← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122257

شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن

الطيبي

Полный текст (3 308 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

الترمذي: هذا حديث غريب، والحارث بن وجيه الراوي وهو شيخ، ليس بذلك. [٤٤٣] ٤٤٤ - وعن علي، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من ترك موضع شعرة من جنابة لم يغسلها فعل بها كذا وكذا من النار)). قوال علي: فمن ثم عاديت رأسي، فمن ثم عاديت رأسي، فمن ثم عاديت رأسي، ثلاثاً، رواه أبو داود، وأحمد، والدارمي، إلا أنهما لم يكررا: فمن ثم عاديت رأسي. [٤٤٤] ٤٤٥ - وعن عائشة: ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ لا يتوضأ بعد الغسل. رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. [٤٤٥] ــ قوله: ((وهو شيخ ليس بذاك)) أي كبر وغلب عليه النسيان والغفلة، وليس بذاك الذي يوثق به، أي روايته ليست بقوية. الحديث الرابع عن علي ﵁: قوله: ((من جنابة)) متعلق بـ ((ترك))، و ((لم يغسلها)) صفة ((موضع شعرة))، أنت الضمير باعتبار المضاف إليه، وهذا يقوى ما ذهبنا إليه في تفسير قوله: ((تحت كل شعرة جنابة، وقوله: ((كذا وكذا)) كناية عن العدد مثل كم، كما أن كيت وكيت كناية عن الحالة والقصة، أي يضاعف العذاب أضعافاً كثيرة، وأخرج الفعل علي ما لم يسم فاعله، وكنى بكذا عن العدد- ليدل علي فظاعته وشدته، ومن ثم بالغ علي رضي اله عنه في قوله: ((عاديت)) حيث عدل من الشعر إلي الرأس، واستعار المعاداة للحلق تمثلاً لرأسه بالعدو والمناوئ، يعني فعلت برأسي ما يفعل العدو بالعدو، من استئصال الشعر وقطع دابره، مخافة عدم وصول الماء إلي موضع شعره. ذكر في الغريبين أنه حكى أبو عدنان عن أبي عبيدة معمر بن المثنى ((عاديت شعري))، أي رفعته عند الغسل، وعاديت الشيء باعدته. ويعضد ما ذكرنا من استئصال الشعر ما رواه الدارمي في آخر هذا الحديث: ((وكان علي ﵁ يجز شعره))، وفيه أن المداومة علي حلق الرأس سنة؛ لأنه ﷺ قرره علي ذلك، ولأنه رضوان الله عليه من الخلفاء الراشدين المهديين الذين أمرنا بإتباع سنتهم، والعض عليها بالنواجذ. الحديث الخامس عن عائشة ﵂: قوله: ((لا يتوضأ)) ((مظ)): هذا يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم

стр. 387

٤٤٦ - وعنها، قالت: كان النبي ﷺ يغسل رأسه بالخطمى وهو جنب يجتزئ بذلك ولا يصب عليه الماء. رواه أبو داود [٤٤٦]. ٤٤٧ - وعن يعلي، قال: إن رسول الله ﷺ رأي رجلاً يغتسل بالبراز، فصعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: ((إن الله حيي ستير يحب الحياء والتستر، فإذا اغتسل أحدكم؛ فليستتر)). رواه أبو داود، والنسائي وفي راويته، قال: ((إن الله ستير، فإذا أراد أحدكم أن يغتسل فليتوار بشيء)) [٤٤٧]. الفصل الثالث ٤٤٨ - عن أبي بن كعب، قال: إنما كان الماء من الماء رخصة في أول الإسلام، ــ اكتفي بوضوء قبل الغسل، وأنه ﷺ ويكتفي بالنية عن الوضوء، فإنه إذا ارتفع الحدث الأكبر يندرج تحته الأصغر، والحكم كذلك في الفقه. الحديث السادس عن عائشة ﵂: قوله: ((الخطمي)) - بالكسر- نبت يغسل به الرأس، و ((يجتزئ)) به أي يقتصر عليه، ((قض)): فيه تسامح فإن ظاهره يدل علي أنه كان يقتصر علي استعمال الماء المخلوط بالخطمى، ومن المعلم أن الذي يغسل رأسه به يفيض الماء علي رأسه بعده مراراً ليزيل أثره، فلعله أراد أنه ﵇ يقتصر علي ما يزيله ولا يفيض بعد إزالته ماء مجدداً للغسل، والله أعلم. وكذا في النهاية. أقول: إن من عادة الناس في الاستحمام أن يبدأوا بتنقية البدن بالماء والخطمى، ثم بعد ذلك ينوون رفع الجنابة، ويصبون علي رؤوسهم بما يختصونه بالغسل، والنبي ﷺ كان يكتفي بالأول. الحديث السابع عن يعلي: قوله: ((حيي ستير)) ((تو)): المعنى إن الله تبارك وتعالي تارك للمقابح، ساتر للعيوب والفضائح، يحب الحياء والتستر من العبد، لأنهما خصلتان تقضيان به إلي التخلق بأخلاق الله. أقول: هذا من باب التعريض، وصف الله تعالي بالحيي والستير تهجياً لفعل الرجل، وحثاً له علي تحري الحياء والتستر، كقوله تعالي: ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به﴾. وصفهم بالإيمان به- وليسوا ممن لا يؤمن- حثاً للمؤمنين علي الاتصاف بصفات الملائكة المقربين من الإيمان بالله. الفصل الثالث الحديث الأول عن أبي بن كعب: قوله: ((إنما كان الماء)) سبق شرحه في الحديث الثاني من الباب الثاني.

стр. 388

ثم نهي عنها، رواه الترمذي، وأبو داود، والدارمي. [٤٤٨] ٤٤٩ - وعن علي، قال: جاء رجل إلي النبي ﷺ فقال: إني اغتسلت من الجنابة، وصليت الفجر، فرأيت قدر موضع الظفر لم يصبه الماء. فقال رسول الله صلي الله عليه نسلم: ((لو كنت مسحت عليه بيدك أجزأك)). رواه ابن ماجه. [٤٤٩] ٤٥٠ - وعن ابن عمر، قال: كان الصلاة خمسين، والغسل من الجنابة سبع مرات، وغسل البول من الثوب سبع مرات، فلم يزل رسول الله ﷺ يسأل، حتى جعلت الصلاة خمساً. وغسل الجنابة مرة، وغسل الثوب من البول مرة، رواه أبو داود. (٧) باب مخالطة الجنب وما يباح له الفصل الأول ٤٥١ - عن أبي هريرة [﵁]، قال: لقيني رسول الله ﷺ وأنا جنب، فأخذ بيدي، فمشيت معه حتى قعد، فانسللت فأتيت الرحل، فاغتسلت ثم ــ الحديث الثاني عن علي ﵁. قوله: ((لو كنت مسحت)) قد تقرر أن ((لو)) لامتناع الشيء لامتناع غيره، فالمعنى أنه لم يجزئك الغسل، لأنك في زمان الغسل ما مسحت بالماء علي ذلك الموضع، وفيه [أنه يلزمه] الغسل جديداً وقضاء الصلاة. الحديث الثالث عن ابن عمر ﵄: قوله: ((كانت الصلاة)) يعني ليلة المعراج؛ لأن الله تعالي فرض علي هذه الأمة خمسين صلاة، لا أنهم صلوا خمسين، والحديث مشهور. باب مخالطة الجنب الفصل الأول الحديث الأول عن أبي هريرة: قوله: ((وأنا جنب)) ((نه)): أجنب يجنب إجناباً، إذا صار جنباً، والجنابة الاسم، وهي في الأصل البعد، وسمي الإنسان جنباً لأنه نهي أن يقرب مواضع الصلاة ما لم يتطهر، وقيل: لمجانبة الناس. قوله: ((فانسللت)) ((نه)): أي مضيت وخرجت بتأن وتدريج. ((مظ)): ((الرحل)) أي ما بين

стр. 389

جئت، وهو قاعد. فقال: ((أين كنت يا أبا [هريرة]؟)) فقلت له، فقال: (([سبحان الله! إن] المؤمن لا ينجس)). هذا لفظ البخاري، ولمسلم معناه، وزاد بعد قوله: فقلت له: لقد لقيتني وأنا جنب، فكرهت أن أجالسك حتى أغتسل. وكذا البخاري في رواية أخرى. ٤٥٢ - عن ابن عمر، قال: ذكر عمر بن الخطاب لرسول الله ﷺ أنه تصيبه الجنابة من الليل، فقال له رسول الله ﷺ : ((توضأ، واغسل ذكرك، ثم نم)). متفق عليه. ٤٥٣ - (٣) وعن عائشة، ﵂. قالت: كان النبي ﷺ إذا كان جنباً فأراد أن يأكل أو ينام، توضأ وضوءه للصلاة. متفق عليه. ٤٥٤ - (٤) وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أتى أحدكم أهله، ثم أراد أن يعود؛ فليتوضأ بينهما وضوءاً)). رواه مسلم. ٤٥٥ - (٥) وعن أنس، قال: كان النبي ﷺ يطوف علي نسائه بغسل واحد. رواه مسلم. ــ الرحل، وهو ما كان مع المسافر من الأقمشة، والرحل أيضاً الموضع الذي نزل فيه القوم. ((حس))، فيه جواز مصافحة الجنب ومخالطته، وهو قول عامة أهل العلم، واتفقوا علي طهارة عرق الجنب والحائض. وفيه دليل علي جواز تأخير الاغتسال للجنب، وأن يسعى في حوائجه. ((قض)): يمكن أن يحتج به علي من قال: الحدث نجاسة حكمية، وأن من وجب عليه وضوء أو غسل فهو نجس حكماً. [الحديث الثاني عن ابن عمر- ﵄ قوله: ((توضأ، واغسل)) عطف ((واغسل)) علي ((توضأ)) وفيه دليل علي أن الواو لمطلق الجمعية؛ لأن الغسل مقدم علي الوضوء، ولذا قدم الوضوء اهتماماً بشأنه وتبركاً] الحديث الثالث، والرابع عن أبي سعيد قوله: ((توضأ وضوء)) إنما أتى بالمصدر تأكيداً؛ لئلا يتوهم أن المراد بالوضوء غير المتعارف، كما في الأصل، وهذا يعضده الحديث السابق: ((توضأ وضوءه للصلاة)). الحديث الخامس عن أنس: قوله: ((يطوف بغسل واحد)) ((مح)): فإن قيل: أقل القسم ليلة لكل امرأة، فكيف طاف علي الجميع في ليلة واحدة؟ والجواب أن القسم في حقه ﷺ هل كان واجباً دائماً؟ فيه خلاف. قال أبو سعيد الاصطخري: لم يكن واجباً، وإنما كان القسم بالسوية منه تكرماً وتبرعاً، والأكثرون علي أنه واجب، فعلي هذا كان طوافه ﷺ عليهن برضاهن، وأما الطواف بغسل واحد فيحتمل أنه ﷺ توضأ بينهما.

стр. 390

٤٥٦ - (٦) وعن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ يذكر الله علي كل أحيانه. رواه مسلم. وحديث ابن عباس سنذكره في كتاب الأطعمة، إن شاء الله تعالي. الفصل الثاني ٤٥٧ - عن ابن عباس، قال: اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ في جفنة، فأراد رسول الله ﷺ أن يتوضأ منه، فقالت: يا رسول الله! إني كنت جنباً، فقال: ((إن الماء لا يجنب)) رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه، وروى الدارمي نحوه [٤٥٧]. ٤٥٨ - وفي ((شرح السنة)) عنه، عن ميمونة، بلفظ ((المصابيح)). [٤٥٨] ــ الحديث السادس عن عائشة: قوله: ((علي كل أحيانه)) ((مح)): الذكر نوعان: قلبي، ولسإني، والأول أعلاهما، وهو المراد في الحديث، وفي قوله تعالي: ﴿اذكروا الله ذكراً كثيراً﴾، وهو أن لا ينسى الله علي كل حال، وكان النبي ﷺ حظ وافر من هذين النوعين، إلا في حالة الجنابة ودخول الخلاء، فإنه يقتصر فيهما علي النوع الأعلي، الذي لا أثر فيه للجنابة، ولذلك إذا خرج من الخلاء يقول: ((غفرانك)). الفصل الثاني الحديث الأول عن ابن عباس: قوله: ((اغتسل في جفنة)) حال، أي مدخلة يدها في جفنة، ليطابق قوله: ((إن الماء لا يجنب)). ((تو)): أي الماء إذا غمس فيه الجنب يده لم ينجس، وإنما قال ذلك لأن القوم كانوا حديثي العهد بالإسلام وقد أمروا بالاغتسال من الجنابة، كما أمروا بتطهير البدن عن النجاسة، فربما سبق إلي فهم بعضهم أن العضو الذي عليه الجنابة في سائر الأحكام كالعضو الذي عليه النجاسة، فيحكم بجنابة الماء من غمس عضو الجنب فيه، كما يحكم بنجاسته من غمس النجس فيه، فبين لهم أن الأمر بخلاف ذلك- انتهي كلامه. فإن قلت: كيف الجمع بين هذا الحديث وبين حديث حميد في الفصل الثالث: ((نهي رسول الله ﷺ أن يغتسل الرجل بفضل المرأة))؟ قلت: هذا الحديث يدل علي الجواز، وذلك علي ترك الأولي، فالنهي تنزيه لا تحريم.

