← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122257

شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن

الطيبي

Полный текст (3 308 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

٥٩٠٥ - وعن أنس، أن أهل المدينة فزعوا مرة، فركب النبي ﷺ فرساً لأبي طلحة بطيئاً، وكان يقطف، فلما رجع قال: ((وجدنا فرسكم هذا بحراً)). فكان بعد ذلك لا يجاري. وفي رواية: فما سبق بعد ذلك اليوم. رواه البخاري. ٥٩٠٦ - وعن جابر قال: توفي أبي وعليه دين، فعرضت على غرمائه أن يأخذوا التمر بما عليه، فأبوا، فأتيت النبي ﷺ فقتل: قد علمت أن والدي استشهد يوم أحد وترك ديناً كثيراً، وإني أحب أن يراك الغرماء، فقال لي: ((اذهب فبيدر كل تمر على ناحية ففعلت، ثم دعوته، فلما نظروا إليه كأنهم أغروا بي تلك الساعة، فلما رأى ما يصنعون طاف حول أعظمها بيدراً ثلاث مرات ثم جلس عليه، ثم قال: ((ادع لي أصحابك)). فما زال يكيل لهم حتى أدى الله عن والدي أمانته، وأنا أرضى أن يؤدي الله أمانة والدين ولا أرجع إلى أخواتي بتمرة، فسلم الله البيادر كلها، وحتى إني أنظر ــ بيده إلى ناحية من السماء إلا انفرجت)) وهذا أنسب لأن الناحية إنما تنسب إلى السماء وهي التي تنكشف عن السحاب. الجوهري: والفرج في قول أبي ذؤيب: وللشر بعد القارعات فروج أي تفرج وانكشاف. وقال المالكي: وفي ((فما جعل يشير)) غرابة لأن أفعال الشروع إن صحبها نفي كان مع خبرها نحو جعلت لا ألهو، وقد ندر في هذا الحديث دخول فاء على جعل، وسهل ذلك أن معنى ما جعل يفعل وجعل لا يفعل واحد. قوله: ((قناة شهرا)) نصب على الحال أو المصدر على حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه أي: مثل القناة، أو: سيلان القناة في الدوام والاستمرار والقوة والمقدار. نه: الجواد المطر الواسع الغزير، يقال: جادهم المطر يجودهم جوداً. و ((الآكام)) جمع أكم، والأكم جمع إكام، والإكام جمع أكمة وهي الرابية. و ((الظراب)) الجبال الصغار واحدها ظرب بوزن كتف، وقد يجمع في القلة على أظرب. وأقلع المطر: إذا كف وانقطع، وأقلعت عنه الحمى إذا فارقته- انتهى كلامه والضمير فيه للسحاب فإنها جمع سحابة.

стр. 3117

إلى البيدر الذي كان عليه النبي ﷺ كأنها لم تنقص ثمرة واحدة. رواه البخاري. ٥٩٠٧ - وعنه، قال: إن أم مالك كانت تهدي للنبي ﷺ في عكة لها سمناً، فيأتيها بنوها فيسألون الأدم وليس عندهم شيئ فتعمد إلى الذي كانت تهدي فيه للنبي ﷺ فتجد فيه سمناً، فما زال يقيم لها أدم بيتها حتى عصرته، فأتت النبي ﷺ فقال: ((عصرتيها؟)). قالت: نعم. قال: ((تركتيها ما زال قائماً)). رواه مسلم. ــ مح: فيه استحباب طلب انقطاع المطر عن المنازل والمرافق إذا كثر وتضرروا به، لكن لا يشرع له صلاة ولا اجتماع في الصحراء. الحديث الرابع والثلاثون والخامس والثلاثون عن سلمة بن الأكوع ﵁: قوله: ((أن رجلاً)) تو: الرجل يقال له: ((بشر بن راعي العير)) وقيل: ((بسر)) السير المهملة وهو من أشجع. قوله: ((ما منعه إلا الكبر)) هو قول الراوي ورد استئنافاً لبيان موجب دعاء النبي ﷺ كان قائلاً قال: لم دعا عليه بـ ((لا استطعت)) وهو رحمة للعالمين؟ فأجيب بأن ما منعه عن الأكل باليمين العجز بل منعه الكبر. وقريب منه أو مثله في الإجابة ما رويناه في موطأ الإمام مالك عن جابر ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة بني أنمار ومعي صاحب يرعى لنا وعليه بردان قد خلقا فنظر إليه فقال ﷺ : ((ما له ثوبان غير هذين؟)) فقلت: بلى يا رسول الله، قال: فمره يلبسهما، فلبسهما، فقال ﷺ : ((أليس هذا خيراً؟ ضرب الله عنقه)) فقال الرجل: في سبيل الله يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : ((في سبيل الله)) فقتل الرجل في سبيل الله. الحديث السادس والثلاثون عن أنس ﵁: قوله: ((كان يقطف)) أي يقارب خطاه. فا: القطاف بوزن الخراف مقاربة الخطا والإبطاء، من القطف وهو القطع لأن سيره يجيء مقطعاً غير مطرد، ونقيضه الوساعة. قوله: ((بحراً)) هو المفعول الثاني لوجدنا، شبه الفرس بالبحر في سعة خطوه وسرعة جريه. الحديث السابع والثلاثون عن جابر ﵁: قوله: ((فبيدر)) أمر بجمع كل تمر في بيدره، من قولهم: بيدر. قال في المغرب: البيدر الموضع الذي يداس فيه الطعام. قوله: ((أغروا بي)) أي لجوا في مطالبتي وألحوا، كأن دواعيهم حملتهم على الإغراء بي والاسم الغراء بالفتح والمد، وأغريت الكلب بالصيد، وأغريت بنيهم والاسم الغراة.

стр. 3118

٥٩٠٨ - وعن أنس، قال: قال أبو طلحة لأم سليم: لقد سمعت صوت رسول الله ﷺ ضعيفاً أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟ فقالت: نعم، فأخرجت أقراصاً من شعير، ثم أخرجت خماراً لها فلفت الخبز ببعضه ثم دسته تحت يدي ولائتني ببعضه، ثم أرسلتني إلى رسول الله ﷺ ، فذهبت به، فوجدت رسول الله ﷺ في المسجد ومعه الناس فقمت عليهم، فقال لي رسول الله ﷺ : ((أرسلك أبو طلحة؟)). قلت: نعم. قال: ((بطعام؟)) قلت: نعم. فقال رسول الله ﷺ لمن معه: ((قوموا)). فانطلق وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة، فأخبرته، فقال أبو طلحة: يا أم سليم: قد جاء رسول الله ﷺ بالناس وليس عندنا ما نطعمهم. ــ والضمير في: ((أعظمها)) راجع إلى البيادر. و ((بيدراً)) تمييز. قوله: ((أمانته)) تو: يريد دينه لأنه ائتمن على أدائه، قال الله تعالى: ﴿وتخونوا أماناتكم﴾ أي ما ائتمنتم عليه. وقوله: ((حتى إني أنظر)) حتى هاهنا هي الداخل ما بعدها في ما قبلها، وهي عاطفة على مقدر جمع أولا في قوله: ((فسلم الله البيادر كلها)) ثم فصلها بقوله: حتى كذا وحتى كذا. الحديث الثامن والثلاثون عن جابر ﵁: قوله: ((في عكة لها)) نه: هي وعاء من جلد مستدير ويختص بالسمن والعسل وهو بالسمن أخص. قوله: ((يقيم لها)) أي العكة ذكرها باعتبار الظرف. وقوله: ((فأتت النبي ﷺ ) أي فأتت وشكت انقطاع إدام بيتها من العكة. فقال النبي ﷺ : ((عصرتيها)) والياء فيها وفي ((تركتيها)) لإشباع الكسرة. الحديث التاسع والثلاثون عن أنس ﵁: قوله: ((ثم دسته)) نه: يقال: دسه يدسه دساً إذا أدخله في الشيء بقهر وقوة. وقوله: ((ولا ثتني)) قض: يعني عممتني أو لففتني، من اللوث وهو اللف، وهو لف الشيء بالشيء وإدارته عليه، ومنه لاث به الناس إذا استداروا حوله.

стр. 3119

فقالت: الله ورسوله أعلم، فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله ﷺ ، فأقبل رسول الله ﷺ وأبو طلحة معه. فقال رسول الله ﷺ : ((هلمي يا أم سليم! ما عندك)) فأتت بذلك الخبز، فأمر به رسول الله ﷺ ففت، وعصرت أم سليم عكة فأدمته، ثم قال رسول الله ﷺ فيه ما شاء الله أن يقول، قم قال: ((ائذن لعشرة)) فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال ((ائذن لعشرة)) فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: ((ائذن لعشرة)) فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا. ثم قال ((ائذن لعشرة)) فأكل القوم كلهم وشبعوا، والقوم سبعون أو ثمانون رجلاً. متفق عليه. ــ قوله: ((سؤراً)) تو: هو بالهمزة أي بقية. فإن قيل: كيف تستقيم هذه الروايات من صحابي واحد، ففي إحداها يقول: ((وترك سؤراً)) وفي الأخرى يقول: ٠٠فجعلت أنظر هل نقص من شيء؟)) وفي الثالثة يقول: ((ثم أخذ ما بقى فجمعه ... الحديث))؟. قلنا: وجه التوفيق فيهن هين بين وهو أن نقول: إنما قال: ((وترك سؤراً))، باعتبار أنهم كانوا يتناولون منه فما فضل منهم سماه سؤراً وإن كان بحيث يحسب أنه لم ينقص منه شيء، وأراد بذلك ما فضل عنهم بعد أن فرغوا منه. وقيل: أخبر في الأولى أنه دعا فيه بالبركة، وفي الثانية يحكيه على ما وجده عليه بعد الدعاء وعوده إلى المقدار الذي كان عليه قبل التناول، والثالثة لا التباس فيها على ما ذكرناه. قوله: ((الله ورسوله أعلم)) مح: فيه منقبة عظيمة لأم سليم ودلالة على عظم دينها ورجحان عقلها، تعني أنه ﷺ قد عرف قدر الطعام فهو أعلم بالمصلحة ولو لم يعلم المصلحة لم يفعلها. وإنما أذن لعشرة عشرة ليكون أرفق بهم، فإن القصعة التي فيها الطعام لا يتحلق عليه أكثر من عشرة إلا بضرر يلحقهم لبعدها عنهم. وقوله: ((فأذمته)) أي جعلت باق العكة إداماً للمفتوت. الحديث الأربعون عن أنس ﵁: قوله: ((ثلاثمائة)) منصوب على أنه خبر لكان المقدر. و ((زهاء ثلاثمائة)) أي قدر ثلاثمائة من زهوت القوم إذا حزرتهم. الحديث الحادي والأربعون عن عبد الله بن مسعود ﵁:

стр. 3120

وفي رواية لمسلم أنه قال: ((ائذن لعشرة)) فدخلوا فقال: ((كلوا وسموا الله)) فأكلوا حتى فعل ذلك بثمانين رجلاً، ثم أكل النبي ﷺ وأهل البيت وترك سؤراً. وفي رواية البخاري، قال: ((أدخل علي عشرة)) حتى عد أربعين، ثم أكل النبي ﷺ فجعلت أنظر هل نقص منها شيء؟ وفي رواية لمسلم: ثم أخذ ما بقي فجمعه، ثم دعا فيه بالبركة فعاد كما كان. فقال: ((دونكم هذا)). ٥٩٠٩ - وعنه، قال: أتي النبي ﷺ بإناء وهو بالزوراء، فوضع يده في الإناء، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه، فتوضأ القوم. قال قتادة: قلت لأنس: كم كنتم؟ قال: ثلاثمائة أو زهاء ثلاثمائة. متفق عليه. ــ قوله: ((وأنتم تعدونها تخويفاً)) هو من قوله تعالى: ﴿وما نرسل بالآيات إلا تخويفا﴾ والآيات إما أن يراد بها المعجزات أو آيات الكتاب المنزلة، وكلتاهما بالنسبة إلى المؤمن الموافق بركات وازدياد في إيمانه، وبالنسبة إلى المخالف المعاند إنذار وتخويف، يعن لا نرسلها إلا تخويفاً من نزول العذاب العاجل كالطليعة والمقدمة له. وفيه مدح للصحابة الذين سعدوا بصحبة خير البشر ولزموا طريقته، وذم لمن عدل عن الطريق المستقيم. وإنما طلب فضله من الماء كيلا يظن أنه ﷺ موجد للماء، فإن الإيجاد إليه سبحانه وإليه أشار بقوله ﷺ : ((والبركة من الله)) أي أن هذا الذي رأيتم من زيادة الماء أيضاً ليس مني، إنما هو بركة من الله تعالى وفضله. مح: في كيفية هذا النبع وجهان حكاهما القاضي وغيره. أحدهما: أن الماء كان يخرج من نفس أصابعه وينبع من ذاتها، وهو قول المزني وأكثر العلماء، وهو أعظم في المعجزة من نبعه من حجر، ويؤيده ما جاء في رواية: ((فرأيت الماء ينبع من أصابعه)). وثانيهما: أنه تعالى أكثر الماء في ذاته فصار يفور من بين أصابعه. قوله: ((حي على الطهور)) تو: يريد هلم وأقبل عليه، فتحت الياء لسكونها وسكون ما قبلها، والعرب تقول: حي على الثريد وهو كفعل الأمر. الحديث الثاني والأربعون عن أبي قتادة ﵁:

