Полный текст (3 308 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.
стр. 3081
قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به فنعم المجيء جاء, فلما خلصت, فإذا إبراهيم, قال: هذا أبوك إبراهيم, فسلم عليه, فسلمت عليه, فرد السلام. ثم قال: مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح, ثم رفعتُ إلى سدرة المنتهى, فإذا نبقها مثل قلال هجر, وإذا ورقها مثل آذان الفيلة, قال: هذا سدرة المنتهى, فإذا أربعة أنهار: نهران باطنان ونهران ظاهران قلت: ما هذان يا جبريل؟ قال: أمَّا الباطنان فنهران في الجنة، وأمَّا الظاهران فالنيل والفرات, ثم رفع لى البيت المعمور, ثم أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل, فأخذت اللبن, فقال: هي الفطرة أنت عليها وأمتك, ثم فرضت علىَّ الصلاة خمسين صلاة كل يوم, فرجعت فمررت على موسى, فقال: بما أُمرتَ؟ قلت: أُمرتُ بخمسين صلاة كل يوم. قال: إن أمتك: لا تستطع خمسين صلاة كل يوم, وإني والله قد جربت الناس قبلك, وعالجت بني
ــ
قوله: ((ثم رفعت إلى سدرة المنتهى)) تو: الرفع تقريبك الشيء, وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وفرش مرفوعة﴾ أي مقربة لهم, وكأنه أراد سدرة المنتهى استبينت له نعوتها كل الاستبانة حتى اطلع عليها كل الاطلاع بمثابة الشيء المقرب إليه, وفي معناه: ((رفع لي البيت المعمور)) و ((رفع لي بيت المقدس)).
مح: سميت ((سدرة المنتهى)) لأن علم الملائكة ينتهي إليها, ولم يجاوزها أحد إلا رسول الله ﷺ .
وحكى عن عبد الله بن مسعود أنها سميت بذلك لأنه ينتهي إليها, ما يهبط من فوقها وما يصعد من تحتها من أمر الله ﵎.
قوله: ((فإذا نبقها)) تو: النبق بكسر الباء حمل السدر ويخفف أيضًا, الواحدة نبقة.
قوله: ((نهران باطنان)) مح: قال مقاتل: الباطنان هو السلسبيل والكوثر, والظاهران النيل والفرات, يخرجان من أصلها ثم يسيران حيث أراد الله تعالى, ثم يخرجان من الأرض ويسيران فيها, وهذا لا يمنعه شرع ولا عقل وهذا ظاهر الحديث فوجب المصير إليه.
قوله: ((وعالجت بني إسرائيل)) تو: أي مارستهم ولقيت الشدة فيما أردت منهم من الطاعة, والمعالجة مثل المزاولة والمحاولة.
стр. 3082
إسرائيل أشد المعالجة, فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك, فرجعت فوضع عني عشرًا, فرجعت إلى موسى فقال مثله, فرجعت فوضع عني عشرًا, فرجعت إلى موسى فقال مثله, فرجعت فوضع عني عشرًا, فرجعت إلى موسى فقال مثله, فرجعت فوضع عني عشرًا, فأمرت بعشر صلوات كل يوم, فرجعت إلى موسى فقال مثله, فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم فرجعت إلى موسى فقال: بما أمرت؟ قلت: أمرت بخمس صلوات كل يوم قال: إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم, وإني قد جربت الناس قبلك, وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة, فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك, قال: سألت ربي حتى استحييتُ؛ ولكني أرضي وأسلم. قال: فلما جاوزت, نادى مناد, أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي)). متفق عليه.
٥٨٦٣ - وعن ثابت البناني, عن أنس, أن رسول الله ﷺ قال: ((أتيت بالبراق, وهو دابة أبيض طويل, فوق الحمار ودون البغل, يضع حافره عند منتهى طرفه, فركبته حتى أتيت بيت المقدس, فربطته بالحلقه التي تربط بها الأنبياء)) قال: ((ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين, ثم خرجت فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء
ــ
قوله: ((ولكني أرضي وأسلم)) فإن قلت: حق ((لكن)) أن تقع بين لامين متغايرين معنى فما وجهه هاهنا؟.
قلت: تقدير الكلام هنا: حتى استحييت فلا أرجع فإني إذا رجعت كنت غير راض ولا مسلم, ولكني أرضي وأسلم.
خط: مراجعة النبي ﷺ في باب الصلاة كانت إنما جاءت بين رسولنا محمد وموسى صلوات الله عليهما, لأنهما عرفا أن الأمر الأول غير واجب قطعًا, فلو كان واجبًا قطعًا لما صدرت منهما المراجعة، فصدور المراجعة دليل على أن ذلك غير واجب قطعًا، لأن ما كان واجبًا قطعًا لا يقبل التخفيف.
وقيل: في الأول فرض خمسين, ثم رحم عباده ونسخها بخمس, كآية الرضاع وعدة المتوفي عن زوجها, وفيه دليل على أنه يجوز نسخ الشيء قبل وقوعه.
الحديث الثاني عن ثابت:
قوله: ((شطر الحسن)) مظ: أي نصف الحسن, وقيل: البعض, لأن الشطر كما يراد به نصف الشيء قد يراد به بعضه مطلقًا.
стр. 3083
من لبن, فاخترت اللبن, فقال جبريل: اخترت الفطرة, ثم عرج بنا إلى السماء)). وساق مثل معناه. قال: ((فإذا أنا بآدم, فرحب بي ودعا لى بخير)). وقال في السماء الثالثة: ((فإذا أنا بيوسف, إذا هو قد أعطى شطر الحسن, فرحب بي ودعا لي بخير)). ولم يذكر بكاء موسى. وقال في السماء السابعة: ((فإذا أنا بإبراهيم مسندًا ظهره إلى البيت المعمور, وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك, لا يعودون إليه, ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى فإذا ورقها كآذان الفيلة, وإذا ثمرها كالقلال, فلما غشيها من أمر الله ما غشى تغيرت, فما أحدٌ من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها, وأوحى إليَّ ما أوحى, ففرض على خمسين صلاة في كل يوم وليلة, فنزلت إلى موسى, فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة في كل يوم وليلة قال: ارجع إلى ربك فسله التخفيف, فإن أمتك لا تطيق ذلك, فإني بلوت بني
ــ
أقول: وقد يراد به الجهة أيضًا, نحو قوله تعالى: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ أي إلى جهة من الحسن ومسحة منه, كما يقال: عليه مسحة ملك ومسحة جمال, أي: أثر ظاهر, ولا يقال ذلك إلا في المدح.
وقوله: ((إذ هو قد أعطي)) بدل من الأول في معنى بدل الاشتمال.
قوله: ((مسندا)) منصوب على الحال في صحيح مسلم وشرحه وشرح السنة, وفي المصابيح مرفوع وهو على حذف المبتدأ.
وقوله: ((لا يعودون إليه)) الضمير المجرور فيه عائد على البيت المعمور, أي يدخلون فيه ذاهبين غير عائدين أبدًا لكثرتهم.
قوله: ((فلما غشيها من أمر الله ما غشى)) قيل فراش من ذهب.
قض: ولعله مثل ما يغشى الأنوار التي تنبعث منها ويتساقط على موقعها بالفراش, وجعلها من الذهب لصفاءها وإضاءتها في نفسها.
قوله: ((بين ربي وبين موسى)) مح: معناه بين الموضع الذي ناجيته فيه أولا فناجيته فيه ثانيًا, وبين موضع ملاقاة موسى أولا.
قوله: ((إنهن خمس)) الضمير فيه مبهم يفسره الخبر كقوله:
هي النفس ما حملتها تتحمل.
стр. 3084
إسرائيل وخبرتهم قال: ((فرجعت إلى ربي, فقلت: يا رب! خفف عن أمتي فحط عني خمسًا, فرجعت إلى موسى, فقلت: حط عني خمسًا. قال: إن أمتك لا تطيق ذلك, فارجع إلى ربك فسله التخفيف)).قال: ((فلم أزل أرجع بين ربي وبين موسى, حتى قال يا محمد! إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة, لكل صلاة عشر, فذلك خمسون صلاة، من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة, فإن عملها كتبت له عشرًا, ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب له شيئًا فإن عملها كتبت له سيئة واحدة)) قال: ((فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته فقال: ارجع إلى ربك فسله التخفيف)) فقال رسول الله ﷺ : ((فقلت: قد رجعتُ إلى ربي حتى استحييت منه)). رواه مسلم.
٥٨٦٤ - وعن ابن شهاب, عن أنس, قال: كان أبو ذر يحدث أن رسول الله ﷺ قال: ((فرج عني سقف بيتي, وأنا بمكة, فنزل جبريل, ففرج صدري, ثم غسله بماء زمزم, ثم جاء بطست من ذهب ممتليء حكمة وإيمانًا. فأفرغه في صدري ثم أطبقه. ثم أخذ بيدي. فعرج بي إلى السماء فلما جئت إلى السماء الدنيا. قال جبريل لخازن السماء: افتح. قال من هذا؟ قال: جبريل قال هل معك أحد؟ قال: نعم معي محمد ﷺ : فقال أُرسل إليه؟ قال: نعم, فلما فُتح علونا السماء الدنيا, إذا رجلٌ
ــ
قوله: ((كتبت له حسنة)) كتب مبني على المفعول, والضمير فيه راجع إلى قوله: ((بحسنة)) وحسنة وضعت موضع المصدر, أي كتبت الحسنة كتابة واحدة, وكذا عشرًا, وكذا شيئًا منصوبان على المصدر, كذا في مسلم وجامع الأصول وشرح السنة, وفي بعض نسخ المصابيح:
((حسنة)) و ((عشر)) مرفوعان وهو غلط من الناسخ.
الحديث الثالث عن ابن شهاب:
قوله: ((فرج عني سقف بيتي)) فإن قيل: قد روى أنس في حديث المعراج عن مالك بن صعصعة عن النبي ﷺ : ((بينما أنا في الحطيم)) أو ((في الحجر)) وفي هذا الحديث قال: ((فرج عني سقف بيتي؟)).
قلت: كان لرسول الله ﷺ معراجان)) أحدهما حال اليقظة على ما رواه مالك, والثاني: في النوم.
ولعله ﷺ أراد ببيتي بيت أم هانيء, إذ روى أيضًا الإسراء منه, فأضافه إلى نفسه تارة لأنه ساكنه, وإليها أخرى لأنها صاحبته.
стр. 3085
قاعدٌ, على يمينه أسودةٌ, وعلى يساره أسودةٌ إذا نظر قبل يمينه ضحك, وإذا نظر قبل شماله بكى فقال مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح, قلت: لجبريل: من هذا؟ قال: هذا آدم هذه الأسودة عن يمينه وعن شماله نسم بنيه, فأهل اليمين منهم أهل الجنة والأسودة التي عن شماله أهل النار, فإذا نظر عن يمينه ضحك. وإذا نظر قبل شماله بكى, حتى عرج بي إلى السماء الثانية, فقال لخازنها: افتح فقال له خازنها مثل ما قال الأول)) قال أنس: فذكر أنه وجد في السموات آدم, وإدريس, وموسى وعيسى, وإبراهيم, ولم يثبت كيف منازلهم, غير أنه ذكر أنه وجد آدم في السماء الدنيا, وإبراهيم في السماء السادسة, قال ابن شهاب: فأخبرني ابن حزم أن ابن عباس وأبا حبة الأنصاري كانا يقولان: قال النبي ﷺ : ((ثم عرج بي, حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام)) وقال ابن حزم وأنس: قال النبي ﷺ : ((ففرض الله على أمتي خمسين صلاة فرجعت بذلك, حتى مررت على موسى فقال: ما فرض الله
ــ
قوله: ((وأباحبة الأنصاري)) بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة, كذا في شرح السنة, وفي المصابيح: بالياء.
مح: بالحاء المهملة والباء الموحدة هكذا ضبطناه هنا: وفي ضبطه واسمه اختلاف, قيل: حية بالياء المثناة تحت, وقيل: بالنون, والأصح ما ذكرناه, وقد اختلف في اسمه فقيل: عامر, وقيل: مالك, وقيل: ثابت.
قوله: ((ظهرت لمستوى)) مح: أي علوت, والمستوى بفتح الواو, وقال الخطابي: المراد به المصعد, وقيل: المكان المستوي.
و ((صريف الأقلام)) بالصاد المهملة صوت ما تكتبه الملائكة من أقضية الله تعالى ووحيه, وما ينسخونه من اللوح المحفوظ, أو ما شاء الله تعالى من ذلك أن يكتب ويرفع لما أراده الله من أمره وتدبيره.
قال القاضي: هذا حجة لمذهب أهل السنة في الإيمان بصحة كتابه الوحي والمقادير في كتب الله تعالى من اللوح المحفوظ بالأقلام التي هو تعالى يعلم كيفيتها على ما جاءت به الآيات, لكن كيفية ذلك وصورته مما لا يعلمه إلا الله تعالى, وما يتأول هذا ويحيله عن ظاهره إلا ضعيف النظر والإيمان إذا جاءت به الشريعة ودلائل العقول لا تحيله.
