← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122257

شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن

الطيبي

Полный текст (3 308 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

يقول: مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. فعلمت أنه خير. متفق عليه. ٥٩٦١ - وعن أنس، قال: لما ثقل النبي ﷺ جعل يتغشاه الكرب فقالت فاطمة واكرب أباه! فقال لها: ((ليس على أبيك كرب بعد اليوم)). فلما مات قالت: يا أبتاه! أجاب رباً دعاه، يا أبتاه! من جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه! إلى جبريل ننعاه. فلما دفن قالت فاطمة: يا أنس! أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله ﷺ التراب؟ رواه البخاري. ــ والرفيق: المرافق في الطريق. وقيل: المعنى ألحقني بالرفيق الأعلى، أي بالله تعالى، يقال: الله رفيق بعباده، من الرفق والرأفة، فهو فعيل بمعنى فاعل، ومنه حديث عائشة ﵂: سمعته يقول عند موته: ((بل الرفيق الأعلى)) وذلك أنه خير بين البقاء في الدنيا وبين ما عند الله، فاختار ما عند الله. ((تو)): قد ذهب بعضهم ((في الرفيق الأعلى)) أنه اسم من أسماء الله تعالى. قال الأزهري: غلط قائل هذا، الرفيق هاهنا جماعة الأنبياء الذين يسكنون أعلى عليين، اسم جاء على فعيل ومعناه الجماعة، ومنه قوله تعالى: ﴿وحسن أولئك رفيقا﴾. وقوله: ((إن الله رفيق)) لم يوجب إطلاق هذا الاسم عليه كما لم يوجب ((إن الله حيي ستير)) إطلاق ذلك عليه، وإنما أراد به إيضاح معنى لم يكن يقع في الأفهام إلا من هذا الطريق. أقول: لم لا يجوز أن يستدل بهذا الحديث على إطلاق هذا الاسم عليه وما المانع وليس هذا نحو قوله: ((إن الله حيي)) لأن ذلك إخبار. وقول صاحب النهاية: إنه اختار ما عند الله تعالى، تصريح بأن المراد منه القرب والزلفى عند الله تعالى، ولو أريد به الملائكة والنبيون لقيل: من عند الله تعالى، ويؤيده حديث أبي سعيد ﵁: إن عبدً خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الحياة الدنيا ما شاء، وبين ما عنده فاختار ما عنده)) وحديث جعفر في آخر الفصل الثالث من هذا الباب: ((يا محمد إن الله قد اشتاق إلى لقائك .. الحديث)) ولأن حصول هذه البغية مستلزم لحصول تلك المنزلة كما قال تعالى: ﴿يأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي﴾.

стр. 3152

الفصل الثاني ٥٩٦٢ - عن أنس، قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة لعبت الحبشة بحرابهم فرحاً لقدومه. رواه أبو داود [٥٩٦٢]. وفي رواية الدارمي قال: ما رأيت يوماً قط كان أحسن ولا أضوأ من يوم دخل علينا فيه رسول الله ﷺ ، وما رأيت يوماً كان أقبح ولا أظلم من يوم مات فيه رسول الله ﷺ . ــ وفي إدخال ((في)) على ((الرفيق الأعلى)) إيذان بغاية القرب وشدة تمكنه منه وحلول رضوانه عليه وحصول رضاه عن الله تعالى، وإليه الإشارة بقوله: ﴿راضية مرضية﴾. والله أعلم الحديث الخامس عن عائشة ﵂: قوله: ((بحة)) ((نه)): البحة بالضم غلظ في الصوت، يقال: بح يبح بحوحاً، وإن كان من داء فهو البحاح، ورج أبح بين البحح إذا كان ذلك فيه خلقة. الحديث السادس عن أنس ﵁: قوله: ((قالت: يا أبتاه)) أصله يا أبي، فالتاء بدل من الياء لأنهما من الحروف الزوائد والألف للندبة لمد الصوت، والهاء للسكت، ولابد للندبة من إحدى العلامتين: ياء أو واو، لأن الندبة لإظهار التوجع ومد الصوت وإلحاق الألف في آخرها للفصل بينها وبين النداء، وزيادة الهاء في الوقف إرادة بين الألف لأنها خفية وتحذف في الوصل. وقوله: ((من جنة الفردوس)) في البخاري وشرح السنة وقع ((من)) موصولة، وفي بعض نسخ المصابيح وقعت جارة، والأول أنسب لأنه من وادي قولهم: ((وامن حفر بئر زمزماه)). الفصل الثاني الحديث الأول والثاني عن أنس ﵁: قوله: ((أضاء منها)) الضمير راجع إلى المدينة، وفيه معنى التجريد كقولك: لئن لقيته لتلقين منه الأسد، وهذا يدل على أن الإضاءة كانت محسوسة.

стр. 3153

وفي رواية الترمذي قال: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء، وما نفضنا أيدينا عن التراب وإنا لفي دفنه، حتى أنكرنا قلوبنا. ٥٩٦٣ - وعن عائشة، قالت. لما قبض رسول الله ﷺ اختلفوا في دفنه فقال أبو بكر سمعت من رسول الله ﷺ شيئاً قال: ((ما قبض الله نبياً إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه)) ادفنوه في موضع فراشه. رواه الترمذي [٥٩٦٣]. الفصل الثالث ٥٩٦٤ - عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يقول وهو صحيح: ((إنه لن ــ قوله: ((وما نفضنا أيدينا)) ((تو)): يريد أنهم لم يجدوا قلوبهم على ما كنت عليه من الصفاء والألفة و [الرقة]، لانقطاع مادة الوحي وفقدان ما كان يمدهم من قبل الرسول ﷺ من التأييد والتعليم، ولم يرد أنهم لم يجدوها على ما كانت عليه من التصديق. الفصل الثالث الحديث الأول عن عائشة ﵂: قوله: ((الرفيق الأعلى)) أي أختار الرفيق الأعلى. وقوله: ((أنه الحديث)) أي أن هذا القول إشارة إلى الحديث الذي قال، وهو صحيح. الحديث الثاني عن عائشة ﵂: قوله: ((أبهري)) ((نه)): الأبهر عرق في الظهر، وهما أبهران، وقيل: هما الأكحلان اللذان في الذراعين، وقيل: هو عرق مستبطن القلب فإذا انقطع لم يبق معه حياة. وقيل: الأبهر عرق منشؤه من الرأس ويمتد إلى القدم وله شرايين تتصل بأكثر الأطراف والبدن، فالذي في الرأس منه يسمى ((النأمة)) ومنه قولهم: أسكت الله نأمته، أي أماته، ويمتد إلى الحلق فيسمى فيه ((الوريد)) ويمتد إلى الصدر فيسمى ((الأبهر)) ويمتد إلى الظهر فيسمى ((الوتين)) - والفؤاد معلق به- ويمتد إلى الفخذ فيسمى ((النسا)) ويمتد إلى الساق فيسمى ((الصافن)). والهمزة في ((الأبهر)) زائدة.

стр. 3154

يقبض نبي حتى يرى مقعده من الجنة ثم يخير)). قالت عائشة: فلما نزل به، ورأسه على فخذي غشي عليه، ثم أفاق، فأشخص بصره إلى السقف ثم قال: ((اللهم الرفيق الأعلى)). قلت: إذن لا يختارنا. قالت: وعرفت أنه الحديث الذي كان يحدثنا به وهو صحيح في قوله: ((إنه لن يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة ثم يخير)) قالت عائشة: فكان آخر كلمة تكلم بها النبي ﷺ قوله: ((اللهم الرفيق الأعلى)). متفق عليه. ٥٩٦٥ - وعنها، قالت: كان رسول الله ﷺ يقول في مرضه الذي مات فيه: ((يا عائشة! ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، وهذا أوان وجدت انقطاع أبهري في ذلك السم)). رواه البخاري. ــ ويجوز في ((أوان)) الضم والفتح، فالضم لأنه خبر المبتدأ، والفتح على البناء لإضافته إلى مبني، كقوله: على حين عاتبت المشيب على الصبا وقلت [ألما أصح] والشيب وازع الحديث الثالث عن ابن عباس ﵄: قوله: ((أكتب لكم كتاباً)) قال النووي: اعلم أن النبي ﷺ معصوم من الكذب، ومن تغيير شيء من الأحكام الشرعية في حال صحته ومرضه، ومعصوم من ترك بيان ما أمر ببيانه، وتبليغ ما أوجب الله تعالى عليه تبليغه، وليس هو معصوماً من الأمراض والأسقام العارضة للأجسام مما لا نقص فيه لمنزلته، ولا فساد لما تمهد من شريعته، وقد سحر ﷺ حتى صار يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يكن فعله، ولم يصدر منه في هذا الحال كلام من الأحكام مخالف لما سبق، فإذا علمت ما ذكرنا فقد اختلفوا في الكتاب الذي أراد كتابته. فقيل: أراد أن ينص على الخلافة في إنسان معين لئلا يقع نزاع. وقيل: أراد كتاباً يبين فيه مهمات الأحكام ملخصة ليرتفع النزاع ويحصل الاتفاق على المنصوص عليه، وكان النبي ﷺ هم بالكتاب حين ظهر له أنه مصلحة أو أوحي إليه بذلك، ثم ظهر أن المصلحة تركه أو أوحي إليه بذلك ونسخ. وأما كلام عمر ﵁: ((حسبكم كتاب الله)) فقد اتفقوا على أنه من دلائل فقه عمر ﵁ وفضائله ودقيق نظره، لأنه خشي أن يكتب النبي ﷺ أموراً ربما عجزوا عنها واستحقوا العقوبة عليها لكونها منصوصة لا مجال للاجتهاد فيها.

стр. 3155

٥٩٦٦ - وعن ابن عباس، قال: لما حضر رسول الله ﷺ ، وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال النبي ﷺ : ((هلموا أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده)). فقال عمر: قد غلب عليه الوجع، وعندك القرآن، حسبكم كتاب الله، فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله ﷺ . ومنهم من يقول ما قال عمر. فلما أكثروا اللغط والاختلاف، قال رسول الله ﷺ : ((قوموا عني)). قال عبيد الله: فكان ابن عباس يقول: إن الرزيئة كل الرزيئة ما حال بين رسول الله ﷺ وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب لاختلافهم ولغطهم. ــ وأشار بقوله: ((حسبكم كتاب الله)) إلى قوله تعالى ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾. وقوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي﴾. قال البيهقي في كتاب دلائل النبوة: إنما قصد عمر ﵁ بذلك التخفيف على رسول الله ﷺ حين غلب الوجع عليه، [ولو] كان مراده ﷺ أن يكتب مالا يستغنون عنه لم يتركه لاختلافهم لقوله تعالى: ﴿بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ كما لم يترك التبليغ لمخالفة من خالفه ومعاداة من عاداه، وكما أمر في تلك الحالة بإخراج اليهود من جزيرة العرب وغير ذلك. وقال البيهقي: وقد حكى سفيان بن عيينة عن أهل العلم قبله أنه ﷺ أراد أن يكتب استخلاف أبي بكر ﵁ ثم ترك ذلك اعتماداً على ما علمه من تقدير الله تعالى ذلك، كما هم بالكتابة في أول مرضه حين قال: ((وارأساه)) ثم ترك الكتاب وقال: ((يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر)) وذلك بسبب استخلافه أبا بكر في الصلاة. وقال أيضاً: إن كان المراد منه بيان أحكام الدين ورفع الخلاف فيها فقد علم عمر حصول ذلك من قوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ وعلم أنه لا تقع واقعة إلى يوم القيامة إلا وفي الكتاب والسنة بيانها نصاً أو دلالة، وفي تكلف النبي ﷺ في مرضه مع شدة وجعه كتابة ذلك مشقة، فرأى الاقتصار على ما سبق بيانه تخفيفاً عليه ولئلا ينسد باب الاجتهاد على أهل العلم والاستناط وإلحاق الفروع بالأصول، فرأى عمر ﵁ الصواب ترك الكتابة تخفيفاً على رسول الله ﷺ وفضيلة للمجتهدين، وفي تركه ﷺ الإنكار على عمر دليل على استصواب رأيه، وكان عمر أفقه من ابن عباس وموافقيه.