стр. 391

٤٥٩ - وعن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يغتسل من الجنابة، ثم يستدفئ بي قبل أن أغتسل. رواه ابن ماجه، وروى الترمذي نحوه [٤٥٩]. وفي ((شرح السنة)) بلفظ ((المصابيح)). ٤٦٠ - وعن علي، قال: كان النبي ﷺ يخرج من الخلاء فيقرئنا القرآن، ويأكل معنا اللحم، ولم يكن يحجبه- أو يحجزه- عن القرآن شيء ليس الجنابة رواه أبو داود، والنسائي. وروى ابن ماجه نحوه [٤٦٠]. ٤٦١ - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن)). رواه الترمذي [٤٦١]. ــ الحديث الثاني عن عائشة: قوله: ((يستدفئ بي)) أي يطلب مني الحرارة، ومنها قوله تعالي: ﴿ولكم فيها دفء﴾ أي تتخذون من أوبارها وأصوافها ما تستدفئون به. وفيه أن بشرة الجنب طاهرة؛ لأن الاستدفاء إنما يحصل من مس البشرة البشرة. الحديث الثالث عن علي ﵁: قوله: ((ويأكل معنا اللحم)) لعل انضمام أكل اللحم مع قراءة القرآن للإشعار بجواز الجمع بينهما من غير وضوء أو مضمضة كما في الصلاة. ((تو)): ((ليس)) بمعنى ((إلا))، تقول: ما جاءني القوم ليس زيداً. ويضمر اسمها فيها، وينصب خبرها بها، كأنك قلت: ليس الجائي زيداً، مكان قولك: جاءني القوم ليس زيداً. ((حس)): اتفقوا علي أن الجنب لا يجوز له قراءة القرآن، وهو قول ابن عباس. وقال عطاء: الحائض لا تقرأ

стр. 392

٤٦٢ - وعن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((وجهوا هذه البيوت عن المسجد، فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب)). رواه أبو داود [٤٦٢]. ٤٦٣ - وعن علي، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة ولا كلب ولا جنب)). رواه أبو داود، والنسائي [٤٦٣]. ــ القرآن، إلا طرف آية، والأحسن أن يتطهر الجنب والحائض لذكر الله تعالي، فإن لم يجدا ماءاً فتيمماً. الحديث الرابع، الخامس عن عائشة ﵂: قوله: ((وجهوا)) ((الجوهري)): الوجه والوجهة بمعنى، والهاء عوض من الواو، والمواجهة المقابلة، ووجهت وجهي لله، فعدى في الحديث ((بعن)) الدلالة علي معنى الصرف، يقال: وجه عنه، أي صرف عنه، ووجه إليه، أي أقبل. وفي إيراد اسم الإشارة إشارة إلي تحقير تلك البيوت، وتعظيم شأن المساجد، أي لا يصح ولا يستقيم أن تكون المساجد ممراً لتلك البيوت، وقوله: ((فإني لا أحل)) إلي آخره بيان للوصف الذي يرد علي الحكم السابق، وعلة له، ولذلك وضع المسجد مقام الضمير. ((حس)): لا يجوز للجنب ولا للحائض المكث في المسجد، وبه قال الشافعي وأصحاب أبي حنيفة، وجوز الشافعي المرور فيه، وبه قال مالك، وجوز أحمد والمزني المكث أيضاً، وأولوا ﴿عابري سبيل﴾ بالمسافرين يصيبهم الجنابة فيتيممون ويصلون. وقال ابن الحاجب في تفريعة: الجنابة تمنع دخول المسجد وإن كان عابراً علي الأشهر- انتهي كلامه. وفسروا ﴿عابري سبيل﴾ بالمسافرين. وأقول: الوجه أن يقدر مضاف، ويفسر ﴿عابري سبيل﴾ بالمار في المسجد، و ﴿إلا﴾ بمعنى ((غير)) صفة لـ ﴿جنباً﴾، أي لا تقربوا مواضع الصلاة جنباً غير عابري سبيل، فيدل المفهوم علي جواز مرور الجنب في المسجد، فعلي هذا يحسن العطف بقوله: ﴿وإن كنتم مرضي أو علي سفر﴾ عليه لكونه في معنى الشرط، أي لا تقربوا موضع الصلاة إن كنتم مجنيين حتى تغتسلوا، وإن كنتم مرضي إلي آخره، فيطابق ما في المائدة: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا وإن كنتم مرضي﴾ الآية. فإن السابق في كليهما في شأن الواجدين للماء غير معذورين، واللاحق فيهما في المعذورين. الحديث السادس عن علي ﵁ قوله: ((لا تدخل الملائكة)) الشارحون: المراد بـ ((الملائكة)) الملائكة النازلون بالبركة والرحمة، الذين يطوفون علي العباد للزيارة واستماع الذكر، دون الكتبة؛ فإنهم لا يفارقون المكلفين طرفة عين في أحوالهم السيئة والحسنة؛ لقوله تعالي: ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾، وقوله ﵊: ((فإن معكم من لا

стр. 393

٤٦٤ - وعن عمار بن ياسر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثلاث لا تقربهم الملائكة: جيفة الكافر، والمتضمخ بالخلوق، والجنب إلا أن يتوضأ)). رواه أبو داود [٤٦٤]. ــ يفارقكم، فاتقوا الله واستحيوا منهم)). أما امتناعهم عن البيت الذي فيه الصورة فلحرمة الصورة، ومشابهة ذلك البيت بيوت الأصنام، وهذا اللفظ عام، لكن خص بما هو منبوذ يوطأ ويداس؛ فإن الرخصة وردت فيه. وأما امتناعهم عن البيت الذي فيه كلب فلأنه نجس، حيث قال ﵊: ((الكلب خبيث)) والملائكة أشرف خلق الله، وهم المكرمون الممكنون من أعلي مراتب الطهارة، وبينهما تضاد كما بين النور والظلمة، ومن ساوى نفسه بالكلاب فحقيق أن ينفر عن بيته الملائكة، واستثنى عن عمومه كل الماشية، والزرع، والصيد؛ لمسيس الحاجة. وأما امتناعهم عن البيت الذي فيه الجنب، فلأنه ممنوع عن معظم العبادات، والمراد به الجنب الذي يتهاون في الغسل، ويؤخره حتى يمر عليه وقت الصلاة، ويجعل ذلك دأباً وعادة له، فإنه مستخف بالشرع، متساهل في الدين، لا أي جنب كان؛ لما ثبت من تأخيره ﵊ غسل الجنابة من موجبه زماناً، فإنه ﷺ كان يطوف علي نسائه بغسل واحد، وكان ينام بالليل وهو جنب. وأقول: لعل الاقتران في المذكور لعلة النجاسة عيناً أو حكماً، فإن الشرك نجاسة ﴿إنما المشركون نجس﴾، حيث جعلوا الأصنام شركاء لله، والمصور يجعل نفسه شريكاً لله في التصوير، ومن امتنع من عبادة الله تعالي وتقاعد عنها وتكاسل فيها فهو ملحق بمن عبد غير الله تعالي تغليظاً؛ لن الخلق إنما خلقوا لعبادة الله، ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾، وقرن بالكلب لخسته، وأنه مال إلي الطبيعة والعالم السفلي، ولم يرتفع إلي العالم العلوي ليشابه الملائكة المقربين، ﴿ولكنه أخلد إلي الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب﴾. الحديث السابع عن عمار ﵁: قوله: ((المتضمخ)) ((تو)): الضمخ التلطخ والإكثار منه حتى يقطر، و ((الخلوق)) طيب يتخذ من الزعفران، وإنما استحق أن لا تقربه الملائكة لأنه توسع في الرعونة، وتشبه بالنساء، مع أنه خالف الرسول ﷺ ولم ينته عما نهاه عنه. أقول: أما اقتران الجنب بالكافر وتصريح الجيفة بدل الميت تغليظاً فقد سبق بيانه، وأما ((المتضمخ بالخلوق)) فإنه لما خالق السنة، وابتع هواه، وظن أن ما فعله حسن فهو بالمخالفة نجس ونزل منزلة جيفة الكافر، ووضع موضع الكلب في الحديث السابق. وفيه إشعار بأن من خالف الكتاب والسنة وإن كان في الظاهر مزيناً مطيباً مكرماً عند الناس فهو في الحقيقة أخس من الكلب، وأدون، والله أعلم.

стр. 394

٤٦٥ - وعن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم ((أن لا يمس القرآن إلا طاهر)) رواه مالك والدارقطني [٤٦٥]. ٤٦٦ - وعن نافع، قال: انطلقت مع ابن عمر في حاجة، فقضى ابن عمر حاجته، وكان من حديثه يومئذ أن قال: مر رجل في سكة من السكك، فلقي رسول الله ﷺ وقد خرج من غائط أو بول، فسلم عليه، فلم يرد عليه، حتى إذا كاد الرجل أن يتوارى في السكة، ضرب رسول الله ﷺ بيديه علي الحائط ومسح بهما علي وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى، فمسح ذراعيه، ثم رد علي الرجل السلام، وقال: ((إنه لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلا إني لم أكن علي طهر)). رواه أبو داود [٤٦٦]. ــ الحديث الثامن عن عبد الله: قوله: ((وأن لا يمس القرآن)) أخرج الجملة مخرج الحصر، وخص (بما وإلا)، وقد صرح الزجاج في قوله تعالي: ﴿فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً﴾ بأن هذا التركيب يفيد التأكيد والشمول، كما تفيده صيغ المؤكدات، فلا تحتمل المجاز. والحديث بيان لقوله تعالي: ﴿إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون﴾ فإن الضمير في ﴿لا يمسه﴾ يحتمل أن يرجع إلي القرآن و ((لا)) ناهية و ﴿المطهرون﴾ هم الناس، وأن يرجع إلي الكتاب المعني به اللوح المحفوظ، ولا نافية، ((والمطهرون)) هم الملائكة، فالحديث كشف عن المراد، وأن الهي وارد علي الناس، ويعضده مقام مدح القرآن الكريم، وبكونه ثابتاً في اللوح المحفوظ، يكون الحكم بقوله: ﴿لا يمسه﴾ مرتباً علي الوصفين المناسبين للقرآن المشعرين بالعلية، والله أعلم. الحديث التاسع والعاشر، عن نافع: قوله: ((في حاجة)) أي في شأن حاجة، والتنكير فيها للشيوع، لعل ما بعدها يقيدها بقضاء الحاجة. وقوله: ((أن قال)) بدل من حديثه، أي كان من قوله كذا. و ((خرج من غائط)) أي فرغ منه، فتجوز فيه؛ لأن الخروج إنما يكون بعد الفراغ. و ((ضرب بيديه)) جواب ((إذا))، و ((حتى)) هي الداخلة علي الجملة الشرطية ولعل هذا الحائط كان قد علاه الغبار؛ ليصح التيمم به عند الشافعي، وإلا فهو صحيح عند أبي حنيفة. وفيه أن من شرط ذكر الله أن يكون الذاكر طاهراً كيف ما كان، وأن ذكر الله وإن لم يكن صريحاً- كما في السلام- ينبغي أن يكون علي الطهارة، فإن المراد هنا السلامة، لكنه مظنة لأن يكون اسماً من أسماء الله تعالي. ((حس)): فيه بيان أن رد السلام وإن كان واجباً، فالمسلم علي الرجل في مثل

стр. 395

٤٦٧ - وعن المهاجر بن قنفذ: أنه أتى النبي ﷺ وهو يبول، فسلم عليه، فلم يرد عليه حتى يتوضأ، ثم اعتذر إليه، وقال: ((إني كرهت أن أذكر الله إلا علي طهر)). رواه أبو داود. وروى النسائي إلي قوله: حتى توضأ. وقال: فلما توضأ رد عليه [٤٦٧]. الفصل الثالث ٤٦٨ - عن أم سلمة، ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ يجنب، ثم ينام، ثم ينتبه، ثم ينام، رواه أحمد [٤٦٨]. ٤٦٩ - وعن شعبة، قال: إن ابن عباس ﵁ كان إذا اغتسل من الجنابة، يفرغ بيده اليمنى علي يده اليسرى سبع مرار، ثم يغسل فرجه، فنسى مرة كم أفرغ، فسألني: فقلت لا أدري. فقال: لا أم لك! وما يمنعك أن تدري؟ ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يفيض علي جلده الماء، ثم يقول: هكذا كان رسول الله ﷺ يتطهر. رواه أبو داود [٤٦٩]. ــ هذه الحالة مضيع حظ نفسه؛ فلا يستحق الجواب. وفيه دليل علي كراهة الكلام علي قضاء الحاجة، وعلي أن التيمم في الحضر لرد السلام مشروع. ((مظ)): فيه دليل علي أن من قصر في جواب السلام بعذر يستحب أن يعتذر إليه، حتى لا ينسبه إلي الكبر، وعلي وجوب رد السلام؛ لأن تأخره للعذر يؤذن بوجوبه. الفصل الثالث الحديث الأول ظاهر. الحديث الثاني عن شعبة: قوله: ((لا أم لك)) ((نه)): ولا [أبالك]، وهو أكثر ما يذكر في المدح، أي لا كافي لك غير نفسك، وقد يذكر في معرض الذم، كما يقال: لا أم لك، وفي معرض التعجب ودفعاً للعين، كقولهم: لله درك، في معنى جد في أمرك وشمر؛ لأن من له أب اتكل عليه في بعض شأنه. أقول: إنما جاء الفرق بين ((لا أب لك)) و ((لا أم لك)) لأن الأب إذا فقد دل علي استقلال الابن؛ لأنه هو القائم في أمر ولده ما دام حياً، فإذا مات استقل هو بنفسه، لكن الأم منسوب إليها الرفق والشفقة، ففقدانها ذم له، وما في الحديث وارد علي الذم، لما أتبعه من قوله: ((وما يمنعك أن تدري))، والواو في ((وما يمنعك)) عطف للجملة الاستفهامية علي جملة الدعاء، والجامع كونهما إنشائيتين.

