← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122257

شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن

الطيبي

Полный текст (3 308 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

٦٠٢٩ - وعن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمهم غيره)) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب [٦٠٢٩]. ٦٠٣٠ - وعن عمر، قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نتصدق، ووافق ذلك عند مالا، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوماً. قال: فجئت بنصف مالي. فقال رسول الله ﷺ : ((ما أبقيت لأهلك)) فقلت: مثله. وأتى أبو بكر بكل ما عنده. فقال: ((يا أبا بكر؟ ما أبقيت لأهلك؟)). فقال: أبقيت لهم الله ورسوله قلت: لا أسبقه إلى شيء أبداً. رواه الترمذي، وأبو داود [٦٠٣٠] ٦٠٣١ - وعن عائشة، أن أبا بكر دخل على رسول الله ﷺ فقال: ((أنت عتيق الله من النار)) فيومئذ سمي عتيقاً رواه الترمذي [٦٠٣١]. ــ الحديث الرابع عن عائشة ﵂: قوله: ((أن يؤمهم غيره)) مظ: هذا دليل على فضله على جميع الصحابة فإذا ثبت هذا فقد ثبتت خلافته؛ لأن خلافة المفضول مع وجود الفاضل لا تصح. الحديث الخامس عن عمرو ﵁: قوله: ((ووافق ذلك عندي مالا)) أي صادف أمره بالتصدق حصول مال عندي. قوله: ((أبقيت)) قول الصديق ﵁: ((أبقيت لهم الله ورسوله)) إطناباً يوافق قول القاروق ﵁ اختصاراً في قوله: ((مثله)) في تطابقهما على [مجرى] البلاغة، ونظيره في الإطناب قول الله تعالى حكاية عن عبدة الأصنام بعد ما سئلوا: ما تعبدون؟: ﴿نعبد أصناماً فنظل لها عاكفين﴾ قالوه ابتهاجاً منهم بعبادة الأصنام وافتخاراً بمواظبتها. الحديث السادس عن عائشة ﵂: قوله: ((عتيق الله)) غب: العتيق المتقدم في الزمان أن المكان، أو الرقابة، ولذلك قيل للقديم: عتيق، وللكريم: عتيق، ولمن حل عن الرق: عتيق.

стр. 3187

٦٠٣٢ - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أنا أول من تنشق عنه الأرض، ثم أبو بكر، ثم عمر، ثم آتى أهل البقيع فيحشرون معي، ثم أنتظر أهل مكة حتى أحشر بين الحرمين)) رواه الترمذي [٦٠٣٤]. ٦٠٣٣ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أتاني جبريل فأخذ بيدي، فأراني باب الجنة الذي يدخل منه أمتي)) فقال أبو بكر: يا رسول الله! وددت أني كنت معك حتى أنظر إليه. فقال رسول الله ﷺ : ((أما إنك يا أبا بكر! أول من يدخل الجنة من أمتي)) رواه أبو داود [٦٠٣٣]. الفصل الثالث ٦٠٣٤ - عن عمر، ذكر عنده أبو بكر فبكى وقال: وددت أن عملي كله مثل عمله يوماً واحداً من أيامه، وليلة واحدة من لياليه، أما ليلته فليلة سار مع رسول الله ﷺ إلى الغار فلما انتهيا إليه قال: والله لا تدخله حتى أدخل قبلك، فإن كان فيه شيء أصابني دونك، فدخل فكسحه، ووجد في جانبه ثقباً، فشق إزاره وسدها به، ــ الحديث السابع عن ابن عمر ﵄: قوله: ((فيحشرون معي)) المراد بالحشر هنا الجمع، كقوله تعالى: ﴿وأن يحشر الناس ضحي﴾ وكذا معنى قوله: ((حتى أحشر)). الحديث الثامن عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((أول من يدخل الجنة من أمتي)) لما تمنى ﵁ بقوله: ((وددت)) والتمني إنما يستعمل فيما لا يستدعى إمكان حصوله، قيل له: ((لا تتمنى النظر إلى الباب فإن لك ما هو إلى منه وأجل، وهو دخولك فيه أول أمتي)) وحروف التنبيه ينبهك على [الرمزة] التي لوحنا بها. الفصل الثالث الحديث الأول عن عمر رضي الله عه: قوله ((فكسحه)) أي كنسه، الكسح الكنس.

стр. 3188

وبقي منها اثنان فألقمهما رجليه. ثم قال لرسول الله ﷺ : ادخل فدخل رسول الله ﷺ ، ووضع رأسه في حجره ونام، فلدغ أبو بكر في رجله من الجحر ولم يتحرك مخافة أن ينتبه رسول الله ﷺ ، فسقطت دموعه على وجه رسول الله ﷺ فقال: ((مالك يا أبا بكر؟)) قال: لدغت، فداك أبي وأمي، فتفل رسول الله ﷺ فذهب ما يجده، ثم انتفض عليه، وكان سبب موته. وأما يومه، فلما قبض رسول الله ﷺ ارتدت العرب وقالوا: لا نؤدي زكاة. فقال: لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه. فقلت: ــ وقوله: ((فألقمهما)) أي جعل رجليه كاللقمة لها غاية للحرص على سدها. ((ثم انتقض عليه)) أي نكست الجراحة بعد أن اندملت لتفل رسول الله ﷺ ، قال في أساس البلاغة، انتقضت القرحة نكست. قوله: ((في رجله)) بدل من أبي بكر، بدل البعض، وجيء بفي بياناً لشدة تمكن اللدغ فيها، كما في قول الشاعر: يجرح في عراقيبها نصلي قوله: ((لو منعوني عقالا)) نه: أراد بالعقال الحبل الذي يعقل به البعير الذي كان يؤخذ في الصدقة، لأن على صاحبها التسليم وإنما يقع القبض بالرباط. وقيل: أراد ما يساوي عقالا من حقوق الصدقة. وقيل: إذا أخذ المصدق أعيان الإبل، قيل: أخذ عقالا، وإذا أخذ أثمانها قيل: أخذ نقداً. وقيل: أراد بالعقال صدقة العام، يقال: أخذ المصدق عقال هذا العام إذا أخذ منهم صدقته، وبعث فلان على عقال بني فلان إذا بعث على صدقاتهم، واختاره أبو عبيد، وقال: هو أشبه عندي بالمعنى. وقال الخطابي: إنما يضرب المثل في هذا بالأقل لا بالأكثر، وليس بسائر في كلامهم أن العقال صدقة عام. وفي أكثر الروايات: ((لو منعوني عناقاً)) وفي أخرى: ((جدياً)). قلت: قد جاء في الحديث ما يدل على القولين، فمن الأول: حديث عمر ﵁ أنه كان يأخذ مع كل فريضة عقالاً، فإذا جاءت إلى المدينة باعها ثم تصدق بها. وحديث محمد بن سلمة أنه كان يعمل بالصدقة في عهد رسول الله ﷺ ، وكان يأمر الرجل إذا جاء بفريضتين أن يأتي بعقالهما وقرانهما.

стр. 3189

يا خليفة رسول الله ﷺ ! تألف الناس وارفق بهم فقال لي: أجبار في الجاهلية وخوار في الإسلام؟ إنه قد انقطع الوحي وتم الدين أينقص وأنا حي؟. رواه رزين. (٤) باب مناقب عمر الفصل الأول ٦٠٣٥ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدثون فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر)) متفق عليه. ــ ومن الثاني: حديث عمر ﵁ أنه أخر الصدقة عام الرمادة، فلما أحيا الناس بعث عامله فقال: اعقل عنهم عقالين فاقسم فيهم عقالا وائتني بالآخر، يريد صدقة عامين. قوله: ((وخوار في الإسلام)) نه: هو من خار يخور إذا ضعفت قوته ووهنت. أقول: أنكر عليه ضعفه ووهنه في أمر الدين، ولم يرد أن يكون جباراً بل أراد به التصلب والشدة في الدين، ولكن لما ذكر الجاهلية قرنه بذكر الجبار، ومن العجب أن أبا بكر كان منسوباً إلى الرفق والأناة وعمر ﵁ إلى الشدة والصلابة فعكس الأمر في هذه القضية. باب مناقب عمر ﵁ الفصل الأول الحديث الأول عن أبي هريرة رضي عنه: قوله: ((محدثون)) ((نه)): المحدث في كلامهم هو الرجل الصادق الظن، وهو في الحقيقة من ألقى في روعة شيء من قبل الملأ الأعلى، فيكون كالذي حدث به. وفي قوله: ((وإن يك في أمتي أحد فهو عمر)) لم يرد هذا القول مورد التردد، فإن أمته أفضل الأمم، وإذ كانوا موجودين في غيرهم من الأمم فالبحري أن يكونوا موجودين في هذه الأمة أكثر عدداً وأعلى رتبة، وإنما ورد مورود التأكيد والقطع به، ولا يخفى على ذي الفهم محله من المبالغة كما في قول الرجل: إن يكن لي صديق فإنه فلان، يريد بذلك اختصاصه بالكمال في صداقته لا نفي الأصدقاء. أقول: هذا الشرط من باب قول الأجير: إن كنت عملت لك فوفني حقي، وهو عالم بذلك، ولكنه يخيل في كلامه أن تفريطك في الخروج عن الحق فعل من له شك في الاستحقاق مع وضوحه.

стр. 3190

٦٠٣٦ - وعن سعد بن أبي وقاص، قال: استأذن عمر بن الخطاب [﵁] على رسول الله ﷺ وعنده نسوة من قريش يكلمنه ويستكثرنه، عالية أصواتهن، فلما استأذن عمر قمن فبادرن الحجاب، فدخل عمر ورسول الله ﷺ يضحك، فقال: أضحك الله سنك يا رسول الله! فقال الله ﷺ : ((عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي، فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب)) قال عمر: يا عدوات أنفسهن! أتهبنني ولا تهبن رسول الله ﷺ ؟ فقلن: نعم؛ أنت أفظ وأغلظ. فقال رسول الله ﷺ : ((إيه يا بن ــ فالمراد بالمحدث: الملهم المبالغ فيه الذي انتهى إلى درجة الأنبياء في الإلهاء فالمعنى: لقد كان فيما قبلكم من الأمم أنبياء ملهمون من قبل الملأ الأعلى، فإن يكن في أمتي أحد هذا شأنه فهو عمر، جعله لانقطاع قرينه وتفوقه على أقرانه في هذا كأنه تردد هل هو نبي أم لا؟ فاستعمل إن، يؤيده ما ورد في الفصل الثاني: ((لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب)) فلو في هذا الحديث بمنزلة إن على سبيل الفرض والتقدير كما في قول عمر ﵁: ((نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه)). الحديث الثاني عن سعد بن أبي وقاص ﵁: قوله: ((ويستكثرونه)) مح: أي يطلبن منه النفقات الكثيرة. قال القاضي عياض في قوله: ((عالية أصواتهن)) يحتمل أن هذا قبل النهي عن رفع الصوت فوق صوته ﷺ . ويحتمل أن علو أصواتهن إنما كان لاجتماعهن في الصوت لا أن كلام كل واحدة بانفراده أعلى من صوته ﷺ . قوله: ((أنت أفظ وأغلظ)) لم يرد بذلك مزيد الفظاظة والغلظة لعمر ﵁ على رسول الله ﷺ فإن كان حليماً مواسياً رقيق القلب في الغاية، بل المبالغة في فظاظة عمر ﵁ مطلقاً. قوله: ((إيه)) تو: هو اسم يسمى به الفعل، لأن معناه الأمر، تقول للرجل إذا استزدته من حديث أو عمل: ((إيه)) بكسر الهاء، فإن وصلت نونت وقلت: ((إيه حدثنا))، وإذا أسكته وكففته قلت: ((إيها عنا)) ومن حقه في هذا الحديث أن يكون: ((إيها)) أي اكفف يا بن الخطاب عن هذا الحديث، ورواه البخاري في كتابه مجروراً منوناً والصواب: ((إيها)) وروى مسلم هذا الحديث في جامعة وليس لهذه الكلمة في روايته ذكر. أقول: معنى قول عمر: ((أتهبنني ولا تهبن رسول الله ﷺ ؟)) أي أتوقرنني ولا توقرن رسول الله ﷺ ؟.

