Полный текст (3 308 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
الفصل الثاني
٥٣٠ - عن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشره، فإن ذلك خير)). رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود. [٥٣١]
وروى النسائي نحوه إلي قوله: ((عشر سنين)).
٥٣١ - وعن جابر، قال: خرجنا في سفر، فأصاب رجلاً منا حجر فشجه في رأسه، فاحتلم، فسأل أصحابه: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ قالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر علي الماء. فاغتسل فمات. فلما قدمنا علي النبي ﷺ أخبر بذلك. قال: ((قتلوه، قتلهم الله؛ ألا سألوا إذا لم يعلموا! فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم، ويعصب علي جرحه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده)). رواه أبو داود. [٥٣١]
ــ
الفصل الثاني
الحديث الأول عن أبي ذر: قوله: ((وضوء المسلم)) الوضوء- بفتح الواو- الماء، وفي الكلام تشبيه، أي الصعيد الطيب كالماء في الطهارة. ((وإن لم يجد الماء عشر سنين)) مبالغة لا تحديد، وهذا من الشرط الذي يقطع عنه جزاؤه لمجرد المبالغة، و ((فليمسه)) - بضم الياء وكسر الميم- مضارع أمس البشر، والبشرة وجه الجلد. ((مظ)): ليس معنى ((فإن ذلك خير)) أن الوضوء والتيمم كلاهما جائز عند وجود الماء لكن الوضوء خير، بل المراد منه أن الوضوء واجب عند وجود الماء، ولا يجوز التيمم، وهذا نظير قوله تعالي: ﴿أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً وأحسن مقيلا﴾، مع أنه لا خير ولا حسن لمستقر أصحاب النار ومقيلهم.
الحديث الثاني عن جابر: قوله: ((فشجه في رأسه)) أي أوقع الشج فيه، نحو: يجرح في عراقبها نصل. وكذا قوله: ((خرجنا في سفر)). قوله: ((ألا سألوا)) ((ألا)) حرف تحضيض دخل علي الماضي فأفاد التنديم، و ((إذا)) ظرف فيه معنى التعليل، ويدل علي رواية ((إذا)) والفاء للتسبيب، و ((العي)) عدم الضبط والبيان، يقال: عي بالأمر وتعي به إذا لم يضبطه، وعايا صاحبه معاياة إذا ألقى عليه كلاماً أو علماً لا يهتدي لوجهه، استعارة الشفاء لمعنى الإزالة استعارة مصرحة، أو
стр. 422
٥٣٢ - ورواه ابن ماجه، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس. [٥٣٢]
٥٣٣ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمم صعيداً طيباً، فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة بوضوء، ولم يعد الآخر. ثم أتينا رسول الله ﷺ ، فذكرا ذلك. فقال للذي لم يعد: ((أصبت السنة، وأجزأتك صلاتك)). وقال للذي توضأ وأعاد: ((لك الأجر مرتين)). رواه أبو داود، والدارمي، وروى النسائي نحوه. [٥٣٣]
٥٣٤ - وقد روى هو وأبو داود أيضاً عن عطاء بن يسار مرسلا.
الفصل الثالث
٥٣٥ - عن أبي الجهيم بن الحارث بن الصمة، قال: أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد النبي ﷺ حتى أقبل علي الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇. متفق عليه.
ــ
استعارة العي للمرض علي المكنية، وفيه مطابقة معنوية؛ لأنه قوبل العي بعدم العلم، والمقابل الحقيقي للعي للإطلاق، وللجهل العلم، المعنى لم لم يسألوا حين لم يعلموا؛ لأن شفاء الجهل السؤال، أو لم لم تسألوا عن الشيء حين لم تهتدوا إليه؛ فإن شفاء العي السؤال. ((التعصيب)) الشد بالعصابة والخرقة. ((خط)): وفيه أنه ﷺ عابهم بالإفتاء بغير علم، وألحق بهم الوعيد بأن دعا عليهم، وفيه أن الجمع بين التيمم وغسل سائر بدنه بالماء، ولم ير أحد الأمرين كافياً دون الآخر جائزاً.
الحديث الثالث عن أبي سعيد ظاهر.
الفصل الثالث
الحديث الأول، والثاني عن عمار بن ياسر: قوله: ((الآباط)) ((الجوهري)): الإبط ما تحت الجناح، يذكر ويؤنث، والجمع آباط، وإنما ذهبوا إلي هذا نظراً إلي أن اليد في آيتي التيمم مطلقة غير مقيدة، فحملت علي مسمى اليد، وهو من رءوس الأصابع إلي المنكب، وأما في آية الوضوء فهي مقيدة بالمرفقين، وذلك أن ((إلي)) ليس لبيان الغاية، بل لإسقاط ما وراءها، إذ
стр. 423
٥٣٦ - وعن عمار بن ياسر: أنه كان يحدث: أنهم تمسحوا وهم مع رسول الله ﷺ بالصعيد لصلاة الفجر، فضربوا بأكفهم الصعيد، ثم مسحوا بوجوههم مسحة واحدة، ثم عادوا فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى، فمسحوا بأيديهم كلها إلي المناكب والآباط من بطون أيديهم. رواه أبو داود. [٥٣٦]
(١١) باب الغسل المسنون
٥٣٧ - عن ابن عمر [﵄] قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل)). متفق عليه.
٥٣٨ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((غسل يوم الجمعة واجب علي كل محتلم)). متفق عليه.
٥٣٩ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((حق علي كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوماً، يغسل فيه رأسه وجسده)). متفق عليه.
ــ
لولاها لاستوعب الوظيفة الكل، كذا ذكره صاحب الهداية. وأما الجمهور فنظروا إلي أن التيمم فرع علي الوضوء وتخفيف، فلأن يذهب إلي أقل من الأصل أولي من أن يذهب إلي أكثر، فردوا المطلق علي المقيد. وقد حكى ابن الحاجب في تفريعه فيمن تيمم إلي الكوعين ثلاثة أقوال: أحدهما صحة الصلاة، والثاني يعيد في الوقت، والثالث يعيد أبداً.
باب الغسل المسنون
الفصل الأول
الحديث الأول عن ابن عمر ﵄: قوله: ((إذا جاء أحدكم)) الظاهر أن ((الجمعة)) فاعل، كقوله تعالي: ﴿فإذا جاءتهم الحسنة﴾ وقوله ﴿أن يأتي أحدكم الموت﴾ وفيه أنه لا يصح غسل الجمعة قبل الصبح، والأمر للندب.
الحديث الثاني، والثالث عن أبي هريرة: قوله: ((محتلم)) أي بالغ؛ لأن الصبي غير مأمور. ((خط)): ذهب أكثر الفقهاء إلي أنه غير واجب، وتأولوا الحديث علي معنى الترغيب فيه،
стр. 424
الفصل الثاني
٥٤٠ - عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت؛ ومن اغتسل فالغسل أفضل)). رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، والدارمي. [٥٤٠]
٥٤١ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من غسل ميتاً فليغتسل)). رواه ابن ماجه. [٥٤١]
ــ
حتى يكون الواجب علي معنى التمثيل والتشبيه، واستدلوا بأنه قد عطف عليه الاستنان والطيب، ولم يختلفوا في أنهما غير واجبين، فكذلك المعطوف، وفيه نظر؛ لما سبق من جواز عطف الندب علي الواجب. ((حس)): أراد به وجوب الاختيار لا وجوب الحتم، كما يقول الرجل لصاحبه: حقك علي واجب، ولا يريد به اللزوم الذي لا يسع تركه. ((تو)): وذلك لأن القوم كانوا عمالا في المهنة، يلبسون الصوف، وكان المسجد ضيقاً، ويتأذى بعضهم من بعض من رائحة عرقهم، فندبهم إلي الاغتسال بلفظ الوجوب؛ ليكون أدعى إلي الإجابة، وقد علم ذلك من الأحاديث الواردة في هذا الباب. أقول: سيرد في الفصل الثالث حديث مشبع فيه، وفي إيراده قوله: ((يغسل فيه رأسه وجسده)) استئنافاً بعد قوله: ((يغتسل)) بيان لذلك، فإن تخصيص ذكر غسل الرأس والجسد كالوصف المشعر بالعلية للحكم؛ لأنهما مكانا الوسخ والرائحة الكريهة، والحديث الثالث مطلق محمول علي الحديثين الأولين حيث قيدا بالجمعة.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن سمرة: قوله: ((فبها ونعمت)) ((فا)): الباء متعلقة بفعل مضمر، ي فبهذه الخصلة أو الفعلة تنال الفضلـ والخصلة هي الوضوء، و ((نعمت)) أي ونعمت الخصلة هي، فحذف المخصوص بالمدح. وقيل: أي فبالرخصة أخذ، ونعمت السنة التي ترك. وفي هذا انحراف عن مراعاة حق اللفظ، فإن الضمير الثاني يرجع إلي غير ما يرجع إليه الضمير الأول. ويحتمل أن يقال: عليه بتلك الفعلة.
الحديث الثاني عن أبي هريرة: قوله: ((من غسل ميتاً)) ((حس)): اختلفوا فيه، فذهب بعضهم
стр. 425
وزاد أحمد والترمذي وأبو داود: ((ومن حمله فليتوضأ)).
٥٤٢ - وعن عائشة، ﵂، أن النبي ﷺ كان يغتسل من أربع: من الجنابة، ويوم الجمعة، ومن الحجامة، ومن غسل الميت. رواه أبو داود. [٥٤٢]
ــ
إلي وجوبه، وأكثرهم إلي أنه غير واجب. ((خط)): يشبه أن من رأي الاغتسال منه إنما رأي لإصابة الغاسل من رشاش المغسول شيء، وربما كان علي بدن الميت نجاسة وهو لا يعلم، فيجب عليه غسل جميع بدنه، فإذا أمن منه لا يجب الاغتسال.
قوله: ((ومن حمله)) ((حس)): حمله أي مسه، وقيل: ((فليتوضأ)) معناه فليكن علي وضوء حالة ما يحمله، ليتهيأ له الصلاة عليه.
الحديث الثالث عن عائشة: قوله: ((من أربع)) ((من)) فيه لابتداء الغاية، أي أنشأ وابتدأ اغتساله من أربع، أي من جهة أربعة أشياء وبسببها، وإنما لم يؤت بمن في يوم الجمعة لأن الاغتسال له ولكرامته، ولا بسببه وما يلحق الشخص من الأذى كما في الثلاث الأخر. ((خط)): قد يجمع اللفظ قرائن الألفاظ، والأسماء المختلفة الأحكام والمعإني ترتبها وتنزلها منازلها، فأما الاغتسال من الجنابة فواجب بالاتفاق، وأما الاغتسال للجمعة فقد قام الدليل علي أنه ﷺ كان يفعل ويأمره استحباباً. ومعقول أن الحجامة إنما يغتسل منها لإماطة الأذى ولرشاش لا يؤمن منه، فهو مستحب للنظافة. وقيل: لا يفهم من الحديث أن النبي ﷺ غسل الميت، فالإسناد مجازي، كما قيل: إنه رجم ماعزاً، أي أمر برجمه، لا أنه رجمه بنفسه، ويقال: قطع الأمير اللص.
стр. 426
٥٤٣ - وعن قيس بن عاصم: أنه أسلم، فأمره النبي ﷺ أن يغتسل بماء وسدر. رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي. [٥٤٣].
الفصل الثالث
٥٤٤ - عن عكرمة، قال: إن ناسا من أهل العراق جاءوا فقالوا: يا بن عباس! أترى الغسل يوم الجمعة واجباً؟ قال: لا؛ ولكنه أطهر وخير لمن اغتسل، ومن لم يغتسل فليس عليه بواجب. وسأخبركم كيف بدء الغسل: كان الناس مجهودين يلبسون الصوف، ويعملون علي ظهورهم، وكان مسجدهم ضيقاً مقارب السقف، إنما هو عريشـ فخرج رسول الله ﷺ في يوم حار، وعرق الناس في ذلك الصفوف، حتى ثارت منهم رياح، آذى بذلك بعضهم بعضاً. لما وجد رسول الله ﷺ تلك الرياح، قال: ((يا أيها الناس! إذا كان هذا اليوم؛ فاغتسلوا، وليمس أحدكم أفضل ما يجد من دهنه وطيبه)). قال ابن عباس: قم جاء الله بالخير، ولبسوا غير الصوف، وكفوا
ــ
الحديث الرابع عن قيس: قوله: ((فأمره أن يغتسل)) ((حس)): ذهب الأكثرون إلي أنه يستحب لمن أسلم أن يغتسل ويغسل ثيابه إذا لم يكن قد لزمه غسل في حال الكفر، وذهب بعضهم إلي وجوبه. ((مظ)): هل يغتسل قبل الشهادتين أو بعدهما؟ فيه خلاف، والأصح لا، فيؤمر أولاً بالشهادتين، ثم بالغسل، والغرض من الاغتسال التطهير من النجاسة المحتملة والوسخ والرائحة الكريهة، فيستعمل السدر لإزالة ذلك والتطيب، وعند مالك وأحمد يجب عليه الغسل وإن لم يكن جنباً.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن عكرمة: قوله: ((أترى)) من الرأي، أي أتذهب إليه وتقول به؟ و ((إنما هو عريش)) أي لم يكن سقف المسجد كسائر السقوف مرتفعة، بل كان شيئاً يستظل به من الشمس كعريش الكرم. وقوله: ((ثم جاء الله بالخير)) عطف علي قوله: ((بدء الغسل))، وفي ((ثم)) معنى التراخي في الزمان والرتبة، ولذا نسب إلي الله تعالي، و ((كفوا)) بالتخفيف، من قولهم: كفاه مئونته.