стр. 396

٤٧٠ - وعن أبي رافع، قال: إن رسول الله ﷺ طاف ذات يوم علي نسائه، يغتسل عند هذه، وعند هذه، قال: فقلت له: يا رسول الله! ألا تجعله غسلاً واحداً آخراً؟ قال: ((هذا أزكى وأطيب وأطهر)). رواه أحمد، وأبو داود [٤٧٠]. ٤٧١ - وعن الحكم بن عمرو، قال: نهي رسول الله ﷺ أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة. رواه أبو داود، وابن ماجه، والترمذي وزاد: أو قال: ((بسؤرها)) وقال: هذا حديث حسن صحيح [٤٧١]. ٤٧٢ - وعن حميد الحميري. قال: لقيت رجلاً صحب النبي ﷺ أربع سنين، كما صحبه أبو هريرة، قال: نهي رسول الله ﷺ أن يغتسل المرأة بفضل الرجل، أو يغتسل الرجل بفضل المرأة)). زاد مسدد: وليغترفا جميعاً. رواه أبو داود، والنسائي، وزاد أحمد في أوله: ((نهي أن يمتشط أحدنا كل يوم أو يبول في مغتسله)) [٤٧٢]. ٤٧٣ - رواه ابن ماجه عن عبد الله بن سرجس [٤٧٣]. (٨) باب المياه الفصل الأول ٤٧٤ - عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه)). متفق عليه. ــ الحديث الثالث عن أبي رافع: قوله: ((أزكى وأطيب وأطهر)) التطهر مناسب للظاهر، والتزكية والتطيب للباطن، فالأولي لإزالة الأخلاق الذميمة، والأخرى للتحلي بالشيم الحميدة. الحديث الرابع عن الحكم: قوله: ((أو قال: بسؤرها)) شك الراوي أنه ﷺ قال: بفضل طهور المرأة أو بسؤرها. وهو بالهمز: بقية الشيء الطاهر وقد سبق في الحديث العاشر من الفصل الأول من باب الغسل أن الماء الذي غمس فيه الجنب يده طاهر مطهر. الحديث الخامس ظاهر. باب أحكام المياه الفصل الأول الحديث الأول عن أبي هريرة: قوله: ((الدائم)) ((فا)): هو الساكن، دائم الماء يدون، وأدمته أنا، ومنه: يدوم الطائر، وهو أن يترك الخفقان بجناحيه في الهواء، ودوام الشيء مكثه

стр. 397

وفي رواية لمسلم، قال: لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب)). قالوا: كيف يفعل يا أبا هريرة)) قال: يتناوله تناولاً. ــ وسكونه. ((قض)): ((الذي لا يجري)) صفة ثإنية تؤكد الأولي، و ((ثم يغتسل فيه)) عطف علي الصلة، وترتيب الحكم علي ذلك يشعر بأن الموجب للمنع أنه يتنجس به، فلا يجوز الاغتسال به، وتخصيصه بالدائم يفهم منه أن الجاري لا يتنجس إلا بالتغير. أقول: لعله امتنع من العطف علي ((يبولن)) وارتكب هذا [التعسف] للاختلاف بين الإنشائي والإخباري، والمعنى عليه أظهر فيكون ((ثم)) مثل الواو في ((لا تأكل السمك وتشرب اللبن)) عطف الاسم علي الفعل علي تأويل الاسم، أي لا يكن منك أكل السمك وشرب اللبن، أي لا تجمع بينهما؛ لأن الاغتسال في الماء الدائم وحده غير منهي، أو مثل الفاء في قوله تعالي: ﴿ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي﴾، أي لا يكن من أحد البول في الماء الموصوف ثم الاغتسال فيه، فـ ((ثم)) استبعادية، أي يبعد من العاقل الجمع بين هذين الأمرين. فإن قلت: علام تعتمد في نصب ((يغتسل)) حتى يتمشى لك هذا المعنى؟ قلت: إذا قوى المعنى لا يضر الفرع؛ لأنه حينئذ من باب: [أحضر الوغى]. ((مح)): الرواية ((يغتسل)) مرفوع، أي لا تبل ثم أنت تغتسل، وذكر أبو عبد الله بن مالك أنه يجوز جزمه عطفاً علي موضع ((يبولن)) ونصبه بإضمار ((أن))، وإعطاء ((ثم)) حكم واو الجمع، قال: أما النصب فلا يجوز؛ لأنه يقتضي أن المنهي عنه الجمع بينهما دون إفراد أحدهما، وهذا لم يقله أحد، بل البول فيه منهي عنه، سواء أريد الاغتسال منه أم لا. أقول: في قوله: ((أما النصب فلا يجوز)) نظراً؛ لما جاء في التنزيل: ﴿ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق﴾ والواو للجمع، والمنهي هنا الجمع والإفراد، بخلاف قولهم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن. ((مظ)): وجه النهي عن البول في الماء الواقف أن الماء إن كان دون القلتين يتنجس، وإن كان قلتين فلعله يتغير فيتنجس، وإلا فيتنجس بسبب تعاقب الناس عليه بالبول تأسياً بفعله. ((حس)): وفيه دليل علي أن الجنب إذا أدخل يده فيه لتناول الماء لا يتغير به حكم الماء، وإن أدخل فيه ليغسلها من الجنابة تغير الحكمة. ((وفي رواية لمسلم)) أي لمسلم روايتين: إحداهما متفق عليها، وثإنيتهما هذه.

стр. 398

٤٧٥ - وعن جابر. قال: نهي رسول الله ﷺ أن يبال في الماء الراكد. رواه مسلم. ٤٧٦ - وعن السائب بن يزيد، قال: ذهبت بي خالتي إلي النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! إن ابن أختي وجع. فمسح رأسي، ودعا لي بالبركة ثم توضأ، فشربت من وضوئه، ثم قمت خلف ظهره، فنظرت إلي خاتم النبوة بين كتفيه مثل زر الحجلة. متفق عليه. ــ ((قض)): ((لا يغتسل أحدكم في الماء وهو جنب)) وتقييد الحكم بالحال يدل علي أن المستعمل في غسل الجنابة إذا كان راكداً لا يبقى علي ما كان، وإلا لم يكن للنهي المقيد فائدة، وذلك إما بزوال الطهارة كما قاله أبو حنيفة، أو بزوال الطهورية كما قال الشافعي في الجديد. ((مح)): هذا النهي في بعض المياه للتحريم، وفي بعضها للكراهة، فإن كان الماء كثيراً جارياً لم يحرم البول فيه؛ لمفهوم الحديث، ولكن الأولي اجتنابه. وإن كان قليلاً جارياً، فقيل: يكره، والمختار أنه يحرم؛ لأنه ينجسه. وإن كان كثيراً راكداً فقال أصحابنا: يكره ولا يحرم، ولو قيل: يحرم لم يكن بعيداً؛ فإن النهي يقتضي التحريم علي المختار، إذ ربما أدت إلي تنجسه بالإجماع لتغيره، أو إلي تنجسه عند أبي حنيفة ومن وافقه في أن الغدير الذي يتحرك طرفه بتحرك الطرف الآخر ينجس بوقوع نجاسة فيه، وأما الراكد القليل فقد أطلق جماعة من أصحابنا أنه مكروه، والصواب المختار أنه يحرم البول فيه؛ لأنه ينجسه. قال أصحابنا وغيرهم: التغوط في الماء كالبول فيه وأقبح. الحديث الثاني، والثالث عن السائب بن يزيد: قوله: ((وجع)) الوجع المرض، وجع فلان يوجع [وينجع] وياجع فهو وجع، أي مريض. وقوله: ((فشربت من وضوئه)) ((قض)): يجوز أن يكون المراد به فضل وضوئه، وأن يكون المراد ما انفصل من أعضاء وضوئه، وعلي هذا يكون دليلاً علي طهارة المستعمل، وللمانع أن يحمله علي التداوي. ((وخاتم النبوة)) أثر كان بين كتفيه، نعت به في الكتب المتقدمة، وكان علامة يعلم بها أنه النبي الموعود المبشر به في تلك الكتب، وصيانة لنبوته عن تطرق التكذيب والقدح إليها، صيانة الشيء المستوثق بالختم. قوله: ((زر الحجلة)) ((تو)): الرواية بتقديم الزاي المنقوطة علي الراء المهملة المشددة، و ((الحجلة)) - بتحريك الجيم- قيل: إن المراد به واحد الأزرار التي يشد بها حجال العرائس من الكلل والستور، وهذا بعيد من طريق البلاغة، قاصر في التشبيه والاستعارة، ثم إنه لا يلائم الأحاديث المروية في خاتم النبوة. وقيل: إن المراد منه بيضة الحجلة، وهي القبجة، وهذا القول يوافق الأحاديث الواردة في هذا الباب، غير أن الزر بمعنى البيضة لم يوجد في كلام العرب.

стр. 399

الفصل الثاني ٤٧٧ - عن ابن عمر، قال: سئل رسول الله ﷺ عن الماء يكون في الفلاة من الأرض وما ينوبه من الدواب والسباع، فقال: ((إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث)). ــ وقيل: إنما هو ((رز)) بتقديم الراء المهملة، مأخوذ من قولهم: رزت الجرادة، وهو أن تدخل ذنبها في الأرض لتلقى بيضها، وهذا أشبه بما في الحديث، إلا أن الرواية لم تساعده، والذي ينصر القول الثاني ما رواه الترمذي في كتابه عن جابر بن سمرة: ((كان خاتم رسول الله ﷺ بين كتفيه غدة حمراء مثل بيضة الحمامة)). أقول: في قوله: ((قاصر عن التشبيه والاستعارة)) نظر؛ لأن الاستعارة هي ذكر أحد طرفي التشبيه، والمراد به الطرف الآخر، وهاهنا الطرفان مذكوران، فلا يكون استعارة، ولا يجب في التشبيه أن يكون المشبه موافقاً للمشبه به في جميع الأوصاف، فيكفي في ((خاتم النبوة)) أن يكون شيئاً ناتئاً من الجسد، له نوع مشابهة بزر الحجلة، كما في قوله تعالي: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب﴾، فإن خلقه من تراب بيان لما شبه به عيسى بآدم، وآدم مخلوق من تراب حقيقة، وعيسى مخلوق منه حقيقة بوسائط كثيرة، وقول ابن المعتز: كأن البرق مصحف قار فانطباقاً مرة وانفتاحاً ولم ينظر إلي شيء من أوصاف المشبه والمشبه به سوى الهيئة من انقباض بعد انبساط. الفصل الثاني: الحديث الأول عن ابن عمر ﵄: قوله: ((وما ينوبه)) مجرور عطف علي سبيل البيان، نحو: أعجبني زيد وكرمه، ناب المكان وانتابه، إذا تردد إليه مرة بعد مرة، ونوبة بعد نوبة. ((خط)): وفيه دليل علي أن سؤر السباع نجس، وإلا لم يكن لمسألتهم عنه ولا لجوابه إياهم بهذا الكلام معنى، وذلك لأن المعتاد من طباع السباع إذا وردت المياه أن تخوض فيها وتبول، وقلما تخلو أعضاؤها من لوث أبوالها ورجيعها. ((قض)): ((القلة)) الجرة التي يستقي بها، سميت بذلك لأنها تقل باليد. وقيل: ((القلة)) ما يستقله البعير، وفي تقدير القلتين بالأمناء خلاف، فقيل: خمسمائة رطل، وقيل: ستمائة، وقيل: خمسمائة من، وسند جميع ذلك مذكور في الكتب الفقهية، فليطلب منها. والحديث بمنطوقه يدل علي أن الماء إذا بلغ قلتين لم ينجس بملاقاة النجاسة، فإن قوله: ((لم يحمل)) معناه لم يقبل،

стр. 400

رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، والدارمي، وابن ماجه. وفي أخرى لأبي داود: ((فإنه لا ينجس)). [٤٧٧] ٤٧٨ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: قيل يا رسول الله! أنتوضأ من بئر بضاعة- وهي بئر يلقى فيها الحيض، ولحوم الكلاب، والنتن؟ - فقال رسول الله ﷺ : ((إن الماء طهور لا ينجسه شيء)). رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود، والنسائي [٤٧٨]. ــ كما يقال: فلان لا يحتمل ضيماً إذا امتنع عن قبوله، ودفع عن نفسه، وذلك إذا لم يتغير بها، فإن تغير بها كان نجساً، لقوله ﷺ : ((خلق الماء طهوراً لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو ريحه)). وبمفهومه علي أن ما دونه ينجس بملاقاة النجاسة وإن لم يتغير؛ لأنه ﷺ علق عدم التنجس ببلوغه قلتين، والمعلق بشرط عدم عند عدمه، فيلزم تغاير الحالتين في التنجس وعدمه، والمفارقة بين الصورتين حال التغير منتفية إجماعاً، فتعين أن يكون حين ما لم يتغير، وذلك ينافي عموم الحديث المذكور، فمن قال بالمفهوم وجوز تخصيص المنطوق به كالشافاعي خصص عمومه به، فيكون كل واحد من الحديثين مخصصاً للآخر، ومن لم يجوز ذلك لم يلتفت إليه، وأجرى الحديث علي عمومه، كمالك فإنه قال: لا ينجس الماء إلا بالتغير قل أو كثر. ((مظ)): الماء الكثير عندنا قدر قلتين، وعند أبي حنيفة الكثير هو الغدير العظيم الذي لو حرك أحد جوانبه لم تتحرك الجوانب الأخر. أقول: قوله: ((لم يحمل)) يحتمل أنه لضعفه لم يحمله، ولقوته لم يقبل، ويرحج الثاني الرواية الثانية: ((فإنه لا ينجس)). الحديث الثاني عن أبي سعيد: قوله: ((من بئر بضاعة)) ((تو)): بضاعة دار بني ساعدة بالمدينة، وهم بطن من الخزرج، وأهل اللغة يضمون الباء ويكسرونها، والمحفوظ في الحديث الضم، و ((الحيض)) جمع حيضة- بكسر الحاء- الخرقة التي تستسفرها المرأة في المحيض، و ((النتن)) الرائحة الكريهة، والمراد هاهنا الشيء المنتن، كالعذرة، والجيفة. ووجه معنى ((يلقى فيها)) أن البئر كانت بمسيل من بعض الأودية التي يحل بها أهل البادية، فتلقى تلك القاذورات بأفنية منازلهم،

