← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122257

شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن

الطيبي

Полный текст (3 308 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

والإقامة)). رواه أبو داود، والترمذي. [٦٧١] ٦٧٢ - وعن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثنتان لا تردان: -أو قلما تردان – الدعاء عند النداء وعند البأس حين يلحم بعضهم بعضاً)). وفي رواية ((وتحت المطر)). رواه أبو داود، والدارمي؛ إلا أنه لم يذكر: ((وتحت المطر)). [٦٧٢] ٦٧٣ - وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رجل: يا رسول الله! إن المؤذنين يفضلوننا. فقال رسول الله ﷺ : ((قل كما يقولون، فإذا انتهيت فسل تعط)). رواه أبو داود. [٦٧٣] ــ و ((حين يلحم)) بدل منه، وفي الغريبين: ألحم الرجل واستلحم إذا أنشب في الحرب فلم يجد مخلصاً، ولحم إذا قتل، فهو ملحوم ولحيم. فسره القاضي وقال: لحمه إذا التصق اللحم بالعظم أو يهم بعضهم بقتل بعض، من: لحم فلان فهو ملحوم إذا قتل كأنه جعل لحماً. أقول: قرن الدعاء بين الأذإنين عند حضور الشيطان بعد الأذان لإيقاع الخطرات والوساوس، ودفع المصلي إياه بالالتجاء والاستغاثة، كما قال الله (سبحانه وتعالي): ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ إلي آخره بالدعاء عند التحام البأس والمحاربة مع أعداء الدين؛ لكونهما مجاهدين في سبيل الله، وإلي المعنى الأول ينظر ما رويناه في الحديث الثاني من هذا الباب ((فإذا قضي النداء أقبل- أي الشيطان- حتى إذا ثوب بالصالة أدبر)) وإلي الثاني يلمح ما ورد في الحديث الثاني من باب الوضوء (فذلكم الرباط، فذلكم الرباط) وقد حققناه في موضعه. قوله: ((وتحت المطر)) روى شيخنا شيخ الإسلام في ((العوارف)): كان رسول الله ﷺ يستقبل الغيث ويتبرك به، وقال: ((حديث عهد بربه)) وأنشد في الكتاب: تضوع أرواح نجد من ثيابهم عند القدوم لقرب العهد بالدار الحديث الحادي عشر ظاهر.

стр. 492

الفصل الثالث ٦٧٤ - عن جابر، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((إن الشيطان إذا سمع النداء بالصلاة ذهب حتى يكون مكان الروحاء)). قال الراوي: والروحاء من المدينة: علي ستة وثلاثين ميلاً رواه مسلم. ٦٧٥ - وعن علقمة بن وقاص، قال: إني لعند معاوية، إذ أذن مؤذنه، فقال معاوية كما قال مؤذنه. حتى إذا قال: حي علي الصلاة؛ قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. فلما قال: حي علي الفلاح؛ قال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وقال بعد ذلك ما قال المؤذن. ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ قال ذلك. رواه أحمد. [٦٧٥] ٦٧٦ - وعن أبي هريرة، قال: كنا مع رسول الله ﷺ : ((من قال مثل هذا يقيناً، دخل الجنة)) رواه النسائي. ــ الفصل الثالث الحديث الأول عن جابر ﵁: قوله: ((حتى يكون مكان الروحاء)) يعني يبعد الشيطان من المصلي بعد ما بين المكإنين، أو التقدير يكون الشيطان مثل الروحاء في الحمودة والبعد. الحديث الثاني عن علقمة: قوله: ((إلا بالله العلي العظيم)) ((نه)): هذه الزيادة نادرة في الروايات. الحديث الثالث، والرابع عن عائشة ﵂: قوله: ((قال: وأنا وأنا)) عطف علي قول المؤذن: أشهد، علي تقدير العامل لا الانسحاب، أي أنا أشهد كما تشهد، والتكرير في ((وأنا)) راجع إلي الشهادتين، وفيه أنه ﷺ كان مكلفاً بأن يشهد علي رسالته كسائر الأمة. الحديث الخامس عن ابن عمر: قوله: ((في كل يوم)) في حذف، أي كتب له بسبب تأذينه

стр. 493

٦٧٧ - وعن عائشة، ﵂، قالت: كان النبي ﷺ إذا سمع المؤذن يتشهد قال: ((وأنا وأنا)) رواه أبو داود. [٦٧٧] ٦٧٨ - وعن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ ، قال: ((من أذن ثنتي عشرة سنة؛ وجبت له الجنة، وكتب له بتأذينه في كل يوم ستون حسنة، ولكل إقامة ثلاثون حسنة)) رواه ابن ماجه. [٦٧٨] ٦٧٩ - وعنه، قال: كنا نؤمر بالدعاء عند أذان المغرب. رواه البيهقي في: ((الدعوات الكبير)). (٦) باب تأخير الأذان الفصل الأول ٦٨٠ - عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن بلالا ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم))، قال: وكان ابن أم مكتوم رجلاً أعمى، لا ينادي حتى يقال له أصبحت أصبحت. متفق عليه. ٦٨١ - وعن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال، ولا الفجر المستطيل؛ ولكن الفجر المستطير في الأفق)) رواه مسلم، ولفظه للترمذي. ــ كل مرة في كل يوم، كذا في ((شرح السنة)). قوله: ((عند أذان المغرب)) كذا لعل هذا الدعاء هو ما مر في الحديث السابع من الفصل الثالث من الباب. الحديث السادس ظاهر. باب الفصل الأول الحديث الأول، والثاني عن سمرة: قوله: ((الفجر المستطير)) ((نه)): هو الذي انتشر ضوؤه واعترض في الأفق، كأنه طار في نواحي السماء، بخلاف المستطيل الذي يسمى بذنب السرحان.