стр. 3156

وفي رواية سليمان بن أبي مسلم الأحوال قال ابن عباس: يوم الخميس، وما يوم الخميس؟ ثم بكى حتى بل دمعه الحصى. قلت يا بن عباس! وما يوم الخميس؟ قال: اشتد برسول الله ﷺ وجعه فقال: ((ائتنوني بكتف أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً)). فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع. فقالوا: ما شأنه؟! أهجر؟ استفهموه، فذهبوا يردون عليه. فقال: ((دعوني، ذروني، فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه)). فأمرهم بثلاث: فقال: ((أخرجوا المشركين من جزيرة العب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم)). وسكت عن الثالثة، أو قالها فنسيتها قال سفيان: هذا من قول سليمان. متفق عليه. ــ قال الخطابي: ولا يجوز أن يحمل قول عمر ﵁ على أنه توهم الغلط على رسول الله ﷺ أو ظن به غير ذلك مما لا يليق بحاله، لكنه لما رأى ما غلب عليه ﷺ من الوجع وقرب الوفاة مع ما غشيه من الكرب خاف أن يكون ذلك القول مما يقول المريض مما لا عزيمة له فيجد المنافقون بذلك سبيلا إلى الكلام في الدين، وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ يراجعونه في بعض الأمور قبل أن يجزم فيها بتحتيم، كما راجعوه يوم الحديبية في الخلاف وفي كتاب الصلح بينه وبين قريش، فأما إذا أمر بالشيء أمر عزيمة فلا يراجعه فيه أحد منهم، ومعلوم أنه ﷺ وإن كان الله تعالى رفع درجته فوق الخلق كلهم لم ينزهه عن سمات الحدث والعوارض البشرية، وقد سها في الصلاة، فينبغي أن يتوقف في مثل هذا حتى تتبين حقيقته، فلهذه المعاني وشبهها راجعه عمر ﵁. وقد قال الخطابي: وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: ((اختلاف أمتي رحمة)). والاختلاف في الدين ثلاثة أقسام: أحدها: في إثبات الصانع ووحدانيته، وإنكارها ذلك كفر. وثانيها: في صفاته ومشيئته، وإنكارها بدعة. وثالثها: في أحكام الفروع المحتملة وجوها. فهذا جعله الله تعالى رحمة وكرامة للعلماء. وقال المازري: إن قيل: كيف جاز للصحابة الاختلاف في هذا الكتاب مع قوله: ((ائتوني بكتف أكتب لكم))؟.

стр. 3157

٥٩٦٧ - وعن أنس، قال: قال أبو بكر لعمر [﵄] بعد وفاة رسول الله ﷺ : انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله ﷺ يزورها، فلما انتهيا إليها بكت. فقالا لها: ما يبكيك؟ أما تعلمين أن ما عند الله خير لرسول الله ﷺ ؟ فقالت: إني لا أبكي أني لا أعلم أن ما عند الله خير لرسول الله ﷺ ، ولكن أبكى أن الوحي قد انقطع من السماء فهيجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها. رواه مسلم. ــ فالجواب: أن الأوامر تقارنها قرائن تنقلها من الندب إلى الوجوب عند من قال: أصلها الندب، ومن الوجوب إلى الندب عند من قال: أصلها الوجوب، فلعله ظهر منه ﷺ من القرائن ما دل على أنه لم يوجب ذلك عليهم بل جعله إلى اختيارهم فاختلف اختيارهم بحسب اجتهادهم، وأدى اجتهاد عمر ﵁ إلى الامتناع، ولعله اعتقد أن ذلك صدر منه ﷺ من غير قصد جازم، وكان هذا قرينة في إرادة عدم الوجوب. - هذا آخر ما في شرح مسلم- قوله: ((أهجر؟)) ((نه)): أهجر أي اختلف كلامه بسبب المرض على سبيل الاستفهام، أي: هل تغير كلامه واختلط لأجل ما به من المرض؟ ولا يجعل إخباراً فيكون من الفحش والهذيان، والقائل عمر ولا يظن به ذلك. ((مح)): قال القاضي عياض: أهجر رسول الله ﷺ ؟ هكذا في صحيح مسلم وغيره ((أهجر)) على الاستفهام، وهو أصح من رواية من روى ((هجر)) بغير همز لأنه لا يصح منه ﷺ ، لأن معنى ((هجر)) هذى، وإنما جاز ذلك من قائله استفهاماً للإنكار على من قال: ((لا تكتبوا)) أي لا تتركوا أمر رسول الله ﷺ وتجعلوه كأمر من هجر في كلامه لأنه ﷺ لا يهجر، وإن صحت الرواية الأخرى كانت خطأ من قائلها لأنه قالها من غير تثبت لما أصابه من الحيرة والدهشة لعظم ما شاهده من النبي ﷺ من هذه الحالة الدالة على وفاته وخوف الفتن والضلال بعده، وقول عمر ﵁: ((حسبكم كتاب الله)) رد على نازعه لا على أمر النبي ﷺ . قوله: ((دعوني ذروني)) معناه دعوني من النزاع واللغط الذي شرعتم فيه، فالذي أنا فيه من مراقبة الله تعالى والتأهب للقائه والفكر في ذلك ونحوه أفضل مما أنتم فيه. قوله: ((أخرجوا المشركين من جزيرة العرب)) مر بيانه في باب: إخراج اليهود من جزيرة العرب.

стр. 3158

٥٩٦٨ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه، ونحن في المسجد، عاصباً رأسه بخرقة، حتى أهوى نحو المنبر، فاستوى عليه واتبعناه، قال: ((والذي نفسي بيده إني لأنظر إلى الحوض من مقامي هذا، ثم قال: ((إن عبداً عرضت عليه الدنيا وزينتها، فاختار الآخرة)) قال: فلم يفطن لها أحد غير أبي بكر، فذرفت عيناه، فبكى، ثم قال: بل نفديك بآبائنا وأمهاتنا وأنفسنا وأموالنا يا رسول الله! قال: ثم هبط فما قام عليه حتى الساعة. رواه الدارمي [٥٩٦٨] ــ قوله: ((وأجيزوا الوفد)) ((مح)): أمر ﷺ بإكرام الوفود وضيافتهم تطييباً لنفوسهم وترغيباً لغيرهم من المؤلفة. وقالوا: سواء كان الوفد مسلمين أو كفاراً، لأن الكفر إنما يفد غالباً فيما يتعلق بمصالحنا ومصالحهم. وقوله ((وسكت عن الثالثة)) الساكت هو ابن عباس ﵄، والناس: سعيد بن جبير. قال مهلب: الثالثة: تجهيز جيش أسامة. قال القاضي عياض: ويحتمل أنه قوله ﷺ : ((لا تتخذوا قبري وثناً يعبد)). الحديث الرابع عن أنس ﵁: قوله: ((نزورها)) هو أفخم بلاغة من أن لو قال: ((أزورها)) حسب ما اقتضاه تعظيم المزور، كأنه قيل: لم ننطلق إليها؟ فأجيب: نزورها، لأنها مستحقة لذلك، ونحوه في الاستئناف قول الشاعر: وقال رائدهم ارسوا نزاولها. قوله: ((إني لا أعلم)) مفعول لقوله: ((لا أبكي)). الحديث الخامس عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((حتى الساعة)) حتى هي الجارة، والمراد بالساعة القيامة، يعني فما قام عليه بعد في حياته.

стр. 3159

٥٩٦٩ - وعن ابن عباس، قال: لما نزلت ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾. دعا رسول الله ﷺ فاطمة قال: ((نعيت إلي نفسي) فبكت قال: ((لا تبكي فإنك أول أهلي لاحق بي)) فضحكت: فرآها بعض أزواج النبي ﷺ فقلن: يا فاطمة رأيناك بكيت ثم ضحكت. قالت: إنه أخبرني أنه قد نعيت إليه نفسه فبكيت، فقال لي: لا تبكي فإنك أول أهلي لاحق بي فضحكت. وقال رسول الله ﷺ : ((إذا جاء نصر الله والفتح، وجاء أهل اليمين، هم أرق أفئدة، والإيمان يمان، والحكمة يمانية)) رواه الدارمي [٥٩٦٩]. ــ الحديث السادس عن ابن عباس ﵄: قوله: ((نعيت إلي نفسي)) ضمن ((نعى)) معنى الإنهاء، وعدي بإلى، أي أنهى إلي نعي نفسي، كما تقول: أحمد إليك فلاناً. يقال: نعى الميت ينعاه نعياً، ونعاه إذا أذاع موته وأخبر به، ولعل السر في ذلك أنه تعالى رتب قوله: ﴿فسبح بحمد ربك﴾ على مجموع قوله: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس﴾ فهو أمر لرسول الله ﷺ بالاشتغال بخاصة نفسه في الثناء على الله بصفات الجلال حامداً له على ما أولى من النعم بصفات الإكرام وهي بذلك المجهود فيما كلف به من تبليغ الرسالة ومجاهدة أعداء الدين، وبالإقبال على العبادة والتقوى، والتأهب للمسير إلى المقامات العليا، واللحوق بالرفيق الأعلى. وقوله: ((فرآها بعض أزواج النبي ﷺ ) يراد بها عائشة ﵂ وجمعها في قوله: ((فقلن)) تعظيماً لشأنها. وقوله: ((وجاء أهل اليمين)) عطف على قوله: ((جاء)) وتفسير لقوله تعالى: ﴿ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً)) وإيذان بأن المراد بالناس هم أهل اليمين. قوله ((والإيمان يمان)) قيل: إنما قال ذلك لأن الإيمان بدأ من مكة وهي تهامة، وتهامة من أرض اليمن، ولهذا يقال: الكعبة يمانية. وقيل: إنه قال هذا القول وهو بتبوك، ومكة والمدينة يومئذ بينه وبين اليمين فأشار إلى ناحية اليمين وهو يريد مكة.

стр. 3160

٥٩٧٠ - وعن عائشة، أنها قالت: وارأساه! قال رسول الله ﷺ : ((ذاك لو كان وأنا حي فأستغفر لك وأدعو لك)) فقالت عائشة: واثكلياه! والله إني لأظنك تحب موتي، فلو كان ذلك لظللت آخر يومك معرساً ببعض أزواجك. فقال النبي ﷺ : ((بل أنا وارأساه! لقد هممت- أو أردت- أن أرسل إلى أبي بكر وابنه وأعهد، أن يقول القائلون: أو يتمنى المتمنون، ثم قلت: يأبى الله ويدفع المؤمنون، أو يدفع الله ويأبى المؤمنون)) رواه البخاريز ٥٩٧١ - وعنها: قالت: رجع إلي رسول الله ﷺ ذات يوم من جنازة من البقيع فوجدني وأنا أجد صداعاً، وأن أقول: وارأساه! قال: ((بل أنا يا عائشة! وارأساه)) قال: وما ضرك لو مت قبلي، فغسلتك وكفنتك، وصليت عليك، ودفنتك؟)) قلت: لكأني بك والله لو فعلت ذلك لرجعت إلى بيتي فغرست فيه بعض نسائك، فتبسم رسول الله ﷺ ثم بدئ في وجعه الذي مات فيه. رواه الدارمي [٥٩٧١] ــ ((والحكمة يمانية)) الحكمة كل كلمة صالحة تمنع صاحبها من الوقوع في المهالك. الحديث السابع عن عائشة ﵂: قوله: ((وارأساه)) ندبت نفسها وأشارت إلى الموت. قوله: ((ذاك لو كان وأنا حي)) أي إن حصل ذاك، أي موتك وأنا حي أستغفر لك. فأجابت بقولها: ((واثكلياه والله إني لأظنك)) يعني إني فقدتني وعشت بعدي وتفرغت لغيري نسيتني. وقوله: ((أن يقول القائلون)) مفعول له على تقدير محذوف، أي أجعل أبا بكر ولي عهدي كراهة أن يقول القائلون: لم يعهد رسول الله ﷺ إلى أبي بكر الخلافة، أو يتمنى المتمنون الخلافة، ثم قلت: ((يأبى الله إلا خلافته، ولذلك يدفع المؤمنون خلافة غيره لاستخلافي إياه في الإمامة الصغرى والله أعلم. الحديث الثامن عن عائشة ﵂: قوله: ((لكأني بك)) فيه جواب قسم محذوف، والمذكور معترض بين الحال وصاحبها، والمعنى: والله لكأني أبصرتك والحال كيت وكيت.

