← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122257

شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن

الطيبي

Полный текст (3 308 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

٥٩٢ - وعن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ يصلي العصر، والشمس مرتفعة حية، فيذهب الذاهب إلي العوالي، فيأتيهم والشمس مرتفعة، وبعض العوالي من المدينة علي أربعة أميال أو نحوه. متفق عليه. ٥٩٣ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((تلك صلاة المنافق: يجلس يرقب الشمس، حتى إذا اصفرت، وكانت بين قرني الشيطان؛ قام فنقر أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلا)). رواه مسلم. ــ يعذب بها الكفرة العصاة، ليزيد خوفهم وانزجارهم عما يوصلهم إليها؛ فما يوجد من السموم فمن حرها، وما يوجد من الصراصر المجمدة فمن زمهريرها، وهو طبقة من طبقات الجحيم. ويحتمل الكلام وجوها أخر والله (سبحانه وتعالي) ورسوله أعلم بالحقائق وأقول جعله ((أشد مبتدأ خبره محذوف أولي من عكسه، لدلالة الرواية للبخاري، وأما الفاء في الخبر فلإضافة ((أشد)) إلي ((ما)) الموصوفة أو الموصولة. الحديث الخامس والسادس عن أنس ﵁: قوله: ((تلك)) هو إشارة إلي ما في الذهن من الصلاة المخصوصة، والخبر بيان لما في الذهن، و ((يجلس- إلي آخره-)) جملة استئنافية بيان للجملة السابقة، ويجوز أن تكون حالا ((والشمس)) مفعول ((ترقب)) و ((إذا)) ظرف مفعول به بدل اشتمال من الشمس، كقوله تعالي: ﴿واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت﴾ يعني: ترقب وقت اصفرار الشمس، وحصوله بين قرني الشيطان، وعلي هذا ((قام)) استئناف، ويجوز أن يكون ((إذا)) للشرط ((وقام)) جزاءه، فالشرطية استئنافية. وقوله: ((فنقر)) من نقر الطائر الحبة نقراً التقطها. وتخصيص الأربع بالنقر وفي العصر ثمإني سجدات، اعتبارا بالركعات، فكذا تخصيص العصر بالذكر دون سائر الصلوات؛ لأنها هي الصلاة الوسطى قال الله تعالي: ﴿حافظوا علي الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين﴾. قيل: إنما خصها بالذكر، لأنها تأتي في وقت تعب الناس من مقاساة أعمالهم، وحرصهم علي قضاء أشغالهم، وشرههم بها إلي انقضاء وظائفهم. ((مظ)): يعني من أخر صلاة العصر إلي الاصفرار فقد شبه نفسه بالمنافقين؛ فإنهم لا يعتقدون حقيقة الصلاة، بل يصلون لدفع السيف، ولا يبالون بتأخيرها؛ لأنهم لا يطلبون بها فضيلة ولا ثواباً حتى يصلوها في الوقت؛ فالواجب علي المسلم أن يخالف المنافق.

стр. 457

٥٩٤ - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الذي تفوته صلاة العصر، فكأنما وتر أهله وماله)). متفق عليه. ٥٩٥ - وعن بريدة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من ترك صلاة العصر، فقد حبط عمله)). رواه البخاري. ٥٩٦ - وعن رافع بن خديج، قال: كنا نصلي المغرب مع رسول الله ﷺ ، فينصرف أحدنا وإنه ليبصر مواقع نبله. متفق عليه. ــ الحديث السابع عن ابن عمر ﵁: قوله: ((وتر أهله)) ((فا)): أي خرب أهله وماله وسلب، من وتر بفلان إذا قتل حميمه أو نقص وقلل، من الوتر وهو الفرد، ومنه قوله تعالي: ﴿لن يتركم أعمالكم﴾ ويروي بنصب الأهل ورفعه، فمن نصب جعله مفعولا ثإنياً لوتر، وأضمر فيها مفعولاً أقيم مقام الفاعل عائداً إلي ((الذي تفوته)) ومن رفع لم يضمر، وأقام الأهل مقام الفاعل؛ لأنهم المصابون المأخوذون؛ فمن رد النقض إلي الرجل نصبهما، ومن رده إلي الأهل والمال رفعهما. قال ابن عبد البر: ويحتمل أن يلحق بالعصر باقي الصلاة، ويكون نبه بالعصر علي غيرها. الحديث الثامن عن بريدة ﵁: قوله: ((حبط عمله)) حبط عمله حبطا وحبوطاً بطل ثوابه، وليس ذلك من إحباط ما سبق من عمله؛ فإن ذلك في حق من مات مرتداً، كقوله تعالي: ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ بل يحمل الحبوط علي عمله في يومه، أي لاسيما في الوقت الذي يقرب أن ترفع أعمال العباد إلي الله تعالي. وأما دلالة الآية علي اختصاص إحباط عمل المرتد دون غيره، فإن ((من)) شرطية، وكان من حق الظاهر أن يقال: من يرتدد فيمت كافراً فحبط عمله، قدم معنى الضمير المجرور أي في عمله، وجعله اسم إشارة وبني الخبر عليه؛ لإفادته الاختصاص، عرفه من ذاقه، ولأهل السنة دلائل في الأصول رداً علي المعتزلة مشهورة لا يهمنا الآن ذكرها. الحديث التاسع عن رافع ﵁: قوله: ((مواقع)) أي مواضع وقوع سهمه. يعني يصلي المغرب في أول الوقت بحيث لو رمي سهم يرى أين سقط.

стр. 458

٥٩٧ - وعن عائشة، ﵂، قالت: كانوا يصلون العتمة فيما بين أن يغيب الشفق إلي ثلث الليل الأول. متفق عليه. ٥٩٨ - وعنها، قالت: كان رسول الله ﷺ ليصلي الصبح، فتنصرف النساء متلفعات بمروطهن، ما يعرفن من الغلس. متفق عليه. ٥٩٩ - وعن قتادة، عن أنس: أن النبي ﷺ وزيد بن ثابت، تسحرا، فلما فرغا من سحورهما؛ قام نبي الله ﷺ إلي الصلاة، فصلي، قلنا لأنس: كم كان بين فراغهما من سحورهما ودخولهم في الصلاة؟ فقال قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية. رواه البخاري. ٦٠٠ - وعن أبي ذر، قال: قال [لي] رسول الله ﷺ : ((كيف أنت إذا كنت عليك أمراء يميتون الصلاة- أو [قال]: يؤخرون [الصلاة] عن وقتها -؟ قلت: فما ــ الحديث العاشر عن عائشة ﵂: قوله: ((فيما بين أن يغيب الشفق إلي ثلث الليل)) يشكل توجيه ((إلي)) لأن الظاهر أن يقال: فيما بين مغيب الشفق وثلث الليل، اللهم إلا أن يتمحل فيقدر لمغيب الشفق أجزاء ليختص ((بين)) بها، وتجعل ((إلي)) حالا من فاعل ((يصلون)) أي يصلون فيما بين هذه الأوقات منتهين إلي ثلث الليل. الحديث الحادي عشر عن عائشة ﵂: قوله: ((متلفعات)) أي متلحفات، التلفع شد اللفاع، وهو ما يغطي الوجه ويتلحف به، ((والمرط)) بالكسر كساء من صوف، أوخز يؤتزر به، و ((ما)) في ((ما يعرفن)) نافية؛ و ((من)) ابتدائية بمعنى أجل. الحديث الثاني عشر عن أنس ﵁: قوله: ((قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية)) ((تو)): هذا القدر لا يسوغ لعموم المسلمين الأخذ به، وإنما أخذ رسول الله ﷺ لإطلاع الله إياه، وكان ﷺ معصوماً عن الخطأ في أمر الدين. و ((السحور)) بفتح السين هو المحفوظ ولو ضم جاز في اللغة، كالوضوء والوضوء. الحديث الثالث عشر عن أبي ذر: قوله: ((كيف أنت)) كيف يسأل عن الحال، أي ما حالك حين ترى من هو حاكم عليك متهاوناً في الصلاة يؤخرها عن وقتها، وأنت غير قادر علي مخالفته، إن صليت معه فاتتك فضيلة أول الوقت، وإن خالفته خفت أذاه وفاتتك فضيلة الجماعة؟ فسأل: ((فماذا تأمرني)) أي كيف أفعل حينئذ؟ و ((عليك)) خبر كان، أي كانت الأمراء مسلطين عليك قاهرين لك. شبه إضاعة الصلاة وتأخيرها عن موقتها بجيفة ميتة تنفر عنها

стр. 459

تأمرني؟ قال: صل الصلاة لوقتها. فإن أدركتها معهم؛ فصل، فإنها لك نافلة)). رواه مسلم. ٦٠١ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس؛ فقد أدرك الصبح. ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس؛ فقد أدرك العصر)). متفق عليه. ــ الطباع، كما شبه المحافظة عليها وأدائها في وقت اختيارها بذي حياة له نضارة وطراوة في عنفوان شبابه، ثم أخرجها مخرج الاستعارة وجعل القرينة ((يميتون))؛ لأنه لازم المشبه به. ((مح)): المراد بتأخيرها عن وقتها المختار لأنهم لم يكونوا يؤخرونها عن جميع وقتها. وفي الحديث الحث علي الصلاة في أول الوقت، وفيه أن الإمام إذا أخرها عن أول وقتها يستحب للمأموم أن يصليها في أول الوقت منفرداً ثم يصليها مع الإمام، فيجتمع له فضيلة أول الوقت وفضيلة الجماعة، فلو اقتصر علي أحد هذين الأمرين هل له ذلك أم لا؟ فيه خلاف، والمختار الانتظار إن لم يفحش التأخير. وفيه الحث علي موافقة الأمراء في غير معصية؛ لئلا تتفرق الكلمة وتقع الفتنة، وفيه أن الصلاة الأولي تقع فرضاً، والثانية نفلا، وفيه أنه لا بأس في إعادة سائر الصلوات؛ لأن النبي ﷺ أطلق الأمر بإعادة الصلاة ولم يفرق بين صلاة وصلاة. ولنا وجه أن لا يعيد الصبح والعصر لأن الثانية نفل ولا نفل بعدهما، وكذا صلاة المغرب لا تعاد؛ لئلا تصير شفعاـ وهو ضعيف. وفي الحديث أيضاً دليل علي صدق النبوة، لأنه ﷺ أخبر به وقد وقع في زمن بني أمية. الحديث الرابع عشر والخامس عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((من أدرك ركعة)) ((حس)): أراد ركعة بركوعها وسجودها، والصلاة تسمى سجوداً، كما تسمى ركوعاً، قال الله تعالي: ﴿ومن الليل فاسجد له﴾ أي صل، كما قال الله تعالي: ﴿واركعوا مع الراكعين﴾ أي صلوا مع المصلين. وفيه دليل علي أن من طلعت عليه الشمس وهو في صلاة الصبح أو غربت وهو في صلاة العصر أن صلاته لا تبطل، وهو قول أكثر أهل العلم، وقال أصحاب أبي حنيفة: تبطل صلاة الصبح إذا طلعت وهو فيها، ولا تبطل صلاة العصر إذا غربت وهو فيها. ((مح)): قال أبو حنيفة: ((تبطل صلاة الصبح بطلوع الشمس، لأنه دخل وقت النهي عن الصلاة، بخلاف غروب الشمس)) والحديث حجة عليه. وفي الحديث ثلاث مسائل: إحداها: إذا

стр. 460

٦٠٢ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس؛ فليتم صلاته. وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس؛ فليتم صلاته)). رواه البخاري. ٦٠٣ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من نسي صلاة، أو نام عنها، فكفارته أن يصليها إذا ذكرها)). وفي رواية: ((لا كفارة لها إلا ذلك)). متفق عليه. ــ أدرك من لا تجب عليه الصلاة ركعة من وقتها لزمته تلك الصلاة، وذلك في الصبي إذا بلغ، والمجنون والمغمي عليه يفيقان، والحائض والنفساء إذا تطهروا، والكافر يسلم، فمن أدرك من هؤلاء ركعة قبل خروج وقت الصلاة لزمته تلك الصلاة، وإن أدرك دون ركعة كتكبيرة ففيه قولان، أصحهما تلزمه؛ لأنه أدرك جزء منه؛ ولأنه لا يشترط قدر الصلاة بكمالها بالاتفاق، فينبغي أن لا يفرق بين تكبيرة وركعة. وأجابوا عن الحديث: أن التقييد بالركعة خرج علي الغالب، ولا يشترط إمكان الطهارة معها. وثإنيها: إذا دخل في الصلاة في آخر وقتها فصلي ركعة في الوقت ثم خرج الوقت كان مدركاً لأدائها، وتكون كلها أداء علي الصحيح، وقيل: كلها قضاء، وقيل: ما وقع في الوقت أداء. تظهر فائدة الخلاف في مسافر صلي ركعة في الوقت وباقيها بعده. فإن قلت: الجميع أداء فله قصرها، وإن قلت: كلها قضاء أو بعضها وجب إتمامها أربعاً في قول من يمنع قصر الفائت في السفر. وثالثها: إذا أدرك المسبوق مع الإمام ركعة كان مدركاً لفضيلة الجماعة بلا خلاف، وإن لم يدرك ركعة فالأصح أنه يكون مدركاً لفضيلة الجماعة؛ لأنه أدرك جزء منه، والحديث محمول علي الغالب. الحديث السادس عشر عن أنس ﵁: ((أو نام عنها)) ضمن ((نام)) معنى غفل؛ أي غفل عنها في حال نومه. والكفارة عبارة عن الفعلة والخصلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة أي تسترها وتمحوها، وهي فعالة للمبالغة، كقتالة وضرابة، وهي من الصفات الغالبة في الأسمية. ((خط)): يحتمل ذلك وجهين، أحدهما: أنه لا يكفرها غير قضائها، والآخر: أنه لا يلزمه في نسيانه غرامة، ولا زيادة تضعيف، ولا كفارة من صدقة ونحوها، كما يلزم في ترك الصوم. قوله: وفي رواية ((لا كفارة)) أراد زاد في رواية أخرى هذه العبارة؛ لأن هذه الرواية بدل من الرواية السابقة؛ لأن اسم الإشارة يقتضي مشاراً إليه، وهو قوله: ((أن يصليها إذا ذكرها)) جيء بالثانية تأكيداً وتقريراً علي سبيل الحصر؛ لئلا يتوهم أن لها كفارة غير القضاء.