стр. 494

٦٨٢ - وعن مالك بن الحويرث، قال: أتيت النبي ﷺ أنا وابن عم لي، فقال: ((إذا سافرتما فأذنا وأقيما، وليؤمكما أكبركما)) رواه البخاري. ٦٨٣ - وعنه، قال: قال لنا رسول الله ﷺ : ((صلوا كما رأيتموني أصلي، وإذا حضرت الصلاة؛ ليؤذن لكم أحدكم، ثم ليؤمكم أكبركم)) متفق عليه. ٦٨٤ - وعن أبي هريرة، [﵁]، قال: إن رسول الله ﷺ حين قفل من غزوة خيبر، سار ليلة، حتى إذا أدركه الكرى عرس، وقال لبلال: ((اكلأ لنا الليل. فصلي بلال ما قدر له، ونام رسول الله ﷺ وأصحابه. فلما تقارب الفجر، استند بلال إلي راحلته مواجه الفجر، فغلبت بلالا عيناه، وهو مستند إلي راحلته، فلم يستيقظ رسول الله ﷺ ، ولا بلال، ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس، فكان رسول الله ﷺ أولهم استيقاظاً، ففزع رسول الله ﷺ ، فقال: ((أي بلال!)) فقال بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك. قال: ((اقتادوا)). فاقتادوا رواحلهم شيئاً، ــ الحديث الثالث والرابع عن مالك بن الحويرث: قوله: ((كما رأيتموني أصلي)) ((ما)) نكرة موصوفة، أي صلوا كصلاة رأيتموني أصليها. قوله: ((ثم ليؤمكم أكبركم)) فيه دليل علي فضل الإمامة علي الأذان، حيث أطلق الأذان وخيرهما فيه، وقيد الإمامة. الحديث الخامس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((قفل)) ((نه)): قفل يقفل إذا عاد من سفره، وقد يقال للسفر قفول في المجيء والذهاب، والتعريس نزول المسافر آخر الليل نزلة للنوم والاستراحة. والكلاءة الحفظ والحراسة، يقال: كلأته أكلوه كلاءة وأنا كالئ وهو مكلوء. فقوله: ((غلبت بلالاً عيناه)) عبارة عن النوم، كأن عينيه قهرته فيما يرومه من النوم، فجعلته مغلوباً. ((نه)): يقال: فزع من نومه أي هب وانتبه، كأنه من الفزع والخوف؛ لأن من تنبه لا يخلو من فزع ما. ((شف)): في استيقاظ رسول الله ﷺ قبل الناس وفزعه إيماء إلي أن النفس الزكية وإن غلبت عليها بعض الأحيان شيء من الحجب البشرية لكنها عن قريب ستزول، وإن كل من هو أزكى كان زوال حجابه أسرع. قوله: ((أخذ بنفسي)) أراد أن الله تعالي كما توفاكم في النوم توفإني، من قوله تعالي: ﴿الله يتوفي الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها﴾.

стр. 495

ثم توضأ رسول الله ﷺ ، وأمر بلالا فأقام الصلاة، فصلي بهم الصبح. فلما قضى الصلاة، قال ((من نسي الصلاة، فليصلها إذا ذكرها؛ فإن الله تعالي قال: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾)) رواه مسلم. ٦٨٥ - وعن أبي قتادة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني قد خرجت)) متفق عليه. ٦٨٦ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أقيمت الصلاة، فلا تأتوها تسعون، وأتوها تمشون وعليكم السكينة. فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)) متفق عليه. ــ قوله: ((اقتادوا)) اقتادوا أمر، و ((فاقتادوا)) فعل ماض، و ((شيئاً)) نصب علي المصدر، أي اقتياداً قليلاً. ((نه)): قاد البعير واقتاده جر حبله، كأنه ﷺ أمرهم أن يتحولوا من ذلك المكان إلي مكان آخر. ((حس)): اختلفوا في معنى مفارقة ذلك المكان، فمن لم يجوز قاء الفائتة في الوقت المنهي قال: إنما فعل ذلك لترتفع الشمس، ومن يجوز- وهم الأكثرون- قالوا: معناه أنه أراد أن يتحول عن المكان الذي أصابتهم فيه هذه الغفلة والنسيان، وروي أنه ﷺ قال: ((ليأخذ كل واحد [رأس] راحلته، فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان)). ((مح)): إن قيل: كيف ذهب النبي ﷺ عن الصلاة ونام عنها مع قوله ﷺ : ((إن عيني تنامان ولا ينام قلبي))؟ قلنا فيه وجهان: أصحهما أنه لا منافاة بينهما؛ لأن القلب إنما يدرك الأمور الباطنة، كاللذة، والألم، ونحوهما ولا يدري الحسيات، مثل طلوع الفجر وغيره، وقيل: وإنما يدرك ذلك بالعين، والعين النائمة. والثاني أنه كان له حالان: ينام القلب تارة، وأخرى لا ينام، فصادف هذا الموضع حالة المنام. وهو ضعيف. أقول: ولعل الوجه الثاني أولي؛ لما ورد: ((أنه ﷺ اضطجع فنام حتى نفخ فآذنه بلال باللصلاة، فصلي ولم يتوضأ)) وعللوه بقوله ﷺ : ((تنام عيني ولا ينام قلبي)) والحديث مؤول بأنه نسى، ليسن. الحديث السادس عن أبي قتادة: قوله: ((أذا أقيمت الصلاة)) أي إذا نادى المؤذن بالإقامة، وأقيم المسبب مقام السبب ((حس)): فيه دليل علي جواز تقديم الإقامة علي خروج الإمام ثم ينتظر خورجه. الحديث السابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((فلا تأتوها تسعون)) حال من ضمير

стр. 496

وفي رواية لمسلم: ((فإن أحدكم إذا كان يعتمد إلي الصلاة فهو في صلاة)). وهذا الباب خال عن الفصل الثاني ــ الفاعل، وهو أبلغ في النهي من لا تسعوا؛ لتصوير حال سوء الأدب، وأنه مناف لما هو أولي به من الوقار والسكينة، ومن ثم عقبه بما ينبه علي حسن الأدب من قوله: ((وأتوها تمشون)) كقوله تعالي: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون علي الأرض هوناً﴾ ثم ذيل المفهومين بقوله: ((وعليكم السكينة)) أي الزموا السكينة في جميع أموركم، خصوصاً في الوفود إلي جناب رب العزة، والفاء جزاء شرط محذوف، أي إذا بينت لكم ما هو أولي بكم فما أدركتم فصلوا. فإن قلت: كيف الجمع بين النهي عن السعي في الحديث والأمر به في قوله تعالي: ﴿فاسعوا إلي ذكر الله﴾؟ قلت: السعي في الآية بمعنى القصد والنية، ويستعمل السعي في التصرف في كل عمل، قال الله تعالي: ﴿فلما بلغ معه السعي﴾، ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ يدل عليه بقوله: ﴿وذروا البيع﴾ أي اشتغلوا بأمر معادكم وما والاه من ذكر الله، واتركوا أمر معاشكم من البيع والشراء، كقوله تعالي: ﴿رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله﴾. قال الحسن ﵀: ليس السعي علي الأقدام، ولكنه علي النيات والقلوب. ((حس)): اختلفوا فيمن يخاف فوت التكبيرة الأولي فمنهم من قال: يسرع، حتى قيل: يهرول، روي عن ابن عمر ﵄ أنه سمع الإقامة وهو بالبقيع فأسرع إلي المسجد. ومنهم من كره الإسراع، واختار المشي بالوقار لهذا الحديث، وقال: فيه دليل علي أن ما يدركه المرء من صلاة إمامه هو أول صلاته؛ لأن لفظ الإتمام يقع علي باقي شيء تقدم أوله، وهو مذهب علي، وأبي الدرداء ﵄ وجمع من التابعين، وبه قال الشافعي. قوله: ((يعتمد إلي الصلاة فهو في صلاة)) ((مح)): يستحب للذاهب إلي الصلاة أن لا يعبث بيده، ولا يتكلم بقبح، ولا ينظر نظراً قبيحاً، ويتجنب ما أمكنه مما يتجنبه المصلي، وإذا وصل إلي المسجد وقعد ينتظر الصلاة، كان الاعتناء بما ذكرناه آكد، وفي رواية: ((وعليه السكينة والوقار)) قيل هما بمعنى، وجمع بينهما تأكيداً، والظاهر أن بينهما فرقاً، وأن السكينة التإني في الحركات، واجتناب العبث ونحو ذلك، والوقار في الهيئة وغض البصر، وخفض الصوت والإقبال علي طريقه بغير التفات، ونحو ذلك.