((تو)) قوله: ((لمستوى)) اللام فيه للعلة, أي علوت لاستعلاء مستوى, أو لرؤيته أو لمطالعته, ويحتمل أن يكون متعلقًا بالمصدر, أي ظهرت ظهورًا لمستوى, ويحتمل أن يكون بمعنى إلى,
стр. 3086
لك على أمتك؟ قلت: فرض خمسين صلاة قال: فارجع إلى ربك، فإن أمتك لا تطيق فراجعت، فوضع شطرها فرجعت إلى موسى، فقلت: وضع شطرها، فقال: راجع ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجعته؛ فقال: هي خمس وهي خمسون، لا يبدل القول لدي، فرجعت إلى موسى فقال: راجع بك فقلت: استحييت من ربي، ثم انطلق بي حتى انتهى بي إلى سدرة المنتهى، وغشيها ألوان لا أدري ما هي؟ ثم أدخلت الجنة فإذا هي جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك)) متفق عليه.
٥٨٦٥ - وعن عبد الله، قال: لما أسري برسول الله ﷺ انتهى به إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السادسة، إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض فيقبض منها،
ــ
قال الله تعالى: ﴿أوحي لها﴾ أي إليها، والمعنى أني إنما قمت مقاماً بلغت فيه من رفعة المحل إلى حيث طلعت على الكوائن وظهر لي ما يراد من أمر الله وتدبيره في خلقه، وهذا والله هو المنتهى الذي لا تقدم فيه لأحد عليه.
أقول: لام الغرض وإلى الغاية يلتقيان في المعنى.
الكشاف في قوله تعالى: ﴿كل يجري إلى أجل مسمى﴾ فإن قلت: يجري لأجل مسمى ويجري إلى أجل مسمى أهو من تعاقب الحرفين؟
قلت: كلا، ولا يسلك هذه الطريقة إلا بليد الطبع ضيق الطعن، ولكن المعنيين- أعني: الانتهاء والاختصاص- كل واحد منهما ملائم لصحة الغرض، لأن قولك: ((يجري إلى أجل مسمى)) معناه يبلغه وينتهي إليه، وقولك: ((يجري لأجل مسمى)) يريد يجري لإدراك أجل مسمى.
وقوله: ((لا يبدل القول لدي)) يحتمل أن يراد أني ساويت بين الخمس والخمسين في الثواب وهذا القول غير مبدل، أو جعلت الخمسين خمساً ولا تبديل فيه.
وقوله: ((استحييت من ربي)) لا يناسب المعنى الثاني.
و ((الجنابذ)) جمع جنبذة وهي القبة.
الحديث الرابع عن عبد الله بن مسعود ﵁:
قوله: ((في السماء السادسة)) هكذا هو في جامع الأصول.
قال القاضي عياض: كونها في السماء السابعة هو الأصح وقول الأكثرين، وهو الذي يقتضيه المعنى وتسميتها بالمنتهى.
стр. 3087
وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها، قال: ﴿إذ يغشى السدرة ما يغشى﴾. قال: فراش من ذهب، قال: فأعطني رسول الله ﷺ ثلاثاً: أعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لا يشرك بالله من أمته شيئاً المقحمات. رواه مسلم.
ــ
قال الشيخ محيي الدين: ويمكن أن يجمع بينهما، فيكون أصلها في السادسة ومعظمها في السابعة، فقد علم أنها في نهاية من العظم.
وقد قال الخليل: السدرة في السماء السابعة وقد أظلت السموات والجنة.
وقد ذكر القاضي عياض أن مقتضى خروج النهرين الظاهرين النيل والفرات من أصل سدرة المنتهى أن يكون أصلها في الأرض، فإن سلم هذا أمكن حمله على ما ذكرناه.
و ((المقحمات)) بكسر الحاء الذنوب العظام والكبائر التي تهلك أصحابها وتوردهم النار.
والمراد بغفرانها أنه لا يخلد في النار بخلاف المشركين وليس المراد به لا يعذب أصلا، وقد علم من نصوص الشرع وإجماع أهل السنة إثبات عذاب العصاة من الموحدين.
قوله: ((فيقبض منها)) لعل القابض غير الصاعد بالأعمال من الملائكة وكذلك النازل.
قوله: ((فرا من ذهب)) فإن قلت: كيف التوفيق بين هذا وبين قوله في غير هذا الحديث: ((فغشيها ألوان لا أدري ما هي؟)).
قلت: قوله: ((غشيها ألوان لا أدري ما هي)) في موقع قوله: ﴿إذ يغشى السدرة ما يغشى﴾ في إرادة الإبهام للتفخيم والتهويل وإن كان معلوماً كما في قوله تعالى: ﴿فغشيهم من اليم ما غشيهم﴾ في حق فرعون، ثم قوله: ((فراش من ذهب)) بيان له.
قوله: ((خواتيم سورة البقرة)) تو: ليس معنى قوله: ((أعطى)) أنها أنزلت عليه، بل المعنى أنه استجيب له فيما لقن في الآيتين من قوله سبحانه ﴿غفرانك ربنا﴾ إلى قوله ﴿أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين﴾ ولمن يقوم بحقها من السائلين.
أقول: في كلامه إشعار بأن الإعطاء بعد الإنزال لأن المراد منه الاستجابة، والاستجابة مسبوقة بالطلب، والسورة مدنية والمعراج في مكة، ويمكن أن يقال: إن هذا من قبيل: ﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ والنزول بالمدينة من قبيل: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى﴾.
стр. 3088
٥٨٦٦ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ ((لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي، فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها، فكربت كرباً ما كربت مثله، فرفعه الله لي أنظر إليه، ما يسألوني عن شيء إلا أنبأتهم، وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، فإذا موسى قائم يصلي. فإذا رجل ضرب جعد كأنه من رجال شئونه، وإذا عيسى قائم يصلي، أقرب الناس به شبهاً عروة بن مسعود الثقفي، فإذا إبراهيم قائم يصلي، أشبه الناس به صاحبكم- يعني نفسه- فحانت الصلاة فأممتهم، فلما فرغت من الصلاة، قال لي قائل: يا محمد هذا مالك خازن النار فسلم عليه، فالتفت إليه فبدأني بالسلام)) رواه مسلم.
وهذا الباب خال عن: الفصل الثاني
ــ
وإنما أوثر الإعطاء لما عبر عنهما بكنز تحت العرش، وروينا عن أحمد بن حنبل عن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يعطهن نبي قبلي)) وكان لنبينا ﷺ مع الله تعالى مقامان يغبطان الأولون والآخرون. أحدهما في الدنيا ليلة المعراج، وثانيهما في العقبى وهو المقام المحمود، ولا أهتم فيهما بشأن إلا بشأن هذه الأمة المرحومة.
الحديث الخامس عن أبي هريرة ﵁:
قوله: ((من بيت المقدس ((مح)) فيه لغتان: فتح الميم وإسكان القاف وكسر الدال المخففة، والثانية: ضم الميم وفتح القاف والدال المشددة، ولم أضبطهما.
قوله: ((كرباً)) كذا في الصابيح، وفي شرح صحيح مسلم ((كربة)).
مح: الضمير في ((مثله)) يعود إلى معنى الكربة وهو الغم والهم، أو الشيء.
قال الجوهري: الكربة بالضم الغم الذي يأخذ النفس لشدته.
قوله: ((فرفعه الله لي)) أي رفع حجاب بيت المقدس لي لأنظر إليه.
قوله: ((قائم يصلي أشبه الناس)) أخبار متعاقبة لإبراهيم.
قوله: ((فأممتهم)) مح: قال القاضي عياض: فإن قيل: كيف رأى موسى ﵊ يصلي، وأم ﷺ الأنبياء في بيت المقدس ووجدهم على مراتبهم في السموات؟
والجواب: يحتمل أنه ﷺ رآهم وصلى بهم في بيت المقدس ثم صعدوا إلى السماء فوجدهم فيها، وأن يكون اجتماعه بهم وصلاته معهم بعد انصرافه ورجوعه عن سدرة المنتهى.
قوله: ((فبدأني بالسلام)) إنما بدأ بالسلام ليزيل ما استشعر من الخوف منه، بخلاف سلامه على الأنبياء ابتداء كما سبق.
стр. 3089
الفصل الثالث
٥٨٦٧ - عن جابر، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((لما كذبني قريش قمت في الحجر فجلى الله لي بيت المقدس، فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه)) متفق عليه.
(٧) باب في المعجزات
الفصل الأول
٥٨٦٨ - عن أنس بن مالك، أن أبا بكر الصديق [﵁] قال: نظرت إلى أقدام المشركين على رءوسنا ونحن في الغار، فقلت: يا رسول الله! لو أن أحدهم نظر إلى قدمه أبصرنا، فقال: ((يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟)). متفق عليه.
ــ
باب في المعجزات
المعجزة: مأخوذة من العجز الذي هو ضد القدرة، وفي التحقيق: المعجز فاعل العجز في غيره وهو اله ، وسميت دلالات صدق الأنبياء وإعلام الرسل معجزة لعجز المرسل إليهم عن معارضتها بمثلها، ودخلت الهاء فيها إما للمبالغة كعلامة ونسابة، وإما: أن تكون صفة لمحذوف كآية وعلامة.
الفصل الأول
الحديث الأول عن أنس ﵁:
قوله: ((ونحن في الغار)) الغار نقب في أعلى ثور، وهو جبل بيمين مكة على مسيرة ساعة.
قيل: طلع المشركون فوق الغار فأشفق أبو بكر على رسول الله ﷺ وقال: إن تصب اليوم ذهب دين الله تعالى، فقال ﷺ : ((وما ظنك باثنين الله ثالثهما)) أي: جاعلهما ثلاثة بضم نفسه تعالى إليهما في المعية المعنوية التي أشار إليها بقوله : ﴿إن الله معنا﴾ وهو من قوله تعالى: ﴿ثاني اثنين إذا هما في الغار ...﴾.
وروى أن النبي ﷺ قال: ((اللهم اعم أبصارهم)) فجعلوا يترددون حول الغار ولا يفطنون، قد أخذ الله بأبصارهم عنه.
فإن قلت: أي فرق بين هذا وبين قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى﴾.
стр. 3090
٥٨٦٩ - وعن البراء بن عازب، عن أبيه، أنه قال لأبي بكر: يا أبا بكر! حدثني كيف صنعتما حين سريت مع رسول الله ﷺ ؟ قال: أسرينا ليلتنا ومن الغد، حتى قام قائم الظهيرة وخلا الطريق لا يمر فيه أحد، فرفعت لنا صخرة طويلة، لها ظل لم يأت عليها الشمس، فنزلنا عندها وسويت للنبي ﷺ مكاناً بيدي ينام عليه، وبسطت عليه فروة، وقلت: نم يا رسول الله! وأنا أنفض ما حولك، فنام وخرجت أنفض ما حوله، فإذا أنا براع مقبل. قلت: أفي غنمك لبن؟ قال: نعم قلت: أفتحلب؟ قال: نعم فأخذ شاة فحلب في قعب كثبة من لبن، ومعي إداوة حملتها للنبي ﷺ يرتوي. فيها يشرب
ــ
قلت: بينهما بون بعيد، لأن معنى قوله: ﴿معكما﴾ أي ناصركما وحافظكما من مضرة فرعون، ومعنى قوله: ﴿الله ثالثهما﴾ أي الله تعالى جاعلهما ثلاثة، فيكون تعالى أحد الثلاثة، وأن كل واحد منهم مشترك فيما له وعليه من النصرة والخذلان.
فإن قلت: ما الفرق بين قوله: ((الله ثالثهما)). وبين قوله: ((ثالثهما الله))؟.
قلت: لا يقدم ما تقدم هنا إلا لنكتة سرية فإن قوله: ((الله ثالثهما)) يفيد أنهم مختصان بأن الله ثالثهما وليس بثالث غيرهما، وفي عكسه يفيد أن الله تعالى ثالثهما لا غيره، وكم بين العارتين.
الحديث الثاني عن البراء ﵁:
قوله: ((ومن الغد)) أي بعضه، أي أسرينا ليلتنا وبعض الغد، وهو من وادي: ((علفته تبنا وماء بارداً)) إذ الإسراء لا يكون إلا بالليل، وإنما ذكر ((ليلتنا)) ليدل به على أن الإسراء كان قد وقع طوال الليلة.
وقوله: ((قائم الظهيرة)) نه: أي قيام الشمس وقت الزوال، من قولهم: قامت به دابته، أي وقفت، والمعنى أن الشمس إذا بلغت وسط السماء أبطأت حركة الظل إلى أن تزول فيحسب الناظر المتأمل أنها قد وقفت وهي سائرة لكن سيراً لا يظهر له أثر سريع كما يظهر قبل الزوال وبعده، فيقال لذلك الوقوف المشاهد: قام قائم الظهيرة.
قوله: ((فرفعت لنا صخرة)) أي أظهرت، ومنه رفع الحديث وهو إذاعته وإظهاره.
قوله ((لم يأت عليها شمس)) بحيث يذهب بظلها، يعني كان ظلها ممدوداً ثابتاً.