стр. 427
العمل، ووسع مسجدهم، وذهب بعضهم الذي كان يؤذي بعضهم بعضاً من العرق. رواه أبو داود. [٥٤٤]
(١٢) باب الحيض
الفصل الأول
٥٤٥ - عن أنس بن مالك، قال: إن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوهن في البيوت، فسأل أصحاب النبي ﷺ النبي ﷺ ، فأنزل الله تعالي: ﴿ويسألونك عن المحيض﴾ الآية. فقال رسول الله ﷺ : ((اصنعوا كل شيء إلا النكاح)) فبلغ ذلك اليهود. فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفنا فيه. فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر، فقالا: يا رسول الله! إن اليهود تقول كذا وكذا، أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله ﷺ حتى ظننا أن قد وجد عليهما. فخرجا، فاستقبلتهما هدية من لبن إلي النبي ﷺ ، فأرسل في آثارهما فسقاهما، فعرفا أنه لم يجد عليهما. رواه مسلم.
ــ
باب الحيض
الفصل الأول
الحديث الأول عن أنس: قوله: ((فيهم)) كذا في جامع مسلم، وجامع الأصول، وفي المصابيح وشرح السنة: ((منهم)). وقوله: ((اصنعوا كل شيء إلا النكاح)) تفسير للآية وبيان لقوله تعالي: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض﴾، فإن الاعتزال شامل للمجانبة عن المؤاكلة والمصاحبة والمجامعة، لكنه قيد بقوله تعالي: ﴿فأتوهن من حيث أمركم الله﴾ فعلم أن المراد منه المجامعة، فقال ﷺ : ((اصنعوا كل شيء إلا النكاح)) أي الجماع، إطلاقاً لاسم السبب علي المسبب؛ لأن عقد النكاح سبب للجماع، و ((أن قد وجد عليهما)) أي غضب عليهما، ويعبر عن الغضب بالموجدة.
((حس)): اتفقوا علي تحريم غشيان الحائض، ومن فعله عالماً عصى، ومن استحله كفر؛ لأنه محرم بنص القرآن، ولا يرتفع التحريم إلا بقطع الدم والاغتسال عند أكثرهم بنص الكتاب. ((مظ)): عن أبي حنيفة والشافعي ومالك يحرم ملامسة الحائض فيما بين السرة والركبة، وعند
стр. 428
٥٤٦ - وعن عائشة، قالن: كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد، وكلانا جنب، وكان يأمرني، فأتزر، فيباشرني وأنا حائض. وكان يخرج رأسه إلي وهو معتكف، فأغسله، وأنا حائض. متفق عليه.
٥٤٧ - وعنها، قالت: كنت أشرب وأنا حائض، ثم أناوله النبي ﷺ ، فيضع فاه علي موضع في، فيشرب؛ وأتعرق العرق، وأن حائض، ثم أناوله النبي ﷺ ؛ فيضع فاه علي موضع في. رواه مسلم.
٥٤٨ - وعنها، قالت: كان النبي ﷺ يتكئ في حجري وأنا حائض، ثم يقرأ القرآن. متفق عليه.
٥٤٩ - وعنها، قالت: قال النبي ﷺ : ((ناوليني الخمرة من المسجد)). فقلت: إني حائض. فقال: ((إن حيضتك ليست في يدك)). رواه مسلم.
ــ
أبي يوسف ومحمد، وفي وجه لأصحاب الشافعي أنه يحرم المجامعة فحسب، ودليلهم هذا الحديث، والأولون استدلوا بحديث عائشة الذي يأتي بعد هذا.
قوله: ((فاستقبلتهما هدية)) أي فاستقبل الرجلين شخص معه هدية يهديها إلي رسول الله ﷺ والإسناد مجازي.
الحديث الثاني عن عائشة: قوله: ((فأتزر)) ((تو)): صوابه بهمزتين، فإن إدغام الهمزة في التاء غير جائز، ولما كانت أم المؤمنين ﵂ من البلاغة بمكان علمنا أنه نشأ من بعض الرواة. ((فيباشرني)) أي يضاجعني، ويواصل بشرته بشرتي دون جماع، يعني أنه كان يستمتع مني بعد أن يأمرني بشد الإزار، فتمس بشرته بشرتي. وفيه دليل علي حرمة الاستمتاع بما تحت الإزار، وبه قال الشافعي في الجديد، خوفاً من أن يقع في الحرام؛ لأن من رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه.
((مظ)): في الحديث دليل علي ترك مجانبة الحيض، وعلي المعتكف إذا أخرج بعض أعضائه من المسجد لم يبطل اعتكافه.
الحديث الثالث عن عائشة: قوله: ((وأتعرق العرق)) في الغريبين: بالفتح وسكن الراء، العرق أي العظم الذي قشر عنه معظم اللحم بالأسنان، ويبقى عليه بقية.
الحديث الرابع، والخامس عن عائشة: قوله: ((الخمرة)) ((قض)) الخمرة ((بالضم)) سجادة صغيرة تؤخذ من سعف النخل، مأخوذة من الخمر بمعنى التغطية، فإنها تخمر موضع السجود، أو وجه
стр. 429
٥٥٠ - وعن ميمونة، ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ في مرط، بعضه علي وبعضه عليه، وأنا حائض. متفق عليه.
الفصل الثاني
٥٥١ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أتى حائضاً، أو امرأة في دبرها، أو كاهناً؛ فقد كفر بما أنزل علي محمد. رواه الترمذي. وابن ماجه، والدارمي وفي روايتهما: ((فصدقه بما يقول؛ فقد كفر)).
وقال الترمذي: لا نعرف هذا الحديث إلا من [حديث] حكيم الأثرم، عن أبي تيمية، عن أبي هريرة. [٥٥١]
ــ
المصلي عن الأرض. والحيضة- بكسر الحاء- فعلة من الحيض بمعنى الحال التي تكون الحائض عليها من التحيض والتجنب، وقد روى بالفتح، وهي المرة من الحيض. وفيه دليل علي أن للحائض أن تتناول شيئاً من المسجد. ((حس)): في الحديث من الفقه أن للحائض أن تتناول الشيء بيدها من المسجد، وأن من حلف أن لا يدخل داراً أو مسجداً فإنه لا يحنث بإدخال بعض جسده فيه. قال قتادة: الجنب يأخذ من المسجد ولا يضع فيه. ((مظ)): قوله: ((من المسجد)) يجوز أن يعلق بقوله: ((ناوليني))، وهو الظاهر، وأن يعلق بقولها: ((قال النبي ﷺ ).
الحديث السادس عن ميمونة: قوله: ((في مرط)) ((فا)): المروط أكسية من صوف، وربما كانت من حز. ((شف)): فيه دلالة علي أن أعضاء الحائض كلها سوى الفرج طاهرة، وإلا فالصلاة في مرط واحد بعضه علي النجاسة وبعضه علي المصلي لا يجوز.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن أبي هريرة: قوله: ((أتى)) لفظ مشترك هنا بين المجامعة وإتيان الكاهن، وفي قوله ﷺ تغليظ شديد، ووعيد هائل، حيث لم يكتف بـ ((كفر)) بل ضم إليه ((بما أنزل علي محمد))، وصرح بالعلم تجريداً، والمراد بالمنزل الكتاب والسنة، أي من ارتكب هذه الهنات فقد برئ من دين محمد ﷺ وبما أنزل عليه. وفي تخصيص ذكر المرأة المنكوحة ودبرها دلالة علي أن إتيان الأجنبية لاسيما الذكران أش نكيراً، وفي تأخير الكاهن عنهما ترق من الأهون إلي الأغلظ.
((مظ)): الكاهن هو الذي يخبر عما يكون في الزمان المستقبل بالنجوم وما شاكلها، من
стр. 430
٥٥٢ - وعن معاذ بن جبل، قال: قلت: يا رسول الله! ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: ((ما فوق الإزار، والتعفف عن ذلك أفضل)). رواه رزين. وقال محيي السنة: إسناده ليس بقوي. [٥٥٢]
٥٥٣ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا وقع الرجل بأهله، وهي حائض، فليتصدق بنصف دينار)). رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي، والدارمي، وابن ماجه. [٥٥٣]
٥٥٤ - وعنه، عن النبي ﷺ ، قال: ((إذا كان دماً أحمر، فدينار، وإذا كان دماً أصفر، فنصف دنيا. رواه الترمذي. [٥٥٤]
الفصل الثالث
٥٥٥ - عن زيد بن أسلم، قال: إن رجلا سأل رسول الله ﷺ ، فقال: ما يحل
ــ
أكاذيب الجن، والمسترقة من الملائكة أحوال أهل الأرض، من قدر أعمالهم، وأرزاقهم، وما يحدث من الحوادث، فيأتون الكهنة فيخلطون في كل حديث مائة كذبة، فيخبرون الناس بها، يعني من فعل هذه الأشياء واستحلها، وصدق الكاهن فقد كفر، ومن لم يستحلها فهو كافر النعمة فاسق.
الحديث الثاني عن معاذ: قوله: ((التعفف عن ذلك أفضل)) ((مظ)): التجنب عما فوق الإزار أفضل، وحكم الحديث ضعيف؛ لما تقدم أن الاتزار والمباشرة فوقه جائز، ولو كان التعفف أفضل لكان رسول الله ﷺ أولي به.
الحديث الثالث، والرابع عن ابن عباس: قوله: ((فليتصدق بنصف دينار)) ((حس)): [اختلفوا في جوب الكفارة بوطء الحائض فأكثرهم علي أن الكفارة الاستغفار فحسب] وبه قال الشافعي وأصحاب أبي حنيفة. وذهب جماعة إلي وجوبها، وبه قال الشافعي أيضاً، والدليل عليه هذا الحديث.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن زيد بن أسلم: قوله: ((تشد عليها إزارها)) يحتمل أن يكون منصوباً علي
стр. 431
لي من امرأتي وهي حائض؟ فقال لي رسول الله ﷺ : ((تشد عليها إزارها، ثم شأنك بأعلاها)). رواه مالك، والدارمي مرسلاً. [٥٥٥]
٥٥٦ - وعن عائشة، قالت: كنت إذا حضت نزلت عن المثال علي الحصير، فلم نقرب رسول الله ﷺ ، ولم ندن منه حتى نطهر. رواه أبو داود. [٥٥٦]
(١٣) باب المستحاضة
الفصل الأول
٥٥٧ - عن عائشة، ﵂، قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلي النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله! إني امرأة استحاض، فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: ((لا، إنما ذلك عرق وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدع الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، ثم صلي)). متفق عليه.
ــ
حذف ((أن)). فإن قلت: كيف يستقيم هذا جواباً عن قوله: ((ما يحل لي))؟ قلت: يستقيم مع قوله: ((ثم شأنك بأعلاها)) كأنه قيل: يحل لك ما فوق الإزار. ((نه)): أي استمتع بما فوق فرجها، فإنه غير مضيق عليك فهي. و ((شأنك)) منصوب بإضمار فعل، ويجوز رفعه علي الابتداء، والخبر محذوف، تقديره: مباح أو جائز.
الحديث الثاني عن عائشة: قوله: ((عن المثال)) ((نه)): المثال الفراش، وهذا الحديث مخالف لما سبق، لعله منسوخ، اللهم إلا أن يحمل الدنو والقربان علي الغشيان، كما في قوله تعالي: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾، فإن كل واحد من الزوجين يدنو ويقرب من الآخر عند الغشيان.
باب المستحاضة
الفصل الأول
الحديث الأول عن عائشة ﵂: قوله: ((إني امرأة أستحاض)) ((قض)): يقال: استحيضت المرأة تستحاض، علي البناء للمفعول، وقوله: ((إنما ذلك عرق وليس بحيض)) معناه أن ذلك دم عرق انشق، وليس بحيض؛ فإنه دم تميزه القوة المولدة، هيأه الله تعالي من أجل الجنين، ويدفعه إلي الرحم في مجار مخصوصة، فيجتمع فيه، ولذلك سمي حيضاً، من قولهم: استحوض الماء، أي اجتمع، فإذا كثر وامتلأ الرحم ولم يكن فيه جنين أو كان أكثر مما يحتمله
стр. 432
الفصل الثاني
٥٥٨ - عن عروة بن الزبير، عن فاطمة بنت أبي حبيش، أنها كانت تستحاض، فقال لها النبي ﷺ : ((إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك، فأمسكي عن الصلاة؛ فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي، فإنما هو عرق)). رواه أبو داود، والنسائي. [٥٥٨]
٥٥٩ - وعن أم سلمة، قالت: إن امرأة كانت تهراق الدم علي عهد رسول الله
ــ
ينصب منه. وقوله: ((فإذا أقبلت حيضتك)) يحتمل أن يكون المراد به الحالة التي كانت تحيض فيها فيكون رداً إلي العادة، وأن يكون المراد به الحال التي تكون للحيض من قوة الدم في اللون والقوام، ويؤيده ما روي ابن شهاب عن عروة عن فاطمة بنت أبي حبيش أنه ﷺ قال لها: ((إذا كان دم الحيضة فإنه دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فدعي الصلاة))، فيكون رداً علي التمييز، وقد اختلف العلماء فيه، فأبو حنيفة منع اعتبار التمييز مطلقاً، والباقون عملوا بالتمييز في حق المبتدأة، واختلفوا فيما إذا تعارضت العادة والتمييز، فاعتبر مالك وأحمد وأكثر أصحابنا التمييز، ولم ينظروا إلي العادة، وعكس ابن خيران.