стр. 3121

٥٩١٠ - وعن عبد الله بن مسعود، قال: كنا نعد الآيات بركة، وأنتم تعدونها تخويفاً. كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فقل الماء. فقال: ((اطلبوا فضلة من ماء)) فجاءوا بإناء فيه ماء قليل فأدخل يده في الإناء، ثم قال: ((حي على الطهور المبارك، والبركة من الله)) ولقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله ﷺ ، ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل. رواه البخاري. ٥٩١١ - وعن أبي قتادة، قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: ((إنكم تسيرون عشيتكم وليلتكم، وتأتون الماء إن شاء الله غداً)) فانطلق الناس لا يلوي أحد على أحد. قال أبو قتادة: فبينام رسول الله ﷺ يسير حتى ابهار الليل فمال عن الطريق، فوضع رأسه، ثم قال: ((احفظوا علينا صلاتنا)) فكان أول من استيقظ رسول الله ﷺ والشمس في ظهره، ثم قال: ((اركبوا)) فركبنا. فسرنا حتى إذا ارتفعت الشمس نزل، ثم دعا بميضأة كانت معي فيها شيء من ماء، فتوضأ منها وضوء دون وضوء. قال: ــ قوله: ((لا يلوي أحد على أحد)) أي لا يلتفت ولا يعطف عليه، ولا يصرف همه إليه، بل يمشي كل واحد على حدته من غير أن يراعي الصحبة لاهتمامه بطلب الماء. و ((إبهار الليل)) أي انتصف، وبهرة كل شيء وسطه. وقيل: ابهار الليل إذا طلعت نجومه واستنارت. قوله: ((بميضأة)) فا: هي على مفعلة ومفعالة، وميضأة مطهرة كبيرة يتوضأ منها. قوله: ((دون وضوء)) أي دون وضوء كامل، أي وضوء خفيفاً لقلة الماء. قوله: ((فلم يعد أن رأى الناس)) لم يضبط الشيخ محيي الدين هذه اللفظة، وفي أكثر نسخ المصابيح وقعت بفتح الياء والسكون العين وضم الدال، وإثبات الفاء في قوله: ((فتكابوا)) وليس في صحيح مسلم ولا شرحه الفاء. و ((أن رأى الناس)) يحتمل أن يكون فاعلاً أي لم تتجاوز رؤية الناس الماء أكبأتهم فتكابوا وأن يكون مفعولاً أي لم يتجاوز السقى أو الصب رؤية الناس الماء في تلك الحالة وهي كبهم عليه. قوله: ((فتكابوا عليها)) أي ازدحموا على الميضأة مكباً بعضهم على بعض. قوله: ((أحسنوا الملأ)) فا: الملأ حسن الخلق، وقيل: للخلق الحسن ملأ لأنه أكرم ما فيه الرجل وأفضله، من قولهم لكرام القوم ووجوههم: ملاء.

стр. 3122

وبقي فيها شيء من ماء. ثم قال: ((احفظ علينا ميضأتك؛ فسيكون لها نبأ)) ثم أذن بلال بالصلاة، فصلى رسول الله ﷺ ركعتين، ثم صلى الغداة، وركب وركبنا معه، فانتهينا إلى الناس حين امتد النهار وحمى كل شيء، وهم يقولون: يا رسول الله! هلكنا وعطشنا، فقال: ((لا هلك عليكم)) ودعا بالميضأة فجعل يصب، وأبو قتادة يسقيهم، فلم يعد أن رأى الناس ماء في الميضأة تكابوا عليها، فقال رسول الله ﷺ : ((أحسنوا الملأ، كلكم سيروي)) قال: ففعلوا، فجعل رسول الله ﷺ يصب وأسقيهم، حتى ما بقي غيري وغير رسول الله ﷺ ، ثم صب فقال لي: ((اشرب)) فقلت: لا أشرب حتى تشرب يا رسول الله! فقال: ((إن ساقي القوم آخرهم)) قال: فشربت وشرب، قال: فأتى الناس الماء جامين رواء. رواه مسلم هكذا في ((صحيحه))، وكذا في ((كتاب الحميدي)). و ((جامع الأصول)). وزاد في ((المصابيح)) بعد قوله: ((آخرهم)) لفظة: ((شرباً)). ــ قال المازني عن أبي عبيدة: يقال لكرام القوم ملأ، ثم يقولون: ما أحسن ملأه أي خلقه، وإنما قيل للكرام: ملأ، لأنهم يتمالئون، أي يتعاونون. قوله: ((فأتى الناس الماء)) الفاء سببية، أي فحصل للناس عن آخرهم مما جرى ما راموا من الري مستريحين. تو: ((جامين)) أي مستريحين، قد ذهب عنهم إعياؤهم، من الجمام بالفتح وهو الراحة، وأكثر ما يستعمل ذلك في الفرس. و ((رواء)) بالكسر جمع راو وهو الذي روى من الماء. الحديث الثالث والأربعون عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((خذوا في أوعيتكم)) أي صبوا في أوعيتكم آخذين، أو: خذوا صابين في أوعيتكم. وقوله: ((بهما)) يجوز أن تكون الباء فيه سببية أو استعانة أو حالا، وقد جيء بالجملة استطراداً بالشهادتين واستبشاراً للأمة. حسن: احتج البخاري في النهد في الطعام وفي جواز قسم ما يكال ويوزن مجازفة وقبضة قبضة بهذا الحديث. قوله: ((غير شاك)) مرفوع صفة ((عبد)). وقوله: ((فيحجب)) مرفوع عطفاً على الجملة السابقة، والنفي منصب عليهما معاً.

стр. 3123

٥٩١٢ - وعن أبي هريرة، قال: لما كان يوم غزوة تبوك، أصاب الناس مجاعة. فقال عمر: يا رسول الله! ادعهم بفضل أزودهم، ثم ادع الله لهم عليها بالبركة. فقال: ((نعم)). فدعا بنطع، فبسط، ثم دعا بفضل أزوادهم، فجعل الرجل يجيء بكف ذرة، ويجيء الآخر بكف تمر، ويجيء الآخر بكسرة، حتى اجتمع على النطع شيء يسير، فدعا رسول الله ﷺ بالبركة. ثم قال ((خذوا في أوعيتكم)) فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملأوه قال: فأكلوا حتى شبعوا، وفضلت فضلة. فقال رسول الله ﷺ : ((أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله بها عبد غير شاك فيحجب عن الجنة)). رواه مسلم. ــ الحديث الرابع والأربعون والخامس والأربعون عن جابر ﵁: قوله: ((وأنا علي ناضح)) نه: الناضح الإبل التي يستقى عليها، والجمع النواضح ويجمع أيضاً على ((نضاح)). وفقار الظهر: خرزاته، الواحدة فقارة. قوله: ((قدامها)) بدل أو بيان لقوله: ((بين يدي الإبل)) وهو ظرف لقوله: ((فما زال)) ويجوز أن يكوف ظرفاً ليسير، ويسير خبره، واسمه عائد إلى ناضح. الحديث السادس والأربعون عن أبي حميد الساعدي ﵁: قوله: ((وادي القرى)) تو: وادي القرى لا يعرب الياء من الوادي فإن الكلمتين جعلتا اسماً واحداً. وجبلا طيء أحدهما سلمى، والآخر أجأ على فعل بالتحريك وهما بأرض نجد. الحديث السابع والأربعون عن أبي ذر ﵁: قوله: ((يسمى فيها القيراط)) أي يذكر، قض: أي يكثر أهلها ذكر القراريط في معاملاتهم لتشددهم فيها وقلة مروءتهم، وأنشد جار الله لبعض البدويات: عريض القفا ميزانه في شماله قد انحصر في حسب القراريط شاربه وقيل: القراريط كلمة يذكرها أهلها في المسابة. ومعنى الحديث: أن القوم لهم دناءة وخسة، أو في لسانهم بذاء وفحش، فإذا استوليتم عليهم وتمكنتم منهم فأحسنوا إليهم بالصفح والعفو عما تنكرون، ولا يحملنكم سوء أفعالهم.

стр. 3124

٥٩١٣ - وعن أنس، قال: كان النبي ﷺ عروسا بزينب، فعمدت أمي أم سليم إلى تمر وسمن وأقط، فصنعت حيساً فجعلته في تور فقالت: يا أنس! اذهب بهذا إلى رسول الله ﷺ فقل بعثت بهذا إليك أمي، وهي تقرئك السلام، وتقول: إن هذا لك منا قليل يا رسول الله! فذهبت فقلت، فقال: ((ضعه)) ثم قال: ((اذهب فادع لي فلاناً وفلاناً وفلاناً)) رجالاً سماهم ((وادع من لقيت)) فدعوت من سمى ومن لقيت، فرجعت فإذا البيت غاص بأهله قيل لأنس: عددكم كم كانوا؟ قال: زهاء ثلاثمائة. فرأيت النبي ﷺ وضع يده على تلك الحيسة، وتكلم بما شاء الله، ثم جعل يدعو عشرة عشرة يأكلون منه، ويقول لهم: ((اذكروا اسم الله، وليأكل كل رجل مما يليه، قال: فأكلوا حتى شبعوا، فخرجت طائفة، ودخلت طائفة، حتى أكلوا كلهم. قال لي: ((يا أنس! ارفع)) فرفعت، فما أدري حين وضعت كان أكثر أم حين رفعت. متفق عليه. ٥٩١٤ - وعن جابر، قال: غزوت مع رسول الله ﷺ وأنا على ناضح قد أعيي، فلا يكاد يسير فتلاحق بي النبي ﷺ فقال: ((ما لبعيرك؟)) قلت: قد عيي، فتخلف رسول الله ﷺ فزجره فدعا له، فمازال بين يدي الإبل قدامها يسير فقال لي: ــ وأقوالهم على الإساءة فإن لهم ذمة ورحماً، وذلك لأن هاجر أم إسماعيل ﵊، ومارية أم إبراهيم ﷺ ابن النبي ﷺ كانتا من القبط. قوله: ((يختصمان في موضع لبنة)) لعله ﷺ علم من طريق الوحي والمكاشفة أنه ستحدث هذه الحادثة في مصر، وسيكون عقيب ذلك فتن وشرور لخروج المصريين على عثمان ﵁ أولاً، وقتلهم محمد بن أبي بكر ثانياً، فجعل ذلك علامة وأمارة لتلك الفتن وأمره بالخروج منها حينما رآه، وعلم أن في طباع سكانها خسة ومماكسة كما دل عليه صدر الحديث، فإذا اقتضت الحال إلى أن يتخاصموا في مثل هذا المحقر فينبغي أن يتحرز عن مخالطتهم ويتجنب عن مساكنتهم. الحديث الثامن والأربعون عن حذيفة ﵁: قوله: ((في أصحابي)) تو: صحبة النبي ﷺ المعتد بها هي المقرونة بالإيمان، ولا يصح أن تطلق إلا على من صدق في إيمانه وظهر منه أمارته دون من أغمض عليهم بالنفاق وإضافتها إليهم لا تجوز إلا على المجاز لتشبههم بالصحابة وتسترهم بالكلمة وإدخالهم أنفسهم في ــ ((كيف ترى بعيرك؟)) قلت: بخير، قد أصابته بركتك. قال: ((أفتبيعنيه بوقية؟)) فبعته على أن لي فقار ظهره إلى المدينة. فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة غدوت عليه بالبعير، فأعطاني ثمنه ورده علي. متفق عليه. ٥٩١٥ - وعن أبي حميد الساعدي، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ غزوة تبوك، فأتينا وادي القرى على حديقة لامرأة، فقال رسول الله ﷺ : ((اخرصوها)) فخرصناها، وخرصها رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 3125

