, ومن طلب الآخرة لم يرتكب غدرًا ولا غيره من القبائح.
وبشاشة اللقاء: الفرح بالمرئى والانبساط إليه والأنس به.
((وكذلك الرسل تبتلى)) يعني يبتليهم في ذلك ليعظم أجرهم بكثرة صبرهم وبذل وسعهم في طاعة الله تعالى.
والصلة: صلة الأرحام وكل ما أمر الله تعالى به أن يوصل.
والعفاف: الكف عن المحارم.
قال العلماء: وقول هرقل: ((إن يك ما تقول حقا فإنه نبي ..)) أخذه من الكتب القديمة, ففي التوراة هذا ونحوه من علامات رسول الله ﷺ فعرفه بالعلامات, وأما الدليل القاطع على النبوة فهو المعجزة الظاهرة الخارقة للعادة, هكذا قاله المازري.
قوله: ((أخلص إليه)) أي أصل إليه.
نه: يقال: خلص فلان إلى فلان, أي وصل إليه.
مح: لا عذر له في هذا لأنه قد عرف صدق النبي ﷺ , وإنما شح في الملك ورغب في الرئاسة فآثرها على الإسلام، وقد جاء ذلك مصرحًا به في صحيح البخاري, ولو أراد الله هدايته لوفقه كما وفق النجاشي وما زالت عنه الرئاسة – والله أعلم.
стр. 3076
(٦) باب في المعراج
ــ
باب في المعراج
العروج: هو الذهاب في صعود، قال: ﴿تعرج الملائكة والروح﴾.
والمعراج: بالكسر شبه السلم مفعال من العروج والصعود كأنه آلة له.
وليلة المعراج سميت لصعود النبي ﷺ فيها.
مح: قال القاضي عياض: اختلف الناس في الإسراء برسول الله ﷺ :
فقيل: إنما كان جميع ذلك في المنام.
والحق الذي عليه أكثر الناس ومعظم السلف وعامه المتأخرين في الفقهاء والمحدثين والمتكلمين: أنه أسرى بجسده ﷺ فمن طالعها وبحث عنها فلا يعدل عن ظاهرها إلا بدليل, ولا استحالة في حملها عليه فيحتاج إلى تأويل.
وقيل: ذلك قبل أن يوحى إليه, وهو غلط لم يوافق عليه, فإن الإسراء أقل ما قيل فيه: إنه كان بعد مبعثه ﷺ بخمسة عشر شهرًا.
وقال الحربي: كان ليلة سبع وعشرين من شهر ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة.
وقال الزهري: كان ذلك بعد مبعثه بخمس سنين.
وقال ابن إسحاق: أسرى به ﷺ وقد فشا الإسلام بمكة.
وأشبه هذه الأقوال قول الزهري وابن إسحاق.
وقد أجمعوا على أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء فكيف يكون هذا قبل الوحى إليه.
وأما قوله في رواية شريك: ((وهو نائم)) وفي الرواية الأخرى: ((بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان)) فقد يحتج بها من يجعلها رؤيا نوم, ولا حجة فيه إذ قد يكون ذلك حاله أول وصول الملك إليه, وليس في الحديث ما يدل على كونه نائمًا في القصة كلها.
وقال محيى السنة في المعالم: والأكثرون على أنه صلوات الله عليه أسرى بجسده في اليقظة. وتواترت الأخبار الصحيحة على ذلك.
أقول: وقد روينا عن البخاري والترمذي عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس﴾ قال: وهي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ ليلة أسرى به إلى بيت المقدس.
стр. 3077
الفصل الأول
٥٨٦٢ - عن قتادة, عن أنس بن مالك, عن مالك بن صعصعة, أن نبي الله ﷺ حدثهم عن ليلة أسرى به: ((بينما أنا في الحطيم - وربما قال في الحجر - مضطجعًا إذ
ــ
وفي مسند الإمام أحمد بن حنبل عن ابن عباس قال: شئ أريه النبي ﷺ في اليقظة رآه بعينه حين ذهب إلى بيت المقدس, ولأنه قد أنكرته قريش وارتدت جماعة ممن كانوا أسلموا حين سمعوه, وإنما تنكر إذا كانت في اليقظه فإن الرؤيا لا ينكر منها ما هو أبعد من ذلك, على أن الحق أن المعراج مرتان مرة في النوم وأخرى باليقظة.