стр. 461

٦٠٤ - وعن أبي قتادة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليس في النوم تفريط؛ إنما التفريط في اليقظة. فإذا نسى أحدكم صلاة أو نام عنها؛ فليصلها إذا ذكرها، فإن الله تعالي قال: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾. رواه مسلم. الفصل الثاني ٦٠٥ - عن علي [﵁]: أن النبي ﷺ قال: ((يا علي! ثلاث لا ــ الحديث السابع عشر عن أبي قتادة ﵁: قوله: ﴿أقم الصلاة لذكري﴾ ((تو)): الآية تحتمل وجوها كثيرة من التأويل، ولكن الواجب أن تصار إلي وجه يوافق الحديث، لأنه حديث صحيح، فالمعنى: أقم الصلاة لذكرها؛ لأنه إذا ذكرها فقد ذكر الله، أو يقدر المضاف أي لذكر صلاتي، أو وقع ضمير الله موقع ضمير الصلاة لشرفها وخصوصيتها، ويؤيدها قراءة من قرأ ((أقم الصلاة لذكري)) وروى مسلم عن ابن شهاب أنه قرأها: ((للذكرى))، وروى النسائي أيضاً أن الزهري روى عن سعيد بن المسيب هذه القراءة، أقول: اللام الأولي بمعنى الوقت، والثانية بدل من المضاف إليه، وهو ضمير الصلاة، كأنه قيل: أقم الصلاة وقت ذكرها. فإن قلت: ما معنى تأويل الرسول ﷺ وجعل الآية مستشهداً لقوله؟ قلت- والله أعلم -: إن قوله تعالي: ﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري﴾ جيء به تتمة لبيان موجب قوله: ﴿وأنا اخترتك﴾ وأن يقوم الكليم بكلمة التوحيد وعبادة الله تعالي ويداوم عليها ولا يفتر عنها لمحة، وإذا وقع فتور من نسيان أو غفلة يعود إلي ما يجب عليه من إدامة الذكر، وقد علم أن أولي مكان الذكر وأفضله هو الصلاة، فأقيم مقام ذلك الفتور إقامة الصلاة التي هي مسببة عنه إذا غفلت عن الصلاة التي هي مكان للذكر تنبيه لها واذكرني فيها. وفيه دليل علي أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ. الفصل الثاني الحديث الأول عن علي ﵁: قوله: ((الصلاة إذا أتت)) ((تو)): في أكثر النسخ المقروءة ((أتت)) بالتائين، وكذا عن أكثر المحدثين، وهو تصحيف، وإنما المحفوظ من ذوي الإتقان ((آنت)) علي زنة حانت يقال: أنى يإني إني أي حان، و ((الأيم)) من لازوج له، رجلا كان أو امرأة، ثيباً كان أو بكراً، وقد آمت المرأة من زوجها تأيم أيمة وأيما وأيوما، ورجل أيم، سواء كان تزوج أم لم يتزوج، و ((الكفؤ)) المثل، وفي النكاح أن يكون الرجل مثل المرأة في الإسلام، والحرية، والصلاح والنسب، وحسن الكسب، والعمل. ((شف)). فيه دليل علي أن الصلاة علي

стр. 462

تؤخرها: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفؤاً)). رواه الترمذي. [٦٠٥] ٦٠٦ - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الوقت الأول من الصلاة رضوان الله، والوقت الآخر عفو الله)). رواه الترمذي. [٦٠٦] ٦٠٧ - وعن أم فروة، قالت: سئل النبي ﷺ : أي الأعمال أفضل؟ قال: ((الصلاة لأول وقتها)). رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود. [٦٠٧] وقال الترمذي: لا يروى الحديث إلا من حديث عبد الله بن عمر العمري، وهو ليس بالقوي عند أهل الحديث. ٦٠٨ - وعن عائشة، قال: ما صلي رسول الله ﷺ صلاة لوقتها الآخر مرتين حتى قبضه الله تعالي. رواه الترمذي. [٦٠٨] ٦٠٩ - وعن أبي أيوب، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تزال أمتي بخير- أو ــ الجنازة لا تكره في الأوقات المكروهة. أقول: جمع تعجيل الصلاة والجنازة والأيم في قرن واحد لما يشتملها من معنى اللزوم فيها، وثقل محلها علي من لزم عليه مراعاتها والقيام بحقها. الحديث الثاني: عن ابن عمر ﵁: قوله: ((من الصلاة)) بيان للوقت، و ((رضوان الله)) خبر، إما بحذف المضاف أي الوقت الأول سبب لرضوان الله، أو علي المبالغة، وأن الوقت الأول عين رضي الله كقولك: رجل صوم، ورجل عدل. ((حس)): قال الشافعي: ((رضوان الله)) إنما يكون للمحسنين، والعفو يشبه أن يكون عن المقصرين. الحديث الثالث: عن أم فروة: قوله: ((لأول وقتها)) اللام للتأكيد، وليس كما في قوله تعالي: ﴿قدمت لحياتي﴾ لأن الوقت مذكور، ولا كما في قوله تعالي: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ أي قبل عدتهن؛ لذكر لفظة الأول، فيكون تأكيداً. الحديث الرابع والخامس: عن أبي أيوب ﵁: قوله: ((شبكت النجوم)) ((نه)): ظهرت جميعاً واختلط بعضها ببعض لكثرة ما ظهر منها. ((حس)): اختار أهل العلم من الصحابة والتابعين فمن بعدهم تعجيل المغرب.

стр. 463

قال: ((علي الفطرة- ما لم يؤخروا المغرب إلي أن تشتبك النجوم)). رواه أبو داود. [٦٠٩] ٦١٠ - ورواه الدارمي عن العباس. [٦١٠] ٦١١ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لولا أن أشق علي أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلي ثلث الليل أو نصفه)). رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه. [٦١١] ٦١٢ - وعن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أعتموا بهذه الصلاة؛ فإنكم قد فضلتم بها علي سائر الأمم، ولم تصلها أمة قبلكم)). رواه أبو داود. [٦١٢] ٦١٣ - وعن النعمان بن بشير، قال: أنا أعلم بوقت هذه الصلاة صلاة العشاء الآخرة: كان رسول الله ﷺ يصليها لسقوط القمر لثالثة. رواه أبو داود، والدارمي. [٦١٣] ٦١٤ - وعن رافع بن خديج، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أسفروا بالفجر، ــ الحديث السابع: عن معاذ بن جبل: قوله: ((أعتموا)) ((قض)): أعتم الرجل إذا دخل في العتمة، كما يقال: أصبح إذا دخل في الصباح، والعتمة ظلمة الليل، وقال الخليل: العتمة من الليل ما بعد غيبوبة الشفق، أي صلوها بعد ما دخلتم في الظلمة، وتحقق لكم سقوط الشفق، ولا تستعجلوا فيها فتوقعوها قبل وقتها. وعلي هذا لم يدل علي أن التأخير فيه أفضل، ويحتمل أن يقال: إنه من العتم الذي هو الإبطاء، ياقل: اعتم الرجل إذ أخرـ والتوفيق بين قوله: ((لم تصلها أمة قبلكم)) وقوله في حديث جبريل: ((هذا وقت الأنبياء من قبلك)) أن يقال- والله أعلم -: إن صلاة العشاء كانت تصليها الرسل نافلة لهم، ولم تكتب علي أممهم كالتهجد؛ فإنه واجب علي الرسول ﷺ ولم يجب علينا. أو يجعل ((هذا)) إشارة إلي وقت الإسفار؛ فإنه قد اشترك فيه جميع الأنبياء الماضية والأمم الدارجة، بخلاف سائر الأوقات. الحديث الثامن: عن النعمان بن بشير قوله: ((الثالثة)) أي ليلة ثالثة من الشهر، وهو بدل من قوله: ((لسقوط القمر)) أي وقت غروبه.

стр. 464

فإنه أعظم للأجر)). رواه الترمذي، وأبو داود، والدارمي. وليس عند النسائي: ((فإنه أعظم الأجر)). الفصل الثالث ٦١٥ - عن رافع بن خديج، قال: كنا نصلي العصر مع رسوله ﷺ ثم تنحر الجزور فتقسم عشر قسم، ثم تطبخ، فنأكل لحماً نضيجاً قبل مغيب الشمس. متفق عليه. ٦١٦ - وعن عبد الله بن عمر، قال مكثنا ذات ليلة ننتظر رسول الله ﷺ العشاء الآخرة. فخرج إلينا حيث ذهب ثلث الليل أو بعده، فلا ندري: أي شيء شعله في أهله أو غير ذلك؟ فقال حين خرج: ((إنكم لتنتظرون صلاة ما ينتظرها أهل دين غيركم، ولولا أن يثقل علي أمتي لصليت بهم هذه الساعة)). ثم أمر المؤذن، فأقام الصلاة وصلي. رواه مسلم. ــ الحديث التاسع: عن رافع بن خديج: قوله: ((أسفروا)) أي طولوا صلاة الفجر وأمدوها إلي الإسفار؛ فإنه أوفق للأحاديث الواردة بالتغليس والتعجيل فيه. ((حس)): حمل الشافعي الإسفار المذكور في هذا الحديث علي تيقن طلوع الفجر وزوال الشك، يدل علي هذا ما روي عن ابن مسعود الأنصاري ((أن رسول)) الله ﷺ غلس الصبح، ثم أسفر مرة، ثم لم يعد إلي الإسفار حتى قبضه الله)). الفصل الثالث الحديث الأول: عن رافع بن خديج: قوله: ((جزور)) الجزور البعير، ذكراً كان أو أنثى، إلا أن اللفظة مؤنثة، يقال: هذه الجزور- وإن أردت ذكرا- والجمع جزر وجزائر، وفي تخصيص القسم بالعشر، والطبخ بالنضج، وعطف ((تنحر)) علي ((نصلي)) بـ ((ثم)) إشعار بامتداد الزمان، وأن الصلاة واقعة في أول الوقت. الحديث الثاني: عن عبد الله بن عمر: قوله: ((صلاة العشاء)) ظرف لقوله ((ينتظر)) أي ينتظر رسول الله ﷺ وقت صلاة العشاء. قوله: ((ذهب ثلث الليل)) ((مح)): اختلفوا أهل العلم هل الأفضل تقديم العشاء أو تأخيرها؟ ومن فضل التأخير احتج بهذا الحديث ومن فضل التقديم احتج بأن العادة الغالبة لرسول الله ﷺ تقديمها، وإنما أخرها في أوقات يسيرة لبيان الجواز، أو لشغل أو لعذر، واعلم أن التأخير المذكور في هذا الحديث تأخير لم يخرج به عن الاختيار؛

стр. 465

٦١٧ - وعن جابر بن سمرة، قال: كان رسول الله ﷺ يصلي الصلوات نحواً من صلاتكم، وكان يؤخر العتمة بعد صلاتكم شيئاً، وكان يخفف الصلاة. رواه مسلم. ٦١٨ - وعن أبي سعيد قال: صلينا مع رسول الله ﷺ صلاة العتمة، فلم يخرج حتى مضى نحو من شطر الليل، فقال: ((خذوا مقاعدكم))، فأخذنا مقاعدنا، فقال: ((إن الناس قد صلوا وأخذوا مضاجعهم، وإنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة، ولولا ضعف الضعيف وسقم السقيم، لأخرت هذه الصلاة إلي شطر الليل)). رواه أبو داود، والنسائي. [٦١٨] ٦١٩ - وعن أم سلمة، قالت: كان رسول الله ﷺ أشد تعجيلاً للظهر منكم، وأنتم أشد تعجيلاً للعصر منه. رواه أحمد، والترمذي. [٦١٩] ٦٢٠ - وعن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ إذا كان الحر أبرد بالصلاة، وإذا كان البرد عجل. رواه النسائي. [٦٢٠] ٦٢١ - وعن عبادة بن الصامت، قال: قال لي رسول الله ﷺ : ((إنها ستكون عليكم بعدي أمراء يشغلهم أشياء عن الصلاة لوقتها حتى يذهب وقتها، فصلوا الصلاة لوقتها)). فقال رجل: يا رسول الله! أصلي معهم؟ قال: ((نعم)). رواه أبو داود. [٦٢١] ــ وهو نصف الليل أو ثلثه. قوله. ((لصليت بهم هذه الساعة)) أي لدمت علي صلاتها في مثل هذه الساعة. الحديث الثالث والرابع والخامس: عن أم سلمة ﵂: قوله: ((أشد تعجيلا للظهر)) لعل هذا إنكار عليهم بالمخالفة. الحديث السادس: ظاهر. الحديث السابع: مضى شرحه في الحدي الثالث عشر من الفصل الأول الحديث الثامن: عن قبيضة بن وقاص ﵁: قوله: ((فهي لكم وهي عليهم)) يعني إذا صليتم في أول وقتها، ثم تصلون معهم تكون منفعة صلاتكم لكم، ومضرة الصلاة ووبالها عليهم؛ لما أخروها، كما مر في الفصل الأول في الحديث الثالث عشر. قوله: ((ما صلوا القبلة)) أي ما صلوا نحو القبلة نحو قوله تعالي: ﴿فولوا وجوهكم شطره﴾.