стр. 401

٤٧٩ - وعن أبي هريرة، قال: سأل رجل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله ﷺ : ((هو الطهور ماؤه، والحل ميتته)). رواه مالك، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي. [٤٧٩] ــ فيكسحها السيل فيلقيها في البئر، فعبر عنه القائل علي وجه يوهم أن الإلقاء من الناس كان لقلة تدينهم، وهذا مما لا يجوزه مسلم، بل لا يرتضيه الكافر، فأنى نظن ذلك بالذين هم أفضل القرون وأزكاهم وأطهرهم؟ وعلي هذا النحو فسره الخطابي. والتعريف في ((الماء)) للعهد الخارجي، أي الماء المسئول عنه طهور لا ينجسه شيء لكثرته، ثم لكونه في حكم المياه الجاري؛ فإن السيل إذا ألقى في مثل تلك البئر قذراً أو نتناً ثم طفح عليها احتمل بعبابه ما ألقى فيها، فلا يسلب عنه إذا حكم الطهورية. أقول: قوله: ((في حكم المياه الجارية)) إلي آخره تحكم لتصحيح مذهبه في الماء الكثيرة. ((حس)): هذا الحديث غير مخالف لحديث ابن عمر في القلتين؛ لأن ماء بئر بضاعة كان كثيراً لا يتغير بوقوع هذه الأشياء فيه، وسئل قيم بئر بضاعة عن عمقها، فقال: أكثر ما يكون الماء فيها إلي العانة، قيل: فإذا نقض كان دون العورة، قال أبو داود: مددت ردائي عليها فإذا عرضها ستة أذرع. ولما كان ماء البئر المسئول عنه كثيراً، وسألوه عنه ليعموا حكم مثل هذا الماء في الطهارة والنجاسة أخرج النبي صلوات الله عليه الجواب عليه، وقال: ((إن الماء طهور))، وفي قوله: ((إن الماء طهور)) دليل علي أن غير الماء لا يطهر؛ حتى لا يجوز الوضوء بشيء من الأنبذة؛ لأن اسم الماء لا يقع عليه، وإن كان مشتداً فهو خمر نجس، وهو قول أكثر أهل العلم، وبه قال الشافعي. وقال الأوزاعي: يجوز الوضوء بجميع الأنبذة. وقال الثوري وأبو حنيفة: يجوز بنبيذ التمر عند عدم الماء. واحتجوا بما روى عن أبي زيد عن ابن مسعود قال: ((سألني رسول الله ﷺ ليلة الجن ما في إداوتك؟ قلت: نبيذ، فقال: تمرة طيبة وماء طهور، فتوضأ منه))، قال: وهذا حديث غير ثابت؛ لأن أبا زيد مجهول، وقد صح عن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال: ((لم أكن ليلة الجن مع رسول الله ﷺ ) قال: وإن ثبت فلم يكن ذلك نبيذاً متغيراً، بل كان ماء معداً للشرب نبذ فيه تمرات ليجتذب ملوحته، ويدل علي ما ذكرنا قوله تعالي: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً﴾، عدل تعالي من الماء عند عدمه إلي التيمم، فلا يجوز أن يتخللهما شيء. الحديث الثالث عن أبي هريرة: قوله: ((هو الطهور ماؤه)) نقل الواحدي عن الزجاج أنه قال:

стр. 402

٤٨٠ - وعن أبي زيد، عن عبد الله بن مسعود أن النبي ﷺ قال له ليلة الجن: ((ما في إداوتك؟)) قال: قلت: نبيذ. قال: ((تمرة طيبة وماء طهور)). رواه أبو داود، وزاد أحمد، والترمذي: فتوضأ منه. [٤٨٠] وقال الترمذي: أبو زيد مجهور. ــ الطهور اسم للماء الذي يتطهر به، ولا يجوز إلا أن يكون طاهراً في نفسه، مطهراً لغيره؛ لأن عدولهم عن صيغة فاعل إلي فعول أو فعيل لزيادة معنى؛ لأن اختلاف الأبنية لاختلاف المعإني، فكما لا يجوز التسوية بين صابر وصبور، وشاكر وشكور، كذلك في طاهر وطهور، والشيء إذا كان طاهرا في نفسه لا يجوز أن يكون من جنسه ما هو أطهر منه، حتى يصفه بطهور لزيادة، وإذا نقلنا الطاهر إلي طهور لم يكن إلا لزيادة معنى، وذلك المعنى ليس إلا التطهير. فإن قيل: بناء الطهور من: طهر يطهر طهارة، وهو لازم، فكيف يجوز تعديته بتطهير غيره؟ قلنا: النظر في هذه اللفظة أدى إلي أن فيه معنى التطهير؛ لأنه لا يجوز إطلاقه علي الماء الذي ليس بمطهر، لأن العرب لا تسمى الشيء الذي لا يقع به التطهير طهوراً، فمن هذا الوجه يجب أن يعلم، لا من التعدي واللزوم. أقول: وكان من ظاهر الجواب عن سؤاله أن يقال: نعم، فأطنب وزاد في الجواب، وأخرج الجملتين مخرج الحصر، حيث عرف [خبريهما]، يعني ماء البحر لسعته وغزارته حكمه حكم سائر المياه في طهوريته، وحل ميتته، لا يتجاوز إلي النجاسة والحرمة، فاعلم هذا الجواب بأن الزيادة علي ما يقتضي الحال ذكره من شأن الهادي المرشد، والحكيم العارف بالأدواء والدواء. ((حس)): في الحديث فوائد: منها أن التوضؤ بماء البحر يجوز مع تغير طعمه ولونه، ومنها أن الطهور هو المطهر؛ لأنه ﷺ سئل عن تطهير ماء البحر لا عن طهارته، ولولا أنهم عرفوه من الطهور لكان لا يزول إشكالهم بقوله: ((هو الطهور ماؤه)). وقيل: الطهور ما يتكرر منه التطهير، كالصبور والشكور، وهو قول مالك، جوز الوضوء بالماء المستعمل. ومنها أن حكم جميع حيوان البحر إذا ماتت سواء في الحل؛ لقوله تعالي: ﴿أحل لكم صيد البحر﴾. ((مظ)): الحوت حلال: والضفدع حرام بالاتفاق، والسرطان حرام في أصح القولين، وكذلك ما يعيش في الماء والبر، فأما ما لا يعيش في البر ففيه ثلاثة أقوال، ثالثها ما يؤكل شبيهه في البر حلال، وما لا فحرام.

стр. 403

٤٨١ - وصح عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، قال: لم أكن ليلة الجن مع رسول الله ﷺ . رواه مسلم. ٤٨٢ - وعن كبشة بنت كعب بن مالك- وكانت تحت ابن أبي قتادة- أن أبا قتادة دخل عليها، فسكبت له وضوءاً، فجاءت هرة تشرب منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت، قالت كبشة: فرإني أنظر إليه، فقال: أتعجبين يا بنة أخي! قالت: فقلت: ــ الحديث الرابع عن أبي زيد ﵁: قوله: ((ليلة الجن)) هي الليلة التي جاءت الجن رسول الله ﷺ ، وذهبوا به إلي قومهم ليتعلموا منه الدين. و ((الإداوة)) المطهرة، و ((النبيذ)) التمر أو الزبيب المنبوذ في الماء؛ لتتغير ملوحته ومرارته بالحلاوة، وقد مر الكلام فيه آنفاً. ((تو)): حديث نبيذ التمر قد روى عن ابن مسعود من غير وجه وروى عن ابن عباس عن ابن مسعود، وروي عن أبي رافع مولي عمر ﵁ عن ابن مسعود، وعن أبي زيد عن ابن مسعود، وفي أسإنيد سائر لأهل النقل فيها مقال، غير أن الحديث إذا روي من طرق شتى غلب علي ظن المجتهد كونه حقاً، لاسيما عند من يرى المسلمين كلهم عدولا في إخبار الديانات، والذي ذكره المؤلف من صحة حديث علقمة عن ابن مسعود هو علي ما ذكره، ولكنا نرى ترك القول بتلك الأحاديث مهما لم نجد إلي الجمع بينها وبين حديث علقمة عنه سبيلا، وقد وجدنا، وهو أن نقول: يحتمل أنه لم يكن مع رسول الله ﷺ عند مفاوضة الجن، ودعائهم إلي الإسلام، وكان قد خرج معه فأقعده بمدرجته، علي ما ذكر في الحديث عن ابن مسعود: فانطلقت معه إلي المكان الذي أراد، فخط لي خطاً، وأجلسني فيه، وقال لي: ((لا تخرج من هذا))، فبت فيه حتى أتإني مع السحر. ويحتمل أنه لم يكن معه حين خرج، ثم لحقه بعد أن فرغ من دعوة الجن في ليلته، ثم كان الأمر علي ما ذكر في أحاديثه في ليلة الجن. وهذا الوجه أوثق؛ لما في بعض طرق حديث علقمة عن عبد الله، الذي استدل به المؤلف: أن علقمة قال: قلت لعبد الله بن مسعود: هل صحب رسول الله ﷺ ليلة الجن منكم أحد؟ قال: ما صحبه منا أحد، ولكنا فقدنا ذات ليلة بمكة، فقلنا: اغتيل استطير ما فعل؟ قال: فبتنا بشر ليلة بات قوم، فلما كان في وجه الصبح- أو قال: في السحر- إذا نحن به يجيء من قبل حراء، ثم ساق الحديث، وهذا حديث صحيح أخرجه مسلم في كتابه، ولا تنافي بينه وبين قوله: قال في ليلة الجن؛ لأن سحر تلك الليلة كان مليلة الجن. وتعليل ترك العمل بحديث أبي زيد وغيره عن ابن مسعود بأن ذلك كان بمكة قبل استقرار الأحكام، وقبل نزول المائدة بسنين كثيرة، أوجه من الإقدام علي رد تلك الأحاديث، والله أعلم. الحديث الخامس عن كبشة بنت كعب: قوله: ((فأصغى لها)) أي أمالها، ليسهل عليه الشرب

стр. 404

نعم. فقال: إن رسول الله ﷺ قال: ((إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم أو الطوافات)). رواه مالك، وأحمد، والترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي. ٤٨٣ - وعن داود بن صالح بن دينار، عن أمه، أن مولاتها أرسلتها بهريسة إلي عائشة. قالت: فوجدتها تصلي، فأشارت إلي: أن ضعيها. فجاءت هرة فأكلت منها. فلما انصرفت عائشة من صلاتها، أكلت من حيث أكلت الهرة. فقالت: إن رسول الله ﷺ قال: إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم)). وإني رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ بفضلها. رواه أبو داود. [٤٨٣]. ــ منه. وقوله: ((من الطوافين)) قال أبو الهيثم: الطائف الخادم الذي يخدمك برفق وعناية. ((تو)): ويحتمل أنه ﷺ قال هذا القول علي وجه البيان لقوله: ((إنها ليست [بنجسة])) أي إنها تطوف عليكم في منازلكم، فتماسحونها بأيديكم وثيابكم، ولو كانت نجسة لأمرتم بالمجانبة عنها، وتخلية البيوت عنها، فشق ذلك عيكم. ((مح)): في الروضة: سؤر الهرة طاهر لطهارة عينها، ولا يكره. ولو تنجس فمها ثم ولغت في ماء قليل فثلاثة أوجه، الأصح أنها إن غابت واحتمل ولوغها في ماء يطهر فمها ثم ولغت لم ينجسه، وإلا ينجسه. والثاني ينجسه مطلقاً، والثالث عكسه. أقول: قوله: ((إنها من الطوافين عليكم)) بعد قوله: ((إنها ليست بنجس)) من باب ترتيب الحكم علي الوصف المناسب إشعاراً بالعلية، وهذا الوصف أعني ((الطوافين)) يقتضي أن يكون سؤر الهرة علي تقدير نجاسة فمها معفواً عنه للضرورة، إذ لا يمكن الاحتراز عنه كطين الشارع ونحوه، ويؤيده قول عمر في الحديث الأول في الفصل الثالث: ((لا تخبرنا)) كما سنقرره، وهذا هو المختار عند أبي حامد الغزالي، فإنه قال: والأحسن تعميم العفو للحاجة. ((مظ)): سؤر الهرة مكروه عند أبي حنيفة خلافاً للشافعي. ونداؤه لزوجة ابنه: ((يا بنة أخي)) علي عرف العرب، فإنها تنادي بعضهم لبعض بيا أخا فلان، وإن لم يكن أخاً بالحقيقة، ويجوز في تعارف الشرع أيضاً؛ لأن المؤمنين إخوة. الحديث السادس عن داود: قوله: ((أن ضعيها)) ((أن)) مفسرة؛ لأن في الإشارة معنى القول، ولقرب المسافة بين المتكلم والإشارة استثنى الرمز من المتكلم في قوله تعالي: ﴿ألا تكلم الناس