قال محيى السنة: رؤيا أراه الله قبل الوحي بدليل قول من قال: ((فاستيقظ وهو في المسجد الحرام ثم عرج به في اليقظة بعد الوحي قبل الهجرة بسنة تحقيقًا لرؤياه, كما أنه رأي فتح مكة في المنام في سنة ست من الهجرة, ثم كان تحققه سنة ثمان, وعن بعض المحققين أن الأرواح مأخوذة من أنوار الكمال والجلال وهي بالنسبة إلى الأبدان بمنزلة قرص الشمس بالنسبة إلى هذا العالم, وكما أن كل جسم يصل إليه نور الشمس تتبدل ظلماته بالأضواء فكذلك كل عضو وصل إليه نور الروح انقلب حاله من الموت إلى الحياة.
قالوا: الأرواح أربعه أقسام: ((الأول: الأرواح المكدرة بالصفات البشرية, وهي أرواح العوام غلبتها القوى الحيوانية لا تقبل العروج.
والثاني: الأرواح التي لها كمال القوة النظرية للبدن باكتساب العلوم وهذه أرواح العلماء.
والثالث: الأرواح التي لها كمال القوة المدبرة للبدن باكتساب الأخلاق الحميدة, وهذه أرواح المرتاضين إذا كسروا قوى أبدانهم بالارتياض والمجاهدة.
والرابع: الأرواح التي حصل لها كمال القوتين وهذه غاية الأرواح البشرية وهي للأنبياء والصديقين, فلما ازداد قوة أرواحهم ازداد ارتفاع أبدانهم عن الأرض, ولهذا لما كان الأنبياء صلوات الله عليهم قويت فيهم هذه الأرواح عرج بهم إلى السماء, وأكملهم قوة نبينا ﷺ فعرج به إلى قاب قوسين أو أدنى.
الفصل الأول
الحديث الأول عن قتادة:
قوله: ((أسرى به)) صفة ليلة, أي أسرى به فيها, ونحوه في التقدير قوله تعالى: ﴿واتقوا يومًا لا تجزى نفس عن نفس شيئًا﴾ لا تجزى صفة ((يومًا)) أي لا تجزى فيه نفس.
قوله: ((أنا في الحطيم)) قض: الحطيم قيل: هو الحجر سمي حجرًا لأنه حجر عنه بحيطانه,
стр. 3078
أتاني آت, فشق ما بين هذه إلى هذه)) يعني من ثغرة نحره إلى شعرته ((فاستخرج قلبى, ثم أتيت بطست من ذهب مملوء إيمانًا, فغُسل قلبي, ثم حشي, ثم أعيد)) وفي رواية: ((ثم غسل البطن بماء زمزم, ثم مليء إيمانًا وحكمةً - ثم أتيت بدابَّة دون البغل وفوق الحمار, أبيض يقال له: البراق, يضع خطوه عند أقصى طرفه، فحملت عليه, فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا, فاستفتح, قيل: من هذا؟ قال: جبريلُ. قيل: ومن معك؟ قال: محمد, قيل: وقد أرسل إليه. قال: نعم قيل:
ــ
وحطيمًا لأنه حطم جداره عن مساواة الكعبة, وعليه ظاهر قوله: ((بينما أنا في الحطيم)) وربما قال: في الحجر, فلعله ﷺ حكى لهم قصة المعراج مرات, فعبر بالحطيم تاره وبالحجر أخرى.
وقيل: الحطيم غير الحجر وهو ما بين المقام إلى الباب, وقيل ما بين الركن والمقام والزمزم والحجر, والراوي شك في أنه سمع في الحطيم أو في الحجر.
قوله: ((إلى شعرته)) نه: الشعرة بالكسر العانة, منبت شعرها.