عشرة أوسق وقال: ((أحصيها حتى نرجع إليك إن شاء الله)) وانطلقنا، حتى قدمنا تبوك، فقال رسول الله ﷺ : ((ستهب عليكم الليلة ريح شديدة)) فلا يقم فيها أحد، فمن كان له بعير فليشد عقاله)) فهبت ريح شديدة، فقام رجل فحملته الريح حتى ألقته بجبلي طيء، ثم أقبلنا حتى قدمنا وادي القرى، فسأل رسول الله ﷺ المرأة عن حديقتها ((كم بلغ ثمرها؟)) فقالت: عشرة أوسق. متفق عليه. ٥٩١٦ - وعن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنكم ستفتحون مصر وهي أرض يسمى فيها القيراط، فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها فإن لها ذمة ورحماً- أو قال: ذمة وصهراً- فإذا رأيتم رجلين يختصمان في موضع لبنة فاخرج منها)). قال: فرأيت عبد الرحمن بن شرحبيل بن حسنة وأخاه ربيعة يختصمان في موضع لبنة، فخرجت منها. رواه مسلم. ــ غمارها ولهذا قال: ((في أصحابي)) ولم يقل: من أصحابي، وذلك مثل قولنا: إبليس كان في الملائكة، أي في زمرتهم، ولا يصح أن يقال: كان من الملائكة، فإن الله يقول: ﴿كان من الجن﴾ وقد أسر هذا القول إلى خاصته وذوي المنزلة من أصحابه أمر هذه الفئة المشئومة المتلبسة لئلا يقبلوا منهم الإيمان، ولا يأمنوا من قبلهم المكر والخداع، ولم يكن يخفى على المحفوظين شأنهم لاشتهارهم بذلك في الصحابة إلا أنهم كانوا لا يواجهونهم بصريح المقال أسوة برسول الله ﷺ ، وكان حذيفة أعلمهم بأسمائهم، وذلك لأنه كان ليلة العقبة مع النبي ﷺ مرجعه من غزوة تبوك حين هموا بقتله، ولم يكن على العقبة إلا رسول الله ﷺ وعمار يقود وحذيفة يسوق به، وكان منادي رسول الله ﷺ قد نادى أن: ((خذوا بطن

стр. 3126

٥٩١٧ - وعن حذيفة، عن النبي ﷺ قال: ((في أصحابي- وفي رواية قال: في أمتي- اثنا عشر منافقاً لا يدخلون الجنة، ولا يجدون ريحها حتى يلج الجمل في سم الخياط، ثمانية منهم تكفيهم الدبيلة: سراج من نار يظهر في أكتافهم حتى تنجم في صدورهم)). رواه مسلم. وسنذكر حديث سهل بن سعد: ((لأعطين هذه الراية غداً)) في (باب مناقب علي)) [﵁]. وحديث جابر ((من يصعد الثنية)) في ((باب جامع المناقب)) إن شاء الله تعالى. ــ الوادي فإنه أوسع لكم فإن رسول الله ﷺ قد أخذ الثنية)) فلما سمع المنافقون طمعوا في المكر به فاتبعوه متلثمين وهم اثنا عشر رجلا، فسمع رسول الله ﷺ خشفة القوم من روائه فأمر حذيفة أن يردهم، فاستقبل حذيفة وجوه رواحلهم بمحجن كان معه فضربها ضرباً فرعبهم الله حين أبصروا حذيفة، فانقلبوا مسرعين على أعقابهم حتى خالطوا الناس، فأدرك حذيفة رسول الله ﷺ ، فقال: لحذيفة: هل عرفت منهم أحداً؟ قال: لا فإنهم كانوا متلثمين ولكن أعرف رواحلهم، فقال: لحذيفة: هل عرفت منهم أحداً؟ قال: لا فإنهم كانوا متلثمين ولكن أعرف رواحلهم، فقال: إن الله تعالى أخبرني بأسمائهم وأسماء آبائهم وسأخبرك بهم إن شاء الله عند الصباح، فمن ثمة كان الناس يراجعون حذيفة في أمر المنافقين، وقد ذكر عن حذيفة أنهم كانوا أربعة عشر فتات اثنان ومات اثنا عشر رجلاً على النفاق على ما أخبر به الصادق المصدوق ﷺ ، وقد اطلعت على أسمائهم في كتاب حفاظ الحديث مروية عن حذيفة، غير أني وجدت في بعضها اختلافاً فلم أر أن أخاطر بديني فيما لا ضرورة لي. قوله: ((تكفيهم الدبيلة)) قض: الدبيلة في الأصل تصغير الدبل وهي الداهية، فأطلقت على قرحة رديئة تحدث في باطن الإنسان. ويقال لها: الدبلة بالفتح والضم. وفسرها في الحديث بنار تخرج في أكتافهم. ((حتى تنجم)) أي تظهر، من نجم ينجم بالضم إذا طلع وظهر، ولعله أراد بها ورماً حاراً يحدث في أكتافهم بحيث يظهر أثر تلك الحرارة وشدة لهبها في صدورهم ممثلة بسراج من نار وهو شعلة المصباح. وقد روي عن حذيفة ﵁ أن النبي ﷺ عرفه إياهم، وأنهم هلكوا كما أخبره الرسول ﷺ .

стр. 3127

الفصل الثاني ٥٩١٨ - عن أبي موسى، قال: خرج أبو طالب إلى الشام، وخرج معه النبي ﷺ في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب هبطوا، فحلوا رحالهم، فخرج إليهم الراهب، وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج إليهم، قال: فهم يحلون رحالهم، فجعل يتخللهم الراهب، حتى جاء فأخذ بيد رسول الله ﷺ ، قال: هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين، يبعثه الله رحمة للعالمين. فقال له أشياخ من قريش: ما علمك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجداً، ولا يسجدان إلا لنبي، وإن أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة، ثم رجع فصنع لهم طعاماً، فلما أتاهم به، وكان هو في رعية الإبل، فقال: أرسلوا إليه فأقبل وعليه غمامة تظله. فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء شجرة، فلما جلس مال فيء الشجرة عليه، فقال: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه. فقال: أنشدكم الله أيكم وليه؟ قالوا: أبو طالب. فلم يزل يناشده حتى رده أبو طالب، وبعث معه أبو بكر بلالاً، وزوده الراهب من الكعك والزيت. رواه الترمذي. [٥٩١٨] ــ الفصل الثاني الحديث الأول عن أبي موسى ﵁: قوله: ((فلما أشرفوا)) مظ: أي اطلعوا عليه ووصلوا إليه نزلوا، واسم ذلك الراهب كان ((بحيراً)) وكان أعلم النصراينة، والموضع الذي كان فيه هو: ((بصري)) من بلاد الشام. ((فجعل يتخللهم)) أي أخذ يمشي بين القوم. قوله: ((مثل التفاحة)) يروى بالضم والنصب، الضم على أنه خبر مبتدأ محذوف، والنصب على إضمار الفعل، ويجوز الجر على البدل لا الصفة لأن مثل وغير لا يتعرفان بالإضافة إلى المعرفة. قوله: ((عليه)) حال أي مال ظله عليه. وقوله: ((أيكم وليه؟)) متعلقة محذوف، هو جواب للاستعطاف، أي: لتنبئن أيكم وليه؟ وبطل عمل الفعل للتعليق الاستفهامي.

стр. 3128

٥٩١٩ - وعن علي بن أبي طالب [﵁]، قال: كنت مع النبي ﷺ بمكة، فخرجنا في بعض نواحيها، فما استقبله جبل ولا شجر إلا وهو يقول: السلام عليك يا رسول الله. رواه الترمذي. والدارمي [٥٩١٩]. ٥٩٢٠ - وعن أنس، أن النبي ﷺ أتى بالبراق ليلة أسرى به ملجماً مسرجاً، فاستصعب عليه، فقال: له جبريل: أبمحمد تفعل هذا؟ قال: فما ركبك أحد أكرم على الله منه قال: فارفض عرقاً. رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب [٥٩٢٠]. ٥٩٢١ - وعن بريدة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لما انتهينا إلى بيت المقدس قال جبريل بأصبعه، فخرق بها الحجر، فشد به البراق)). رواه الترمذي [٥٩٢١]. ٥٩٢٢ - وعن يعلي بن مرة الثقفي، قال: ثلاثة أشياء رأيتها من رسول الله ﷺ بينما نحن نسير معه إذ مررنا ببعير يسنى عليه، فلما رآه البعير جرجر، فوضع جرانه، فوقف عليه النبي ﷺ فقال: ((بعنيه)) فقال: بل نهبه لك يا رسول الله! وإنه لأهل بيت مالهم معيشة غيره. قال: أما إذ ذكرت هذا ــ فلم يزل يناشده: أي الراهب يقول لأبي طالب: بالله عليك ن ترد محمداً إلى مكة وتحفظه من العدو، حتى رده إلى مكة. قيل: كان الراهب يخاف أن يذهبوا به إلى الروم فيقتله الروم. و ((الكعك)) الخبز، وهو فارسي معرب. و ((ما علمك)) سؤال عن وصف العلم، أي بين لنا كيفية عملك به. الحديث الثاني والثالث عن أنس ﵁: قوله: ((فاستصعب عليه)) تو: يريد أنه لم يمكنه من الركوب، يقال: استصعب عليه الأمر أي صعب. ووجدنا الرواية في ((أكرم)) بالنصب فلعل التقدير، فما ركبك أحد كان أكرم على الله منه. و ((فارفض عرفاً)) أي فاض، وارفضاض الدمع ترششها، وكل ذاهب متفرق مرفض. الحديث الرابع عن بريدة ﵁:

стр. 3129

من أمره، فإنه شكا كثرة العمل وقلة العلق، فأحسنوا إليه، ثم سرنا حتى نزلنا منزلا، فنام النبي ﷺ ، فجاءت شجرة تشق الأرض حتى غشيته، ثم رجعت إلى مكانها، فلما استيقظ رسول الله ﷺ ذكرت له. فقال: ((هي شجرة استأذنت ربها في أن تسلم على رسول ﷺ ، فأذن لها)). قال: ثم سرنا فمررنا بماء فأتته امرأة بابن لها به جنة، فأخذ النبي ﷺ بمنخره ثم قال: ((اخرج فإني محمد رسول الله)). ثم سرنا فلما رجعنا مررنا بذلك الماء فسألها عن الصبي، فقالت: والذي بعثك بالحق ما رأينا منه ريباً بعدك. رواه في ((شرح السنة)) [٥٩٢٢]. ٥٩٢٣ - وعن ابن عباس، قال: إن امرأة جاءت بابن لها إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله! إن ابني به جنون، وإنه ليأخذ عند غدائنا وعشائنا فيخبث علينا فمسح رسول الله ﷺ صدره ودعا، فثع ثعة وخرج من جوفه مثل الجرو الأسود يسعى. رواه الدارمي. [٥٩٢٣]. ــ قوله: (فخرج به الحجر)) فإن قلت: كيف الجمع بين هذا وبين قوله في حديث أنس: ((فربطه بالحلقة التي كان يربط بها الأنبياء))؟. قلت: لعل المراد من الحلقة الموضع الذي كان فيه الحلقة وقد انسد فخرقه جبريل ﵇. الحديث الخامس عن يعلى بن مرة الثقفي ﵁: قوله: ((يسني عليه)) قض: يعني يستسقي عليه من سنت الناقة الأرض تسنوا إذا سقتها. و ((الجرجرة)) صوت تردد البعير في حلقه. والجران: مقدم العنق، وجمعه جرن. ((منه ريباً بعدك)) أي شيئاً نكرهه فيريبنا ويقلقنا ويضجرنا. قوله: ((أما إذا ذكرت)) جواب ((أما)) محذوف.