قوله: ((وأنا أنفض ما حولك)) نه: أي أحرسك وأطواف هل أرى طلباً، يقال: نفضت المكان واستنفضته إذا نظرت جميع ما فيه، والنفضة بفتح الفاء وسكونها النفيضة قوم يبعثون متجسسين هل يرون عدواً أو خوفاً.
قوله: ((في قعب)) هو بفتح القاف قدح من خشب مقعر.
стр. 3091
ويتوضأ، فأتيت النبي ﷺ فكرهت أن أوقظه، فوافقته حتى استيقظ، فصببت من الماء على اللبن حتى برد أسفله، فقلت: اشرب يا رسول الله: فشرب حتى رضيت، ثم قال: ((ألم يأن للرحيل؟)) قلت: بلى قال: فارتحلنا بعدما مالت الشمس، وابتعنا سراقة ابن مالك، فقلت: أتينا يا رسول الله! فقال: ((لا تحزن إن الله معنا)) فدعا عليه النبي ﷺ ، فارتطمت به فرسه إلى بطنها في جلد من الأرض فقال: إني أراكما دعوتما علي، فادعوا لي، فالله لكما أن أرد عنكما الطلب، فدعا له النبي ﷺ فنجا، فجعل
ــ
وقيل: الكثبة من اللبن قدر حلبة، والكثبة كل قليل جمعته من طعام أو لبن أو غير ذلك، والجمع كثب.
و ((يرتوي فيها)) رويت من الماء بالكسر وارتويت وترويت كله بمعنى.
أقول: فعلى هذا ينبغي أن يقال: ((يرتوي منها)) لا ((فيها)).
مح: يرتوي فيها يستقي فيها، يعني جعل القدح آلة للري والسقي، ومنه الرواية وهي الإبل التي يستقي عليها الماء.
وقوله: ((يشرب ويتوضأ)) مستأنفتان لبيان الاعتمال في السقي.
قوله: ((فوافقته حتى استيقظ)) قض: يعني وافقته في النوم، أو تأنيت به حتى استيقظ، وفي بعض نسخ البخاري، ((حين استيقظ)) أي وافق إتياني وقت اسيتقاظه، ويؤيده ما روى: فوافقته وقد استيقظ.
قوله: ((فارتطمت به)) أي ساخت قوائمها كما تسوخ في الوحل.
و ((الجلد من الأرض)) الصلبة.
قوله: ((أن أرد عنكما)) شف: الجار محذوف تقديره: بأن أراد وقوله: ((فالله لكما)) حشو بينهما. ويمكن أن يقال: فالله مبتدأ، ولكما خبره، وقوله: ((أن أرد)) خبر ثان للمبتدأ.
وقال غيره: معناه فادعوا لي كيلا يرتطم فرسي على أن أترك طلبكما ولا أتبعكما بعد، ثم دعا لهما بقوله: ((فالله لكما)) أي الله حافظكما وناصركما حتى تبلغ بالسلامة إلى مقصدكما.
ويجوز أن يكون معناه: ادعوا لي حتى أنصرف عنكما، فإن الله قد تكفل بحفظكما عني وحبسني عن البلوغ إليكما.
أقول: الفاء في ((فالله)) تقتضي ترتيب ما بعدها عليه، و ((لكما)) خبر المبتدأ يقتضي متعلقاً بتعلق به هو وما بعده، فالتقدير: ادعوا لي بأن أتخلص مما أنا فيه فإنكما إن فعلتما فالله أشهد لأجلكما أن أراد عنكما الطلب.
стр. 3092
لا يلقى أحداً إلا قال: كفيتم، ما هاهنا، فلا يلقى أحداً إلا رده. متفق عليه.
٥٨٧٠ - وعن أنس، قال: سمع عبد الله بن سلام بمقدم رسول الله ﷺ وهو في أرض يخترف، فأتى النبي ﷺ فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: فما أول أشراط الساعة، وما أول طعام أهل الجنة، وما ينزع الولد، إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: ((أخبرني بهن جبريل آنفا؛ أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب. وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة نزعت)). قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. يا رسول الله! إن اليهود قوم بهت، وإنهم إن يعلموا بإسلامي من قبل أن
ــ
ويؤيد هذا التقرير ما في شرح السنة: ((والله)) على القسم، أي أقسم بالله لكما على أن أرد الطلب عنكما.
قوله: ((فجعل لا يلقى أحداً)) أي فشرع فيما وعد من رد من لقي.
قوله: ((ما هاهنا)) بمعنى الذي، أي كفيتم الذي هنا، والمعنى كفيتم الطلب في هذا الجانب لأني كفيتكم ذلك.
مح: فيه فوائد:
منها: هذه المعجزة الظاهرة لرسول الله ﷺ ، وفضيلة ظاهرة لأبي بكر ﵁ من وجوه.
وفيه: خدمة التابع للمتبوع واستصحاب الركوة ونحوها في السفر للطهارة والشرب.
وفيه: فضل التوكل على الله تعالى وحسن عاقبته.
الحديث الثالث عن أنس ﵁:
قوله: ((يخترف)) أي يجتني.
قوله: ((وما ينزع الولد)) أي ما سبب نزوع الولد وميله إلى أحد أبويه، فحذف المضاف وأن المصدرية من المضارع، كما في قولك: ((أحضر الوغي)).
خط: ((سبق)) إذا علا وغلب، يقال: نزع الولد إلى أبيه إذا أشبهه- ذكره في الغريبين- يعني إذا غلب ماء الرجل أشبهه الولد، وإذا غلب ماء المرأة أشبهها الولد- انتهى كلامه.
فعلى هذا التأنيث في ((نزعت)) بتأويل النسمة.
قوله: ((قوم بهت)) نه: هو جمع بهوت من بناء المبالغة في البهت مثل: صبور وصبر، ثم يسكن تخفيفاً.
стр. 3093
تسألهم يبهتونني. فجاءت اليهود فقال: ((أي رجل عبد الله فيكم؟)) قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا فقال: ((أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام؟)) قالوا: أعاذه الله من ذلك. فخرج عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فقالوا: شرنا وابن شرنا، فانتقصوه. قال: هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله! رواه البخاري.
٥٨٧١ - وعنه، قال: إن رسول الله ﷺ شاور حين بلغنا إقبال أبي سفيان، وقام سعد بن عبدة، فقال: يا رسول الله، والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا. قال: فندب رسول
ــ
الحديث الرابع: عن أنس ﵁:
قوله: ((إقبال أبي سفيان)) أي بالعير من الشام إلى مكة، وذلك أن عير قريش أقبلت من الشام فيها تجارة عظيمة ومعها أربعون راكباً منهم أبو سفيان، فأعجب المسلمين تلقي العير لكثرة الخير وقلة القوم، فلما خرجوا بلغ أهل مكة خبر خروجهم فنادى أبو جهل فوق الكعبة: يا أهل مكة النجاء النجاء، فخرج أبو جهل بجميع أهل مكة، فقيل له إن العير أخذت طريق الساحل ونجت فارجع بالناس إلى مكة، فقال: لا والله، فمضى بهم إلى بدر، ونزل جبريل وأخبر أن الله وعدكم إحدى الطائفتين.
فقال رسول الله ﷺ : إن العير قد مضت على ساحل البحر وهذا أبو جهل قد أقبل.
فقام سعد بن عبادة فقال: يا رسول الله لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها.
مح: قالوا: إنما قصد رسول الله ﷺ بالاستشارة اختبار الأنصار لأنه لم يكن بايعهم على أن يخرجوا معه للقتال وطلب العدو، وإنما بايعهم على أن يمنعوه ممن يقصده، فلما عرض الخروج لعير أبي سفيان أراد أن يعلم أنهم يوافقونه على ذلك أم لا؟ فأجابوا أحسن جواب بالموافقة التامة في هذه المرة وغيرها.
وفيه: حث على استشارة الأصحاب وأهل الرأي والخبرة.
قوله: ((أن نخيضها)) قض: الإخاضة الإدخال في الماء والكناية للخيل والإبل وإن لم يجر ذكرهما لقرينة الحال.
وضرب الأكباد عبارة عن تكليف الدابة للسير بأبلغ ما يمكن.
قوله: ((إلى برك الغماد)) مح: هو بفتح الباء وإسكان الراء هو المشهور من كتب الحديث وروايات المحدثين.
стр. 3094
الله ﷺ الناس، فانطلقوا حتى نزلوا بدراً، فقال رسول الله ﷺ : ((هذا مصرع فلان)) ويضع يده على الأرض هاهنا وهاهنا قال: فما ماط أحدهم عن موضع يد رسول الله ﷺ . رواه مسلم.
٥٨٧٢ - وعن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال وهو في قبة يوم بدر: ((اللهم أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن تشأ لا تعبد بعد اليوم)) فأخذ أبو بكر بيده فقال:
ــ
قال القاضي عياض عن بعض أهل اللغة: صوابه كسر الباء. قال: وكذا قيده شيوخ حديث أبي ذر في البخاري.
واتفقوا على أن الراء ساكنة إلا ما حكاه القاضي عن الأصيلي بإسكانها وفتحها، وهذا غريب ضعيف.
والغماد: بكسر الغين المعجمة وضمها لغتان مشهورتان، وأهل الحديث على ضمها واللغة على كسرها، وهو موضع من وراء مكة بخمس ليال بناحية الساحل.
وقيل: بلد يماني.
وقيل: موضع بأقصى هجر.
قوله: ((فم ماط أحدهم)) يريد ما بعد.
الحديث الخامس عن ابن عباس ﵄:
قوله: ((أنشدك عهدك)) تو: يقال: نشدت فلاناً أنشده نشداً إذا قلت له: نشدتك الله، أي سألتك بالله، وقد يستعمل في موضع السؤال.
والعهد هاهنا بمعنى الأمان، يريد: أسألك أمانك وإنجاز وعدك الذي وعدتنيه بالنصر، فإن قيل: كان النبي ﷺ أعلم الناس بالله وقد علم أن الله لم يكن ليعده وعدا فيخلفه فما وجه هذا السؤال؟.
قلنا: الأصل الذي لا يفارق هذا العلم هو أن الدعاء مندوب إليه علم الداعي حصول المطلوب أو لم يعلم، ثم إن العلم بالله يقتضي الخشية منه، ولا ترفع الخشية من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بما أوتوا ووعدوا من حسن العاقبة، فيجوز أن يكون خوفه من مانع ينشأ من قبله أو من قبل أمته فيحبس عنهم النصر الموعود، ويحتمل أنه وعد بالنصر ولم يعين له الوقت، وكان على وجل من تأخر الوقت فتضرع إلى الله تعالى لينجز له الوعد في يومه ذلك.
стр. 3095
حسبك يا رسول الله! ألححت على ربك، فخرج وهو يثب في الدرع وهو يقول: ﴿سيهزم الجمع ويولون الدبر﴾. رواه البخاري.
٥٨٧٣ - وعنه، أن النبي ﷺ قال يوم بدر: ((هذا جبريل آخذ برأس فرسه، عليه أداة الحرب)). رواه البخاري.
٥٨٧٤ - وعنه، قال: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في إثر رجل من
ــ
وأما ما أظهر من الضراعة فقيل: الأحسن أن يقال: إن مبالغة رسول الله ﷺ في السؤال مع عظم يقينه بربه وكمال علمه به كان تشجيعاً للصحابة وتقوية لقلوبهم، لأنهم كانوا يعرفون أن دعاءه لا محالة مستجاب لاسيما إذا بالغ فيه.
أقول: المراد بالوعد ما في قوله تعالى: ﴿وإذا يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم﴾ وقوله ﷺ : ((إن الله أمرني أن أحرق قريشاً، فقلت: رب إذا يبلغوا رأسي فيدعوه خبزة، قال: استخرجهم كما أخرجوك، واغزهم نعزك، وأنفق فسينفق عليك، وابعث جيشاً نبعث خمساً مثله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك)) رواه مسلم عن عياض المجاشعي.
ولعله ﷺ لما استحضر معنى قوله تعالى: ﴿إن الله غني عن العالمين﴾ وقوله تعالى: ﴿والله هو الغني الحميد إن يشأ يذهبكم﴾ في قوله: ((إن تشأ لا تعبد)) أي: إن تشأ ألا تعبد فتهلك هذه العصابة، خاف من ذلك، وحين نظر إلى وعده وأنه لا يخلف وعده بالغ في الدعاء بقوله: ﴿سيهزم الجمع ويولون الدبر﴾ فرحاً مستبشراً مع وفور نشاط وهزة، ومن ثمة وثب في الدرع.
مح: بدر هو ماء معروف على نحو أربع مراحل من المدينة بينها وبين مكة.
قال ابن قتيبة: هو بئر كانت لرجل يسمى بدراً.
وكانت غزوة بدر يوم الجمعة لسبعة عشر خلت من شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة.
الحديث السادس والحديث السابع عن ابن عباس ﵄:
قوله: ((يشتد)) أي يعدو ليحمل، يقال: شد في الحرب يشد بالكسر.
стр. 3096
المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم. إذ نظر إلى المشرك أمامه خر مستلقياً، فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه كضربة السوط، فاخضر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري، فحدث رسول الله ﷺ فقال: ((صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة)) فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين. رواه مسلم.