تو: ما ذكر في الحديث من شق النحر واستخراج القلب وما يجري مجراه فإن السبيل في ذلك التسليم دون التعرض بصرفه إلى وجه يتقوله متكلف ادعاء للتوفيق بين المنقول والمعقول تبرؤا مما يتوهم أنه محال, ونحن - بحمد الله- لا نرى العدول عن الحقيقة إلى المجاز في خبر الصادق عن الأمر المحال به عن القدرة.
قوله: مملوءه إيمانًا)) قض: لعله من باب التمثيل, ومثل له المعاني كما تمثل له أرواح الأنبياء الدارجة بالصور التي كانوا عليها.
قوله: ((عند أقصى طرفه)) أي أن البراق يضع خطوه عند غاية نظره لغاية سرعته في مشيه، سمي براقًا لبريق لونه وسرعة سيره كبرق السحاب.
مح: قالوا: هو اسم للدابة التي ركبها رسول الله ﷺ ليلة الإسراء.
قال الزبيدي في مختصر العين وصاحب التحرير: هي دابة كانت الأنبياء صلوات الله عليهم يركبونها, وهذا الذي قال يحتاج إلى نقل صحيح.
أقول: لعلهم حسبوا ذلك من قوله في حديث آخر: ((فربطته بالحلقة التي تربط بها الأنبياء)) أي ربطت البراق بالحلقة, وأظهر منه حديث أنس في الفصل الثاني لقول جبريل للبراق: ((فما ركبك أحد أكرم على الله منه)).
قوله: ((وقد أرسل إليه)) الواو للعطف, وحرف الاستثناء مقدر, أي أطلب وأرسل إليه؟.
مح: وفي رواية أخرى: ((وقد بعث إليه)) أي بعث إليه للإسراء وصعود السماوات, وليس
стр. 3079
مرحبًا به, فنعم المجيء جاء, ففتح فلما خلصت, فإذا فيها آدم, فقال: هذا أبوك آدم, فسلم عليه, فسلمت عليه, فرد السلام, ثم قال: مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح؛ ثم صعد بي حتى أتى السماء الثانية, فاستفتح قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل وقد أرسل اليه؟ قال: نعم, قيل: مرحبا به, فنعم المجيء جاء. ففتح. فلما خلصت إذا يحيى وعيسى وهما ابنا خالة, قال: هذا يحيى وهذا عيسى فسلم عليهما، فسلمت فردًا، ثم قالا: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صعد بي إلى السماء الثالثة, فاستفتح, قيل: من هذا؟ قال: جبريل قيل: ومن معك! قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه! قال: نعم. قيل: مرحبًا به فنعم المجيء جاء، ففُتح، فلما خلصتُ إذا يوسف, قال: هذا يوسف, فسلم عليه, فسلمت عليه, فردَّ. ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح؛ ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة, فاستفتح, قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال:
ــ
مراده الاستفهام عن أصل البعثة والرسالة فإن ذلك لا يخفي على الملائكة إلى هذه المدة, وهذا هو الصحيح. قال القاضي عياض: وفي هذا أن للسماء أبوابًا حقيقية وحفظة موكلين بها وفيه إثبات الاستئذان وأنه مما ينبغي أن يقال أنا زيد مثلا.
قض: أي أرسل إليه للعروج, وقيل: معناه أوحي إليه وبعث نبيًا, والأول أظهر, لأن أمر نبوته كان مشهورًا في الملكوت لا يكاد يخفي على خزان السموات وحراسها وأوفق للاستفتاح والاستئذان, ولذلك تكرر معه, وتحت هذه الكلمات ونظائرها أسرار يتفطن لها من فتحت بصيرته واشتعلت قريحته.
وقيل: كان سؤالهم للاستعجاب بما أنعم الله عليه, أو للاستبشار بعروجه إليه, إذا كان من البين عندهم أن أحدًا من البشر لا يترقى إلى أسباب السموات من غير أن يأذن الله له ويأمر ملائكته بإصعاده, فإن جبريل لا يصعد بمن لا يرسل إليه, ولا يستفتح له أبواب السماء.