стр. 3191

الخطاب! والذي نفسي بيده ما لقيت الشيطان سالكاً فجا قط إلا سلك فجاً غير فجك)) متفق عليه. وقال الحميدي: زاد البرقاني بعد قوله: يا رسول الله: ما أضحك. ٦٠٣٧ - وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : ((دخلت الجنة فإذا أنا بالرميصاء امرأة أبي طلحة، وسمعت خشفة، فقلت: من هذا؟ فقال: هذا بلال، ورأيت قصراً بفنائه جارية، فقلت: لمن هذا؟ فقالوا: لعمر بن الخطاب، فأردت أن أدخله فأنظر إليه فذكرت غيرتك)) فقال [عمر]: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! أعليك أغار؟. متفق عليه. ــ حس: هو من قولهم: هبت الرجل إذا وقرته وعظمته، يقال: هب الناس يهابوك، أي وقرهم يوقروك- انتهى كلامه-. ولا شك أن الأمر بتوقير رسول الله ﷺ مطلوب لذاته يجب الاستزادة منه فكان قول رسول الله ﷺ : ((إيه) استزادة منه في طلب توقيره وتعظيم جانبه، ولذلك عقبه بقوله: ((والذي نفسي بيده .. الخ)) فإنه يدل على استرضاء ليس بعده استرضاء، إحماداً منه ﷺ لفعاله كلها لاسيما هذه الفعلة. قوله: ((ما لقيك الشيطان سالكاً)) تو: فيه تنبيه على صلابته في الدين واستمرار حاله على الجد الصرف والحق المحض، حتى كان بين يدي رسول الله ﷺ كالسيف الصارم والحسام القاطع إن أمضاه مضى وإن كفه كف، فلم يكن له على الشيطان سلطان إلا من قبل رسول الله ﷺ ، فكان هو كالوازع بين يدي الملك فلهذا كان الشيطان ينحرف عن الفجر الذي سلكه، ولما كان النبي ﷺ رحمة مهداة إلى العالمين مأموراً بالعفو عن المذنبين، معنياً بالصفح عن الجاهلين لم يكن ليواجههم فيما لا يحمده من فعل مكروه أو سوء أدب بالفظاظة والغلظة والزجر البليغ، إذ لا يتصور الصفح والعفو مع تلك الخلال، فلهذا تسامح هو فيها واستحسن استشعارهن الهيبة من عمر ﵁. مح: هذا الحديث محمول على ظاهره وأن الشيطان متى رآه سالكاً فجا هرب لرهبته من عمر ﵁، وفارق ذلك الفج لشدة بأسه. قال القاضي عياض: ويحتمل أنه ضرب مثلاً بالشيطان وإغوائه وأن عمر ﵁ فارق سبيل الشيطان وسلك طريق السداد وخالف ما يأمره به. والصحيح الأول.

стр. 3192

٦٠٣٨ - وعن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون علي، وعليهم قمص، منها ما يبلغ الثدي، ومنها ما دون ذلك، وعرض علي عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره) قالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: ((الدين)) متفق عليه. ٦٠٣٩ - وعن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((بينا أنا نائم أتيت بقدح لبن، فشربت حتى إني لأرى الري يخرج [في] أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر ابن الخطاب)) قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: ((العلم)) متفق عليه. ٦٠٤٠ - وعن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((بينا أنا نائم رأيتني على قليب عليه دلو؟ فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع منها ذنوباً أو ذنوبين وفي نزعه ضعف، والله يغفر له ضعفه، ثم استحالت غرباً ــ الحديث الثالث والرابع عن ابن عمر ﵄: قوله: ((قميص)) ((مح)) القميص الدين، وجره يدل على بقاء آثاره الجميلة وسنته الحميدة في المسلمين بعد وفاته ليقتدي به. وأما تفسير اللبن بالعلم فلكثرة الانتفاع بهما، وفي أنهما سبباً الصلاح، فاللبن غذاء الإنسان وسبب صلاحهم وقوة أبدانهم، والعلم سبب في صلاح الدنيا والآخرة وغذاء للأرواح. الحديث الخامس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((رأيتني على قليب)) قض: لعل القليب إشارة إلى الدين الذي هو منبع ما به تحي النفوس، وهو أمر المعاش. ونزع الماء منها إشارة إلى إشاعة أمره وإجراء حكمه والقيام لمراسمه وسياساته. وتناوبهم في ذلك إشارة إلى أن هذا الأمر ينتهي من الرسول صلوات الله عليه إلى أبي بكر، ومنه إلى عمر. ونزع أبي بكر ذنوباً أو ذنوبين إشارة إلى قصر مدة خلافته وأن الأمر إنما يكون بيده سنة أو سنتين ثم ينتقل إلى عمر، وكانت مدة خلافته سنتين وثلاثة أشهر. وضعفه: فيه إشارة إلى ما كان فيه أيامه من الاضطراب والارتداد واختلاف الكلمة، أو إلى ما كان له من لين الجانب وقلة السياسة والمداراة مع الناس، ويدل على هذا قوله: ((غفر الله ضعفه)) وهو اعتراض ذكره الرسول ﷺ ليعلم أن ذلك موضع ومغفور عنه غير قادح في منصبه.

стр. 3193

فأخذها ابن الخطاب، فلم أر عبقرياً من الناس ينزع نزع عمر حتى ضرب الناس بعطن)). ٦٠٤١ - وفي رواية ابن عمر، قال: ((ثم أخذها ابن الخطاب من يد أبي بكر، فاستحالت في يده غرباً، فلم أر عبقرياً يفري فريه، حتى روي الناس وضربوا بعطن)) متفق عليه. ــ ومصير الدلو في نوبة عمر غرباً- وهو الدلو الكبير الذي يستقي به البعير- إشارة إلى ما كان في أيامه من تعظيم الدين وإعلاء كلمته وتوسيع خططه وقوته، وجده في النزع إشارة إلى ما اجتهد في إعلاء أمر الدين وإفشائه في مشارق الأرض ومغاربها اجتهاداً لم يتفق لأحد قبله ولا بعده. والعبقري: القوي، قيل: العبقر اسم واد يزعم العرب أن الجن تسكنه فنسبوا إليه كل من تعجبوا منه أمراً كقوة أو غيرها، فكأنهم وجدوا ما وجدوا منه خارجاً عن وسع الإنسان فحسبوا أنه جني من العبقر، ثم قالوا لكل شيء نفيس. وقوله: ((حتى ضرب الناس بعطن)) أي حتى رووا إبلهم فأبركوها وضربوا لها عطناً وهو مبروك الإبل. مح: في قوله: ((وفي نزعه ضعف)) ليس فيه حط لمنزلته ولا إثبات فضيلة لعمر عليه ﵄، وإنما هو إخبار عن مدة ولايتهما، وكثرة انتفاع الناس في ولاية عمر لطولها، ولاتساع الإسلام وفتح البلاد وحصول الأموال والغنائم. وأما قوله: ((والله يغفر له صعفه)) فليس فيه نقص له، ولا إشارة إلى ذنب وإنما هي كلمة كان المسلمون يزينون بها كلامهم، وقد جاء في صحيح مسلم أنها كلمة كان المسلمون يقولونها: افعل كذا والله يغفر لك. أقول: أراد أنه من باب التتميم وهو أن يقيد بكلام فيه نوع إيهام للنقص بما بصونه عنه، مثاله قول أبي الطيب: وتحتقر الدنيا احتقار مجرب ترى كل ما فيها وحاشاك فانيا ((مح)) وقوله: ((فنزعت منها ما شاء الله ثم أخذها ابن أبي قحافة)) إشارة إلى نيابة أبي بكر ﵁ وخلافته بعده، وراحته ﷺ بوفاته من نصب الدنيا ومشاقها. وفي قوله: ((ثم أخذها ابن الخطاب من يد أبي بكر .. إلى قوله: وضربوا بعطن)) إشارة إلى أن أبا بكر ﵁ قمع أهل الردة وجمع شمل المسلمين وابتدأ الفتوح، ومهد الأمور، وتمت ثمرات ذلك وتكاملت في زمن عمر ﵁.

стр. 3194

الفصل الثاني ٦٠٤٢ - عن ابن عمر، قال قال رسول الله ﷺ : ((إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه)). رواه الترمذي. [٦٠٤٢] ٦٠٤٣ - وفي رواية أبي دواد، عن أبي ذر، قال: [سمعت رسول الله ﷺ يقول] [((إن))] الله وضع الحق على لسان عمر يقول به)). [٦٠٤٣] ٦٠٤٤ - وعنه علي [﵁] قال: ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر. رواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) [٦٠٤٤]. ــ وفريه: تروى بإسكان الراء وتخفيف الياء، وكسر الراء وتشديد الياء، وهما لغتان صحيحتان، وأنكر الخليل التشديد، ومعناه: لم أر شيئاً يعمل عمله ويقع قطعه. وأصل ((الفري)) بالإسكان القطع تقول العرب: تركته يفري الفري إذا عمل العمل فأجاد. الفصل الثاني الحديث الأول عن ابن عمرو ﵄: قوله: ((جعل الحق على لسان عمر)) ضمن جعل معنى أجرى فعداه بعلى، وفيه معنى ظهور الحق واستعلائه على لسانه، وفي وضع الجعل والوضع موضع أجرى إشعار بأن ذلك كان خلقياً ثابتاً مستقراً. الحديث الثاني عن علي ﵁: قوله: ((إن السكينة تنطق)) تو: أي لم يكن يبعد أنه ينطلق بما يستحق أن تسكن إليها النفوس وتطمئن به القلوب، وأنه أمر غيبي ألقي على لسانه، ويحتمل أنه أراد بالسكينة الملك الذي يلهمه ذلك القول. نه: قيل: أراد بها السكينة التي ذكرها الله تعالى في كتابه العزيز، قيل في تفسيرها، إنها حيوان له وجه كوجه الإنسان مجتمع وسائرها خلق رقيق كالريح والهواء. وقيل: هي صورة كالهرة كانت معهم في جيوشهم فإذا ظهرت انهزم أعداؤهم.