стр. 3130

٥٩٢٤ - وعن أنس، قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ وهو جالس حزين، قد تخضب بالدم من فعل أهل مكة، فقال: يا رسول الله! هل تحب أن نريك آية؟ قال: ((نعم)). فنظر إلى شجرة من ورائه فقال: ادع بها، فدعا بها، فجاءت، فقامت بين يديه فقال: مرها فلترجع، فأمرها، فرجعت. فقال رسول الله ﷺ : ((حسبي حسبي)). رواه الدارمي [٥٩٢٤]. ٥٩٢٥ - وعن ابن عمر، قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر فأقبل أعرابي فلما دنا قال له رسول الله ﷺ : ((تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله؟)). قال: ومن يشهد على ما تقول؟ قال: ((هذه السلمة)). فدعاها رسول الله ﷺ وهو بشاطئ الوادي، فأقبلت تخد الأرض حتى قامت بين يديه، فاستشهدها ثلاثاً، فشهدت ثلاثاً، أنه كما قال، ثم رجعت إلى منبتها. رواه الدارمي [٥٩٢٥]. ٥٩٢٦ - وعن ابن عباس، قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ قال: بما أعرف أنك نبي؟ قال: ((إن دعوت هذا العذق من هذه النخلة يشهد أني رسول الله)) ــ وقوله: ((فإنه شكا)) جواب لأما المقدرة، تقديره: أما إذا ذكرت أن البعير لأهل بيت مالهم معيشة فلا ألتمس شراه، وأما البعير فعاهدوه فإنه اشتكى، إذ لابد لأما التفصيلية من التكرار. الحديث السادس عن ابن عباس ﵄: قوله: ((فثع ثعة)) نه: الثع القيء، والثعة المرة الواحدة. الحديث السابع عن أنس ﵁: قوله: ((حسبي)) أي: كفاني في تسليتي عما لقيته من الحزن، هذه الكرامة من ربي ومنحه لي هذه معجزة. الحديث الثامن عن ابن عمر ﵄: قوله: ((هذه السلمة)) نه: السلم من شجر العضاة، واحدها سلمة بفتح اللام، ورقها القرظ الذي يدبغ به، وبها سمي الرجل سلمة.

стр. 3131

فدعاه رسول الله ﷺ فجعل ينزل من النخلة حتى سقط إلى النبي ﷺ ، ثم قال: ((ارجع)) فعاد، فأسلم الأعرابي. رواه الترمذي وصححه [٥٩٢٦]. ٥٩٢٧ - وعن أبي هريرة، قال: جاء ذئب إلى راعي غنم فأخذ منها شاة، فطلبه الراعي حتى انتزعها منه، قال فصعد الذئب على تل فأقعى واستثفر، وقال: قد عمدت إلى رزق رزقنيه الله أخذته، ثم انتزعته مني؟! فقال الرجل: تالله إن رأيت كاليوم ذئب يتكلم! فقال الذئب: أعجب من هذا الرجل في النخلات بين الحرتين يخبركم بما مضى وبما هو كائن بعدكم. قال: فكان الرجل يهودياً، فجاء إلى النبي ﷺ فأخبره، فصدقه النبي ﷺ ثم قال النبي ﷺ : ((إنها أمارات بين يدي الساعة، قد أوشك الرجل أن يخرج فلا يرجع حتى يحدثه نعلاه وسوطه بما أحدث أهله بعده)). رواه في ((شرح السنة)) [٥٩٢٧]. ٥٩٢٨ - وعن أبي العلاء، عن سمرة بن جندب، قال: كنا مع النبي ﷺ نتداول من قصعة، من غدوة حتى الليل، يقوم عشرة ويقعد عشرة قلنا: [فمما] كانت ــ والخد والأخدود الشق في الأرض. الحديث التاسع عن ابن عباس ﵄: قوله: ((إن دعوت)) جواب لقوله: ((بما أعرف)) أي بأني إذا دعوتها تشهد. وقوله: ((هذا العذق)) بكسر العين المهملة العرجون بما فيه من الشماريخ وهو بمنزلة العنقود من العنب. وبالفتح: النخلة. الحديث العاشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((فأقعى)) أي جلس مقعياً. و ((استثفر)) أي أدخل ذنبه بين رجليه. وقوله: ((عمدت)) إن روي على صيغة المتكلم يكون إخباراً على سبيل الشكاية، وإن روي على الخطاب يكون استفهاماً على سبيل الإنكار.

стр. 3132

تمد؟ قال: من أي شيء تعجب؟ ما كنت تمد إلا من هاهنا وأشار بيده إلى السماء. رواه الترمذي، والدارمي [٥٩٢٨]. ٥٩٢٩ - وعن عبد الله بن عمرو، أن النبي ﷺ خرج يوم بدر في ثلاثمائة وخمسة عشر. قال: ((اللهم إنهم حفاة فاحملهم، اللهم إنهم عراة فاكسهم اللهم إنهم جياع فأشبعهم)) ففتح الله له، فانقلبوا وما منهم رجل إلا وقد رجع بجمل أو جملين، واكتسوا، وشبعوا. رواه أبو داود [٥٩٢٩]. ٥٩٣٠ - وعن ابن مسعود، عن رسول الله ﷺ قال: ((إنكم منصورون ومصيبون ومفتوح لكم؛ فمن أدرك ذلك منكم فليتق الله وليأمر بالمعروف ولينه عن المنكر)). رواه أبو داود. [٥٩٣٠]. ٥٩٣١ - وعن جابر، أن يهودية من أهل خيبر سمت شاة مصلية، ثم أهدتها لرسول الله ﷺ ، فأخذ رسول الله ﷺ الذراع، فأكل منها وأكل رهط من أصحابه معه، فقال رسول الله ﷺ : ((ارفعوا أيديكم)) وأرسل إلى اليهودية فدعاها، فقال: ــ قوله: ((إن رأيت كاليوم)) ((فا)): أي ما رأيت أعجوبة كأعجوبة اليوم، فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه، وحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. ((تو)): الراعي، قيل: إنه هبار بن أوس الخزاعي، يقال له: مكلم الذئب. قوله: ((إنها أمارات)) الضمير يحتمل أن يكون للقصة وأن يكون مبهما يفسره ما بعده، وأن يرجع إلى معنى ما تكلم به الذئب باعتبار الحالة والقصة. الحديث الحادي عشر عن أبي العلاء: قوله: ((نتداول)) أي نتناوب بأكل الطعام منها. ((نه)): وفي الحديث: ((يوشك أن تدال الأرض منا)) أي يجعل لها الكرة والدولة علينا فتأكل لحومنا كما أكلنا ثمارها، وتشرب دماءنا كما شربنا مياهها.

стр. 3133

((سممت هذه الشاة؟)) فقالت: من أخبرك؟ قال: ((أخبرتني هذه في يدي)) للذراع، قالت: نعم، قلت: إن كان نبياً فلن تضره، وإن لم يكن نبياً استرحنا منه، فعفا عنها رسول الله ﷺ ، ولم يعاقبها، وتوفي أصحابه الذين أكلوا من الشاة، واحتجم رسول الله ﷺ على كاهله من أجل الذي أكل من الشاة، حجمه أبو هند بالقرن والشفرة، وهو مولى لبنى بياضة من الأنصار. رواه أبو داود. والدارمي [٥٩٣١]. ٥٩٣٢ - وعن سهل بن الحنظلية، أنهم ساروا مع رسول الله ﷺ يوم حنين، فأطنبوا السير حتى كان عشية، فجاء فارس فقال: يا رسول الله! إني طلعت على جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن على بكرة أبيهم بظعنهم ونعمهم، اجتمعوا إلى حنين فتبسم رسول الله وقال: ((تلك غنيمة المسلمين غداً إن شاء الله تعالى)) ثم قال: ((من يحرسنا الليلة؟) قال أنس بن أبي مرثد الغنوي: أنا يا رسول الله. قال: ((اركب)) فركب فرساً له. فقال: ((استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعلاه)) فلما أصبحنا خرج رسول ــ قوله: ((فمما كانت تمد؟)) أي أي شيء كانت القصعة تمد به، وهو من المدد من قولك: مد السراج بالزيت، وفيه معنى التعجب، ولذلك قال: ((من أي شيء تعجب؟)). وذهب المظهر ومن تبعه أن قوله: ((من أي شيء تعجب؟)) هو من قول النبي ﷺ ، ويحتمل أن يكون من قول سمرة، والسائل أبو العلاء وهو الظاهر. الحديث الثاني عشر والثالث عشر عن ابن مسعود ﵁: قوله: ((منصورون)) على أعداء الدين. ((مصيبون)) أي الغنائم. ((مفتوح لكم)) أي البلاد. الحديث الرابع عشر عن جابر ﵁: قوله: ((شاة مصلية)) تو: المصلية المشوية من قولك: صليت اللحم إذا شويته. والمرأة: قيل: إنها زينب بنت الحارث وهي بنت أخي مرحب بن أبي مرحب جاءت بشاة مشوية فسمتها وأكثرت في الكتف والذراع لما بلغها أنهما أحب أعضاء الشاة إلى رسول الله ﷺ .

стр. 3134

الله ﷺ ، إلى مصلاه، فركع ركعتين، ثم قال: ((هل حسستم فارسكم؟)) فقال رجل: يا رسول الله! ما حسسنا، فثوب بالصلاة، فجعل رسول الله ﷺ وهو يصلي يلتفت إلى الشعب، حتى إذا قضى الصلاة قال: ((أبشروا، فقد جاء فارسكم)) فجعلنا ننظر إلى خلال الشجر في الشعب، فإذا هو قد جاء، حتى وقف على رسول ﷺ فقال: إني انطلقت حتى كنت في أعلى هذا الشعب، حيث أمرني رسول الله ﷺ ، فلما أصبحت طلعت الشعبين كليهما، فلم أر أحداً. فقال له رسول الله ﷺ : ((هل نزلت الليلة)) قال لا إله إلا مصلياً أو قاضي حاجة. قال رسول الله ﷺ : ((فلا عليك أن لا تعمل بعدها)). رواه أبو داود [٥٩٣٢]. ٥٩٣٣ - وعن أبي هريرة، قال: أتيت النبي ﷺ بتمرات، فقلت: يا رسول الله! ادع الله فيهن بالبركة، فضمهن، ثم دعا لي فيهن بالبركة، قال: ((خذهن فاجعلهن في مزودك، كلما أردت أن تأخذ منه شيئاً فأدخل فيه يدك فخذه ولا تنثره نثراً)). فقد حملت من ذلك التمر كذا وكذا من وسق في سبيل الله، فكنا نأكل منه ونطعم، وكان لا يفارق حقوى حتى كان يوم قتل عثمان فإنه انقطع. رواه الترمذي [٥٩٣٣]. ــ وقوله: ((فعفا عنها رسول الله ﷺ ): فيه اختلاف إذ الرواية وردت أنه أمر بقتلها فقتلت، ووجه التوفيق بينهما: أنه عفا عنها في أول الأمر، فلما مات بشر بن البراء بن معرور من الأكلة التي ابتلعها أمر بها فقتلت مكانه. قوله: ((في يدي)) حال من هذه، أي مستقرة فيها. قوله: ((بالقرن والشفرة)) أي كانت المحجمة: قرناً، والمبضع السكين العريضة. الحديث الخامس عشر عن سهل بن الحنظلية ﵁: قوله: ((حتى كان عشية)) أي حتى كان السير ممتداً إلى وقت العشية. قوله: ((على بكرة أبيهم)) ((قض)): يقال: جاء القوم على بكرة أبيهم أي جاءوا بأجمعهم بحيث لم يبق لم يبق منهم أحد، و ((على)) هنا بمعنى مع، وهو مثل تضربه العرب، وكان السبب فيه أن جمعاً من العرب عرض لهم انزعاج فارتحلوا جميعاً ولم يخلفوا شيئاً حتى إن بكرة كانت