٥٨٧٥ - وعن سعد بن أبي وقاص، قال: رأيت عن يمين رسول الله ﷺ وعن شماله يوم أحد رجلين، عليهما ثياب بيض، يقاتلان كأشد القتال، ما رأيتهما قبل ولا بعد. يعني جبريل وميكائيل. متفق عليه.
٥٨٧٦ - وعن البراء. قال: بعث النبي ﷺ رهطاً إلى أبي رافع، فدخل عليه عبد الله بن عتيك بيته ليلاً وهو نائم فقتله فقال عبد الله بن عتيك: فوضعت السيف في
ــ
قوله: ((أقدم حيزوم)) مح: هو بهمزة قطع مفتوحة وبكسر الدال من الإقدام، قالوا: وهي كلمة زجر للفرس. وقيل بهضم الدال وهمزة وصل مضمومة من التقدم. والأول أشهرهما.
وحيزوم: اسم فرس الملك، وهو منادي حذف حرف النداء.
والخطم: بالخاء المعجمة الأثر على الأنف.
قوله: ((من مدد السماء الثالثة)) فيه تنبيه على أن مدد السماء كان من السموات كلها، وهذا من الثالثة خاصة.
وقوله: ((صدقت، ذلك)) إشارة إلى المذكور من قوله: ((سمع ضربة ... الخ)).
الحديث الثامن: عن سعد بن أبي وقاص ﵁:
قوله: ((كأشد القتال)) الكاف فيه زائدة تأكيداً.
وقوله: ((يعني ...)) من قول الراوي أدرجه بياناً لعله عرف ذلك من دليل.
الحديث التاسع عن البراء ﵁:
قوله: ((رهطاً إلى أبي رافع)) ((قض)): أبو رافع كنية أبي الحقيق اليهودي أعدى عدو رسول الله ﷺ ، نبذ عهده وتعرض له بالهجاء، وتحصن عنه بحصن كان له، فبعثهم إليه ليقتلوه فدخل عليه عبد الله بن عتيك ﵁ كما دل عليه الحديث.
стр. 3097
بطنه، حتى أخذ في ظهره، فعرفت أني قتلته. فجعلت أفتح الأبواب، حتى انتهيت إلى درجة، فوضعت رجلي فتوقعت، في ليلة مقمرة، فانكسرت ساقي، فعصبتها بعمامة، فانطلقت إلى أصحابي، فانتهيت إلى النبي ﷺ فحدثته، فقال: ((ابسط رجلك)). فبسطت رجلي فمسحها، فكأنما لم أشتكها قط. رواه البخاري.
٥٨٧٧ - عن جابر، قال: إنا يوم الخندق نحفر، فعرضت كدية شديدة، فجاءوا النبي ﷺ فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق. فقال: ((أن نازل)). ثم قام وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقاً، فأخذ النبي ﷺ المعول، فضرب فعاد كثيباً أهيل، فانكفأت إلى امرأتي فقلت: هل عندك شيء؟ فإني رأيت بالنبي ﷺ خمصا شديداً، فأخرجت جراباً فيه صاع من شعير، ولنا بهمة داجن فذبحتها، وطحنت
ــ
قوله: ((حتى أخذ في ظهره)) عداه بفي ليدل على شدة التمكن وأخذه منه كل مأخذ، وإليه أشار بقوله: ((حتى أخذ في ظهره)).
وقوله: ((فوقعت في ليلة مقمرة)) يعني كان سبب وقوعه على الأرض أن ضوء القمر وقع في الدرج فدخل عليه، فحسب أن الدرج مساو للأرض فوقعت منه على الأرض فانكسرت ساقي. فعصبتها: أي شددتها.
فكأنما لم أشتكها: أي كأنها لم تتوجع قط.
الحديث العاشر عن جابر ﵁:
قوله: ((كدية)) نه: الكدية قطعة غليظة صلبة لا يعمل فيه الفأس.
و ((الذواق)) المأكول والمشروب، فعال بمعنى مفعول من الذوق يقع على المصدر والاسم.
و ((كثيباً أهيل)) أي رملاً سائلاً.
قض: والمعنى أن الكدية التي عجزوا عن رضها صارت بضربة واحدة ضربها رسول الله ﷺ كتل من رمل مصبوب سيال.
والانكفاء: الانصراف والانقلاب.
والخمص: بسكون الميم، الجوع، سمي بذلك لأن البطن تضمر به.
قوله: ((ولنا بهمة)) مح: هي الصغيرة من أولاد الضأن ويطلق على الذكر والأنثى كالشاة.
و ((الداجن)): ما ألف البيوت.
стр. 3098
الشعير، حتى جعلنا اللحم في البرمة، ثم جئت النبي ﷺ فساررته، فقلت: يا رسول الله؟ ذبحنا بهيمة لنا، وطحنت صاعاً من شعير، فتعالى أنت ونفر معك، فصاح النبي ﷺ : ((يا أهل الخندق! إن جابراً صنع سوراً فحي هلا بكم)) فقال رسول الله ﷺ : ((لا تنزلن برمتكم ولا تخبزن عجينكم حتى أجيء)). وجاء، فأخرجت له عجيناً، فبصق فيه وبارك، ثم عمد إلى برمتنا فبصق وبارك، ثم قال: ((ادعي خابزة فلتخبز معك، واقدحي من برمتكم، ولا تنزلوها)) وهم ألف، فأقسم بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وإن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجيننا ليخبز كما هو. متفق عليه.
ــ
في قوله: ((فساررته)) جواز المسارة بالحاجة بحضرة الجماعة، وإنما المنهي أن يتناجى اثنان دون الثالث. كما سبق.
و ((السور)) بضم السين غير مهموز هو الطعام الذي يدعى إليه، وقيل: الطعام مطلقاً، وهي لفظة فارسية، وقد تظاهرت أحاديث صحيحة بأن رسول الله ﷺ تكلم بالألفاظ الفارسية وهو يدل على جوازه.
وأما: ((حي هلا)) فهو بتنوين ((هلا)) وقيل: بلا تنوين على وزن ((علا)).
ويقال: ((حيهل)) ومعناه عليكم بكذا أو أودعكم بكذا.
والبرمة: القدر مطلقاً، وجمعها: برام، وهي في الأصل المتخذ من الحجر.
قوله: ((فبصق)) ((مح)): هو بالصاد هكذا هو في أكثر الأصول، وفي بعضها بالسين وهي لغة قليلة.
قوله: ((وقدحي من برمتكم)) تو: يقال: قدحت المرق أي غرفته، ومنه المقدح وهو المغرفة، سلك بالخطاب مسلك التلوين فخاطب به ربة البيت.
أقول: لعل في نسخته: ((فلتخبز معي)) بالإضافة إلى ياء المتكلم كما هو في بعض نسخ المصابيح، فحمله على ما ذهب إليه.
قال الشيخ محيي الدين: جاء في بعض الأصول: ((ادعي)) على خطاب المؤنث، وهو الصحيح الظاهر، ولهذا قال: " ((فلتخبز معك)) وفي بعضها ادعوا بالواو، أي اطلبوا، وفي بعضها: ادع- انتهى كلامه.
ويعلم منه أن ((معي)) لم يرد بها رواية، وإذا ذهب إلى ((ادعي معك)) لم يكن من تلوين الخطاب في شيء.
стр. 3099
٥٨٧٨ - وعن أبي قتادة، أن رسول الله ﷺ قال لعمار حين يحفر الخندق فجعل يمسح رأسه ويقول: ((بؤس ابن سمية! تقتلك الفئة الباغية)) رواه مسلم.
٥٨٧٩ - وعن سليمان بن صرد، قال: قال النبي ﷺ حين أجلي الأحزاب
ــ
وقوله: ((لتغط)) بكسر الغين المعجمة، أي يغلي ويسمع غليانه.
وقوله: ((كما هي)) ما كافة وهي مصححة لدخول الكاف على الجملة، وهي مبتدأ والخبر محذوف، أي كما هي قبل ذلك.
مح: قد تظاهرت الأحاديث بمثل هذا من تكثير الطعام القليل، ونبع الماء وتكثيرة، وتسبيح الحصى، وحنين الجذع، وغير ذلك مما هو معروف حتى صار مجموعها بمنزلة التواتر وحصل العلم القطعي وقد مع العلماء أعلاماً من دلائل النبوة في كتبهم كالقفال الشاشي، وصاحبه أبي عبد الله الحليمي، وأبي بكر البيهقي، وغيرهم مما هو مشهور، وأحسنها كتاب البيهقي، ولله الحمد ما أنعم به على نبينا ﷺ وعلينا بإكرامه.
الحديث الحادي عشر عن أبي قتادة ﵁:
قوله: ((حين يحفر الخندق)) حكاية الحال الماضية، وكذا ((يقول)).
وقوله: ((تقتلك الفئة الباغية)) بيان لقوله: ((بؤس ابن سمية)) وكان من الظاهر أن يقال: تقتله، ولما كان المراد بهذا البؤس نفسه استقام ذلك.
قض: البؤس الشدة.
وسمية بالضم اسم أم عمار بن ياسر.
والمعنى: يا بؤس عمار احضري هذا أوانك، نادي بؤسه وأراد نداءه، ولذلك خاطبه بقوله: ((ستقتلك الفئة الباغية)) يريد به معاوية وقومه، فإنه قتل يوم الصفين.
واتسع في حذف ((يا)) وهي لا تحذف عن أسماء الأجناس.
الحديث الثاني عشر عن سليمان بن صرد ﵁:
قوله: ((أجلى الأحزاب)) وهم قريش قد أقبلت في عشرة آلاف من بني كنانة وأهل تهامة وقائدهم أبو سفيان، وخرج غطفان في ألف ومن تابعهم من أهل نجد وقائدهم عيينة بن حصن، وعامر بن الطفيل في هوازن، وضامتهم اليهود من قريظة والنضير، ومضى على الفريقين من شهر لا حرب بينهم إلا الترامي بالنبل والحجارة، حتى أنزل الله تعالى النصر بأن أرسل عليهم ريح الصبا وجنود لم يروها وهم الملائكة، وقذف في قلوبهم الرعب، فقال طلحة بن خويلد الأسدي: النجاء النجاء، فانهزموا من غير قتال، وهذا معنى الإجلاء.
стр. 3100
عنه: ((الآن نغزوهم ولا يغزونا، نحن نسير إليهم)). رواه البخاري.
٥٨٨٠ - وعن عائشة، قالت: لما رجع رسول الله ﷺ من الخندق ووضع السلاح واغتسل أتاه جبريل وهو ينفض رأسه من الغبار، فقال: ((قد وضعت السلاح؟ والله ما وضعته، اخرج إليهم)) فقال النبي ﷺ : ((فأين)) فأشار إلى بني قريظة، فخرج النبي ﷺ متفق عليه.
٥٨٨١ - وفي رواية للبخاري قال أنس: كأني أنظر إلى الغبار ساطعاً في زقاق بني غنم موكب جبريل ﵇ حين سار رسول الله ﷺ إلى بني قريظة.
٥٨٨٢ - وعن جابر، قال: عطش الناس يوم الحديبية ورسول الله ﷺ بين يديه ركوة فتوضأ منها، ثم أقبل الناس نحوه، قالوا: ليس عندنا ماء نتوضأ به ونشرب إلا ما في ركوتك. فوضع النبي ﷺ يده في الركوة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون. قال: فشربنا وتوضأنا قيل لجابر: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة متفق عليه.
ــ
وقوله: ((الآن نغزوهم)) إخبار بأنه قلت شوكة المشركين من اليوم فلا يقصدوننا البتة بعد بل نحن نغزوهم، ونقتلهم وتكون عليهم دائرة السوء، وكان كما قال فكان معجزة.
الحديث الثالث عشر عن عائشة ﵂:
قوله: ((موكب جبريل)) في صحيح البخاري وشرح السنة وأكثر نسخ المصابيح بدون ((من)) نصيباً على نزع الخافض، وفي بعضها بإثبات ((من)).
نه: الموكب جماعة ركاب يسيرون برفق.
الحديث الرابع عشر عن جابر ﵁:
قوله: ((خمس عشرة مائة)) عدل عن الظاهر لاحتماله التجوز في الكثرة والقلة، وهذا يدل على أنه اجتهد فيه وغلب ظنه على هذا المقدار، وقول البزار في الحديث الذي يتلو هذا الحديث: ((كنا أربع عشرة مائة)) كان عن تحقيق، لما سبق في الفصل الثاني من باب قسمة الغنائم أن أهل الحديبية كانوا ألفاً وأربعمائة تحقيقاً، وقول من قال: هم ألف وخمسمائة وهم.
стр. 3101
٥٨٨٣ - وعن البراء بن عزب، قال: كنا مع رسول الله ﷺ أربع عشرة مائة يوم الحديبية، - والحديبية بئر- فنزحناها، فلم نترك فيها قطرة، فبلغ النبي ﷺ ، فأتاها، فجلس على شفيرها، ثم دعا بإناء من ماء، فتوضأ، ثم مضمض ودعا ثم صبه فيها، ثم قال: ((دعوها ساعة)) فأرووا أنفسهم وركابهم حتى ارتحلوا. رواه البخاري.