стр. 497

الفصل الثالث ٦٨٧ - عن زيد بن أسلم، قال: عرس رسول الله ﷺ ليلة بطريق مكة، ووكل بلالا أن يوقظهم للصلاة، فرقد بلال ورقدوا حتى استيقظوا وقد طلعت عليهم الشمس، فاستيقظ القوم، وقد فزعوا، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يركبوا حتى يخرجوا من ذلك الوادي، وقال: ((إن هذا واد به شيطان)) فركبوا حتى خرجوا من ذلك الوادي، ثم أمرهم رسول الله ﷺ أن ينزلوا، ويتوضؤوا، وأمر بلالا أن ينادي للصلاة- أو يقيم -، فصلي رسول الله ﷺ بالناس، ثم انصرف وقد رأي من فزعهم، فقال: ((يا أيها الناس! إن الله قبض أرواحنا، ولو شاء لردها إلينا في حين غر ــ الفصل الثالث الحديث الأول عن زيد بن أسلم: قوله: ((فاستيقظ)) كرره لينيط به قوله: ((وقد فزعوا)) وهو من باب الترديد. كقول الشاعر: من يلق يوماً علي علاته هرماً يلق السماحة والجود له خلقاً قوله: ((إن الله قبض أرواحنا)) هذا تسلية للقوم مما فزعوا منه، وأن تلك الغفلة كانت بمشيئة الله، كما أن قول بلال في الحديث السابق: ((أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك)) كان اعتذاراً منه لما غفل ونام. وقوله: ((ولو شاء لردها إلينا في حين غير هذا)) إشارة إلي الموت الحقيقي الذي ينبه عليه قوله تعالي: ﴿فيمسك التي قضي عليها الموت﴾. وقوله: ((إن الله قبض أرواحنا)) إشارة إلي الموت المجازي في قوله تعالي: ﴿ويرسل الأخرى﴾ أي النفس التي لم تمت في منامها. ويحتمل قوله: ((أو نسيها)) أن يكون شكاً من الراوي، وأن يكون تفريعاً في الحديث، أي غفل عنها بسبب النوم أو نسيها بأمر آخر. وضمن فزع معنى الالتجاء فعدى بإلي أي التجأ إلي الصلاة فزعاً ((نه)): ((فافزعوا إلي الصلاة)) أي الجأوا إليها، واستعينوا بها علي دفع الأمر الحادث. قوله: ((فإن الشيطان أتى بلالا)) إلي آخر الحديث، فإن قلت: كيف أسند هذه الغفلة ابتداء إلي الله (سبحانه وتعالي) في قوله ﷺ وقول بلال، ثم أسنده إلي الشيطان ثإنياً؟ قلت: هو من المسألة المشهورة في خلق أفعال العباد وكسبها، وتقريرها إلي الله تعالي أراد خلق النسيان أو النوم فيهم، فمكن الشيطان من اكتساب ما هو جالب للغفلة من الهدوء وغيره. ((نه)): الهدوء

стр. 498

هذا، فإذا رقد أحدكم عن الصلاة أو نسيها، ثم فزع إليها، فليصلها كما كان يصليها في وقتها))، ثم التفت رسول الله ﷺ إلي أبي بكر الصديق، فقل: ((إن الشيطان أتى بلالا وهو قائم يصلي فأضجعه، ثم لم يزل يهدئه كما يهدأ الصبي حتى نام)). ثم دعا رسول الله ﷺ بلالا، فأخبر بلال رسول الله ﷺ مثل الذي أخبر رسول الله ﷺ أبا بكر، فقال أبو بكر: أشهد أنك رسول الله. رواه مالك مرسلاً. ٦٨٨ - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((خصلتان معلقتان في أعناق المؤذنين للمسلمين: صيامهم وصلاتهم)) رواه ابن ماجه. [٦٨٨] (٧) باب المساجد ومواضع الصلاة الفصل الأول ٦٨٩ - عن ابن عباس، قال: لما دخل! النبي ﷺ البيت، دعا في نواحيه كلها ــ السكون عن الحركات من المشي والاختلاف في الطرق، وفي الحديث إظهار المعجزة، ولذلك صدقه الصديق بالشهادة. الحديث الثاني عن ابن عمر ﵄: قوله: ((معلقتان)) صفة لـ ((خصلتان))، و ((المسملين)) خبر للمبتدأ الموصوف، و ((صيامهم وصلاتهم)) بيان للخصلتين أو بدل منهما، شبهت حالة المؤذنين وإناطة الخصلتين للمسلمين [بهم] بحالة الأسير الذي في عنقه ربقة الرق وقد لا يخلصه منها إلا المن والفداء، والوجه الأمر الذي لزم الشخص ولا تفصى له عنه إلا بالخروج عن عهدته وبهذا الاعتبار قيل في حقهم: إنهم أمناء. باب المساجد ومواضع الصلاة الفصل الأول الحديث الأول عن ابن عباس ﵄: قوله: ((قبل الكعبة)) بضم الباء وسكونها، والقبل نقيض الدبر، والقبلة الجهة، سميت قبلة لأن المصلي يقابلها وتقابله، ((تو)): المراد منها الجهة التي فيها الباب. ((خط)): معنى قوله: ((هذه القبلة)) أن أمر القبلة قد استقر علي هذا