стр. 3195

٦٠٤٥ - وعن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: ((اللهم أعز الإسلام بأبي جهل ابن هشام، أو بعمر بن الخطاب)) فأصبح عمر، فغدا على النبي ﷺ فأسلم، ثم صلى في المسجد ظاهرا. رواه أحمد، والترمذي [٦٠٤٥]. ــ وقيل: هي ما كانوا يسكنون إليه من الآيات التي أعطيها موسى ﵇، والأشبه بحديث عمر أنه تكون هي الصورة المذكورة. أقول: لعله إنما حمله على هذا القول لما أثبت للسكينة النطق، لكن ما ذهب إليه الشيخ التوربشتي أولاً أولى فهو يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون إسناداً مجازياً وذلك أن نزول السكينة لما كان سبباً لنطقه بالحق أسنده إليها. وثانيهما: أن يكون استعارة مكنية، شبه السكينة بمتكلم يفصح عن الحق تشبيهاً بليغاً كما تقرر في موضعه، ثم خيل لها ما به قوام المتكلم في الإفصاح من النطق ونسب إليه لتكون قرينة بالغة لإرادة الحقيقة. ونظيره في الوجهين قوله تعالى: ﴿ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم﴾ الكشاف: الذكر الحكيم القرآن، وصف بوصفه من هو بسببه أو كأنه ينطق بالحكمة لكثرة حكمه. انتهى كلامه. يعني الضمير في الحكم راجع إلى القرآن. فإسناد الحكيم إليه مجازي وذلك أن قائله لما كان حكيماً وصف بصفته، أو شبه القرآن بالشخص الذي ينطق بالحكمة فأثبت له النطق على الاستعارة المكنية، فإن قلت: ما محل قوله على لسان عمر وما موقعه؟. قلت: محله الحال، وموقعه موقع الترشيح من الاستعارة كما في قول من قال: جلالك يا خير الملوك مساعياً على منبر المجد المؤثل خاطب وقول الآخر: على منبر العلياء جدك يخطب وللبلدة العذراء سيفك يخطب الحديث الثالث عن ابن عباس ﵄: قوله: ((اللهم أعز الإسلام)) أي قوه وانصره كقوله تعالى: ﴿فعززنا بثالث﴾ أي فقويناه, يقال: المطر يعزز الأرض إذا لبدها وشدها، وتعزز لحم الناقة.

стр. 3196

٦٠٤٦ - وعن جابر، قال: قال عمر لأبي يكر: يا خير الناس بعد رسول الله ﷺ . فقال أبو بكر: أما إنك إن قلت ذلك، فلقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما طلعت الشمس على رجل خير من عمر)) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب [٦٠٤٦]. ــ قوله: ((على النبي ﷺ ) إما خبر، أي غدا مقبلاً على النبي ﷺ ، أو ضمن ((غدا)) معنى ((أقبل)) نحو قوله تعالى: ﴿وغدوا على حرد قادرين﴾ روى الحاكم أبو عبد الله في دلائل النبوة عن ابن عباس أن أبا جهل قال: إن من يقتل محمدً فله على مائة ناقة وألف أوقية من فضة، فقال عمر: الضمان صحيح؟ قال: نعم عاجلاً غير آجل، فخرج عمر فلقيه رجل فقال: أين تريد؟ قال: أريد محمداً لأقتله، قال: كيف تأمن من بني هاشم؟ قال: إن لأظنك قد صبأت؟ قال: ألا أخبرك بأعجب من هذا؟ إن أختك وخنتك قد صبئا مع محمد. فأقبل عمر إلى منزل أخته وكانت تقرأ سورة طه، فوقف يستمع ثم قرع الباب فأخفوها، فقال عمر: ما هذه الهيمنة، فأظهت الإسلام، فبقي عمر حزيناً كئيباً فباتوا كذلك إلى أن قامت الأخت وزوجها يقرآن ﴿طه ما أنزلنا ...﴾ فلما سمع قال: ناوليني الكتاب حتى أنظر فيه، فلما قرأ إلى قوله: ﴿الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى﴾ قال: اللهم إن هذا أهل أن لا يعبد سواه، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فبات ساهر العين ينادي كل ساعة: واشوقاه إلى محمد حتى أصبح، فدخل عليه خباب بن الأرت فقال: يا عمر إن رسول الله ﷺ بات الليلة ساهراً يناجي الله أن يعز الإسلام بك أو بأبي جهل، وأنا أرجو أن تكون دعوته قد سبقت فيك. فخرج متقلداً سيفه، فلما وصل إلى منزل فيه رسول الله ﷺ خرج إليه رسول الله ﷺ فقال: ((يا عمر أسلم أو لينزلن الله فيك ما أنزل بوليد بن المغيرة))، فارتعدت فرائص عمر ووقع السيف من يده فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال: إن اللات والعزى تعبد على رءوس الجبال وفي بطون الأودية ودين الله يعبد سراً، والله لا يعبد سراً بعد يومنا هذا. الحديث الرابع عن جابر ﵁: قوله: ((فلقد سمعت)) جواب قسم محذوف وقع جواباً للشرط على سبيل الإخبار، كأنه أنكر عليه قوله: ((يا خير الناس بعد رسول الله ﷺ ) ((ما طلعت الشمس على رجل خير من عمر)) ونحوه في الإخبار والإنكار قوله تعالى: ﴿وما بكم من نعمة فمن الله﴾.

стр. 3197

٦٠٤٧ - وعن عقبة بن عامر، قال: قال النبي ﷺ : ((لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب)) رواه الترمذي. قال: [هذا] حديث غريب [٦٠٤٧]. ٦٠٤٨ - وعن بريدة، قال: خرج رسول الله ﷺ في بعض مغازيه فلما انصرف جاءت جارية سوداء. فقالت: يا رسول الله! إني كنت نذرت إن ردك الله صالحاً أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى. فقال لها رسول الله ﷺ : ((إن كنت نذرت فاضربني، وإلا فلا)) فجعلت تضرب، فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل علي وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، ثم دخل عمر فألقت الدف تحت إستها ثم قعدت عليها، فقال رسول الله ﷺ : ((إن الشيطان ليخاف منك يا عمر! إني كنت جالساً وهي تضرب، فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل علي وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، فلما دخلت أنت يا عمر! ألقت الدف)) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب [٦٠٤٨]. ــ الحديث الخامس عن بريدة ﵁: قوله: ((إني كنت نذرت)) تو: النبي ﷺ إنما مكانها من ضرب الدف بين يديه لأنها نذرت، فدل نذرها على أنها عدت انصرافه على حال السلامة نعمة من نعم الله عليه، فانقلب الأمر فيه من صفة اللهو إلى صفة الحق، ومن المكروه إلى المستحب، ثم إنه لم يكره من ذلك ما يقع به الوفاء بالنذر، وقد حصل ذلك بأدنى ضرب، ثم عاد الأمر في الزيادة إلى حد المكروه ولم ير أن يمنعها لأنه لو منعه ﷺ كان يرجع إلى حد التحريم فلهذا سكت عنها وحمد انتهاءها عما كانت فيه بمجيء عمر ﵁. فإن قلت: كيف قرر إمساكها عن ضرب الدف هاهنا بمجيء عمر ووصفه بقوله ((إن الشيطان ليخاف منك يا عمر)) ولم يقرر انتهاء أبي بكر ﵁ الجاريتين اللتين كانتا تدففان أيام منى؟. قلت: منع أبا بكر بقوله: ((دعهما)) وعلله بقول: ((فإنها أيام عيد)) وقرر ذلك هنا فدل ذلك على أن الحالات والمقامات متفاوتة، فمن حال تقتضي الاستمرار، ومن حالة لا تقتضيه.

стр. 3198

٦٠٤٩ - وعن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ جالساً، فسمعنا لغطاً وصوت صيبان. فقام رسول الله ﷺ فإذا حبشية تزفن والصبيان حولها فقال: ((يا عائشة! تعالي فانظري)) فجئت فوضعت لحيي على منكب رسول الله ﷺ ، فجعلت أنظر إليها ما بين المنكب إلى رأسه. فقال لي: ((أما شبعت؟ أما شبعت؟)) فجعلت أقول: لاأ لأنظر منزلتي عنده، إذا طلع عمر فارفض الناس عنها. فقال رسول الله ﷺ : ((إني لأنظر إلى شياطين الجن والإنس قد فروا من عمر)) قالت: فرجعت. رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب [٦٠٤٩]. الفصل الثالث ٦٠٥٠ - عن أنس. وابن عمر، أن عمر قال: وافقت ربي في ثلاث: قلت: يا رسول الله! لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى؟ فنزلت (واتخذوا من مقام إبراهيم ــ الحديث السادس عن عائشة ﵂: قوله: ((لغطاً)) قض: اللغط الصوت الشديد الذي لا يفهم. و ((تزفن)) أي ترقص، والزفن: الرقص. ((فارفض الناس عنها)) أي تفرق النظارة الذين كانوا حول الحبشية الراقصة عنها لمهابة عمر ﵁ والخوف من إنكاره عليهم. قوله: ((ما بين المنكب)) ظرف لأنظر، أي فيما بين، فحذف ((في)) كما في قوله: كما عسل الطريق الثعلب. الفصل الثالث الحديث الأول عن أنس ﵁: قوله: ((وافقت ربي في ثلاث)) ما أحسن هذه العبارة وما ألطفها حيث راعى فيها الأدب الحسن، ولم يقل: وافقني ربي في ثلاث، لأن الآيات إنما نزلت موافقة لرأيه واجتهاده.

стр. 3199

مصلى﴾. وقلت: يا رسول الله! يدخل على نسائك البر والفاجر، فلو أمرتهن يحتجبن؟ فنزلت آية الحجاب، واجتمع نساء النبي ﷺ في الغيرة، فقلت: ﴿عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن﴾ فنزلت كذلك. ٦٠٥١ - وفي رواية لابن عمر قال: قال عمر: وافقت ربي في ثلاث: في مقام إبراهيم، وفي مقام إبراهيم، وفي الحجاب، وفي أسارى بدر. متفق عليه. ٦٠٥٢ - وعن ابن مسعود، قال: فضل الناس عمر بن الخطاب بأربع: بذكر الأسارى يوم بدر، أمر بقتلهم، فأنزل الله تعالى ﴿لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيا أخذتم عذاب أليم﴾ وبذكر الحجاب، أمر نساء النبي ﷺ أن يحتجبن، فقالت له زينب: وإنك علينا يا بن الخطاب والوحي ينزل في بيوتنا؟ فأنزل الله تعالى ﴿وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب﴾ وبدعوة النبي ﷺ : ((اللهم أيد الإسلام بعمر)) وبرأيه في أبي بكر [﵁] كان أول ناس بايعه. رواه أحمد. [٦٠٥٢] ــ قوله: ((في الغيرة)) عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يحب العسل والحلو، وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه فيدنو من إحداهن، فدخل على حفصة بنت عمر، فاحتبس عندها أكثر مما كان يحتبس، فغرت فسألت عن ذلك فقيل لي: أهدت لها امرأة من قومها عكة من عسل، فسقت النبي ﷺ منه شربة، فقلت: أما والله لنحتالن له ... الحديث، فنزل: ﴿لم تحرم ما أحل الله لك ...﴾. الحديث الثاني عن ابن مسعود ﵁: قوله: ((لولا كتاب من الله سبق لمسكم)) أي لولا حكم منه سبق إثباته في اللوح المحفوظ، وهو أنه لا يعاقب أحد بخطأ، وكان أخذهم الفدية يوم بدر من الكفار خطأ في الاجتهاد، وقيل: إن أهل بدر مغفور لهم. قوله: ((وبرأيه في أبي بكر)) أي باجتهاده حين قال أبو بكر للأنصار: الأئمة من قريش، ثم بايعه أول الناس.