стр. 3135

الفصل الثالث ٥٩٣٤ - عن ابن عباس، قال: تشاورت قريش ليلة بمكة، فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق يريدون النبي ﷺ فقال بعضهم بل اقتلوه. وقال بعضهم: بل أخرجوه، فأطلع الله نبيه ﷺ على ذلك، فبات علي [﵁] على فراش النبي ﷺ تلك الليلة، وخرج النبي ﷺ حتى لحق بالغار. وبات المشركون يحرسون علياً يحسبونه النبي ﷺ ، فلما أصبحوا ثاروا عليه، فلما رأوا علياً رد الله مكرهم فقالوا: ــ لأبيهم أخذوها معهم، فقال من وراءهم: ((جاءوا على بكرة أبيهم)) فصار ذلك مثلا في قوم جاءوا بأجمعهم وإن لم يكن معهم بكرة- وهي التي يستقى عليها الماء- فاستعيرت في هذا الموضع. قوله: ((فثوب بالصلاة)) ((نه)): التثويب هنا إقامة الصلاة، والأصل في التثويب أن يجيء الرجل مستصرخاً فيلوح بثوبه ليرى ويشتهر، فسمي الدعاء تثويباً لذلك وكل داع مثوب. قوله: ((فلا عليك أن لا تعمل بعدها)) أي لا بأس عليك أن لا تعمل بعد هذه الليلة من المبرات والخيرات فإن عملك الليلة كاف لك عند الله مثوبة وفضيلة، وأراد النوافل والتبرعات من الأعمال لا الفرائض، فإن ذلك لا يسقط. ويمكن أن ينزل على ما عليه من عمل الجهاد في ذلك اليوم جبراناً لقلبه وتسلية له. الحديث السادس عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((أن تأخذ منه شيئاً)) إن جعل ((منه)) صلة لتأخذ و ((شيئاً)) مفعولا له فيكون نكرة شائعة فلا يختص بالتمر، وإن جعل حالاً من ((شيئاً)) اختص به. و ((حملت)) يجوز أن يحمل على الحقيقة وأن يحمل على معنى الأخذ، أي أخذت مقدار كذا بدفعات. و ((الحقو)) معقد الإزار وسمي الإزار به للمجاورة. الفصل الثالث الحديث الأول عن ابن عباس ﵄: قوله: ((فاقتصوا أثره)) الاقتصاص الإتباع والتتبع، يقال: قص الأثر واقتصه إذا اتبعه. و ((اختلط عليهم)) أي اشتبه. الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁:

стр. 3136

أين صاحبك هذا، قال: لا أدري. فاقتصوا أثره، فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم، فصعدوا الجبل، فمروا بالغار، فرأوا على بابه نسج العنكبوت فقالوا: لو دخل هاهنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ليال. رواه أحمد. [٥٩٣٤] ٥٩٣٥ - وعن أبي هريرة، قال: لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله شاة فيها سم، فقال رسول الله ﷺ : ((اجمعوا لي من كان هاهنا من اليهود)). فجمعوا له، فقال لهم رسول الله ﷺ : ((إني سائلكم عن شيء فهل أنتم مصدقي عنه؟)) قالوا: نعم يا أبا القاسم. فقال لهم رسول الله ﷺ : ((من أبوكم؟)) قالوا: فلان. قال: ((كذبتم، بل أبوكم فلان)). قالوا: صدقت وبررت. قال: ((فهل أنتم مصدقي عن شيء إن سألتكم عنه؟)). قالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كما عرفته في أبينا. فقال لهم: ((من أهل النار؟)) قالوا: نكون فيها يسيراً ثم تخلفونا فيها. قال رسول الله ﷺ : ((اخسئوا فيها، والله لا نخلفكم فيها أبداً)). ثم قال: ((هل أنتم مصدقي عن شيء إن سألتكم عنه؟)). فقالوا: نعم يا أبا القاسم قال: ــ قوله: ((فهل أنتم مصدقي)) وفي أصل المالكي: ((فهل أنتم صادقوني)) قال: كذا في ثلاثة مواضع في أكثر النسخ، قال: مقتضى الدليل أن تصحب نون الوقاية الأسماء المعربة المضافة إلى ياء المتكلم لتقيها من خفاء الإعراب، فلما منعوها ذلك كان الأصل متروكاً فنبهوا عليه في بعض الأسماء المعربة المشابهة للفعل، كقول الشاعر: وليس يعييني وفي الناس ممتنع صديق إذا أعي ((عليك)) صديق ولما كان لأفعل التفضيل شبه بفعل التعجب اتصلت به النون المذكورة أيضاً في قول النبي ﷺ : ((غير الدجال أخوفني عليكم)) والأصل أخوف مخوفاتي عليكم فحذف المضاف إلى الياء وأقيمت هي مقامه فاتصلت أخوف بها مقرونة بالنون كما اتصل معنى في البيت المذكور. قوله: ((وبررت)) بالكسر أي أحسنت. وقوله: ((نكون فيها يسيراً)) هذا هو الذي حكى الله تعالى عنهم في قوله تعالى: ﴿وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات﴾.

стр. 3137

هل جعلتم في هذه الشاة سماً؟)). قالوا: نعم. قال: ((فما حملكم على ذلك؟)) قالوا: أردنا إن كنت كاذباً أن نستريح منك، وإن كنت صادقاً لم يضرك. رواه البخاري. ٥٩٣٦ - وعن عمرو بن أخطب الأنصاري، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ يوماً الفجر وصعد على المنبر فخطبنا، حتى حضرت الظهر، فنزل فصلى، ثم صعد المنبر، فخطبنا، حتى حضرت العصر. ثم نزل فصلى، ثم صعد المنبر، حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما هو كائن إلى يوم القيامة فأعلمنا أحفظنا. رواه مسلم ٥٩٣٧ - وعن معن بن عبد الرحمن، قال: سمعت أبي قال: سألت مسروقاً: من آذن النبي ﷺ بالجن ليلة استمعوا القرآن؟ قال: حدثني أبوك- يعني عبد الله بن مسعود- أنه قال: آذنت بهم شجرة. متفق عليه. ــ وأشار ﷺ بقوله: ((اخسئوا)) إلى خلودهم فيها، قال تعالى: ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ وهو في الأصل زجر الكلب. وقوله: ((أن نستريح)) مفعول لأردنا، وجزاء الشرط المتوسط بين الفعل والمفعول محذوف لوجود القرينة، أي إن كنت كاذبا يضرك فنستريح منك، وإن كنت صادقاً لم يضرك فتنتفع بهدايتك، وحاصله أردنا الامتحان. الحديث الثالث عن عمرو بن أخطب الأنصاري ﵁: قوله: ((فأعلمنا)) أي أحفظنا، أي أعلمنا الآن أحفظنا يومئذ. الحديث الرابع والخامس عن أنس ﵁: قوله: ((فجعل لا يراه)) كأنه إتباع لقوله: ((فجعلت أقول)) أي طفقت أريه الهلال فهو لا يراه فأقحم ((جعل)) مشاكلة كما أقحم: ((ولا تحسبنهم)) في قوله تعالى: ﴿فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب﴾: تأكيداً لقوله: ﴿لا تحسبن الذين يفرحون﴾. قوله: ((سأراه)) أي لا يهمني الآن رؤيته بتعب وسأراه بعد من غير تعب. الحديث السادس إلى التاسع عن عاصم بن كليب:

стр. 3138

٥٩٣٨ - وعن أنس، قال: كنا مع عمر بين مكة والمدينة، فتراءينا الهلال، وكنت رجلاً حديد البصر، فرأيته وليس أحد يزعم أنه رآه غيري، فجعلت أقول لعمر: أما تراه؟ فجعل لا يراه قال: يقول عمر: سأراه وأنا مستلق على فراشي، ثم أنشأ يحدثنا عن أهل بدر قال: إن رسول الله ﷺ كان يرينا مصارع أهل بدر بالأمس، يقول: ((هذا مصرع فلان غداً إن شاء الله، وهذا مصرع فلان غداً إن شاء الله)). قال عمر: والذي بعثه بالحق ما أخطئوا الحدود التي حدها رسول الله ﷺ قال: فجعلوا في بئر، بعضهم على بعض، فانطلق رسول الله حتى انتهى إليهم، فقال: ((يا فلان بن فلان! ويا فلان بن فلان هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقاً؟ فإني قد وجدت ما وعدني الله حقاً)). فقال عمر: يا رسول الله! كيف تكلم أجساداً لا أرواح فيها؟ فقال: ((ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا علي شيئاً)). ٥٩٣٩ - وعن أنيسة بنت زيد بنت أرقم، عن أبيها، أن النبي ﷺ دخل على زيد يعوده من مرض كان به، قال: ((ليس عليك من مرضك بأس، ولكن كيف لك إذا عمرت بعدي فعميت؟)). قال: أحتسب وأصبر. قال: ((إذاً تدخل الجنة بغير حساب)). قال: فعمي بعدما مات النبي ﷺ ، ثم رد الله عليه بصره ثم مات. [٥٩٣٩] ــ قوله: ((الأسرى)) الأسرى والأسارى جمع أسير، وهم كفار، وذلك أنه لما لم يوجد صاحب الشاة ليستحلوا منه وكان طعاماً في صدد الفساد فلم يكن بد من إطعام هؤلاء، فأمر النبي ﷺ بإطعامهم. الحديث العاشر عن حبيش بن خالد: قوله: ((مرملين)) ((حس)): المرمل من نفد زاده، يقال: أرمل الرجل إذا ذهب طعامه. ((مسنتين)) أي أصابهم القحط، يقال: أسنت الرجل فهو مسنت. ((كسر الخيمة)) - بكسر الكاف وفتحها- جانب الخيمة.

стр. 3139

٥٩٤٠ - وعن أسامة بن زيد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من تقول علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار)). وذلك أنه بعث رجلاً، فكذب عليه، فدعا عليه رسول الله ﷺ ، فوجد ميتاً، وقد انشق بطنه، ولم تقبله الأرض. رواهما البيهقي في ((دلائل النبوة)) [٥٩٤٠] ٥٩٤١ - وعن جابر، أن رسول الله ﷺ جاءه رجل يستطعمه، فأطعمه شطر وسق شعير، فما زال الرجل يأكل منه وامرأته وضيفهما حتى كاله، ففني، فأتى النبي ﷺ فقال: ((لو لم تكله لأكلتم منه ولقام لكم)). رواه مسلم. ٥٩٤٢ - وعن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن رجل من الأنصار، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة، فرأيت رسول الله ﷺ وهو على القبر يوصي الحافر يقول: ((أوسع من قبل رجليه، أوسع من قبل رأسه)) فلما رجع استقبله دعي امرأته، فأجاب ونحن معه، فجيء بالطعام، فوضع يده، ثم وضع القوم، فأكلوا، ــ و ((الجهد)) الهزال. ((فتفاجت)) أي فتحت ما بين رجليها للحلب. ((اجترت)) الجرة ما يخرج البعير من بطنه ليمضغه ثم يبلعه، يقال: اجتر البعير يجتر. ((يربض الرهط)) أي يرويهم ويثقلهم حتى يناموا ويمتدوا، أي على الأرض، من ربض في المكان يربض إذا لصق به وأقام ملازماً له. و ((الثج)) السيلان، ((وبهاء اللبن)) [وبيض] رغوته. و ((غادره)) أي تركه. و ((بايعها على الإسلام)) وتمام الحديث: ((فقلما لبثت حتى جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا عجافا، يتساوكن هزلى ضحى، مخهن قليل، فلما رأى أبو معبد اللبن، عجب، وقال: من أين لك هذا اللبن يا أم معبد والشاء عازب حيال لا حلوب في البيت؟