الفصل الثاني
الحديث الأول، والثاني عن أم سلمة: قوله: ((يعرف)) أي يعرفه النساء، وهذا دليل التمييز. وقوله: ((تهراق)) قال الحافظ أبو موسى: كذا جاء علي ما لم يسم فاعله، ولم يجيء تهريق، فإما أن يكون تقديره: تهراق هي الدم، والدم وإن كان معرفة فهو تمييز، وله نظائر، وإما أن يجري تهراق مجرى: نفست المرأة غلاماً، ونتجت الفرس مهراً. وزاد صاحب النهاية: ويجوز رفع الدم علي تقدير تهراق دماؤها، ويكون الألف واللام بدلاً من الإضافة، كقوله تعالي: ﴿أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾ أي نكاحه أو نكاحها. ((حس)): ((الاستثفار أن يشد ثوباً يحتجز به علي موضع الدم يمنع السيلان، ومنه ثفر الدابة وهو ما يشد تحت ذنبها، فالمرأة إذا صلت تعالج نفسها علي قدر الإمكان، وإن قطر الدم بعد ذلك تصح صلاتها، ولا إعادة عليها، وكذلك حكم سلس البول، ويجوز للمستحاضة الاعتكاف في المسجد والطواف.
الحديث الثالث عن عدي: قوله: ((أقراءها)) هي جمع قرء، وهو مشترك بين الطهر والحيض، والمراد هنا الحيض، والقرينة قوله: ((التي كانت تحيض فيها)).
стр. 433
صلى الله عليه وسلم فاستفتت لها أم سلمة النبي ﷺ . فقال: ((لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلفت ذلك، فلتغتسل، ثم لتستثفر بثوب، ثم لتصل)). رواه مالك، وأبو داود، والدارمي. وروى النسائي معناه. [٥٥٩]
٥٦٠ - وعن عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده- قال يحيى بن معين: جد عدي اسمه دينار- عن النبي ﷺ ، أنه قال في المستحاضة: ((تدع الصلاة أيام أقرائها التي كانت تحيض فيها، ثم تغتسل، وتتوضأ عند كل صلاة، وتصوم، وتصلي)). رواه الترمذي، وأبو داود [٥٦٠]
٥٦١ - وعن حمنة بنت جحش، قال: كنت أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فأتيت النبي ﷺ أستفتيه وأخبره. فوجدته في بيت أختي زينت بنت جحش، فقلت: يا رسول الله! إني أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فما تأمرني فيها؟ قد منعتني الصلاة والصيام. قال: ((أنعت لك الكرسف، فإنه يذهب الدم)) قالت: هو أكثر من ذلك. قال: ((فتلجمي)). قالت: هو أكثر من ذلك، قال: ((فاتخذي ثوباً)). قالت: هو أكثر من ذلك، إنما أثج ثجاً.
ــ
الحديث الرابع عن حمنة: قوله: ((حيضة)) ((تو)): بفتح الحاء علي المرة الواحدة، ولم يقل: حيضاً، لتمييز تلك الحال التي كانت عليها من سائر أحوال المحيض في الشدة، والكثرة، والاستمرار، والواو في ((وأخبره)) للجمع مطلقاً، وإلا كان التقدير: فأخبره وأستفتيه. ((وأنعت لك الكرسف)) ((فا)): أي أصفه لك لتعالجي به مقطر الدم. قيل: في قوله: ((أنعت)) إشارة إلي حسن أثر القطن وصلاحه لك؛ لأن النعت أكثر ما يستعمل في وصف الشيء بما فيه من حسن. والتلجم شديد اللجام، وهو شبيه بقوله: ((استثفري))، ((وأنج ثجاً)) أي أصب صباً شديداً، ومطر ثجاج إذا انصب جدا، والثج سيلان دماء الهدي.
((خط)): أصل الركض الضرب بالرجل، يريد به الإضرار والإفساد، أي وجد الشيطان بذلك طريقاً إلي التلبيس عليها في أمر دينها وقت طهرها وصلاتها، حتى أنساها ذلك، ((فا)): ((فتحيضي)) أي اقعدي أيام حيضك، ودعي الصلاة فيها والصوم.
стр. 434
فقال النبي ﷺ : ((سآمرك بأمرين، أيهما صنعت أجزأ عنك من الآخر، وإن قويت عليهما فأنت أعلم)). قال لها: ((إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان، فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله، ثم اغتسلي، حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت؛ فصلي ثلاثاً وعشرين ليلة، أو أربعاً وعشرين ليلة، وأيامها، وصومي؛ فإن ذلك يجزئك. وكذلك فافعلي كل شهر كما تحيض النساء وكما يطهرن، ميقات حيضهن وطهرهن. وإن قويت علي أن تؤخرين الظهر وتعجلين العصر، فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين الظهر والعصر وتؤخرين المغرب وتعجلين العشاء. ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين؛ فافعلي وتغتسلين مع الفجر فافعلي؛ وصومي إن قدرت علي ذلك)). قال رسول الله ﷺ : ((وهذا أعجب الأمرين إلي)). رواه أحمد؛ وأبو داود؛ والترمذي. [٥٦١]
ــ
((قض)): ((أو)) في ((أو سبعة أيام)) ليس للتخييرـ ولا لشك الراوي، بل العددان لما استويا في أنهما غالب العادات ردها الشارع إلي الأوفق منهما، كعادات النساء المماثلة لها في السن المشاركة لها في المزاج بسبب القرابة والسكن. و ((في علم الله)) أي فيما أعلمك الله، أو في علمه الذي بينه للناس وشرعه لهم. والظاهر أنها كانت مبتدأة، فردها رسول الله ﷺ إلي غالب عادة النساء، وهو الست أو السبع.
قوله: ((وكذا فافعلي) شبه بقية الأشهر في الحيض والطهر بهذا الشهر المنعوق ثم شبه حالها فيما ذكر بحال سائر النساء في أوقات حيضهن وطهرهن، فقال: ((كما تحيض النساء)) أي افعلي مثلما ذكرت لك من أن تحيضي ستة أو سبعة، كما تفعل النساء في ميقات حيضهن، وكذا فافعلي ما ذكرت لك من أن تغتسلي فصلي ثلاثاً وعشرين ليلة وأيامها، كما تفعله النساء في ميقات طهرهن. وفي الكلام تشبيهان، ولف ونشر مرتان، هذا أحد الأمرين المذكورين في الحديث، وثإني الأمرين قوله: ((وإن قويت)) إلي آخره، بدليل قوله: ((هذا أعجب الأمرين إلي)).
فإن قلت: فما معنى قوله أولاً: ((وإن قويت عليهما)) وثإنياً: ((وإن قويت علي أن تؤخرين الظهر))؟ قلت: لما خيرها بين الأمرين بمعنى: إن قويت علي المرين بما تعلمين من حالك وقتك فاختاري أيهما شئت، ووصف أحد الأمرين، [رأي عجزها] عن الاغتسال لكل صلاة قال لها: دعي ذلك إن لم تقوي عليه، ((وإن قويت علي أن تؤخري الظهر)) إلي آخره، ويفهم من قوله: ((وإن قويت علي أن تؤخرين)) أنها إن عجزت عنه أيضاً نزل رسول الله ﷺ لها إلي أسهل
стр. 435
الفصل الثالث
٥٦٢ - عن أسماء بنت عميس، قالت: قلت: يا رسول الله! إن فاطمة بنت أبي حبيس استحيضت منذ كذا وكذا فلم تصل. فقال رسول الله ﷺ : ((سبحان الله! إن هذا من الشيطان. لتجلس في مركن، فإذا رأت صفارة فوق الماء؛ فلتغتسل للظهر والعصر غسلاً واحداً، وتغتسل للمغرب والعشاء غسلاً واحداً، وتغتسل للفجر غسلا واحداً وتوضأ فيما بين ذلك)). رواه أبو داود، وقال: [ورواه إبراهيم عن ابن عباس، وهو قول إبراهيم النخعي، وعبد الله بن شداد] [٥٦٢]
٥٦٣ - روى مجاهد عن ابن عباس: لما اشتد عليها الغسل، أمرها أن تجمع بين الصلاتين. [٥٦٣]
ــ
وأيسر من ذلك علي قدر الاستطاعة، هذا معنى قول الخطابي: لما رأي النبي ﷺ قد طال عليها، وقد جهدها الاغتسال لكل صلاة رخص لها في الجمع بين الصلاتين بغسل واحد، كالمسافر رخص له في الجمع بين الصلاتين؛ لما يلحقه من مشقة السفر. وذهب إلي إيجاب الغسل عليها عند كل صلاة علي، وابن مسعود، وابن الزبير، وبعض العلماء رضوان الله عليهم أجمعين. وذهب ابن عباس إلي الجمع بين الصلاتين بغسل واحد.
((شف)): مذهب ابن عباس أشبه بهذا الحديث، ومذهب علي ﵁ أقرب وأليق بالفقه. وأقول: السنة أحق أن تتبع، فإنه ﷺ بعث بالحنيفية السهلة السمحة، روينا عن عائشة ﵂: ((ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثماً)) متفق عليه. وإثبات النونات في قوله: ((أن تؤخرين وتعجلين)) وغيرهما في مواقع ((أن)) المصدرية منقول علي ما هو مثبت في كتب الأحاديث، مع أن توجيه إثباتها متعسر، اللهم إلا أن يتحمل ويقال: إن هذه هي المخففة من الثقيلة، وضمير الشأن مقدر، والله أعلم.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن أسماء: قوله: ((فإذا رأت صفارة)) أي إذا زالت الشمس وقربت من العصر ترى فوق الماء شعاع الشمس شبه صفارة؛ لأن شعاعها حينئذ يتغير ويقل، فيضرب إلي الصفرة، وأما حديث مواقيت الصلاة وقت العصر فمعناه تصفر اصفراراً كاملاً، والعلم عند الله تعالي.
стр. 436
كتاب الصلاة
الفصل الأول
٥٦٤ - عن أبي هريرة [﵁] قال: قال رسول الله ﷺ : ((الصلوات الخمس، والجمعة إلي الجمعة، ورمضان إلي رمضان؛ مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر. رواه مسلم.
٥٦٥ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمساً، هل يبقى من درنه شيء؟)) قالوا: لا يبقى من درنه شيء قال: ((فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا)). متفق عليه.
ــ
كتاب الصلاة
قال شيخنا شيخ الإسلام شهاب الدين أبو حفص السهروردي (قدس الله سره)): اشتقاق الصلاة، قيل: هي من الصلي، وهو النار، والخشبة المعوجة إذا أرادوا تقويمها تعرض علي النار، وفي العبد اعوجاج؛ لوجود نفسه الأمارة بالسوء، وسبحات وجه الله الكريم لو كشف حجابها أحرقت من أدركت، يصيب بها المصلي من وهج السطوة الإلهية والعظمة الربإنية ما يزول به اعوجاجه بل يحقق به معراجه، فالمصلي المصطلي بالنار، ومن اصطلي بنار الصلاة وزال بها اعوجاجه لا يعرض علي النار إلا تحلة القسم.
الفصل الأول
الحديث الأول: عن أبي هريرة (﵁): قوله: ((والجمعة إلي الجمعة)) المضاف محذوف، أي صلاة الجمعة، و ((إلي)) متعلق بالمصدر أي صلاة الجمعة منتهية إلي الجمعة، وعلي هذا صوم رمضان منتهياً إلي صوم رمضان، و ((مكفرات)) خبر عن الكل، و ((لما بينهن)) معمول لاسم الفاعل، ولذا دخلت اللام فيه، و ((إذا اجتنبت)) شرط وجزاؤه ما دل عليه ما قبله؛ وإنما ذهبنا إلي أن الصلاة إلي الصلاة مكفرة ما بينهما دون خمس صلوات إلي خمس صلوات، لما يرد بعده من الحديث الآتي.
الحديث الثاني: عن أبي هريرة (﵁): قوله: ((لو أن نهراً)) لو الامتناعية تقتضي أن تدخل علي الفعل الماضي وأن يجاب، والتقدير: لو ثبت نهر بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمساً لما بقى من درنه شيء، فوضع الاستفهام موضعه تأكيداً وتقريراً، إذ هو في الحقيقة متعلق الاستخبار أي أخبروني هل يبقى لو كان كذا؟ وفي رواية: ((ما تقول ذلك يبقى من
стр. 437
٥٦٦ - وعن ابن مسعود قال: إن رجلاً أصاب من امرأة قبلة، فأتى النبي ﷺ فأخبره، فأنزل الله تعالي: ﴿وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ فقال الرجل: يا رسول الله! ألي هذا؟ قال: ((لجميع أمتي كلهم)) وفي رواية: ((لمن عمل بها من أمتي)). متفق عليه.