стр. 3200

٦٠٥٣ - وعن أبي سعيد. قال: قال رسول الله ﷺ : ((ذاك الرجل أرفع أمتي درجة في الجنة)) قال أبو سعيد: والله ما كنا نرى ذلك الرجل إلا عمر بن الخطاب حتى مضى لسبيله. رواه ابن ماجه [٦٠٥٣]. ٦٠٥٤ - وعن أسلم، قال سألني ابن عمر بعض شأنه- يعني عمر- فأخبرته، فقال: ما رأيت أحداً قط بعد رسول الله ﷺ من حين قبض كان أجد وأجود حتى انتهى من عمر. رواه البخاري. ٦٠٥٥ - وعن المسور بن مخرمة، قال: لما طعن عمر جعل يألم، فقال له ابن عباس وكأنه يجزعه: يا أمر المؤمنين! ولا كل ذلك؟! لقد حصبت رسول الله ﷺ فأحسنت صحبته، ثم فارقك وهو عنك راض، ثم صحبت أبا بكر فأحسنت صحبته، ثم فارقك وهو عنك راض، ثم صحبت المسلمين فأحسنت صحبتهم، ولئن فارقتهم لتفارقنهم وهم عنك راضون قال: أما ما ذكرت من صحبة رسول الله ﷺ ورضاه ــ الحديث الثالث عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((إلا عمر بن الخطاب)) فإن قلت فيلزم من هذا أنه أفضل من أبي بكر. قلت ﷺ قوله ﷺ : ((ذلك الرجل)) إشارة إلى مبهم والقصد فيه أن يجتهد ويتحرى كل واحد من أمته أن ينال تلك الدرجة، وإنما ينال بتوخي العمل وتحري الأصوب من الأخلاق الفاضلة والاجتهاد في الدين، والمواظبة على المبرات، ولم تشاهد هذه الخلال في أحد كما شوهدت منه رضي الله ليلة القدر في الليالي فلا يلزم من هذا أن يكون هو أفضل من أبي بكر، وأيضاً يجوز أن يحمل على الخصوص، ويؤيد التقرير الأول الحديث الذي يتلوه. الحديث الرابع عن أسلم ﵁: قوله: ((بعد رسول الله ﷺ ) يحتمل وجهين: أي بعد وفاة رسول الله ﷺ ، أبو بعد رسول الله ﷺ ، في هذه الخلال وتعقيبه بقوله من حين قبض أي رسول الله ﷺ يدل على الأول لأن المراد بيان ابتداء استمراره على تلك الحالات وثباته عليها حتى مضى لسبيله، وتنازع في قوله: أجد وأجود. الحديث الخامس عن المسور بن مخرمة ﵁: قوله: ((وكان يجزعه)) أي ينسبه إلى الجزع ويلومه عليه، ويقول له ما يسليه، يدل عليه قوله: ((ولا كل ذلك)) أي لا تبالغ فيما أنت فيه من الجزع.

стр. 3201

فإنما ذلك م ن من الله من به علي، وأما ما ذكرت من صحبة أبي بكر ورضاه، فإنما ذلك من من الله من به علي. وأما ما ترى جزعي، فهو من أجل ومن أجل أصحابك، والله لو أن لي طلاع الأرض ذهباً لافتديت به من عذاب الله قبل أن أراه. رواه البخاري. (٥) باب مناقب أبي بكر وعمر ﵄ الفصل الأول ٦٠٥٦ - عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ ، قال: ((بينما رجل يسوق بقرة إذ أعيي، فركبها، فقال: إنا لم نخلق لهذا، إنما خلقنا لحراثة الأرض. فقال الناس: سبحان الله! بقرة تكلم!)). فقال رسول الله ﷺ : ((فإني أؤمن به أنا وأبو بكر وعمر)). ــ قوله: ((فهو من أجلك ومن أجل أصحابك)) كأنه ﵁ رجح جانب الخوف على الرجاء لم أشعر من فتن تقع بعده في أصحاب رسول الله ﷺ فجزع حزناً لهم وترحماً عليهم، ومن استغناء الله تعالى عن العالمين، كما قال عيسى ﵊: ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك﴾ وكان جانب الخوف غالباً عليه فاستمر على ذلك هضماً لنفسه وانكساراً لذلك نسب ما حصل له من الفضيلة إلى منة الله تعالى وإفضاله. وفي الاستيعاب: أن عمر ﵁ حين احتضر قال: ورأسه في حجر ابنه: ظلوم لنفسه غير أني مسلم أصلي الصلاة كلها وأصوم وطلاع الأرض ما يملأها حين تطلع وتسيل. باب مناقب أبي بكر وعمر ﵄ الفصل الأول الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((فإني أومن)) الفاء جزاء شرط محذوف، أي فإذا كان الناس يستغربونه ويتعجبون منه فإني لا أستغربه وأؤمن به. وقوله: ((أنا وأبو بكر وعمر)) فإن قلت: ما فائدة ذكر ((أنا)) وعطف ما بعده عليه، وهذا عطف على المستتر في ((أؤمن)) مستغنياً عنه بالجار والمجرور؟.

стр. 3202

وما هما ثم وقال: ((بينما رجل في غنم له إذ عدا الذئب على شاة منها، فأخذها فأدركها صاحبها، فاستنقذها، فقال له الذئب: فمن لها يوم السبع، يوم لا راعي لها غيري؟ فقال الناس: سبحان الله ذئب يتكلم؟!)). فقال: أومن به أنا وأبو بكر وعمر)) وما هما ثم. متفق عليه. ــ قلت: لو لم يذكر ((أنا)) لاحتمل أن يكون ((وأبو بكر)) عطفاً على محل ((إن)) واسمها والخبر محذوف فلا يدخل في معنى التأكيد، وتكون هذه الجملة واردة على التبعية ولا كذلك في هذه الصورة. تو: إنما أراد بذلك تخصيصها بالتصديق الذي بلغ عين اليقين وكوشف صاحبه بالحقيقة التي ليس وراءها للتعجب مجال. قوله: ((فقال له الذئب فمن لها؟)) وفي أصل المالكي: ((فقال الذئب: هذا استنقذتها مني فمن لها؟)). قال المالكي: في هذا ثلاثة أوجه: أن يكون منادي؛ أي يا هذا، أجازه الكوفيون خلافاً للبصريين، وقول المجيز أصح لثبوتها في الكلام الفصيح كفول ذي الرمة: إذا هملت عيني لها قال صاحبي: لمثلك هذا لوعة وغرام وأن يكون في موضع نصب على الظرفية مشاراً به إلى اليوم، والأصل هذا اليوم استنقذتها مني. وأن يكون في موضع نصب على المصدرية، والأصل: هذا الاستنفاذ استنقذتها مني. والأصل في السبع ضم الباء فسكنها على لغة بني تميم، ((نه)) فإنهم يسكنون العين المضمومة من الأسماء والأفعال. قوله: ((فمن لها يوم السبع)) نه: قال ابن الأعرابي: السبع بسكون الباء الموضع الذي يكون إليه المحشر يوم القيامة، أراد من لها يوم القيامة. والسبع أيضاً الذعر: يقال: سبعت فلاناً إذا ذعرته، وسبع الذئب الغنم إذا فرستها، أي من لها يوم الفزع. وقيل: هذا التأويل يفسد بقول الذئب في تمام الحديث: ((يوم لا راعي لها غيري)) والذئب لا يكون لها راعياً يوم القيامة. وقيل: أراد من لها عند الفتن حين يتركها الناس هملا لا راعي لها فتكون نهبة للذئاب والسباع، فجعل السبع لها راعياً إذ هو منفرد بها، ويكون حينئذ بضم الباء، وهذا إنذار بما يكون من الشدائد والفتن التي يهمل الناس فيها شياههم فيتمكن منها السباع بلا مانع.

стр. 3203

٦٠٥٧ - وعن ابن عباس، قال: إني لواقف في قوم فدعوا الله لعمر وقد وضع على سريره، إذا رجل من خلفي قد وضع مرفقه على منكبي يقول يرحمك الله، إني لأرجو أن يجعلك الله مع صاحبيك؛ لأني كثيراً ما كنت أسمع رسول الله ﷺ يقول: ((كنت وأبو بكر وعمر، وفعلت وأبو بكر وعمر، وانطلقت وأبو بكر وعمر، ودخلت وأبو بكر وعمر، وخرجت وأبو بكر وعمر)). فالتفت فإذا علي بن أبي طالب [﵁]. متفق عليه. ــ قال أبو موسى بإسناده عن أبي عبيدة: يوم السبع عيد كان لهم في الجاهلية يشتغلون بعيدهم ولهوهم وليس بالسبع الذي يفترس الناس. قال: وأملاه أبو عامر العبدري الحافظ بضم الباء، وكان من العلم والإتقان بمكان. الحديث الثاني عن ابن عباس ﵄: قوله: ((وقد وضع على سريره)) جملة حالية من عمر. والخطاب في ((يرحمك الله)) له. والمراد ((بصاحبيه)) النبي ﷺ وأبو بكر. واللام في ((لأني)) تعليل لقوله: ((أن يجعلك الله مع صاحبيك)) أي يجمعك معهما في عالم القدس. قوله: ((كنت وأبو بكر)) قال المالكي: تضمن الحديث صحة العطف على ضمير المرفوع المتصل غير مفصول بتوكيد أو غيره، وهو ما لا يجيزه النحويون في النثر إلا على ضعف ويزعمون أن بابه الشعر، والصحيح جوازه نثراً ونظماً فمن النثر ما تقدم من قل علي ﵁، وكذا قول عمر ﵁: ((كنت وجار لي من الأنصار)) ومنه قوله تعالى: ﴿ولو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا﴾ فإن واو العطف فيه متصلة بضمير المتكلم ووجود ((لا)) بعدها لا اعتداد بها لأنها بعد العاطف ولأنها زائدة إذ المعنى تام بدونها. قوله: ((لأني كثيراً ما كانت)) كذا في صحيح البخاري و ((ما)) فيه إبهامية مؤكدة، وليس في جامع الأصول لفظ ((ما)) فقوله ((كنت)) خبر ((أن)) و ((كثيراً)) ظرف زمان وعامله ((كان)) قدم عليه، ونحوه قوله تعالى: ﴿قليلاً ما تشكرون﴾.

стр. 3204

الفصل الثاني ٦٠٥٨ - عن أبي سعيد الخدري، أن النبي ﷺ قال: ((إن أهل الجنة ليتراءون أهل عليين، كما ترون الكوكب الدري في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما)) رواه في ((شرح السنة)) وروى نحوه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه [٦٠٥٨]. ٦٠٥٩ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين)) رواه الترمذي [٦٠٥٩]. ٦٠٦٠ - ورواه ابن ماجه عن علي [﵁] [٦٠٦٠]. ــ وفي أكثر المصابيح وقع هكذا: ((لأني كثيراً مما كنت)) بزيادة ((من)) وليس له محمل صحيح، إلا أنه يتعسف ويقال: إني أجد كثيراً مما كنت. الفصل الثاني الحديث الأول عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((وأنعما)) أي زادا وفضلاً، يقال: أحسنت إلي وأنعمت، أي زدت على الإنعام، وقيل: معناه صار إلى النعيم وخلا فيه، كما يقال: أشمل إذا دخل في الشمال، ومعنى قولهم أنعمت على فلان أي أسديت إليه نعمة. تو: أي زاد على تلك الرتبة والمنزلة. وفي أكثر نسخ المصابيح: ((لمنهم)) واللام زائدة على الرواية، فإنهه نقل هذا الحديث من كتاب الترمذي وفيه: ((منهم وأنعما)) من غير لام. أقول: وكذا أيضاً في سنن أبي داود وابن ماجه وجامع الأصول بغير لام. الحديث الثاني عن أنس ﵁: قوله: ((سيدا كهول أهل الجنة)) اعتبر ما كانوا عليه في الدنيا وإلا لم يكن في الجنة كهل، كقوله تعالى: ﴿وآتوا اليتامى أموالهم﴾.