стр. 466

٦٢٢ - وعن قبيصة بن وقاص، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يكون عليكم أمراء من بعدي يؤخرون الصلاة، فهي لكم، وهي عليهم، فصلوا معهم ما صلوا القبلة)). رواه أبو داود. [٦٢٢] ٦٢٣ - وعن عبيد الله بن عدي بن الخيار: أنه دخل علي عثمان وهو محصور، فقال: إنك إمام عامة، ونزل بك ما ترى، ويصلي لنا إمام فتنة، ونتحرج، فقال: الصلاة أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسن الناس فأحسن معهم، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم. رواه البخاري. (٣) باب فضائل الصلاة الفصل الأول ٦٢٤ - عن عمارة بن رويبة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لن يلج ــ الحديث التاسع: عن عبيد الله بن عدي بن الخيار ﵁: قوله: ((إمام فتنة)) يريد من أثار الفتنة وأهاج المحاربة مع أمير المؤمنين وحصره في بيته، والمراد بإمام العامة الإمامة الكبرى وهي الخلافة، وبإمام الفتنة الإمامة الصغرى، وهي الإمامة في الصلاة فحسب، وفي إيقاع إمام فتنة في مقابلة إمام عامة إشارة إلي حقية إمامته وإجماع الناس عليها، وبطلان من يناوئه ويعاديه. ثم انظر إلي إنصاف أمير المؤمنين بما أجاب وأثبت لهم الإحسان والإساءة، وأمر بمتابعة إحسانهم، والاجتناب عن إساءتهم، وأخرج الجملة مخرج العموم حيث وضع الناس موضع ضميرهم، وفيه دليل علي جواز الصلاة خلف الفرقة الباغية وكل بر وفاجر. والتحرج: التأثم ((نه)): الحرج في الأصل الضيق، ويقع علي الإثم والحرام. باب فضائل الصلاة الفصل الأول الحديث الأول عن عمارة بن رويبة: قوله: ((لن يلج النار)): لن لتأكيد النفي في المستقبل وتقريره، وفيه دليل علي أن الوارد في قوله تعالي: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ ليس بمعنى الدخول، وهذا أبلغ من لو قيل: يدخل الجنة، علي ما مر في باب الإيمان. وخص الصلاتين بالذكر، لأن وقت صلاة الصبح وقت لذيذ الكرى والنوم، والقيام فيه أشق من القيام في غيره،

стр. 467

النار أحد صلي قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها)) يعني الفجر والعصر. رواه مسلم. ٦٢٥ - وعن أبي موسى، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من صلي البردين دخل الجنة)). متفق عليه. ٦٢٦ - وعن أبي هريرة، [﵁]، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربهم- وهو أعلم بهم -: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون)). متفق عليه. ــ قال الله تعالي: ﴿تتجافي جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً﴾ وصلاة العصر وقت قوة الاشتغال بالتجارة، وحينئذ يحمى البيع والشرى، فما ينتهي عنه إلا من كمل دينه، قال الله تعالي: ﴿رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله﴾ ولأن الوقتين مشهودان تشهدهما ملائكة الليل والنهار، ويرفعون فيهما أعمال العباد إلي الله تعالي والمسلم إذا حافظ عليهما مع ما فيه من التثاقل والمشاغل كان الظاهر من حاله أن يحافظ علي غيرهما أشد محافظة، وما عسى أن يقع منه التفريط، فالحري أن يقع مكفراً، فيغفر له ولن يلج النار. الحديث الثاني عن أبي موسى: قوله: ((البردين)) في شرح السنة والفائق والغريبين: والأبردان الغداة والعشي، وزاد في الفائق: لطيب الهواء وبرده فيهما، وأنشد لحميد بن ثور: فلا الظل من برد الضحى يستطيع ولا الفيء من برد العشي يذوق وزاد في شرح السنة: أراد بهما صلاة الفجر والعصر؛ لكونهما في طرفي النهار. الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((يتعاقبون)) ((مح)): قيل: إن الضمير في ((يتعاقبون)) ضمير الفاعل، وهي لغة بني الحارث، وحكموا فيه قولهم: أكلوني البراغيث، وعليه حمل الأخفش قوله تعالي: ﴿وأسروا النجوى الذين ظلموا﴾. وأكثر النحويين لا يجوزون، ويجعلون الاسم بدلا عن الضمير. ومعنى ((يتعاقبون)) تأتي طائفة عقيب طائفة، واجتماعهم في الوقتين من لطف الله وكرمه بعباده؛ ليكون شهادة لهم بما شهدوه من الخير،

стр. 468

٦٢٧ - وعن جندب القسري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من صلي صلاة الصبح؛ فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فإنه يطلبه من ذمته بشيء يدركه ثم يكبه علي وجهه في نار جهنم)). رواه مسلم. وفي بعض نسخ ((المصابيح)): القشيري بدل القسري. ٦٢٨ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه، لاستهموا؛ ولو يعلموا ما في التهجير، لاستبقوا إليه؛ ولو يعلمون ما في العتمة والصبح، لأتوهما ولو حبوا)). متفق عليه. ــ وأما السؤال عنهم وهو أعلم بهم، فتعبد منه للملائكة كما يكتب الأعمال وهو أعلم بالجميع، قال الأكثرون: إن هؤلاء الملائكة هم حفظة الكتاب، وقيل: يحتمل أن يكونوا غيرهم. وأقول: كرر ((ملائكة)) وجيء بها نكرة؛ دلالة علي أن الثانية غير الأولي. كقوله تعالي: ﴿غدوها شهر ورواحها شهر﴾. وفي قوله ((يعرج الذين باتوا فيكم)) إيذان بأن ملائكة الليل لا يزالون حافظين العباد إلي الصبح، وكذلك ملائكة النهار إلي الليل، ودليل علي قول الأكثرين. الحديث الرابع عن جندب ﵁: قوله: ((القسري)) هو بفتح القاف وسكون السين المهملة، كذا صححه النواوي. في سائر نسخ المصابيح ((القشيري)) بضم القاف والشين المعجمة وهو غلط. قوله: ((فلا يطلبنكم)) من باب أرينكم، هاهنا وقع النهي علي مطالبة الله تعالي إياهم عن نقض العهد، والمراد نهيهم عن التعرض لما يوجب مطالبة الله إياهم، وفيه مبالغات؛ لأن الأصل لا تخفروا ذمته، فجيء بالنهي، كما ترى، وصرح بضمير الله، ووضع المنهي الذي هو مسبب موضع التعرض الذي هو سبب فيه، ثم أعاد الطلب وكرر الذمة، ورتب عليه الوعيد. المعنى من صلي صلاة الصبح فهو في ذمة الله تعالي فلا تتعرضوا له بشيء يسير؛ فإنكم إن تعرضتم له يدرككم الله تعالي ولن يفوته، فيحيط بكم من جوانبكم كما يحيط المحيط بالمحاط، ويكبكم في النار. والضمير في ((ذمته)) يجوز أن يعود إلي الله تعالي وإلي ((من)). وقيل يحتمل أن يكون المراد بالذمة الصلاة المقتضية للأمان، فيكون المعنى لا تتركوا صلاة الصبح فينتقض به العهد الذي بينكم وبين ربكم فيطلبكم به. وإنما خص صلاة الصبح بالذكر؛ لما فيه امن الكلفة والمشقة، وأداؤها مظنة خلوص الرجل، ومنته إيمانه، ومن كان مؤمناً خالصاً فهو في ذمة الله تعالي وعهده. الحديث الخامس: عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لو يعلم الناس)) المعنى لو علموا ما في النداء، والصف الأول من الفضيلة، ثم حاولوا الاستباق إليه- لوجب عليهم ذلك، فوضع

стр. 469

٦٢٩ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليس صلاة أثقل علي المنافقين من الفجر والعشاء، ولو يعلمون ما فيهما، لأتوهما ولو حبوا)). متفق عليه. ــ المضارع موضع ما يستدعيه ((لو)) من الماضي؛ ليفيد استمرار العلم، وأنه مما ينبغي أن يكون علي بال منه، وأتى بـ ((ثم)) المؤذنه بتراخي رتبة الاستباق عن العلم، وقدم ذكر ((النداء)) دلالة علي تهيؤ المقدمة الموصلة إلي المقصود الذي هو المثول بين يدي رب العزة فيكون من المقربين، وأطلق مفعول ((يعلم)) يعني ((ما)) ولم يبق أن الفضيلة ما هي ليفيد ضرباً من المبالغة، وأنه مما لا يدخ تحت الحصر والوصف، وكذا تصوير حالة الاستباق بالاستهام فيه من المبالغة حدها؛ لأنه لا يقع إلا في أمر يتنافس فيه المتنافسون، ويرغب فيه الراغبون، ولاسيما إخراجه مخرج الاستثناء والحصر، وليت شعري! بماذا يتشبث ويتمسك من طرق سمعه هذا البيان، ثم يتقاعد عن الجماعة خصوصاً عن الاستباق إلي الصف الأول؟ ولعله يعتذر بأنه خارج من زمرة من سمع وأطاع، فلما فرغ من الترغيب في الاستباق إلي الصف الأول عقبه بالترغيب في إدراك أول الوقت، ولذلك أوجب أن يفسر ((التهجير)) بالتبكير كما ذهب إليه الكثيرون. ((نهظ)): ((التهجير)) التبكير إلي كل شيء والمبادرة إليه، يقال: هجر تهجيراً فهو مهجر، وهي لغة حجازية أراد المبادرة إلي أول وقت الصلاة، ومنه حديث الجمعة: فالمهجر إليها كالمهدي بدنة. ((قض)): لا يقال: الأمر بالإبراد ينافي الأمر بالتهجير والسعي إلي الجماعة بالظهيرة؛ لأنا نمنع ذلك. فإن كثيراً من أصحابنا حمل الأمر به علي الرخصة، فعلي هذا يكون الإبراد رخصة، والتهجير سنة، ومن حمل ذلك علي الندب فله أن يقول: الإبراد تأخير الظهر أدنى تأخير بحيث يقع الظل ولا يخرج بذلك عن حد التهجير؛ فإن المهاجرة تطلق علي الوقت؛ إلي أن يقرب العصر. ((والاستفهام)) الاقتراع، قيل: سمي به لأنها سهام يكتب عليها الأسماء فمن وقع له منها سهم فاز بالحظ المقسوم. قوله: ((ولو حبوا)) ((نه)): الحيوان يمشي علي يديه وركبتيه أواسته. وحبا البعير إذا برك، ثم زحف من الإحباء، وحبا الصبي إذا زحف علي إليته. الحديث السادس: عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((ليس صلاة)) قال المالكي: قد ثبت أن ليس من أخوات كان فيلزم أن يجري مجراها في أن لا يكون اسمها نكرة إلا بمصحح كما يلزم ذلك في الابتداء، ومصححه وقوعه بعد نفي، وإذا جاز وقع اسم كان نكرة محضة بعد نفي كما في قول الشاعر: إذا لم يكن أحد باقياً فإن التأسي دواء الأسى فلأن يجوز وقوعه اسم ليس أولي، لملازمتهما النفي. وفي الحديث شاهد علي استعمال ليس

стр. 470

٦٣٠ - وعن عثمان [﵁]، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من صلي العشاء في جماعة؛ فكأنما قام نصف الليل، ومن صلي الصبح في جماعة؛ فكأنما صلي الليل كله)). رواه مسلم. ٦٣١ - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يغلبنكم الأعراب علي اسم صلاتكم المغرب)) قال: ((وتقول الأعراب: هي العشاء)). ــ للنفي العام المستغرق به الجنس، وهو مما يغفل عنه، ويؤيده الاستثناء منه في قوله تعالي: ﴿ليس لهم طعام إلا من ضريع﴾. ولك أن تجعل ((ليس)) حرفاً لا اسم لها ولا خبر وفي قول ابن عمر (﵁): ((أليس ينادي)) شاهد علي استعماله حرفاً، أشار إلي ذلك سيبويه، وحمل عليه قول بعض العرب: ((ليس الطيب إلا المسك)) بالرفع، وأجاز في قولهم: ((ليس خلق الله مثله)) حرفية ((ليس)) وفعليتها، علي أن يكون اسمها ضمير الشأن، والجملة بعدها خبر، وإن جوز الوجهان في: ((ليس ينادي لها)) فغير ممتنع، انتهي كلامه. وإنما خص الصبح والعشاء بالذكر لأن أحدهما ترك لطعم النوم ولذته، والآخر شروع في النوم، ولا يحب ذلك إلا الكسلان، أو المنافق والذين ﴿إذا قاموا إلي الصلاة قاموا كسالي يراءون الناس﴾، وهذه حالة المنافقين. الحديث السابع: عن عثمان ﵁: قوله: ((من صلي العشاء في جماعة)) خصا بالذكر لما فيهما من ترك النوم ولذاته كما مر، فلا يؤثرهما إلا كل مخلص تقي ((تتجافي جنوبهم عن المضاجع، يدعون ربهم خوفاً وطمعاً)). فلما آثروا السهر والتهجد فيهما علي النوم سرى ثوابهما إلي سائر أوقات الهجود. قوله: ((فكأنما صلي الليل كله)) لعله ﷺ لم يرد أن صلاة الصبح قامت مقام صلاة الليل كله، بل أراد بقيتها التي استبقتها صلاة العشاء، ونحوه قوله تعالي: ﴿خلق الأرض في يومين﴾ إلي قوله: ﴿في أربعة أيام﴾ قال الزجاج: في ((في أربعة أيام)): في تتمة أربعة أيام، يريد بالتتمة اليومين. ويجوز أن يجعل كلا من العشاء والصبح مستقلاً بما رتب عليه. وإنما قيل أولاً: ((قام)) لأن صلاة الليل يعبر عنها بقام، كما يقال: نهاره صائم، وليله قائم. وقيل ثإنيا: ((صلي الليل كله)) ولم يقل: ((قام)) ليشاكل قوله: ((صلي الصبح)). الحديث الثامن: عن ابن عمر ﵁: قوله: ((لا يغلبنكم الأعراب علي اسم