стр. 3161

٥٩٧٢ - وعن جعفر بن محمد، عن أبيه، أن رجلاً من قريش دخل على أبيه على بن الحسين، فقال: ألا أحدثك عن رسول الله ﷺ ؟ قال: بلى حدثنا عن أبي القاسم ﷺ قال لما مرض رسول الله ﷺ أتاه جبريل فقال: ((يا محمد! إن الله أرسلني إليك تكريماً لك، وتشريفاً لك، خاصة لك يسألك عما هو أعلم به منك، يقول: كيف تجدك؟ قال: أجدني يا جبريل! مغموماً، وأجدني يا جبريل! مكروباً)). ثم جاءه اليوم الثاني، فقال له ذلك، فرد عليه النبي ﷺ كما رد أول يوم، ثم جاءه اليوم الثالث، فقال له كما قال أول يوم، ورد عليه كما رد عليه، وجاء معه ملك يقال له: إسماعيل على مائة ألف ملك، كل ملك على مائة ألف ملك، فاستأذن عليه، فسأله عنه. ثم قال جبريل: هذا ملك الموت يستأذن عليك. ما استأذن على آدمي قبلك، ولا يستأذن على آدمي بعدك. فقال: ائذن له، فأذن له، فسلم عليه، ثم قال يا محمد! إن الله أرسلني إليك، فإن أمرتني أن أقبض روحك قبضت، وإن أمرتني أن أتركه تركته فقال: وتفعل يا ملك الموت؟ قال: نعم، بذلك أمرت، وأمرت أن أطيعك. قال: فنظر النبي ﷺ إلى جبريل ﵇، فقال جبريل: يا محمد! إن الله قد اشتاق إلى لقائك، فقال النبي ﷺ لملك الموت: ((امض لما أمرت به)) فقبض روحه، فلما توفي رسول الله ﷺ وجاءت التعزية سمعوا صوتاً من ناحية البيت: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، إن في الله عزاء من كل مصيبة، ــ الحديث التاسع عن جعفر بن محمد: قوله: ((وأمرت أن أطيعك)) عطف على قوله: ((بذلك أمرت)) أي بقبض روحك وهو من العطف المخصص للمعطوف عليه. وقوله: ((امض لما أمرت به)) أي انفذ لما أمرت به ولا تتوقف فيه. وإلى هاهنا ذكره ابن الجوزي في كتابه ((الوفاء)) وذكر بعده: ((فقال جبريل ﵇: السلام عليك يا رسول الله، هذا آخر موطئ الأرض إنما كنت حاجتي من الدنيا)).

стр. 3162

وخلفاً من كل هالك، ودركاً من كل فائت، فبالله فاتقوا، وإياه فارجوا، فإنما المصائب من حرم الثواب. فقال علي: أتدرون من هذا؟ هو الخضر ﵇. رواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) [٥٩٧٢] (١٠) باب الفصل الأول ٥٩٧٣ - عن عائشة، قالت: ما ترك رسول الله ﷺ ديناراً ولا درهما ولا شاة ولا بعيراً، ولا أوصي بشيء. رواه مسلم. ــ قوله: ((عزاء في كل مصيبة)) أي تعزية من كل مصيبة، فأقام الاسم مقام المصدر. ((نه)): في الحديث: ((من لم يتعز بعزاء الله)) قيل: أراد بالتعزي في هذا الحديث التسلي والتصبر عند المصيبة وأن يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، فعلى هذا يجوز أن يقدر مضاف في قوله: ((في الله)) أي في لقاء الله تسلياً وتصبراً من كل مصيبة، وأن يراد أن في الله تسلية على التجريد، نحو قوله: ((وفي الرحمن للضعفاء كاف)) ويؤيده القرينتان، يعني: ((خلفاً)) و ((دركاً)) أي مدركاً. قوله: ((فبالله فاتقوا)) الله الفاء فيه جواب للشرط، وبالله حال قدمت على عاملها اختصاصاً كما في قوله تعالى: ﴿فإياي فاعبدون﴾، أي إذا كان الله معزيا وخلفاً ومدركاً فخصوه بالتقوى مستعينين به. والفاء في ((فاتقوا)) وردت لتأكيد الربط، وكذا في قوله: ((فارجوا)) وتقديم المفعول ليس لإرادة التخصيص بل لتتعادل به القرينة في اقتران الفاء. وفيه دلالة بينة على أن الخضر ﵇ حي موجود. باب الفصل الأول الحديث الأول عن عائشة ﵂: قوله: ((ولا أوصي بشيء)) ((مح)): وفي رواية أخرى ذكروا عند عائشة ﵂: أن علياً ﵁ كان وصياً، فقالت: متى أوصى إليه؟ وقد كنت مسندته حتى مات فمتى أوصى؟.

стр. 3163

٥٩٧٤ - وعن عمرو بن الحارث أخي جويرية، قال: ما ترك رسول الله ﷺ عند موته ديناراً ولا درهماً ولا عبداً ولا أمة ولا شيئاً إلا بغلته البيضاء، وسلاحه وأرضاً جعلها صدقة. رواه البخاري. ٥٩٧٥ - وعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يقتسم ورثتي ديناراً، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة)). متفق عليه. ٥٩٧٦ - وعن أبي بكر [﵁] قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا نورث ما تركناه صدقة)). متفق عليه. ــ ومعنى: ((ولا أوصى بشيء)) أي لا أوصى بثلث ماله ولا غيره إذ لم يكن له مال ولا أوصي إلى علي ﵁ ولا إلى غيره خلاف ما يزعمه الشيعة، وأما الأحاديث الصحيحة في وصيته ﷺ بكتاب الله، ووصيته لأهل البيت، وإخراج اليهود من جزيرة العرب، وإجازة الوفد، فليست مرادة بقولها: ((ولا أوصي)). وأما الأرض التي كانت له ﷺ بخيبر وفدك فقد [سبلها] ﷺ في حياته وجعلها صدقة على المسلمين. الحديث الثاني والثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لا يقتسم ورثتي ديناراً)) هو إخبار، ويجوز أن يكون بمعنى النهي، فهو على منوال قوله: على لا حب ولا يهتدي بمناره. أي لا دينار هناك فيقتسم. قوله: ((ما تركت بعد نفقة نسائي)) ((حس)): قال سفيان بن عيينة: كان أزواج النبي ﷺ في معنى المعتدات إذ كن لا يجوز لهن أن ينكحن أبداً فجرت لهن النفقة. وقوله: ((مؤنة عاملي)) أراد بالعامل الخليفة بعده، وكان ﷺ يأخذ نفقة أهله من الصفايا التي كانت من أموال بني النضير وفدك، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين، ثم وليها أبو بكر، ثم عمر كذلك، فلما صارت إلى عثمان ﵁ استغنى عنها بماله فأقطعها مروان وغيره من أقاربه فلم تزل في أيديهم حتى ردها عمر بن عبد العزيز ﵁. الحديث الرابع عن أبي بكر ﵁: قوله: ((لا نورث)) أصله ((لا يورث منها)) فحذف ((من)) فاستتر ضمير المتكلم في الفعل فانقلب الفعل عن لفظ الغائب إلى لفظ المتكلم، كما في قوله تعالى: ﴿لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين﴾ في وجه، وقوله تعالى: ﴿نرتع ونلعب﴾ أي يبرح سيري، وترتع إبلنا، فلما حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه انقلب الفعل من الغيبة إلى التكلم.

стр. 3164

٥٩٧٧ - وعن أبي موسى، عن النبي ﷺ ، أنه قال: ((إن الله إذا أراد رحمة أمة من عباده قبض نبيها قبلها فجعله لها فرطاً وسلفاً بين يديها، وإذا أراد هلكة أمة عذبها ونبيها حي فأهلكها وهو ينظر، فأقر عينيه بهلكتها حين كذبوه وعصوا أمره)) رواه مسلم. ٥٩٧٨ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((والذي نفس محمد بيده ليأتين على أحدكم يوم لا يراني، ثم لأن يراني أحب إليه من أهله وماله معهم)) رواه مسلم. [كتاب المناقب] (١) باب مناقب قريش وذكر القبائل ــ الكشاف- وهو وجه لطيف قوله ((ما تركناه صدقة)) جملة مستأنفة، كأنه لما قيل: لا نورث. فقيل: ما تفعلون بتركتكم؟ فأجيب: ما تركناه صدقة. قال المالكي: ((ما)) في قوله: ((ما تركناه صدقة)) موصولة مبتدأ، وتركناه صلته، والعائد محذوف، وصدقة خبر. وروي: ((صدقة)) بالنصب، فالتقدير: ما تركنا مبذول صدقة، فحذف الخبر وبقي الحال كالعوض منه، ونظيره: ﴿ونحن عصبة﴾ بالنصب وقد تقدم بيانه في باب السجود من هذا الكتاب مستقصي. ((مح)) والحكمة في أن الأنبياء لا يوروثون أنه لا يؤمن أن يكون في الورثة من يتمنى موته فيهلك، ولئلا يظن بهم الرغبة في الدنيا، فيهلك الظان وينفر الناس عنهم. الحديث الخامس والسادس عن أبي موسى ﵁: قوله: ((وسلفاً بين يديها)) ((نه)): قيل: سلف الإنسان من تقدمه بالموت من آبائه وذوي قرابته، ولهذا سمي الصدر الأول من التابعين السلف الصالح. باب مناقب قريش وذكر القبائل ((غب)): المنقبة طريق منفذ في الجبل، واستعير للفعل الكريم إما لكونه تأثيراً له، أو لكونه منهجاً في رفعة.

стр. 3165

الفصل الأول ٥٩٧٩ - عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: ((الناس تبع لقريش في هذا الشأن، مسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكافرهم)) متفق عليه. ٥٩٨٠ - وعن جابر، أن النبي ﷺ قال: ((الناس تبع لقريش في الخير والشر)) رواه مسلم. ٥٩٨١ - وعن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: ((لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان)) متفق عليه. ــ الفصل الأول الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((في هذا الشأن)) حس: معناه تفضيل قريش على قبائل العرب وتقديمها في الإمامة والإمارة. خط: كانت العرب تقدم قريشاً وتعظمها، وكانت دراهم موسماً، والبيت الذي هم سدنته منسكا، وكانت لهم السقاية والرفادة، ويعظمون الحجيج ويسقونهم فحازوا به الشرف والرياسة عليهم. قض: المراد بهذا الشأن الدين، والمعنى أن مسلمي قريش قدوة لغيرهم من المسلمين لأنهم المتقدمون في التصديق، السابقون بالإيمان، وكافرهم قدوة غيرهم من الكفار لأنهم أول من رد الدعوة، وكفر بالرسول، وأعرض عن الآيات ((شف)) فلا يكون حينئذ قوله: ((وكافرهم .. إلى آخره)) في معرض المدح. أقول: يؤيد قول القاضي الحديث الذي يتلوه، كأنه قيل: هم متبوعون في كل أمر، والناس يقتفون أثرهم ويزعمون أن كل ما صدر عنهم خير، ونحوه قول الشاعر: ونحن التاركون لما سخطنا ونحن الآخذون لما رضينا الحديث الثاني والثالث عن ابن عمر ﵄: قوله: ((لا يزال هذا الأمر في قريش)) مح: هذه الأحاديث وأشباهها فيها دليل ظاهر على أن الخلافة مختصة بقريش لا يجوز عقدها لغيرهم، وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصحابة ومن بعدهم، ومن خالف فيه من أهل البدع فهو محجوج بإجماع الصحابة. وبين ﷺ أن هذا الحكم مستمر إلى آخر الدهر ما بقي من الناس اثنان، وقد ظهر ما قاله ﷺ من زمنه إلى الآن.