стр. 3205

٦٠٦١ - وعن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إني لا أدري ما بقائي فيكم؟ فاقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر)) رواه الترمذي [٦٠٦١] ٦٠٦٢ - وعن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد لم يرفع أحد رأسه غير أبي بكر وعمر، كان يتبسمان إليه ويتبسم إليهما. رواه الترمذي. وقال: هذا حديث غريب [٦٠٦٢]. ٦٠٦٣ - وعن ابن عمر، أن النبي ﷺ خرج ذات يوم ودخل المسجد وأبو بكر وعمر، أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، وهو آخذ بأيديهما. فقال: ((هكذا نبعث يوم القيامة)) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب [٦٠٦٣]. ٦٠٦٤ - وعن عبد الله بن حنطب، أن النبي ﷺ رأى أبا بكر وعمر فقال: ((هذان السمع والبصر)) رواه الترمذي مرسلا [٦٠٦٤]. ٦٠٦٥ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من نبي إلا ــ الحديث الثالث عن حذيفة ﵁: قوله: ((ما بقائي فيكم؟)): ((ما)) هي استفهامية معناه: لا أدري كم مدة بقائي فيكم أقليل أو كثير؟ وفيه تعليق. الحديث الرابع إلى السادس عن عبد الله بن حنطب: قوله: ((هذان السمع والبصر)) قض: أي هما في المسلمين بمنزلة السمع والبصر في الأعضاء، أو منزلتهما في الدين منزلة السمع والبصر في الجسد، أو هما مني في العزة كالسمع والبصر. ويحتمل أنه ﷺ سماهما بذلك لشدة حرصهما على استماع الحق وإتباعه، وتهالكهما على النظر في الآيات المبينة في الآفاق والأنفس والتأمل فيها والاعتبار بها. الحديث السابع عن أبي سعيد ﵁:

стр. 3206

وله وزيران من أهل السماء، وزيران من أهل الأرض، فأما وزيراي من أهل السماء فجبريل وميكائيل، وأما وزيراي من أهل الأرض فأبو بكر وعمر)) رواه الترمذي [٦٠٦٥]. ٦٠٦٦ - وعن أبي بكرة، أن رجلا قال لرسول الله ﷺ : رأيت كأن ميزاناً نزل من السماء، فوزنت أنت وأبو بكر، فرجحت أنت؛ ووزن أبو بكر وعمر فرجح أبو بكر، ووزن عمر وعثمان، فرجح عمر؛ ثم رفع الميزان)) فاستاء لها رسول الله ﷺ ، يعني فساءه ذلك. فقال: ((خلافة نبوة، ثم يؤتي الله الملك من يشاء)) رواه الترمذي، وأبو داود [٦٠٦٦]. ــ قوله: ((فأما وزيراي من أهل السماء فجبريل وميكائيل)) فيه دلالة ظاهرة على فضله صلوات الله وسلامه عليه على جبريل وميكائيل. والوزير من الوزر: الثقل؛ لأنه يتحمل عن الملك أوزاره ومؤنه، قال تعالى حكاية عن موسى ﵊: ﴿واجعل لي وزيراً من أهلي﴾. الحديث الثامن عن أبي بكرة ﵁: قوله: ((فاستاء لها)) نه: استاء بوزن افتعل من السوء وهو مطاوع ساء، يقال: استاء فلان، أي ساءه ذلك. ويروى: ((فاستأولها)) أي طلب تأويلها بالتأمل والنظر. تو: إنما ساءه- والله أعلم- من الرؤيا التي ذكرها ما عرفه من تأويل رفع الميزان، فإن فيه احتمالا لانحطاط رتبة الأمر في زمان القائم به بعد عمر ﵁ عما كان عليه من النفاذ والاستعلاء والتمكن بالتأييد، ويحتمل أن يكون المراد من الوزن موازنة إياهم لما كان يطرأ فيها من رونق الإسلام وبهجته، ثم إن الموازنة إنما تراعي في الأشياء المتقاربة مع مناسبة ما، فيظهر الرجحان، فإذا تباعدت كل التباعد لم يوجد للموازنة معنى فلهذا رفع الميزان. قوله: ((خلافة نبوة)) قيل: أي انقضت خلافة نبوة، يعني أن هذه الرؤيا دالة على أن الخلافة بالحق تنقضي وتنتهي حقيقتها بانقضاء خلافة عمر ﵁.

стр. 3207

الفصل الثالث ٦٠٦٧ - عن ابن مسعود، أن النبي ﷺ قال: ((يطلع عليكم رجل من أهل الجنة)). فاطلع أبو بكر، ثم قال: ((يطلع عليكم رجل من أهل الجنة)) فاطلع عمر. رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب [٦٠٦٧]. ٦٠٦٨ - وعن عائشة، قالت: بينا رأس رسول الله ﷺ في حجري في ليلة ضاحية إذا قلت: يا رسول الله! هل يكون لأحد من الحسنات عدد نجوم السماء؟ قال: ((نعم، عمر)) قلت: فأين حسنات أبي بكر؟ قال: ((إنما جميع حسنات عمر كحسنة واحدة من حسنات أبي بكر)) رواه رزين [٦٠٦٨]. (٦) باب مناقب عثمان ﵁ الفصل الأول ٦٠٦٩ - عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ مضطجعاً في بيته، كاشفاً عن فخذيه- أو ساقيه- فاستأذن أبو بكر، فأذن له وهو على تلك الحال، فتحدث، ثم ــ أقول: دل إضافة الخلافة إلى النبوة على أن لا تبوث فيها من طلب الملك والمنازعة فيه لأحد، وكانت خلافة الشيخين على هذا، وكون المرجوحية انتهت إلى عثمان ﵁ دل على حصول المنازعة فيها، وأن الخلافة في زمن عثمان وعلي رضي الله عنما مشوبة بالملك، وأما بعدهما فكانت ملكاً عضوداً والله أعلم بالصواب. باب مناقب عثمان ﵁ الفصل الأول الحديث الأول عن عائشة ﵂: قوله: ((أو كاشفاً عن فخذيه أو ساقيه)) مح: احتج به المالكية وغيرهم ممن يقول: ليس الفخذ عورة، ولا حجة فيه لأن شك الراوي في المكشوف، هل هما الساقان أو الفخذان؟ فلا يلزم منه الجزم بجواز كشف الفخذ.

стр. 3208

استأذن عمر، فأذن له وهو كذلك، فتحدث، ثم استأذن عثمان فجلس رسول الله ﷺ وسوى ثيابه، فلما خرج قالت عائشة: دخل أبو بكر فلم تهتش له ولم تباله، ثم دخل عمر فلم تهتش ولم تباله، ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك فقال: ((ألا أستحيي من رجل تستحيي منه الملائكة)). وفي رواية قال: ((إن عثمان رجل حيي، وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحالة أن لا يبلغ إلي في حاجته)) رواه مسلم. الفصل الثاني ٦٠٧٠ - عن طلحة بن عبيد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لكل نبي رفيق، ورفيقي- يعني في الجنة- عثمان)) رواه الترمذي [٦٠٧٠] ــ والهشاشة هي البشاشة وطلاقة الوجه وحسن الالتقاء وفيه فضيلة ظاهرة لعثمان ﵁، وأن الحياء صفة جميلة من صفات الملائكة. مظ: وفيه دليل على توقير عثمان ﵁ عند رسول الله ﷺ ولكن لا يدخل على حظ منصب أبي بكر وعمر ﵄ منه ﷺ وقلة الالتفات إليهما، لأن قاعدة المحبة إذا كملت واشتدت ارتفع التكلف، كما قيل: إذا حصلت الألفة بطلت الكلفة. وقوله: ((أن لا يبلغ إلي في حاجته)) أي أخاف أن يرجع فلا يصل إلي حتى أقضي حاجته. الفصل الثاني الحديث الأول والثاني عن عبد الرحمن بن خباب ﵁: قوله: ((على جيش العسرة)) تو: يريد جيش غزوة تبوك، وسميت جيش العسرة لأنها كانت زمان شدة الحر وجدب البلاد، وكانت المناهضة إلى عدو جم العدد شديد البأس. و ((الحلس)) كساء رقيق يجعل تحت البرذعة.

стр. 3209

٦٠٧١ - ورواه ابن ماجه عن أبي هريرة. وقال الترمذي هذا حديث غريب، وليس إسناده بالقوي، وهو منقطع. ٦٠٧٢ - وعن عبد الرحمن بن خباب، قال: شهدت النبي ﷺ وهو يحث على جيش العسرة، فقام عثمان، فقال: يا رسول الله! علي مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حض على الجيش، فقام عثمان، فقال: على مائتا بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حض، فقام عثمان، فقال: علي مائتا بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حض، فقام عثمان، فال: علي ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، فأنا رأيت رسول الله ﷺ ينزل عن المنبر وهو يقول: ((ما على عثمان ما عمل بعد هذه، ما على عثمان ما عمل بعد هذه)) رواه الترمذي [٦٠٧٢]. ــ و ((القتب)) للجمل كالإكاف لغيره. يريد: بجميع أسبابها وأدواتها. قوله: ((ما على عثمان ما عمل بعد هذه)) مظ: أي ما عليه أن لا يعمل بعد هذه من النوافل دون الفرائض، لأن تلك الحسنة تكفية عن جميع النوافل، كما ذكر في حديث أنس بن أبي مرثد الغنوي في آخر الفصل في المعراج. أقول: فرق بين هذا التركيب وبين ذاك، لأن المذكور هناك: ((فلا عليك أن لا تعمل بعدها)) واسم ((لا)) إن مع ما بعدها، وقد ذكر أن المراد فيه أنه لا يضره أن لا يعمل من النوافل، أو لا عليه أن لا يعمل الجهاد في ذلك اليوم المذكور هنا ((ما)) على عثمان ما عمل بعد هذه)) و ((ما)) بمعنى ليس يقتضي اسماً وخبراً، فاسمه ((ما عمل بعد اليوم)) و ((ما)) موصولة ولا يجوز أن تحمل على أنها نافية، يدل عليه في الحديث الذي يتلوه: ((ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم)) والمعنى: فلا على عثمان بأس الذي عمل بعد هذا اليوم من الذنوب فإنها مغفورة مكفرة، ونحوه قوله ﷺ في حديث حاطب بن أبي بلتعة: ((لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)).

стр. 3210

٦٠٧٣ - وعن عبد الرحمن بن سمرة، قال: جاء عثمان إلى النبي ﷺ بألف دينار في كمه حين جهز جيش العسرة، فنثرها في حجره، فرأيت النبي ﷺ يقلبها في حجره ويقول: ((ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم)) مرتين. رواه أحمد. [٦٠٧٣]. ٦٠٧٤ - وعن أنس، قال: لما أمر رسول الله ﷺ ببيعة الرضوان كان عثمان [﵁] رسول الله ﷺ إلى مكة، فبايع الناس. فقال رسول الله ﷺ : ((إن عثمان في حاجة الله وحاجة رسوله)) فضرب بإحدى يديه على الأخرى، فكانت يد رسول الله ﷺ لعثمان خيراً من أيديهم لأنفسهم. رواه الترمذي [٦٠٧٤]. ٦٠٧٥ - وعن ثمامة بن حزن القشيري، قال: شهدت الدار حين أشرف عليهم عثمان فقال: أنشدكم الله والإسلام هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قدم المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة؟ فقال: ((من يشتري بئر رومة يجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة؟)). فاشتريتها من صلب مالي، وأنتم اليوم تمنعونني ــ الحديث الثالث والرابع عن أنس ﵁: قوله: ((ببيعة الرضوان)) هي البيعة التي جرت تحت الشجرة عام الحديبية، سميت ببيعة الرضوان لما نزل في أهلها قوله تعالى: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ...﴾. وقوله: ((حاجة الله وحاجة رسوله)) من باب قوله تعالى: ﴿إن الذين يؤذون الله ورسوله﴾ في أن رسول الله ﷺ بمنزلة عند الله ومكانة، وأن حاجته حاجته وتعالى الله عن الاحتياج علواً كبيراً. الحديث الخامس عن ثمامة بن حزن القشيري: قوله: ((شهدت الدار)) أي حضرت دار عثمان التي حاصروه فيها. و ((بئر رومة)) بضم الراء اسم بئر بالمدينة اشتراه عثمان ﵁ ثم سبلها. وقوله: ((مع دلاء المسلمين)) هو المفعول الثاني ليجعل، أي ليجعل دلوه مصاحباً وواحداً من دلاء المسلمين ولا يختص بها دون المسلمين، وهو كناية عن الوقف والتسبيل.