стр. 3140

فنظرنا إلى رسول الله ﷺ يلوك لقمة في فيه ثم قال: ((أجد لحم شاة أخذت بغير إذن أهلها)). فأرسلت المرأة تقول: يا رسول الله: إني أرسلت إلى النقيع- وهو موضع يباع فيه الغنم- ليشتري لي شاة، فلم توجد، فأرسلت إلى جار لي قد اشترى شاة أن يرسل بها إلى بثمنها، فلم يوجد، فأرسلت إلى امرأته، فأرسلت إلي بها. فقال رسول الله ﷺ : ((أطعمي هذا الطعام الأسرى)). رواه أبو داود، والبيهقي في ((دلائل النبوة)). [٥٩٤٢] ٥٩٤٣ - وعن حزام بن هشام، عن أبيه، عن جده حبيش بن خالد- وهو أخو أم معبد- أن رسول الله ﷺ حين أخرج من مكة خرج مهاجراً إلى المدينة، هو وأبو بكر، ومولى أبي بكر عامر بن فهيرة ودليلهما عبد الله الليثي، مروا على خيمتي أم معبد، فسألوها لحماً وتمراً ليشتروا منها، فلم يصيبوا عندها شيئاً من ذلك. وكان القوم مرملين مسنتين، فنظر رسول الله ﷺ إلى شاة في كسر الخيمة، فقال: ((ما هذه ــ قالت: لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا. قال: صفيه لي يا أم معبد. قالت: رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه لم تعبه نحلة ولم تزر به صقلة، وسيم قسيم، في عينه دعج، وفي أشفاره وطف، وفي صوته صهل، وفي عنقه سطع، وفي لحيته كثاثة، أزج أقرن، إن صمت عليه الوقار، وإن تكلم سما وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاه من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب، حلو المنطق، فصل لانزر ولا هذر كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن، ربعة لا يأس من طول ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظراً، وأحسنهم قدراً، له رفقاء يحفون به، إن قال أنصتوا لقوله، وإن أمر تبادروا لأمره، محشود محفود، لا عابس ولا مفند. قال أبو معبد: هو والله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره ما ذكر بمكة ولقد هممت أن أصحبه ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلا. وأصبح صوت بمكة عالياً يسمعون الصوت ولا يدرون من صاحبه وهو يقول: جزى الله رب الناس خير جزائه رفيقين قالا خيمة أم معبد هما نزلاها بالهدى واهتدت به فقد فاز من أمسى رفيق محمد فيال قصي ما زوى الله عنكم به من فعال لا تجازى وسودد

стр. 3141

الشاة يا أم معبد؟)) قالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم. قال: ((هل بها من لبن؟)) قال: هي أجهد من ذلك، قال: ((أتأذنين لي أن أحلبها؟)) قالت: بأبي أنت وأمي إن رأيت بها حلباً فاحلبها. فدعا بها رسول الله ﷺ فمسح بيده ضرعها، وسمى الله تعالى، ودعا لها في شاتها، فتفاجت عليه، ودرت واجترت، فدعا بإناء يربض الرهط، فحلب فيه ثجا، حتى علاه البهاء، ثم سقاها حتى رويت، وسقى أصحابه. ــ ليهن بني كعب مقام فتاتهم ومقعدها للمؤمنين بمرصد سلوا أحتكم عن شاتها وإنائها فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد دعاها بشاة حائل فتحلبت عليه صريحاً ضرة الشاة مزبد فغادرها رهنا لديها لحالب يرددها في مصدر ثم مورد قوله: ((يتساوكن)) تساوكت الإبل إذا اضطربت أعناقها من الهزال، أراد أنها تتمايل من ضعفها. ((ولم تعبه نحلة)) من نحول الجسم وكذا صقله. والوسيم: الحسن الوضي، وكذا القسيم. والدعج: السواد في العين. والوطف: طول شعر العين. والصهل: الحدة والصلابة في الصوت. والسطع: الطول. والزجج: في الحاجبين تقوس فيهما مع طول في أطرافهما وسبوغ. والقرن: التقاء الحاجبين. وسما: أي علا برأسه وارتفع من جلسائه. وفصل: بين لا نزر ولا هذر أي: وسط لا قليل ولا كثير. ولا يأس من طول: أي ليس بالطويل البائن ولا بالقصير. ولا تقتحمه: أي لا تحتقره العين ولا تزدريه. والمحشود:- بالحاء والشين المعجمة- الجماعة. والمحفود: المخدوم.

стр. 3142

حتى رووا، ثم شرب آخرهم، ثم حلب فيه ثانياً بعد بدء، حتى ملأ الإناء، ثم غادره عندها، وبايعها، وارتحلوا عنها. رواه في ((شرح السنة))، وابن عبد البر في ((الاستيعاب))، وابن الجوزي في كتاب ((الوفاء)) وفي الحديث قصة [٥٩٤٣] ــ ولا مفند: أي خرف لا فائدة في كلامه. وقول الهاتف في الشعر: ((فيال قصي .. البيت)) مقالة فيال قصي أي تعالوا ليتعجب منكم فيما أغتلتموه من حقكم وأضعتموه من عزكم بعصيانكم رسول الله ﷺ وإلجائكم إياه إلى الخروج من بين أظهركم، ((وما)) مبتدأ بمعنى الذي، والخبر ((من فعال))، و ((لا تجازي)) صفته. و ((سودد)) عطف عليه. و ((زوى)) نحى وباعد. الضمير في ((به)) راجع إلى رسول الله ﷺ ، والباء للسببية. والصريح: اللبن الخالص الذي لم يمذق. فغادرها رهنا: أي ترك الشاة عندها مرتهنة بأن تدر. وقال: الصوت الذي سمعوا بمكة صوت بعض مسلمي الجن، أقبل من أسفل مكة، والناس يتبعونه ويسمعون الصوت ولا يرونه، حتى خرج بأعلى مكة. قالت أسماء: فلما سمعناه عرفنا حيث وجه رسول الله ﷺ وإن وجهه إلى المدينة- انتهى كلام محيي السنة. وقال ابن عبد البر: فلما بلغ حسن بن ثابت ذلك جعل يجاوب الهاتف وهو يقول: لقد خاب قوم غاب عنهم نبيهم وقدس من يسري إليهم ويغتدي ترحل عن قوم فضلت عقولهم وحل على قوم بنور مجدد هداهم به عبد الضلالة ربهم وأرشدهم، من يتبع الحق ويرشد وهل يستوي ضلال قوم تسفهوا عمي وهداة يهتدون بمهتد لقد نزلت منه على أهل يثرب ركاب هدى حلت عليهم بأسعد نبي يرى ما لا يرى الناس حوله ويتلو كتاب الله في كل مسجد وإن قال في يوم مقالة غائب فتصديقه في اليوم أو في ضحى الغد ليهن أبا بكر سعادة جده بصحبته من يسعد الله يسعد

стр. 3143

(٨) باب الكرامات الفصل الأول ٥٩٤٤ - عن أنس، أن أسيد بن حضير وعباد بن بشر تحدثا عند النبي ﷺ في حاجة لهما، حتى ذهب من الليل ساعة، في ليلة شديدة الظلمة، ثم خرجا من عند رسول الله ﷺ ينقلبان، وبيد كل واحد منهما عصية، فأضاءت عصى أحدهما لهما حتى مشيا في ضوئها، حتى إذا افترقا بهما الطريق أضاءت للآخر عصاه، فمشى كل واحد منهما في ضوء عصاه حتى بلغ أهله. رواه البخاري. ٥٩٤٥ - وعن جابر، قال: لما حضر أحد دعاني أبي من الليل، فقال ما أراني إلا مقتولاً في أول من يقتل من أصحاب النبي ﷺ ، وإني لا أترك بعدي أعز علي منك غير نفس رسول الله ﷺ ، وإن علي ديناً فاقض، واستوص بأخواتك خيراً، فأصبحنا فكان أول قتيل، ودفنته مع آخر في قبر. رواه البخاري. ــ باب الكرامات الكرامات: جمع كرامة وهي اسم من الإكرام والتكريم، وهي فعل خارق للعادة غير مقرون بالتحدي، وقد اعترف بها أهل السنة وأنكرها المعتزلة، واحتج أهل السنة بحدوث الحمل لمريم من غير الفحل، وحضور الرزق عندها من غير سبب ظاهر، وأيضاً ففي لبث أصحاب الكهف ثلثمائة سنة وأزيد في النوم أحياء من [عرافه] دليل ظاهر. والمعتزلة بأنه لو جاز ظهور الخارق في حق الولي لخرج عن كونه دليلا على النبوة. وأجيب بأنه تمتاز المعجزة عن الكرامة باشتراط الدعوى في المعجزة وعدم اشتراطها في الكرامة. الفصل الأول الحديث الأول إلى الثالث عن عبد الرحمن بن أبي بكر ﵁: قوله: ((إن أصحاب الصفة)) هم أصحاب النبي ﷺ مشاهيرهم على ما ذكره الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء: أبو ذر الغفاري، وعمار بن ياسر، وسلمان الفارسي، وصهيب، وبلال، وأبو هريرة، وخباب بن الأرت، وحذيفة بن اليمان، وأبو سعيد الخدري، و [بشير] بن الخصاصية، وأبو مويهبة مولى رسول الله ﷺ ، وغيرهم، وفيهم نزل قوله

стр. 3144

٥٩٤٦ - وعن عبد الرحمن بن أبي بكر، قال: إن أصحاب الصفة كانوا أناساً فقراء، وإن النبي ﷺ قال: ((من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس أو سادس)) وإن أبا بكر جاء بثلاثة وانطلق النبي ﷺ بعشرة، وإن أبا بكر تعشى عند النبي ﷺ ثم لبث حتى صليت العشاء، ثم رجع فلبث حتى تعشى النبي ﷺ ، فجاء بعدما مضى من الليل ما شاء الله. قالت له امرأته: ما حبسك عند أضيافك؟ قال: أو ما عشيتيهم؟ قالت: أبوا حتى تجيء، فغضب وقال: والله لا أطعمه أبداً، فحلفت المرأة أن لا تطعمه، وحلف الأضياف أن لا يطعموه. قال أبو بكر: كان هذا من الشيطان، فدعا بالطعام، فأكلوا وأكلوا، فجعلوا لا يرفعون لقمة إلا ربت من أسفلها أكثر منها. فقال لامرأته: يا أخت بني فراس! ما هذا؟ قالت: وقرة عيني إنها الآن لأكثر منها قبل ذلك بثلاث مرار، فأكلوا، وبعث بها إلى النبي ﷺ فذكر أنه أكل منها. متفق عليه. وذكر حديث عبد الله بن مسعود: كنا نسمع تسبيح الطعام في ((المعجزات)). ــ تعالى: ﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي﴾ وكان الصفة في المسجد مسقفة بجريد النخل، وكان هؤلاء الفقراء يستوطنون تلك السقيفة ويبيتون فيها فنسبوا إليها، وكان الرجل إذا قدم المدينة وكان له بها عريف ينزل على عريفه، فإن لم يكن له بها عريف نزل الصفة. قوله ((بثالث)) هذا هو الصحيح، وفي أكثر نسخ المصابيح بثلاثة وهو غير صحيح رواية ومعنى. ومعنى: ((ربت)) أي ارتفع الطعام من أسفل القصعة ارتفاعاً أكثر، وإسناد ((ربت)) إلى القصعة مجازي. قوله: ((يا أخت بني فراس)) تو: امرأة أبي بكر هذه كانت أم رومان- أم عبد الرحمن وعائشة ﵃ من بني فراس بن تميم بن مالك بن النضر بن كنانة والمنتمون إلى النضر بن كنانة كلهم قريش.