стр. 3166

٥٩٨٢ - وعن معاوية، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه، ما أقاموا الدين))) رواه البخاري. ٥٨٩٣ - وعن جابر بن سمرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة، كلهم من قريش)) وفي رواية: ((لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلاً كلهم من قريش)) وفي رواية ((لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة أو يكون عليهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش)) متفق عليه. ــ الحديث الرابع عن معاوية ﵁: قوله: ((ما أقاموا الدين)) ما مصدرية، والوقت مقدر وهو متعلق بقوله: ((كبه الله)). مظ: أي الخلافة في قريش لا يعاديهم ولا يخالفهم أحد في ذلك إلا أذله الله ما داموا يحافظون على الدين. انتهى كلامه. ويفهم من قول الشيخ التوربشتي أن قوله: ((ما أقاموا)) إذا علق بكبة يستقيم المعنى إذا حمل الدين على الصلاة، وأما إذا حمل على الدين بأصوله وتوابعها فلا لأن منهم من غير وبدل ولم يصرف عنه الأمر. وقيل: معنى الحديث لا يخالف قريشاً أحد في الأمور المتعلقة في الدين بأن أرادوا نقضه وبطلانه وقريش تريد إقامته وإمضاءه إلا أذله الله وقهره. أقول: واللفظ لا يساعد إلا ما عليه المظهر وهو أظهر. الحديث الخامس عن جابر ﵁: قوله: ((إلى اثني عشر خليفة)) تو: السبيل في هذا الحديث وما يعتقبه في هذا المعنى أن يحمل على المقسطين منهم فإنهم هم المستحقون لاسم الخليفة على الحقيقة، ولا يلزم أن يكونوا على الولاء وإن قدر أنهم على الولاء فإن المراد منه المسلمون بها على المجاز. قال القاضي عياض: يوجه هاهنا سؤال وهو: أنه قد جاء ((الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكاً عضوضاً)) وهو مخالف لهذا الحديث؟. وأجيب: بأن المراد بثلاثون سنة خلافة النبوة وقد جاء مفسراً في بعض الروايات: ((خلافة النبوة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكاً)) ولم يشترط هذا في الاثني عشر. وقيل: المراد باثني عشر أن يكونوا مستحقين الخلافة من العادلين وقد مضى منهم من علم ولابد من تمام هذا العدد قبل قيام الساعة. قوله: ((إلى اثني عشر)) إلى هاهنا نحو حتى في الرواية الأخرى، لأن التقدير: لا يزال الدين قائماً حتى يكون عليهم اثنا عشر خليفة، في أن ما بعدها داخل في ما قبلها.

стр. 3167

٥٩٨٤ - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله، وعصية عصت الله ورسوله)) متفق عليه. ٥٩٨٥ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((قريش والأنصار وجهينة ومزينة وأسلم وغفار وأشجع موالي، ليس لهم مولى دون الله ورسوله)) متفق عليه. ــ الكشاف في قوله تعالى ﴿فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق﴾ إلى تفيد معنى الغاية مطلقاً، فأما دخولها في الحكم وخروجها فحكم يدور مع الدليل، ومما فيه دليل على الخروج قوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ لأنه لو دخل الليل لوجب الوصال، ومما فيه دليل على الدخول قولك: حفظت القرآن من أوله إلى آخره، لأن الكلام مسوق لحفظ القرآن كله. الحديث السادس عن ابن عمر ﵄: قوله: ((غفار غفر الله لها وأسلم سالمها الله)) يحتمل أن يكونا خبرين وأن يحمل على الدعاء لهما، وأما قوله: ((وعصيت عصت الله)) فهو إخبار ولا يجوز حمله على الدعاء، لكن فيه إظهار شكاية منهم تستلزم الدعاء عليهم بالخذلان لا بالعصيان. حس: قيل إنما دعا لغفار وأسلم لأن دخولهما في الإسلام كان من غير حرب، وكانت غفار تزن- أي تتهم- بسرقة الحجاج، فدعا رسول الله ﷺ بأن يمحو عنهم تلك السيئة ويغفر لهم. وأما عصية فهم الذين قتلوا القراء ببئر معونة فكان النبي ﷺ يقنت عليهم. مح: قال القاضي: هو من حسن الكلام والمجانسة في الألفاظ مأخوذ من سالمته إذا لم تر منه مكروهاً، وكأنه دعا لهم بأن يضع الله عنهم التعب الذي كانوا فيه. الحديث السابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((ليس لهم مولى)) جملة مقررة للجملة الأولى على الطرد العكس، وفي تمهيد ذكر الله لذكر رسوله وفي تخصيص ذكر الرسول إيذان بمكانته ومنزلته عند الله وإشعار بأن توليه إياهم بلغ مبلغاً لا يقدر قدره ولا يكتنه كنهه.

стр. 3168

٥٩٨٦ - وعن أبي بكرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أسلم وغفار ومزينة وجهينة خير من بني تميم ومن بني عامر والحليفين بني أسد وغطفان)) متفق عليه. ٥٩٨٧ - وعن أبي هريرة، قال: ما زلت أحب بني تميم منذ ثلاث سنوات، سمعت من رسول الله ﷺ يقول فيهم، سمعته يقول: ((هم أشد أمتي على الدجال)) قال: وجاءت صدقاتهم فقال رسول الله ﷺ : ((هذه صدقات قومنا)) وكانت سبية منهم عند عائشة، فقال: ((أعتقيها فإنها من ولد إسماعيل)) متفق عليه. الفصل الثاني ٥٩٨٨ - عن سعد، عن النبي ﷺ قال: ((من يرد هوان قريش أهانه الله)) رواه الترمذي [٥٩٨٨] ــ مح: ((موالي)) أي هم ناصروه والمختصون به، وهو أيضاً وليهم وناصرهم والمتكفل بهم وبمصالحهم. الحديث الثامن عن أبي بكر ﵁: قوله: ((والحليفين)) إنما يقال لهم: ((الحليفان)) لأنهم تحالفوا على التناصر ((مح)) وتفضيل هذه القبائل لسبقهم إلى الإسلام وحسن آثارهم فيه. الحديث التاسع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((ثلاث)) صفة موصوف محذوف، وكذا ((سمعت)). و ((يقول فيهم)) جملة حالية، أي خصال ثلاث سمعتها في حالة كونه ﷺ قائلاً إياها في حقهم. وقوله: ((سمعته)) بيان أو بدل لقوله: سمعت من رسول الله ﷺ . والخصال الثلاث: أحدها قوله: ((هم أشد أمتي على الدجال)). وثانيها: ((هذه صدقات قومنا)) شرفهم بإضافتهم إلى نفسه ﷺ . وثالثها: ((اعتقيها فإنها من ولد إسماعيل)) فإن دل على فضيلتهم لكونهم من بني إسماعيل، والولد بضم الواو وسكون اللام جمع ولد.

стр. 3169

٥٩٨٩ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((اللهم أذقت أول قريش نكالا، فأذق آخرهم نوالا)) رواه الترمذي [٥٩٨٩]. ٥٩٩٠ - وعن أبي عامر الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((نعم الحي الأسد والأشعرون لا يفرون في القتال، ولا يغلون، هم مني وأنا منهم)) رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب [٥٩٩٠]. ٥٩٩١ - وعن أنس: قال قال رسول الله ﷺ : ((الأزد أزد الله في الأرض، يريد الناس أن يضعوهم ويأبى الله إلا أن يرفعهم، وليأتين على الناس زمان يقول الرجل: يا ليت أبي كان أزدياً، ويا ليت أمي كانت أزدية)) رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب [٥٩٩١]. ــ الفصل الثاني الحديث الأول والثاني عن ابن عباس ﵄: قوله: ((أول قريش نكالا)) يوم بدر والأحزاب، والنكال: العبرة، وقيل: العقوبة، ويؤيده حديث عياض المجاشعي: ((إن الله أمرني أن أحرق قريشاً، فقلت: رب إذن يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة ...)) الحديث. الحديث الثالث عن أبي عامر الأشعري ﵁: قوله: ((الأسد)) تو: هو بسكون السين وهم حي من اليمن، ويقال: هم الأزد، وهو بالسين أفصح، وهما أزدان: أزد شنوءة وأزد عمان. قوله: ((الأشعرون)) بسقوط الياء في جامع الترمذي وجامع الأصول، وبإثباتها في المصابيح. قال الجوهري: تقول العرب: جاءتك الأشعرون، بحذف الياء. الحديث الرابع عن أنس ﵁: قوله: ((الأزد أزد الله في الأرض)) قض: يردي الأزد أزد شنوءة وهم حي من اليمن أولاد أزد ابن الغوث بن بنت مالك بن كهلان بن سبأ، وإضافتهم إلى الله تعالى من حيث إنهم حزبه وأهل نصرة رسول الله ﷺ . أقول: قوله: ((أزد الله)) يحتمل وجوها:

стр. 3170

٥٩٩٢ - وعن عمران بن حصين، قال: مات النبي ﷺ وهو يكره ثلاثة أحياء: ثقيف، وبني حنيفة، وبني أمية. رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب [٥٩٩٢]. ٥٩٩٣ - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((في ثقيف كذاب ومبير)) قال عبد الله بن عصمة يقال: الكذاب هو المختار بن أبي عبيد، والمبير هو الحجاج ابن يوسف وقال هشام بن حسان: أحصوا ما قتل الحجاج صبراً فبلغ مائة ألف وعشرين ألفاً. رواه الترمذي [٥٩٩٣]. ٥٩٩٤ - وروى مسلم في ((الصحيح)) حين قتل الحجاج عبد الله بن الزبير قالت أسماء: إن رسول الله ﷺ حدثنا ((أن في ثقيف كذاباً ومبيراً)) فأما الكذاب فرأيناه، وأما المبير فلا إخالك إلا إياه. وسيجيء تمام الحديث في الفصل الثالث. ٥٩٩٥ - وعن جابر، قال: قالوا: يا رسول الله! أحرقتنا نبال ثقيف، فادع الله عليهم. قال: ((اللهم اهد ثقيفاً)) رواه الترمذي [٥٩٩٥] ــ أحدها: اشتهارهم بهذا الاسم بأنه ثابتون في الحرب لا يفرون- على ما مر في الحديث السابق، وعليه كلام القاضي. وثانيها: أن تكون الإضافة للاختصاص والتشريف كبيت الله وناقة الله، على ما يدل عليه قوله: ((يريد الناس أن يضعوهم)). وثالثها: أن يراد بها الشجاعة، والكلام على التشبيه، أي: الأزد أسد الله، فجاء به إما مشاكلة، أو قلب السين زاياً. الحديث الخامس عن ابن عمر ﵄: قوله: ((كذاب ومبير)) قض: أشار بالكذب إلى ((المختار بن أبي عبيد بن مسعود الثقفي)) قام بعد وقعة الحسين ودعا الناس إلى طلب ثأره وكان غرضه من ذلك أن يصرف إلى نفسه وجوه الناس ويتوصل به إلى تحصيل الإمارة، وكان طالباً للدنيا مدلساً في تحصيلها، وإياه عنت أسماء بقولها: ((فأما الكذاب فرأيناه)) وبالمبير إلى ((الحجاج)) وهو من البوار بمعنى الهلاك. قوله: ((أحصوا ما قتل الحجاج صبراً)) أصل الصبر الحبس، وقالوا: قتل فلان صبراً أي قتل وهو مأسور ولم يقتل في معركة ولا خلسة.