стр. 471

٦٣٢ - وقال: ((لا يغلبنكم الأعراب علي اسم صلاتكم العشاء، فإنها في كتاب الله العشاء، فإنها تعتم بحلاب الإبل)). رواه مسلم. ــ صلاتكم)) يقال: غلبه علي كذا غصبه منه، وفي ((أساس البلاغة)): غلبته علي شيء أخذته منه، والمعنى لا تتعرضوا لما هو من عادتهم من تسميتهم المغرب بالعشاء والعشاء بالعتمة فتغضب منكم الأعراب اسم العشاء التي سماها الله بها، فتبدلوا بها العتمة، والنهي علي الظاهر للأعراب، وعلي الحقيقة لهم كما سبق. فإن قلت: ما موقع الفاء في قوله: ((فإنها في كتاب الله)) وفي ((فإنهم تعتم))؟ قلت: الأولي علة للنهي، والثانية علة للتسمية، المعنى لا يغلبنكم الأعراب علي اسم صلاتكم العشاء؛ لأن اسمها في كتاب الله العشاء، وهم يسمونها بالعتمة؛ لأنها تعتم بحلاب الإبل. ((تو)): الأعراب يحلبون الإبل بعد غيبوبة الشفق حتى يمد الظلام رواقة، ويسمى ذلك الوقت العتمة، وكان ذلك مستفيضاً في اللغة العربية، فلما جاء الإسلام وتمهدت قواعده، وأكثر المسلمون من أن يقولوا العتمة بدل صلاة العشاء- قال رسول الله ﷺ : ((لا يغلبنكم الأعراب)) أي لا تطلقوا هذا الاسم علي ما هو متداول بين المسلمين، فيغلب مصطلحهم علي الاسم الذي جئتكم به من الله. فإن قيل: ما وجه التوفيق بينه وبين الحديث السابق عن أبي هريرة ﵁: ((لو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا)) والحديثان صحيحان؟ قلنا: ذكر بعضهم أن أبا هريرة سمع هذا الحديث قبل نزول قوله تعالي: ﴿يأيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم﴾ إلي قوله: ((بعد صلاة العشاء)) فلما نزلت نهاهم رسول الله ﷺ عن التسمية بالعتمة. وفي تقدم نزول الآية علي الحديث بحث؛ لأنه بالعكس علي ما تقرر في التاريخ. والوجه أن يقال: إن ذلك كان في بدء الأمر جائز، فلما كثر إطلاقهم وجرت ألسنتهم به نهاهم رسول الله صلي الله عليه وسلم عنه، لئلا يغلب ألسنة الجاهلية علي الإسلامية. ((حس)): كرهوا تسمية العشاء بالعتمة، وكان ابن عمر ﵁ إذا سمعها صاح وغضب، وقال: إنما هو العشاء. وقال مالك: وأحب أن لا تسمى إلا بما سماها الله تعال. ومنهم من لم يكره، لما روت عائشة ﵂: ((أعتم رسول الله ﷺ بالعتمة)) وروى أبو هريرة ﵁: ((لو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا)). قال الشيخ محيي الدين: في الجواب وجهان: أحدهما: أنه استعمل لبيان الجواز، وأن النهي من العتمة للتنزيه لا للتحريم. والثاني: يحتمل أنه خوطب بالعتمة من لا يعرف العشاء لأنها

стр. 472

٦٣٣ - وعن علي [﵁] أن رسول الله ﷺ قال يوم الخندق ((حبسونا عن صلاة الوسطى: صلاة العصر، ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً)). متفق عليه. ــ أشهر عند العرب من العشاء، وإنما كانوا يطلقونها علي المغرب. وأقول: لعل النهي إنما ورد علي التسمية بها وتداولها بين الناس، والقصد بالذكر في الأحاديث الواردة فيه العتمة هو الوصف والنظر إلي أصل اللغة تحريضاً علي إيقاع صلاة العشاء في وقت الاختيار عند تكامل الظلمة، والله أعلم. الحديث التاسع: عن علي ﵁ قوله: ((يوم الخندق)) هو يوم الأحزاب سنة أربع من الهجرة، وقيل: خمس منها. قوله: ((صلاة الوسطى)) كما في رواية البخاري ونسخ المصابيح، وإضافة الصلاة إلي الوسطى كما هي في قوله تعالي: ﴿وما كنت بجانب الغربي﴾ فعند الكوفيين هي من إضافة الموصوف إلي الصفة، والبصريون يقدرون محذوفاً، أي عن الصلاة الوسطى، يعني عن فعل الصلاة الوسطى. واختلفوا في الصلاة الوسطى، قيل: هي العصر، وعليه كثير من الصحابة والتابعين، وذهب إليه أبو حنيفة، وأحمد، وداود ﵃ والحديث نص عليه لبيان الوسطى بصلاة العصر. وقيل: هي الصبح، وعليه بعض الصحابة والتابعين، وذهب إليه مالك، والشافعي ﵄. وقيل: هي الظهر، وقيل: المغرب، وقيل: العشاء. وقال بعضهم: هي إحدى الصلوات الخمس لا بعينها، أبهمها تحريضاً المغرب، وقيل: العشاء. وقال بعضهم: هي إحدى الصلوات الخمس لا بعينها، أبهمها تحريضاً للخلق علي المحافظة علي أداء جميعها، كما أخفي ليلة القدر. وساعة الإجابة في يوم الجمعة. قوله: ((ملأ الله بيوتهم)) ((شف)): خصهما بالذكر لأن أحدهما مسكن الأحياء، والآخر مضجع الأموات، أي جعل الله النار ملازمة لهم بحيث لا تنفك عنهم، لا في حياتهم ولا في مماتهم. أقول: دعا عليهم بعذاب الدارين، من خراب بيوتهم في الدنيا بنهب أموالهم وسبي زراريهم، وهدم دورهم، ومن عقابهم في الآخرة باشتعال قلوبهم ناراً، ووقوع الزجر والنكال في جهنم خالداً. فالأسلوب إما من المشاكلة لذكره النار في البيوت، أو من الاستعارة استعيرت النار للفتنة، وعلي الثاني هو من باب قوله تعالي: ﴿إن الذين يؤذون الله ورسوله﴾ حيث استعمل ملأ في الحقيقة والمجاز مجازاً.

стр. 473

الفصل الثاني ٦٣٤ - عن ابن مسعود، وسمرة بن جندب، قالا: قال رسول الله ﷺ : ((صلاة الوسطى صلاة العصر)). رواه الترمذي. [٦٣٤] ٦٣٥ - وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في قوله تعالي: (إن قرآن الفجر كان مشهودا))، قال: ((تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار)). رواه الترمذي. [٦٣٥] الفصل الثالث ٦٣٦ - عن زيد بن ثابت، وعائشة، قالا: الصلاة الوسطى صلاة الظهر. رواه مالك عن زيد، والترمذي عنهما تعليقاً. [٦٣٦] ٦٣٧ - وعن زيد بن ثابت، قال: كان رسول الله ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة، ولم يكن يصلي صلاة أشد علي أصحاب رسول الله ﷺ منها. فنزلت: (حافظوا علي ــ الفصل الثاني الحديث الأول والثاني عن أبي هريرة ﵁: قوله: ﴿إن قرآن الفجر﴾ أي سميت صلاة الفجر قرآنا- وهو القراءة- لأنها ركن، كما سميت ركوعاً وسجوداً وقنوتاً، أي قياماً مشهوداً تشهده الملائكة ينزل هؤلاء ويصعد هؤلاء، فهو في آخر ديوان الليل وأول ديوان النهار. وفائدة تسمية الصبح بالقرآن الحث علي طول القراءة فيها، فيسمع القرآن، ولذلك كانت الفجر أطول الصلوات قراءة. الفصل الثالث الحديث لأول عن زيد بن ثابت وعائشة ﵄: قوله: ((تعليقاً)) التعليق يستعمل فيما حذف من مبدأ إسناده واحد فأكثر، واستعمله بعضهم في حذف كل الإسناد، مثاله، قال رسول الله ﷺ كذا، قال ابن عباس كذا، قال سعيد بن المسيب عن أبي هريرة كذا. الحديث الثاني عن زيد: قوله: ﴿حافظوا علي الصلوات﴾ أي ما كان ينبغي أن تضيعوها لثقلها عليكم فإنها هي الوسطى، أي الفضلي، من قولهم: الأفضل الأوسط، ولذلك أوردت وعطفت علي الصلاة لانفرادها بالفضل، فالصفة بالوسطى أي الفضلي واردة للإشعار بعلية الحكم.

стр. 474

الصلوات والصلاة الوسطى)). وقال إن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين. رواه أحمد، وأبو داود. [٦٣٧] ٣٦٨ - وعن مالك، بلغة أن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس كانا يقولان: الصلاة الوسطى صلاة الصبح. رواه في الموطأ. [٦٣٨] ٦٣٩ - ورواه الترمذي عن ابن عباس وابن عمر تعليقاً. ٦٤٠ - وعن سلمان، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من غدا إلي صلاة الصبح غدا براية الإيمان، ومن غدا إلي السوق غدا براية إبليس)). رواه ابن ماجه [٦٤٠]. ــ قوله: ((قال: إن قبلها صلاتين)). أي قال الراوي: سميت صلاة الظهر بالوسطى لأنها واقعة في وسط النهار وقبلها صلاتان وبعدها صلاتان، كما أن العصر توصف بالوسطى لأنها واقعة بين صلاتي النهار وصلاتي الليل، وإليه ذهب أبو سعيد الخدري، وأسامة بن زيد. الحديث الثالث والرابع عن سلمان ﵁: قوله: ((براية الإيمان- إلي آخره -)) تمثيل لبيان حزب الله وحزب الشيطان، فمن أصبح يغدوا إلي المسجد كأنه يرفع أعلام الإيمان ويظهر شرائع الإسلام، ويتحرى في توهين أمر المخالفين، وفي ذلك ورد الحديث: ((فذلكم الرباط)). ومن أصبح يغدو إلي السوق فهو من حزب الشيطان، يرفع أعلامه، ويشد من شوكته، وينصر حزبه، ويتوخى توهين دينه. وفي قوله: ((يغدو)) إشارة إلي أن التبكير إلي السوق محظور، ومن تأخر وراح بعد أداء وظائفه لطلب الحلال وما يتقوم به صلبه للعبادة ويتعفف عن السؤال- كان من حزب الله.

стр. 475

(٤) باب الأذان الفصل الأول ٦٤١ - عن أنس، قال: ذكروا النار والناقوس، فذكروا اليهود والنصارى، فأمر بلال أن يشفع الأذان، وأن يوتر الإقامة. قال إسماعيل: فذكرته لأيوب. فقال: إلا الإقامة. متفق عليه. ــ باب الأذان الفصل الأول الحديث الأول عن أنس ﵁: قوله: ((ذكروا النار والناقوس، فذكروا اليهود والنصارى)) يشبه أن يكون ذكر الأول بمعنى الوصف، والفاء في الثاني السببية، يعني وصفوا لرسول الله ﷺ لإعلام الناس وقت الصلاة إيقاد النار لظهوره، وضرب الناقوس لصوته، كان ذلك سببا في ذكر اليهود والنصارى، وقوله: ((إلا الإقامة)) أي يقول بلال كل كلمة من كلمات الإقامة مرة مرة إلا لفظ الإقامة، وهي: قد قامت الصلاة، فإنه يقولها مرتين. ((قض)): لما قدم رسول الله ﷺ ، وبنى المسجد، شاور الصحابة فيما يجعل علما للوقت، فذكروا النار والناقوس، فذكروا اليهود والنصارى، أي فذكر جمع من الصحابة النار والناقوس، فذكر آخرون منهم أن النار شعار اليهود، والناقوس شعار النصارى، فلو اتخذنا أحد الأمرين شعاراً لالتبس أوقاتنا بأوقاتهم. وقوله: ((فأمر بلال)) يفيد عرفا أن الرسول أمره، فإن من اشتهر بطاعة أمير إذا قال: أمرت بكذا، فهم منه أمر الأمير له. وأيضاً مقصود الراوي بيان شرعيته، وهي لا تكون إلا ذا كان الأمر صادراً من الشارع. وذلك حين ما ذكر عبد الله بن زيد الأنصاري رؤياه. وقوله: ((أن يشفع الأذان)) أن يأتي بألفاظه شفعا. وقوله: ((أن يوتر الإقامة)) دليل علي أن الإقامة فرادى، وهو مذهب أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين، وإليه ذهب الزهري، ومالك، والشافعي، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق. وقد رواه ابن عمر. وبلال، وسعد القرظي، وهو كان مؤذن مسجد قباء في عهد رسول الله ﷺ وخليفة بلال في مسجد رسول الله ﷺ بعد عهده. واحتج من زعم أنه مثنى بما روي ذلك عن عبد الله بن زيد، وقول أبي محذورة: ((علمني رسول الله ﷺ الأذان تسع عشرة كلمة والإقامة سبع عشرة كلمة)) وذلك معارض بما روي من الإفراد عنهما أيضاً، وحديث أبي محذورة ما سمعت أحداً بموجبه غير محمد بن إسحاق بن خزيمة؛ لأنه يقتضي الترجيع في الأذان؛ إذ