стр. 3145

الفصل الثاني ٥٩٤٧ - عن عائشة قالت: لما مات النجاشي كنا نتحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور. رواه أبو داود [٥٩٤٧]. ٥٩٤٨ - وعنها، قالت: لما أرادوا غسل النبي ﷺ قالوا: لا ندري أنجرد رسول الله ﷺ من ثيابه كما نجرد موتانا أم نغسله وعليه ثيابه؟ فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم، حتى ما منهم رجل إلى وذقنه في صدره، ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت، لا يدرون من هو؟)): اغسلوا النبي ﷺ وعليه ثيابه. فقاموا، فغسلوه وعليه قميصه، يصبون الماء فوق القميص ويدلكونه بالقميص. رواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) [٥٩٤٨] ٥٩٤٩ - وعن ابن المنكدر أن سفينة مولى رسول الله ﷺ أخطأ الجيش بأرض الروم أو أسر، فانطلق هارباً يلتمس الجيش، فإذا هو بالأسد. فقال: يا أبا الحارث! أنا مولى رسول الله ﷺ ، كان من أمري كيت وكيت، فأقبل الأسد، له بصبصة حتى ــ الفصل الثاني الحديث الأول إلى الثالث عن ابن المنكدر: قوله: ((بصبصة)) نه: يقال: بصبص الكلب بذنبه إذا حركه وإنما يفعل ذلك من طمع أو خوف. الحديث الرابع عن أبي الجوزاء: قوله: ((منه كوى إلى السماء)) أي منافذ، واحدتها كوة- بفتح الكاف وضمها-. مظ: قيل في سبب كشف قبر النبي ﷺ أن السماء لما رأت قبر النبي ﷺ سال الوادي من بكائها، قال تعالى: ﴿فما بكت عليهم السماء والأرض﴾ حكاية عن حال الكفار. وقيل: إنه ﷺ كان يستشفع به عند الجدب فتمطر السماء، فأمرت عائشة ﵂ بكشف قبره مبالغة في الاستشفاع به فلا يبقى بينه وبين السماء حجاب. قوله: ((يسمى عام الفتق)) أي عام الخصب.

стр. 3146

قام إلى جنبه، كلما سمع صوتاً أهوى إليه، ثم أقبل يمشي إلى جنبه حتى بلغ الجيش، ثم رجع الأسد. رواه في ((شرح السنة)) [٥٩٤٩]. ٥٩٥٠ - وعن أبي الجوزاء. قال: قحط أهل المدينة قحطاً شديداً، فشكوا إلى عائشة فقالت: انظروا قبر النبي ﷺ ، فاجعلوا منه كوى إلى السماء، حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف. ففعلوا، فمطروا مطراً حتى نبت العشب، وسمنت الإبل، حتى تفتقت من الشحم، فسمي عام الفتق. رواه الدارمي [٥٩٥٠]. ٥٩٥١ - وعن سعيد بن عبد العزيز، قال: لما كان أيام الحرة لم يؤذن في مسجد النبي ﷺ ثلاثاً ولم يقم، ولم يبرح سعيد بن المسيب المسجد، وكان لا يعرف وقت الصلاة إلا بهمهة يسمعها من قبر النبي ﷺ . رواه الدارمي [٥٩٥١]. ٥٩٥٢ - وعن أبي خلدة، قال: قلت لأبي العالية: سمع أنس من النبي ﷺ ؟ قال: خدمة عشر سنين، ودعا له النبي ﷺ ، وكان له بستان يحمل في كل سنة الفاكهة مرتين، وكان فيها ريحان يجيء منه ريح المسك. رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب [٥٩٥٢] ــ الحديث الخامس عن سعيد بن عبد العزيز: قوله: ((أيام الحرة)) هو يوم مشهور في الإسلام، أيام يزيد بن معاوية لما نهب المدينة عسكر أهل الشام، ندبهم لقتال أهل المدينة من الصحابة والتابعين وأمر عليهم مسلم بن عقبة المري في ذي الحجة سنة ثلاث وستين، وعقيبها هلك يزيد. والحرة هذه أرض بظاهر المدينة بها حجارة سود كثيرة وكانت الوقعة بها. والهمهمة: كلام خفي لا يفهم. الحديث السادس عن أبي خلدة: قوله: ((سمع أنس؟)) أي سمع أنس من رسول الله، أحاديث ورواها عنه؟.

стр. 3147

الفصل الثالث ٥٩٥٣ - عن عروة بن الزبير أن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل خاصمته أروى بنت أوس إلى مروان بن الحكم، وادعت أنه أخذ شيئاً من أرضها، فقال سعيد: أنا كنت آخذ من أرضها شيئاً بعد الذي سمعت من رسول الله ﷺ ؟! قال: ماذا سمعت من رسول الله ﷺ ؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من أخذ شبراً من الأرض ظلماً طوقه إلى سبع أرضين)) فقال له مروان: لا أسألك بينة بعد هذا. فقال سعيد: اللهم إن كانت كاذبة فاعلم بصرها واقتلها في أرضها قال: فما ماتت حتى ذهب بصرها، وبينما هي تمشي في أرضها إذ وقعت في حفرة فماتت. متفق عليه. وفي رواية لمسلم عن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بمعناه، وأنه رآها عمياء تلتمس الجدر، تقول: أصابتني دعوة سعيد، وأنها مرت على بئر في الدار التي خاصمته، فوقعت فيها، فكانت قبرها. ٥٩٥٤ - وعن ابن عمر، أن عمر بعث جيشاً وأمر عليهم رجلاً يدعى سارية، فبينما عمر يخطب، فجعل يصيح: يا ساري! الجبل. فقدم رسول من الجيش. فقال: يا أمير المؤمنين! لقينا عدونا فهزمونا، فإذا بصائح يصيح: يا ساري! الجبل. فأسندنا ظهورنا إلى الجبل، فهزمهم الله تعالى. رواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) [٥٩٥٤] ــ فأجاب: من كانت له هذه المنزلة والصحبة من النبي ﷺ كيف لا يسمع ولا يروى عنه؟. الفصل الثالث الحديث الأول عن عروة بن الزبير: قوله: ((أنا كنت آخذ؟)) فيه معنى الإنكار على نفسه، وقوله: ((بعد الذي ...)) مقرر لجهة الإنكار على نفسه. قوله: ((سبع أرضين)) بفتح الراء، وإسكانها قليل. وفي الحديث تصريح بأن الأرض سبع طباق وهو موافق لقوله تعالى: ﴿سبع سموات ومن

стр. 3148

٥٩٥٥ - وعن نبيهة بن وهب، أن كعباً دخل على عائشة، فذكروا رسول الله ﷺ ، فقال كعب: ما من يوم يطلع إلا نزل سبعون ألفاً من الملائكة حتى يحفوا بقبر رسول الله ﷺ يضربون بأجنحتهم، ويصلون على رسول الله ﷺ ، حتى إذا أمسوا عرجوا وهبطوا مثلهم فصنعوا مثل ذلك، حتى إذا انشقت عنه الأرض خرج في سبعين ألفاً من الملائكة يزفونه. رواه الدارمي [٥٩٥٥]. (٩) باب هجرة أصحابه ﷺ من مكة ووفاته الفصل الأول ٥٩٥٦ - عن البراء، قال: أول من قدم علينا من أصحاب رسول الله ﷺ ــ الأرض مثلهن﴾ ومن قال: المراد بالسبع الأقاليم فقد وهم لأنه لو كان كذلك لم يطوق الظالم بشبر من كل إقليم بخلاف طباق الأرض فإنها تابعة لهذا الشبر. قوله: ((لا أسألك بينة)) كأن سعيداً لما أنكر توجه عليه البينة وعند فقدها توجه عليه اليمين فأجرى مروان هذا الكلام منه مجرى اليمين وقال: لا أسألك بينة بعد هذا. قوله: ((يزفونه)) يحتمل أن يكون من الإسراع، أو من زفاف العروس. ((نه)): يزف بالكسر من زف في مشيته، إذا أسرع، وبالفتح من زففت العروس إذا أهديتها إلى زوجها. باب هجرة أصحابه ﷺ من مكة ووفاته الفصل الأول الحديث الأول عن البراء بن عازب ﵁: قوله: ((الولائد)) ((نه)) الولائد جمع وليدة وهي الجارية الصغيرة، والذكر وليد، فعيل، بمعنى مفعول. قوله: ((قرأت: ﴿سبح اسم ربك﴾)) أي تعلمت، ذكر المسبب وهو القراءة وأراد السبب وهو التعلم. قوله: ((في سور مثلها)) أي في جملة سور مثلها في المقدار.

стр. 3149

مصعب بن عمير وابن أم مكتوم، فجعلا يقرآننا القرآن، ثم جاء عمار وبلال وسعد، ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين من أصحاب النبي ﷺ ثم جاء النبي ﷺ ، فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء، فرحهم به، حتى رأيت الولائد والصبيان يقولون: هذا رسول الله ﷺ قد جاء، فما جاء حتى قرأت: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ في سور مثلها من المفصل. رواه البخاري. ٥٩٥٧ - وعن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ جلس على المنبر فقال: ((إن عبداً خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء، وبين ما عنده، فاختار ما عنده)). فبكى أبو بكر قال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا فعجبنا له، فقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ يخبر رسول الله ﷺ عن عبد خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا وبين ما عنده، وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا!! فكان رسول الله ﷺ هو المخير، وكان أبو بكر أعلمنا. متفق عليه. ٥٩٥٨ - وعن عقبة بن عامر، قال: صلى رسول الله ﷺ على قتلى أحد بعد ثمان سنين، كالمودع للأحياء والأموات، ثم طلع المنبر فقال: ((إني بين أيديكم فرط، وأنا عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه وأنا في مقامي هذا، وإني قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، وإني ليست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها)) وزاد بعضهم: ((فتقتتلوا، فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم)). متفق عليه. ــ الحديث الثاني عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((إن عبداً خيره الله)) فهم الصديق من هذا الكلام مفارقته ﷺ الدنيا فبكى، كما فهمت الصديقة من قوله ﷺ : ((مع الذين أنعمت عليهم من النبيين)) أنه ﷺ خير كما يجيء بعد. الحديث الثالث عن عقبة بن عامر ﵁: قوله: ((على قتلى أحد)) ((مظ)): أي استغفر لهم، واستغفاره لهم كالوداع للأحياء والأموات، أما الأحياء فبخروجه من بينهم، وأما الأموات فبانقطاع دعائه واستغفاره لهم.

стр. 3150

٥٩٥٩ - وعن عائشة، قالت: إن من نعم الله علي أن رسول الله ﷺ توفي في بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري، وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته، دخل علي عبد الرحمن بن أبي بكر وبيده سواك وأنا مسندة رسول الله ﷺ ، فرأيته ينظر إليه. وعرفت أنه يحب السواك، فقلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فتناولته، فاشتد عليه، وقلت: ألينه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فلينته، فأمر وبين يديه ركوة فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه، ويقول: ((لا إله إلا الله، إن للموت سكرات)). ثم نصب يده، فجعل يقول: ((في الرفيق الأعلى)) حتى قبض ومالت يده. رواه البخاري. ٥٩٦٠ - وعنها، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما من نبي يمرض إلا خير بين الدنيا والآخرة)) وكان في شكواه الذي قبض أخذته بحة شديد، فسمعته ــ والفرط: بالتحريك بمعنى فارط كتبع بمعنى تابع وهو الذي يتقدم الواردة فيهيئ لهم الأرشاد والدلاء يسقي لهم. يريد أنه شفيع لأمته يتقدمهم، فإنه يتقدم على المشفوع له. ((مح)): فيه معجزات لرسول الله ﷺ ، فإن فيه الإخبار بأن أمته تملك خزائن الأرض، وقد وقع ذلك. وأنهم لا يرتدون، وقد عصمهم الله تعالى من ذلك. وأنهم يتنافسون في الدنيا، وقد وقع ذلك. الحديث الرابع عن عائشة ﵂: قوله: ((بين سحري ونحري)) ((نه)): السحر الرئة، أي أنه ﷺ توفي وهو مستند إلى صدرها وما يحاذي نحرها منه. وقيل: السحر ما يلصق بالحلقوم من أعلى البطن. قوله: ((دخل علي عبد الرحمن)) بيان لجمع الله تعالى بين ريق النبي ﷺ وريقها. قوله: ((في الرفيق الأعلى)) ((نه)): الرفيق الأعلى الجماعة من الأنبياء الذين يسكنون أعلى عليين، وهو اسم جاء على فعيل، ومعناه الجماعة، كالصديق والخليط ومنه قوله تعالى: ﴿وحسن أولئك رفيقا﴾.