стр. 3171

٥٩٩٦ - وعن عبد الرزاق، عن أبيه، عن ميناء، عن أبي هريرة، قال: كنا عند النبي ﷺ ، فجاءه رجل أحسبه من قيس فقال: يا رسول الله! العن حميراً. فأعرض عنه، ثم جاءه من الشق الآخر، فأعرض عنه، ثم جاءه من الشق الآخر، فأعرض عنه، فقال النبي ﷺ : ((رحم الله حميراً، أفواههم سلام، وأيديهم طعام، وهم أهل أمن وإيمان)) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الرزاق، ويروي عن ميناء هذا أحاديث مناكير [٥٩٩٦]. ٥٩٩٧ - وعنه، قال: قال لي النبي ﷺ : ((ممن أنت؟ قلت: من دوس: قال: ((ما كنت أرى أن في دوس أحداً فيه خير)) رواه الترمذي [٥٩٩٧]. ٥٩٩٨ - وعن سلمان، قال: قال لي رسول الله ﷺ : ((لا تبغضني فتفارق دينك)) قلت: يا رسول الله! كيف أبغضك وبك هدانا الله؟ قال: ((تبغض العرب فتبغضني)) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب [٥٩٩٨]. ٥٩٩٩ - وعن عثمان بن عفان، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من غش العرب لم يدخل في شفاعتي، ولم تنله مودتي)) رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حصين بن عمر، وليس هو عند أهل الحديث بذاك القوي [٥٩٩٩]. ــ الحديث السادس والسابع عن عبد الرزاق: قوله: ((أفواههم سلام)) أي يفشون السلام، فجعل أفواههم نفس السلام مبالغة، وعلى هذا قوله: ((وأيديهم طعام)) أي يطعمون الطعام. الحديث الثامن إلى آخر عن سلمان ﵁: قوله: ((تبغض العرب)) العرب ما يقابل العجم. نه: ((العرب اسم لهذا الجيل المعروف من الناس، ولا واحد له من لفظه، وسواء أقام بالبادية أو المدن، والنسب إليها أعرابي وعربي.

стр. 3172

٦٠٠٠ - وعن أم الحرير، مولاة طلحة بن مالك، قالت: سمعت مولاي يقول: قال رسول الله ﷺ : ((من اقتراب الساعة هلاك العرب)) رواه الترمذي. [٦٠٠٠] ٦٠٠١ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الملك في قريش، والقضاء في الأنصار، والأذان في الحبشة، والأمانة في الأزد)) يعني اليمن. وفي رواية موقوفاً. رواه الترمذي وقال: هذا أصلح [٦٠٠١]. الفصل الثالث ٦٠٠٢ - عن عبد لله بن مطيع، عن أبيه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول يوم فتح مكة: ((لا يقتل قرشي صبراً بعد هذا اليوم، إلى يوم القيامة)) رواه مسلم. ٦٠٠٣ - وعن أبي نوفل، معاوية بن مسلم، قال: رأيت عبد الله بن الزبير على عقبة المدينة، قال: فجعلت قريش تمر عليه والناس، حتى مر عليه عبد الله بن عمر، ــ الفصل الثالث الحديث الأول عن عبد الله بن مطيع: قوله: ((لا يقتل قرشي صبراً)) قال الحميدي: وقد تأول بعضهم هذا الحديث فقال: معناه لا يقتل قرشي بعد هذا اليوم صبراً إلى يوم القيامة وهو مرتد عن الإسلام ثابت على الكفر، إذ قد وجد من قريش من قتل صبراً فيما سبق ومضى من الزمان بعد النبي ﷺ ولم يوجد منهم من قتل صبراً وهو ثابت على الكافر. أقول: ويجوز أن يكون النفي بمعنى النهي وهو أبلغ من صريح النفي كما أن رحمك الله ويرحمك الله أبلغ من: ليرحمك الله، ونحوه قوله تعالى ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية﴾ في وجه، وهذا الوجه اقرب إلى مدح قريش وتعظيم، ويبقى الكلام على إطلاقه. الحديث الثاني إلى آخره عن أبي نوفل: قوله: ((على عقبة المدينة)) يردي على عقبة في مكان واقعة على طريق المدينة وكان عبد الله بن الزبير مصلوباً.

стр. 3173

فوقف عليه، فقال: السلام عليك أبا خبيب! السلام عليك أبا خبيب! السلام عليك أبا خبيب! أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله إن كنت ما علمت صواماً قواماً وصولا للمرحم، أما والله لأمة أنت شرها لأمة سوء- وفي رواية لأمة خير- ثم نفذ عبد الله ابن عمر، فبلغ الحجاج موقف عبد الله وقوله، فأرسل إليه، فأنزل عن جذعه، فألقي في قبور اليهود، ثم أرسل إلى أمه أسماء بنت أبي بكر، فأبت أن تأتيه، فأعاد عليها الرسول لتأتيني أو لأبعثن إليك من يسحبك بقرونك قال: فأبت وقالت: والله لا آتيك حتى تبعث إلى من يسحبني بقروني. قال: فقال: أروني سبتي، فأخذ نعليه، ثم انطلق بتوذف حتى دخل عليها، فقال: كيف رأيتني صنعت بعدو الله؟ قالت: رأيتك أفسدت عليه دنياه وأفسد عليك آخرتك، بلغني أنك تقول له: يا بن ذات النطاقين! ــ وقوله: ((أنهاك عن هذا)) المشار إليه بهذا إلى صلبه، يعني كنت أنهاك عما يؤدي إلى ما أراك فيه فعلى هذا هو من وادي قوله تعالى: ﴿إنما يأكلون في بطونهم ناراً﴾. وقوله: ((إن كنت)) هي المخففة من الثقيلة، وضمير الشأن محذوف وما زائدة. وقوله: ((وصولا للرحم)) بفتح الواو، مح: قال القاضي عياض: هذا أصح من قول بعض الإخباريين ووصفه بالإمساك، وقد عده صاحب كتاب الأجواد فيهم، وهو المعروف من أحواله. قوله: ((لأمة أنت شرها لأمة خير)) هكذا هو مروي عن مشايخنا، وكذا نقله القاضي عياض عن جمهور رواة صحيح مسلم ونقله القاضي عن رواية السمرقندي: ((لأمة سوء)) قال: وهو خطأ وتصحيف. ((ثم نفذ)) أي مضى وذهب. وقوله: ((من يسحبك بقرونك)) أي: يجرك بضفائر شعرك. و ((سبتي)) بكسر السين المهملة وإسكان الباء الموحدة وتشديد الياء المثناة من تحت هي النعل التي لا شعر عليها. و ((يتوذف)) بالواو والذال المعجمة، قال: أبو عبيد: معناه يسرع، وقيل: يتبخر. قوله: ((ذات النطاقين)) النطاق: ما تشد به المرأة وسطها عند الأشغال لترفع به ثوبها، وسميت بذلك لأنها قطعت نطاقاً نصفين عند مهاجرة رسول الله ﷺ وشدت بأحدهما قربته وبالآخر سفرته، فسماها رسول الله ﷺ يومئذ ((ذات النطاقين)).

стр. 3174

أنا والله ذات النطاقين، أما أحدهما فكنت أرفع به طعام رسول الله ﷺ وطعام أبي بكر من الدواب، وأما الآخر فنطاق المرأة التي لا تستغني عنه، أما إن رسول الله ﷺ حدثنا ((إن في ثقيف كذاباً ومبيراً))، فأما الكذاب فرأيناه، وأما المبير فلا إخالك إلا إياه. قال: فقام عنها فلم يراجعها. رواه مسلم. ٦٠٠٤ - وعن نافع، أن ابن عمر أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير، فقالا: إن الناس صنعوا ما ترى، وأنت ابن عمر، وصاحب رسول الله ﷺ فما يمنعك أن تخرج؟ فقال: يمنعني أن الله حرم علي دم أخي المسلم. قالا: ألم يقل الله تعالى ﴿وقاتلوهم ــ وقيل: شدت بأحدهما سفرته وبالآخر وسطها للشغل، وكان الحجاج من خبثه حمل قوله ﷺ في حقها: ((ذات النطاقين)) على الذم وأنها خادمة خراجة ولاجة تشد نطاقها للخدمة، والعرب تمدح بترك الانتطاق، قال امرؤ القيس: وتضحي فتيت المسك فوق فراشها نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل كأنها سلمت أنها ((ذات النطاقين)) ولكن نطاق ليس هذا شأنه، وإليه الإشارة بقولها: ((أنا والله ذات النطاقين، أما أحدهما ... الخ)) ونظيره قوله تعالى: ﴿ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين﴾ كأنه قيل: نعم هو أذن كما قلتهم، إلا أنه أذن خير لا أذن سوء فسلم لهم قولهم فيه، إلا أنه فسر بما هو مدح له وإن كانوا قصدوا به المذمة. قوله: ((فلا إخالك إلا إياه)) الظاهر أن يقال: لا إخاله إلا إياك، فقدم ثاني مفعوليه اهتماماً وأن المحكوم عليه بهذا الحكم هو، لا أن المبير من هو، فهو ينظر إلى قوله تعالى: ﴿وجعلوا لله شركاء الجن﴾ قدم شركاء وهو المفعول الثاني على الأول على الأول وهو الجن، وقدم أيضاً لله عليهما اهتماماً ومزيداً للإنكار- كما مر فيه البيان في شرح التبيان-. مح: في سلام ابن عمر ﵄ عليه وهو مصلوب اسحباب السلام على الميت وتكريره. وفيه الثناء على الموتى بجميل صفاتهم المعروفة.

стр. 3175

حتى لا تكون فتنة﴾ فقال ابن عمر: قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله. رواه البخاري. ٦٠٠٥ - وعن أبي هريرة، قال: جاء الطفيل بن عمرو الدوسي إلى رسول الله ﷺ فقال: إن دوسا قد هلكت، عصت وأبت، فادع الله عليهم، فظن الناس أنه يدعو عليهم، فقال: ((اللهم اهد دوساً وأت بهم)) متفق عليه. ٦٠٠٦ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أحبوا العرب لثلاث: لأني عربي، والقرآن عربي، وكلام أهل الجنة عربي)) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) [٦٠٠٦]. (٢) باب مناقب الصحابة [﵃ أجمعين] ــ وفيه منقبة عظيمة لابن عمر ﵄ لقوله الحق في الملأ وعدم اكتراثه بالحجاج، لأنه يعلم أن مقامه وثناءه عليه يبلغه، فلم يمنعه ذلك أن يقول الحق ويشهد لابن الزبير بما يعلمه فيه من الخير، وبطلان ما أشاع عنه الحجاج من قوله: عدو الله، وظالم، ونحوه. فأراد ابن عمر ﵄ براءة ابن الزبير من الذي نسب إليه الحجاج، وإعلام الناس بمحاسنه. ومذهبنا أن ابن الزبير كان مظلوماً. والله أعلم بالصواب. باب مناقب الصحابة ﵃ الصحابي المعروف عند أهل الحديث وبعض أهل الأصول: كل من رأى رسول الله ﷺ ، وهو مسلم ويعرف كونه صحابياً بالتواتر كأبي بكر وعمر ﵄، أو بالاستفاضة أو بقول صحابي غيره إنه صحابي، أبو بقوله عن نفسه إنه صحابي، إذا كان عدلا والصحابة كلهم عدول مطلقاً لظواهر الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به. ((مح)): قال أبو منصور البغدادي: أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة على الترتيب المذكور، ثم تمام العشرة، ثم أهل بدر، ثم أحد، ثم بيعة الرضوان، ومن له مزية من أهل العقبتين من الأنصار، وكذلك السابقون الأولون وهم: من صلى إلى القبلتين، وقيل: أهل بيعة الرضوان، وكذلك اختلفوا في عائشة وخديجة أيتهما أفضل؟ وفي عائشة وفاطمة. وأما معاوية فهو من العدول الفضلاء ومن الصحابة الخيار، والحروب التي جرت بينهم كانت لكل طائفة شبهة اعتقدت تصويب أنفسها بسببها، وكلهم متأولون في حروبها، ولم يخرج أحد منهم من العدالة لأنهم مجتهدون اختلفوا في مسائل كما اختلف المجتهدون بعدهم في مسائل، ولا يلزم من ذلك نقص أحد منهم.