٥٨٨٤ - وعن عوف، عن أبي رجاء، عن عمران بن حصين، قال: كنا في سفر مع النبي ﷺ فاشتكى إليه الناس من العطش، فنزل، فدعا فلاناً- كان يسميه أبو رجاء ونسبه عوف- ودعا عليا، فقال: ((اذهبا فابتغيا الماء)). فانطلقا، فتلقيا امرأة بين مزادتين أو سطحيتين من ماء، فجاءا بها إلى النبي ﷺ ، فاستنزلوها عن بعيرها، ودعا النبي ﷺ بإناء، ففرغ في من أفواه المزادتين، ونودي في الناس: اسقوا. فاستقوا قال: فشربنا عطاشاً أربعين رجلاً، حتى روينا. فملأنا كل قربة معنا وإداوة، وايم الله لقد أقلع عنها وإنه ليخيل إلينا أنها أشد ملئة منها حين ابتدأ. متفق عليه.
٥٨٨٥ - وعن جابر، قال: سرنا مع رسول الله ﷺ حتى نزلنا واديا أفيح
ــ
الحديث الخامس عشر والحديث السادس عشر عن عوف:
قوله: ((كان يسميه أبو رجاء)) فاعل يسميه أبو رجاء، وضمير المفعول عائد إلى فلان، وكذا في قوله: ((نسبه)).
قوله: ((مزادتين)) قض: المزادة الراوية وهي في الأصل لما يوضع فيه الزاد.
والسطحية: نوع من المزادة يكون من جلدين قوبل أحدهما بالآخر فسطح عليه.
((نه)) قوله: ((فاستنزلوها)) الضمير يجوز أن يرجع إلى المرأة أي: طلبوا منها أن تنزل عن البعير،
وقيل: الضمير راجع إلى المزادة، يعني: أنزلوها، واستنزل وأنزل بمعنى.
وقوله: ((عطاشاً)) حال.
و ((أربعين)) بيان له.
وقوله: ((وايم الله لقد أقلع عنها)) أي: وايمن الله قسمي لقد انكفت الجماعة عن تلك المزادة ورجعوا عنها، وإن الشأن والحديث ليشبه إلينا أن تلك المزادة كانت أكثر ماء من تلك الساعة التي استقوا منها.
الحديث السابع عشر عن جابر ﵁:
قوله: ((وادياً أفيح)) نه: كل موضع واسع يقال له: أفيح، وروضة فيحاء.
стр. 3102
فذهب رسول الله ﷺ يقضي حاجته، فلم ير شيئاً يستتر به، وإذا شجرتين بشاطئ الوادي، فانطلق رسول الله ﷺ : إلى إحداهما فأخذ بغصن من أغصانها فقال: ((انقادي علي بإذن الله)) فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده، حتى أنه الشجرة الأخرى فأخذ بغصن من أغصانها، فقال: ((انقادي علي بإذن الله)). فانقادت معه كذلك، حتى إذا كان بالمنصف مما بينهما قال: ((التئما علي بإذن الله))، فالتأمتا فجلست أحدث نفسي، فحانت مني لفتة، فإذا برسول الله مقبلا، وإذا الشجرتين قد افترقتا، فقامت كل واحدة منهما على ساق، رواه مسلم.
٥٨٨٦ - وعن يزيد بن أبي عبيد، قال: رأيت أثر ضربة في ساق سلمة بن الأكوع فقلت: يا أبا مسلم، ما هذه الضربة؟ قال: ضربة أصابتني يوم خيبر فقال
ــ
و ((المخشوش)) هو الذي في أنفه الخشاش بالكسر، وهو عويد يجعل في أنفس البعير ليكون أسرع إلى الانقياد.
و ((المنصف)) الموضع الوسط بين الموضعين.
قوله: ((وإذا شجرتين)) بالنصب، كذا في صحيح مسلم وأكثر نسخ المصابيح، وفي بعضها ((شجرتان)) بالرفع وهو مغير، فتقدير النصب: فوجدت شجرتين نابتتين بشاطئ الوادي، وهو كمسألة: ((كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو إياها)).
قال شارح اللباب: إنما جوز الإتيان بالضمير المنصوب وهو ((إياها)) لأن المفاجأة تدل على الوجدان، ولفظ ((هو)) فصل وعماد، و ((إياها)) مفعول وجدت مضمراً، والمفعول الأول محذوف ناب ضمير الفصل والعماد عنه أي: ((وجدته إياها)) و ((إذا)) بمعنى وجدت.
قوله: ((يصانع قائده)) تو: أي ينقاد له ويوافقه، والأصل في المصانعة الرشوة وهي أن تصنع لصاحبك شيئاً حتى يصنع لك شيئاً.
قوله: ((انقادي علي)) أي لا تعصي علي، ونظيره قوله تعالى: ﴿ما لك لا تأمنا على يوسف﴾ أي: لم تخافنا عليه، ونحن نريد له الخير ونحبه ونشفق عليه.
قوله: ((التئما علي بإذن الله)) على حال، أي اجتمعا مظلتين علي.
قوله: ((فحانت مني التفاتة)) أي ظهرت مني التفاتة ونظرة، من حان إذا أتى وقت الشيء.
واللفتة: فعلة من اللالتفات.
стр. 3103
الناس: أصيب سلمة. فأتيت النبي ﷺ : فنفث فيه ثلاث نفثات، فما اشتكيتها. حتى الساعة. رواه البخاري.
٥٨٨٧ - وعن أنس قال: نعى النبي ﷺ زيداً وجعفراً وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال ((أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب- وعيناه تذرفان- حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله- يعني خالد بن الوليد- حتى فتح الله عليهم)). رواه البخاري.
٥٨٨٨ - وعن عباس، قال: شهدت مع رسول الله ﷺ يوم حنين، فلما التقى المسلمون والكفار، ولى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله ﷺ يركض بغلته قبل الكفار وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله ﷺ أكفها إرادة أن لا تسرع، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بركاب رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : ((أي عباس! ناد أصحاب السمرة؛ فقال عباس- وكان رجلا صيتا- فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة)) فقال: والله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها. فقالوا: يا لبيك يا لبيك قال: فاقتتلوا والكفار، والدعوة في الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار؛ يا معشر الأنصار؛ قال: ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج. فنظر رسول الله ﷺ : وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم. فقال: هذا حين حمى
ــ
الحديث الثامن عشر على الحديث العشرين عن عباس ﵁.
قوله: ((إلى قتالهم)) متعلق بنظر، وفي الحديث كما في المصابيح اختصار مخل، لأن المذكور قبل: ((ولى المسلمون مدبرين)) فلابد من ذكر ما يستقيم به المعنى والحديث رواه مسلم عن العباس، وفيه بعد قوله: ((آخذ بركاب رسول الله ﷺ ) فقال رسول الله ﷺ : ((أي عباس ناد أصحاب السمرة)) فقال العباس- وكان رجلاً صيتاً-: ((فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة)) قال: فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيك يا لبيك، قال: فاقتتلوا والكفار والدعوة في الأنصار يقولون: ((يا معشر الأنصار يا معشر الأنصار، ثم قصرت الدعوة على بني الحارث من الخزرج، فنظر رسول الله ﷺ ......... الحديث)).
стр. 3104
الوطيس. ثم أخذ حصيات، فرمى بهن وجوه الكفار، ثم قال: ((انهزموا ورب محمد)) فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته، فما زلت أرى حدهم كليلا وأمرهم مدبراً. رواه مسلم.
٥٨٨٩ - وعن أبي إسحاق، قال: قال رجل للبراء: يا أبا عمارة؛ فررتم يوم
ــ
وقوله: ((هذا)) مبتدأ، والخبر محذوف.
و ((حين)) مبني لأنه مضاف إلى ير متمكن متعلق باسم الإشارة، أي هذا القتال حين اشتد الحرب، وفيه معنى التعجب واستعظام الحرب، ونحوه تعلق الحال والتعجب في قوله تعالى: ﴿وهذا بعلي شيخاً﴾ و ﴿تلك القرى نقص عليك من أنبائها﴾ تعجباً من حصول البشارة بالولد في حال الشيخوخة، أشير إلى تلك القرى في حالة اقتصاصنا عليك صفتها العجيبة الشأن لمزيد من التسلي وتثبيتاً لنفسك.
نه: ((حمي الوطيس)) شبه التنور، وقيل: هو الضراب في الحرب، وقيل: هو الوطء الذي يطس الناس أي يدقهم.
وقال الأصمعي: هو حجارة مدورة إذا حميت لم يقدر أحد يطأها ولم يسمع هذا الكلام من أحد قبل النبي ﷺ ، وهو من فصيح الكلام عبر به عن اشتباك الحرب وقيامها على ساق. انتهى كلامه.
قوله: ((يا لبيك)) المنادي محذوف، أي: يا قوم، لقوله تعالى: ﴿ألا يا اسجدوا﴾ على وجه.
قوله: ((ما هو إلا أن رماهم)) يعني ليس انهزامهم سوى رميهم بالحصيات وما كان بالقتال والضرب بالسيف والطعان.
ويحتمل أن يكون الضمير عبارة عن لأمر والشأن، ويكون هو المستثنى منه.
مح: فيه معجزتان ظاهرتان لرسول الله ﷺ إحداهما فعلية والأخرى خبرية، وهو أنه: أخبر بهزيمتهم، ورماهم بالحصيات فولوا مدبرين.
الحديث الحادي والعشرون عن أبي إسحاق:
стр. 3105
حنين؟ قال: لا والله ما ولى رسول الله ﷺ ولكن خرج شبان أصحابه ليس عليهم كثير سلاح، فلقوا قوماً رماة لا يكاد يسقط لهم سهم، فرشقوهم رشقاً ما يكادون يخطئون، فأقبلوا هناك إلى رسول الله ﷺ ، ورسول الله ﷺ على بلغته البيضاء وأبو سفيان بن الحارث يقوده، فنزل واستنصر وقال: ((أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب)) ثم صفهم. رواه مسلم.
وللبخاري معناه.
ــ
قوله: ((لا والله)) مح: هذا الجواب لذي أجابه البراء من بديع الأدب، لأن تقدير الكلام: فررتم كلكم، فيقتضي أن النبي ﷺ وافقهم في ذلك فقال البراء: ((لا والله ما فر رسول الله ﷺ ولكن جماعة من أصحابه جرى لهم كذا وكذا)).
فإن قلت: ذكر في الحديث السابق: ((ولى المسلمون مدبرين)) [وبعدوا بعداً صاح بهم العباس وكان صيتا] وفي هذا الحديث: ((فأقبلوا هناك إلى رسول الله ﷺ ) فكيف الجمع؟.
قلت: أقدر قبل الفاء في قوله: ((فأقبلوا هناك)) جميع ما يتصل به من فرارهم وتصويت العباس لهم وإقبالهم إلى رسول الله ﷺ .
وقوله: ((فنزل واستنصر)) أي النبي ﷺ تواضعا واستكانة لله تعالى، وطلب النصرة منه تعالى لعلمه أن النصرة ليس إلا منه، وقد سبق في باب البيان والشعر كلام في أنه لم يقصد بكلامه ذلك الشعر.
مح: فإن قيل: كيف نسب نفسه إلى جده دون أبيه وافتخر بذلك مع أن الافتخار من عمل الجاهلية؟.
فالجواب: أنه ﷺ كانت شهرته بجده أكثر لأن أباه قد توفي شبابا قبل اشتهاره، وكان جده مشهوراً شهرة ظاهرة شائعة، وكان سيد أهل مكة، وكان مشتهراً عندهم ان عبد المطلب بشر النبي ﷺ وأنه سيظهر ويكون شأنه عظيماً، وكان أخبره بذلك سيف بن ذي يزن.
وقيل: إن عبد المطلب رأى رؤيا تدل على ظهور النبي ﷺ وكان ذلك مشهوراً عندهم فأراد النبي ﷺ أن يذكرهم بذلك ونبئهم بأنه ﷺ لابد من ظهوره على الأعداء وأن العاقبة لهم لتقوى نفوسهم، وأعلمهم أيضاً أنه ثابت يلازم الحرب لم يول مع من ولى، وعرفهم موضعه ليرجع إليه الراجعون.
وأما قوله: ((أنا النبي لا كذب)) فمعناه: أنا النبي حقاً فلا أفر ولا أولي وفيه دليل على جواز قول الإنسان في الحرب أنا فلان أنا فلان، أو أنا ابن فلان، أو نحن ذلك.
стр. 3106
٥٨٩٠ - وفي رواية لهما: قال البراء: كنا والله إذا احمر البأس نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذيه، يعني النبي صلى الله عليه ولسم.
٥٨٩١ - وعن سلمة بن الأكوع، قال غزونا مع رسول الله ﷺ حنينا، فولى صحابة رسول الله ﷺ ، فلما غشوا رسول الله ﷺ نزل عن البغلة، ثم قبض قبضة من تراب من الأرض، ثم استقبل به وجوههم، فقال: ((شاهت الوجوه)) فما خلق الله منهم إنساناً إلا ملأ عينيه تراباً بتلك القبضة، فولوا مدبرين فهزمهم الله، وقسم رسول الله ﷺ غنائمهم بين المسلمين. رواه مسلم.