стр. 499

ولم يصل حتى خرج منه، فلما خرج ركع ركعتين في قبل الكعبة، وقال: ((هذه القبلة)) رواه البخاري. ٦٩٠ - ورواه مسلم عنه، عن أسامة بن زيد. ــ البيت، ولا ينسخ بعد اليوم، فصلوا إلي الكعبة أبداً فهي قبلتكم، قال: ويحتمل وجهاً آخر، وهو أنه ﷺ علمهم السنة في مقام الإمام واستقباله القبلة، من وجه الكعبة دون أركانها وجوانبها الثلاثة، وإن كان الصلاة في جميع جهاتها مجزية. ((قض)): ذهب عامة العلماء إلي جواز النفل داخل الكعبة لحديث ابن عمر ﵄، وهو الذي يليه، واختلف في الفرض، فذهب الجمهور إلي جوازه. ومنع منه مالك، وأحمد وحكي عن محمد بن جرير أنه قال: لا يجوز فيها الإتيان بالفرض ولا بالنفل متمسكاً بهذا الحديث، وهو مع ضعف دلالته لا يعارض حديث ابن عمر ﵄؛ لأنه حكاية دخوله يوم الفتح، فلو كان ابن عباس ﵄ يحكي غيره فلا يعارضه، وإن كان يحكيه- والظاهر ذلك- فالحديث مرسل؛ لأنه ﷺ لما دخل أغلق عليه الباب، ولم يكن ابن عباس معه، فلا يقاوم المسند. أقول- والعلم عند الله-: في قوله: ((فالحديث مرسل)) بحيث؛ لأنه من رواية مسلم متصل قطعاً، فإنه قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد جميعاً عن ابن بكر، قال أنبا محمد ابن بكر، أنبا ابن جريج، قال: قلت لعطاء: أسمعت ابن عباس يقول: إنما أمرتم بالطواف ولم تؤمروا بدخوله؟ قال: لم يكن ينهي عن دخوله ولكن سمعته يقول: أخبرني أسامة بن زيد أن النبي ﷺ لما دخل البيت ... الحديث، ومن رواية البخاري. قال: حدثنا إسحاق بن نصر نا عبد الرزاق أنبا ابن جريج عن عطاء سمعت ابن عباس قال: لما دخل النبي ﷺ البيت ... الحديث؛ فابن عباس علي رواية مسلم ليس براو عن رسول الله ﷺ ، وهذا يوهم الإرسال في رواية البخاري، وهو مشكل، لأن المرسل ضعيف، وشرط الصحيح اتصال السند، ولعل العذر أن يقال باختلاف الزمان وتعدد دخول رسول الله ﷺ أو أن الكاتب سقط منه راوي ابن عباس أو يقال: كان ابن عباس مع من دخل، لكن لم يشعر بصلاة النبي ﷺ . وقريب منه ما ذكر الشيخ محيي الدين في شرح صحيح مسلم بإسناده عن بلال ﵁: ((أن النبي ﷺ دخل الكعبة وصلي فيها بني العمودين)) وبإسناده عن أسامة: ((أنه ﷺ دعا في نواحيها ولم يصل)). وأجمع أهل الحديث علي الأخذ براوية بلال،؛ لأنه مثبت، ومعه زيادة علم، فوجب ترجيحه. والمراد الصلاة المعهودة، ويؤيده قول ابن عمر: ((نسيت أن أسأله كم صلي)) وأما نفي أسامة فيشبه أنهم لما دخلوا الكعبة أغلقوا الباب، واشتغلوا بالدعاء، فرأي أسامة النبي ﷺ يدعو، ثم اشتغل أسامة بالدعاء في ناحية، والنبي ﷺ في ناحية أخرى، وبلال قريب منه، ثم

стр. 500

٦٩١ - وعن عبد الله بن عمر، ﵄، أن رسول الله ﷺ دخل الكعبة هو وأسامة بن زيد وعثمان بن طلحة الحجبي، وبلال بن رباح، فأغلقها عليه، ومكث فيها، فسألت بلالا حين خرج: ماذا صنع رسول الله ﷺ ؟ فقال: جعل عموداً عن يساره، وعمودين عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه، وكان البيت يؤمئذ علي ستة أعمدة ثم صلي. متفق عليه. ٦٩٢ - وعن أبي هريرة [﵁]، قال: قال رسول الله ﷺ : ((صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام)) متفق عليه. ٦٩٣ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تشد الرحال إلا إلي ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا)) متفق عليه. ــ صلي النبي ﷺ ورآه بلال لقربه، ولم ير أسامة لبعده واشتغاله بالدعاء، فجاز له نفيها عملا بظنه، وأما بلال فتحققها وأخبر بها، وقال أيضاً: إنما أغلقها ﷺ ليكون أسكن لقلبه، وأجمع لخشوعه، ولئلا يجتمع الناس فيزدحموا فينالهم ضرر أو يشوش عليه الحال بسبب لغطهم. تم كلامه. وأما قوله أولاً: ((وهو مع ضعفه لا يعارض)) فضعيف أيضاً، وبيان قوة دلالة الحديث علي المطلوب أن قول ابن عباس أنه ﷺ : ((لم يصل حتى خرج)) يؤذن بأن فعله ﷺ بيان؛ لأن موضع الصلاة ليس بداخل البيت بل خارجه، ثم قوله بعد الصلاة: ((هذه القبلة)) علي سبيل الحصر حيث عرف الخبر شاهد صدق عند العلماء النظم وترتيب الكلام أن هذه الجملة واردة علي بيان الموجب، يعني لا ينبغي أن يتوجه إلي القبلة إلا من خارج؛ لأن القبلة ليست إلا المشار إليها من الخارج. بقى أن يقال: إن الحديثين تعارضا فحمل أحدهما علي النسخ، والله أعلم. الحديث الثاني عن عبد الله بن عمر ﵄: قوله: ((علي ستة أعمدة)) وذلك قبل أن بناها الحجاج في فتنة ابن الزبير وهدم الكعبة. الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((صلاة في مسجدي هذا)) قال الشيخ ابن عبد السلام في قواعده: يحتمل الاستثناء أن يراد به أن الصلاة في مسجدي لا يفضله بألف بل بدونها، ويحتمل أن يراد أن الصلاة في المسجد الحرام تفضل علي الصلاة في مسجدي بألف. أقول: ويحتمل المساواة أيضاً. الحديث الرابع عن أبي سعيد الخدري ﵁: قوله: ((لا تشد الرحال)) كناية عن