стр. 3176

الفصل الأول ٦٠٠٧ - عن أبي سعدي الخدري، قال: قال النبي ﷺ : ((لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)) متفق عليه. ٦٠٠٨ - وعن أبي بردة، عن أبيه، قال: رفع- يعني النبي ﷺ رأسه إلى السماء، وكان كثيراً مما يرفع رأسه إلى السماء. فقال: ((النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد؛ وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أنا أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون)) رواه مسلم. ــ الفصل الأول الحديث الأول عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((لا تسبوا)) مح: أعلم أن سب الصحابي حرام وهو من أكبر الفواحش، ومذهبنا ومذهب الجمهور أنه يعزر، وقال بعض المالكية: يقتل: وقال القاضي عياض: سب أحدهم من الكبائر. قوله: ((ولا نصيفه)) قض: النصيف النصف، أي نصف مد، وقيل هو: مكيال دون المد، والمعنى أنه لا ينال أحدكم بإنفاق مثل أحد ذهباً من الفضيلة والأجر ما ينال أحدهم بإنفاق مد طعام أو نصفه لما يقارنه من مزيد الإخلاص وصدق النية وكمال النفس. أقول: ويمكن أن يقال: إن فضيلتهم بحسب فضيلة إنفاقهم وعظم موقعه، كما قال الله تعالى ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا﴾، من قبل الفتح أي قبل فتح مكة، يعني قبل عز الإسلام وقوة أهله ودخول الناس في دين الله أفواجاً، وقلة الحاجة إلى القتال والنفقة فيه، هذا في الإنفاق فكيف بمجاهدتهم وبذل أرواحهم ومهجهم وفراغهم بين يدي رسول الله ﷺ وغير ذلك. الحديث الثاني عن أبي بردة ﵁: قوله: ((مما يرفع)) بيان لكثير، أو هو خبر كان، أي كثيراً رفع رأسه، وما مصدرية ويجوز أن تكون زائدة. قوله: ((أمنة للسماء)) يقال: أمنته وأمنته غيري وهو في أمن منه، وفلان أمنة وأمنة بسكون الميم كأنها المرة من الأمن. ويجوز أن يكون جمع آمن كبار وبررة.

стр. 3177

٦٠٠٩ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس، فيقولون: هل فيكم من صاحب رسول الله ﷺ . فيقولون: نعم فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمان، فيغزو فئام من الناس، فيقال: هل فيكم من صاحب أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس، فيقال: هل فيكم من صاحب من صاحب أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم)) متفق عليه. وفي رواية لمسلم قال: ((يأتي على الناس زمان يبعث منهم البعث فيقولون: انظروا هل تجدون فيكم أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فيوجد الرجل، فيفتح ــ وأمنة إذا نسب إلى رسول الله ﷺ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون مصدراً مبالغة من قولهم: رجل عدل. أو: جمعاً فيكون من باب قوله تعالى: ﴿شهاباً رصدا﴾ أي راصدين، وقوله تعالى: ﴿إن إبراهيم كان أمة قانتاً﴾. فجعل النبي ﷺ أمناً لأصحابه بمنزلة الجماعة. ((نه)) أراد بوعد السماء انشقاقها وذهابها يوم القيامة، وذهاب النجوم تكويرها وانكدارها وانعدامها. وأراد بوعد أصحابه ما وقع بينهم من الفتن. وكذلك أراد بوعد الأمة. والإشارة في الجملة إلى مجيء الشر عند ذهاب أهل الخير، فإنه لما كان بين أظهرهم كان يبين لهم ما يختلفون فيه، فلما توفي جالت الآراء واختلفت الأهواء وكان الصحابة يسندون الأمر إلى رسول الله ﷺ في قول أو فعل أو دلالة حال، فلما فقد قلت الأنوار، وقويت الظلم، وكذلك حال السماء عند ذهاب النجوم، والأمنة في هذا الحديث جمع أمين وهو الحافظ. الحديث الثالث عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((فئام من الناس)) مح: هو بفاء مكسورة ثم همزة، أي جماعة، وحكى القاضي عياض بالياء مخففة بلا همز، ولغة أخرى بفتح الفاء عن الخليل، والمشهور الأول.

стр. 3178

لهم [به]، ثم يبعثه الثاني فيقولون: هل فيهم من رأي أصحاب رسول الله ﷺ فيفتح لهم [به] ثم يبعث البعث الثالث فيقال: انظروا، هل ترون فيهم من رأى من رأى أصحاب النبي ﷺ ؟ ثم يكون البعث الرابع فيقال: انظروا هل ترون فيهم أحداً رأى من رأى أحداً رأى أصحاب النبي ﷺ ؟ فيوجد الرجل، فيفتح لهم [به])). ٦٠١٠ - وعن عمران بن حصين، قال: قال رسول الله ﷺ : ((خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم إن بعدهم قوماً يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يفون ويظهر فيهم السمن)) وفي رواية: ((ويحلفون ولا يستحلفون)). متفق عليه. ــ وفيه معجزات لرسول الله ﷺ وفضل لأصحابه والتابعين وتابعيهم. والبعث هنا الجيش. الحديث الرابع عن عمران ﵁: قوله: ((قرني ثم الذين يلونهم)) نه: يعني الصحابة ثم التابعين، والقرن أهل كل زمان وهو مقدار التوسط في أعمار أهل كل زمان، مأخوذ من الاقتران، فكأنه المقدار الذي يقترن فيه أهل ذلك الزمان في أعمارهم وأحوالهم. وقيل: القرن أربعون سنة. وقيل: ثمانون، وقيل: مائة، وقيل: هو مطلق من الزمان، وهو مصدر قرن يقرن- انتهى كلامه-. و ((ثم)) فيه بمنزلة الفاء في قوله: الأفضل فالأفضل، على أنه بيان لتراخي الرتبة في النزول، والخير الأول أطلق على ما اقتضاه معنى التفضيل من الاشتراك حتى انتهى إلى حد يرتفع فيه الاشتراك فيختص بالموصوف فلا يدخل ما بعده من قوله: ((ثم إن بعدهم قوماً يشهدون ...)) الحديث فهو كما في قوله تعالى: ﴿أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً﴾. وقولك: الصيف أحر من الشتاء. قوله: ((ويظهر فيهم السمن)) نه: في الحديث: ((ويكون في آخر الزمان قوم يتسمنون)) أي يتكبرون بما ليس فيهم، ويدعون ما ليس لهم من الشرف. وقيل: أراد جمعهم الأموال. وقيل: يحبون التوسع في المأكل والمشرب وهي أسباب السمن. تو: كني به عن الغفلة وقلة الاهتمام بأمر الدين، فإن الغالب على ذوي السمانة أن لا يهتموا بارتياض النفوس، بل معظمهم همهم تناول الحظوظ، والتفرغ للدعة والنوم.

стр. 3179

٦٠١١ - وفي رواية لمسلم عن أبي هريرة ((ثم يخلف قوم يحبون السمانة)) الفصل الثاني ٦٠١٢ - عن عمر [﵁] قال: قال رسول الله ﷺ : ((أكرموا أصحابي، فإنهم خياركم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يظهر الكذب حتى إن الرجل ليحلف ولا يستحلف، ويشهد ولا يستشهد، ألا من سره بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الفذ وهو من الاثنين أبعد، ولا يخلون رجل بامرأة فإن لشيطان ثالثهم، ومن سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن)) رواه. [٦٠١٢] ٦٠١٣ - وعن جابر، عن النبي ﷺ ، قال: ((لا تمس النار مسلماً رآني أو رأى من رآني)) رواه الترمذي [٦٠١٣] ــ مح: قالوا: والمذموم من السمن، ما يستكسبه، وأما ما هو خلقه فلا يدخل في هذا. قوله: ((يشهدون ولا يستشهدون)) مح: هذا مخالف في الظاهر لحديث: ((خير الشهور من يأتي بالشهادة قبل أن يسأل))؟ قالوا: والجمع بينهما أن الذم في ذلك لمن بادر بالشهادة في حق من هو عالم بها قبل أن يسألها له صاحبها، وأما المدح فهو لمن كانت عنده شهادة لأحد لا يعلم بها فيخبره بها ليستشهده عند القاضي، ويلحق به من كانت عنده شهادة في حد ورأى المصلحة في الكشف، هذا ما عليه الجمهور. ومعنى الجمع في قوله: ((يخونون ولا يؤتمنون)) أنهم يخونون خيانة ظاهرة بحيث لا يبقى معها ثقة، بخلاف من خان حقيراً مرة واحدة فإنه لا يخرج به عن أن يكون مؤتمناً في بعض المواطن. الفصل الثاني الحديث الأول عن عمر ﵁: قوله: ((بحبوحة الجنة)) نه: بحبوحة الدار وسطها، يقال: بحبح إذا تمكن وتوسط المنزل والمقام. قوله: ((فليلزم الجماعة)) المراد بالجماعة السواد الأعظم وما عليه الجمهور من الصحابة والتابعين والسلف الصالح، فيدخل فيه حبهم وإكرامهم دخولاً أولياً. قوله: ((وهو من الاثنين أبعد)) أفعل هنا لمجرد الزيادة، ولو كان مع الثلاثة لكان بمعنى التفضيل إذ البعد مشترك بين الثلاثة والاثنين وليس بمشترك بين الاثنين والفذ على ما لا يخفى.

стр. 3180

٦٠١٤ - وعن عبد الله بن مغفل، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الله الله في أصحابي، الله الله في أصحابي، لا تتخذونهم غرضاً من بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه)). رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب [٦٠١٤] ٦٠١٥ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((مثل أصحابي في أمتي كالملح في الطعام، لا يصلح الطعام إلا بالملح)) قال الحسن: فقد ذهب ملحنا فكيف نصلح؟ رواه في ((شرح السنة)) [٦٠١٥] ٦٠١٦ - وعن عبد الله بن بريدة، عن أبية قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من أحد من أصحابي يموت بأرض إلا بعث قائداً ونوراً لهم يوم القيامة)) رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب [٦٠١٦] وذكر حديث ابن مسعود ((لا يبلغني أحداً)) في باب ((حفظ اللسان)). الفصل الثالث ٦٠١٧ - عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا رأيتم الذين يسبون ــ الحديث الثاني إلى آخره: عن عبد الله بن مغفل ﵁: قوله: ((الله الله في أصحابي)) أي اتقوا الله ثم اتقوا الله في حق أصحابي، لا تنقصوا من حقهم ولا تسبوهم. أو التقدير: أذكركم الله وأنشدكم في حق أصحابي وتعظيمهم وتوقيرهم، كما يقول الأب المشفق: الله الله في حق أولادي. وقوهل: ((فبحبي أحبهم)) أي بسبب حبه إياي أحبهم، أي إنما أحبهم لأنه يحبني، وإنما أبغضهم لأنه يبغضني والعياذ بالله تعالى، فحق لذلك قول من قال: إن من قد سبهم فقد استوجب القتل في الدنيا على ما سبق في مذهب بعض المالكية. الفصل الثالث الحديث الأول عن ابن عمر ﵄:

стр. 3181

أصحابي فقولوا: لعنة الله على شركم)) رواه الترمذي [٦٠١٧] ٦٠١٨ - وعن عمر بن الخطاب: قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((سألت ربي عن اختلاف أصحابي من بعدي، فأوحى إلي: يا محمد! إن أصحابي عندي بمنزلة النجوم في السماء، بعضها أقوى من بعض، ولكل نور، فمن أخذ بشيء مماهم عليه من اختلافهم فهو عندي على هدى)) قال: وقال رسول الله ﷺ : ((أصحابي كالنجوم، فبأيهم اقتديتم اهتديتم)). رواه رزين [٦٠١٨] (٣) باب مناقب أبي بكر [﵁] الفصل الأول ٦٠١٩ - عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: ((إن من أمن الناس علي ــ قوله: ((لعنة الله على شركم)) هو من الكلام المنصف الذي من سمعه من موال أو مناف، قال لمن خوطب به: قد أنصفك صاحبك، ومنه بيت حسان في حق من هجا رسول الله ﷺ . أتهجوه ولست له بكفء فشركما لخيركما الفداء والتعريض والتورية أوصل بالمجادل إلى الغرض وأهجم به على الغلبة مع قلة شغب الخصم وقلة شوكته بالهوينا. الحديث الثاني عن عمر ﵁: قوله: ((عن اختلاف أصحابي)) أي في فروع الشرائع لا في أصولها، لقوله بعد ذلك: ((فمن أخذ بشيء مما هم عليه من اختلاف فهو عندي على هدى)). و ((من)) في قوله: ((ما هم)) بيان شيء. ومن في ((من اختلافهم)) بيان. وفيه أن اختلاف الأئمة رحمة للأمة، والله أعلم. باب مناقب أبي بكر الصديق ﵁ الفصل الأول الحديث الأول عن أبي سعيد الخدري ﵁: قوله: ((إن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر)) كذا هو في صحيح مسلم، وفي البخاري: ((أبا بكر)) بالنصب وهو الظاهر، لأنه اسم ((إن)) والرفع مشكل.