стр. 3151

يقول: مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. فعلمت أنه خير. متفق عليه. ٥٩٦١ - وعن أنس، قال: لما ثقل النبي ﷺ جعل يتغشاه الكرب فقالت فاطمة واكرب أباه! فقال لها: ((ليس على أبيك كرب بعد اليوم)). فلما مات قالت: يا أبتاه! أجاب رباً دعاه، يا أبتاه! من جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه! إلى جبريل ننعاه. فلما دفن قالت فاطمة: يا أنس! أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله ﷺ التراب؟ رواه البخاري. ــ والرفيق: المرافق في الطريق. وقيل: المعنى ألحقني بالرفيق الأعلى، أي بالله تعالى، يقال: الله رفيق بعباده، من الرفق والرأفة، فهو فعيل بمعنى فاعل، ومنه حديث عائشة ﵂: سمعته يقول عند موته: ((بل الرفيق الأعلى)) وذلك أنه خير بين البقاء في الدنيا وبين ما عند الله، فاختار ما عند الله. ((تو)): قد ذهب بعضهم ((في الرفيق الأعلى)) أنه اسم من أسماء الله تعالى. قال الأزهري: غلط قائل هذا، الرفيق هاهنا جماعة الأنبياء الذين يسكنون أعلى عليين، اسم جاء على فعيل ومعناه الجماعة، ومنه قوله تعالى: ﴿وحسن أولئك رفيقا﴾. وقوله: ((إن الله رفيق)) لم يوجب إطلاق هذا الاسم عليه كما لم يوجب ((إن الله حيي ستير)) إطلاق ذلك عليه، وإنما أراد به إيضاح معنى لم يكن يقع في الأفهام إلا من هذا الطريق. أقول: لم لا يجوز أن يستدل بهذا الحديث على إطلاق هذا الاسم عليه وما المانع وليس هذا نحو قوله: ((إن الله حيي)) لأن ذلك إخبار. وقول صاحب النهاية: إنه اختار ما عند الله تعالى، تصريح بأن المراد منه القرب والزلفى عند الله تعالى، ولو أريد به الملائكة والنبيون لقيل: من عند الله تعالى، ويؤيده حديث أبي سعيد ﵁: إن عبدً خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الحياة الدنيا ما شاء، وبين ما عنده فاختار ما عنده)) وحديث جعفر في آخر الفصل الثالث من هذا الباب: ((يا محمد إن الله قد اشتاق إلى لقائك .. الحديث)) ولأن حصول هذه البغية مستلزم لحصول تلك المنزلة كما قال تعالى: ﴿يأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي﴾.

стр. 3152

الفصل الثاني ٥٩٦٢ - عن أنس، قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة لعبت الحبشة بحرابهم فرحاً لقدومه. رواه أبو داود [٥٩٦٢]. وفي رواية الدارمي قال: ما رأيت يوماً قط كان أحسن ولا أضوأ من يوم دخل علينا فيه رسول الله ﷺ ، وما رأيت يوماً كان أقبح ولا أظلم من يوم مات فيه رسول الله ﷺ . ــ وفي إدخال ((في)) على ((الرفيق الأعلى)) إيذان بغاية القرب وشدة تمكنه منه وحلول رضوانه عليه وحصول رضاه عن الله تعالى، وإليه الإشارة بقوله: ﴿راضية مرضية﴾. والله أعلم الحديث الخامس عن عائشة ﵂: قوله: ((بحة)) ((نه)): البحة بالضم غلظ في الصوت، يقال: بح يبح بحوحاً، وإن كان من داء فهو البحاح، ورج أبح بين البحح إذا كان ذلك فيه خلقة. الحديث السادس عن أنس ﵁: قوله: ((قالت: يا أبتاه)) أصله يا أبي، فالتاء بدل من الياء لأنهما من الحروف الزوائد والألف للندبة لمد الصوت، والهاء للسكت، ولابد للندبة من إحدى العلامتين: ياء أو واو، لأن الندبة لإظهار التوجع ومد الصوت وإلحاق الألف في آخرها للفصل بينها وبين النداء، وزيادة الهاء في الوقف إرادة بين الألف لأنها خفية وتحذف في الوصل. وقوله: ((من جنة الفردوس)) في البخاري وشرح السنة وقع ((من)) موصولة، وفي بعض نسخ المصابيح وقعت جارة، والأول أنسب لأنه من وادي قولهم: ((وامن حفر بئر زمزماه)). الفصل الثاني الحديث الأول والثاني عن أنس ﵁: قوله: ((أضاء منها)) الضمير راجع إلى المدينة، وفيه معنى التجريد كقولك: لئن لقيته لتلقين منه الأسد، وهذا يدل على أن الإضاءة كانت محسوسة.

стр. 3153

وفي رواية الترمذي قال: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء، وما نفضنا أيدينا عن التراب وإنا لفي دفنه، حتى أنكرنا قلوبنا. ٥٩٦٣ - وعن عائشة، قالت. لما قبض رسول الله ﷺ اختلفوا في دفنه فقال أبو بكر سمعت من رسول الله ﷺ شيئاً قال: ((ما قبض الله نبياً إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه)) ادفنوه في موضع فراشه. رواه الترمذي [٥٩٦٣]. الفصل الثالث ٥٩٦٤ - عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يقول وهو صحيح: ((إنه لن ــ قوله: ((وما نفضنا أيدينا)) ((تو)): يريد أنهم لم يجدوا قلوبهم على ما كنت عليه من الصفاء والألفة و [الرقة]، لانقطاع مادة الوحي وفقدان ما كان يمدهم من قبل الرسول ﷺ من التأييد والتعليم، ولم يرد أنهم لم يجدوها على ما كانت عليه من التصديق. الفصل الثالث الحديث الأول عن عائشة ﵂: قوله: ((الرفيق الأعلى)) أي أختار الرفيق الأعلى. وقوله: ((أنه الحديث)) أي أن هذا القول إشارة إلى الحديث الذي قال، وهو صحيح. الحديث الثاني عن عائشة ﵂: قوله: ((أبهري)) ((نه)): الأبهر عرق في الظهر، وهما أبهران، وقيل: هما الأكحلان اللذان في الذراعين، وقيل: هو عرق مستبطن القلب فإذا انقطع لم يبق معه حياة. وقيل: الأبهر عرق منشؤه من الرأس ويمتد إلى القدم وله شرايين تتصل بأكثر الأطراف والبدن، فالذي في الرأس منه يسمى ((النأمة)) ومنه قولهم: أسكت الله نأمته، أي أماته، ويمتد إلى الحلق فيسمى فيه ((الوريد)) ويمتد إلى الصدر فيسمى ((الأبهر)) ويمتد إلى الظهر فيسمى ((الوتين)) - والفؤاد معلق به- ويمتد إلى الفخذ فيسمى ((النسا)) ويمتد إلى الساق فيسمى ((الصافن)). والهمزة في ((الأبهر)) زائدة.

стр. 3154

يقبض نبي حتى يرى مقعده من الجنة ثم يخير)). قالت عائشة: فلما نزل به، ورأسه على فخذي غشي عليه، ثم أفاق، فأشخص بصره إلى السقف ثم قال: ((اللهم الرفيق الأعلى)). قلت: إذن لا يختارنا. قالت: وعرفت أنه الحديث الذي كان يحدثنا به وهو صحيح في قوله: ((إنه لن يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة ثم يخير)) قالت عائشة: فكان آخر كلمة تكلم بها النبي ﷺ قوله: ((اللهم الرفيق الأعلى)). متفق عليه. ٥٩٦٥ - وعنها، قالت: كان رسول الله ﷺ يقول في مرضه الذي مات فيه: ((يا عائشة! ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، وهذا أوان وجدت انقطاع أبهري في ذلك السم)). رواه البخاري. ــ ويجوز في ((أوان)) الضم والفتح، فالضم لأنه خبر المبتدأ، والفتح على البناء لإضافته إلى مبني، كقوله: على حين عاتبت المشيب على الصبا وقلت [ألما أصح] والشيب وازع الحديث الثالث عن ابن عباس ﵄: قوله: ((أكتب لكم كتاباً)) قال النووي: اعلم أن النبي ﷺ معصوم من الكذب، ومن تغيير شيء من الأحكام الشرعية في حال صحته ومرضه، ومعصوم من ترك بيان ما أمر ببيانه، وتبليغ ما أوجب الله تعالى عليه تبليغه، وليس هو معصوماً من الأمراض والأسقام العارضة للأجسام مما لا نقص فيه لمنزلته، ولا فساد لما تمهد من شريعته، وقد سحر ﷺ حتى صار يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يكن فعله، ولم يصدر منه في هذا الحال كلام من الأحكام مخالف لما سبق، فإذا علمت ما ذكرنا فقد اختلفوا في الكتاب الذي أراد كتابته. فقيل: أراد أن ينص على الخلافة في إنسان معين لئلا يقع نزاع. وقيل: أراد كتاباً يبين فيه مهمات الأحكام ملخصة ليرتفع النزاع ويحصل الاتفاق على المنصوص عليه، وكان النبي ﷺ هم بالكتاب حين ظهر له أنه مصلحة أو أوحي إليه بذلك، ثم ظهر أن المصلحة تركه أو أوحي إليه بذلك ونسخ. وأما كلام عمر ﵁: ((حسبكم كتاب الله)) فقد اتفقوا على أنه من دلائل فقه عمر ﵁ وفضائله ودقيق نظره، لأنه خشي أن يكتب النبي ﷺ أموراً ربما عجزوا عنها واستحقوا العقوبة عليها لكونها منصوصة لا مجال للاجتهاد فيها.

стр. 3155

٥٩٦٦ - وعن ابن عباس، قال: لما حضر رسول الله ﷺ ، وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال النبي ﷺ : ((هلموا أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده)). فقال عمر: قد غلب عليه الوجع، وعندك القرآن، حسبكم كتاب الله، فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله ﷺ . ومنهم من يقول ما قال عمر. فلما أكثروا اللغط والاختلاف، قال رسول الله ﷺ : ((قوموا عني)). قال عبيد الله: فكان ابن عباس يقول: إن الرزيئة كل الرزيئة ما حال بين رسول الله ﷺ وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب لاختلافهم ولغطهم. ــ وأشار بقوله: ((حسبكم كتاب الله)) إلى قوله تعالى ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾. وقوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي﴾. قال البيهقي في كتاب دلائل النبوة: إنما قصد عمر ﵁ بذلك التخفيف على رسول الله ﷺ حين غلب الوجع عليه، [ولو] كان مراده ﷺ أن يكتب مالا يستغنون عنه لم يتركه لاختلافهم لقوله تعالى: ﴿بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ كما لم يترك التبليغ لمخالفة من خالفه ومعاداة من عاداه، وكما أمر في تلك الحالة بإخراج اليهود من جزيرة العرب وغير ذلك. وقال البيهقي: وقد حكى سفيان بن عيينة عن أهل العلم قبله أنه ﷺ أراد أن يكتب استخلاف أبي بكر ﵁ ثم ترك ذلك اعتماداً على ما علمه من تقدير الله تعالى ذلك، كما هم بالكتابة في أول مرضه حين قال: ((وارأساه)) ثم ترك الكتاب وقال: ((يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر)) وذلك بسبب استخلافه أبا بكر في الصلاة. وقال أيضاً: إن كان المراد منه بيان أحكام الدين ورفع الخلاف فيها فقد علم عمر حصول ذلك من قوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ وعلم أنه لا تقع واقعة إلى يوم القيامة إلا وفي الكتاب والسنة بيانها نصاً أو دلالة، وفي تكلف النبي ﷺ في مرضه مع شدة وجعه كتابة ذلك مشقة، فرأى الاقتصار على ما سبق بيانه تخفيفاً عليه ولئلا ينسد باب الاجتهاد على أهل العلم والاستناط وإلحاق الفروع بالأصول، فرأى عمر ﵁ الصواب ترك الكتابة تخفيفاً على رسول الله ﷺ وفضيلة للمجتهدين، وفي تركه ﷺ الإنكار على عمر دليل على استصواب رأيه، وكان عمر أفقه من ابن عباس وموافقيه.
следующие страницы →