стр. 501

٦٩٤ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري علي حوضي)) متفق عليه. ــ النهي عن المسافرة إلي غيرها من المساجد، وهو أبلغ مما لو قيل: لا تسافر؛ لأنه صور حالة المسافرة وتهيئة أسبابها وعدتها من المراكب والأدوات والتزود وفعل الشد، ثم أخرج النهي مخرج الإخبار، أي لا ينبغي ولا يستقيم أن يقصد بالزيارة وبالرحلة إلا هذه البقاع الشريفة؛ لاختصاصها بالمزايا والفضائل؛ لأن إحداها بيت الله، وحج الناس وقبلتهم، رفع قواعدها الخليل ﵇، والثانية قبلة الأمم السالفة، عمرها سليمان ﵇، والثالثة أسست علي التقوى، وأشادها خير البرية، فكان المسافرة إليها وفادة إلي بإنيها. ((حس)): لو نذر أن يصلي في مسجد من هذه المساجد الثلاثة يلزمه أن يأتيه فيصلي فيه، فإن صلي في غيرها من المساجد لا يخرج عن نذره، ولو نذر أن يصلي في مسجد سواها لا يتعين، وعليه أن يصلي حيث شاء. ((شف)): لو نذر أن يصلي أو يعتكف في المسجد الحرام يتعين هو ولو عين مسجد المدينة للصلاة أو للاعتكاف تعين أحد هذين المسجدين، ولا يقوم غيرهما مقامهما، ولو نذر أن يصلي في مسجد سوى هذه الثلاثة ولو عين المسجد الأقصى للصلاة أو الاعتكاف تعين أحد هذه المساجد الثلاثة، ول يقوم غيرها مقامها. ولو نذر أن يصلي في مسجد سوى هذه المساجد الثلاثة لا يتعين، وعليه أن يصلي حيث شاء. الحديث الخامس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((ما بين بيتي ومنبري)) ((حس)): قيل: معنى الحديث أن الصلاة في ذلك الموضع والذكر فيه يؤدي إلي روضة من رياض الجنة، ومن لزم العبادة عن المنبر يسقى يوم القيامة من لحوض، وهذا كما قال: ((عائد المريض علي مخارف الجنة)) يعني عيادة المريض تؤديه إليها، وكما جاء في الحديث: ((الجنة تحت ظلال السيوف)) يريد أن الجهاد يؤديه إلي الجنة. ((تو)): إنما سمي تلك البقعة المباركة روضة لأن زوار قبره وعمار مسجده من الملائكة والجن والإنس لم يزالوا مكبين فيها علي ذكر الله وعبادته، إذا صدر منها فريق وردها آخرون، كما جاء: ((إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا)) قيل: يا رسول الله! وما رياض الجنة؟ قال: ((حلق الذكر)) وقال: ((منبري علي حوضي)) أي علي حافته وعقره، فمن شهده مستمعاً إلي أو متبركاً بذلك الأثر شهد الحوض. ونبه ﷺ علي أن المنبر مورد القلوب الصادية في بيداء الجهالة، كما أن الحوض مورد الأكباد الظامئة في حر القيامة، وهما متلازمان، لا مطمع لأحد في الآخر دون الشفاعة بالأول. هذا، ونحن لا نقطع بالقول في المناسبة بشيء، بل نذهب فيها إلي الاستنباط والتأويل، ونعتقد أن المراد منه ما أراده رسول الله ﷺ وهو الحق وإن لم تهتد إليه أفهامنا وعقولنا.

стр. 502

٦٩٥ - وعن ابن عمر، قال: كان النبي ﷺ يأتي مسجد قباء كل سبت ماشياً وراكباً، فيصلي فيه ركعتين. متفق عليه. ٦٩٦ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أحب البلاد إلي الله مساجدها، وأبغض البلاد إلي الله أسواقها)) رواه مسلم. ــ أقول: ولما شبه المسافة التي بين البيت والمنبر بروضة الجنة لأنها مكان الطاعات والذكر ومواقع السجود والفكر، أتى بقوله: ((ومنبري علي حوضي)) تنبيهاً علي أن استمدادها من البحر الزاخر النبوي، ومكانه المنبر الموضوع علي الكوثر، يفيض منه العلم الإلهي، فجعل فيضان العلم اللدني من المنبر إلي الروضة وتروي الناس به والعمل بموجبه سبباً لريهم م الحوض الكوثر، وحصولهم في رياض الجنة، ونظير ما بين البيت والمنبر الأرض الطيبة التي أنبتت الكلأ والعشب الكثير في الحديث الذي ورد في باب العلم، ونظير الحوض الموضوع عليه المنبر الأحاديث المذكورة فيه. فإن قلت: الذي يفهم من كلام الشارحين أن الحديث وارد علي التسبب، فما يقتضيه علم البيان؟ قلت: كلتا الجملتين من باب التشبيه البليغ، فإن قوله: ((ما بين بيتي ومنبري)) مبتدأ، حمل عليه ((روضة من رياض الجنة)) كما يقال: زيد بحر، شبه تلك البقعة الطيبة التي تفيض عليها بركات الوحي السماوي والعلم الإلهي فتثمر الأعمال الصالحة والأفكار الصائبة، من رياض الجنة التي فيها حلول رضوان الله، وحصول ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولذلك شبه صفة المنبر العجيبة الشأن بصفة الحوض الكوثر، فكما أنه ﷺ يشفي غليل الجهل بماء علمه، ويشفي عليله بمواعظه ونصائحه، كذلك يروي صدى كرب يوم القيامة بماء الكوثر، فلما أريد المبالغة وتناهي التشبيه جعل المنبر الذي هو منصة العلم علي حافة الحوض، كما تقول: زيد كالبحر في العلم، ثم هو علي ساحر بحر العلم يغرف منه ويفيض علي الناس، فكأنه نظر إلي هذا المعنى من قال: فاضت علي الدنيا وآخره من كوثر المصطفي طوبى لآلاء الحديث السادس عن ابن عمر ﵄: قوله: ((مسجد قباء)) ((مظ)): فيه دليل علي أن التقرب بالمساجد ومواضع الصلحاء مستحب، وأن الزيارة يوم السبت سنة. وقباء (مقصور وممدود) مسجد خارج المدينة قريب منها. الحديث السابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((أحب البلاد)) لعل تسمية المساجد والأسواق بالبلاد خصوصاً تلميح إلي قوله تعالي: ﴿والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي

стр. 503

٦٩٧ - وعن عثمان، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من بني لله مسجداً، بنى الله له بيتاً في الجنة)) متفق عليه. ٦٩٨ - وعن أبي هريرة [﵁]، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من غدا إلي المسجد أو راح، أعد الله له نزله من الجنة كلما غدا أو راح)) متفق عليه ــ خبث لا يخرج إلا نكدا﴾. قال قتادة: المؤمن سمع كتاب الله بعقله فوعاه وانتفع به، كالأرض الطيبة أصابها الغيث فأنبتت، والكافر بخلافه، وذلك لأن زوار المسجد ﴿رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة﴾ الآية، وقصاد الأسواق شياطين الجن والإنس من الغفلة الذين غلبهم الحرص والشدة، وذلك لا يزيد إلا قرباً من الله تعالي ومن أوليائه، وهذا لا يورث إلا دنوا من الشيطان وحزبه، اللهم إلا من يعمد إلي طلب الحلا الذي يصون به دينه وعرضه، ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه﴾. ويجوز أن يقدر مضاف، فيرجع الضمير في ((مساجدها)) و ((أسواقها)) إليه، أي أحب بقاع البلاد مساجدها، والله أعلم. الحديث الثامن عن عثمان ﵁: قوله: ((بيتاً في الجنة)) وفي رواية: ((مثله)) ((مح)): يحتمل مثله في القدر والمساحة، ولكنه أنفس هيئة بزيادات كثيرة، ويحتمل مثله في مسمى البيت وإن كان أكبر مساحة وأشرف. أقول: والاحتمال الثاني هو الوجه لأن التنكير في قوله: ((مسجداً)) ينبغي أن يحمل علي التقليل، وفي ((بيتاً)) علي التكثير والتعظيم؛ ليوافق ما جاء: ((من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة ...)) الحديث. الحديث التاسع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((له نزله)) النزل ما يهيأ للنزيل، و ((كلما غدا)) ظرف، وجوابه ما دل عليه ما قبله، وهو العامل فيه، المعنى كلما استمر غدوة ورواحة يستمر إعداد نزله في الجنة، فالغدو والرواح في الحديث كالبكرة والعشي في قوله تعالي: ﴿ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا﴾ يراد بهما الديمومة لا الوقتان المعلومان. ((مظ)): من عادة الناس أن يقدموا طعاماً إلي من دخل بيوتهم، والمسجد بيت الله، فمن دخله أي وقت كان من ليل أو نهار يعطيه الله أجره من الجنة، لأن الله تعالي أكرم الأكرمين؛ فلا يضيع أجر المحسنين.

стр. 504

٦٩٩ - وعن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى، والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجراً من الذي يصلي ثم ينام)) متفق عليه. ٧٠٠ - وعن جابر، قال: خلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فقال لهم: ((بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد)). قالوا: نعم يا رسول الله! قد أردنا ذلك. فقال: ((يا بني سلمة! دياركم، تكتب آثاركم، دياركم، تكتب آثاركم)) رواه مسلم. ــ الحديث العاشر عن أبي موسى: قوله: ((فأبعدهم)) الفاء فيه للاستمرار، كما في قوله: ((الأمثل فالأمثل)) و ((الأكمل فالأكمل)) قوله: ((من الذي يصلي)) يعني من أخر الصلاة وانتظر الإمام ليصلي معه أعظم أجراً من الذي يصلي في وقت الاختيار ولم ينتظر الإمام. ويحتمل أن يراد بقوله: ((يصلي)) يصليها مع الإمام ثم ينام، أي لا ينتظر الصلاة الثانية، فهو دون من صلي مع الإمام وانتظر الصلاة الثانية. وفي قوله: ((ثم ينام)) غرابة؛ لأنه جعل عدم الانتظار نوماً؛ فيكون المنتظر وإن نام فيه يقظان؛ لأنه مراقب للوقت، كالمرابط ينتظر فرصة المجاهدة، وهذا يضع تلك الأوقات كالنائم فهو كالأجير الذي أدى ما عليه من العمل ثم مضى لسبيله. والله أعلم. الحديث الحادي عشر عن جابر ﵁: قوله: ((بنو سلمة)) ((تو)): بنو سلمة- بكسر اللام- بطن من الأنصار، وليس في العرب سلمة- بكسر اللام- غيرهم، كانت ديارهم علي بعد من المسجد، وكانت المسافة تجهدهم في سواد الليل، وعند وقوع الأمطار، واشتداد البرد، فأرادوا أن يتحولوا إلي قرب المسجد، فكره النبي ﷺ أن تعرى المدينة، فرغبهم فيما عند الله تعالي من الأجر علي نقل الخطى إلي المسجد. أقول: في النداء بقوله: ((يا بني سلمة)) والظاهر الاستغناء عنه استرضاء عند قصدهم، وإحماد لهم علي نياتهم، ولذلك أتبعه بقوله: ((دياركم)) أي عليكم والزموها لأنكم أحقاء أن يضاعف ثوابكم، ويجعل لكل لسان صدق في الآخرين. و ((تكتب)) يروى بالجزم علي جواب الزموا، ويجوز الرفع علي الاستئناف لبيان الموجب. وأثر الشيء حصول ما يدل علي وجوده يقال له: أثر، والجمع آثار، قال الله تعالي: ﴿ونكتب ما قدموا وآثارهم﴾ فالمراد بالكتابة إما كتب صحائف الأعمال وبالآثار الخطى، فالمعنى أن كثرة الخطى إلي المساجد سبب لزيادة الأجر كما قال ﷺ : ((أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم

стр. 505

٧٠١ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله اجتمعا وتفرقا عليه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات حسب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)) متفق عليه. ــ فأبعدهم ممشاً)) وإما كتب ما في السير، والمراد بالآثار ما يؤثر في الكتب المدونة من سير الصالحين، فالمعنى لزومكم دياركم وبعد ممشاكم يكتب في سير السلف وآثار الصالحين، فيكون سبباً لحرص الناس وجدهم واجتهادهم في حضور الجماعات، فمن سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها. الحديث الثاني عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((يظلهم الله)) ((حس)): معناه إدخاله تعالي إياهم في رحمته ورعايته. وقيل: المراد منه ظل الشمس، لأنه جاء في رواية من طريق هذا الحديث ((ظل عرشه)). ((غب)): الظل [ضد الضحى]، وهو أعم من الفيء، ويعبر عن العزة والمنعة والرفاهية، يقال: أظلني فلان أي حرفني وجعلني في ظله، أي عزه، ومناعته. قوله: ((لا تعلم شماله)) ((شف)): قيل: فيه حذف أي لا يعلم من بشماله ما ينفق يمينه، وقيل: يراد به المبالغة في إخفائها، وأن شماله لو تعلم لما علمها. أقول: ((في ظله)) تأكيد وتقرير لقوله: ((يظلهم))؛ فإن ((يظلهم)) يحتمل أن يراد به ظله أو ظل غيره، فجيء به نفياً لظل الغير، وكذا قوله: ((يوم لا ظل إلا ظله)) علي نفي جنس الظل وإثبات ظله تقرير له يعني أن الله تعالي يحرسهم من كرب الآخرة ويكنفهم في كنف رحمته، ونظير الحديث قوله تعالي: ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم﴾ يعني لما سلمت قلوبهم في الدنيا من الشرك الأصغر والأكبر والمعاصي، وأخلصوا أعمالهم لله تعالي جعلهم الله تعالي تحت ظل رحمته، ونفعهم برأفته وعاطفته، ولهذا السر لم يقل: سلطان عادل بل قال: إمام عادل. ومن نشأ في عبادة الله من صغر سنه يسلم من المعاصي غالباً. ومن تعلق قلبه بالمسجد لا يكون إلا تقياً. كما ورد: ((المسجد بيت كل تقي)). وقوله: ((اجتمعا عليه وتفرقا عليه)) عبارة عن خلوص المودة في الغيبة والحضور، فهو في الإخلاص كالمنفق المستخفي، والذاكر الدامع في الخلوة، وكذا وصف المرأة بالحسن والجمال. وقول الرجل: ((إني أخاف الله)) فيه دلالة علي المقام للدحض الذي لا تثبت فيه الأقدام قال الله