стр. 476

٦٤٢ - وعن أبي محذورة، قال: ألقى علي رسول الله ﷺ التأذين هو بنفسه. فقال: ((قل: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر. أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله. ثم تعود فتقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله. حي علي الصلاة، حي علي الصلاة. حي علي الفلاح، حي علي الفلاح. الله أكبر، الله أكبر. لا إله إلا الله)). رواه مسلم. ــ به يصير تسع عشرة كلمة، والتثنية في الإقامة، والقائل بأحدهما لا يقول بالآخر. الحديث الثاني عن أبي محذورة: قوله: ((ألقى)) أي لقنني كل كلمة من هذه الكلمات رسول الله ﷺ بنفسه، يعني بذلك أبو محذورة تصوير تلك الحالة واستحضارها عند السامع تقريراً وتأكيداً، ولهذه الدقيقة عدل من لفظ الماضي إلي المضارع في قوله: ((ثم تعود فتقول)): أشهد أن لا إله إلا الله- مرتين- وأشهد أن محمداً رسول الله- مرتين- من غير جهر، ثم ارفع صوتك، وقل كل واحدة من هاتين الكلمتين مرتين. ويسمى رفع الصوت بالمرتين اللتين يرفع بهما صوته ترجيعاً، ولا ترجيع في كلمات الأذان إلا في كلمتي الشهادة، لأن الترجيع هو رفع الصوت بكلمتي الشهادة بعد قوله بالخفض مرتين، والتلفظ بالخفض ليس في كلمة من كلمات الأذان سوى الشهادتين. والترجيع سنة عند الشافعي، وعند أبي حنيفة ليس بسنة. ((نه)): قيل: الله أكبر من أن يعرف كنه كبريائه وعظمته، وفي ((الغريبين)): قيل:: معناه الله كبير، فوضع أفعل موضع فعيل، كما قال الشاعر: إني لأمنحك الصدود وإنني قسما إليك مع الصدود لأميل أي مائل، وقال الفرزدق: إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتا دعائمه أعز وأطول أي عزيزة طويلة وأقول: ذكر في ((المفصل)): أفعل يضاف إلي نحو ما يضاف إليه ((أي))، وله معنيان: أحدهما أنه يراد أنه زائد علي المضاف إليهم في الخصلة التي هو وهم فيها شركاء. والثاني أن يؤخذ مطلقاً له الزيادة فيها إطلاقاً، ثم يضاف، لا للتفضيل علي المضاف إليهم، لكن لمجرد التخصيص، كما يضاف ما لا تفضيل فيه، وذلك نحو قولك: الناقص والأشج أعدلا بني مروان، كأنك قتل: عادلا بني مرواه. وقوله: ((أن يؤخذ مطلقاً له الزيادة فيها إطلاقاً)) يحتمل

стр. 477

الفصل الثاني ٦٤٣ - عن ابن عمر، قال: كان الأذان علي عهد رسول الله ﷺ مرتين مرتين، والإقامة مرة مرة، غير أنه كان يقول: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة. رواه أبو داود، والنسائي والدارمي. [٦٣٤] ــ معنيين: أحدهما- وهو الظاهر- أن أفعل قطع عن متعلقه قصداً إلي نفس الزيادة إيهاماً للمبالغة نحو: فلان يعطي ويمنع، أي يوجد حقيقتهما، وإفادته المبالغة من حيث أن الموصوف تفرد بهذا الوصف، وانتهي أمره فيه إلي أن لا يتصور من يشاركه فيه، ولهذا السر قال أولا: ((مطلقاً))، ثم أتبعه بقوله: ((إطلاقاً)). وثإنيهما- وعليه كلام شارح الباب- أن يراد بالزيادة الزيادة علي الغير لكن علي العموم قال: ليس معنى قوله: ((أعدلا بني مرواه)) التفضيل عليهم لأن المروإنية كلهم جورة، لكن المراد تعريف أنه من بني مرواه، كأنه قال: الأشج أعدل الناس، وهذا الأعدال من بني مروان. وفيه نظر؛ لأن قوله: ((يؤخذ مطلقاً)) وتأكيده بقوله: ((إطلاقاً)) لا يساعد؛ لأن المنوي كالملفوظ. ولا قوله: ((كأنك قلت: عادلاً بني مروان))؛ لأن أعدلا إذا أريد به عادلاً كان بالنسبة إلي بني مروان مجازاً، وهو حينئذ حقيقة في إرادة الغير، فقد اجتمعت الحقيقة والمجاز علي لفظ واحد في حال واحد. وأيضاً يلزم أن يكون محضة وغير محضة، فثبت أن الاحتمال الأول أولي. وعليه يحمل كل ما جاء في وصف الباري (عزو علا) من نحو: أكبر، وأعلم؛ فإنه لا ينبغي أن يتوهم في وصفه المبارك المشارك، والله أعلم. ذكر في النهاية والغريبين أن الراء في ((أكبر)) ساكنة في الأذان والصلاة، كذا سمع موقوفاً غير معرب في مقاطعة، كقولهم: حي علي الصلاة، حي علي الفلاح، والمعنى هلموا إليها، وأقبلوا، وتعالوا مسرعين، ومنه حديث ابن مسعود: ((إذا ذكر الصالحون فحيهل بعمر)) أي ابدأ به وأعجل بذكره، وهما كلمتان جعلتا كلمة واحدة. ((الجوهري)): فتحت الياء في حي لسكونها وسكون ما قبلها، كما قيل: ليت، ولعل، والعرب تقول: حي علي الثريد، وهو اسم لفعل الأمر. وأقول: لما قيل: حي، أي أقبل قيل له: علي أي شيء؟ أجيب: علي الصلاة. ذكر نحوه في (الكشاف) في قوله: ﴿هيت لك﴾. ((وأقبل)) يعدى بـ ((علي))، يقال: أقبل عليه بوجهه، وقال الله (تعالي): ﴿وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون﴾. الفصل الثاني الحديث الأول عن ابن عمر ﵄: ((كان الأذان علي عهد رسول الله ﷺ ) أي في عهده، عدى بعلي لمعنى الظهور والاستعلاء.

стр. 478

٦٤٤ - وعن أبي محذورة: أن النبي ﷺ علمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة. رواه أحمد. والترمذي، وأبو داود والنسائي، والدارمي، وابن ماجه. [٦٤٤] ٦٤٥ - وعنه، قال: قلت: يا رسول الله! علمني سنة الأذان، قال: فمسح مقدم رأسه قال: ((تقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ترفع بها صوتك. ثم تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، تخفض بها صوتك. ثم ترفع صوتك بالشهادة: أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله. حي علي الصلاة، حي علي الصلاة. حي علي الفلاح، حي علي الفلاح. فإن كان صلاة الصبح، قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم. الله أكبر، الله أكبر. لا إله إلا الله)) رواه أبو داود. [٦٤٥] ٦٤٦ - وعن بلال، قال: قال لي رسول الله ﷺ : ((لا تثوبن في شيء من الصلوات إلا في صلاة الفجر)). رواه الترمذي، وابن ماجه. وقال الترمذي: أبو إسرائيل الراوي ليس هو بذاك القوي عند أهل الحديث. [٦٤٦] ــ الحديث الثاني عن أبي محذورة: قوله: ((والإقامة سبع عشرة كلمة)) تفصيله: الله أكبر أربع كلمات، أشهد أن لا إله إلا الله مرتان، وكذا أشهد أن محمداً رسول الله- ولا يقولهما في السر بخلاف الأذان- حي علي الصلاة مرتان، حي علي الفلاح مرتان، وقد قامت الصلاة مرتان، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله كلمة. وبهذا قال أبو حنيفة. وأما الشافعي فيقول: الإقامة إحدى عشرة كلمة؛ لأنه يقول كل كلمة مرة إلا كلمة الإقامة والتكبير؛ لما رواه ابن عمر وأنس. الحديث الثالث والرابع بلال ﵁: قوله: ((لا تثوبن)) (فآ) الأصل في التثويب أن الرجل إذا جاء مستصرخاً لوح بثوبه، فيكون ذلك دعاء وإنذاراً، ثم كثر حتى سمي الدعاء تثويباً. وقيل: هو ترديد الدعاء، تفعيل من: ثاب إذا رجع، ومنه قيل لصوت المؤذن ((الصلاة خير من النوم)): التثويب. وزاد في النهاية: فإن المؤذن إذا قال: ((حي علي الصلاة)) فقد دعاهم، فإذا قال بعده: ((الصلاة خير من النوم)) فقد رجع إلي كلام معناه المبادرة.

стр. 479

٦٤٧ - وعن جابر: أن رسول الله ﷺ قال لبلال: ((إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فاحدر، واجعل ما بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله، والشارب من شربه، والمعتصر إذا دخل لقضاء حاجته، ولا تقوموا حتى تروني)). رواه الترمذي، وقال: لا نعرفه إلا من حديث عبد المنعم، وهو إسناد مجهول. [٦٤٧] ٦٤٨ - وعن زياد بن الحارث الصدائي، قال: أمرني رسول الله ﷺ : ((أن أذن في صلاة الفجر)) فأذنت فأراد بلال أن يقيم، فقال رسول الله ﷺ : ((إن أخا صداء قد أذن، ومن أذن فهو يقيم)). رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه. [٦٤٨] الفصل الثالث ٦٤٩ - عن ابن عمر، قال: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون للصلاة، وليس ينادي بها أحد، فتكلموا يوما في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا مثل ناقوس النصارى. وقال بعضهم: قرناً مثل قرن اليهود. قال عمر: أولا تبعثون رجلا ــ الحديث الخامس عن جابر: قوله: ((فترسل)) ((نه)): أي تأن ولا تعجل، يقل: ترسل فلان في كلامه ومشيته، إذا لم يعجل، وهو والترسل سواء. ((فا)): وحقيقة الترسل تطلب الرسل وهو الهينة والسكون. قوله: ((فاحذر)) ((نه)): أي أسرع، قال: حدر في قراءته وأذانه يحدر حدراً، وهو من الحدور ضد الصعود يتعدى ولا يتعدى، قوله: ((المعتصر)) ((نه)) هو الذي يحتاج إلي الغائط ليتأهب للصلاة قبل دخول وقتها، وهو من لعصر، أو المعصر الملجأ والمستخفي. الحديث السادس عن زياد بن الحارث: قوله: ((أن أذن)) أن هي المفسرة لما في ((أمرني)) من معنى القول. الفصل الثالث الحديث الأول عن ابن عمر ﵄: قوله: ((فيتحينون)) أي يقدرون حينها ليأتوا إليها فيه، والحين الوقت من الزمان، والواو في ((أو لا تبعثون)) عطف علي محذوف، أي أتقولون بموافقة اليهود والنصارى ولا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة، فالهمزة إنكار للجملة الأولي، ومقررة للثإنية حثاً وبعثاً. قوله: ((ينادي)) في شرح مسلم عن القاضي عياض: الظاهر أنه إعلام وإخبار بحضور وقتها، وليس علي صفة الأذان الشرعي. ((مح)): هذا هو الحق، لما يؤذن بوجه التوفيق بين هذا وبين ما روي عن عبد الله بن زيد: أنه رأي الأذان في المنام، وذلك أن يكون هذا في مجلس آخر.، فيكون الواقع أولا الإعلام، ثم رؤية عبد الله بن زيد الأذان، فشرعه النبي ﷺ إما

стр. 480

ينادي بالصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ ((يا بلال! قم فناد بالصلاة)). متفق عليه. ٦٥٠ - وعن عبد الله بن زيد بن عبد ربه، قال: لما أمر رسول الله ﷺ بالناقوس يعمل ليضرب به للناس لجمع الصلاة، طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوساً في يده، فقلت: يا عبد الله! أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قلت: ندعو به إلي الصلاة. قال: أفلا أدلك علي ما هو خير من ذلك؟ فقلت له: بلي: قال: فقال: تقول: الله أكبر، إلي آخره. وكذا الإقامة فلما أصبحت، أتيت رسول الله ﷺ ، فأخبرته بما رأيت. فقال: ((إنها رؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال، فألق عليه ما رأيت فليؤذن به، فإنه أندى صوتاً منك)). فقمت مع بلال، فجعلت ألقيه عليه ويؤذن به. قال فسمع بذلك عمر بن الخطاب، وهو في بيته، فخرج يجر رداءه يقول: يا رسول الله! والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل ما أرى. قال رسول الله ﷺ : ((فلله الحمد)). رواه أبو داود، والدارمي، وابن ماجه؛ إلا أنه لم يذكر الإقامة. وقال الترمذي: هذا حديث صحيح، لكنه لم يصرح قصة الناقوس. ٦٥١ - وعن أبي بكرة، قال: خرجت مع النبي ﷺ لصلاة الصبح، فكان لا يمر برجل إلا ناداه بالصلاة، أو حركة برجله. رواه أبو داود. [٦٥١] ٦٥٢ - وعن مالك، بلغة أن المؤذن جاء عمر يؤذنه لصلاة الصبح. فوجده نائماً. فقال: الصلاة خير من النوم، فأمره عمر أن يجعلها في نداء الصبح. ــ بوحي، أو باجتهاد علي مذهب الجمهور في جواز الاجتهاد له، وليس هو عملاً بمجرد المنام. الحديث الثاني عن عبد الله بن زيد: قوله: ((طاف بي)) ((الجوهري)): طيف الخيال مجيئه في النوم، تقول منه: طاف الخيال يطيف طيفاً ومطافاً، و ((رجل)) في الحديث فاعل طاف، وهو طيف الخيال. قوله: ((أندى صوتاً)) ((غب)): أصل النداء من الندى، أي الرطوبة، يقال: صوت ندي رفيع، واستعارة النداء للصوت من حيث أن من تكثر رطوبة فمه حسن كلامه، ويعبر بالندى عن السخاء، يقال: فلان أندى كفاً من فلان. ((مح)): قيل: من هذا الحديث يؤخر استحباب كون المؤذن رفيع الصوت حسنه. الحديث الثالث والرابع عن مالك ﵁: قوله: ((فأمره عمر أن يجعلها في نداء

стр. 481

رواه في الموطأ. [٦٥٢] ٦٥٣ - وعن عبد الله بن سعد بن عمار بن سعد مؤذن رسول الله ﷺ ، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ أمر بلالاً أن يجعل أصبعيه في أذنيه، وقال: ((إنه أرفع لصوتك)). رواه ابن ماجه [٦٥٣]. (٥) باب فضل الأذان وإجابة المؤذن الفصل الأول ٦٥٤ - عن معاوية، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة)). رواه مسلم. ــ الصبح)). ليس هذا إنشاء أمر ابتدعه من تلقاء نفسه، بل كان سنة سمعها من النبي ﷺ ، يدل عليه حديث أبي محذورة في الفصل الثاني في الحديث الثالث: قلت: ((يا رسول الله! علمني سنة الأذان- إلي قوله –: ((الصلاة خير من النوم)) في غير ما شرع. ويحتمل أن يكون من ضروب الموافقة كما مر آنفاً في حديث ابن عمر، قال عمر ﵁: ((أولا تبعثون رجلاً ينادي بالصلاة، فقال رسول الله ﷺ : يا بلال! قم فناد بالصلاة)). الحديث الخامس: عن عبد الرحمن: قوله: ((أرفع لصوتك)) المفضل والمفضل عليه حالتان، يعني حالة جعل إصبعيه في أذنيه أرفع لصوته في غير تلك الحالة. ولعل الحكمة أنه إذا سد صماخيه لا يسمع إلا الصوت الرفيع، فيتحرى في استقصائه كالأطروش، بخلاف إذا تركهما خاليتين. باب فضل الأذان وإجابة المؤذن الفصل الأول الحديث الأول عن معاوية: قوله: ((أطول الناس)) ((حس)): قال ابن الأعرابي: معناه أكثرهم أعمالاً، يقال: لفلان عنق من الخير أي قطعة. وقال غيره: أكثرهم رجاءاً؛ لأن من يرجى شيئاً طال إليه عنقه، فالناس يكونون في الكرب، يشرئبون أن يؤذن لهم في دخول الجنة. وقيل.