ــ
درنه)) قال المالكي: فيه شاهد علي إجراء فعل القول مجرى فعل الظن، والشرط أن يكون فيه فعلاً مضارعاً مسنداً إلي المخاطب متصلا باستفهام. وقوله: ((ذلك)) مفعول أول، و ((يبقى)) [ثإني]، و ((ما)) الاستفهامية نصب ((يبقى)) وقدم؛ لأن الاستفهام له صدر الكلام، والتقدير أي شيء تظن ذلك الاغتسال مبقياً من درنه، هذا التقدير علي اللغة المشهورة. وأما سليم فهم يجرون أفعال القول كلها مجرى الظن بلا شرط فيقولون: قلت زياداً منطلقاً ونحو ذلك، وعلي اللغة المشهورة قول النبي ﷺ : ((البر يقولون بهن)) أي البر يظنون ((البر)) مفعول أول، و ((بهن)) مفعول [ثإني]، وهما في الأصل مبتدأ وخبر، و ((من)) في قوله: ((من درنه)) استغراقية زائدة لما دخل في حيز الاستفهام، و ((درنه)) فاعل ((يبقى)) وفيه مبالغة في نفي درن الذنوب ووسخ الآثام؛ ومن ثم ما اكتفوا في الجواب ((بلا)) بل زادوا فيه. والفاء في ((فذلك)) جواب شرط محذوف أي إذا أقررتم ذلك، وصح عندكم فهو مثل الصلوات إلي آخره، ومصداق ذلك قوله تعالي: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ قيل: صلاة الفجر والظهر طرف وصلاة العصر والمغرب طرف، وزلفا من الليل صلاة العشاء الثالث.
الحديث الثالث: عن ابن مسعود: قوله: ((إن رجلا أصاب)) وهو أبو اليسر، روى الترمذي عنه أنه قال: ((أتتني امرأة تبتاع تمراً، فقلت: إن في البيت تمراً أطيب منه، فدخلت معي البيت فأهويتها فقبلتها)). و ((هذا)) مبتدأ))، و ((لي)) خبر مقدم، و ((ألي)) حرف الاستفهام لإرادة التخصيص، أي: أختص لي هذا الحكم أو عام لجميع المسلمين، فأجاب بقوله: ((لجميع الأمة كلهم)) أي هذا لهم وأنت منهم، فلا يقدر المبتدأ مؤخراً في الجواب؛ لئلا يختل المعنى، إذ يصير التقدير أمختص لجميع المسلمين فهو خلف من القول؛ لأنه لا يقال: مختص بهم، بل يقال: عام فيهم. فإن قلت: أي فرق بين الروايتين؟ قلت: الأولي عامة مخصصة بالدليل، فدلالتها علي المقصورة ظاهرة، والثانية منصوصة فيه، والفاء في ((فأنزل الله)) معطوف علي مقدر أي فأخبره، فسكت رسول الله ﷺ وصلي الرجل، فأنزل الله تعالي يدل علي الحديث الآتي.
стр. 438
٥٦٧ - وعن أنس، قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله! إني أصبت حدا فأقمه علي. قال: ولم يسأله عنه. وحضرت الصلاة فصلي مع رسول الله ﷺ . فلما قضى النبي ﷺ ، قام الرجل، فقال: يا رسول الله! إني أصبت حداً، فأقم في كتاب الله. قال: ((أليس قد صليت معنا؟)) قال: نعم. قال: ((فإن الله قد غفر لك ذنبك- أو حدك-)). متفق عليه.
٥٦٨ - وعن ابن مسعود، قال: سألت النبي ﷺ ، أي الأعمال أحب إلي الله تعالي؟ قال: ((الصلاة لوقتها)). قلت: ثم أي؟ قال: ((بر الوالدين)). قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله)). قال: حدثني بهن، ولو استزدته لزادني. متفق عليه.
ــ
الحديث الرابع: عن أنس: قوله: ((أصبت حداً)) أي فعلت شيء يوجب الحد، ((ولم يسأله عنه)) أي لم يسأل رسول الله ﷺ الرجل عن موجب الحد ما هو أصغيرة أم كبيرة؟. فإن قلت: ما الفرق بين معنى ((علي)) في قوله: ((أقمه علي)) و ((في)) في قوله: ((فأقم في))؟ قلت: الضمير في قوله: ((فأقمه)) راجع إلي الحد، فحسن لذلك معنى الاستعلاء، ((وكتاب الله)) في قوله: ((فأقم في كتاب الله)) يراد به الحكم، فهو يوجب ((في)) بمعنى الاستقرار فيه، وكونه ظرفاً يستقر فيه أحكام الله تعالي. هذا أبلغ لدلالته علي غاية انقياده وإذعانه له، والعدول من الحكم إلي كتاب الله لمزيد الإشعار بالعلية، يعني كتاب الله يوجب أن يذعن له وينقاد.
((قض)): صغائر الذنوب تقع مكفرات بما يتبعها من الحسنات، وكذا ما خفي من الكبائر؛ لعموم قوله تعالي: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ وقوله ﷺ : ((أتبع الحسنة السيئة تمحها)) فأما ما ظهر منها وتحقق عند الحاكم لم يسقط حدها إلا بالتوبة، وفي سقوطه بها خلاف، وخطيئة هذا الرجل في حكم المخفي لأنه ما بينها، فلذلك سقط حدها بالصلاة، لاسيما وقد انضم إليها ما أشعر بإنابته عنها وندامته عليها، والترديد من شك الراوي.
الحديث الخامس عن ابن مسعود: قوله: ((لوقتها)) اللام فيه مثلها في قوله تعالي: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ أي مستقبلات لعدتهن، وقولك: لقيته لثلث بقين من الشهر. تريد مستقبل الثلث، وليس كما في قوله تعالي: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ و ﴿قدمت
стр. 439
٥٦٩ - وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ ((بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة)). رواه مسلم.
ــ
لحياتي﴾ بمعنى الوقت؛ لئلا يتكرر الوقت. ((وحدثني بهن)) أي قص الحديث علي الثلاثة المذكورة، بدليل قوله: ((ولو استزدته لزادني)) و ((ثم)) في قوله: ((ثم أي)) مرتين، للدلالة علي تراخي المرتبة لا لتراخي الزمان.
((تو)): هذا الحديث مشكل لما يعارضه من الأحاديث الواردة في أفضل الأعمال وأحبها إلي الله تعالي، ثم الاختلاف الذي يقع في الترتيب بين تفصيلها، ففي هذا الحديث ما ذكر فيه، وفي حديث أبي ذر ((قال: يا رسول الله، أي العمل خير؟ قال: إيمان بالله، وجهاد في سبيل الله))، وفي حديث أبي سعيد ((سئل رسول الله ﷺ أي الناس أفضل؟ قال: رجل يجاهد في سبيل الله)) إلي غير ذلك من الأحاديث في هذا المعنى، ووجه التوفيق أنه ﷺ أجاب لكل بما يوافق غرضه، وما يرغب فيه، أو أجاب علي حسب ما عرف من حاله بما هو يليق به وأصلح له؛ توفيقاً له علي خفي عليه، وقد يقول القائل: خير الأشياء كذا، ولا يريد تفضيله في نفسه علي جميع الأشياء ولكن يريد أنه خيرها في حال دون حال، ولواحد دون آخر، وذلك مثل قولك في موضع يحمد فيه السكوت: لا شيء أفضل من السكوت، وقولك حيث يحمد الكلام: لا شيء أفضل من الكلام. ولقد تعاضدت النصوص علي فضل الصلاة علي الصدقة، ثم إن تجددت حال تقتضي مواساة مضطر، أو إصلاح ذات بين فتكون الصدقة حينئذ أفضل، وعلي هذا فضل الجهاد علي غيره؛ لأنه السبب الداعي إلي الإيمان، والخلة المظهرة لكلمات الله العليا، لاسيما في زمان النبي ﷺ لأنه حينئذ من أجل القربات، وأعظم المثوبات؛ لاشتماله علي إظهار الدين، ونصرة الرسول ﷺ .
أقول: ويعضده حديث الأنمارية حيث وصفت أبناءها الكملة: ولدت لزيادة العبسي ربيعاً الكامل، وعمارة الوهاب، وقس الحفاظ، [وأسد] الفوارس، حين سئلت أيهم أفضل؟ فقالت: عمارة، لا بل فلان، ثم قالت: لكنهم إن كنت أعلم أيهم أفضلهم، كالحلقة المفرغة لا يدري أين طرفها. والأسلوب من باب الرجوع من التفصيل إلي الإجمال تنبيهاً علي نفاد الوصف دون كمالهم.
الحديث السادس عن جابر: قوله: ((بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة)) ترك الصلاة مبتدأ، والظرف خبره، ومتعلقه محذوف قدم ليفيد الاختصاص، ويؤيده الحديث الخامس في الفصل الثالث من الباب، وهو قوله: ((كان أصحاب النبي ﷺ لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير
стр. 440
ــ
الصلاة)) وظاهر الحديث نظير قوله تعالي: ﴿ومن بيننا وبينك حجاب﴾ وقوله: ﴿وجعل بين البحرين حاجزا﴾ فإذا ذهب إلي هذا المعنى يوجب خلاف المقصود؛ ولذلك قيل فيه وجوه:
أحدها: أن ترك الصلاة معبر عن فعل ضده؛ لأن فعل الصلاة هو الحاجز بين الإيمان والكفر، فإذا ارتفع ارتفع المانع، وعليه كلام التوربشتي حيث قال: إن العبد إذا ترك الصلاة لم يبق بينه وبين الكفر فاصلة فعليه [يؤيس] منه، لأن إقامة الصلاة هي الخصلة المفارقة بين الفئتين والحكم الحاجز بين الأمرين، ولما لم يكن بين المنزلتين منزلة أخرى، والتهاون بحفظ حد الشرع كاد يفضي بصاحبه إلي حد الكفر، عبر عنه بارتفاع البينونة.
وثإنيها: قول القاضي: يحتمل أن يؤول ترك الصلاة بالحد الواقع بينهما، فمن تركها دخل الحد، وحام حول الكفر ودنا منه. وثالثها: قوله أيضاً متعلق الظرف محذوف تقديره ترك الصلاة وصلة بين العبد والكفر، والمعنى يوصله إليه.
وأقول: أمتن الوجوه وأقواها الثاني، ثم الوجوه الثلاثة من باب التغليظ أي المؤمن لا يتركها، نحو قوله تعالي: ﴿ولله علي الناس حج البيت ن استطاع إليه سبيلا ومن كفر﴾ ويمكن أن يقال: إن الكلام مصبوب علي غي مقتضى الظاهر؛ لأن الظاهر أن يقال: بين الإيمان والكفر ترك الصلاة، أو بين المؤمن والكافر تركها، فوضع موضع المؤمن العبد، وموضع الكافر الكفر، فجعله نفس الكفر مبالغة، وإشعاراً بأن حقيقة العبودة أن يخضع لمعبوده، ويشكر نعمه الظاهرة والباطنة، وحقيقة من اتصف بالكفر أن يستنكف عن عبوديته، ويستر حق نعمته وعظمته. وأظهر الشكر وأكمله، وقوامه وعموده أداء الصلاة وإقامتها، كأنه قيل: الفرق بين المؤمن والكافر ترك أداء شكر النعم الحقيقي، فمن أقامها فهو مؤمن، ومن تركها فهو كافر، فعلي هذا المعنى الكفر بمعنى كفران النعمة.
((غب)): العبودية إظهار التذلل، والعبادة أبلغ منها؛ لأنها غاية التذلل، ولا يستحقها غلا من له غاية الإفضال، وهو الله سبحانه وتعالي. ((حس)): اختلف أهل العلم في تكفير تارك الصلاة المفروضة عمداً، فذهب جماعة إلي تكفيره، قال عمر: ((لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة)) وقال ابن مسعود: ((تركها كفر))، وقال عبد الله بن شقيق: كان أصحاب محمد ﷺ لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. وذهب الآخرون: إلي أنه لا يكفر، وحملوا الحديث علي من تركه جاحداً، أو علي الزجر والوعيد. وقال حماد بن زيد، ومكحول، والشافعي: تارك الصلاة يقتل كالمرتد، ولا يخرج عن الدين، وقال أصحاب الرأي: لا يقتل بل يحبس ويضرب حتى يصلي، وبه قال الزهري.
стр. 441
الفصل الثاني
٥٧٠ - عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله ﷺ : ((خمس صلوات افترضهن الله تعالي، من أحسن وضوءهن، وصلاهن لوقتهن، وأتم ركوعهن وخشوعهن، كان له علي الله عهد أن يغفر له، ومن لم يفعل فليس له علي الله عهد، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه)) رواه أحمد، وأبو داود. وروى مالك، والنسائي نحوه [٥٧٠]
ــ
الفصل الثاني
الحديث الأول عن عبادة بن الصامت: قوله: ((لوقتهن)) أي قبل أوقاتهن وأولها، وسبق مجازه في الحديث الخامس من الفصل. وفي عطف ((وخشوعهن)) علي ((ركوعهن)) وجهان: أحدهما: أن يكون ذكره للتكرير والتقرير. ((الكشاف)) في قوله تعالي: ﴿واركعوا مع الراكعين﴾ الركوع: الخضوع والانقياد، فيكون العنى فأتم خضوعهن بعد حضوع، أي خضوع مضاعف، كقوله: ﴿إنما أشكو بثي وحزني إلي الله﴾ كررهما لشدة الخطب النازل. ((غب)): ليس من شرط الخطاب أن يقصر في الأوصاف علي وصف دون آخر، وإن ذكر لا يكون لغواً. وثإنيهما: أن يراد بالركوع الأركان، أي أتم أركانها، وخص بالذكر دون غيره من الأركان تغليباً، كما سميت الركعة ركعة.