تو: وأمر بالتسليم عليهم لأنه كان عابرًا عليهم، وكان في حكم القيام وكانوا في حكم القعود, والقائم يسلم على القاعد وإن كان أفضل منه, وكيف لا؟ والحديث دل على أنه أعلى رتبة وأقوى حالا وأتم رؤية وعروجا, ورؤيته الأنبياء في السموات وفي بيت المقدس حيث أمَّهم يحمل على رؤية روحانياتهم الممثلة بصورهم التي كانوا عليها, غير عيسى ﵊ فإن رؤيته محتملة للأمرين أو أحدهما, وأن ما ذكره من بكاء موسى ﵊ فإنه يحمل على الرقة لقومه والشفقة عليهم حيث لم ينتفعوا بمتابعته انتفاع هذه الأمة بمتابعة نبيهم,
стр. 3080
محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به فنعم المجيء جاء, ففتح فلما خلصت فإذا إدريس, فقال: هذا إدريس, فسلم عليه, فسلمت عليه, فردَّ, ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح؛ ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة, فاستفتح, قيل: من هذا. قال: جبريل قيل: ومن معك؟ قال: محمد, قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به فنعم المجيء جاء, ففتح, فلما خلصت, فإذا هارون, قال: هذا هارون فسلم عليه, فسلمت عليه، فردَّ, ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح؛ ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة, فاستفتح, قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قال: مرحبًا به فنعم المجيء جاء, فلما خلصتُ فإذا موسى, قال: هذا موسى, فسلم عليه, فسلمت عليه, فردَّ, ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح, فلما جاوزت بكى, قيل: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلامًا بُعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي, ثم صعد بي إلى السماء السابعة, فاستفتح جبريل, قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد.
ــ
ولم يبلغ سوادهم, ولا يصح أن يحمل إلا على هذا الوجه أو ما يضاهي ذلك, فإن الحسد في ذلك العالم منزوع من عوام المؤمنين فضلا على من اختاره الله لرسالته واصطفاه لمكالمته.
وقوله: ((لأن غلامًا بعث بعدي)) لم يرد بذلك استصغار شأنه, فإن الغلام قد يطلق ويراد به القوي الطري الشباب, والمراد منه استصغار مدته مع استكثار فضائله واستتمام سواد أمته.
قوله: ((فنعم المجيء جاء)) مظ: المخصوص بالمدح محذوف وفيه تقديم وتأخير تقديره: جاء فنعم المجيء مجيئه.
قال المالكي: في قول الملك: ((نعم المجيء جاء)) شاهد على الاستغناء بالصلة عن الموصول والصفة عن الموصوف في باب ((نعم)) لأنها تحتاج إلى فاعل عن المجيء وإلى مخصوص بمعناها, وهو مبتدأ مخبر عنه بنعم وفاعلها, وهو في هذا الكلام وشبهه موصول أو موصوف بجاء, والتقدير: نعم المجيء الذي جاء, أو: نعم المجيء مجيء جاء, وكونه موصولاً أجود لأنه مخبر عنه, وكون المخبر عنه معرفة أولى عن كونه نكرة.
стр. 3081
قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به فنعم المجيء جاء, فلما خلصت, فإذا إبراهيم, قال: هذا أبوك إبراهيم, فسلم عليه, فسلمت عليه, فرد السلام. ثم قال: مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح, ثم رفعتُ إلى سدرة المنتهى, فإذا نبقها مثل قلال هجر, وإذا ورقها مثل آذان الفيلة, قال: هذا سدرة المنتهى, فإذا أربعة أنهار: نهران باطنان ونهران ظاهران قلت: ما هذان يا جبريل؟ قال: أمَّا الباطنان فنهران في الجنة، وأمَّا الظاهران فالنيل والفرات, ثم رفع لى البيت المعمور, ثم أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل, فأخذت اللبن, فقال: هي الفطرة أنت عليها وأمتك, ثم فرضت علىَّ الصلاة خمسين صلاة كل يوم, فرجعت فمررت على موسى, فقال: بما أُمرتَ؟ قلت: أُمرتُ بخمسين صلاة كل يوم. قال: إن أمتك: لا تستطع خمسين صلاة كل يوم, وإني والله قد جربت الناس قبلك, وعالجت بني
ــ
قوله: ((ثم رفعت إلى سدرة المنتهى)) تو: الرفع تقريبك الشيء, وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وفرش مرفوعة﴾ أي مقربة لهم, وكأنه أراد سدرة المنتهى استبينت له نعوتها كل الاستبانة حتى اطلع عليها كل الاطلاع بمثابة الشيء المقرب إليه, وفي معناه: ((رفع لي البيت المعمور)) و ((رفع لي بيت المقدس)).