стр. 3211

أن أشرب منها حتى أشرب من ماء البحر؟! فقالوا: اللهم نعم. فقال: أنشدكم الله والإسلام، هل تعلمون أن المسجد ضاق بأهله فقال رسول الله ﷺ : ((من يشتري بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخير له منها في الجنة؟)). فاشتريتها من صلب مالي، فأنتم اليوم تمنوعنني أن أصلي فيها ركعتين؟! فقالوا: اللهم نعم. قال أنشدكم الله والإسلام، هل تعلمون أني جهزت جيش العسرة من مالي؟ قالوا: اللهم نعم. قال: أنشدكم الله والإسلام، هل تعلمون أن رسول الله ﷺ كان على ثبير مكة ومعه أبو بكر وعمر وأنا، فتحرك الجبل حتى تساقطت حجارته بالحضيض، فركضه برجله قال: ((اسكن ثبير! فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان))؛ قالوا: اللهم نعم. قال: الله أكبر! شهدوا ورب الكعبة أني شهيد، ثلاثا رواه الترمذي، والنسائي، والدارقطني [٦٠٧٥]. ــ والباء في ((بخير)) باء البدل يتعلق بيشتري، وليست مثلها في قولهم: اشتريت هذا بدرهم ولا في قوله تعالى: ﴿أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى﴾. فالمعنى: من يشتريها بثمن معلوم ثم يبدلها بخير منها. و ((ماء البحر)) أي ما فيه ملوحة كماء البحر، والإضافة فيه للبيان، أي ما يشبه ماء البحر. قوله: ((اللهم نعم)) المطرزي: قد يؤتي [اللهم ما قبل إلا إذا كان المستثنى عزيزاً نادراً]، وكان قصدهم بذلك الاستظهار بمشيئة الله في إثبات كونه ووجوده إيماء إلى أنه بلغ من الندرة حد الشذوذ. وقيل: كلمتي الجحد والتصديق في جواب المستفهم كقولهم: اللهم لا ونعم. ((الحضيض)) قرار الأرض وأسفل الجبل. وقوله: ((الله أكبر)) كلمة يقولها المتعجب عند إلزام الخصم وتبكيته، وذلك أنه لما أراد أن يظهر لهم أنه على الحق وأم خصماءه على الباطل على طريق يلجئهم إلى الإقرار بذلك. أورد حديث ثبير مكة وأنه من أحد الشهيدين مستفهماً عنهم، فأقروا بذلك وأكدوا إقرارهم بقولهم: ((اللهم)) فقال: ((الله أكبر)) تعجباً وتعجيباً وتجهيلاً لهم، واستهجاناً لفعلهم، ونظيره قوله تعالى: ﴿هل يستويان مثلا، الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون﴾ كأنه لما ضرب مثل عابد الأصنام وعابد الله برجلين أحدهما له شركاء بينهم اختلاف وتنازع كل واحد منهم يدعى أنه عبده فهم يتجاذبونه

стр. 3212

٦٠٧٦ - وعن مرة بن كعب، قال: سمعت من رسول الله ﷺ وذكر الفتن فقربها، فمر رجل مقنع في ثوب فقال ((هذا يومئذ على الهدى)) فقمت إليه فإذا هو عثمان بن عفان. قال: فأقبلت عليه بوجهه فقلت: هذا؟ قال: ((نعم)) رواه الترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ٦٠٧٧ - وعن عائشة [﵁]، أن النبي ﷺ قال: ((يا عثمان! إنه لعل الله يقمصك قميصاً، فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه لهم)) رواه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: في الحديث قصة طويلة [٦٠٧٧] ٦٠٧٨ - وعن ابن عمر، قال: ذكر رسول الله ﷺ ، فتنة فقال: ((يقتل هذا فيها مظلوماً)) لعثمان. رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن، غريب إسناداً [٦٠٧٨]. ٦٠٧٩ - وعن أبي سهلة، قال: قال لي عثمان يوم الدار: إن رسول الله ﷺ ، قد ــ فهو متحير في أمره لا يدري أيهم يرضي بخدمته، والآخر قد سلم لمالك واحد وخلص له فهو يلتزم خدمته فهمه واحد وقلبه مجتمع، واستفهم منهم بقوله: ﴿هل يستويان مثلاً؟﴾ فلابد لهم أن يذعنوا ويقولوا: لا، فقال: إذن الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون. الحديث السادس والسابع: عن عائشة [﵂]. قوله: (يقمصك قميصا) استعار القميص للخلافة، ورشحها بقوله (على خلعه فلا تخلعه لهم) قال في أساس البلاغة: (ومن المجاز: قمصه الله وشي الخلافة، وتقمص لباس العز) ومن هذا الباب قوله: في الكبرياء: ردائي، والعظمة إزاري، وقولهم: المجد بين ثوبيه والكرم بين برديه. الثامن والتاسع: أبو سهلة: قوله: (قد عهد إلي عهداً) أوصاني بقوله: (فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه لهم).

стр. 3213

عهد إلي عهداً وأن صابر عليه رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح [٦٠٧٩]. الفصل الثالث ٦٠٨٠ - عن عثمان بن عبد الله بن موهب، قال: جاء رجل من أهل مصر يريد حج البيت فرأى قوم جلوساً، فقال: من هؤلاء القوم؟ قالوا: هؤلاء قريش. قال: فمن الشيخ فيهم؟ قالوا: عبد الله بن عمر. قال: يا بن عمر! إني سائلك عن شيء فحدثني: هل تعلم أن عثمان فر يوم أحد؟ قال: نعم قال: هل تعلم أنه تغيب عن بدر ولم يشهدها؟ قال: نعم قال: هل تعلم أنه تغيب عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال: الله أكبر. قال ابن عمر: تعالى أبين لك.، أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه، وأما تغيبه عن بدر فإنه كانت تحته رقية بنت رسول الله ﷺ وكانت مريضة، فقال له رسول الله ﷺ : ((إن لك أجر رجل ممن شهد بدراً وسهمه)). وأما تغيبه عن بيعة الرضوان، فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه، فبعث رسول الله ﷺ عثمان، وكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة، فقال رسول الله ﷺ بيده اليمنى: ((هذه يد عثمان)) فضرب بها على يده، وقال: ((هذه لعثمان)). ثم قال ابن عمر: اذهب بها الآن معك. رواه البخاري. ٦٠٨١ - وعن أبي سهلة مولى عثمان [﵄] قال: جعل النبي ﷺ يسر ــ الفصل الثالث الحديث الأول: عن عثمان ﵁: قوله: (الله أكبر) بعدما عد من الأمور بمنزلة (الله أكبر) في الحديث السابق. فإنه أراد أن يلزم ابن عمر ويحط من منزلة عثمان [﵁] عن الطريق المذكور، فلما قال ابن عمر: نعم، قال الله أكبر، تعجباً وتعجيباً وإظهاراً لإفحامه إياه، ثم إن ابن عمر ﵄ لما نقض كل واحد مما نبأه به، خلعه من سنخه. قال: فكأنه أذهب بها، أي إنما جئت به وتمسكت بعدما بينت لك الحق المحض الذي لاستران منه. [الحديث الثاني:] عن أبي سهلة ﵁: قوله: (إن رسول الله ﷺ عهد إلى أمراً) أي

стр. 3214

إلى عثمان، ولون عثمان يتغير، فلما كان يوم الدار قلنا: ألا نقاتل؟ قال: لا، إن رسول الله ﷺ ، عهد إلى أمراً، فأنا صابر نفسي عليه. [٦٠٨١]. ٦٠٨٢ - وعن أبي حبيبة، أنه دخل الدار وعثمان محصور فيها، وأنه سمع أبا هريرة يستأذن عثمان في الكلام، فأذن له، فقام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إنكم ستلقون بعدي فتنة واختلافاً- أو قال: اختلافاً وفتنة- فقال له قائل من الناس: فمن لنا يا رسول الله؟! أوما تأمرنا به؟ قال: ((عيكم بالأمير وأصحابه)) وهو يشير إلى عثمان بذلك. رواهما البيهقي في ((دلائل النبوة)) [٦٠٨٢]. (٧) باب مناقب هؤلاء الثلاثة ﵃ الفصل الأول ٦٠٨٣ - عن أنس، أن النبي ﷺ صعد أحداً، وأبو بكر وعمر وعثمان، فرجف ــ أوصاني بأن أصبر ولا أقاتل، ولا يجوز أن يقال: الوصية هي قوله: ((فإن أرادوك على خلعه، فلا تخلعه لهم)) فإن ذلك يوهم المقاتلة معهم للدفع، فعلى هذا ينبغي أن يحمل الحديث إلى الآخر من الفصل الثاني على هذا ليتفقا. الحديث الثالث: عن أبي حبيبة ﵁: قوله: (فمن لنا) هو متوجه إلى قوله ((اختلافاً)) أي ستلقون اختلافاً بين الأمير ومن خرج عليه، فمن تأمرنا أن نتبعه ونلزمه؟ فتكون لنا العاقبة لا علينا، فأجاب: عليكم بالأمير وأصحابه، والله أعلم. باب مناقب هؤلاء الثلاثة ﵃ الفصل الأول الحديث الأول: عن أنس ﵁: قوله: ((نبي وصديق وشهيدان)) وفي رواية للبخاري: ((اسكن فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد))، قال المالكي: أو فيه بمعنى الواو، ومنه قول ابن عباس: (كل ما شئت، واشرب ما شئت، ما أخطأتك خلتان: سرف أو مخيلة) أي سرف ومخيلة، ونظائرها عند أمن اللبس كثيرة منها قول الحماسي:

стр. 3215

بهم، فضربه برجله، فقال: ((اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان)) رواه البخاري. ٦٠٨٤ - وعن أبي موسى الأشعري: قال: كنت مع النبي ﷺ في حائط من حيطان المدينة، فجاء رجل فاستفتح، فقال النبي ﷺ : ((افتح له وبشره بالجنة)) ففتحت له، فإذا أبو بكر، فبشرته بما قال رسول الله ﷺ فحمد الله، ثم جاء فاستفتح، فقال النبي ﷺ : ((افتح له وبشره بالجنة)) ففتحت له، فإذا أبو بكر، فبشرته بما قال رسول الله ﷺ فحمد اله، ثم جاء رجل فاستفتح فقال النبي ﷺ : ((افتح له وبشره بالجنة)) ففتحت له، فإذا عمر، فأخبرته بما قال النبي ﷺ فحمد الله، ثم استفتح رجل، فقال لي: ((افتح له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه)) فإذا عثمان، فأخبرته بما ل النبي ﷺ . فحمد الله، ثم قال: الله المستعان. متفق عليه. الفصل الثاني ٦٠٨٥ - عن ابن عمر، قال: كنا نقول ورسول الله ﷺ حي: أبو بكر وعمر وعثمان، ﵃. رواه الترمذي [٦٠٨٥]. الفصل الثالث ٦٠٨٦ - عن جابر، أن رسول الله ﷺ قال: ((أرى الليلة رجل صالح كأن أبا بكر ــ فقالوا لنا ثنتان لابد منها صدور رماح أشرعت أو سلاسل الحديث الثاني: عن أبي موسى ﵁: قوله: ((على بلوى تصيبه)) ((شف)): على هاهنا بمعنى مع، أي بشره بالجنة مع بلوى تصيبه، أقول: إذا جعل على ((متعلقاً)) بقوله: بالجنة، يكون المبشر به مركباً، [وإذا جعل حالا من ضمير المفعول كانت البشارة مقارنة بالإنذار، ولا يكون المبشر به مركباً] وهو الظاهر، وعلى بمعناه، ويؤيده قوله: (الله المستعان) أي على ما أنذر به ﷺ فإن ما أخبر به من البلاء يصيبني لا محالة، فبالله أستعين على مرارة الصبر عليه وشدة مقاساته. الفصل الثاني والثالث عن جابر ﵁: قوله: ((رجل صالح)) بيان للضمير المرفوع في أري على سبيل