قوله: ((كان له علي الله عهد)) ((قض)): شبه وعد الله بإثابته المؤمنين علي أعمالهم بالعهد الموثوق به، الذي لا يخلف، ووكل أمر التارك إلي مشيئته تجويزاً لعفوه، وأنه لا يجب علي الله شيء، ومن ديدن الكرام محافظة الوعد، والمسامحة في الوعيد.
أقول: أراد أن العهد هنا مستعار للوعد علي سبيل التبعية؛ ولذلك علق به قوله: ((أن يغفر)) بحذف الباء، كما يقال: وعد بكذا، وفائدة الاستعارة المبالغة في إيجاز الوعد وإيفائه؛ فإن خلف الوعد كنقض العهد فلا يجوز ذلك لاسيما من الكرام. هذه المبالغة في جانب الوعد، وأما في جانب الوعيد فجيء بـ ((إن)) مقارنة بها المشيئة ليؤذن بالمسامحة والتساهل في الوعيد. ((ومن لم يفعل)) كناية عن الأفعال الثلاثة- وهي (أحسن) و (صلي) و (أتم) - مع متعلقاتها عبر به عنها وجازة، واختصاراً. ((الكشاف)): ألا ترى أن الرجل يقول: ضربت زيداً في موضع كذا علي
стр. 442
٥٧١ - وعن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ صلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنة ربكم)) رواه أحمد والترمذي. [٥٧١]
٥٧٢ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ : ((مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع)) رواه أبو داود، وكذا رواه في ((شرح السنة)) عنه. [٥٧٢]
ــ
صفة كذا، وشتمته وتكلمت به، ويعد كيفيات وأفعالاً، فيقول له: بئسما فعلت، ولو ذكرت ما أنبئت عنه، لطال عليك. و ((خمس صلوات)) مبتدأ، ((افترضهن)) صفة له، والجملة الشرطية بعده جزاؤه.
الحديث الثاني عن أبي أمامة قوله: ((صلوا حمسكم)) إنما أضاف الصلاة، والصوم والزكاة والطاعة إليهم؛ ليقابل العمل بالثواب في قوله: ((جنة ربكم)) ولينعقد البيع بين الرب والعبد، كما في قوله تعالي: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾. قوله: ((وأطيعوا ذا أمركم)). ((مظ)) أي الخليفة والسلطان وغيرهما من الأمراء. أقول: إنما عدل من قوله: أميركم؛ ليكون أبلغ وأشمل، كما في قوله تعالي: ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ فإن قلت: لم صرح بالمضاف في قوله: ((زكاة أموالكم)) وأضمر في قوله ((خمسكم)) أي صلواتكم، وأبهم في قوله: ((شهركم)) أي: رمضانكم. قلت: للدلالة علي أن الإنفاق من المال أمر أشق وأصعب علي النفس، أي أنفقوا مما تحبون، وما هو شقيقة أنفسكم، ومنه قوله تعالي: ﴿ولا تؤتوا السفاء أموالكم﴾ والخطاب للأولياء، وأضاف الأموال إليهم؛ لأنها من جنس ما يقيم به الناس معاشهم، أي لا تؤتوا السفهاء ما تقومون بها، وتتعيشون منها.
الحديث الثالث عن عمرو بن شعيب: قوله: ((مروا)) مروا أمر حذفت همزته تخفيفاً، فلما حذفت فاء الفعل لم يحتج إلي همزة الوصل لتحريك الميم، يعني إذا بلغ أولادكم سبع سنين فأمروهم بأداء الصلاة؛ ليعتادوها ويستأنسوا بها. فإذا بلغوا عشراً ضربوا علي تركها، وفرقوا بين
стр. 443
٥٧٣ - وفي ((المصابيح)) عن سبرة بن معبد.
٥٧٤ - وعن بريدة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها، فقد كفر)). رواه أحمد والترمذي، والنسائي، وابن ماجه [٥٧٤].
الفصل الثالث
٥٧٥ - عن عبد الله بن مسعود، قال: جاء رجل إلي النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إني عالجت امرأة في أقصى المدينة، وإني أصبت منها ما دون أن أمسها. فأنا
ــ
الأخ والأخت مثلا في المضاجع؛ لئلا يقعوا فيما لا ينبغي؛ لأن بلوغ العشر مظنة الشهوة وإن كن أخوات. أقول: إنما جمع بين الأمر بالصلاة، والفرق بينهم في المضاجع في الطفولية تأديباً ومحافظة لأمر الله كله؛ لأن الصلاة أصلها وأسبقها، وتعليماً لهم بين الخلق، وأن لا يقفوا مواقف التهم، فيتجنبوا محارم الله كلها.
الحديث الرابع عن بريدة: قوله: ((بيننا وبينهم)) ((قض)): الضمير الغائب للمنافقين، شبه الموجب لإبقائهم وحقن دمائهم بالعهد المقتضي إبقاء المعاهد والكف عنه، والمعنى أن العمدة في إجراء أحكام الإسلام عيهم تشبههم بالمسلمين في حضور صلاتهم، ولزوم جماعتهم، وانقيادهم للأحكام الظاهرة، فإذا تركوا ذلك كانوا هم وسائر الكفار سواء. ((تو)): ويؤيد هذا المعنى قوله ﷺ لما استؤذن في قتل المنافقين: ((ألا إني نهيت عن قتل المصلين)).
وأقول: يمكن أن يكون الضمير عاماً في من بايع رسول الله ﷺ سواء كان منافقاً أم لا، يدل عليه الحديث الآخر من هذا الباب. وهو قوله ﷺ لأبي الدرداء: ((ولا تترك صلاة مكتوبة معتمداً، فمن تركها متعمداً فقد برئت منه الذمة)).
الفصل الثالث
الحديث الأول عن عبد الله بن مسعود: قوله: ((عالجت امرأة)) أي داعبتها وزاولت منها ما يكون بين الرجل والمرأة، غير إني ما جامعتها و ((ما)) في ((ما دون)) موصولة أي أصبت منها ما يجاوز المس أي المجامعة، و ((الفاء)) في قوله: ((فاقض)) سببية أي أنا حاضر بين يديك، ومنقاد
стр. 444
هذا، فاقض في ما شئت. فقال عمر: لقد سترك الله لو سترت علي نفسك. قال: ولم يرد النبي ﷺ عليه شيئاً. فقام الرجل، فانطلق. فأتبعه النبي ﷺ رجلاً فدعاه، وتلا عليه هذه الآية: ﴿وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين﴾. فقال رجل من القوم: يانبي الله! هذا له خاصة؟ فقال: ((بل للناس كافة)). رواه مسلم.
٥٧٦ - وعن أبي ذر: أن النبي ﷺ خرج زمن الشتاء، والورق يتهافت، فأخذ بغصنين من شجرة. قال: فجعل ذلك الورق يتهافت. قال: فقال: ((يا أبا ذر!)) قلت: لبيك يا رسول الله! قال: ((إن العبد المسلم ليصلي الصلاة يريد بها وجه الله فتهافت عنه ذنوبه، كما تهافت هذا الورق عن هذه الشجرة)). رواه أحمد. [٥٧٦]
٥٧٧ - وعن زيد بن خالد الجهني، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من صلي سجدتين لا يسهو فيهما؛ غفر الله له ما تقدم من ذنبه)). رواه أحمد [٥٧٧]
ــ
لحكمك غير مانع لما تريد مني، فاقض في ما أنت قاض و ((هذا)) مثلها اسم الإشارة في قوله تعالي: ﴿ها أنتم هؤلاء﴾ و ((فاقض)) مثله فيه ((حاججتم)) علي استئناف ((أنتم)) مبتدأ و ((هؤلاء)) خبره، و ((حاججتم)) جملة مستأنفة مبينة لها يعني: أنتم هؤلاء الأشخاص الحمقاء! لأنكم جادلتم فيما لكم به علم، فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم؟
وقوله: ((فقال رجل من القوم)) قيل: هو عمر بن الخطاب، وقيل: معاذ، وقد سبق شرح الحديث في الحديث الثالث من الفصل الأول.
الحديث الثاني عن أبي ذر ﵁: قوله: ((ويتهافت)) التهافت السقوط المتواتر، و ((فجعل ذلك الورق)) أي طفق الأوراق من الغصنين تهافت تهاتفاً سريعاً، لأنهما عند القبض بهما ونفضهما أسرع سقوطاً من تركهما علي حالهما، و ((يريد بها وجه الله)) حال إما من الفاعل أو المفعول، أي خالصة له، وأصل ((تهافت)) تتهافت سقطت عنه إحدى التائين.
الحديث الثالث عن زيد بن خالد الجهني ﵁: قوله ((سجدتين)) أي ركعتين، غلبت السجدة علي سائر الأركان كما غلبت الركعة عليها. وقوله: ((لا يسهو فيها)) أي يكون
стр. 445
٥٧٨ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ أنه ذكر الصلاة يوماً فقال: ((من حافظ عليها، وكانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة. ومن لم يحافظ عليها، لم تكن له نوراً ولا برهاناً ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف)) روه أحمد، والدارمي، والبيهقي في ((شعب الإيمان)). [٥٧٨]
٥٧٩ - وعن عبد الله بن شقيق، قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ ، لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. رواه الترمذي. [٥٧٩]
ــ
حاضر القلب يقظان النفس، يعلم من نياجي وبما يناجيه، كما في قوله ﷺ : ((اعبد الله كأنك تراه)) الحديث، ولهذا المعنى خصت السجدة في التغليب دون الركوع تلميحاً إلي قوله تعالي: ﴿واسجد واقترب﴾.
الحديث الرابع عن عبد الله بن عمرو بن العاص: قوله: ((ذكر الصلاة)) أي أراد أن يذكر فضلها وشرفها، فقال: إلي آخره، فالذكر بمعنى الشرف والفضل كما في قوله تعالي: ﴿ص~ والقرآن ذي الذكر﴾ و ((من حافظ عليها)) أي يحفظها من أن يفع زيغ في فرائضها وسننها، وآدابها، يداوم عليها ولا يفتر عنها. ومعنى البرهان والنور سبق في قوله ﷺ ((الطهور شطر الإيمان)) الحديث. وفي قوله: ((كان مع قارون، وهامان، وأبي بن خلف)) تعريض بأن من حافظ عليها كان مع النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وحسن أولئك رفيقا. ((وأبي بن خلف)) هو الذي قتله النبي ﷺ يوم أحد وهو مشرك.
الحديث الخامس بن عبد الله بن شقيق: قوله: ((لا يرون)) يرون من الرأي، و ((شيئاً)) مفعوله، و ((من الأعمال)) نعته، كذا الجملة- وهي: تركه الكفر- و ((غير)) استثناء والمستثنى منه الضمير الراجع إلي ((شيئاً)) ويجوز أن يكون ((غير)) صفة أخرى لـ ((شيئاً)) المعنى: ما كنوا معتقدين ترك شيء من الأعمال يوجب الكفر إلا الصلاة، ومعناه ما يجيء في الحديث من الفصل
стр. 446
٥٨٠ - وعن أبي الدرداء، قال: أوصإني خليلي ((أن لا تشرك بالله شيئاً، وإن قطعت وحرقت. ولا تترك صلاة مكتوبة متعمداً؛ فمن تركها متعمداً، فقد برئت منه الذمة. ولا تشرب الخمر؛ فإنها مفتاح كل شر)) رواه ابن ماجه [٥٨٠]
(١) باب مواقيت الصلاة
الفصل الأول
٥٨١ - عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : ((وقت الظهر إذا زالت الشمس، كان ظل الرجل كطوله، ما لم يحضر العصر. ووقت العصر ما لم تصفر الشمس. ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق. ووقت صلاة العشاء إلي نصف
ــ
الثالث من باب المواقيت ((من حفظ الصلاة وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع)).
الحديث السادس عن أبي الدرداء: قوله: ((أوصإني خليلي)) لما كان هذا الحديث في الوصية متناهياً وللزجر عن رذائل الأخلاق جامعاً، وضع خليلي مكان رسول الله ﷺ إظهاراً لغاية تعطفه وشفقته عليه، و ((لا تشرك)) نهي و ((أن)) مفسرة لأن في ((أوصى)) معنى القول، ((ولا تترك، ولا تشرك)) معطوفان عليه، قرن ترك الصلاة وشرب الخمر مع الشرك إيذاناً بأن الصلاة عمود الدين وتركهما ثلمة في الدين، وأن شرب الخمر كعابدة الوثن؛ ولأن أم الأعمال ورأسها اصلاة، وأم الخبائث الخمر، فأنى يجتمعان؟ قال الله تعالي: ﴿إن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر﴾ ثم عقب كلا من المنهيات بما يزيد المبالغة فيها. فقوله: ((إن قطعت أو حرقت)) تتميم لمعنى النهي عن الشرك. وقوله: ((من تركها- إلي آخره-)) تتميم لمعنى النهي عن ترك الصلاة وكذا قوله: ((فإنها مفتاح كل شر)) تتميم للنهي عن شرب الخبمر وقد برئت منه الذمة)) كناية عن المنكر تغليظاً.