مح: سميت ((سدرة المنتهى)) لأن علم الملائكة ينتهي إليها, ولم يجاوزها أحد إلا رسول الله ﷺ .
وحكى عن عبد الله بن مسعود أنها سميت بذلك لأنه ينتهي إليها, ما يهبط من فوقها وما يصعد من تحتها من أمر الله ﵎.
قوله: ((فإذا نبقها)) تو: النبق بكسر الباء حمل السدر ويخفف أيضًا, الواحدة نبقة.
قوله: ((نهران باطنان)) مح: قال مقاتل: الباطنان هو السلسبيل والكوثر, والظاهران النيل والفرات, يخرجان من أصلها ثم يسيران حيث أراد الله تعالى, ثم يخرجان من الأرض ويسيران فيها, وهذا لا يمنعه شرع ولا عقل وهذا ظاهر الحديث فوجب المصير إليه.
قوله: ((وعالجت بني إسرائيل)) تو: أي مارستهم ولقيت الشدة فيما أردت منهم من الطاعة, والمعالجة مثل المزاولة والمحاولة.
стр. 3082
إسرائيل أشد المعالجة, فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك, فرجعت فوضع عني عشرًا, فرجعت إلى موسى فقال مثله, فرجعت فوضع عني عشرًا, فرجعت إلى موسى فقال مثله, فرجعت فوضع عني عشرًا, فرجعت إلى موسى فقال مثله, فرجعت فوضع عني عشرًا, فأمرت بعشر صلوات كل يوم, فرجعت إلى موسى فقال مثله, فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم فرجعت إلى موسى فقال: بما أمرت؟ قلت: أمرت بخمس صلوات كل يوم قال: إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم, وإني قد جربت الناس قبلك, وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة, فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك, قال: سألت ربي حتى استحييتُ؛ ولكني أرضي وأسلم. قال: فلما جاوزت, نادى مناد, أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي)). متفق عليه.
٥٨٦٣ - وعن ثابت البناني, عن أنس, أن رسول الله ﷺ قال: ((أتيت بالبراق, وهو دابة أبيض طويل, فوق الحمار ودون البغل, يضع حافره عند منتهى طرفه, فركبته حتى أتيت بيت المقدس, فربطته بالحلقه التي تربط بها الأنبياء)) قال: ((ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين, ثم خرجت فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء
ــ
قوله: ((ولكني أرضي وأسلم)) فإن قلت: حق ((لكن)) أن تقع بين لامين متغايرين معنى فما وجهه هاهنا؟.
قلت: تقدير الكلام هنا: حتى استحييت فلا أرجع فإني إذا رجعت كنت غير راض ولا مسلم, ولكني أرضي وأسلم.
خط: مراجعة النبي ﷺ في باب الصلاة كانت إنما جاءت بين رسولنا محمد وموسى صلوات الله عليهما, لأنهما عرفا أن الأمر الأول غير واجب قطعًا, فلو كان واجبًا قطعًا لما صدرت منهما المراجعة، فصدور المراجعة دليل على أن ذلك غير واجب قطعًا، لأن ما كان واجبًا قطعًا لا يقبل التخفيف.
وقيل: في الأول فرض خمسين, ثم رحم عباده ونسخها بخمس, كآية الرضاع وعدة المتوفي عن زوجها, وفيه دليل على أنه يجوز نسخ الشيء قبل وقوعه.
الحديث الثاني عن ثابت:
قوله: ((شطر الحسن)) مظ: أي نصف الحسن, وقيل: البعض, لأن الشطر كما يراد به نصف الشيء قد يراد به بعضه مطلقًا.