стр. 3182

في صحبته وماله أبو بكر- وعند البخاري: أبا بكر- ولو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا تبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي ــ مظ: وفيه أوجه: الأول: أن تكون ((من)) زائدة على مذهب الأخفش. وقيل: ((إن)) هاهنا بمعنى نعم كما في جواب قوله: لعن الله ناقة حملتني إليك، قال: إن وصاحبها. فقوله: ((أبو بكر)) مبتدأ، و ((من أمن الناس)) خبره. وقيل: اسم ((إن)) ضمير الشأن. تو: يريد أن من أبذلهم وأسمحهم من من عليه منا لا من من عليه منة، إذ ليس لأحد أن يمتن على رسول الله ﷺ ، ثم إنه ورد مورد الأحماد، وإذا حمل على معنى الامتنان عاد ذماً على صاحبه لأن المنة تهدم الصنيعة. و ((الخوخة)) كوة في الجدار تؤدي الضوء. وقال الليث: ناس من أهل اللسان يسمون هذا الباب الذي يسميه العرب، المحترف ((خوخة))، فعلى هذا الخوخة مر بين بيتين أو دارين ينصب عليه باب. وكان هذا القول منه ﷺ في مرضه الذي توفي فيه آخر خطبة خطبها، ولا خفاء بأن ذلك تعريض بأن أبا بكر هو المستخلف بعده. وهذه الكلمة إن أريد بها الحقيقة فذلك لأن أصحاب المناازل اللاصفة بالمسجد قد جعلوا من بيوتهم مخترقاً يمرون فيه إلى المسجد، أو كوة ينظرون منها إليه، فأر بسد جملتها سوى خوخة أبي بكر تكريماً له بذلك أولاً، ثم تبينها للناس في ضمن ذلك على أمر الخلافة حيث جعله مستحقاً لذلك دون الناس. وإن أريد به المجاز فهو كناية عن الخلافة، وسد أبواب المقالة دون التطرق إليه والتطلع عليها، وأرى المجاز فيه أقوى إذ لم يصح عندنا أن أبا بكر كان له منزل بجنب المسجد وإنما كان منزله بالسنح من عوالي المدينة، ثم إنه مهد المعنى المشار إليه وقرره بقوله: ((ولو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلا)) ليعلم أنه أحق الناس بالنيابة عنه، وكفانا من الحجة على هذا التأويل تقديمه إياه في الصلاة وإباؤه كل الإباء أن يقف غيره ذلك الموقف والله أعلم. قوله: ((لاتخذت أبا بكر خليلاً)) قض: الخليل الصاحب الواد الذي يفتقر إليه ويعتمد في الأمور عليه، فإن أصل التركيب للحاجة، والمعنى لو كنت متخذاً من الخلق خليلاً أرجع إليه في الحاجات وأعتمد عليه في المهمات لاتخذت أبا بكر، ولكن الذي ألجأ إليه وأعتمد عليه في جملة الأمور ومجامع الأحوال هو الله تعالى، وإنما سمي إبراهيم ﵇ خليلاً من الخلة

стр. 3183

بكر)) وفي رواية: ((لو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلاً)) متفق عليه. ٦٠٢٠ - وعن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: ((لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ولكنه أخي وصاحبي، وقد اتخذ الله صاحبكم خليلاً)) رواه مسلم. ٦٠٢١ - وعن عائشة، قالت: قال لي رسول الله ﷺ في مرضه: ادعي لي أبا بكر أباك، وأخاك، حتى أكتب كتاباً، فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل: أنا، ولا؛ [و] يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر)) رواه مسلم وفي ((كتاب الحميدي)): ((أنا أولى)) بدل: ((أنا ولا)). ــ بالفتح التي هي الخصلة فإنه تخلق بخلال حسنة اختصت به، أو من التخلل فإن الحب تخلل شغاف قلبه واستولى عليه، أو من الخلة من حيث إنه ﷺ ما كان يفتقر حال الافتقار إلا إليه، وما كان يتوكل إلا عليه، فيكون فعيلا بمعنى فاعل، وفي الحديث بمعنى مفعول. وقوله: ((ولكن أخوة الإسلام)) استدراك عن مضمون الجملة الشرطية، ونحوها: كأن ليس بيني وبينه خلة ((ولكن أخوة الإسلام)) نفى الخلة المنبئة عن الحاجة وأثبت الإخاء المقتضي للمساواة. الحديث الثاني عن عبد الله بن مسعود ﵁: قوله: ((وقد اتخذ الله)) فيه مبالغة من وجهين: أحدهما: أنه أخرج الكلام على التجريد حيث قال: ((صاحبكم)) ولم يقل: اتخذني. وثانيهما: ((اتخذ صاحبكم)) بالنصب عكس ما لمح إليه الحديث السابق من قوله: ((غير ربي)) فدل الحديثان على حصول المخاللة من الطرفين. الحديث الثالث عن عائشة ﵂: قوله: ((أن ولا)) مح: هكذا هو في بعض النسخ المعتمدة، أي يقول: أنا أحق بالخلافة ولا يستحقها غيري. وفي بعضها: ((أنا أولى)) أي أنا أحق بالخلافة. قال القاضي عياض: هذه الرواية أجود. وأما طلبه لأخيها مع أبي بكر فلأن يكتب الكتاب، وهذا دليل لأهل السنة على أنا خلافة

стр. 3184

٦٠٢٢ - وعن جبير بن مطعم، قال: أتت النبي ﷺ امرأة فكلمته في شيء فأمرها أن ترجع إليه قالت: يا رسول الله! أرأيت إن جئت ولم أجدك؟ كأنها تريد الموت. قال: ((فإن لم تجدني فأتى أبا بكر)) متفق عليه. ٦٠٢٣ - وعن عمرو بن العاص، أن النبي ﷺ بعثه على جيش ذات السلاسل، قال: فأتيته، فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: ((عائشة)). قلت: من الرجال؟ قال: ((أبوها)). قلت: ثم من؟ قال: ((عمر)). فعد رجالا، فسكت مخافة أن يجعلني في آخرهم. متفق عليه. ٦٠٢٤ - وعن محمد بن الحنفية، قال، قلت لأبي: أي الناس خير بعد النبي ﷺ ؟ قال: أبو بكر. قلت: ثم من؟ قال: عمر. وخشيت أن يقول: عثمان قلت: ثم أنت قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين. رواه البخاري. ٦٠٢٥ - وعن ابن عمر، قال: كنا في زمن النبي ﷺ لا نعدل بأبي بكر أحداً، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي ﷺ لا نفاضل بينهم. رواه البخاري. ــ أبي بكر ليست بنص من النبي ﷺ صريحاً بل أجمعت الصحابة على عقد الخلافة له وتقديمه لفضله، ولو كان هناك نص عليه أو على غيره لم تقع المنازعة بين الأنصار وغيرهم أولاً، ولذكر حافظ النص ما معه ورجعوا إليه أولاً، ثم اتفقوا عليه. وأما ما تدعيه الشيعة من النص على ((علي)) ﵁ والوصية إليه فباطل لا أصل له باتفاق المسلمين، وأول من كذبهم علي ﵁ حين سئل: هل عندكم شيء ليس في القرآن؟ قال: ما عندي إلا ما في هذه الصحيفة .. الحديث. ولو كان عنده نص لذكره. وأما قوله في الحديث الذي يليه حين قال للمرأة: ((فإن لم تجدني فأت أبا بكر)) فليس فيه نص على خلافته بل هو إخبار بالغيب الذي أعلمه الله به. الحديث الرابع والخامس عن عمرو بن العاص ﵁: قوله: ((على جيش ذات السلاسل)) قض: السلاسل رمل ينعقد بعضه ببعض، وسمي الجيش بذلك لأنهم كانوا مبعوثين إلى أرض بها رمل كذلك. الحديث السادس والسابع عن ابن عمرو ﵄: قوله: ((لا نفاضل بينهم)) ((خط)): وجه ذلك أنه أراد به الشيوخ وذوي الأسنان منهم، الذين كان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر شاورهم فيه، وكان علي ﵁ في زمان رسول الله ﷺ حديث السن، ولم يرد ابن عمر الإزراء بعلي ولا تأخيره عن الفضل بعد عثمان، وفضله مشهور لا ينكره ابن عمر ولا غيره من الصحابة.

стр. 3185

وفي رواية لأبي داود، قال: كنا نقول ورسول الله ﷺ حي: أفضل أمة النبي ﷺ بعده أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ﵃. [٦٠٢٥] الفصل الثاني ٦٠٢٦ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافيناه، ما خلا أبا بكر، فإن له عندنا يداً يكافيه الله بها يوم القيامة، وما نفعني مال أحد قط ما نفعني مال أبي بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ألا وإن صاحبكم خليل الله)) رواه الترمذي [٨٠٢٦] ٦٠٢٧ - وعن عمر [﵁] قال: أبو بكر سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله ﷺ . رواه الترمذي [٨٠٢٧] ٦٠٢٨ - وعن ابن عمر، عن رسول الله ﷺ قال لأبي بكر: ((أنت صاحبي في الغار، وصاحبي على الحوض)) رواه الترمذي [٨٠٢٨] ــ تو: وأيضاً قد عرف أن أهل بدر وأهل بيعة الرضوان وأصحاب العقبتين الأولى والثانية يفضلون غيرهم، وكذلك علماء الصحابة وذووا الفهم المتبتلون عن الدنيا. الفصل الثاني الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافيناه)) وفسر قوله تعالى: ﴿وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى وما لأحد عنده من نعمة تجزى﴾ بأن المراد منه أبو بكر ﵁. الحديث الثاني والثالث عن ابن عمر ﵄: قوله: ((أنت صاحبي في الغار)) كما قال الله تعالى: ﴿ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا﴾ قيل: من أنكر صحبة أبي بكر لأنه أنكر النص الجلي.