٥٨٩٢ - وعن أبي هريرة قال: شهدنا مع رسول الله ﷺ حنينا، فقال رسول الله ﷺ لرجل ممن معه يدعى الإسلام: ((هذا من أهل النار)) فلما حضر القتال قاتل الرجل من أشد القتال، وكثرت به الجراح، فجاء رجل، فقال: يا رسول الله! أرأيت الذي تحدث أنه من أهل الناس، قد قاتل في سبيل الله من أشد القتال فكثرت به
ــ
واحمرار البأس: كناية عن اشتداد الحرب، فاستعير ذلك لحمرة الدماء الحاصلة، أو لاستعار نار الحرب واشتعالها كما في الحديث السابق ((حمي الوطيس)).
وفيه بيان لشجاعته وعظيم وثوقه بالله تعالى.
وقوله: ((يحاذيه)) أي يوازيه، ويحاذي منكبه حذو منكبه.
الحديث الثاني والعشرون عن سلمة بن الأكوع ﵁.
قوله: ((فلما غشوا)) أي الكفار، أي قاربوا الغشيان.
وشاهت الوجوه: أي قبحت، يقال: شاه يشوه شوهاً، ورجل أشوه، وامرأة شوهاء.
قوله: ((فما خلق)) الظاهر أن يقال: وما بقي منهم، فعدل عنه إلى ما هو عليه تأكيداً وتقريراً للحصر، وأن أحداً ما خلص من ذلك البتة.
وفيه بيان معجزاته ﷺ من وجهين:
أحدهما: إيصال تراب تلك القبضة اليسيرة إلى أعينهم جميعاً.
وثانيهما: أنها بحيث ملأت عين كل واحد منهم من تلك القبضة اليسيرة وهم أربعة آلاف فيمن ضامهم من أمداد سائر العرب.
الحديث الثالث والعشرون عن أبي هريرة ﵁:
قوله: ((أرأيت الذي تحدث)) أي أخبرني عن حال من قلت في شأنه: إنه من أهل النار والحال أنه من أهل الجنة لأنه قاتل في سبيل الله تعالى أشد القتال، فرد عليه بقوله: ((أما إنه من أهل النار)) أي القول ما قلت وإن ظهر لك خلافة.
стр. 3107
الجراح؛ فقال: ((أما إنه من أهل النار)) فكاد بعض الناس يرتاب، فبينما هو على ذلك إذ وجد الرجل ألم الجراح، فأهوى بيده إلى كنانته، فانتزع سهماً فانتحر بها، فاشتد رجال المسلمين إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله؛ صدق الله حديثك، قد انتحر فلان وقتل نفسه. فقال رسول الله ﷺ : ((الله أكبر أشهد أني عبد الله ورسوله، يا بلال قم فأذن: لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وإن ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر)). رواه البخاري.
٥٨٩٣ - وعن عائشة، قالت: سحر رسول الله ﷺ حتى إنه ليخيل إليه أنه فعل الشيء وما فعله، حتى إذا كان ذات يوم عندي، دعا الله ودعاه، ثم قال:
ــ
وقوله: ((فأهوى بيده إلى كنانته)) أي قصد ومال إلى جعبته.
ويقال: انتحر الرجل إذا نحر نفسه، وفي المثل: سرق السارق فانتحر.
فاستد: أي عدا قاصداً إلى رسول الله ﷺ .
وقوله: ((الله أكبر)) يحتمل تعجباً وفرحاً لوقوع ما أخبر عنه فعظم الله حمداً وشكراً لتصديق قوله.
وأن يكون كسراً للنفس وعجبها حتى لا يتوهم أنه من عنده، وينصره قوله: ((إني عبد الله))
وقوله: ((أذن يا بلال: لا يدخل الجنة إلا مؤمن)) تعريض بقول ذلك الرجل وتعريضه في قوله: ((وقد قاتل في سبيل الله من أشد القتال)) بأنه من أهل الجنة، كما سبق.
مح: اسم الرجل ((قزمان)) قاله الخطيب البغدادي، وكان من المنافقين كذا في جامع الأصول.
قوله: ((وإن الله ليؤيد))، أي إن الله تعالى ينصر هذا الدين ويقويه بالرجل الفاجر، فلا ترتابوا في هذا كما ارتبتم في ذلك لشدة عنايته بهذا الدين وصونه عن الزوال إلى يوم الدين.
الحديث الرابع والعشرون عن عائشة ﵂:
قوله: ((إنه ليخيل إليه أنه فعل الشيء وما فعله)) مح: قد أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث لذلك وزعم أنه يحط من منزل النبوة، وأن تجويزه يمنع الثقة بالشرع. وهذا الذي ادعاه باطل لأن الدلائل القطعية قد قامت على صدقة وعصمته بما يتعلق بالتبليغ والمعجزة شاهدة بذلك، وتجويز ما قام الدليل بخلافه باطل، فأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث بها فهو مما يعرض للبشر فغير بعيد أن يخيل إليه، وقد قيل: إنه إنما كان يتخيل أنه وطئ زوجاته وليس يواطئ، وقد يتخيل للإنسان قبل هذا في المنام.
стр. 3108
((أشعرت يا عائشة! أن الله قد أفتاني فيما استفتيته، جاءني رجلان، جلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، ثم قال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب: قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم اليهودي. قال: في ماذا؟ قال: في مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر، قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذوران)) فذهب النبي
ــ
وقيل: إنه يتخيل إليه ما يخيل ولكن لم يعتقد صحته وكانت معتقداته على السداد والصحة.
وقيل: ((ليخيل إليه)) أي يظهر له من نشاطه أنه قادر على إتيان النساء فإذا دنا منهن أخذته أخذة السحر فلم يتمكن من ذلك.
وكل ما جاء من أنه تخيل شيئاً لم يفعله فمحمول على التخييل بالبصر لا بالعقل وليس فيه ما يطعن في الرسالة.
مظ: وأما ما زعموا من دخول الضرر على الشرع بإثباته فليس كذلك، لأن السحر إنما يعمل في أبدانهم وهم بشر يجوز عليهم من العلل والأمراض ما يجوز على غيرهم، وليس تأثير السحر في أبدانهم بأكثر من القتل وتأثير السم وعوارض الأسقام فيهم، وقد قتل زكريا وابنه، وسم نبينا ﷺ بخيبر، وأما أمر الدين فإنهم معصومون فيما بعثهم الله وأرصدهم له، وهو جل ذكره حافظ لدينه وحارس لوحيه أن يلحقه فساد أو تبديل.
فإن قيل: كلام النبوة يمنع من حلول الاختلال بالسحر بجسم النبي ﷺ ؟
قلنا: لا يطول ذلك بل يزول سريعاً فكأنه ما حل، وفائدة الحلول تنبيه على أن هذا بشر مثلكم، وعلى أن السحر تأثيره حق إذا أثر في أكمل الإنسان فكيف بغيره؟
قوله: ((دعا الله ودعاه)) أي عقب دعاء بدعاء واستمر عليه، يدل على هذا التأويل الرواية الأخرى: ((ثم دعا ثم دعا)).
مح: هذا دليل على استحباب الدعاء عند حصول الأمور المكروهة وتكريره وحسن الالتجاء إليه تعالى.
و ((المضبوب)) المسحور، يقال: طب الرجل إذا سحر، فكنوا بالطب عن السحر، كما كنوا بالسليم عن اللديغ.
وقال ابن الأنباري: الطب من الأضداد، يقال لعلاج الداء: طب، وللسحر: طب، وهو من أعظم الأدواء.
و ((المشاطة)) بضم الميم الشعر الذي يسقط من الرأس واللحية عند تسريحه بالمشط.
و ((الجب)) بضم الجيم والباء هكذا هو في أكثر نسخ بلادنا، وفي بعضها: ((جف)) بالفاء وهما بمعنى، وهو وعاء طلع النخل، ويطلق على الذكر والأنثى فلهذا أضاف في الحديث ((طلعة)) إلى ذكر إضافة بيان.
стр. 3109
صلى الله عليه وسلم في أناس من أصحابه إلى البئر. فقال: ((هذه البئر التي أريتها وكأن ماءها نقاعة الحناء، وكأن نخلها رءوس الشياطين)) فاستخرجه. متفق عليه.
٥٨٩٤ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ وهو يقسم قسما أتاه ذو الخويصرة، وهو رجل من بني تميم، فقال: يا رسول الله اعدل. فقال: ((ويلك فمن يعدل إذا لم أعدل؟! قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل)) فقال عمر: ائذن لي أضرب عنقه. فقال: ((دعه، فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع
ــ
وفي كتاب مسلم: ((في بئر ذي أوران)): كذا وقع في بعض روايات البخاري وفي معظمهما ((ذوران)) وكلاهما صحيح مشهور، والأول أصح وأجود، وفي بئر في المدينة في بستان بني زريق.
قوله: ((وكأن نخلها رءوس الشياطين)) تو: أراد بالنخل طلع النخل، وإنما أضافه إلى بئر لأنه كان مدفوناً فيها، وأما تشبيهه ذلك برءوس الشياطين فلما صادقوه عليه من الوحشة وقبح المنظر، وكانت العرب تعد رءوس الشياطين من أقبح المناظر ذهاباً في الصورة إلى ما يقتضيه المعنى.
وقيل: أريد بالشياطين الحيات الخبيثان العرمات، وأيا ما كان فإن الإتيان بهذا المنظر في الحديث مسوق على نص الكتاب في التمثيل، قال الله تعالى: ﴿كأنه رءوس الشياطين﴾.
الحديث الخامس والعشرون عن أبي سعيد ﵁:
قوله: ((قسماً)) تو: القسم مصدر قسمت الشيء فانقسم، سمي الشيء المقسوم وهو الغنيمة بالمصدر.
والقسم: بالكسر الحظ والنصيب، ولا وجه للمكسور في الحديث لأنه يختص إذا تفرد نصيب وهذا القسم كان في غنائم خيبر قسمها بالجعرانة.
و ((خبت وخسرت)) على ضمير المخاطب لا على ضمير المتكلم، وإنما رد الخيبة والخسران إلى المخاطب على تقدير عدم العدل منه، لأن الله تعالى بعثه رحمة للعالمين وبعثه ليقوم بالعدل فيهم، فإذا قدر أنه لم يعدل فقد خاب المعترف بأنه مبعوث إليهم فخاب وخسر لأن الله لا يحب الخائنين فضلاً من أن يرسلهم إلى عباده.
قوله: ((فقال: دعه)) حس: كيف منع النبي ﷺ من قتله مع أنه قال: لئن أدركتهم لأقتلنهم؟.
стр. 3110
صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله، إلا رصافه إلى نضيه وهو قدحه، إلى قذذه فلا يوجد في شيء، قد سبق الفرث والدم، آيتهم رجل أسود، إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة تدردر، ويخرجون على خير فرقة من الناس)). قال أبو سعيد: أشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله ﷺ ، وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل فالتمس، فأتي به، حتى نظرت إليه على نعت النبي ﷺ الذي نعته.
وفي رواية: أقبل رجل غائر العينين، نأتي الجبهة، كث اللحية، مشرف الوجنتين محلوق الرأس، فقال: يا محمد! اتق الله. فقال: ((فمن يطع الله إذا عصيته؟ فيأمنني
ــ
قيل: إنما أباح قتلهم إذا كثروا وامتنعوا بالسلاح واستعرضوا الناس، ولم تكن هذه المعاني موجودة حين منع من قتلهم، وأول ما نجم ذلك في زمن علي ﵁، وقاتلهم حتى قتل كثيراً منهم.
قوله: ((لا يجاوز تراقيهم)) حس: أي لا تتجاوز قراءتهم عن ألسنتهم إلى قلوبهم فلا يؤثر فيها، أو لا يتصاعد عن مخرج الحرف وحيز الصوت إلى محل القبول والإنابة.
و ((يمرقون من الدين)) أي: يخرجون من الدين، ويمرون عليه سريعاً من غير حظ وانتفاع به، خروج السهم من الرمية، يعني: الصيد ومروره بجميع أجزائه وتنزهه من التلوث بما يمر عليه من فرث ودم.
و ((الرصاف)) بالضم والكسر عصب يلوي فوق مدخل النصل، والرصافة والرصفة.
ونضى السهم قدحه وهو ما جاوز الريش إلى النصل، م النضو لأنه بري حتى صار نضوا فهو مجاز باعتبار ما كان.
والقذذ: ريش السهم واحده قذذه. أخرج متعلقات الفعل على سبيل التعداد لا التنسيق.
وقوله: ((إلى قذذه)) من كلام الرسول الله ﷺ .
((وهو قدحه)) تفسير للنضى من قول الراوي.
قوله: ((البضعة)) هي قطعة اللحم.
و ((تدردر)) أي تحرك وتزحزح ماراً وجائياً.