стр. 506

٧٠٢ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((صلاة الرجل في الجماعة تضعف علي صلاته في بيته وفي سوقه خمساً وعشرين ضعفاً، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلي المسجد لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة وحط عنه بها خطيئة؛ فإذا صلي، لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه: اللهم صل عليه، اللهم ارحمه. ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة)). وفي رواية: قال: ((إذا دخل المسجد كانت الصلاة تحبسه)). وزاد في دعاء الملائكة. ((اللهم اغفر له، اللهم تب عليه. ما لم يؤذ فيه، ما لم يحدث فيه)) متفق ــ تعالي: ﴿وأما من خاف مقام ربه ونهي النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى﴾. سمعت والدي قدس روحه يقول: كان من التابعين فتى جميل الصورة، وضئ الوجه، راودته امرأة ذات حسن وجمال، فامتنع، فأبت إلا ما أرادت، وغلقت الأبواب، فلما اضطر أذن لدخول الخلاء، فلوث بالقذرة ثيابه ووجهه وخرج، فلما رأته طردته، فرأي يوسف ﵊ في المنام، فشكر صنيعه وبزق في فمه، فرزق علم رؤيا المنام، وتأويل الأحاديث، والله أعلم. الحديث الثالث عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((صلاة الرجل)) مبتدأ والمضاف محذوف، أي ثواب صلاته، والضمير في ((تضعف)) راجع إليه، وفي تخصيص ذكر السوق والبيت إشعار بأن مضاعفة الثواب علي غيرهما من الأماكن التي لم تلزمه لزومهما لا يكون أكثر مضاعفة منهما. وقوله: ((وذلك)) الجملة الحالية كالتعليل للحكم، كأنه لما أضاف الصلاة إلي الرجل والتعريف فيه للجنس أفاد أن صلاة الرجل الكامل الذي لا يلهيه أمر دنيوي عن ذكر الله في بيت الله يضعف أضعافاً؛ لأن مثل هذا الرجل لا يقصر في شرائطها، وأركانها، وآدابها، فإذا توضأ أحسن الوضوء، وإذا خرج إلي الصلاة لا يشوبه شيء مما يكدرها، فإذا صلي لم يتعجل للخروج، ومن شأنه هذا فجدير بأن يضعف ثواب صلاته. وقوله: ((اللهم صل عليه)) جملة مبينة لقوله: ((يصلي عليه)) وهو أفخم من أن لو قيل ابتداء: لا تزال الملائكة تقول: اللهم صل عليه، للإبهام والتبيين. وقوله: ((اللهم ارحمه)) طلبت لهم الرحمة من عند الله بعد طلب الغفران؛ لأن صلاة الملائكة علي العباد استغفار لهم. وفي قوله: ((كانت الصلاة تحبسه)) إشارة إلي النفس اللوامة التي تشتهي استيفاء لذاتها واشتغالها بخلع العذار، والصلاة تنهاها عن هواها، وتحبسها في بيت الله تعالي

стр. 507

٧٠٣ - وعن أبي أسيد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك. وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك)) رواه مسلم. ٧٠٤ - وعن أبي قتادة، أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا دخل أحدكم المسجد، فليركع ركعتين قبل أن يجلس)) متفق عليه. ٧٠٥ - وعن كعب بن مالك، قال: كان النبي ﷺ لا يقدم من سفر إلا نهاراً في الضحى، فإذا قدم بدأ بالمسجد، فصلي فيه ركعتين، ثم جلس فيه)) متفق عليه. ٧٠٦ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد، فليقل: لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا)) رواه مسلم. ــ كما كانت آمرة بالمعروف في قوله: ((لا يخرجه إلا الصلاة)) فإذا لزم مصلاه وانتظر الصلاة الأخرى اطمأنت، وقيل لها: ﴿يأيتها النفس المطمئنة﴾ فإذا طلبت الملائكة الغفران والرحمة لها قيل لها: ﴿ارجعي إلي ربك﴾ إلي آخره الآية. وقوله: ((لا يخرجه)) إما مفعول مطلق، أو حال مؤكدة. وقوله: ((ما لم يؤذ)) أي أحداً من المسلمين بلسانه ويده، فإنه كالحدث المعنوي، ومن ثم أتبعه بالحدث الظاهري. ((تو)): ((يحدث)) بتخفيف الدال من الحدث، ومن شددها فقد أخطأ، وقد روى هذا الحديث الترمذي في كتابه، وفيه: ((فقال رجل من حضرموت ما الحدث يا أبا هريرة؟ فقال: ((فساء أو ضراط)). قلت: ولعل الرجل إنما استفسره لأن الإحداث يستعمل علي معنى إصابة الذنب، فاشتبه عليه المعنى. الحديث الرابع عشر عن أبي أسيد ﵁: قوله: ((اللهم افتح)) لعل السر في تخصيص ذكر الرحمة بالدخول والفضل بالخروج أن من دخل اشتغل بما يزلفه إلي الله وإلي ثوابه وجنته، فناسب أن يذكر الرحمة، فإذا خرج انتشر في الأرض ابتغاء فضل الله من الرزق الحلال، فناسب الفضل كما قال الله تعالي: ﴿فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله﴾ ولما لم يزل الإنسان في التقصير لزم في الحالتين طلب الغفران. الحديث الخامس والسادس والسابع عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((ينشد))