стр. 3216

نيط برسول الله ﷺ ، ونيط عمر بأبي بكر، ونيط عثمان بعمر))، قال ابر، فلما قمنا من عند رسول الله ﷺ ، قلنا: أما الرجل الصالح فرسول الله، وأما نوط بعضهم ببعض فهم ولاة الأمر الذي بعثه الله به نبيه ﷺ . رواه أبو داود [٦٠٨٦] (٨) باب مناقب علي بن أبي طالب ﵁ الفصل الأول ٦٠٨٧ - عن سعد بن أبي وقاص، قال: قال رسول الله ﷺ ، لعلي: ((أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي)). متفق عليه. ــ التجريد، نظيره قول ابن جني: لئن لقيت رسول الله ﷺ لتلقين منه رجلاً فياضاً بالخير، ورسولا جامعاً لسبل الفضل فقد آلت به الحال إلى معنى التجريد، كان من الظاهر أن يقال: رأيت نفسي الليلة وأبو بكر نيط بي، أي علق، فجرد منه ﷺ لكونه رسول الله ﷺ وحبيبه رجلاً صالحاً، ووضع رسول الله ﷺ موضع ضمير (رجلا) تفخيماً غب تفخيم والله أعلم. باب مناقب علي ﵁ الفصل الأول الحديث الأول: عن سعد ﵁: قوله: ((أنت مني بمنزلة هارون من موسى)) ((تو)): كان هذا القول من النبي ﷺ مخرجه إلى غزوة تبوك وقد خلف علياً ﵁ على أهله وأمره بالإقامة فيهم، فأرجف به المنافقون وقالوا: ما خلفه إلا استثقالاً له وتخففاً منه، فلما سمع به علي أخذ سلاحه ثم خرج حتى أتى رسول الله ﷺ وهو نازل بالجرف، فقال: يا رسول الله! زعم المنافقون كذا، فقال: ((كذبوا، إنما خلفتك لما تركت ورائي فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك، أما ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى)) تأول قول الله تعالى: ﴿وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي﴾. ((مح)): قال القاضي عياض: هذا ما تعلقت به الروافض وسائر فرق الشيعة في أن الخلافة كانت مستحقة لعلي ﵁، وأنه وصلى له بها، فكفرت الروافض سائر الصحابة

стр. 3217

٦٠٨٨ - وعن زر بن حبيش، قال: قال علي ﵁: والذي فلق الحبة وبراً النسمة، إنه لعهد النبي الأمي ﷺ إلى: أن ايحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق. رواه مسلم. ٦٠٨٩ - وعن سهل بن سعد، أن رسول الله: قال يوم خيبر: ((لأعطين هذه الراية غداً رجلاً يفتح الله عليه يديه، يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله)) فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجون أن يعطاها فقال: ((أين علي بن أبي ــ كانت مستحقة لعلي ﵁، وأنه وصى له بها، فكفرت الروافض سائر الصحابة بتقديمهم غيره، وزاد بعضهم: فكفر علياً لأنه يقم في طلب حقه، وهؤلاء أسخف عقلاً وأفس مذهباً من أن يذكر قولهم، ولا شك في تكفير هؤلاء، لأن من كفر الأمة كلها، والصدر الأول خصوصاً، فقد أبطل الشريعة وهدم الإسلام، ولا حجة في الحديث لأحد منهم، بل فيه إثبات فضيلة لعلي، ولا تعرض فيه كلونه أفل من غيره، وليس فيه دلالة على استخلافه بعده لأن النبي ﷺ إنما قال هذا حين استخلفه على المدينة في غزوة تبوك، ويؤيد هذا أن هارون المشبه به لم يكن خليفة بعد موسى، لأنه توفي قبل وفاة موسى بنحو أربعين سنة، وإنما استخلفه حين ذهب لميقات ربه للمناجاة. أقول: وتحريره من جهة علم المعاني أن قوله: ((مني)) خبر للمبتدأ، ومن: اتصالية (وخبرا) ومتعلق الخبر خاص، والباء زائدة كما في قوله تعالى: ﴿فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به﴾ أي فإن آمنوا إيماناً مثل إيمانكم، يعني أنت منفصل بي ونازل مني منزلة هارون من موسى، وفيه تشبيه، ووجه الشبه فبهم لم يفهم أنه ﵁ فيما شبهه به ﷺ فبين بقوله: ((إلا أنه لا نبي بعدي)) أن اتصاله به ليس من جهة النبوة، فبقي الاتصال من جهة الخلافة لأنها تلي النبوة في المرتبة، ثم إما أن يكون في حياته أو بعد حماته، فخرج من أن يكون بعد مماته لأن هارون ﵇ مات قبل موسى، فتعين أن يكون في حياته عند مسيره إلى غزوة تبوك. ((مح)): قال بعض العلماء في قوله: ((إلا أنه لا نبي بعدي)) دليل على أن عيسى بن مريم إذا نزل ينزل حكماً من حكام هذه الأمة يدعو بشريعة نبينا محمد ﷺ ولا ينزل نبياً. الحديث الثاني والثالث عن سهل ﵁: قوله: (يرجون أن يعطاها) عبر في الأول بمعنى كلة فجمع، والثاني لفظة فأفرد، أقول: أي أين علي؟ مالي لا أراه حاضراً؟

стр. 3218

طالب؟)). فقالوا: هو يا رسول الله! يشتكي عينيه. قال: ((فأرسلوا إليه)) فأتى به فبصق رسول الله ﷺ في عينيه فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال علي: يا رسول الله! أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ قال: ((انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فو الله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حمر النعم)). متفق عليه. وذكر حديث البراء قال لعلي: ((أنت مني وأنا منك)) في باب ((بلوغ الصغير)). الفصل الثاني ٦٠٩٠ - عن عمران بن حصين، أن النبي ﷺ قال: ((إن علياً مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن)) رواه الترمذي [٦٠٩٠]. ــ فيستقيم جوابهم: هو يا رسول الله! يشتكي عينيه، ونحوه قوله تعالى: ﴿مالي لا أرى الهدهد﴾ كأنه ﷺ استبعد غيبته عن حضرته في مثل تلك المواطن، لاسيما وقد قال ﷺ : ((لأعطين هذه الراية غداً رجلاً)) إلى آخره، وقد حضر الناس كلهم طمعاً بأن يكون هو الذي يفوز بذلك الوعد، وتقديم القوم الضمير وبناء يتكي (عليه) اتعذار منهم على سبيل التأكيد. و ((انفذ على رسلك)) أي امض على رفق وسكون حتى تبلغ فناءهم، وكأنه ﷺ استحسن قوله: ((أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، واستحمده على ما قصده من مقاتلته إياهم حتى يكونوا أمثالهم مهتدين إعلاء لدين الله، ومن ثم حثه ﷺ على ما نراه حمر الإبل وهي أغرها وأنفسها، ويضربون بها المثل في نفاسة الشيء، وأنه ليس هناك أعظم منه. ((مح)): تشبيه أمور الآخرة بأعراض الدنيا إنما هو للتقريب للأفهام، وإلا فقدر يسير من الآخرة خير من الدنيا بأسرها وأمثالها معه. الفصل الثاني: الحديث الأول عن عمران ﵁: قوله: ((وهو ولي كل مؤمن)) إشارة لقوله تعالى: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا﴾ إلى قوله: ﴿ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾

стр. 3219

٦٠٩١ - وعن زيد بن أرقم، أن النبي ﷺ قال: ((من كنت مولاه فعلي مولاه)). رواه أحمد، والترمذي [٦٠٩١]. ٦٩٠٢ - وعن حبشي بن جنادة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((علي مني وأنا من علي، ولا يؤدي عني إلا أنا أو علي)). رواه الترمذي، ورواه أحمد عن أبي جنادة [٦٠٩٢]. ــ الكشاف: قيل: نزلت علي ﵁، فإن قلت: كيف يصح في مثل فعله لينالوا مثل ثوابه، ولينبه علي أن سجية المؤمنين يجب أن تكون على هذه الغاية من الحرص على البر والإحسان. الحديث الثاني عن زيد ﵁: قوله: ((من كنت مولاه)) ((نه)): المولى يقع على جماعة كثيرة فهو الرب والمالك والسيد والمنعم والمعتق والناصر والمحب والتباع (والجار) وابن العم والحيف والعقيد والصهر والعبد والمعتق والممنعم عليه، وأ: ثرها قد جاء في [الحديث فيضاف كل واحد إلى ما يقتضيه] الحديث الوارد فيه، وقوله: ((من كنت مولاه)) يحمل على أكثر من الأسماء المذكورة. قال الشافعي ﵁: يعني بذلك ولاء الإسلام كقوله تعالى: ﴿ذلك بأن الهل مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم﴾ وقول عمر لعلي: (أصبحت مولى كل مؤمن) [أي: ولي كل مؤمن]، وقيل سبب ذلك أن أسامة قال لعلي: لست مولاي إنما مولاي رسول الله ﷺ ، فقال ﷺ : معنى الحديث أن علياً ﵁ يستحق التصرف في كل ما يستحق الرسول ﷺ التصرف فيه، ومن ذلك أمور المؤمنين فيكون إمامهم. أقول: لا يستقيم أن تحمل الولاية على الإقامة التي هي التصرف في أمور المؤمنين، لأن المتصرف المستقل في حياته ﷺ هو هو ﷺ لا غير، فيجب أن يحمل على المحبة وولاء الإسلام ونحوهما. الحديث الثالث عن حبشي ﵁: قوله: ((ولا يؤدى عني إلا أنا أو علي)) كان الظاهر أن يقال: لا يؤدي عني إلى علي، فأدخل أنا تأكيداً لمعنى الاتصال في قوله: ((علي مني وأنا منه)).