باب المواقيت
الفصل الأول
الحديث الأول عن عبد الله بن عمرو: قوله: ((إذا زالت)) زوال الشمس عبارة عن ميلها من جانب الشمال إلي اليمين إذا استقبلت القبلة. وقوله: ((وكان ظل الرجل كطوله)) هذا مذكور في صحيح مسلم، وكتاب الحميدي، وليس مذكوراً في المصابيح إلا قوله: ((ما لم يحضر العصر)) وفائدة ذكره مزيد تقرير وبيان، أنه ليس من بين لظهر والعصر وقت مشترك. ((قض)): فيه دليل
стр. 447
الليل الأوسط. ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس فأمسك عن الصلاة؛ فإنها تطلع بين قرني الشيطان)). رواه مسلم.
٥٨٢ - وعن بريدة، قال: إن رجلا سأل رسول الله ﷺ عن وقت الصلاة. فقال له: ((صل معنا هذين- يعني اليومين-. فلما زالت الشمس أمر بلال فأذن، ثم أمره فأقام الظهر، ثم أمره فأقام العصر والشمس مرتفعة بيضاء نقية، ثم أمره فأقام المغرب حين غابت الشمس، ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق، ثم أمره فأقام الفجر حين طلع الفجر. فلما أن كان اليوم الثاني أمره: ((فأبرد بالظهر)). فأبرد
ــ
علي أنه لا اشتراك بين الوقتين، وقال مالك: إذا صار ظل كل شيء مثله من موضع زيادة الظل، كان بقدر أربع ركعات من ذلك الوقت مشتركاً بين الظهر والعصر؛ لأن جبريل صلي العصر في اليوم الأول، والظهر في اليوم الثاني في ذلك الوقت. والشافعي: أول ذلك بانطباق آخر الظهر وأول العصر علي الحين الذي صار ظل كل شيء مثله لهذا الحديث؛ ولأنه لا يتمادى قدر ما يسع أربع ركعات فلابد من تأويل، وتأويله علي ما ذكرنا أولي قياساً علي سائر الصلوات.
وقوله: ((وقت العصر ما لم تصفر الشمس)) يريد به وقت الاختيار، وكذا ما ورد في حديث جبريل لقوله ﷺ : ((من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر)) وكذا قوله في وقت العشاء؛ فإن الأكثرين ذهبوا إلي أن وقت جوازه يمتد إلي طلوع الصبح الصادق، لما روي عن أبي قتادة أنه ﷺ قال: ((ليس التفريط في النوم، إنما التفريط في اليقظة: أن تؤخر الصلاة حتى يدخل وقت صلاة أخرى)) خص الحديث في الصبح فيبقى علي عمومه في الباقي.
وقوله: ((ما لم يسقط الشفق)) يدل علي أن وقت المغرب يمتد إلي غروب الشفق، وإليه ذهب الشافعي قديماً، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأصاب الرأي. وذهب مالك، والأوزاعي، وابن المبارك، والشافعي في قوله الجديد إلي أن صلاة المغرب لها وقت واحد، لأن جبريل صلاها في اليومين في وقت واحد، وهو قدر وضوء، وأذان، وإقامة، وقدر خمس ركعات متوسطات. وسقوط الشفق غروبه، والمراد به الحمرة التي تلي الشمس، كما رواه ابن عمر، وابن عباس عنه ﷺ . وهو قول مكحول، وطاوس، ومالك، والثوري، وابن أبي ليلي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن. وروي عن أبي هريرة: ((أنه البياض الذي يعقب الحمرة)) وبه قال ابن عبد العزيز، والأوزاعي، وأبو حنيفة.
قوله: ((نصف الليل الأوسط)) ((مظ)): الأوسط صفة الليل- يعني بقدر نصف الليل الأوسط
стр. 448
بها- فأنعم أن يبرد بها-، وصلي العصر والشمس مرتفعة- أخرها فوق الذي كان-، وصلي المغرب قبل أن يغيب الشفق، وصلي العشاء بعد ما ذهب ثلث الليل، وصلي الفجر فأسفر بها. ثم قال: ((أين السائل عن وقت الصلاة؟)). فقال الرجل: أنا يا رسول الله! قال: ((وقت صلاتكم بين ما رأيتم)). رواه مسلم.
ــ
لا طويل ولا قصير- فنصف الليل الأوسط يكون بالنسبة إلي ليل قصير أكثر من نصفه، وبالنسبة إلي ليل طويل أقل من نصفه. وقوله: ((قرني الشيطان)) ذكر فيه وجوه: أحدها: أن الشيطان ينتصب قائماً في وجه الشمس عند طلوعها ليكون طلوعها بين قرنيه أي فوديه، فيكون مستقبلاً لمن يسجد للشمس، فتصير عبادتهم له، فنهوا عن الصلاة في ذلك الوقت مخالفة لعبدة الشيطان. وثإنيها: أن يراد بقرنيه حزباه اللذان يبعثهما حينئذ لإغواء الناس، يقال: هؤلاء قرن أي نشر. وثالثها: أنه من باب التمثيل، شبه الشيطان فيما يسول لعبدة الشمس ويدعوهم إلي معاندة الحق بذوات القرون التي تعالج الأشياء وتدافعها بقرونها. ورابعها: أن يراد بالقرن القوة، من قولهم: أنا مقرن له أي مطيع له، ومعنى التثنية تضعيف القوة، كما في قوله ﵊ في حديث يأجوج ومأجوج: ((قد أخرجت عباداً لي لا يدان لأحد بقتالهم))، أي لا قدرة ولا طاقة، ويقال: ما لي في هذا الأمر يد ولا يدان، كقول الحجاج: بقتالهم اضربا عنقه، ومنه قوله تعالي ﴿ألقيا في جهنم﴾ والمختار هو الوجه الأول؛ لمعاضدته الروايات.
الحديث الثالث عن بريدة ﵁: قوله: ((فأذن)) فيه حذف أي أمر بلالا بالأذان فأذن. و ((بيضاء نقية)) أي لم تختلط بها صفرة فهي صافية، و ((أن)) في ((فلما أن كان)) زائدة مؤكدة كقوله تعالي: ﴿فلما أن جاء البشير﴾. ((مظ)): كان تامة، أي فلما دخل أو حصل اليوم الثاني، وجواب ((لما)) ((أمره فأبرد)) أي أمره بالإبراد، فقال: ((أبرد بالظهر فأبرد)). وقوله: ((فأنعم أن يبرد بها)) بدل من قوله: ((فأبرد بها)) أي فزاد علي الإبراد وبالغ فيه حتى انكسر الحر، وهذا مثل قولك: ((أحسن إلي فلان وأنعم)) أي بالغ في الإحسان. ((فا)): حقيقة الإبراد الدخول في البرد، كقولك: أظهرنا ((والباء)) للتعدية، والمعنى أدخل الصلاة في البرد، ((خط)): الإبراد هو أن تتفيأ الأفناء وينكسر وهج الحر، فهو برد بالإضافة إلي حر الظهيرة. ((نه)): أسفر الصبح إذا انكشف وأضاء وأسفر بها، أي أخرها إلي أن يطلع الفجر الثاني.
стр. 449
الفصل الثاني
٥٨٣ - عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أمني جبريل عند البيت مرتين. فصلي بي الظهر حين زالت الشمس وكانت قدر الشراك، وصلي بي العصر حين صار ظل كل شيء مثله، وصلي بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلي بي العشاء حين غاب الشفق، وصلي بي الفجر حين حرم الطعام والشراب علي الصائم. فلما كان الغد؛ صلي بي الظهر حين كان ظله مثله وصلي بي العصر حين كان ظله مثليه، وصلي بي المغرب حين أفطر الصائم وصلي بي العشاء إلي ثلث الليل، وصلي بي
ــ
قوله: ((فقال الرجل: أنا)) فإن قلت: كيف طابق قوله: أنا قول رسول الله ﷺ : ((أين السائل؟ قلت: إما أن يقدر أين السائل ومن هو؟ فيطابق قوله: ((أنا)) أو تقدير الجواب: ههنا، ثم قيل: من هو؟ فقال: أنا. ((مظ)): ((أخرها فوق الذي كان أخرها بالأمس)) يريد أن صلاة العصر بالأمس كانت مؤخرة عن الظهر لا أنها كانت مؤخرة عن وقتها. قوله: ((بين ما رأيتم)) ((مظ)): ((وقت صلواتكم ما رأيتم)) يعني بينت أول الوقت لما أديت الصلاة في اليوم الأول، وبينت آخر الوقت لما أديتها في اليوم الثاني، فالصلاة جائزة في أول الوقت وأوسطه وآخره، والمراد بآخر الوقت هنا آخر الوقت في الاختيار لا الجواز، بل تجوز صلاة الظهر بعد الإبراد التام ما لم يدخل وقت العصر، ويجوز العصر بعد ذلك التأخير الذي هو فوق الذي كان ما لم تغرب الشمس، وصلاة المغرب ما لم يغب الشفق في قول. وتجوز صلاة العشاء ما لم يطلع الفجر، وصلاة الفجر بعد الإسفار ما لم تطلع الشمس.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن ابن عباس ﵁: قوله: ((كانت)) الضمير للشمس، والمراد منه الفيء؛ لأنه بسببها، فالإسناد مجازي، والفيء هو الظل، ولا يقال إلا للراجع منه، وذلك بعد الزوال. وقال حميد بن ثور:
فلا الظل من برد الضحى يستطيعه ولا الفيء من برد العشي يذوق
قال ابن السكيت: الظل ما تنسخه الشمس، والفيء ما ينسخ الشمس. قوله: ((قدر الشراك)) ((نه)): الشراك أحد سيور النعل التي يكون علي وجهه، وقدره ههنا ليس علي معنى التحديد، ولكن زوال الشمس لا يبين إلا بأقل ما يرى من الظل، وكان حينئذ بمكة هذا القدر، والظل مختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، وإنما يتبين ذلك في مثل مكة من البلاد التي يقل فيها الظل،
стр. 450
الفجر فأسفر، ثم التفت إلي فقال: يا محمد! هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت ما بين هذين الوقتين)). رواه أبو داود، والترمذي. [٥٨٣]
الفصل الثالث
٥٨٤ - عن ابن شهاب: أن عمر بن عبد العزيز أخر العصر شيئاً، فقال له عروة: أما إن جبريل قد نزل فصلي أمام رسول الله ﷺ . فقال له عمر: اعلم ما تقول يا عروة! قال: سمعت بشير بن أبي مسعود، يقول: سمعت أبا مسعود، يقول:
ــ
فإذا كان أطول النهار واستوت الشمس فوق الكعبة لم ير لشيء من جوانبها ظل، فكل بلد يكون أقرب إلي خط الاستواء، ومعدل النهار، يكون الظل فيه أقصر، وكل ما بعد عنهما إلي جهة الشمال يكون الظل فيه أطول. تم كلامه. ومعنى زوال الشمس: هو أن يكون ظل كل شيء من أول النهار إلي المغرب كبيراً، ثم يأخذ في النقصان قليلاً قليلاً إلي أن وقف لمحه، وهو وقت الاستواء، فإذا زال الظل بعده إلي المشرق فهو أول وقت الظهر، فإذا صار ظل كل شيء مثله بعد ظل الزوال يدخل وقت العصر.
فقوله أولاً في: ((صلي بي العصر حين صار ظل كل شيء مثله)) يراد منه مع ظل الزوال. وقوله ثإنياً: ((صلي بي الظهر حين كان ظله مثله)) ليس المراد منه ظل الزوال فلا يكونان في وقت واحد. قد وافق هذا قول المظهر علي سبيل توارد الخواطر، وهذا تأويل أولي من تأويل القاضي في الحديث الأول من الباب. والتعريف في قوله: ((الوقت ما بين هذين الوقتين)) للعهد، أي أول وقت صليت فيه، وآخر وقت، وما بينهما، هو الوقت، كما مر في الحديث السابق والله أعلم.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن ابن شهاب: قوله: ((شيئاً)) صفة مصدر محذوف أي أخر تأخيراً يسيراً- يعني أخر صلاة العصر حتى غبر شيء من وقته. قوله: ((أما أن جبريل)) قال المالكي: ((أما))
стр. 451
سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((نزل جبريل فأمني، فصليت معه. ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه)) يحسب بأصابعه خمس صلوات. متفق عليه.