стр. 405

٤٨٤ - وعن جابر، قال: سئل رسول الله ﷺ : أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال: ((نعم، وبما أفضلت السباع كلها)). رواه في ((شرح السنة)) [٤٨٤]. ٤٨٥ - وعن أم هانئ، قالت: اغتسل رسول الله ﷺ هو وميمونة في قصعة فيها أثر العجين. رواه النسائي، وابن ماجه [٤٨٥]. الفصل الثالث ٤٨٦ - عن يحيى بن عبد الرحمن، قال: إن عمر خرج في ركب فيهم عمرو بن العاص حتى وردوا حوضاً. فقال عمرو: يا صاحب الحوض! هل ترد حوضك السباع؟ فقال عمرو بن الخطاب: يا صاحب الحوض! لا تخبرنا، فإنا نرد علي السباع وترد علينا. رواه مالك [٤٨٦]. ــ ثلاثة أيام إلا رمزاً﴾ أي إشارة بيد أو رأس أو غيرهما. ((الكشاف)): فإن قلت: الرمز ليس من جنس الكلام، فكيف استثنى منه؟ قلت: لما أدى مؤدى الكلام وفهم منه ما يفهم منه سمي كلاماً، وفيه دليل علي أن مثل هذه الإشارة جائزة في الصلاة. الحديث السابع عن جابر: قوله: ((أفضلت)) أي أبقت من فضالة الماء الذي تشربه، وهو مثل: أسأرت من السؤر. ((تو)): كلمة ((ما)) في الموضعين بمعنى الذي، وقد رواه بعض الناس بالمد، ولا أراه إلا تصحيفاً. الحديث الثامن عن أم هانئ: قوله: ((أثر العجين)) الظاهر أن أثره في تلك القصة لم يكن كثراً مغيراً للماء. الفصل الثالث الحديث الأول عن يحيى بن عبد الرحمن قوله: ((لا تخبرنا)) يعنيى أن إخبارك به وعدم إخبارك سواء، فإن أخبرتنا بأسوأ الحال فهو عندنا سائغ؛ لأنا نخالط السباع، وهي واردة علينا، وأن الله تعالي قسم لها من هذا الماء ما أخذت بطونها، وقسم لنا ما بقى منها، فهو وضوؤنا وشرابنا. وإنما عدل إلي ((ما أخذت في بطونها)) من ((ما شربتها)) ليشعر بأن ما شربتها حقها الذي قسم الله لها، وما فضلت فهو حقنا.

стр. 406

٤٨٧ - وزاد رزين، قال: زاد بعض الرواة في قول عمر: وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لها ما أخذت في بطونها، وما بقي فهو لنا طهور وشراب)). ٤٨٨ - وعن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ سئل عن الحياض التي بين مكة والمدينة تردها السباع والكلاب والحمر عن الطهر منها. فقال: ((لها ما حملت في بطونها، ولنا ما غير طهور)). رواه ابن ماجه [٤٨٨]. ٤٨٩ - عن عمر بن الخطاب، ﵁، قال: لا تغتسلوا بالماء المشمش؛ فإنه يورث البرص. رواه الدارقطني [٤٨٩]. (٩) باب تطهير النجاسات الفصل الأول ٤٩٠ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا شرب الكلب في إناء أحدكم؛ فليغسله سبع مرات)). متفق عليه. ــ الحديث الثاني عن أبي سعيد الخدري: قوله: ((عن الطهر)) هو بدل عن قوله: ((عن الحياض)) بإعادة العامل، والطهر هو التطهر، والله أعلم. باب تطهير النجاسات الفصل الأول الحديث الأول عن أبي هريرة: قوله: ((شرب الكلب في إناء)) ضمن ((شرب)) معنى ((ولغ))، فعدى تعديته. قوله: ((طهور إناء أحدكم)) ((مح)): الأشهر فيه ضم الطاء ويقال بفتحها، لغتان. ((نه)): ولغ الكلب إذا شرب بلسانه، يقال: ولغ يلغ ولغاً وولوغاً. و ((طهور إناء أحدكم)) مبتدأ، و ((إذا)) ظرف معمول للمصدر، والخبر ((أن يغسله))، كما أن ((إذا)) في قول تعالي: ﴿والنجم إذا هوى﴾ ظرف للقسم، وليس بشرط، ونحو: آتيك إذا احمر البسر. ((حس)): مذهب أكثر المحدثين أن الكلب إذا ولغ في ماء أو مائع يغسل سبع مرات، إحداهن مكدرة بالتراب، وقال مالك والأوزاعي: لا ينجس الماء ولكن يجب غسله تعبداً. وقال أصحاب أبي حنيفة: لا عدد في غسله، ولا تعفير، بل هو كسائر النجاسات. وفي صحيح البخاري:

стр. 407

وفي رواية لمسلم: ((طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات، أولاهن بالتراب)). ٤٩١ - وعنه، قال: قام أعرابي، فبال في المسجد، فتناوله الناس. فقال لهم النبي ﷺ : ((دعوه وهريقوا علي بوله سجلا من ماء- أو ذنوباً من ماء- فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين)). رواه البخاري. ــ وكان عطاء لا يرى بشعر الإنسان بأساً أن يتخذ منه الخيوط والحبال وسؤر الكلاب وممرها في المسجد. وقال الزهري: إذا ولغ في الإناء ليس له وضوء غيره يتوضأ بها. وقال سفيان: هذا الفقه بعينه، يقول الله : ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ وهذا ماء وفي النفس منه شيء يتوضأ ويتيمم. الحديث الثاني عن أبي هريرة: قوله: ((فتناوله الناس)) أي وقعوا فيه يؤذونه. ((نه)): في الحديث: ((إن رجلاً كان ينال من الصحابة)) يعني الوقيعة فيهم، يقال منها: نال ينال نيلاً إذا أصاب. و ((أهريقوا)) أمر من أهرق يهرق- بسكون الهاء- إرهاقاً، نحو اسطاع، وأصله أراق، فأبدلت الهمزة هاء ثم جعلت عوضاً عن ذهاب حركة العين، فصارت كأنها من نفس الكلمة، ثم أدخل عليها الهمزة. و ((السجل)) يذكر، وهو الدول قل فيه الماء أو كثر، ((والذنوب)) يذكر ويؤنث، وهي ما ملئ ماء، ((من ماء)) زيادة وردت تأكيداً، ويحتمل أن يكون من كلام رسول الله ﷺ فيكون للتخيير لما بينهما من فرق، وأن يكون من كلام الراوي للترديد، وهذا ظاهر. ((خط)): في الحديث دليل علي أن الماء إذا ورد علي النجاسة علي سبيل المكاثرة والغلبة طهرها وعلي أن غسالات النجاسة طاهرة إذا لم يكن فيها تغير، وإن لم تكن مطهرة، ولولاه لكان الماء المصبوب علي البول أكثر تنجيساً للمسجد من البول نفسه، وزاد. ((حس)): فيه دلالة علي أن الأرض إذا أصابتها نجاسة لا تطهر بالجفاف، ولا يجب حفر الأرض، ولا نقل التراب إذا صب عليه الماء. ((مظ)): الحفر والنقل واجب عند أبي حنيفة، وأن الشمس إذا جفتها طهرت عنده. وأقول: قوله: ((ميسرين)) حال، والمبعوث رسول الله ﷺ ، ولما كان الصحابة مقتدين به ومهتدين بهديه كانوا متبوعين، كما ورد: ((الناس لكم تبع)). وقوله: ((ولم تبعثوا معسرين)) عطف علي قوله: ((وإنما بعثتم ميسرين)) علي طريقة الطرد والعكس، تقريراً بعد تقرير، ودلالة علي أن الأمر مبني علي اليسر قطعاً .. الحديث الثالث عن أنس ﵁: قوله: ((مه مه)) ((مه)) كلمة بنيت علي السكون، وهو اسم سمي به الفعل، ومعناه اكفف،؛ لأنه زجر، فإن وصلت تؤنث، يقال: مه مه، ويقال:

стр. 408

٤٩٢ - وعن أنس، قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابي، فقام يبول في المسجد. فقال أصحاب رسول الله ﷺ : مه مه. فقال رسول الله ﷺ : ((لا تزرموه، دعوه)). فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله ﷺ دعاه، فقال له: ((إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول والقذر؛ إنما هي لذكر الله، والصلاة، وقراءة القرآن)). أو كما قال رسول الله ﷺ . قال: وأمر رجلا من القوم، فجاءوا بدلو من الماء، فسنه عليه. متفق عليه. ٤٩٣ - وعن أسماء بنت أبي بكر، قال: سألت امرأة رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله! أرأيت إحدانا إذا أصاب ثوبها الدم من الحيضة، كيف تصنع؟ فقال رسول الله ﷺ : ((إذا أصاب ثوب إحداكن الدم من الحيضة فلتقرصه، ثم لتنضحه بماء، ثم لتصل فيه)). متفق عليه. ــ مهمهت به، أي زجرته، و ((زرم البول)) - بلكسر- إذا انقطع، وكذلك كل شيء ولي، وأزرمه غيره، وفي الحديث: ((لا تزرموا [ابني])) أي لا تقطعوا عليه بوله، وسننت الماء علي وجهي أي أرسلته إرسالاً من غير تفريق، فإذا فرقته في الصب قلت بالشين المعجمة، كلها في الصحاح. وقوله: ((إن هذه المساجد)) إنما أتى باسم الإشارة والمشار إليه حاضر مشاهد لا لبس فيه للدلالة علي تعظيم المشار إليه وتفخيمه؛ ليكن كالوصف المناسب المشعر بنزاهتها عما لا يليق بالتعظيم، وصونها عن الأقذار والأنجاس، فيكون اسم الإشارة في قوله: ((هذا البول)) للتحقير علي عكس الأول. قوله: ((أو كما قال)) أي قال هذا القول، أو قال قولا يشابهه، شك الراوي فيه. و ((قال)) الثاني من كلام الراوي. الحديث الرابع عن أسماء بنت أبي بكر ﵄: قوله: ((كيف تصنع)) يتعلق بالاستخبار، أي أخبرني كيف تصنع إحدانا إلي آخره، و ((الحيضة)) - بالكسر- الاسم من الحيض، والحال التي تلزمها الحائض من التجنب والتحيض، كالقعدة والجلسة من الجلوس والقعود، وبالفتح المرة الواحدة من نوبة. ((نه)): القرص الدلك بأطراف الأصابع والأظفار مع صب الماء عليه حتى يذهب أثره، وهو أبلغ في إزالة النجاسة، والنضح الرش، وقد يستعمل في الصب شيئاً فشيئاً، وهو المراد به. ((خط)): النضح الرش، وقد يكون بمعنى الغسل، وفي الحديث دليل علي تعين الماء في إزالة النجاسة؛ لأنه ﷺ أمرها بإزالة الحيضة به، فوجب إزالة سائر النجاسات به، إذ لا فرق بين جميع النجاسات إجماعاً.