стр. 3186

٦٠٢٩ - وعن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمهم غيره)) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب [٦٠٢٩]. ٦٠٣٠ - وعن عمر، قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نتصدق، ووافق ذلك عند مالا، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوماً. قال: فجئت بنصف مالي. فقال رسول الله ﷺ : ((ما أبقيت لأهلك)) فقلت: مثله. وأتى أبو بكر بكل ما عنده. فقال: ((يا أبا بكر؟ ما أبقيت لأهلك؟)). فقال: أبقيت لهم الله ورسوله قلت: لا أسبقه إلى شيء أبداً. رواه الترمذي، وأبو داود [٦٠٣٠] ٦٠٣١ - وعن عائشة، أن أبا بكر دخل على رسول الله ﷺ فقال: ((أنت عتيق الله من النار)) فيومئذ سمي عتيقاً رواه الترمذي [٦٠٣١]. ــ الحديث الرابع عن عائشة ﵂: قوله: ((أن يؤمهم غيره)) مظ: هذا دليل على فضله على جميع الصحابة فإذا ثبت هذا فقد ثبتت خلافته؛ لأن خلافة المفضول مع وجود الفاضل لا تصح. الحديث الخامس عن عمرو ﵁: قوله: ((ووافق ذلك عندي مالا)) أي صادف أمره بالتصدق حصول مال عندي. قوله: ((أبقيت)) قول الصديق ﵁: ((أبقيت لهم الله ورسوله)) إطناباً يوافق قول القاروق ﵁ اختصاراً في قوله: ((مثله)) في تطابقهما على [مجرى] البلاغة، ونظيره في الإطناب قول الله تعالى حكاية عن عبدة الأصنام بعد ما سئلوا: ما تعبدون؟: ﴿نعبد أصناماً فنظل لها عاكفين﴾ قالوه ابتهاجاً منهم بعبادة الأصنام وافتخاراً بمواظبتها. الحديث السادس عن عائشة ﵂: قوله: ((عتيق الله)) غب: العتيق المتقدم في الزمان أن المكان، أو الرقابة، ولذلك قيل للقديم: عتيق، وللكريم: عتيق، ولمن حل عن الرق: عتيق.

стр. 3187

٦٠٣٢ - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أنا أول من تنشق عنه الأرض، ثم أبو بكر، ثم عمر، ثم آتى أهل البقيع فيحشرون معي، ثم أنتظر أهل مكة حتى أحشر بين الحرمين)) رواه الترمذي [٦٠٣٤]. ٦٠٣٣ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أتاني جبريل فأخذ بيدي، فأراني باب الجنة الذي يدخل منه أمتي)) فقال أبو بكر: يا رسول الله! وددت أني كنت معك حتى أنظر إليه. فقال رسول الله ﷺ : ((أما إنك يا أبا بكر! أول من يدخل الجنة من أمتي)) رواه أبو داود [٦٠٣٣]. الفصل الثالث ٦٠٣٤ - عن عمر، ذكر عنده أبو بكر فبكى وقال: وددت أن عملي كله مثل عمله يوماً واحداً من أيامه، وليلة واحدة من لياليه، أما ليلته فليلة سار مع رسول الله ﷺ إلى الغار فلما انتهيا إليه قال: والله لا تدخله حتى أدخل قبلك، فإن كان فيه شيء أصابني دونك، فدخل فكسحه، ووجد في جانبه ثقباً، فشق إزاره وسدها به، ــ الحديث السابع عن ابن عمر ﵄: قوله: ((فيحشرون معي)) المراد بالحشر هنا الجمع، كقوله تعالى: ﴿وأن يحشر الناس ضحي﴾ وكذا معنى قوله: ((حتى أحشر)). الحديث الثامن عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((أول من يدخل الجنة من أمتي)) لما تمنى ﵁ بقوله: ((وددت)) والتمني إنما يستعمل فيما لا يستدعى إمكان حصوله، قيل له: ((لا تتمنى النظر إلى الباب فإن لك ما هو إلى منه وأجل، وهو دخولك فيه أول أمتي)) وحروف التنبيه ينبهك على [الرمزة] التي لوحنا بها. الفصل الثالث الحديث الأول عن عمر رضي الله عه: قوله ((فكسحه)) أي كنسه، الكسح الكنس.

стр. 3188

وبقي منها اثنان فألقمهما رجليه. ثم قال لرسول الله ﷺ : ادخل فدخل رسول الله ﷺ ، ووضع رأسه في حجره ونام، فلدغ أبو بكر في رجله من الجحر ولم يتحرك مخافة أن ينتبه رسول الله ﷺ ، فسقطت دموعه على وجه رسول الله ﷺ فقال: ((مالك يا أبا بكر؟)) قال: لدغت، فداك أبي وأمي، فتفل رسول الله ﷺ فذهب ما يجده، ثم انتفض عليه، وكان سبب موته. وأما يومه، فلما قبض رسول الله ﷺ ارتدت العرب وقالوا: لا نؤدي زكاة. فقال: لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه. فقلت: ــ وقوله: ((فألقمهما)) أي جعل رجليه كاللقمة لها غاية للحرص على سدها. ((ثم انتقض عليه)) أي نكست الجراحة بعد أن اندملت لتفل رسول الله ﷺ ، قال في أساس البلاغة، انتقضت القرحة نكست. قوله: ((في رجله)) بدل من أبي بكر، بدل البعض، وجيء بفي بياناً لشدة تمكن اللدغ فيها، كما في قول الشاعر: يجرح في عراقيبها نصلي قوله: ((لو منعوني عقالا)) نه: أراد بالعقال الحبل الذي يعقل به البعير الذي كان يؤخذ في الصدقة، لأن على صاحبها التسليم وإنما يقع القبض بالرباط. وقيل: أراد ما يساوي عقالا من حقوق الصدقة. وقيل: إذا أخذ المصدق أعيان الإبل، قيل: أخذ عقالا، وإذا أخذ أثمانها قيل: أخذ نقداً. وقيل: أراد بالعقال صدقة العام، يقال: أخذ المصدق عقال هذا العام إذا أخذ منهم صدقته، وبعث فلان على عقال بني فلان إذا بعث على صدقاتهم، واختاره أبو عبيد، وقال: هو أشبه عندي بالمعنى. وقال الخطابي: إنما يضرب المثل في هذا بالأقل لا بالأكثر، وليس بسائر في كلامهم أن العقال صدقة عام. وفي أكثر الروايات: ((لو منعوني عناقاً)) وفي أخرى: ((جدياً)). قلت: قد جاء في الحديث ما يدل على القولين، فمن الأول: حديث عمر ﵁ أنه كان يأخذ مع كل فريضة عقالاً، فإذا جاءت إلى المدينة باعها ثم تصدق بها. وحديث محمد بن سلمة أنه كان يعمل بالصدقة في عهد رسول الله ﷺ ، وكان يأمر الرجل إذا جاء بفريضتين أن يأتي بعقالهما وقرانهما.

стр. 3189

يا خليفة رسول الله ﷺ ! تألف الناس وارفق بهم فقال لي: أجبار في الجاهلية وخوار في الإسلام؟ إنه قد انقطع الوحي وتم الدين أينقص وأنا حي؟. رواه رزين. (٤) باب مناقب عمر الفصل الأول ٦٠٣٥ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدثون فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر)) متفق عليه. ــ ومن الثاني: حديث عمر ﵁ أنه أخر الصدقة عام الرمادة، فلما أحيا الناس بعث عامله فقال: اعقل عنهم عقالين فاقسم فيهم عقالا وائتني بالآخر، يريد صدقة عامين. قوله: ((وخوار في الإسلام)) نه: هو من خار يخور إذا ضعفت قوته ووهنت. أقول: أنكر عليه ضعفه ووهنه في أمر الدين، ولم يرد أن يكون جباراً بل أراد به التصلب والشدة في الدين، ولكن لما ذكر الجاهلية قرنه بذكر الجبار، ومن العجب أن أبا بكر كان منسوباً إلى الرفق والأناة وعمر ﵁ إلى الشدة والصلابة فعكس الأمر في هذه القضية. باب مناقب عمر ﵁ الفصل الأول الحديث الأول عن أبي هريرة رضي عنه: قوله: ((محدثون)) ((نه)): المحدث في كلامهم هو الرجل الصادق الظن، وهو في الحقيقة من ألقى في روعة شيء من قبل الملأ الأعلى، فيكون كالذي حدث به. وفي قوله: ((وإن يك في أمتي أحد فهو عمر)) لم يرد هذا القول مورد التردد، فإن أمته أفضل الأمم، وإذ كانوا موجودين في غيرهم من الأمم فالبحري أن يكونوا موجودين في هذه الأمة أكثر عدداً وأعلى رتبة، وإنما ورد مورود التأكيد والقطع به، ولا يخفى على ذي الفهم محله من المبالغة كما في قول الرجل: إن يكن لي صديق فإنه فلان، يريد بذلك اختصاصه بالكمال في صداقته لا نفي الأصدقاء. أقول: هذا الشرط من باب قول الأجير: إن كنت عملت لك فوفني حقي، وهو عالم بذلك، ولكنه يخيل في كلامه أن تفريطك في الخروج عن الحق فعل من له شك في الاستحقاق مع وضوحه.

стр. 3190

٦٠٣٦ - وعن سعد بن أبي وقاص، قال: استأذن عمر بن الخطاب [﵁] على رسول الله ﷺ وعنده نسوة من قريش يكلمنه ويستكثرنه، عالية أصواتهن، فلما استأذن عمر قمن فبادرن الحجاب، فدخل عمر ورسول الله ﷺ يضحك، فقال: أضحك الله سنك يا رسول الله! فقال الله ﷺ : ((عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي، فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب)) قال عمر: يا عدوات أنفسهن! أتهبنني ولا تهبن رسول الله ﷺ ؟ فقلن: نعم؛ أنت أفظ وأغلظ. فقال رسول الله ﷺ : ((إيه يا بن ــ فالمراد بالمحدث: الملهم المبالغ فيه الذي انتهى إلى درجة الأنبياء في الإلهاء فالمعنى: لقد كان فيما قبلكم من الأمم أنبياء ملهمون من قبل الملأ الأعلى، فإن يكن في أمتي أحد هذا شأنه فهو عمر، جعله لانقطاع قرينه وتفوقه على أقرانه في هذا كأنه تردد هل هو نبي أم لا؟ فاستعمل إن، يؤيده ما ورد في الفصل الثاني: ((لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب)) فلو في هذا الحديث بمنزلة إن على سبيل الفرض والتقدير كما في قول عمر ﵁: ((نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه)). الحديث الثاني عن سعد بن أبي وقاص ﵁: قوله: ((ويستكثرونه)) مح: أي يطلبن منه النفقات الكثيرة. قال القاضي عياض في قوله: ((عالية أصواتهن)) يحتمل أن هذا قبل النهي عن رفع الصوت فوق صوته ﷺ . ويحتمل أن علو أصواتهن إنما كان لاجتماعهن في الصوت لا أن كلام كل واحدة بانفراده أعلى من صوته ﷺ . قوله: ((أنت أفظ وأغلظ)) لم يرد بذلك مزيد الفظاظة والغلظة لعمر ﵁ على رسول الله ﷺ فإن كان حليماً مواسياً رقيق القلب في الغاية، بل المبالغة في فظاظة عمر ﵁ مطلقاً. قوله: ((إيه)) تو: هو اسم يسمى به الفعل، لأن معناه الأمر، تقول للرجل إذا استزدته من حديث أو عمل: ((إيه)) بكسر الهاء، فإن وصلت نونت وقلت: ((إيه حدثنا))، وإذا أسكته وكففته قلت: ((إيها عنا)) ومن حقه في هذا الحديث أن يكون: ((إيها)) أي اكفف يا بن الخطاب عن هذا الحديث، ورواه البخاري في كتابه مجروراً منوناً والصواب: ((إيها)) وروى مسلم هذا الحديث في جامعة وليس لهذه الكلمة في روايته ذكر. أقول: معنى قول عمر: ((أتهبنني ولا تهبن رسول الله ﷺ ؟)) أي أتوقرنني ولا توقرن رسول الله ﷺ ؟.
следующие страницы →