стр. 482

٦٥٥ - وعن أبي هريرة [﵁]، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا نودي للصلاة، أدبر الشيطان له ضراط حتى لا يسمع التأذين،. فإذا قضي النداء أقبل، حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر حتى إذا قضي التثويب، أقبل، حتى يخطر بين المرء ونفسه، يقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يكن يذكر، حتى يظل الرجل لا يدري: كم صلي؟)). متفق عليه. ــ معناه الدنو من الله. وقيل: أراد أنهم لا يلجمهم العرق، فإن الناس يوم القيامة يكونون في العرق بقد أعمالهم. وقيل: معناه أنهم يكونون رؤساء يومئذ، والعرب تصف السادة بطول العنق. وقيل: الأعناق الجماعة، يقال: جاء عنق من الناس، أي جماعة، ومعنى الحديث أن جمع المؤذنين يكون أكثر فإن من أجاب دعوتهم يكون معهم. وروى بعضهم: ((إعناقاً)) بكسر الهمزة، أي إسراعاً إلي الجنة. أقول: قوله: ((أكثرهم أعمالاً)) نحو قوله: ﷺ : ((أسرعكن لحوقاً بي أطولكن يدا)) أي أكثركن عطاء، سمي العمل بالعنق باعتبار ثقله، قال الله (تعالي) ﴿فمن ثقلت موازينه﴾ فلما سمي العمل بالعنق جيء بقوله: ((أطول الناس)) كالترشيح لهذا المجاز، وكذلك اليد لما سمي بها العطاء أتبعها بالطول مراعاة للمناسبة. وقوله: ((أكثرهم رجاء)) كناية رمزية، ولذلك علل بقوله: ((لأن من يرجى شيئاً طال إليه عنقه)). وقوله: ((الدنو من الله)) هذا كناية تلويحية؛ لأن طول العنق يدل علي طول القامة، ولا ارتياب أن طول القامة ليس مطلوباً بالذات، بل لامتيازهم عن سائر الناس وارتفاع شأنهم، كما وصفوا بالغر المحجلين للامتياز والاشتهار، وكذا قوله: ((إنهم لا يلجمهم العرق)) من هذه الكناية؛ لأن الوصف بطول القامة إما يكون للامتياز، وهو لرفعة الشأن كما سبق، أو للنجاة من المكروه. وقوله: ((يكونون رؤساء))، فيه استعارة ((الكشاف)): شبهوا بالأعناق، كما قيل: هم الرؤوس والنواصي والصدور. وقوله: ((وقيل: الأعناق الجماعة)) فعلي هذا الطول مجاز عن الكثرة؛ لأن الجماعة إذا توجهوا مقصداً لهم امتداد في الأرض. وقوله: ((إعناقاً)) أي إسراعاً، فعلي هذا الطول يحتمل الحقيقة، ويجوز أن يقال: إن طول العنق عبارة عن عدم التشوير والخجل، فإن الخجل متنكس الرأس متقلص العنق. قال الله تعالي: ﴿لو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم﴾. الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((ضراط)) شبه شغل الشيطان نفسه وإغفاله عن سماع الأذان بالصوت الذي يملأ السمع ويمنعه عن سماع غيره، ثم سماه ضراطاً تقبيحاً له. وقوله: ((حتى لا يسمع)) كرر (حتى)) خمس مرات، أولاهن والرابعة والخامسة بمعنى ((لكي))، والثانية والثالثة دخلتا علي الجملتين الشرطيتين، وليستا للتعليل.

стр. 483

٦٥٦ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يسمع مدى صوت المؤذن جن، ولا أنس، ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة)). رواه البخاري. ٦٥٧ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي؛ فإنه من صلي علي صلاة، صلي الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة؛ فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد اله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة)). رواه مسلم. ــ قوله: ((يخطر الشيطان)) قال في ((أساس البلاغة)): خطر الرجل برمحه إذا مشى به بين الصفين، وهو يخطر في مشيه يهتز. قال الحماسي: ذكرتك والخطى يخطر بيننا، المعنى الشيطان يدخل ويحجز بينهما بوسوسة القلب، فلا يتمكن من الحضور في الصلاة، كقوله (تعالي): ﴿أن الله يحول بين المرء وقلبه﴾ يعني يميته، فلا يتمكن من إخلاص القلب، وإسناد الحيلولة إلي الله تعالي مجاز عند المعتزلة، لأن الحائل هو الشيطان، وإسناده إلي الله (تعالي): لتمكينه تعالي إياه منها، وبالعكس عند أهل السنة. و ((يظل)) - بفتح- الظاء من الظلول، كي يصير من الوسوسة بحيث لا يدري كم صلي، ومعنى التثويب سبق في الفصل الثاني. الحديث الثالث عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((مدى صوت المؤذن)) ((تو)): أي غاية صوته، إنما ورد البيان علي الغاية مع حصول الكناية بقوله: ((لا يسمع صوت المؤذن)) تبينهاً علي أن آخر ما ينتهي إليه صوت المؤذن يشهد له كما يشهد له الأولون، وفيه حث علي استفراغ الجهد في رفع الصوت بالأذان. ((قض)): غاية الصوت يكون أخفي لا محالة، فإذا شهد له من بعد عنه وصول إليه من صوته فلأن يشهد له من هو أدنى منه وسمع منادي صوته أولي. وقوله: ((إلا شهد له)) ((تو)): المراد من شهادة الشاهدين له- وكفي بالله شهيداً- اشتهاره يوم القيامة فيما بينهم بالفضل وعلو الدرجة، وكما أن الله تعالي يهين قوماً ويفضحهم بشهادة الشاهدين، فكذلك يكرم قوماً تكميلاً لسرورهم وتطييباً لقلوبهم. الحديث الرابع عن عبد الله: قوله: ((الوسيلة)) ((نه)): وهي في الأصل ما يتوسل به إلي الشيء ويتقرب به، وجمعها وسائل، وإنما سميت تلك المنزلة من الجنة بها لأن الواصل إليها يكون قريباً من الله تعالي فائزاً بلقائه، مخصوصاً من بين سائر الدرجات بأنواع المكرمات، وأما الوسيلة المذكورة في الدعاء المروي عنه بعد فقيل: هي شفاعة، يشهد لها قوله في آخر الدعاء: ((حلت له شفاعتي)).

стр. 484

٦٥٨ - وعن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا قال المؤذن الله أكبر، الله أكبر؛ فقال أحدكم: الله أكبر، الله أكبر. ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله؛ قال: أشهد أن لا إله إلا الله. ثم قال أشهد أن محمد رسول الله؛ قال: أشهد أن محمداً رسول الله. ثم قال: حي الصلاة؛ قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال: حي علي الفلاح؛ قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال: الله أكبر، الله أكبر؛ قال: الله أكبر، الله أكبر. ثم قال: لا إله إلا الله؛ قال: لا إله إلا الله من قلبه، دخل الجنة)). رواه مسلم. ــ وقوله: أن أكون أنا هو)) قيل: إن ((هو)) خبر كان، وضع بدل إياه، وقد سبق بحثه، ويحتمل أن يكون ((أنا)) للتأكيد، بل يكون مبتدأ و ((هو)) خبره، والجملة خبر ((أكون)). ويمكن أن يقال: إن هذا الضمير وضع موضع اسم الإشارة، أي أكون أن ذلك العبد، كما في قول رؤية: فيها خطوط من سواد وبلق كأنه في الجلد توليع البهق قيل له: إن أردت الخطوط فقل: كأنها وإن أردت السود والبلق فقل: كأنهما، فقال: أردت كأن ذاك. الحديث الخامس عن عمر ﵁: قوله: ((إذا قال المؤذن)) إذا شرطية، وقوله: ((فقال)) عطف علي الشرط، وجزاء الشرط قوله: ((دخل الجنة))، والمعطوفات بـ ((ثم)) مقدرات بحرف الشرط والفاء، ويجوز أن يكون ((فقال)) جواباً للشرط، وكذا ((قال)) في المعطوفات، وإنما وضع الماضي موضع المستقبل لتحقيق الموعود، قوله: ((لا حول)) ((غب)): الحال لما يختص به الإنسان وغيره من الأمور المعتبرة في نفسه وجسمه، أو ما يتصل به، والحول ما له من القوة في أخذ هذه الأحوال، ومنه قيل: لا حول ولا قوة إلا بالله. ((مظ)): أي لا حركة ولا حيلة ولا خلاص من المكروه، ولا قوة علي الطاعة إلا بتوفيق الله. أقول: إن الرجل إذا دعى بالحيعلتين كأنه قيل له: أقبل بوجهك وشراشرك علي الهدى عاجلاً، وعلي الفلاح آجلاً، أجاب بأن هذا أمر عظيم، وخطب جسيم، وهي الأمانة التي عرضت علي السماوات والأرض، فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، فكيف أحملها مع ضعفي وتشتت أحوالي؟ ولكن إذا وفقني الله بحوله وقوته لعلي أقوم بها. ((مح)): يستحب إجابة المؤذن بالقول مثل قوله إلا في الحيعلتين فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. لكل من سمعه من متطهر ومحدث، وجنب وحائض، وغيرهم ممن لا مانع له من الإجابة، فمن سمع أسباب المنع أن يكون في الخلاء، أو جماع أهله، أو نحوهما، ومنها أن يكون في صلاة فيسمع المؤذن لم يوافقه فإذا سلم أتى بمثله. فإذا فعله في الصلاة فهل يكره؟ فيه قولان للشافعي، أظهرهما يكره؛ لأنه إعراض عن الصلاة، ولكن لا تبطل صلاته لأنه أذكار. فلو

стр. 485

٦٥٩ - وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته؛ حلت له شفاعتي يوم القيامة)) رواه البخاري. ــ قال: حي علي الفلاح، أو الصلاة خير من النوم، بطلت صلاته إن كان عالماً بتحريمه، لأنه كلام آدمي. وقال القاضي عياض: اختلفوا هل يقوله عند سماع كل مؤذن أم الأول فقط؟ الحديث السادس عن جابر: قوله: ((اللهم رب هذه الدعوة التامة)) ((تو)): قيل: إنما وصف الدعوة بالتمام لأنها ذكر الله ) يدعى بها إلي عبادته، وهذه الأشياء وما والاها هي التي تستحق صفة الكمال والتمام، وما سوى ذلك من أمور الدنيا يعرض النقص والفساد. ويحتمل أنها وصفت بالتمام لكونها محمية عن النسخ والإبدال، باقية إلي يوم التناد. ومعنى قوله ﷺ : ((والصلاة القائمة)) أي الدائمة التي لا تغيرها ملة، ولا تنسخها شريعة. ((وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته)) الموصول مع الصلة إما بدل، أو نصب علي المدح، أو رفع بتقدير أعني أو هو، ولا يجوز: أن يكون صفة للنكرة، وإنما نكر لأنه أفخم وأجزل، كأنه قيل: مقاماً أي مقام، مقاماً يغبطه الأولون والآخرون، محموداً يكل عن أوصافه ألسنة الحامدين. ((شف)): المراد بوعده تعالي نبيه ﷺ قوله تعالي: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً﴾ روي عن ابن عباس رضي الله عن أنه قال: هذه الآية: أي مقاماً يحمدك فيه الأولون والآخرون، ويشرف علي جميع الخلائق، يسأل فيعطى، ويشفع فيشفع، أي ليس أحد إلا تحت لوائك. عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: ((هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي)). أقول: -وبالله التوفيق- إن قوله: الله أكبر إلي قوله: محمد رسول الله، هي الدعوة التامة، وكلمة التوحيد الباقية الدائمة، كما قال الله (تعالي): ﴿وجعلها كلمة باقية في عقبه﴾ أي عقب إبراهيم، وقوله: حي علي الصلاة، هو المشار إليه بقوله: الصلاة القائمة في قوله تعالي: ﴿ويقيمون الصلاة﴾ فإن المكلف إذا أقبل عليها بكليته، ويحافظ بتعديل أركانها، ويصونها من أن يقع زيغ في فرائضها وسننها وآدابها- كانت قائمة مستقيمة، من أقام العود إذا قومها، فهاتان الكلمتان وسيلتان إلي طلب الفلاح، والفوز في العقبى بالدرجات العالية المشار إليها بقوله: آت محمداً الوسيلة والفضيلة، والمقام المحمود الذي يقوم فيه لشفاعة الأولين والآخرين، وبخلاصهم من كرب يوم القيامة، وإيصالهم إلي جناب، ونعيم، ولقاء رب العالمين، جعلنا الله (سبحانه) بفضله الكريم وكرمه الجسيم من زمرتهم، ومن المنخرطين في مسلكهم، ويرحم الله عبداً قال: آمينا.