стр. 409

٤٩٤ - وعن سليمان بن يسار، قال: سألت عائشة عن المني يصيب الثوب. فقالت: كنت أغسله من ثوب رسول الله، فيخرج إلي الصلاة وأثر الغسل في ثوبه. متفق عليه. ٤٩٥ - وعن الأسود وهمام، عن عائشة، قالت: كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ . رواه مسلم. ٤٩٦ - وبرواية علقمة والأسود، عن عائشة نحوه، وفيه: ثم يصلي فيه. ٤٩٧ - وعن أم قيس بنت محصن: أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلي رسول الله ﷺ فأجلسه رسول الله ﷺ في حجره، فبال علي ثوبه، فدعا بماء فنضحه، ولم يغسله. متفق عليه. ٤٩٨ - وعن عبد الله بن عباس، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إذا دبغ الإهاب فقد طهر)). رواه مسلم. ــ الحديث الخامس، والسادس عن الأسود: قوله: ((أفرك)) الفرك الدلك حتى يذهب الأثر من الثوب. ((حس)): مذهب الشافعي أن المني طاهر، وعند أصحاب الرأي نجس، يغسل رطبه، ويفرك يابسه، ومن قال بالطهارة قال: حديث الغسل لا يخالف حديث الفرك، وهو علي طريق الاستحباب والنظافة، والحديثان إذا أمكن استعمالهما لم يجز حملهما علي التناقض. الحديث الساعب عن أم قيس: قوله: ((في حجره)) بفتح الحاء وكسرها، والجمع الحجور. ((قض)): المراد من النضح رش الماء بحيث يصل إلي جميع موارد البول من غير جري، والغسل إجراء الماء علي موارده، والفارق بين الصبي والصبية أن بولها بسبب استيلاء الرطوبة والبرد علي مزاجها يكون أغلظ وأنتن، فتفتقر إزالتها إلي مزيد مبالغة بخلاف الصبي. ((خط)) وغيره: ليس تجويز من جوز النضج في الصبي من أجل أن بوله ليس بنجس، ولكن من أجل التخفيف. ((مح)): هذا هو الصواب، ومن قال: إنه طاهر، فهو مخطئ، وفي الحديث دليل علي استحباب حمل الأطفال إلي أهل الفضل للتبرك بهم، سواء كانوا في حال الولادة أو غيرها، وفيه الندب إلي حسن المعاشرة واللين والرفق والتواضع بالصغار وغيرهم. الحديث الثامن عن عبد الله بن عباس: قوله: ((إذا دبغ الإرهاب)) ((فا)): سمى إهاباً لأنها أهبة للحي وبناء للحماية علي جسده، كما قيل له: مسك لإمساكه ما وراءه، وهذا كلام قد سلك فيه

стр. 410

٤٩٩ - وعنه، قال: تصدق علي مولاة لميمونة بشاة، فماتت، فمر بها رسول الله ﷺ ، فقال: ((هلا أخذتم إهابها فدبغتموه، فانتفعتم به!))، فقالوا: إنها ميتة، فقال: ((إنما حرم أكلها)). متفق عليه. ٥٠٠ - وعن سودة زود النبي ﷺ ، قالت: ماتت لنا شاة، فدبغنا مسكها، ثم مازلنا ننبذ فيه حتى صار شناً. رواه البخاري. الفصل الثاني ٥٠١ - عن لبابة بنت الحارث، قالت: كان الحسين بن علي، ﵄، ــ مسلك التمثيل. ((شف)): في حديث ابن عباس في الإرهاب وفي حديث سودة دليل علي أن الجلد يطهر ظاهره وباطنه بالدباغ، حتى جوز استعمال في الأشياء الرطبة، وتجوز الصلاة فيه. الحديث التاسع عن عبد الله بن عباس: قوله: ((إنما حرم أكلها)) ((مح)): رويناه علي وجهين: حرم- بفتح الحاء وضم الراء- وحرم- بضم الحاء وكسر الراء المشددة- ((حس)): فيه دليل لمن ذهب إلي أن ما عدا المأكول من أجزاء الميتة غير محرم الانتفاع، كالشعر، والسن، والقرن ونحوها، وقالوا: لا حياة فيها، فلا ينجس بموت الحيوان، وجوز استعمال عظام الفيلة، وقالوا: لا بأس بتجارة العاج، واحتجوا بما روى عن ثوبان أن رسول الله ﷺ قال: ((اشتر لفاطمة سوارين من عاج)). والمراد منه عند غيرهم الذبل، وهو عظم سلحفاة البحر. ((مح)): اختلفوا في طهارة جلود الميتة بالدباغ، فذهب الشافعي إلي أن يطهر بالدباغ جميع جلود الميتة إلا الكلب، والخنزير، والتولد بينهما من أحدهما وغيره، ويطهر بالدباغ ظاهر الجلد وباطنه، ويجوز استعماله في الأشياء المائعة واليابسة، ولا فرق بين مأكول اللحم، وغيره. وروى هذا المذهب عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود. وإذا طهر بالدباغ هل يجوز أكله؟ فيه ثلاثة أوجه: أصحها لا يجوز بحال، والثاني يجوز، والثالث يجوز أكل جلد مأكول اللحم، ولا يجوز غيره. وإذا طهر الجلد بالدباغ فهل يطهر الشعر الذي عليه تبعاً للجلد؟ إذا قلنا بالمختار في مذهبنا أن شعر الميتة نجس، فيه قولان للشافعي، أصحهما لا يطهر، لأن الدباغ لا يؤثر فيه بخلاف الجلد. الحديث العاشر عن سودة: قوله: ((شنا)) ((نه)): الشنان الأسقية الخلقة، واحدها شن وشنة، وهي أشد تبريداً للماء من الجدد. والله أعلم. الفصل الثاني الحديث الأول عن لبابة بنت الحارث: قوله: ((في حجر رسول الله)) مضى شرحه في الحديث السابع من الفصل الأول.

стр. 411

في حجر رسول الله ﷺ ، فبال علي ثوبه. فقلت: البس ثوباً، وأعطني إزارك حتى أغسله، قال: ((إنما يغسل من بول الأنثى، وينضح من بول الذكر)). رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه. [٥٠١]. ٥٠٢ - وفي رواية لأبي داود، والنسائي، عن أبي السمح، قال: ((يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام)). ٥٠٣ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا وطئ أحدكم بنعله الأذى، فإن التراب له طهور)). رواه أبو داود [٥٠٣]. ولابن ماجه معناه. ٥٠٤ - وعن أم سلمة، قالت لها امرأة: إني امرأة أطيل ذيلي، وأمشي في المكان القذر. قالت: قال رسول الله ﷺ : ((يطهره ما بعده)). رواه مالك، وأحمد، والترمذي. وأبو داود والدارمي وقالا: المرأة أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف [٥٠٤]. ــ الحديث الثاني، والثالث عن أبي هريرة: قوله: ((إذا وطئ أحدكم)) ((حس)): ذهب أهل العلم إلي ظاهر هذا الحديث، وقالوا: إذا أصاب أسفل الخف أو النعل نجاسة فدلكه بالأرض حتى ذهب أثرها طهر، وجازت الصلاة فيها، وبه قال الشافعي في القديم، ومستنده ظاهر هذا الحديث. وقال في الجديد. لابد من غسله بالماء، وعلي هذا يؤول هذا الحديث بما إذا وطئ نجاسة يابسة فتشبث بهما شيء منها، فزال بالدلك، كما أول قوله ﷺ في حديث أم سلمة الذي بعد هذا: ((يطهره ما بعده))، علي أن السؤال إنما صدر فيما جر من الثياب علي ما كان يابساً من القذر مهما تشبث منه، فأخبر النبي ﷺ أن المكان الذي بعده يزيل ذلك عنه، وإلا فالإجماع منعقد علي أن الثوب إذا أصابته نجاسة لا يطهر إلا بالغسل. ((تو)): بين الحديثين بون بعيد، فإن حمل حديث أم سلمة علي ظاهره مخالف للإجماع؛ لأن الثوب إذا نجس لم يطهره إلا الغسل، بخلاف الخف فإن جماعة من التابعين ذهبوا إلي أن الدلك يطهره، علي أن حديث

стр. 412

٥٠٥ - وعن المقدام بن معدي كرب، قال: نهي رسول الله ﷺ عن لبس جلود السباع، والركوب عليها. رواه أبو داود، والنسائي. [٥٠٥] ٥٠٦ - وعن أبي المليح بن أسامة، عن أبيه، عن النبي ﷺ : نهي عن جلود السباع. رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي. وزاد الترمذي، والدارمي: أن تفترش. [٥٠٦]. ٥٠٧ - وعن أبي المليح: أنه كره ثمن جلود السباع. رواه [الترمذي في اللباس من ((جامعه)). وسنده جيد]. ٥٠٨ - وعن عبد الله بن عكيم، قال: أتانا كتاب رسول الله ﷺ : ((أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب، ولا عصب)). رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. [٥٠٨]. ــ أبي هريرة حسن لم يطعن فيه، وحديث أم سلمة مطعون؛ لأن من يرويه أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وهي مجهولة. أقول: كأن الشيخ التوربشتي تكلم علي قول محيي السنة، وفرق بين الخف والثوب، فحمل الخف علي النجاسة الرطبة، وخصص حديث الذيل بالنجاسة اليابسة، والظاهر أن كليهما محمولان علي الرطب، لقوله ﷺ في الأول: ((فإن التراب له طهور)). وفي الثاني: ((يطهره ما بعده))، والتطهر إنما يتصور بعد التنجس، ويؤيد هذا التأويل الحديث الأول في الفصل الثالث من هذا الباب، وبناء الأمر علي اليسر ودفع الحرج. الحديث الرابع، والخامس عن المقدام: قوله: ((عن لبس جلود السباع)) ((مظ)): هذا لنهي يحتمل أن يكون نهي تحريم؛ لأن استعمالها إما قبل الدباغ فلا يجوز؛ لأنها نجسة، وإما بعده، فإن كان عليه الشعر فهي أيضاً نجسة؛ فإن الشعر لا يطهر بالدباغ؛ لأن الدباغ لا يغير الشعر عن حاله، ولا يؤثر فيه. ويحتمل أن يكون نهي تنزيه إذا قلنا: إن الشعر يطهر بالدباغ- كما في الوسيط- لأن لبس جلود السباع والركوب عليها من دأب الجبابرة، وديدن المتكبرين، وعمل المسرفين، وسجية المترفين، فلا يليق بسمة أهل الصلاح. الحديث السادس عن أبي مليح: قوله: ((كره ثمن جلود السباع)) ((مظ)): وذلك قبل الدباغ لنجاستها، وأما بعده فلا كراهة. الحديث السابع عن عبد الله بن عكيم: قوله: ((أن لا تنتفعوا)) ((تو)): قيل: إن هذا الحديث

стр. 413

٥٠٩ - وعن عائشة، ﵂، أن رسول الله ﷺ أمر أن يستمتع بجلود الميتة إذا دبغت. رواه مالك، وأبو داود [٥٠٩]. ٥١٠ - وعن ميمونة، قالت: مر علي النبي ﷺ رجال من قريش يجرون شاة لهم مثال الحمار، فقال لهم رسول الله ﷺ : ((لو أخذتم إهابها)). قالوا: إنها ميتة. فقال رسول الله ﷺ : ((يطهرها الماء والقرظ)). رواه أحمد، وأبو داود [٥١٠]. ٥١١ - وعن سلمة بن المحبق، قال: إن رسول الله ﷺ جاء في غزوة تبوك علي أهل البيت، فإذا قربة معلقة، فسأل الماء. فقالوا: يا رسول الله! إنها ميتة. فقال: ((دباغها طهورها)). رواه أحمد، وأبو داود [٥١١]. الفصل الثالث ٥١٢ - عن امرأة من بني عبد الأشهل، قال: قلت: يا رسول الله! إن لنا طريقاً ــ ناسخ للأخبار الواردة في الدباغ؛ لما في بعض طرقه: ((أتانا كتاب رسول الله ﷺ قبل موته بشهر)). والجمهور علي خلافه؛ لأنه لا يقاوم تلك الأحاديث صحة واشتهاراً، ثم إن ابن عكيم لم يلق النبي ﷺ وإنما حدث من حكاية حال، ولو ثبت فحقه أن يحمل علي نهي الانتفاع قبل الدباغ. الحديث الثامن والتاسع عن عائشة ﵂: قوله: ((لو أخذتم)) ((تو)): ((لو)) هذه بمعنى ليت، والذي لاقى بينهما أن كل واحد منهما في معنى التقدير ومن ثم أجيبتا بالفاء. ((مظ)): جواب ((لو)) محذوف، أي لو أخذتم إهابها فدبغتموه لكان حسناً. ((والقرظ)) ورق السلم يدبغ به. ((شف)): في قوله: ((دباغها طهورها)) دليل علي عدم وجوب استعمال الماء في أثناء الدباغ وبعده، كما هو أحد قولي الشافعي. الحديث العاشر عن سلمة: قوله: ((المحبق)) هو بضم الميم وفتح الحاء المهملة، وتشديد الباء المكسورة والقاف، وأصحاب الحديث يفتحون الباء. الفصل الثالث الحديث الأول عن امرأ من بني عبد الأشهل: قوله: ((أليس بعدها طريق هي أطيب)) معنى هذا الحديث وحديث أم سلمة في الفصل الثاني قريبان. ((خط)): قال أحمد: ليس معناه إذا

стр. 414

إلي المسجد منتنة، فكيف نفعل إذا مطرنا؟ فقال: ((أليس بعدها طريق هي أطيب منها؟)) قلت: بلي. قال: ((فهذه بهذه)). رواه أبو داود. [٥١٢] ٥١٣ - وعن عبد الله بن مسعود، قال: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ ولا نتوضأ من الموطئ. رواه الترمذي. [٥١٣]. ٥١٤ - وعن ابن عمر، قال: كانت الكلاب تقبل وتدبر في المسجد في زمان رسول الله ﷺ ، فلم يكونوا يرشون شيئاً من ذلك. رواه البخاري. ٥١٥ - وعن البراء [بن عازب]، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا بأس ببول ما يؤكل لحمه)). [٥١٥]. ٥١٦ - وفي رواية جابر، قال: ((ما أكل لحمه فلا بأس ببوله)). رواه أحمد، والدارقطني. [٥١٦] ــ أصابه بول ثم مر بعده علي الأرض أنها تطهره، ولكنه يمر بالمكان فيقذره، ثم يمر بمكان أطيب منه فيكون هذا بذلك، ليس علي أنه يصيبه منه شيء. وقال مالك فيما روى: إن الأرض يطهر بعضها بعضاً، إنما هو أن يطأ الأرض القذرة، ثم يطأ الأرض اليابسة النظيفة، فإن بعضها يطهر بعضاً، فأما النجاسة مثل البول ونحوه يصيب الثوب أو بعض الجسد، فإن ذلك لا يطهره إلا الغسل، قال: وهذا إجماع الأمة. ((خط)): وفي إسناد الحديثين معاً مقال؛ لأن الأول عن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وهي مجهولة لا يعرف حالها في الثقة والعدالة، والحديث الآخر عن امرأة من بني عبد الأشهل، والمجهول لا يقوم له الحجة في الحديث. الحديث الثاني، والثالث عن ابن عمر ﵄: وقوله: ((من الموطئ)) أي في موضع الوطء، هذا إذا كان يابساً نجساً، وأما إذا كان رطباً فيجب الغسل. وقوله: ((الكلاب تقبل)) وهذا إنما كان في أوقات باردة، ولم يكن للمسجد أبواب تمنعها من العبور. و ((الرش)) هاهنا هو الصب بالماء، ((لا يصبون)) أي الماء علي تلك المواضع لأجل إقبالهم وإدبارهم. الحديث الرابع عن البراء: قوله: ((لا بأس ببول ما يؤكل لحمه)) ((مح)): في الروضة: لنا وجه أن بول ما يؤكل لحمه وروثه طاهران، وهو قول أبي سعيد الاصطخري من أصحابنا، واختاره الرويإني، وهو مذهب مالك وأحمد.