٥٨٥ - وعن عمر بن الخطاب، ﵁، أنه كتب إلي عماله إن أهم أموركم عندي الصلاة؛ من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع. ثم كتب: أن صلوا الظهر إن كان الفيء ذراعاً، إلي أن يكون ظل أحدكم مثله، والعصر والشمس مرتفعة بيضاء نقية قدر ما يسير الراكب فرسخين أو
ــ
حرف استفتاح بمنزلة ألا، ويكون أيضاً بمعنى حقاً، ذكر ذلك سيبويه ولا تشاركها إلا في ذلك، و ((أمام)) ضبط في شرح مسلم بكسر الهمزة وفي جامع الأصول مقيد، بالكسر والفتح، فبالفتح ظرف، وبالكسر إما أن يكون منصوباً بفعل مضمر، أعني: أمام رسول الله ﷺ ، أو خبر كان المحذوف، كما سبق في قوله: ((أول ما خلق الله القلم)) أي كان القلم. قال المالكي: هو المعارف الواقعة أحوالاً، كأرسلها العراك، وجاءوا قضهم بقضيضهم. قال الشيخ محيي الدين: يوضح معنى الكسر في هذا الحديث قوله: ((نزل جبريل فأمني، فصليت معه)) يقال: ليس في هذا الحديث بيان أوقات الصلاة؟ يجاب عنه بأنه كان معلوماً عند المخاطب، فأبهمه في هذه الرواية، وبينه في رواية جابر وابن عباس. وأقول: قوله: ((اعلم ما تقول يا عروة)) تنبيه منه علي إنكاره إياه، ثم يصدره بـ ((أما)) التي هي من طلائع القسم أي تأمل ما تقول، وعلام تحلف وتنكر؟ ومعنى إيراد عروة الحديث أي كيف لا أدري ما أقول؟ وأنا صحبت، وسمعت ممن صحب، وسمع رسول الله ﷺ ، وسمع منه هذا الحديث، فعرفت كيفية الصلاة وأوقاتها وأركانها، و ((نحسب)) بالنون حال من فاعل نقول، أي نقول: هو ذلك القول ونحن نحسب بعقد أصابعه ﷺ وهذا مما يشهد بإيقانه، وضبطه أحوال رسول الله ﷺ .
الحديث الثاني عن عمر بن الخطاب ﵁: قوله: ((من حفظها وحافظ عليها)) المحافظة علي الصالة أن لا يسهو عنها، ويؤديها في أوقاتها، ويقيم أركانها، ويوكل نفسه بالاهتمام بها، وبما ينبغي أن يتم به أوصافها، فالتكرير بمعنى الاستقامة والدوام، كما في قوله
стр. 452
ثلاثة قبل مغيب الشمس، والمغرب إذا غابت الشمس، والعشاء إذا غاب الشفق إلي ثلث الليل، فمن نام فلا نامت عينه، فمن نام فلا نامت عينه، فمن نام فلا نامت عينه، والصبح والنجوم بادية مشتبكة. رواه مالك. [٥٨٥]
٥٨٦ - وعن ابن مسعود، قال: كان قدر صلاة رسول الله ﷺ الظهر في الصيف ثلاثة أقدام إلي خمسة أقدام، وفي الشتاء خمسة أقدام إلي سبعة أقدام. رواه أبو داود، والنسائي. [٥٨٦]
ــ
تعالي: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا﴾. ((ولما سواها)) أي سوى الصلاة، من الواجبات والمندوبات، والآداب؛ لأنها أعظم أركان الدين، ورأس الإسلام، وأم العبادة. و ((إن كان الفيء ذراعاً)) إن كان مصدر والوقت مقدر أي وقت كونه قدر ذراع. ((قدر ما يسير)) ظرف لقوله: ((مرتفعة)) أي ارتفاعها مقدار أن يسير الراكب كذا فرسخاً إلي المغرب، ((فلا نامت عينه)) دعاء بنفي الاستراحة علي من يسهو عن صلاة العشاء وينام قبل أدائها، كما يشهد له الحديث الأول من باب تعجيل الصلاة: و (((بادية مشتبكة)) أي ظاهرة مختلطة.
الحديث الثالث: عن ابن مسعود ﵁: قوله: ((كان قدر صلاة رسول الله ﷺ ) ((خط)): هذا أمر مختلف في الأقاليم والبلدان، ولا يستوي في جميع المدن والأمصار؛ وذلك أن العلة في طول الظل وقصره زيادة ارتفاع الشمس في السماء أو انحطاطها وكلما كانت أعلي وإلي محاذاة الرأس في مجراها أقرب كان الظل أقصر وكلما كانت أخفض من محاذاة الرأس أبعد كان الظل أطول، وكذلك ظلال الشتاء أبداً يراها أطول من ظلال الصيف في كل مكان، وكانت صلاة رسول الله ﷺ بمكة والمدينة وهما من الإقليم الثاني فيذكرون أن الظل في أول الصيف في شهر آزار ثلاثة أقدام وشيء يشبه أن تكون صلاته إذا اشتد الحر متأخرة عن الوقت المعهود قبله، فيكون الظل عند ذلك خمسة أقدام. وأما الظل في الشتاء فإنهم يذكرون أن في تشرين الأول خمسة أقدام أو خمسة وشيء، وفي الكانون سبعة أقدام أو سبعة وشيء، فقول ابن مسعود منزل علي هذا التقدير في ذلك الإقليم دون سائر الأقاليم والبلدان التي هي خارجة عن الإقليم الثاني.
стр. 453
(٢) باب تعجيل الصلوات
الفصل الأول
٥٨٧ - عن سيار بن سلامة، قال: دخلت أنا وأبي علي أبي برزة الأسلمي، فقال له أبي: كيف كان رسول الله ﷺ يصلي المكتوبة؟ فقال: كان يصلي الهجير التي تدعونها الأولي حين تدحض الشمس، ويصلي العصر ثم يرجع أحدنا إلي رحله في
ــ
باب تعجيل الصلاة
الفصل الأول
الحديث الأول: عن سيار بن سلامة: قوله: ((الهجير)) ((نه)): الهجير والهاجر اشتداد الحر فيه نصف النهار، وزاد في الفائق: أنث صفة الهجير، وهي الاسم الموصول؛ لكون الصلاة مرادة، ومن ذلك قول حسان:
يسقون من ورد البريص عليهم بردي يصفق بالرحيق السلسل
أراد ماء بردي فذكر يصفق لذلك. وقيل أنثها لكونها في معنى الهاجرة.
قوله: ((تدعونها الأولي)) ((نه)): قيل لها الأولي لأنها أول صلاة أظهرت وصليت، ((قض)): سمى صلاة الظهر الأولي؛ لأنها أول صلاة النهار. ((نه)): ((تدحض)) أي تزول عن وسط السماء إلي جهة المغرب، كأنها دحضت أي زلفت. و ((في أقصى المدينة)) صفة لرجل وليس بظرف للفعل، وحياة الشمس استعارة لبقاء لونها وقوة ضوئها، وأنها لم يدخلها التغير بدنو المغيب لأنه جعل مغيبها لها موتا. قوله: ((ونسيت ما قال) أي قال الراوي: ونسيت ما قال أبو برزة في صلاة المغرب. قال الخليل: العتمة من الليل بعد غيبوبة الشفق، وقد عتم الليل يعتم وعتمته ظلامه، ولعل تقييد صلاة الظهر بقوله ((التي تدعونها الأولي)) للإشعار بتعليل تقديمها في أول وقتها، والعشاء بقوله: ((تدعونها العتمة)) للإيذان بأن تأخيرها موافق لمعنى العتمة، ولم يقيد غيرهما من الصلوات لأن اهتمام التقديم والتأخير فيهما أولي. ((حس)): أكثرهم علي كراهة النوم قبل العشاء، ورخص بعضهم، وكان ابن عمر يرقد قبلها، وبعضهم رخص في رمضان قال محيي السنة: إذا غلبه النوم لم يكره له إذا لم يخف فوت الوقت، وأما الحديث بعده فقد كرهه جماعة، منهم سعيد بن المسيب قال: لأن أنام عن العشاء أحب إلي من أن ألغو بعدها، ورخص بعضهم التحدث في العلم، وفيما لابد منه من الحوائج مع الأهل والضيف. ((وينفتل)) ينصرف، يقال: فتله عن وجهه أي صرفه فانصرف، وهو قلب ((لفت)).
стр. 454
أقصى المدينة والشمس حية، ونسيت ما قال في المغرب، وكان يستحب أن يؤخر العشاء التي تدعونها العتمة، وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها، وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه ويقرأ بالستين إلي المائة. وفي رواية: ولا يبالي بتأخير العشاء إلي ثلث الليل، ولا يحب النوم قبلها والحديث بعدها. متفق عليه.
٥٨٨ - وعن محمد بن عمرو بن الحسن بن علي، قال: سألنا جابر بن عبد الله عن صلاة النبي ﷺ : فقال كان يصلي الظهر بالهاجرة، والعصر والشمس حية، والمغرب إذا وجبت، والعشاء: إذا كثر الناس عجل، وإذا قلوا أخر، والصبح بغلس. متفق عليه.
٥٨٩ - وعن أنس، قال: كنا إذا صلينا خلف النبي ﷺ بالظهائر سجدنا علي ثيابنا اتقاء الحر. متفق عليه، ولفظه للبخاري.
ــ
الحديث الثاني: عن محمد بن عمرو بن الحسين بن علي ﵁: قوله: ((إذا وجبت)) أي سقطت الشمس في المغيب، فأصل الوجوب السقوط، قال الله (تعالي): ﴿فإذا وجبت جنوبها﴾ ومنه قول الشاعر
أطاعت بنو عوف أميراً نهاهم عن السلم حتى كان أول واجب
قوله: ((والعشاء)) نصب علي تقدير: وصلي العشاء، والجملتان الشرطيتان في محل النصب حالان من الفاعل أي صلي العشاء معجلا إذا كثر الناس، ومؤخراً إذا قلوا، ويحتمل أن يكونا من المفعول، والراجع إليه محذوف إذ التقدير: عجلها وأخرها، نظيره قوله تعالي: ﴿فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث﴾ إن الشرطية حال من الكلب، كأنه قيل: كمثل الكلب ذليلاً دائم الذلة. قوله: ((بغلس)) ((نه)): هو ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح.
الحديث الثالث: عن أنس بن مالك ﵁: ((بالظهائر)) وهي ظهيرة النهار وأراد بها الظهر، بها الظهر، وجمعها إرادة ظهر كل يوم، ((وسجدنا علي ثيابنا)) ((شف)): أول الشافعي الحديث بأن المراد بالثوب غير ما لبسه، كالمصلي ونحوه، ولم يجز السجود علي ثوب هو لابسه، لأحاديث واردة فيه.
стр. 455
٥٩٠ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة)).
٥٩١ - وفي رواية للبخاري عن أبي سعيد ((بالظهر، فإن شدة الحر من فيح جهنم، واشتكت النار إلي ربها، فقالت: رب! أكل بعضي بعضاً، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، أشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير)). متفق عليه. وفي رواية للبخاري: فأشد ما تجدون من الحر فمن سمومها، وأشد ما تجدون من البرد فمن زمهريرها)).
ــ
الحديث الرابع: عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((من فيح جهنم)) ((خط)): معناه سطوع حرها وانتشارها، وأصله السعة والانتشار، يقال: مكان أفيح أي واسع، وقيل: أصله الواو يقال: فاح يفوح فهو فيح، مثل هان يهون فهو هين، ثم خففنا. وقوله: ((اشتكت النار)) جملة مبينة للأولي- وإن دخلت الواو بين البيان والمبين- كما في قوله تعالي: ﴿وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار﴾ الآية. بعد قوله: ﴿فهي كالحجارة أو أشد قسوة﴾ ((تو)): ذكر في أول الحديث أن شدة الحر من فيح جهنم، وهو يحتمل أن يكون حقيقة أو مجازاً، فبين بقوله: ((فأذن لها بنفسين)) إلي آخره. أن المراد منه الحقيقة لا غير، ثم نبه علي أن أحد النفسين يتولد منه ((أشد ما تجدون من الزمهرير)). ((قض)): اشتكاء النار مجاز عن كثرتها وغليانها وازدحام أجزائها بحيث يضيق عنها مكانها، فيسعى كل جزء في إفناء الجزء الآخر والاستيلاء علي مكانها، ونفسها لهبها وخروج ما يبرز منها، مأخوذ من نفس الحيوان، وهو الهواء الدخإني الذي تخرجه القوة الحيوإنية فينقي منه حوالي القلب. وقوله: ((أشد ما تجدون من الحر)) خبر مبتدأ محذوف أي ذلك أشد.
وتحقيقه أن أحوال هذا العالم عكس أمور ذاك العالم وآثارها، فكما جعل مستطابات الأشياء وما يستلذ به الإنسان في الدنيا أشباه نعمي الجنان، وهو من جنس ما أعد لهم فيها؛ ليكونوا أميل إليها وأرغب فيها، ويشهد لذلك قوله تعالي: ﴿كلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً قالوا هذا الذي رزقنا من قبل﴾ كذا جعل الشدائد المؤلمة والأشياء المؤذية أنموذجاً لأحوال الجحيم، وما
стр. 456
٥٩٢ - وعن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ يصلي العصر، والشمس مرتفعة حية، فيذهب الذاهب إلي العوالي، فيأتيهم والشمس مرتفعة، وبعض العوالي من المدينة علي أربعة أميال أو نحوه. متفق عليه.
٥٩٣ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((تلك صلاة المنافق: يجلس يرقب الشمس، حتى إذا اصفرت، وكانت بين قرني الشيطان؛ قام فنقر أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلا)). رواه مسلم.
ــ
يعذب بها الكفرة العصاة، ليزيد خوفهم وانزجارهم عما يوصلهم إليها؛ فما يوجد من السموم فمن حرها، وما يوجد من الصراصر المجمدة فمن زمهريرها، وهو طبقة من طبقات الجحيم. ويحتمل الكلام وجوها أخر والله (سبحانه وتعالي) ورسوله أعلم بالحقائق وأقول جعله ((أشد مبتدأ خبره محذوف أولي من عكسه، لدلالة الرواية للبخاري، وأما الفاء في الخبر فلإضافة ((أشد)) إلي ((ما)) الموصوفة أو الموصولة.