стр. 486

٦٦٠ - وعن أنس، قال: كان النبي ﷺ يغير إذا طلع الفجر، وكان يستمع الأذان، فإن سمع أذاناً أمسك، وإلا أغار. فسمع رجلا يقول: الله أكبر الله أكبر فقال رسول الله صلي الله عليه سلم: ((علي الفطرة)). ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله فقال رسول الله ﷺ : ((خرجت من النار)) فنظروا إليه فإذا هو راعي معزى. رواه مسلم. ٦٦١ - وعن سعد بن أبي وقاص، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من قال حين يسمع المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبه ورسوله، رضيت بالله رباً وبمحمد رسولاً، وبالإسلام دينا، غفر له ذنبه)) رواه مسلم. ٦٦٢ - وعن عبد الله بن مغفل، قال: قال رسول الله ﷺ : ((بين كل أذإنين صلاة، بين كل أذإنين صلاة)) ثم قال في الثالثة: ((لمن شاء)). متفق عليه. ــ الحديث السابع عن إنيس: قوله: ((يغير إذا طلع الفجر)))) كقوله (تعالي)): ﴿فالمغيرات صبحا﴾ والإغارة كبس القوم علي غفلة، وهي بالليل أولي، ولعل تأخيرها إلي الفجر لاستماع الأذان. وقوله: ((فإن سمع أذاناً)) أقام الأذان موضع الضمير إشعاراً بأن من حق الأذان وكونه من الدين الأمان وأن لا يتعرض أهله، ولا يغار عليهم، وقوله: ((فسمع رجلا)) الفاء فيه فصيحة، يعني ولما كان من عادته ﷺ أن يسمع الأذان قبل الإغارة استمع فسمع. ((يغير)) جيء بصيغة المضارع ليفيد الاستمرار لبيان عادته ودأبه. قوله: ((علي الفطرة)) أي أنت، أوقعتها علي الفطرة، والثاني أولي ليطابق ((خرجت)) يعني أوقعتها علي الفطرة التي فطر الناس عليها، ثم قوله بعد ذلك: ((خرجت من النار)) بعد استماعه كلمة التوحيد إشارة إلي استمراره علي تلك الفطرة، وعدم تصرف الوالدين فيه بالشرك. وأما قوله: ((خرجت)) بصيغة الماضي ففيه وجهان: إما قاله تفاؤلا، أو قطعاً؛ لأن كلامه ﷺ صدق، ووعد الله حق. والمعزى- بكسر الميم- والمعز واحد، وهما اسم جنس، وواحد المعزى ماعز، وهو خلاف الضأن. الحديث الثامن والتاسع عن عبد الله: قوله: ((بين كل أذإنين)) غلب الأذان علي الإقامة، وسماهما باسم واحد ((خط)): حمل أحد الاسمين علي الآخر شائع: كقولهم: الأسودان التمر والماء، وإنما الأسود أحدهما. وكقولهم: سيرة العمرين، يريدون أبا بكر وعمر ﵄. ويحتمل أن يكون الاسم لكل واحد منها حقيقة؛ لأن الأذان في اللغة الإعلام، فالأذان إعلام بحضور الوقت، والإقامة أذان بفعل الصلاة. قيل: لا يجوز حمله علي ظاهره؛ لأن الصلاة واجبة بين كل أذإني وقتين، وقد خير رسول الله فقال في المرة الثالثة: ((لمن شاء)).

стр. 487

الفصل الثاني ٦٦٣ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن. اللهم أرشد الأئمة، واغفر للمؤذنين)). رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والشافعي، وفي أخرى له بلفظ ((المصابيح)) [٦٦٣]. ــ ((مظ)) حرض رسول الله ﷺ أمته علي صلاة النفل بين الأذإنين؛ لأن الدعاء لا يرد بينهما لشرف ذلك الوقت، وإذا كان الوقت أشرف كان ثواب العبادة فيه أكثر. الفصل الثاني الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((اللهم أرشد الأئمة)) وفي ((المصابيح)) بلفظ الماضي في الصيغتين. ((قض)): الإمام متكفل أمور صلاة الجمع فيتحمل القراءة عنهم، إما مطلقاً عند من لا يوجب القراءة علي المأموم، أو إذا كانوا مسبوقين، ويحفظ عليهم الأركان، والسنن، وعدد الركعات، ويتولي السفارة بينهم وبين ربهم في الدعاء، والمؤذن أمين في الأوقات يعتمد الناس علي [صوته] في الصلاة، والصيام، وسائر (الوظائف) المؤقتة. وقوله: ((أرشد الله الأئمة وغفر للمؤذنين)) دعاء أخرجه في صورة الخبر تأكيداً، وإشعاراً بأنه من الدعوات التي تتلقى بالمسارعة إلي إجابتها، وعبر بصيغة الماضي ثقة بالاستجابة، فكأنه أجيب سؤاله وهو يخبر عنه موجوداً، والمعنى أرشد اللهم الأئمة للعلم بما تكلفوه والقيام به والخروج من عهدته، واغفر للمؤذنين ما عسى يكون منهم من تفريط في الأمانة التي حملوها. ((شف)): يستدل به علي تفضيل الأذان علي الإمامة؛ لأن حال الأمين أفضل من حال الضمين. تم كلامه. ويمكن أن يجاب عنه بأن هذا الأمين يتكفل الوقت فحسب، وهذا الضامن متكفل لأركان الصلاة، ومتعمد إلي السفارة بين القوم وبين ربهم في الدعاء، فأين أحدهما من الآخر؟ فكيف لا والإمام خليفة الرسول ﷺ والمؤذن بلال ﵁؟ وكذا فرق بين الدعاء بالإرشاد وبينه بالغفران، لأن الإرشاد هي الدلالة الموصولة إلي البغية. والغفران مسبوق بالذنب. ((خط)): في الحديث دلالة علي استحباب تولي الأذان وكراهة تولي الإمامة، لأن الدعاء بالإرشاد إنما يكون فيما فيه خطر أي أمر عظيم. قال أيضاً: ليس هذا الضمان مما يوجب الغرامة من هذا في شيء، يعني لا يلزم علي الإمام إثم بالإمامة بل يحصل له ثواب.

стр. 488

٦٦٤ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أذن سبع سنين محتسباً؛ كتب له براءة من النار)). رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه. [٦٦٤] ٦٦٥ - وعن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يعجب ربك من راعي غنم في رأسه شظية للجبل، يؤذن بالصلاة ويصلي، فيقول الله : انظروا إلي عبدي هذا، يؤذن ويقيم الصلاة، يخاف مني، قد غفرت لعبدي، وأدخلته الجنة)). رواه أبو داود، والنسائي. [٦٦٥] ٦٦٦ - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثلاثة علي كثبان المسك يوم القيامة: عبد أدى حق الله وحق مولاه، ورجل أم قوماً وهم به رضوان، ورجل ينادي بالصلوات الخمس كل يوم وليلة)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب. ــ الحديث الثاني عن ابن عباس: قوله: ((محتسباً)) (فا) الاحتساب من حسب كالاعتداد من العدد، إنما قيل: احتسب العمل لمن ينوي به وجه الله لأن له حينئذ أن يعتد عمله، فجعله في حال مباشرة الفعل كأنه معتد. والحسبة اسم من الاحتساب، كالعدة من الاعتداد. ومنه حديث عمر: ((احتسبوا يا أيها الناس أعمالكم، فإنه من احتسب عمله كتب له أجر عمله وأجر حسبته)). الحديث الثالث عن عقبة بن عامر: قوله: ((يعجب ربك)) ((حس)): التعجب علي الله مجاز؛ لأنه لا يخفي عليه أسباب الأشياء والتعجب مما خفي سببه ولم يعلم، فاملعنى عظم ذلك عنده، وكبر لديه، وقيل: معناه الرضي. ((نه)) الشظية الفلقة من الحصى، والجمع الشظايا. أقول: الخطاب في قوله: ((يعجب ربك)) عام لكل من يتأتى منه السماع لفخامة الأمر، فيؤكد معنى التعجب، وقوله تعالي: ((فانظروا)) تعجيب للملائكة من ذلك الأمر بعد التعجيب لمزيد التفخيم، وكذا تسميته بالعبد وإضافته إلي الله (تعالي) والإشارة بهذا تعظيم علي تعظيم. وقوله: ((يخاف منه)) الأظهر أنه جملة مستأنفة وإن احتمل الحال، فهو كالبيان لعلة عبوديته، واعتزاله عن الناس حق اعتزال؛ لتخصيص ذكر الشظية مع المعزى دون الضأن. وفيه إشعار بأنه كان عالماً بالله تعالي عارفاً لجلالته، وأنه من الذين قيل فيهم ﴿إنما يخشى الله من عبادة العلماء﴾ وأن اعتزاله عن الناس إنما هو للفتنة والفرار بدينه، كاعتزال الفتية إلي الكهف قائلين: ﴿ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا﴾ وكذلك أمنه الله مما كان يخافه، وزاد عليه بإدخاله الجنة. قيل: وفي الحديث دليل علي جواز الأذان والإقامة للمنفرد. الحديث الرابع عن ابن عمر ﵁: قوله: ((كثبان)) جمع كثيب، وهو ما ارتفع من

стр. 489

٦٦٧ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((المؤذن يغفر له مدى صوته، ويشهد له كل رطب ويابس. وشاهد الصلاة يكتب له خمس وعشرون صلاة، ويكفر عنه ما بينهما)). رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وروى النسائي: إلي قوله ((كل رطب ويابس))، وقال: ((وله مثل أجر من صلي)). [٦٦٧] ٦٦٨ - وعن عثمان بن أبي العاص، قال: قلت: يا رسول الله! اجعلني إمام قومي. قال: ((أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم، واتخذ مؤذناً لا يأخذ علي أذانه أجراً)). رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي. [٦٦٨] ــ الرمل كالتل الصغير، عبر عن الثواب بكثبان المسك لرفعته وظهور فرحه، وروح الناس من رائحته، لتناسب حال هؤلاء الثلاثة، فإن فائدة أعمالهم متجاوزة إلي الغير. وصف المؤذن بالفعل المضارع تصويراً لفعله، واستحضاراً له في ذهن السامع استعجاباً منه، وخص الإمام بالرضي دون المؤذن لأنه متكفل ومتول للسفارة بينهم وبين الله تعالي بالدعاء، وعليه اعتماد المأموم، تصلح صلاته بصلاح صلاته، وتفسد بفسادها. الحديث الخامس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((مدى صوته)) ((نه)): أن المكان الذي ينتهي إليه الصوت لو قدر أن يكون ما بين أقصاه وبين مقام المؤذن ذنوب له تملأ تلك المسافة- لغفر الله له، فيكون هذا تمثلاً. قوله: ((وشاهد الصلاة يكتب له)) عطف علي قوله: ((المؤذن يغفر له)) وفيه إشعار بأن الجملة الثانية مسببة عن الأولي، وأن العطف بيان لحصول الجملتين في الوجود، وتفويض ترتب الثانية علي الأولي موكول إلي ذهن السامع الذكي، وإن كانت متأثرة عن الأولي ومسببة عنها بهذا الاعتبار كذلك الأولي متأثرة عن الثانية باعتبار مضاعفة الثواب، وإليه أشار من قال: يغفر للمؤذن لأن كل من سمع صوته أسرع إلي الصلاة، ثم غفرت خطاياه للصلاة المسببة لندائه، فكأنه لأجل إسراع الشاهد قد غفر للمؤذن، والله أعلم. فالضمير المجرور في ((له)) للشاهد لا للمؤذن كما يظن، ويشهد له حديث أبي هريرة: ((صلاة الرجل في الجماعة تضعف علي صلاته في بيته وفي سوقه خمساً وعشرين ضعفاً)) والله أعلم. الحديث السادس عن عثمان ﵁: قوله: ((واقتد بأضعفهم)) جملة إنشائية عطفت علي: ((أنت إمامهم)) وهي خبرية علي تأويل أمهم، عدل إلي الإسمية دلالة علي الثبات، وأن إمامته قد حصلت وهو ﷺ يخبر عنه، وفيه من الغرابة أنه جعل المقتدي مقتدياً تابعا، يعني كما أن الضعيف يقتدي بصلاتك فاقتد أيضاً أنت ضعفه، واسلك سبيل التخفيف في القيام والقراءة. ((تو)): إنما ذكره بلفظ الاقتداء تأكيداً للأمر المحثوث عليه؛ لأن من شأن المقتدي أن