стр. 3220

٦٠٩٣ - وعن ابن عمر، قال: آخي رسول الله ﷺ بين أصحابه، فجاء علي تدمع عيناه، فقال: آخيت بين أصحابك، ولم تؤاخ بيني وبين أحد. فقال رسول الله ﷺ : ((أنت أخي في الدنيا وفي الآخرة)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب [٦٠٩٣]. ٦٠٩٤ - وعن أنس، قال: كان عند النبي ﷺ طير، فقال: ((اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي هذا الطير)) فجاءه علي، فأكل معه. رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب [٦٠٩٤]. ــ ((تو)): كان من دأب العرب إذا كان بينهم مقاولة في نقض وإبرام وصلح ونبذ عهد أن لا يؤدي ذلك إلا سيد القوم، أو من يليه من ذوي قرابته القريبة، ولا يقبلون فمن (سواهم)، ولما كان العام الذي أمر رسول الله ﷺ أبا بكر ﵁ أن يحج بالناس رأي بعد خروجه أن يبعث علياً ﵁ خلفه لينبذ إلى المشركين عهدهم، ويقرأ عليهم سورة براءة، وفيها: ﴿إنما المشركون بحس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ إلى غير ذلك من الأحكام، فقال قوله هذا تكريماً له بذلك. الحديث الرابع والخامس عن أنس ﵁: قوله: ((بأحب خلقك إليك)) ((تو)): نحن وإن كنا بحمد لله لا جهل فضل علي ﵁، وقدمه وسوابقه في الإسلام، واختصاصه برسول الله ﷺ لقرابته القريبة، ومؤاخاته إياه في الدين ونتمسك من حبه بأقوى وأولى مما يدعيه الغالون فيه، فلسنا نرى أن يضرب عن تقرير أمثال هذه الأحاديث في نصابها لما يخشى فيها من تحريف الغالين، وتأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين. وهذا باب أمرنا بمحافظته وجيء أمرنا بالذب عنه، فحقيق علينا أن ننصر فيه الحق، ونقدم فيه الصدق، وهذا حديث يريش لبه المبتدع سهامه، ويوصل به [المتحل] جناحه ليتخذه ذريعة إليه العطن في خلافة أبي بكر ﵁ التي هي أول حكم أجمع عليه المسلمون في هذه الأمة، وأقوم عماد أقيم به الدين بعد رسول الله ﷺ فنقول، وبالله التوفيق: هذا الحديث ولا يقاوم ما أوجب تقديم أبي بكر، والقول بخيربته من الأخبار الصحاح منضماً إليها

стр. 3221

٦٠٩٥ - وعن علي [﵁]، قال: كنت إذا سألت رسول الله ﷺ أعطاني وإذا سكت ابتدأني. رواه الترمذي، وقال: هذا حديث ((حسن غريب)) [٦٠٩٥]. ٩٠٦٩ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أنا دار الحكمة، وعلي بابها)) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب، وقال: روى بعضهم هذا الحديث عن شريك ولم يذكروا فيه عن الصنابحي، ولا نعرف هذا الحديث عن أحد من الثقات غير شريك [٦٠٩٦]. ــ إجماع [الصحابة] لمكان سنده، فإن فيه لأهل النقل مقالاً، ولا يجوز حمل أمثاله على ما يخالف الإجماع، لاسيما الصحابي الذي يرويه منم ذخل في هذا الإجماع واستقام عليه مدة عمره، ولم ينقل عنه خلافه، فلو ثبت عنه هذا الحديث؛ فالسبيل أن يؤول على وجه لا ينتقض عليه ما اعتقده، ولا يخالف ما هو أصح منه متناً وإسناداً، وهو أن يقال: يحمل قوله: بأحب خلقك علي، أن المراد منه ائتني بمن هو من أحب خلقك إليك، فيشاركه فيه غيره، وهم المفضلون بإجماع الأمة، وهذا مثل قولهم: لأن أعقل الناس وأفضلهم أي: من أعقلهم وأفضلهم، ومما يبن لك أن حمله على العموم غير جائز هو أن النبي ﷺ من جملة خلق الله، ولا جائز أن يكون علي أحب إلى الله منه، فإن قيل: ذلك شيء عرف بأصل الشرع؛ قلن: والذي نحن فيه عرف أيضاً بالنصوص الصحيحة وإجماع الأمة، فيؤول هذا الحديث على الوجه الذي ذكرناه، أو على أنه أراد به أحب خلقه إليه من بني عم وذويه، وقد كان النبي ﷺ يطلق القول، وهو يريد تقييده، ويعم به، وهو يريد تخصيصه، فيعرفه ذوو الفهم بالنظر إلى الحال أو الوقت أو الأمر الذي هو فيه. أقول: والوجه الذي يقتضيه المقام هو الوجه الثاني، لأنه ﷺ كان يكره أن يأكل وحده، لأنه ليس من سمت أهل المروءات، فطلب من الله تعالى أن (يوتي) زيادة من ((النهاية)) لابن الأثير وقد سقطت من (ك). له من يؤاكله، وكان ذلك براً وإحساناً منه إليه، وأبر المبرات بذوي الرحم وصلته، كأنه قال: بأحب خلقك إليك من ذوي القرابة والقريبة، ومن هو أولى بإحساني وبري إليه. الحديث السادس والسابع عن علي ﵁: قوله: ((وعلي بابها)) لعل الشيعة أرادوا بهذا

стр. 3222

٦٠٩٧ - وعن جابر، قال: دعا رسول الله ﷺ علياً يوم الطائف فانتجاه، فقال الناس: لقد طال نجواه مع ابن عمه، فقال رسول الله ﷺ ((ما انتجيته، ولكن الله انتجاه)) رواه الترمذي [٦٠٩٧]. ٦٠٩٨ - وعن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: ((يا علي! لا يحل لأحد يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك)) قال علي بن المنذر: فقلت لضرار بن صرد: ما معنى هذا الحديث؟ قال: لا يحل لأحد يستطرقه جنباً غيري وغيرك. رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب [٦٠٩٨]. ــ التمثيل أن أخذ العلم والحكمة منه محتص به لا يتجاوزه إلى غيره إلا بواسطته ﵁، لأن الدار إنما يدخل فيها من بابها، وقد قال تعالى: ﴿وليس البر بأن تآتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى، وأتوا البيوت من أبوابها﴾ ولا حجة لهم فيه، إذا ليس دار الجنة بأوسعه من دار الحكمة ولها ثمانية أبواب. الحديث الثامن عن جابر ﵁: قوله: ((انتجاه)) ((نه)): يقال قد تناجينكا مناجاجة وانتجاء، أي أن الله أمري أن أناجيه أقول: كان ذلك أسراراً إلهية وأموراً غيبية جعله (من) خرانها، قال تعالى: ﴿وما رميت إذا رميت ولكن الله رمى﴾. الحديث التاسع عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((لا يحل لأحد يجنب)) [ظاهرة ((أن يجنب))] ليكون فاعلاً لوقله: ((لا يحل))، [وقوله: ((في هذا المسجد))]: ظرف ليجنب، وفيه أشكال، ولذلك أوله ضرار من صرد [صفة لأحد]. ((قض)): ذكر في شرحه: أنه لا يحل لأحد يستطرقه جنباً غيري وغيرك، وهذا إنما يستقيم إذا جعل يجنب صفة لأحد ومتعلق الجار محذوفاً، فيكون تقدير الكلام: لا يحل لأحد تصيبه الجنابة يمر في هذا المسجد غيري وغيرك، وكان ممر دراهما خاصة في المسجد. أقول: والإشارة بقوله: ((في هذا المسجد)) مشعرة بأن له اختصاصاً بهذا الحكم وليس لغيره من

стр. 3223

٦٠٩٩ - وعن أم عطية، قال: بعث رسول الله ﷺ جيشاً فيهم علي، قالت: فسمعت رسول الله ﷺ وهو رافع يديه يقول: ((اللهم لا تمتني حتى تريني علياً)). رواه الترمذي [٦٠٩٩]. الفصل الثالث ٦١٠٠ - عن أم سلمة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((لا يحب عليا منافق، ولا ببغضه مؤمن)). رواه أحمد. رواه أحمد، والترمذي، وقال: هذا حديث حسن، غريب إسناداً [٦١٠٠]. ٦٠١٠ - وعنها، قالت: قال رسول الله ﷺ ((من سب علياً فقد ((سبني)). رواه أحمد [٦١٠١]. ٦١٠٢ - وعن علي [﵁]، قال: قال رسول الله ﷺ : ((فيك مثل عيسى، أبغضته اليهود حتى بهتواً أمه، وأحبته النصارى حتى أنزلوه بالمنزلة التي ليست له)). ثم قال: يهلك في رجلان: محب مفرط يقرظني بما ليس في، ومبغض يحمله شنآني على أن يبهتني. رواه أحمد [٦١٠٢]. ــ المساجد، وليس ذلك إلا لأن باب رسول الله ﷺ يفتح إلى المسجد، وكذا باب علي، ويؤيده حديث ابن عباس ﵄ في الفصل الثالث: (أمر بسد الأبواب إلا باب علي). الفصل الثالث: الحديث الأول إلى الثالث عن علي ﵁: قوله: ((يقرظني)) بالقاف وبتشديد الراء المكسور والظاء المعجمة، ((مح)): التقريظ مدح الحي ووصفه.

стр. 3224

٦١٠٣ - وعن البراء بن عازب، وزيد بن أرقم، أن رسول الله ﷺ لما نزل بغدير خم أخذ بيد علي فقال: ((ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟)). قالوا: بلى قال: ((ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن من نفسه؟)). قالوا بلى، قال: ((اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه)). فلقيه عمر بعد ذلك، فقال له: هنيئاً يا بن أبي طالب! أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة. رواه أحمد [٦١٠٣]. ٦١٠٤ - وعن بريدة، قال: خطب أبو بكر وعمر فاطمة، فقال رسول الله ﷺ : ((إنها صغيرة)) ثم خطبها علي فزوجها منه)) رواه النسائي [٦١٠٤]. ٦١٠٥ - وعن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ أمر بسد الأبواب إلا باب علي. رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب [٦١٠٥]. ٦١٠٦ - وعن علي، قال: كانت لي منزلة من رسول الله ﷺ لم تكن لأحد من الخلائق، آتية بأعلى سحر، فأقول: السلام عليك يا نبي الله! فإن تنحنح انصرفت إلى أهلي، وإلا دخلت عليه. رواه النسائي [٦١٠٦]. ــ الحديث الرابع عن البراء ﵁: قوله: ((بغد يرخم)) ((مح)): هو بضم الخاء المعجمة وتشديد الميم، اسم لغيطة على ثلاثة أيال من الجحفة، عندها غدير مشهور يضاف إلى الغيضة. [قوله: ((ألستم تعلمون أني] أولى بالمؤمنين من أنفيهم)) يعي به قول الله تعالى: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾ أطلق فلم يعرف لأي شيء هو أولى بهم من أنفسهم، ثم قيد بقوله: ﴿وأءواجه أمهاتهم﴾ ليؤذن بأنه بمزلة الأب وأواجه بمنزلة الأمهات، وتؤيده قراءة ابن مسعود: ((النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم))، وقال مجاهد: كل نبي هو أبو أمته، ولذا صار المؤمنون إخوة، فإذن (وقع) النسبية في قوله: ((من كنت مولاه فعلي مولاه)) في كونه كالأب، فيجب على الأمة احترامه وتوقيره وبره، وعليه أن يشفق عليهم ويرأف بهم رأفة الوالد على الأولاد، ولذلك هنأة عمر بقوله: ((هنيئاً يا ابن أبي طالب! أصبحت وأسيت مولى ك مؤمن ومؤمنة)).

стр. 3225

٦١٠٧ - وعنه، قال كنت شاكياً، فمر بي رسول الله ﷺ وأنا أقول: اللهم إن كان أجلي قد حضر، فأرحني وإن كان متأخراً فارفعني، وإن كان بلاء فصبرني. فقال رسول الله ﷺ كيف قلت)) فأعاد عليه ما قال، فضربه برجله وقال: ((اللهم عافه- أو اشفه)) شك الراوي قال: فما اشتكيت وجعي بعد. رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح [٦١٠٧]. (٩) باب مناقب العشرة ﵃ الفصل الأول ٦١٠٨ - عن عمر ﵁، قال: ما أحد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، فسمي علياً، وعثمان، والزبير، وطلحة، وسعداً، وعبد الرحمن. رواه البخاري. ٦١٠٩ - وعن قيس بن أبي حازم. قال: رأيت يد طلحة شلاء وقي بها النبي، يوم أحد. رواه البخاري. ــ الحديث الخامس إلى آخر الفصل عن علي ﵁: قوله: ((فارفغني)) هو بالغين المعجمة، أي وسع لي عيشي. [تو:] في حديث علي ﵁: أرفغ لكم المعاش، أي أوسع، وعيش رافغ أي واسع. باب مناقب العشرة المبشرة ﵃ الفصل الأول الحديث الأول عن عمر ﵁: قوله: ((بهذا الأمر)) أي بالخلافة، قال يوم الشورى عند وفاته، وعلل الأحقية بقوله: ((توفي
следующие страницы →