стр. 3083
من لبن, فاخترت اللبن, فقال جبريل: اخترت الفطرة, ثم عرج بنا إلى السماء)). وساق مثل معناه. قال: ((فإذا أنا بآدم, فرحب بي ودعا لى بخير)). وقال في السماء الثالثة: ((فإذا أنا بيوسف, إذا هو قد أعطى شطر الحسن, فرحب بي ودعا لي بخير)). ولم يذكر بكاء موسى. وقال في السماء السابعة: ((فإذا أنا بإبراهيم مسندًا ظهره إلى البيت المعمور, وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك, لا يعودون إليه, ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى فإذا ورقها كآذان الفيلة, وإذا ثمرها كالقلال, فلما غشيها من أمر الله ما غشى تغيرت, فما أحدٌ من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها, وأوحى إليَّ ما أوحى, ففرض على خمسين صلاة في كل يوم وليلة, فنزلت إلى موسى, فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة في كل يوم وليلة قال: ارجع إلى ربك فسله التخفيف, فإن أمتك لا تطيق ذلك, فإني بلوت بني
ــ
أقول: وقد يراد به الجهة أيضًا, نحو قوله تعالى: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ أي إلى جهة من الحسن ومسحة منه, كما يقال: عليه مسحة ملك ومسحة جمال, أي: أثر ظاهر, ولا يقال ذلك إلا في المدح.
وقوله: ((إذ هو قد أعطي)) بدل من الأول في معنى بدل الاشتمال.
قوله: ((مسندا)) منصوب على الحال في صحيح مسلم وشرحه وشرح السنة, وفي المصابيح مرفوع وهو على حذف المبتدأ.
وقوله: ((لا يعودون إليه)) الضمير المجرور فيه عائد على البيت المعمور, أي يدخلون فيه ذاهبين غير عائدين أبدًا لكثرتهم.
قوله: ((فلما غشيها من أمر الله ما غشى)) قيل فراش من ذهب.
قض: ولعله مثل ما يغشى الأنوار التي تنبعث منها ويتساقط على موقعها بالفراش, وجعلها من الذهب لصفاءها وإضاءتها في نفسها.
قوله: ((بين ربي وبين موسى)) مح: معناه بين الموضع الذي ناجيته فيه أولا فناجيته فيه ثانيًا, وبين موضع ملاقاة موسى أولا.
قوله: ((إنهن خمس)) الضمير فيه مبهم يفسره الخبر كقوله:
هي النفس ما حملتها تتحمل.
стр. 3084
إسرائيل وخبرتهم قال: ((فرجعت إلى ربي, فقلت: يا رب! خفف عن أمتي فحط عني خمسًا, فرجعت إلى موسى, فقلت: حط عني خمسًا. قال: إن أمتك لا تطيق ذلك, فارجع إلى ربك فسله التخفيف)).قال: ((فلم أزل أرجع بين ربي وبين موسى, حتى قال يا محمد! إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة, لكل صلاة عشر, فذلك خمسون صلاة، من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة, فإن عملها كتبت له عشرًا, ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب له شيئًا فإن عملها كتبت له سيئة واحدة)) قال: ((فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته فقال: ارجع إلى ربك فسله التخفيف)) فقال رسول الله ﷺ : ((فقلت: قد رجعتُ إلى ربي حتى استحييت منه)). رواه مسلم.
٥٨٦٤ - وعن ابن شهاب, عن أنس, قال: كان أبو ذر يحدث أن رسول الله ﷺ قال: ((فرج عني سقف بيتي, وأنا بمكة, فنزل جبريل, ففرج صدري, ثم غسله بماء زمزم, ثم جاء بطست من ذهب ممتليء حكمة وإيمانًا. فأفرغه في صدري ثم أطبقه. ثم أخذ بيدي. فعرج بي إلى السماء فلما جئت إلى السماء الدنيا. قال جبريل لخازن السماء: افتح. قال من هذا؟ قال: جبريل قال هل معك أحد؟ قال: نعم معي محمد ﷺ : فقال أُرسل إليه؟ قال: نعم, فلما فُتح علونا السماء الدنيا, إذا رجلٌ
ــ
قوله: ((كتبت له حسنة)) كتب مبني على المفعول, والضمير فيه راجع إلى قوله: ((بحسنة)) وحسنة وضعت موضع المصدر, أي كتبت الحسنة كتابة واحدة, وكذا عشرًا, وكذا شيئًا منصوبان على المصدر, كذا في مسلم وجامع الأصول وشرح السنة, وفي بعض نسخ المصابيح:
((حسنة)) و ((عشر)) مرفوعان وهو غلط من الناسخ.