стр. 415

(١٠) باب المسح علي الخفين الفصل الأول ٥١٧ - عن شريح بن هانئ، قال: سألت علي بن أبي طالب [﵁] عن المسح علي الخفين، فقال: جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوماً وليلة للمقيم. رواه مسلم. ٥١٨ - وعن المغيرة بن شعبة: أنه غزا رسول الله ﷺ غزوة تبوك. قال المغيرة: فتبرز رسول الله ﷺ قبل الغائط، فحملت معه إداوة قبل الفجر، فلما رجع أخذت أهريق علي يديه من الإداوة، فغسل يديه ووجهه، وعليه جبة من صوف، ذهب يحسر عن ذراعيه، فضاق كم الجبة، فأخرج يديه من تحت الجبة: وألقى الجبة علي منكبيه، وغسل ذراعيه، ثم مسح بناصيته وعلي العمامة، ثم أهويت لأنزع خفيه، فقال: ((دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين)) فمسح عليهما، ثم ركب وركبت، فانتهينا إلي القوم، وقد قاموا إلي الصلاة، ويصلي بهم عبد الرحمن بن عوف، وقد ركع بهم ــ باب المسح علي الخفين الفصل الأول الحديث الأول عن المغيرة: قوله: ((فتبرز)) التبرز الخروج إلي المبرز ((قبل الغائط)) نحوه، أي تبرز لأجله. ((نه)): ((الإداوة)) - بالكسر- إناء صغير من جلد، وجمعها الأداوى، مثل المطايا، يقال: حسرت كمي عن ذراعي أحسره حسراً، كشفت وخرجت، و ((أهويت)) أي قصدت الهوى من القيام إلي القعود، وقيل: الإهواء إمالة اليد إلي الشيء ليأخذ. ((حس)): فيه دليل علي أن المسح إنما يجوز إذا لبسهما علي كمال الطهارة، وأنه إذا غسل إحدى رجليه ثم لبس الخف ثم غسل الأخرى فلبس الآخر، لا يجوز المسح عليهما، وذلك أنه ﷺ جعل طهارة القدمين معاً قبل لبس الخفين شرطاً لجواز المسح عليهما، وعلة لذلك، والحكم العلق بشرط لا يصح إلا بوجود شرطه، ذكره الخطابي. وفيه دليل علي أن من أدرك شيئاً من الصلاة مع الإمام يأتي به معه، ثم يتمها بعد ما سلم، وعلي جواز الاستعانة في الطهارة بالخادم. ((مح)): ((سبقتنا)) ضبطناه في الأصول بفتح السين والباء والقاف، وبعدها تاء مثناة من فوق ساكنة، أي وجدت قبل حضورنا، وأما بقاء عبد الرحمن في صلاته هذه وتأخر أبي بكر الصديق في صلاته في حديث آخر ليتقدم

стр. 416

ركعة، فلما أحس بالنبي ﷺ يتأخر، فأومأ إليه، فأدرك النبي ﷺ إحدى الركعتين معه، فلما سلم، قام النبي ﷺ ، وقمت معه، فركعنا الركعة التي سبقتنا. رواه مسلم. الفصل الثاني ٥١٩ - عن أبي بكرة، عن النبي ﷺ : أنه رخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوماً وليلة، إذا تطهر فلبس خفيه أن يمسح عليهما، رواه الأثرم في ((سننه))، وابن خزيمة، والدارقطني. وقال الخطابي: هو صحيح الإسناد، هكذا في ((المنتقى)). [٥١٩] ٥٢٠ - وعن صفوان بن عسال، قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا سفراً أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم. رواه الترمذي، والنسائي. [٥٢٠] ــ النبي ﷺ ، فالفرق بينهما أن في قضية عبد الرحمن كان قد ركع ركعة فترك النبي ﷺ التقدم؛ لئلا يختل ترتيب صلوة القوم، بخلاف قضية أبي بكر ﵁. الفصل الثاني الحديث الأول عن أبي بكرة: قوله: ((أن يمسح)) فمفعول ((رخص))، و ((ثلاثة أيام)) ظرف له، يعني رخص لهم أن يمسحوا ثلاثة أيام ويوماً وليلة. الحديث الثاني عن صفوان: قوله: ((سفراً)) وهو جمع سافر، كتجر جمع تاجر، وصحب جمع صاحب، و ((لكن من غائط)) حق ((لكن)) أن يخالف ما بعدها لما قبلها نفياً وإثباتاً، محققاً أو مؤولاً، فالمعنى أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزع خفافنا في الجنابة، لكن لا ننزع ثلاثة أيام ولياليهن من بول أو غائط وغيرهما إذا كنا سفراً، فعلي هذا لا يلزم رد هذه الرواية علي ما ذهب إليه الشيخ التوربشتي؛ لأن هذا ميل إلي المعنى دون اللفظ. قال ابن جني في قوله تعالي: ﴿وما يخدعون إلا أنفسهم﴾ علي قراءة عبد السلام بن شداد: هذا من أشد مذاهب العربية، وذلك أنه موضع يملك فيه المعنى عنان الكلام، فيأخذه إليه، ويصرفه بحسب ما يؤثره. ((مظ)): فإن قيل: لم لا يجوز المسح علي الخف للمغتسل ويجوز للمتوضئ؟ قلنا: لأن الجنابة يقل وقوعها، فلا يكون في نزع الخف مشقة، بخلاف سائر الأحداث. ((تو)): هذا الحديث

стр. 417

٥١٢ - وعن المغيرة بن شعبة، قال: وضأت النبي ﷺ في غزوة تبوك، فمسح أعلي الخف وأسفله. رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه. وقال الترمذي: هذا حديث معلول. وسألت أبا زرعة ومحمداً- يعني البخاري- عن هذا الحديث، فقالا: ليس بصحيح. وكذا ضعفه أبو داود. [٥٢١] ٥٢٢ - وعنه، أنه قال: رأيت النبي ﷺ يمسح علي الخفين علي ظاهرهما. رواه الترمذي، وأبو داود. [٥٢٢] ٥٢٣ - وعنه، قال: توضأ النبي ﷺ ، ومسح علي الجوربين والنعلين، رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود، وابن ماجه. [٥٢٣] ــ أحسن ما روي في التوقي، مع ما فيه من الحجة القائمة علي الفرقة الزائغة عن القول بمسح الخف، وهو قول الصحابي: ((كان رسول الله ﷺ يأمرنا)) ولفظ الأمر فيه من أقوى الحجج، وأقوم الدلائل، علي أنه الحق الأبلج، والسنة القائمة. الحديث الثالث عن المغيرة: قوله: ((وضأت)) أي سكبت الوضوء علي يديه ﷺ فمسح أعلي الخف وأسفله. ((حس)): عن علي ﵁ قال: ((لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولي بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح علي ظاهر خفيه)). ومسح أعلي الخف واجب، ومسح أسفله سنة عند بعض أهل العلم؛ لما روي المغيرة أن النبي ﷺ مسح أعلي الخف وأسفله، والحديث مرسل؛ لأنه يرويه ثور بن يزيد عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن المغيرة، وثور لم يسمع هذا عن رجاء، قال أبو عيسى: سألت أبا زرعة ومحمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، قالا: ليس بصحيح. قوله: ((معلول الحديث)) المعلول عبارة عما فيه أسباب خفية غامضة قادحة، وقيل: المعلول ما وهم فيه ثقة برفع المرفوع، أو بتغير إسناده، أو زيادة، أو نقصان يغير المعنى. الحديث الرابع والخامس عن المغيرة: قوله: ((علي الجوربين والنعلين)) ((خط)): معنى قوله: ((والنعلين)) هو أن يكون قد لبس النعلين فوق الجوربين، وقد أجاز المسح علي الجوربين جماعة من السلف، وذهب إليه نفر من فقهاء الأمصار، منهم سفيان الثوري، وأحمد، وإسحاق. وقال مالك بين أنس والأوزاعي، والشافعي: لا يجوز المسح علي الجوربين، وقد ضعف أبو داود هذا الحديث، وذكر أن عبد الرحمن بن مهدي كان لا يحدث به.

стр. 418

الفصل الثالث ٥٢٤ - عن المغيرة، قال: مسح رسول الله ﷺ علي الخفين. فقلت: يا رسول الله! نسيت؟ قال: ((بل أنت نسيت؛ بهذا أمرني ربي ). رواه أحمد، وأبو داود. [٥٢٤] ٥٢٥ - وعن علي [﵁]: أنه قال: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولي بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله صلي الله ليع وسلم يمسح علي ظاهر خفيه. رواه أبو داود، وللدارمي معناه. [٥٢٥] (١٠) باب التيمم الفصل الأول ٥٢٦ - عن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((فضلنا علي الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً. وجعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء)). رواه مسلم. ــ الفصل الثالث الحديث الأول عن المغيرة: قوله: ((بل أنت نسيت)) يحتمل حمله علي الحقيقة، أي نسيت إني شارع، فنسبت النسيان إلي، أو يكون بمعنى أخطأت، فجاء النسيان علي المشاكلة، قدم الجار والمجرور علي عامله اهتماماً بشأنه؛ لأن الكلام فيه. الحديث الثاني ظاهر. باب التيمم الفصل الأول الحديث الأول عن حذيفة: قوله: ((فضلنا علي الناس بثلاث)) هذه الخصال من بعض خصائص هذه الأمة المرحومة، ثنتان منها لرفع الحرج ووضع الإصر، كما قال تعالي: ﴿ولا تحمل علينا إصراً كما حملته علي الذين من قبلنا﴾، وواحدة إشارة إلي رفع الدرجات العالية

стр. 419

٥٢٧ - وعن عمران، قال: كنا في سفر مع النبي ﷺ ، فصلي بالناس، فلما انفتل من صلاته، إذا هو برجل معتزل لم يصل مع القوم، فقال: ((ما منعك يا فلان! أن تصلي مع القوم؟)) قال: أصابتني جنابة، ولا ماء. قال: ((عليك بالصعيد فإنه يكفيك)). متفق عليه. ٥٢٨ - وعن عمار، قال جاء رجل إلي عمر بن الخطاب [﵁] فقال: إني أجنبت فلم أصب الماء. فقال عمار لعمر: أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت؟ فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت فصليت، فذكرت ذلك للنبي ﷺ . فقال: ((إنما كان ــ في المناجات بين يدي بارئهم، صافين صفوف الملائكة المقربين، كما قال: ﴿وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون﴾. ((خط)): إنما جاء علي مذهب الامتنان علي هذه الأمة، بأن رخص لهم في الطهور بالأرض والصلاة عليها في بقاعها، وكانت الأمم السالفة لا يصلون إلا في كنائسهم وبيعهم. ((شف)): فيه دليل علي أن أداء الصلاة بالتيمم لا يجوز عند قدرته علي الوضوء بالماء. ((حس)): خص التراب بالذكر لكونه طهوراً، ولهذا قال الشافعي: لا يصح التيمم بالزرنيخ، والنورة، والجص ونحوها، وإنما يجوز بما يقع عليه اسم التراب في كل أرض يعلق باليد منها غبار، وجوز أصحاب الرأي التيمم بما ذكرنا وغيرها من طبقات الأرض؛ لما روي عن جابر أن النبي ﷺ قال: ((جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)). قلنا: حديث حديفة مفسر، والمفسر من الحديث يقضي علي المجمل. الحديث الثاني عن عمران: قوله: ((فلما انفتل)) يقال: فتل وجهه عني أي صرفه، وقوله: ((إذا)) للمفاجأة، وهو مبتدأ، و ((برجل)) خبره، أي فأجاء رسول الله ﷺ رجلاً، والجملة جواب ((لما)). ((الكشاف)): الصعيد وجه الأرض تراباً كان أو غيره، وإن كان صخراً لا تراب عليه، لو ضرب المتيمم يده عليه ومسح لكان ذلك طهوراً، وهو مذهب أبي حنيفة. فإن قلت: فما تصنع بقوله في سورة المائدة: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ أي بعضه، وهذا لا يتأتى في الصخر الذي لا تراب عليه؟ قلت: قالوا: إن ((من)) لابتداء الغاية، فإن قلت: قولهم: إنها لابتداء الغاية قول متعسف. قلت: ولا يفهم أحد من العرب من قول القائل: مسحت برأسي من الدهن، ومن الماء، ومن التراب إلا معنى التبعيض. قلت: هو كما تقول، والإذعان للحق أحق من المراء. الحديث الثالث عن عمار: قوله: ((فتمعكت)) أي تمرغت، يقال: تمعكت الدابة وتمرغت إذا