стр. 490

٦٦٩ - وعن أم سلمة، ﵂، قالت: علمني رسول الله أن أقول عند أذان المغرب: ((اللهم هذا إقبال ليلك، وإدبار نهارك، وأصوات دعاتك، فاغفر لي)). رواه أبو داود، والبيهقي في ((الدعوات الكبير)). [٦٦٩] ٦٧٠ - وعن أبي أمامة، أو بعض أصحاب رسول الله ﷺ ، قال: إن بلالا أخذ في الإقامة، فلما أن قال: قد قامت الصلاة. قال رسول الله ﷺ : ((أقامها الله وأدامها)). وقال في سائر الإقامة كنحو حديث عمر في الأذان. رواه أبو داود. [٦٧٠] ٦٧١ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يرد الدعاء بين الأذان ــ يتابع المقتدي به، ويجتنب خلافه. قيل: تمسك به من منع الاستئجار علي الأذان، ولا دليل فيه، لجواز أنه ﷺ أمره بذلك أخذاً بالأفضل. ((خط)): أخذ المؤذن الأجر علي أذانه مكروه من مذاهب أكثر العلماء، قال الحسن أخشى أن لا تكون صلاته خالصة لله تعالي. وكرهه الشافعي ﵁. وقال: يرزقه الإمام من خمس الخمس من سهم رسول الله ﷺ فإنه مرصد لمصالح لدين. وأقول: لعل الكراهة لما أن المؤذن متبرع في نداء المصلين، وسبب في اجتماعهم، فإذا كان مخلصاً خلصت صلاتهم، قال الله تعالي: ﴿اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون﴾. ((مظ)) فهي أن الإمامة ينبغي أن تكون بإذن الحاكم، وأن يستحب للإمام التخفيف في الصلاة، واستحباب الأذان بغير أجرة. الحديث السابع عن أم سلمة: قوله: ((هذا إقبال ليلك)) المشار إليه ما في الذهن، وهو مبهم مفسر بالخبر. وقوله: ((إدبار نهارك وأصوات دعائك)) عطف علي الخبر. و ((فاغفر لي)) مرتب عليها بالفاء، نبه علي صدور فرطات من القائل في نهاره السابق، والثاني كالوسيلة لاشتماله علي ذكر اسم الله، والدعوة إلي الطاعة لطلب الغفران، والدعاة جمع داع، كقضاة جمع قاض. الحديث الثامن عن أبي أمامة ﵁: قوله: ((فلما أن قال)) لما الشرطية تستدعي فعلاً، فيكون التقدير: فلما انتهي إلي أن قال: وقد اختلف في ((قال)) متعد أو لازم، فمن جعله لازماً يجعل المقول مصدراً، ومن ذهب إلي أنه متعد فالمقول عنده مفعول به. قوله: ((قال في سائر الإقامة)) أي قال رسول الله ﷺ فيما سوى قد قامت الصلاة من ألفاظ الإقامة نحو ما قاله المؤذن، علي ما مر في الحديث الخامس من الفصل الأول من الباب. الحديث التاسع والعاشر عن سهل بن سعيد قوله: ((عند البأس)) البأس الشدة والمحاربة،

стр. 491

والإقامة)). رواه أبو داود، والترمذي. [٦٧١] ٦٧٢ - وعن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثنتان لا تردان: -أو قلما تردان – الدعاء عند النداء وعند البأس حين يلحم بعضهم بعضاً)). وفي رواية ((وتحت المطر)). رواه أبو داود، والدارمي؛ إلا أنه لم يذكر: ((وتحت المطر)). [٦٧٢] ٦٧٣ - وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رجل: يا رسول الله! إن المؤذنين يفضلوننا. فقال رسول الله ﷺ : ((قل كما يقولون، فإذا انتهيت فسل تعط)). رواه أبو داود. [٦٧٣] ــ و ((حين يلحم)) بدل منه، وفي الغريبين: ألحم الرجل واستلحم إذا أنشب في الحرب فلم يجد مخلصاً، ولحم إذا قتل، فهو ملحوم ولحيم. فسره القاضي وقال: لحمه إذا التصق اللحم بالعظم أو يهم بعضهم بقتل بعض، من: لحم فلان فهو ملحوم إذا قتل كأنه جعل لحماً. أقول: قرن الدعاء بين الأذإنين عند حضور الشيطان بعد الأذان لإيقاع الخطرات والوساوس، ودفع المصلي إياه بالالتجاء والاستغاثة، كما قال الله (سبحانه وتعالي): ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ إلي آخره بالدعاء عند التحام البأس والمحاربة مع أعداء الدين؛ لكونهما مجاهدين في سبيل الله، وإلي المعنى الأول ينظر ما رويناه في الحديث الثاني من هذا الباب ((فإذا قضي النداء أقبل- أي الشيطان- حتى إذا ثوب بالصالة أدبر)) وإلي الثاني يلمح ما ورد في الحديث الثاني من باب الوضوء (فذلكم الرباط، فذلكم الرباط) وقد حققناه في موضعه. قوله: ((وتحت المطر)) روى شيخنا شيخ الإسلام في ((العوارف)): كان رسول الله ﷺ يستقبل الغيث ويتبرك به، وقال: ((حديث عهد بربه)) وأنشد في الكتاب: تضوع أرواح نجد من ثيابهم عند القدوم لقرب العهد بالدار الحديث الحادي عشر ظاهر.

стр. 492

الفصل الثالث ٦٧٤ - عن جابر، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((إن الشيطان إذا سمع النداء بالصلاة ذهب حتى يكون مكان الروحاء)). قال الراوي: والروحاء من المدينة: علي ستة وثلاثين ميلاً رواه مسلم. ٦٧٥ - وعن علقمة بن وقاص، قال: إني لعند معاوية، إذ أذن مؤذنه، فقال معاوية كما قال مؤذنه. حتى إذا قال: حي علي الصلاة؛ قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. فلما قال: حي علي الفلاح؛ قال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وقال بعد ذلك ما قال المؤذن. ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ قال ذلك. رواه أحمد. [٦٧٥] ٦٧٦ - وعن أبي هريرة، قال: كنا مع رسول الله ﷺ : ((من قال مثل هذا يقيناً، دخل الجنة)) رواه النسائي. ــ الفصل الثالث الحديث الأول عن جابر ﵁: قوله: ((حتى يكون مكان الروحاء)) يعني يبعد الشيطان من المصلي بعد ما بين المكإنين، أو التقدير يكون الشيطان مثل الروحاء في الحمودة والبعد. الحديث الثاني عن علقمة: قوله: ((إلا بالله العلي العظيم)) ((نه)): هذه الزيادة نادرة في الروايات. الحديث الثالث، والرابع عن عائشة ﵂: قوله: ((قال: وأنا وأنا)) عطف علي قول المؤذن: أشهد، علي تقدير العامل لا الانسحاب، أي أنا أشهد كما تشهد، والتكرير في ((وأنا)) راجع إلي الشهادتين، وفيه أنه ﷺ كان مكلفاً بأن يشهد علي رسالته كسائر الأمة. الحديث الخامس عن ابن عمر: قوله: ((في كل يوم)) في حذف، أي كتب له بسبب تأذينه

стр. 493

٦٧٧ - وعن عائشة، ﵂، قالت: كان النبي ﷺ إذا سمع المؤذن يتشهد قال: ((وأنا وأنا)) رواه أبو داود. [٦٧٧] ٦٧٨ - وعن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ ، قال: ((من أذن ثنتي عشرة سنة؛ وجبت له الجنة، وكتب له بتأذينه في كل يوم ستون حسنة، ولكل إقامة ثلاثون حسنة)) رواه ابن ماجه. [٦٧٨] ٦٧٩ - وعنه، قال: كنا نؤمر بالدعاء عند أذان المغرب. رواه البيهقي في: ((الدعوات الكبير)). (٦) باب تأخير الأذان الفصل الأول ٦٨٠ - عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن بلالا ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم))، قال: وكان ابن أم مكتوم رجلاً أعمى، لا ينادي حتى يقال له أصبحت أصبحت. متفق عليه. ٦٨١ - وعن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال، ولا الفجر المستطيل؛ ولكن الفجر المستطير في الأفق)) رواه مسلم، ولفظه للترمذي. ــ كل مرة في كل يوم، كذا في ((شرح السنة)). قوله: ((عند أذان المغرب)) كذا لعل هذا الدعاء هو ما مر في الحديث السابع من الفصل الثالث من الباب. الحديث السادس ظاهر. باب الفصل الأول الحديث الأول، والثاني عن سمرة: قوله: ((الفجر المستطير)) ((نه)): هو الذي انتشر ضوؤه واعترض في الأفق، كأنه طار في نواحي السماء، بخلاف المستطيل الذي يسمى بذنب السرحان.

стр. 494

٦٨٢ - وعن مالك بن الحويرث، قال: أتيت النبي ﷺ أنا وابن عم لي، فقال: ((إذا سافرتما فأذنا وأقيما، وليؤمكما أكبركما)) رواه البخاري. ٦٨٣ - وعنه، قال: قال لنا رسول الله ﷺ : ((صلوا كما رأيتموني أصلي، وإذا حضرت الصلاة؛ ليؤذن لكم أحدكم، ثم ليؤمكم أكبركم)) متفق عليه. ٦٨٤ - وعن أبي هريرة، [﵁]، قال: إن رسول الله ﷺ حين قفل من غزوة خيبر، سار ليلة، حتى إذا أدركه الكرى عرس، وقال لبلال: ((اكلأ لنا الليل. فصلي بلال ما قدر له، ونام رسول الله ﷺ وأصحابه. فلما تقارب الفجر، استند بلال إلي راحلته مواجه الفجر، فغلبت بلالا عيناه، وهو مستند إلي راحلته، فلم يستيقظ رسول الله ﷺ ، ولا بلال، ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس، فكان رسول الله ﷺ أولهم استيقاظاً، ففزع رسول الله ﷺ ، فقال: ((أي بلال!)) فقال بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك. قال: ((اقتادوا)). فاقتادوا رواحلهم شيئاً، ــ الحديث الثالث والرابع عن مالك بن الحويرث: قوله: ((كما رأيتموني أصلي)) ((ما)) نكرة موصوفة، أي صلوا كصلاة رأيتموني أصليها. قوله: ((ثم ليؤمكم أكبركم)) فيه دليل علي فضل الإمامة علي الأذان، حيث أطلق الأذان وخيرهما فيه، وقيد الإمامة. الحديث الخامس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((قفل)) ((نه)): قفل يقفل إذا عاد من سفره، وقد يقال للسفر قفول في المجيء والذهاب، والتعريس نزول المسافر آخر الليل نزلة للنوم والاستراحة. والكلاءة الحفظ والحراسة، يقال: كلأته أكلوه كلاءة وأنا كالئ وهو مكلوء. فقوله: ((غلبت بلالاً عيناه)) عبارة عن النوم، كأن عينيه قهرته فيما يرومه من النوم، فجعلته مغلوباً. ((نه)): يقال: فزع من نومه أي هب وانتبه، كأنه من الفزع والخوف؛ لأن من تنبه لا يخلو من فزع ما. ((شف)): في استيقاظ رسول الله ﷺ قبل الناس وفزعه إيماء إلي أن النفس الزكية وإن غلبت عليها بعض الأحيان شيء من الحجب البشرية لكنها عن قريب ستزول، وإن كل من هو أزكى كان زوال حجابه أسرع. قوله: ((أخذ بنفسي)) أراد أن الله تعالي كما توفاكم في النوم توفإني، من قوله تعالي: ﴿الله يتوفي الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها﴾.

стр. 495

ثم توضأ رسول الله ﷺ ، وأمر بلالا فأقام الصلاة، فصلي بهم الصبح. فلما قضى الصلاة، قال ((من نسي الصلاة، فليصلها إذا ذكرها؛ فإن الله تعالي قال: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾)) رواه مسلم. ٦٨٥ - وعن أبي قتادة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني قد خرجت)) متفق عليه. ٦٨٦ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أقيمت الصلاة، فلا تأتوها تسعون، وأتوها تمشون وعليكم السكينة. فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)) متفق عليه. ــ قوله: ((اقتادوا)) اقتادوا أمر، و ((فاقتادوا)) فعل ماض، و ((شيئاً)) نصب علي المصدر، أي اقتياداً قليلاً. ((نه)): قاد البعير واقتاده جر حبله، كأنه ﷺ أمرهم أن يتحولوا من ذلك المكان إلي مكان آخر. ((حس)): اختلفوا في معنى مفارقة ذلك المكان، فمن لم يجوز قاء الفائتة في الوقت المنهي قال: إنما فعل ذلك لترتفع الشمس، ومن يجوز- وهم الأكثرون- قالوا: معناه أنه أراد أن يتحول عن المكان الذي أصابتهم فيه هذه الغفلة والنسيان، وروي أنه ﷺ قال: ((ليأخذ كل واحد [رأس] راحلته، فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان)). ((مح)): إن قيل: كيف ذهب النبي ﷺ عن الصلاة ونام عنها مع قوله ﷺ : ((إن عيني تنامان ولا ينام قلبي))؟ قلنا فيه وجهان: أصحهما أنه لا منافاة بينهما؛ لأن القلب إنما يدرك الأمور الباطنة، كاللذة، والألم، ونحوهما ولا يدري الحسيات، مثل طلوع الفجر وغيره، وقيل: وإنما يدرك ذلك بالعين، والعين النائمة. والثاني أنه كان له حالان: ينام القلب تارة، وأخرى لا ينام، فصادف هذا الموضع حالة المنام. وهو ضعيف. أقول: ولعل الوجه الثاني أولي؛ لما ورد: ((أنه ﷺ اضطجع فنام حتى نفخ فآذنه بلال باللصلاة، فصلي ولم يتوضأ)) وعللوه بقوله ﷺ : ((تنام عيني ولا ينام قلبي)) والحديث مؤول بأنه نسى، ليسن. الحديث السادس عن أبي قتادة: قوله: ((أذا أقيمت الصلاة)) أي إذا نادى المؤذن بالإقامة، وأقيم المسبب مقام السبب ((حس)): فيه دليل علي جواز تقديم الإقامة علي خروج الإمام ثم ينتظر خورجه. الحديث السابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((فلا تأتوها تسعون)) حال من ضمير
следующие страницы →