الحديث الخامس والسادس عن أنس ﵁: قوله: ((تلك)) هو إشارة إلي ما في الذهن من الصلاة المخصوصة، والخبر بيان لما في الذهن، و ((يجلس- إلي آخره-)) جملة استئنافية بيان للجملة السابقة، ويجوز أن تكون حالا ((والشمس)) مفعول ((ترقب)) و ((إذا)) ظرف مفعول به بدل اشتمال من الشمس، كقوله تعالي: ﴿واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت﴾ يعني: ترقب وقت اصفرار الشمس، وحصوله بين قرني الشيطان، وعلي هذا ((قام)) استئناف، ويجوز أن يكون ((إذا)) للشرط ((وقام)) جزاءه، فالشرطية استئنافية. وقوله: ((فنقر)) من نقر الطائر الحبة نقراً التقطها. وتخصيص الأربع بالنقر وفي العصر ثمإني سجدات، اعتبارا بالركعات، فكذا تخصيص العصر بالذكر دون سائر الصلوات؛ لأنها هي الصلاة الوسطى قال الله تعالي: ﴿حافظوا علي الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين﴾. قيل: إنما خصها بالذكر، لأنها تأتي في وقت تعب الناس من مقاساة أعمالهم، وحرصهم علي قضاء أشغالهم، وشرههم بها إلي انقضاء وظائفهم. ((مظ)): يعني من أخر صلاة العصر إلي الاصفرار فقد شبه نفسه بالمنافقين؛ فإنهم لا يعتقدون حقيقة الصلاة، بل يصلون لدفع السيف، ولا يبالون بتأخيرها؛ لأنهم لا يطلبون بها فضيلة ولا ثواباً حتى يصلوها في الوقت؛ فالواجب علي المسلم أن يخالف المنافق.
стр. 457
٥٩٤ - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الذي تفوته صلاة العصر، فكأنما وتر أهله وماله)). متفق عليه.
٥٩٥ - وعن بريدة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من ترك صلاة العصر، فقد حبط عمله)). رواه البخاري.
٥٩٦ - وعن رافع بن خديج، قال: كنا نصلي المغرب مع رسول الله ﷺ ، فينصرف أحدنا وإنه ليبصر مواقع نبله. متفق عليه.
ــ
الحديث السابع عن ابن عمر ﵁: قوله: ((وتر أهله)) ((فا)): أي خرب أهله وماله وسلب، من وتر بفلان إذا قتل حميمه أو نقص وقلل، من الوتر وهو الفرد، ومنه قوله تعالي: ﴿لن يتركم أعمالكم﴾ ويروي بنصب الأهل ورفعه، فمن نصب جعله مفعولا ثإنياً لوتر، وأضمر فيها مفعولاً أقيم مقام الفاعل عائداً إلي ((الذي تفوته)) ومن رفع لم يضمر، وأقام الأهل مقام الفاعل؛ لأنهم المصابون المأخوذون؛ فمن رد النقض إلي الرجل نصبهما، ومن رده إلي الأهل والمال رفعهما. قال ابن عبد البر: ويحتمل أن يلحق بالعصر باقي الصلاة، ويكون نبه بالعصر علي غيرها.
الحديث الثامن عن بريدة ﵁: قوله: ((حبط عمله)) حبط عمله حبطا وحبوطاً بطل ثوابه، وليس ذلك من إحباط ما سبق من عمله؛ فإن ذلك في حق من مات مرتداً، كقوله تعالي: ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ بل يحمل الحبوط علي عمله في يومه، أي لاسيما في الوقت الذي يقرب أن ترفع أعمال العباد إلي الله تعالي. وأما دلالة الآية علي اختصاص إحباط عمل المرتد دون غيره، فإن ((من)) شرطية، وكان من حق الظاهر أن يقال: من يرتدد فيمت كافراً فحبط عمله، قدم معنى الضمير المجرور أي في عمله، وجعله اسم إشارة وبني الخبر عليه؛ لإفادته الاختصاص، عرفه من ذاقه، ولأهل السنة دلائل في الأصول رداً علي المعتزلة مشهورة لا يهمنا الآن ذكرها.
الحديث التاسع عن رافع ﵁: قوله: ((مواقع)) أي مواضع وقوع سهمه. يعني يصلي المغرب في أول الوقت بحيث لو رمي سهم يرى أين سقط.
стр. 458
٥٩٧ - وعن عائشة، ﵂، قالت: كانوا يصلون العتمة فيما بين أن يغيب الشفق إلي ثلث الليل الأول. متفق عليه.
٥٩٨ - وعنها، قالت: كان رسول الله ﷺ ليصلي الصبح، فتنصرف النساء متلفعات بمروطهن، ما يعرفن من الغلس. متفق عليه.
٥٩٩ - وعن قتادة، عن أنس: أن النبي ﷺ وزيد بن ثابت، تسحرا، فلما فرغا من سحورهما؛ قام نبي الله ﷺ إلي الصلاة، فصلي، قلنا لأنس: كم كان بين فراغهما من سحورهما ودخولهم في الصلاة؟ فقال قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية. رواه البخاري.
٦٠٠ - وعن أبي ذر، قال: قال [لي] رسول الله ﷺ : ((كيف أنت إذا كنت عليك أمراء يميتون الصلاة- أو [قال]: يؤخرون [الصلاة] عن وقتها -؟ قلت: فما
ــ
الحديث العاشر عن عائشة ﵂: قوله: ((فيما بين أن يغيب الشفق إلي ثلث الليل)) يشكل توجيه ((إلي)) لأن الظاهر أن يقال: فيما بين مغيب الشفق وثلث الليل، اللهم إلا أن يتمحل فيقدر لمغيب الشفق أجزاء ليختص ((بين)) بها، وتجعل ((إلي)) حالا من فاعل ((يصلون)) أي يصلون فيما بين هذه الأوقات منتهين إلي ثلث الليل.
الحديث الحادي عشر عن عائشة ﵂: قوله: ((متلفعات)) أي متلحفات، التلفع شد اللفاع، وهو ما يغطي الوجه ويتلحف به، ((والمرط)) بالكسر كساء من صوف، أوخز يؤتزر به، و ((ما)) في ((ما يعرفن)) نافية؛ و ((من)) ابتدائية بمعنى أجل.
الحديث الثاني عشر عن أنس ﵁: قوله: ((قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية)) ((تو)): هذا القدر لا يسوغ لعموم المسلمين الأخذ به، وإنما أخذ رسول الله ﷺ لإطلاع الله إياه، وكان ﷺ معصوماً عن الخطأ في أمر الدين. و ((السحور)) بفتح السين هو المحفوظ ولو ضم جاز في اللغة، كالوضوء والوضوء.
الحديث الثالث عشر عن أبي ذر: قوله: ((كيف أنت)) كيف يسأل عن الحال، أي ما حالك حين ترى من هو حاكم عليك متهاوناً في الصلاة يؤخرها عن وقتها، وأنت غير قادر علي مخالفته، إن صليت معه فاتتك فضيلة أول الوقت، وإن خالفته خفت أذاه وفاتتك فضيلة الجماعة؟ فسأل: ((فماذا تأمرني)) أي كيف أفعل حينئذ؟ و ((عليك)) خبر كان، أي كانت الأمراء مسلطين عليك قاهرين لك. شبه إضاعة الصلاة وتأخيرها عن موقتها بجيفة ميتة تنفر عنها
стр. 459
تأمرني؟ قال: صل الصلاة لوقتها. فإن أدركتها معهم؛ فصل، فإنها لك نافلة)). رواه مسلم.
٦٠١ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس؛ فقد أدرك الصبح. ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس؛ فقد أدرك العصر)). متفق عليه.
ــ
الطباع، كما شبه المحافظة عليها وأدائها في وقت اختيارها بذي حياة له نضارة وطراوة في عنفوان شبابه، ثم أخرجها مخرج الاستعارة وجعل القرينة ((يميتون))؛ لأنه لازم المشبه به. ((مح)): المراد بتأخيرها عن وقتها المختار لأنهم لم يكونوا يؤخرونها عن جميع وقتها. وفي الحديث الحث علي الصلاة في أول الوقت، وفيه أن الإمام إذا أخرها عن أول وقتها يستحب للمأموم أن يصليها في أول الوقت منفرداً ثم يصليها مع الإمام، فيجتمع له فضيلة أول الوقت وفضيلة الجماعة، فلو اقتصر علي أحد هذين الأمرين هل له ذلك أم لا؟ فيه خلاف، والمختار الانتظار إن لم يفحش التأخير. وفيه الحث علي موافقة الأمراء في غير معصية؛ لئلا تتفرق الكلمة وتقع الفتنة، وفيه أن الصلاة الأولي تقع فرضاً، والثانية نفلا، وفيه أنه لا بأس في إعادة سائر الصلوات؛ لأن النبي ﷺ أطلق الأمر بإعادة الصلاة ولم يفرق بين صلاة وصلاة. ولنا وجه أن لا يعيد الصبح والعصر لأن الثانية نفل ولا نفل بعدهما، وكذا صلاة المغرب لا تعاد؛ لئلا تصير شفعاـ وهو ضعيف. وفي الحديث أيضاً دليل علي صدق النبوة، لأنه ﷺ أخبر به وقد وقع في زمن بني أمية.
الحديث الرابع عشر والخامس عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((من أدرك ركعة)) ((حس)): أراد ركعة بركوعها وسجودها، والصلاة تسمى سجوداً، كما تسمى ركوعاً، قال الله تعالي: ﴿ومن الليل فاسجد له﴾ أي صل، كما قال الله تعالي: ﴿واركعوا مع الراكعين﴾ أي صلوا مع المصلين. وفيه دليل علي أن من طلعت عليه الشمس وهو في صلاة الصبح أو غربت وهو في صلاة العصر أن صلاته لا تبطل، وهو قول أكثر أهل العلم، وقال أصحاب أبي حنيفة: تبطل صلاة الصبح إذا طلعت وهو فيها، ولا تبطل صلاة العصر إذا غربت وهو فيها.
((مح)): قال أبو حنيفة: ((تبطل صلاة الصبح بطلوع الشمس، لأنه دخل وقت النهي عن الصلاة، بخلاف غروب الشمس)) والحديث حجة عليه. وفي الحديث ثلاث مسائل: إحداها: إذا
стр. 460
٦٠٢ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس؛ فليتم صلاته. وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس؛ فليتم صلاته)). رواه البخاري.
٦٠٣ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من نسي صلاة، أو نام عنها، فكفارته أن يصليها إذا ذكرها)). وفي رواية: ((لا كفارة لها إلا ذلك)). متفق عليه.
ــ
أدرك من لا تجب عليه الصلاة ركعة من وقتها لزمته تلك الصلاة، وذلك في الصبي إذا بلغ، والمجنون والمغمي عليه يفيقان، والحائض والنفساء إذا تطهروا، والكافر يسلم، فمن أدرك من هؤلاء ركعة قبل خروج وقت الصلاة لزمته تلك الصلاة، وإن أدرك دون ركعة كتكبيرة ففيه قولان، أصحهما تلزمه؛ لأنه أدرك جزء منه؛ ولأنه لا يشترط قدر الصلاة بكمالها بالاتفاق، فينبغي أن لا يفرق بين تكبيرة وركعة. وأجابوا عن الحديث: أن التقييد بالركعة خرج علي الغالب، ولا يشترط إمكان الطهارة معها.
وثإنيها: إذا دخل في الصلاة في آخر وقتها فصلي ركعة في الوقت ثم خرج الوقت كان مدركاً لأدائها، وتكون كلها أداء علي الصحيح، وقيل: كلها قضاء، وقيل: ما وقع في الوقت أداء. تظهر فائدة الخلاف في مسافر صلي ركعة في الوقت وباقيها بعده. فإن قلت: الجميع أداء فله قصرها، وإن قلت: كلها قضاء أو بعضها وجب إتمامها أربعاً في قول من يمنع قصر الفائت في السفر.
وثالثها: إذا أدرك المسبوق مع الإمام ركعة كان مدركاً لفضيلة الجماعة بلا خلاف، وإن لم يدرك ركعة فالأصح أنه يكون مدركاً لفضيلة الجماعة؛ لأنه أدرك جزء منه، والحديث محمول علي الغالب.
الحديث السادس عشر عن أنس ﵁: ((أو نام عنها)) ضمن ((نام)) معنى غفل؛ أي غفل عنها في حال نومه. والكفارة عبارة عن الفعلة والخصلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة أي تسترها وتمحوها، وهي فعالة للمبالغة، كقتالة وضرابة، وهي من الصفات الغالبة في الأسمية. ((خط)): يحتمل ذلك وجهين، أحدهما: أنه لا يكفرها غير قضائها، والآخر: أنه لا يلزمه في نسيانه غرامة، ولا زيادة تضعيف، ولا كفارة من صدقة ونحوها، كما يلزم في ترك الصوم. قوله: وفي رواية ((لا كفارة)) أراد زاد في رواية أخرى هذه العبارة؛ لأن هذه الرواية بدل من الرواية السابقة؛ لأن اسم الإشارة يقتضي مشاراً إليه، وهو قوله: ((أن يصليها إذا ذكرها)) جيء بالثانية تأكيداً وتقريراً علي سبيل الحصر؛ لئلا يتوهم أن لها كفارة غير القضاء.
следующие страницы →