стр. 420

يكفيك هكذا)) فضرب النبي ﷺ بكفيه علي الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه. رواه البخاري. ولمسلم نحوه، وفيه: قال: ((إنما يكفيك أن تضرب بيديك الأرض. ثم تنفخ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك)). ٥٢٩ - وعن أبي الجهيم بن الحارث بن الصمة، قال: ((مررت علي النبي ﷺ وهو يبول، فسلمت عليه، فلم يرد علي حتى قام إلي جدار، فحته بعصى كانت معه، ثم وضع يديه علي الجدار، فمسح وجهه وذراعيه، ثم رد علي)). ولم أجد هذه الرواية في: ((الصحيحين))، ولا في: ((كتاب الحميدي))؛ ولكن ذكره في: ((شرح السنة)) وقال: هذا حديث حسن. [٥٢٩] ــ تقلبت في التراب، قاس عمار استعمال التراب علي استعمال الماء في الجنابة. ((حس)): في الحديث فوائد: منها أن مسح الوجه واليدين تارة يكون بدلاً عن غسل أعضاء الوضوء في حق المحدث، وأخرى عن غسل جميع البدن في حق الجنب والحائض والميت عند العجز، أو عند فقدان الماء، وتارة عن غسل لمعة من بدنه بسبب الجرح في بعض أعضاء الووضء، وأنه يكفي في التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين، وهو قول علي، وابن عباس، وعمار، وجمع من التابعين ﵃. وذهب عبد الله بن عمر، وجابر، وجمع من التابعين ﵃ والأكثرون من فقهاء الأمصار إلي أن التيمم ضربتان. ((قض)): في الحديث دليل علي أن الضربة الواحدة كافية في التيمم، وقد قال به أحمد، وداود، وهو رواية عن مالك، وقول قديم للشافعي، وذهب الجمهور إلي أنه لابد من ضربتين؛ لحديث ابن عمر ﵄، ومعاضدة القياس والاحتياط له، وقد روي ذلك عن عمار أيضاً. وأقول: حديث عمار أورده أبو داود في سننه، وسيجيء في آخر الفصل الثالث. الحديث الرابع عن أبي الجهيم بن الحارث بن الصمة في جامع الأصول بكسر الصاد وتشديد الميم: قوله: ((حته)) أي خدشه. ((حس)): فيه أن التيمم لا يصح ما لم يعلق باليد غبار، فإن الحت والخدش إنما كان كذلك، وأن ذكر الله يستحب فيه الطهارة. قوله: ((ولم أجد هذه الرواية في الصحيحين)) ورواية الصحيحين مذكورة في أول الفصل الثالث من هذا الباب.

стр. 421

الفصل الثاني ٥٣٠ - عن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشره، فإن ذلك خير)). رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود. [٥٣١] وروى النسائي نحوه إلي قوله: ((عشر سنين)). ٥٣١ - وعن جابر، قال: خرجنا في سفر، فأصاب رجلاً منا حجر فشجه في رأسه، فاحتلم، فسأل أصحابه: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ قالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر علي الماء. فاغتسل فمات. فلما قدمنا علي النبي ﷺ أخبر بذلك. قال: ((قتلوه، قتلهم الله؛ ألا سألوا إذا لم يعلموا! فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم، ويعصب علي جرحه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده)). رواه أبو داود. [٥٣١] ــ الفصل الثاني الحديث الأول عن أبي ذر: قوله: ((وضوء المسلم)) الوضوء- بفتح الواو- الماء، وفي الكلام تشبيه، أي الصعيد الطيب كالماء في الطهارة. ((وإن لم يجد الماء عشر سنين)) مبالغة لا تحديد، وهذا من الشرط الذي يقطع عنه جزاؤه لمجرد المبالغة، و ((فليمسه)) - بضم الياء وكسر الميم- مضارع أمس البشر، والبشرة وجه الجلد. ((مظ)): ليس معنى ((فإن ذلك خير)) أن الوضوء والتيمم كلاهما جائز عند وجود الماء لكن الوضوء خير، بل المراد منه أن الوضوء واجب عند وجود الماء، ولا يجوز التيمم، وهذا نظير قوله تعالي: ﴿أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً وأحسن مقيلا﴾، مع أنه لا خير ولا حسن لمستقر أصحاب النار ومقيلهم. الحديث الثاني عن جابر: قوله: ((فشجه في رأسه)) أي أوقع الشج فيه، نحو: يجرح في عراقبها نصل. وكذا قوله: ((خرجنا في سفر)). قوله: ((ألا سألوا)) ((ألا)) حرف تحضيض دخل علي الماضي فأفاد التنديم، و ((إذا)) ظرف فيه معنى التعليل، ويدل علي رواية ((إذا)) والفاء للتسبيب، و ((العي)) عدم الضبط والبيان، يقال: عي بالأمر وتعي به إذا لم يضبطه، وعايا صاحبه معاياة إذا ألقى عليه كلاماً أو علماً لا يهتدي لوجهه، استعارة الشفاء لمعنى الإزالة استعارة مصرحة، أو

стр. 422

٥٣٢ - ورواه ابن ماجه، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس. [٥٣٢] ٥٣٣ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمم صعيداً طيباً، فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة بوضوء، ولم يعد الآخر. ثم أتينا رسول الله ﷺ ، فذكرا ذلك. فقال للذي لم يعد: ((أصبت السنة، وأجزأتك صلاتك)). وقال للذي توضأ وأعاد: ((لك الأجر مرتين)). رواه أبو داود، والدارمي، وروى النسائي نحوه. [٥٣٣] ٥٣٤ - وقد روى هو وأبو داود أيضاً عن عطاء بن يسار مرسلا. الفصل الثالث ٥٣٥ - عن أبي الجهيم بن الحارث بن الصمة، قال: أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد النبي ﷺ حتى أقبل علي الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇. متفق عليه. ــ استعارة العي للمرض علي المكنية، وفيه مطابقة معنوية؛ لأنه قوبل العي بعدم العلم، والمقابل الحقيقي للعي للإطلاق، وللجهل العلم، المعنى لم لم يسألوا حين لم يعلموا؛ لأن شفاء الجهل السؤال، أو لم لم تسألوا عن الشيء حين لم تهتدوا إليه؛ فإن شفاء العي السؤال. ((التعصيب)) الشد بالعصابة والخرقة. ((خط)): وفيه أنه ﷺ عابهم بالإفتاء بغير علم، وألحق بهم الوعيد بأن دعا عليهم، وفيه أن الجمع بين التيمم وغسل سائر بدنه بالماء، ولم ير أحد الأمرين كافياً دون الآخر جائزاً. الحديث الثالث عن أبي سعيد ظاهر. الفصل الثالث الحديث الأول، والثاني عن عمار بن ياسر: قوله: ((الآباط)) ((الجوهري)): الإبط ما تحت الجناح، يذكر ويؤنث، والجمع آباط، وإنما ذهبوا إلي هذا نظراً إلي أن اليد في آيتي التيمم مطلقة غير مقيدة، فحملت علي مسمى اليد، وهو من رءوس الأصابع إلي المنكب، وأما في آية الوضوء فهي مقيدة بالمرفقين، وذلك أن ((إلي)) ليس لبيان الغاية، بل لإسقاط ما وراءها، إذ

стр. 423

٥٣٦ - وعن عمار بن ياسر: أنه كان يحدث: أنهم تمسحوا وهم مع رسول الله ﷺ بالصعيد لصلاة الفجر، فضربوا بأكفهم الصعيد، ثم مسحوا بوجوههم مسحة واحدة، ثم عادوا فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى، فمسحوا بأيديهم كلها إلي المناكب والآباط من بطون أيديهم. رواه أبو داود. [٥٣٦] (١١) باب الغسل المسنون ٥٣٧ - عن ابن عمر [﵄] قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل)). متفق عليه. ٥٣٨ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((غسل يوم الجمعة واجب علي كل محتلم)). متفق عليه. ٥٣٩ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((حق علي كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوماً، يغسل فيه رأسه وجسده)). متفق عليه. ــ لولاها لاستوعب الوظيفة الكل، كذا ذكره صاحب الهداية. وأما الجمهور فنظروا إلي أن التيمم فرع علي الوضوء وتخفيف، فلأن يذهب إلي أقل من الأصل أولي من أن يذهب إلي أكثر، فردوا المطلق علي المقيد. وقد حكى ابن الحاجب في تفريعه فيمن تيمم إلي الكوعين ثلاثة أقوال: أحدهما صحة الصلاة، والثاني يعيد في الوقت، والثالث يعيد أبداً. باب الغسل المسنون الفصل الأول الحديث الأول عن ابن عمر ﵄: قوله: ((إذا جاء أحدكم)) الظاهر أن ((الجمعة)) فاعل، كقوله تعالي: ﴿فإذا جاءتهم الحسنة﴾ وقوله ﴿أن يأتي أحدكم الموت﴾ وفيه أنه لا يصح غسل الجمعة قبل الصبح، والأمر للندب. الحديث الثاني، والثالث عن أبي هريرة: قوله: ((محتلم)) أي بالغ؛ لأن الصبي غير مأمور. ((خط)): ذهب أكثر الفقهاء إلي أنه غير واجب، وتأولوا الحديث علي معنى الترغيب فيه،

стр. 424

الفصل الثاني ٥٤٠ - عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت؛ ومن اغتسل فالغسل أفضل)). رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، والدارمي. [٥٤٠] ٥٤١ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من غسل ميتاً فليغتسل)). رواه ابن ماجه. [٥٤١] ــ حتى يكون الواجب علي معنى التمثيل والتشبيه، واستدلوا بأنه قد عطف عليه الاستنان والطيب، ولم يختلفوا في أنهما غير واجبين، فكذلك المعطوف، وفيه نظر؛ لما سبق من جواز عطف الندب علي الواجب. ((حس)): أراد به وجوب الاختيار لا وجوب الحتم، كما يقول الرجل لصاحبه: حقك علي واجب، ولا يريد به اللزوم الذي لا يسع تركه. ((تو)): وذلك لأن القوم كانوا عمالا في المهنة، يلبسون الصوف، وكان المسجد ضيقاً، ويتأذى بعضهم من بعض من رائحة عرقهم، فندبهم إلي الاغتسال بلفظ الوجوب؛ ليكون أدعى إلي الإجابة، وقد علم ذلك من الأحاديث الواردة في هذا الباب. أقول: سيرد في الفصل الثالث حديث مشبع فيه، وفي إيراده قوله: ((يغسل فيه رأسه وجسده)) استئنافاً بعد قوله: ((يغتسل)) بيان لذلك، فإن تخصيص ذكر غسل الرأس والجسد كالوصف المشعر بالعلية للحكم؛ لأنهما مكانا الوسخ والرائحة الكريهة، والحديث الثالث مطلق محمول علي الحديثين الأولين حيث قيدا بالجمعة. الفصل الثاني الحديث الأول عن سمرة: قوله: ((فبها ونعمت)) ((فا)): الباء متعلقة بفعل مضمر، ي فبهذه الخصلة أو الفعلة تنال الفضلـ والخصلة هي الوضوء، و ((نعمت)) أي ونعمت الخصلة هي، فحذف المخصوص بالمدح. وقيل: أي فبالرخصة أخذ، ونعمت السنة التي ترك. وفي هذا انحراف عن مراعاة حق اللفظ، فإن الضمير الثاني يرجع إلي غير ما يرجع إليه الضمير الأول. ويحتمل أن يقال: عليه بتلك الفعلة. الحديث الثاني عن أبي هريرة: قوله: ((من غسل ميتاً)) ((حس)): اختلفوا فيه، فذهب بعضهم

стр. 425

وزاد أحمد والترمذي وأبو داود: ((ومن حمله فليتوضأ)). ٥٤٢ - وعن عائشة، ﵂، أن النبي ﷺ كان يغتسل من أربع: من الجنابة، ويوم الجمعة، ومن الحجامة، ومن غسل الميت. رواه أبو داود. [٥٤٢] ــ إلي وجوبه، وأكثرهم إلي أنه غير واجب. ((خط)): يشبه أن من رأي الاغتسال منه إنما رأي لإصابة الغاسل من رشاش المغسول شيء، وربما كان علي بدن الميت نجاسة وهو لا يعلم، فيجب عليه غسل جميع بدنه، فإذا أمن منه لا يجب الاغتسال. قوله: ((ومن حمله)) ((حس)): حمله أي مسه، وقيل: ((فليتوضأ)) معناه فليكن علي وضوء حالة ما يحمله، ليتهيأ له الصلاة عليه. الحديث الثالث عن عائشة: قوله: ((من أربع)) ((من)) فيه لابتداء الغاية، أي أنشأ وابتدأ اغتساله من أربع، أي من جهة أربعة أشياء وبسببها، وإنما لم يؤت بمن في يوم الجمعة لأن الاغتسال له ولكرامته، ولا بسببه وما يلحق الشخص من الأذى كما في الثلاث الأخر. ((خط)): قد يجمع اللفظ قرائن الألفاظ، والأسماء المختلفة الأحكام والمعإني ترتبها وتنزلها منازلها، فأما الاغتسال من الجنابة فواجب بالاتفاق، وأما الاغتسال للجمعة فقد قام الدليل علي أنه ﷺ كان يفعل ويأمره استحباباً. ومعقول أن الحجامة إنما يغتسل منها لإماطة الأذى ولرشاش لا يؤمن منه، فهو مستحب للنظافة. وقيل: لا يفهم من الحديث أن النبي ﷺ غسل الميت، فالإسناد مجازي، كما قيل: إنه رجم ماعزاً، أي أمر برجمه، لا أنه رجمه بنفسه، ويقال: قطع الأمير اللص.
следующие страницы →