الحديث الثالث عن ابن شهاب:
قوله: ((فرج عني سقف بيتي)) فإن قيل: قد روى أنس في حديث المعراج عن مالك بن صعصعة عن النبي ﷺ : ((بينما أنا في الحطيم)) أو ((في الحجر)) وفي هذا الحديث قال: ((فرج عني سقف بيتي؟)).
قلت: كان لرسول الله ﷺ معراجان)) أحدهما حال اليقظة على ما رواه مالك, والثاني: في النوم.
ولعله ﷺ أراد ببيتي بيت أم هانيء, إذ روى أيضًا الإسراء منه, فأضافه إلى نفسه تارة لأنه ساكنه, وإليها أخرى لأنها صاحبته.
стр. 3085
قاعدٌ, على يمينه أسودةٌ, وعلى يساره أسودةٌ إذا نظر قبل يمينه ضحك, وإذا نظر قبل شماله بكى فقال مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح, قلت: لجبريل: من هذا؟ قال: هذا آدم هذه الأسودة عن يمينه وعن شماله نسم بنيه, فأهل اليمين منهم أهل الجنة والأسودة التي عن شماله أهل النار, فإذا نظر عن يمينه ضحك. وإذا نظر قبل شماله بكى, حتى عرج بي إلى السماء الثانية, فقال لخازنها: افتح فقال له خازنها مثل ما قال الأول)) قال أنس: فذكر أنه وجد في السموات آدم, وإدريس, وموسى وعيسى, وإبراهيم, ولم يثبت كيف منازلهم, غير أنه ذكر أنه وجد آدم في السماء الدنيا, وإبراهيم في السماء السادسة, قال ابن شهاب: فأخبرني ابن حزم أن ابن عباس وأبا حبة الأنصاري كانا يقولان: قال النبي ﷺ : ((ثم عرج بي, حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام)) وقال ابن حزم وأنس: قال النبي ﷺ : ((ففرض الله على أمتي خمسين صلاة فرجعت بذلك, حتى مررت على موسى فقال: ما فرض الله
ــ
قوله: ((وأباحبة الأنصاري)) بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة, كذا في شرح السنة, وفي المصابيح: بالياء.
مح: بالحاء المهملة والباء الموحدة هكذا ضبطناه هنا: وفي ضبطه واسمه اختلاف, قيل: حية بالياء المثناة تحت, وقيل: بالنون, والأصح ما ذكرناه, وقد اختلف في اسمه فقيل: عامر, وقيل: مالك, وقيل: ثابت.
قوله: ((ظهرت لمستوى)) مح: أي علوت, والمستوى بفتح الواو, وقال الخطابي: المراد به المصعد, وقيل: المكان المستوي.
و ((صريف الأقلام)) بالصاد المهملة صوت ما تكتبه الملائكة من أقضية الله تعالى ووحيه, وما ينسخونه من اللوح المحفوظ, أو ما شاء الله تعالى من ذلك أن يكتب ويرفع لما أراده الله من أمره وتدبيره.
قال القاضي: هذا حجة لمذهب أهل السنة في الإيمان بصحة كتابه الوحي والمقادير في كتب الله تعالى من اللوح المحفوظ بالأقلام التي هو تعالى يعلم كيفيتها على ما جاءت به الآيات, لكن كيفية ذلك وصورته مما لا يعلمه إلا الله تعالى, وما يتأول هذا ويحيله عن ظاهره إلا ضعيف النظر والإيمان إذا جاءت به الشريعة ودلائل العقول لا تحيله.
((تو)) قوله: ((لمستوى)) اللام فيه للعلة, أي علوت لاستعلاء مستوى, أو لرؤيته أو لمطالعته, ويحتمل أن يكون متعلقًا بالمصدر, أي ظهرت ظهورًا لمستوى, ويحتمل أن يكون بمعنى إلى,
следующие страницы →