стр. 3111
الله على أهل الأرض ولا تأمنوني)) فسأل رجل قتله، فمنعه، فلما ولى قال: ((إن من ضئضئ هذا قوماً يقرءون القرن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية، فيقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد)). متفق عليه.
٥٨٩٥ - وعن أبي هريرة، قال: كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة، فدعوتها يوماً، فأسمعتني في رسول الله ﷺ ما أكره، فأتيت رسول الله ﷺ وأنا أبكي، قلت: يا رسول الله ﷺ ! ادع الله أن يهدي أم أبي هريرة فقال: ((اللهم اهد أم أبي هريرة)). فخرجت مستبشراً بدعوة النبي ﷺ ، فلما صرت إلى الباب فاذا هو مجاف، فسمعت أمي خشف قدمي فقالت: مكانك يا أبا هريرة وسمعت خصخصة الماء، فاغتسلت فلبست درعها، وعجلت عن خمارها، ففتحت الباب، ثم قالت: يا أبا هريرة! أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله فرجعت إلى رسول الله ﷺ وأنا أبكي من الفرح، فحمد الله وقال خيراً رواه مسلم.
٥٨٩٦ - وعنه، قال: إنكم تقولون: أكثر أبو هريرة عن النبي ﷺ ، والله الموعد، وإن إخوتي من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخوتي من الأنصار كان يشغلهم عمل أموالهم، وكنت امرءاً مسكيناً ألزم رسول الله ﷺ علي
ــ
قوله: ((إن من ضئضئ هذا)) نه: الضئضئ الصل، يقال: ضئضئ صدق وضؤضؤ صدق، يريد أن يخرج من نسله وعقبه، ((تو)) وأما من ذهب إلى أنهم يتولدون منه فقد أبعد، إذ لم يذكر في الخوارج قوم من نسل ذي الخويصرة، ثم إن الزمان الذي قال فيه رسول الله ﷺ هذا القول إلى أن نابذ المارقة عليا ﵁ وحاربوه لا يحتمل ذلك، بل معناه من الأصل الذي هو منه في النسب أو من الأصل الذي هو عليه في المذهب.
وأراد بقتل عاد: الاسئصال بالإهلاك، فإن عاداً لم تقتل وإنما أهلكت بالصيحة فاستؤصلت بالإهلاك.
الحديث السادس والعشرون عن أبي هريرة ﵁:
قوله: ((مجاف)) نه: أجاف الباب، أي: رده عليه، ومنه الحديث: ((أجيفوا أبوابكم)) أي ردوها.
стр. 3112
ملء بطني وقال النبي ﷺ يوماً: ((لن يبسط أحد منكم ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه ثم يجمعه إلى صدره فينسى من مقالتي شيئاً أبداً)). فبسطت نمرة ليس علي ثوب غيرها حتى قضى النبي ﷺ مقالته. ثم جمعتها إلى صدري، فو الذي بعثه بالحق ما نسيت من مقالته ذلك إلى يومي هذا. متفق عليه.
٥٨٩٧ - وعن جرير بن عبد الله، قال: قال لي رسول الله ﷺ : ((ألا تريحني من ذي الخلصة؟)). فقلت: بلى، وكنت لا أثبت على الخيل، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فضرب على صدري حتى رأيت أثر يده في صدري، وقال: ((اللهم ثبته واجعله هادياً مهديا)). قال: فما وقعت عن فرسي بعد، فانطلق في مائة وخمسين فارساً من أحمس فحرقها بالنار وكسرها. متفق عليه.
٥٨٩٨ - وعن أنس، قال: إن رجلا كان يكتب للنبي ﷺ فارتد عن الإسلام، ولحق بالمشركين، فقال النبي ﷺ . ((إن الأرض لا تقبله)). فأخبرني أبو طلحة أنه أتى الأرض التي مات فيها فوجده منبوذاً فقال: ما شأن هذا؟ فقالوا: دفناه مراراً فلم تقبله الأرض. متفق عليه.
ــ
و ((الخشف)) الحس والحركة، وقيل: هو الصوت، وكذلك الخشفة بالسكون.
و ((الخضخضة)) تحريك الماء.
وقوله: ((وعجلت عن خمارها)) أي عجلت الفتح متجاوزة عن خمارها.
وقوله: ((قال خيراً)) أي قولا خيراً، أو ذكر كلاماً متضمناً للخير.
الحديث السابع والعشرون عن أبي هريرة ﵁:
قوله: ((والله الموعد)) يعني لقاء الله الموعد، يعني به يوم القيامة، فهو يحاسبني على ما أزيد وأنقص لاسيما على رسول الله ﷺ وقد قال: ((من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده منالنار)).
قوله: ((الصفق بالأسواق)) هو كناية عن العقود في البيع والشرى، فإن المهاجرين كانوا أصحاب تجارات، كما أن الأنصار كانوا أرباب زراعات.
وأموال أهل المدينة المواضع التي فيها نخيلهم.
وقوله: ((على ملء بطني)) حال، أي ألزمه ﷺ قانعاً بما يملأ بطني، فعداه بعلى مبالغة، وفي معناه قول الشاعر:
стр. 3113
٥٨٩٩ - وعن أبي أيوب، قال: خرج النبي ﷺ وقد وجبت الشمس، فسمع صوتاً، فقال: ((يهود تعذب في قبورها)). متفق عليه.
٥٩٠٠ - وعن جابر، قال: قدم النبي ﷺ من سفر، فلما كان قرب المدينة هاجت ريح تكاد أن تدفن الراكب، فقال رسول الله ﷺ : ((بعثت هذه الريح لموت منافق)). فقدم المدينة، فإذا عظيم من المنافقين قد مات رواه مسلم.
٥٩٠١ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: خرجنا مع النبي ﷺ حتى قدمنا عسفان، فأقام بها ليالي، فقال الناس: ما نحن هاهنا في شيء، وإن عيالنا لخلوف ما نأمن عليهم، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: ((والذي نفسي بيده ما في المدينة شعب ولا نقب إلا عليه ملكان يحرسانها حتى تقدموا إليها)). ثم قال: ((ارتحلوا)) فارتحلنا وأقبلنا إلى المدينة، فو الذي يحلف به ما وضعنا رحالنا حين دخلنا المدينة حتى أغار علينا بنو عبد الله بن غطفان وما يهيجهم قبل ذلك شيء. رواه مسلم.
ــ
فإن ملكت [كفاف] قوت فكن به قنيعاً فإن المتقي الله قانع
قوله: ((فينسي)) جواب النفي على تقدير أن، فيكون عدم النسيان سبباً عن المذكورات كلها، وأوثرت ((لن)) النافية دلالة على أن النسيان بعد ذلك كالمحال، فقوله: ((مقالتي هذه)) كأنه إشارة إلى دعاء دعاه حينئذ وقوله ((من مقالتي شيئاً)) إشارة إلى جنس المقالات كلها وقوله ((ذلك)) إشارة إلى الجنس باعتبار المذكور.
و ((النمرة)) شلمة مخططة من مآزر الأعراب، وجمعها ((نمار)) كأنها أخذت من لون النمر لما فيها من السواد والبياض.
الحديث الثامن والعشرون عن جرير بن عبد الله ﵁:
قوله: ((من ذي الخلصة)) ذو الخلصة بيت لخثعم كان يدعي: ((كعبة اليمامة)) والخلصة اسم طاغيتهم التي كانت فيه.
شف: فيه ((إيماء إلى أن النفوس الزكية الكاملة المكملة قد يلحقها العناء مما هو على خلاف ما ينبغي من عبادة غير الله تعالى وغيرها مما لايجوز.
قوله: ((من أحمس)) نه: هم قريش وكنانة وجديلة قيس، سموا حمساً لأنهم تحمسوا في دينهم أي تشددوا، والحماسة الشجاعة.
وقوله: ((فانطلق)) هو من كلام الراوي، وقيل: هو كلام جرير نفسه ففيه التفات.
стр. 3114
٥٩٠٢ - وعن أنس، قال: أصابت الناس سنة على عهد رسول الله ﷺ ، فبينا النبي ﷺ يخطب في يوم الجمعة قام أعرابي فقال: يا رسول الله! هلك المال، وجاع العيال، فادع الله لنا. فرفع يديه وما نرى في السماء قزعة، فوالذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته، فمطرنا يومنا ذلك، ومن الغد، ومن بعد الغد حتى الجمعة الأخرى، وقام ذلك الأعرابي- أو غيره- فقال: يا رسول الله! تهدم البناء، وغرق المال، فادع الله لنا، فرفع يديه فقال: ((اللهم حالينا ولا علينا)). فما يشير إلى ناحية من السحاب إلى انفرجت وصارت المدينة مثل الجوبة، وسال الوادي قناة شهراً، ولم يجيء أحد من ناحية إلا حدث بالجود.
ــ
الحديث التاسع والعشرون والحديث الثلاثون عن أبي أيوب ﵁:
قوله: ((وجبت)) أي غربت، وأصله من السقوط، قال تعالى: ﴿فإذا وجبت جنوبها﴾ أي سقطت.
الحديث الحادي والثلاثون عن جابر ﵁:
قوله: ((قرب المدينة)) نصب على انتزاع الخافض والخبر متعلقه.
قوله: ((تكاد أن تدفن)) قال المالكي: وقع خبر كاد مقروناً بأن وهو صحيح، لكن وقوعه غير مقرون بأن أكثر وأشهر، ولذلك لم يقع في القرآن إلا غير مقرون بها، والسبب المانع من الاقتران في باب المقاربة هو دلالة الفعل على الشروع كطفق وجعل فإن ((أن)) تقتضي الاستقبال، وفعل الشروع يقتضي الحال فتنافيا، وما لا يدل على الشروع كعسى وأوشك وكرب وكاد فمقتضاه مستقبل فاقتران خبره بأن مؤكد لمقتضاه، فإذا انضم إلى هذا التعليل استعمال فصيح ونقل صحيح كما في الحديث المذكور وغيره من قول أنس: ((فما كدنا أن نصل إلى منازلنا)) وبعض الصحابة: ((والبرمة: بين الأثافي قد كادت أن تنضج)) وقول خبير: ((كاد قلبي أن يطير)) تأكد الدليل على الجواز ولم يوجد لمخالفته سبيل، وقد اجتمع الوجهان في قول عمر ﵁: ((ما كدت أن أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب)).
الحديث الثاني والثلاثون عن أبي سعيد ﵁:
قوله: ((لخلوف)) نه: يقال: حي خلوف إذا غاب الرجال وأقام النساء، ويطلق على المقيمين والظاعنين.
стр. 3115
وفي رواية قال: ((اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية، ومنابت الشجر)). قال: فأقلعت، وخرجنا نمشي في الشمس. متفق عليه.
٥٩٠٣ - وعن جابر، قال كان النبي ﷺ إذا خطب استند إلى جذع نخلة من سواري المسجد، فلما صنع له المنبر فاستوى عليه، صاحت النخلة التي كان يخطب عندها حتى كادت أن تنشق. فنزل النبي ﷺ حتى أخذها فضمها إليه، فجعلت تئن أنين الصبي الذي يسكت حتى استقرت، قال: ((بكت على ما كانت تسمع من الذكر)). رواه البخاري.
٥٩٠٤ - وعن سلمة بن الأكوع، أن رجلاً أكل عند رسول الله ﷺ بشماله فقال: ((كل بيمينك))، قال لا أستطيع. قال: ((لا استطعت)). ما منعه إلا الكبر، قال: فما رفعها إلى فيه. رواه مسلم.
ــ
قوله: ((إلا عليه)) أي على كل واحد من الشعب والنقب.
و ((يحرسانها)) الضمير راجع إلى المدينة، والمراد شعبها ونقبها.
الحديث الثالث والثلاثون عن أنس ﵁:
قوله: ((قزعة أي قطعة من السحاب.
((نه)) قوله: ((يتحادر أي ينزل ويقطر وهو تفاعل من الحدور ضد الصعود، يتعدى ولا يتعدى.
و ((الجوبة)) الحفرة المستديرة الواسعة، وكل سقف بلا بناء جوبة، أي صار السحاب والغيم محيطاً بآفاق المدينة.
قوله: ((حوالينا)) حوله وحواله وحوليه وحواليه بمعنى، وإنما أوثر حوالينا لمراعاة الازدواج مع قوله: ((علينا)) نحو قوله تعالى ﴿وجئتك من سبأ بنبأ يقين﴾.
((ولا علينا)) عطف جملة على جملة، أي: أمطر حوالينا ولا تمطر علينا، ولو لم يكن بالواو لكان حالا، أي أمطر على المزارع ولا تمطر على الأبنية، وأدمج في قوله: ((ولا علينا)) معنى المضرة، كأنه قيل: اجعل لنا لا علينا.
قوله: ((فما يشير إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت)) وفي أصل المالكي: ((فما جعل يشير
стр. 3116
٥٩٠٥ - وعن أنس، أن أهل المدينة فزعوا مرة، فركب النبي ﷺ فرساً لأبي طلحة بطيئاً، وكان يقطف، فلما رجع قال: ((وجدنا فرسكم هذا بحراً)). فكان بعد ذلك لا يجاري.
وفي رواية: فما سبق بعد ذلك اليوم. رواه البخاري.
٥٩٠٦ - وعن جابر قال: توفي أبي وعليه دين، فعرضت على غرمائه أن يأخذوا التمر بما عليه، فأبوا، فأتيت النبي ﷺ فقتل: قد علمت أن والدي استشهد يوم أحد وترك ديناً كثيراً، وإني أحب أن يراك الغرماء، فقال لي: ((اذهب فبيدر كل تمر على ناحية ففعلت، ثم دعوته، فلما نظروا إليه كأنهم أغروا بي تلك الساعة، فلما رأى ما يصنعون طاف حول أعظمها بيدراً ثلاث مرات ثم جلس عليه، ثم قال: ((ادع لي أصحابك)). فما زال يكيل لهم حتى أدى الله عن والدي أمانته، وأنا أرضى أن يؤدي الله أمانة والدين ولا أرجع إلى أخواتي بتمرة، فسلم الله البيادر كلها، وحتى إني أنظر
ــ
بيده إلى ناحية من السماء إلا انفرجت)) وهذا أنسب لأن الناحية إنما تنسب إلى السماء وهي التي تنكشف عن السحاب.
الجوهري: والفرج في قول أبي ذؤيب:
وللشر بعد القارعات فروج
أي تفرج وانكشاف.
وقال المالكي: وفي ((فما جعل يشير)) غرابة لأن أفعال الشروع إن صحبها نفي كان مع خبرها نحو جعلت لا ألهو، وقد ندر في هذا الحديث دخول فاء على جعل، وسهل ذلك أن معنى ما جعل يفعل وجعل لا يفعل واحد.
قوله: ((قناة شهرا)) نصب على الحال أو المصدر على حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه أي: مثل القناة، أو: سيلان القناة في الدوام والاستمرار والقوة والمقدار.
نه: الجواد المطر الواسع الغزير، يقال: جادهم المطر يجودهم جوداً.
و ((الآكام)) جمع أكم، والأكم جمع إكام، والإكام جمع أكمة وهي الرابية.
و ((الظراب)) الجبال الصغار واحدها ظرب بوزن كتف، وقد يجمع في القلة على أظرب.
وأقلع المطر: إذا كف وانقطع، وأقلعت عنه الحمى إذا فارقته- انتهى كلامه والضمير فيه للسحاب فإنها جمع سحابة.
стр. 3117
إلى البيدر الذي كان عليه النبي ﷺ كأنها لم تنقص ثمرة واحدة. رواه البخاري.
٥٩٠٧ - وعنه، قال: إن أم مالك كانت تهدي للنبي ﷺ في عكة لها سمناً، فيأتيها بنوها فيسألون الأدم وليس عندهم شيئ فتعمد إلى الذي كانت تهدي فيه للنبي ﷺ فتجد فيه سمناً، فما زال يقيم لها أدم بيتها حتى عصرته، فأتت النبي ﷺ فقال: ((عصرتيها؟)). قالت: نعم. قال: ((تركتيها ما زال قائماً)). رواه مسلم.
ــ
مح: فيه استحباب طلب انقطاع المطر عن المنازل والمرافق إذا كثر وتضرروا به، لكن لا يشرع له صلاة ولا اجتماع في الصحراء.
الحديث الرابع والثلاثون والخامس والثلاثون عن سلمة بن الأكوع ﵁:
قوله: ((أن رجلاً)) تو: الرجل يقال له: ((بشر بن راعي العير)) وقيل: ((بسر)) السير المهملة وهو من أشجع.
قوله: ((ما منعه إلا الكبر)) هو قول الراوي ورد استئنافاً لبيان موجب دعاء النبي ﷺ كان قائلاً قال: لم دعا عليه بـ ((لا استطعت)) وهو رحمة للعالمين؟ فأجيب بأن ما منعه عن الأكل باليمين العجز بل منعه الكبر.
وقريب منه أو مثله في الإجابة ما رويناه في موطأ الإمام مالك عن جابر ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة بني أنمار ومعي صاحب يرعى لنا وعليه بردان قد خلقا فنظر إليه فقال ﷺ : ((ما له ثوبان غير هذين؟)) فقلت: بلى يا رسول الله، قال: فمره يلبسهما، فلبسهما، فقال ﷺ : ((أليس هذا خيراً؟ ضرب الله عنقه)) فقال الرجل: في سبيل الله يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : ((في سبيل الله)) فقتل الرجل في سبيل الله.
الحديث السادس والثلاثون عن أنس ﵁:
قوله: ((كان يقطف)) أي يقارب خطاه.
فا: القطاف بوزن الخراف مقاربة الخطا والإبطاء، من القطف وهو القطع لأن سيره يجيء مقطعاً غير مطرد، ونقيضه الوساعة.
قوله: ((بحراً)) هو المفعول الثاني لوجدنا، شبه الفرس بالبحر في سعة خطوه وسرعة جريه.
الحديث السابع والثلاثون عن جابر ﵁:
قوله: ((فبيدر)) أمر بجمع كل تمر في بيدره، من قولهم: بيدر.
قال في المغرب: البيدر الموضع الذي يداس فيه الطعام.
قوله: ((أغروا بي)) أي لجوا في مطالبتي وألحوا، كأن دواعيهم حملتهم على الإغراء بي والاسم الغراء بالفتح والمد، وأغريت الكلب بالصيد، وأغريت بنيهم والاسم الغراة.
стр. 3118
٥٩٠٨ - وعن أنس، قال: قال أبو طلحة لأم سليم: لقد سمعت صوت رسول الله ﷺ ضعيفاً أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟ فقالت: نعم، فأخرجت أقراصاً من شعير، ثم أخرجت خماراً لها فلفت الخبز ببعضه ثم دسته تحت يدي ولائتني ببعضه، ثم أرسلتني إلى رسول الله ﷺ ، فذهبت به، فوجدت رسول الله ﷺ في المسجد ومعه الناس فقمت عليهم، فقال لي رسول الله ﷺ : ((أرسلك أبو طلحة؟)). قلت: نعم. قال: ((بطعام؟)) قلت: نعم. فقال رسول الله ﷺ لمن معه: ((قوموا)). فانطلق وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة، فأخبرته، فقال أبو طلحة: يا أم سليم: قد جاء رسول الله ﷺ بالناس وليس عندنا ما نطعمهم.
ــ
والضمير في: ((أعظمها)) راجع إلى البيادر.
و ((بيدراً)) تمييز.
قوله: ((أمانته)) تو: يريد دينه لأنه ائتمن على أدائه، قال الله تعالى: ﴿وتخونوا أماناتكم﴾ أي ما ائتمنتم عليه.
وقوله: ((حتى إني أنظر)) حتى هاهنا هي الداخل ما بعدها في ما قبلها، وهي عاطفة على مقدر جمع أولا في قوله: ((فسلم الله البيادر كلها)) ثم فصلها بقوله: حتى كذا وحتى كذا.
الحديث الثامن والثلاثون عن جابر ﵁:
قوله: ((في عكة لها)) نه: هي وعاء من جلد مستدير ويختص بالسمن والعسل وهو بالسمن أخص.
قوله: ((يقيم لها)) أي العكة ذكرها باعتبار الظرف.
وقوله: ((فأتت النبي ﷺ ) أي فأتت وشكت انقطاع إدام بيتها من العكة. فقال النبي ﷺ : ((عصرتيها)) والياء فيها وفي ((تركتيها)) لإشباع الكسرة.
الحديث التاسع والثلاثون عن أنس ﵁:
قوله: ((ثم دسته)) نه: يقال: دسه يدسه دساً إذا أدخله في الشيء بقهر وقوة.
وقوله: ((ولا ثتني)) قض: يعني عممتني أو لففتني، من اللوث وهو اللف، وهو لف الشيء بالشيء وإدارته عليه، ومنه لاث به الناس إذا استداروا حوله.
стр. 3119
فقالت: الله ورسوله أعلم، فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله ﷺ ، فأقبل رسول الله ﷺ وأبو طلحة معه. فقال رسول الله ﷺ : ((هلمي يا أم سليم! ما عندك)) فأتت بذلك الخبز، فأمر به رسول الله ﷺ ففت، وعصرت أم سليم عكة فأدمته، ثم قال رسول الله ﷺ فيه ما شاء الله أن يقول، قم قال: ((ائذن لعشرة)) فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال ((ائذن لعشرة)) فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: ((ائذن لعشرة)) فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا. ثم قال ((ائذن لعشرة)) فأكل القوم كلهم وشبعوا، والقوم سبعون أو ثمانون رجلاً. متفق عليه.
ــ
قوله: ((سؤراً)) تو: هو بالهمزة أي بقية.
فإن قيل: كيف تستقيم هذه الروايات من صحابي واحد، ففي إحداها يقول: ((وترك سؤراً)) وفي الأخرى يقول: ٠٠فجعلت أنظر هل نقص من شيء؟)) وفي الثالثة يقول: ((ثم أخذ ما بقى فجمعه ... الحديث))؟.
قلنا: وجه التوفيق فيهن هين بين وهو أن نقول: إنما قال: ((وترك سؤراً))، باعتبار أنهم كانوا يتناولون منه فما فضل منهم سماه سؤراً وإن كان بحيث يحسب أنه لم ينقص منه شيء، وأراد بذلك ما فضل عنهم بعد أن فرغوا منه.
وقيل: أخبر في الأولى أنه دعا فيه بالبركة، وفي الثانية يحكيه على ما وجده عليه بعد الدعاء وعوده إلى المقدار الذي كان عليه قبل التناول، والثالثة لا التباس فيها على ما ذكرناه.
قوله: ((الله ورسوله أعلم)) مح: فيه منقبة عظيمة لأم سليم ودلالة على عظم دينها ورجحان عقلها، تعني أنه ﷺ قد عرف قدر الطعام فهو أعلم بالمصلحة ولو لم يعلم المصلحة لم يفعلها.
وإنما أذن لعشرة عشرة ليكون أرفق بهم، فإن القصعة التي فيها الطعام لا يتحلق عليه أكثر من عشرة إلا بضرر يلحقهم لبعدها عنهم.
وقوله: ((فأذمته)) أي جعلت باق العكة إداماً للمفتوت.
الحديث الأربعون عن أنس ﵁:
قوله: ((ثلاثمائة)) منصوب على أنه خبر لكان المقدر.
و ((زهاء ثلاثمائة)) أي قدر ثلاثمائة من زهوت القوم إذا حزرتهم.
الحديث الحادي والأربعون عن عبد الله بن مسعود ﵁:
стр. 3120
وفي رواية لمسلم أنه قال: ((ائذن لعشرة)) فدخلوا فقال: ((كلوا وسموا الله)) فأكلوا حتى فعل ذلك بثمانين رجلاً، ثم أكل النبي ﷺ وأهل البيت وترك سؤراً.
وفي رواية البخاري، قال: ((أدخل علي عشرة)) حتى عد أربعين، ثم أكل النبي ﷺ فجعلت أنظر هل نقص منها شيء؟
وفي رواية لمسلم: ثم أخذ ما بقي فجمعه، ثم دعا فيه بالبركة فعاد كما كان. فقال: ((دونكم هذا)).
٥٩٠٩ - وعنه، قال: أتي النبي ﷺ بإناء وهو بالزوراء، فوضع يده في الإناء، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه، فتوضأ القوم. قال قتادة: قلت لأنس: كم كنتم؟ قال: ثلاثمائة أو زهاء ثلاثمائة. متفق عليه.
ــ
قوله: ((وأنتم تعدونها تخويفاً)) هو من قوله تعالى: ﴿وما نرسل بالآيات إلا تخويفا﴾ والآيات إما أن يراد بها المعجزات أو آيات الكتاب المنزلة، وكلتاهما بالنسبة إلى المؤمن الموافق بركات وازدياد في إيمانه، وبالنسبة إلى المخالف المعاند إنذار وتخويف، يعن لا نرسلها إلا تخويفاً من نزول العذاب العاجل كالطليعة والمقدمة له.
وفيه مدح للصحابة الذين سعدوا بصحبة خير البشر ولزموا طريقته، وذم لمن عدل عن الطريق المستقيم.
وإنما طلب فضله من الماء كيلا يظن أنه ﷺ موجد للماء، فإن الإيجاد إليه سبحانه وإليه أشار بقوله ﷺ : ((والبركة من الله)) أي أن هذا الذي رأيتم من زيادة الماء أيضاً ليس مني، إنما هو بركة من الله تعالى وفضله.
مح: في كيفية هذا النبع وجهان حكاهما القاضي وغيره.
أحدهما: أن الماء كان يخرج من نفس أصابعه وينبع من ذاتها، وهو قول المزني وأكثر العلماء، وهو أعظم في المعجزة من نبعه من حجر، ويؤيده ما جاء في رواية: ((فرأيت الماء ينبع من أصابعه)).
وثانيهما: أنه تعالى أكثر الماء في ذاته فصار يفور من بين أصابعه.
قوله: ((حي على الطهور)) تو: يريد هلم وأقبل عليه، فتحت الياء لسكونها وسكون ما قبلها، والعرب تقول: حي على الثريد وهو كفعل الأمر.
الحديث الثاني والأربعون عن أبي قتادة ﵁:
следующие страницы →