стр. 508

٧٠٧ - وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أكل من هذه الشركة المنتنة؛ فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنس)) متفق عليه. ٧٠٨ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الزاق في المسجد خطيئة؛ وكفارتها دفنها)) متفق عليه. ٧٠٩ - وعن أبي ذر، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((عرضت علي أعمال أمتي حسنها وسيئها، فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق، ووجدت في مساوئ أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن)) رواه مسلم. ــ ((خط)): ينشد يطلب، يقال: نشدت الضالة أنشدها نشدة ونشداناً طلبتها، فأنشدتها بالألف إذا عرفتها، وزاد عليه في النهاية من النشيد رفع الصوت. ((خط)): ويدخل في هذا كل أمر لم يبن المسجد له، من البيع، والشرى، ونحو ذلك من أمور معاملات الناس، واقتضاء حقوقهم، وقد ذكر بعض السلف المسألة في المسجد، وكان بعضهم لا يرى أن يتصدق علي السائل المعترض في المسجد. أقول: إن في أمر الضالة في تعلق قلب صاحبها واهتمامه بشأنها كما يجد كل أحد من نفسه تشديداً، فوضع لذلك باب من الفقه، فأوردت فيها أحاديث كثيرة، فكان يجب علي كل أحد أن ينشدها ويعاون صاحبها، فلما أمر بهذا الدعاء فهم منه أن غيرها بالطريق الأولي أن يدفع ويرد. الحديث الثامن عشر عن جابر ﵁: قوله: ((هذه الشجرة)) ((حس)): جعل الثوم من الشجرة، والشجرة ما له ساق وأغصان، وما لا يقوم علي ساق فهو نجم، قال الله تعالي: ﴿والنجم والشجر يسجدان﴾ فيسمى به تغليباً. ((تو)): قال العلماء: ويلحق بالثوم كل ما له رائحة كريهة من المأكولات وغيرها. قال القاضي عياض: ويلحق به من به بخر أو جرح له رائحة. قال القاضي عياض: وقاس العلماء علي هذا مجامع الصلاة غير المسجد، كمصلي العيد والجنائز ونحوهما من مجامع العبادات، والعلم والذكر، والولائم، لا الأسواق ونحوها. الحديث العشرون عن أبي ذر ﵁: قوله: ((النخاعة في المسجد)) ((نه)): وهي البزقة التي تخرج من فيصل الفم مما يلي أصل النخاع، والنخاع الخيط الأبيض في فقار الظهر. ((شف)): التعريف في النخاع الأذى كما في قوله: دخلت السوق في بلد كذا. و ((مماط)) صفة الأذى، أو تكون صفة للنخاعة.

стр. 509

٧١٠ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا قام أحدكم إلي الصلاة فلا يبصق أمامه؛ فإنما يناجي الله ما دام في مصلاه، ولا عن يمينه؛ فإن عن يمينه ملكاً. وليبصق عن يساره أو تحت قدمه فيدفنها)). ٧١١ - وفي رواية أبي سعيد: ((تحت قدمه اليسرى)) متفق عليه. ٧١٢ - وعن عائشة أن رسول الله ﷺ قال في مرضه الذي لم يقم منه: ((لعن الله اليهود والنصارى: اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) متفق عليه. ــ الحديث الحادي والعشرون عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((فلا يبصق أمامه)) ((مظ)): لعل المراد من النهي أن يبصق المصلي تلقاء وجهه صيانة للقبلة عما ليس فيه تعظيمها. أقول: قوله: ((فإنما يناجي الله)) تعليل للنهي شبه العبد وتوجهه إلي الله تعالي في الصلاة وما فيها من القراءة والأذكار، وكشف الأسرار، واستنزال رأفته، ورحمته مع الخشوع والخضوع بمن يناجي مولاه ومالكه، ومن شرائط حسن الأدب أن يقف محازيه، ويطرق رأسه، ولا يمد بصره إليه، ويراعي جهة أمامه؛ حتى لا يصدر منه من تلك الهنات شيء، وإن كان الله تعالي منزهاً عن الجهات؛ لأن الآداب الظاهرة والباطنة مرتبطة بعضها مع بعض، وأما جواز البصاق عن اليسار وتحت قدميه مع كونه في المناجاة فلا يتصور فيه معنى المجازاة والمقابلة. قوله: ((ولا عن يمينه)) ((تو)): يحتمل أن يراد بالملك الذي يحضره عند الصلاة من جهة التأييد والإلهام بقلبه، والتأمين علي دعائه، ويكون سبيله سبيل الزائر، ومن حق المزور أن يكرم زائره فوق ما يختصه من الكرام الكاتبين، ويحتمل أن يخص صاحب اليمين بالكرامة تنبيهاً علي ما بين الملكين المزية كما بين اليمين والشمال، وتميزاً بين ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، ولهذا نكره. كأنه أراد ملكاً مكرماً مفضلاً، أو ملكاً غير الذي تعلمون من الحفظة. الحديث الثاني والعشرون عن عائشة: قوله: ((في مرضه)) لعله ﷺ عرف بالمعجزة أنه مرتحل، فخاف من الناس أن يعظموا قبره كما فعل اليهود والنصارى، فعرض بلعن اليهود والنصارى وصنيعهم لئلا يعاملوا قبره معاملتهم. و ((اتخذوا)) جملة مستأنفة علي سبيل البيان لموجب اللعن، كأنه قيل: لم يلعنهم؟ فأجيب بقوله: اتخذوا .... ((قض)): لما كان اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيماً لشأنهم، ويجعلونها قبلة، ويتوجهون في الصلاة نحوها، فاتخذوها أوثاناً، لعنهم، ومنع المسلمين عن مثل ذلك، ونهاهم عنه. أما من اتخذ مسجداً في جوار صالح، أو صلي في مقبرته، وقصد به الاستظهار بروحه، أو وصول أثر من آثار عبادته إليه، لا التعظيم له والتوجه نحوه- فلا حرج عليه، ألا ترى أن مرقد إسماعيل ﵇ في المسجد الحرام عند الحطيم؟ ثم إن ذلك المسجد أفضل مكان يتحرى المصلي لصلاته. والنهي عن الصلاة في المقابر مختص بالمقابر المنبوشة؛ لما فيها من النجاسة.

стр. 510

٧١٣ - وعن جندب، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد. ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك)) رواه مسلم. ٧١٤ - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم، ولا تتخذوها قبوراً)) متفق عليه. ــ الحديث الثالث والعشرون عن جندب: قوله: ((ألا وإن من كان قبلكم)) الواو تقتضي معطوفاً عليه، و ((إن)) روي بالفتح، فالتقدير: تنبهوا واعلموا أن من كان قبلكم، وإن روى بالكسر فالتقدير: أنبهكم وأقول: إن من كان قبلكم، وحرف التنبيه الثانية مقحمة بين السبب والمسبب، ومن ثم جاء بالفاء، المعنى أنبهكم علي تلك الفعلة الشنيعة تنبيهاً. ((غب)): تنبيه لئلا تصنعوا صنيعهم، وكما كرر التنبيه كرر النهي أيضاً في قوله ﷺ : ((إني أنهاكم)) بعد قوله: ((لا تتخذوا)) ولا تظنوا أن هذا النهي مجاز، بل هو علي حقيقته، وفائدة هذه المبالغة والتكرير غاية التحذير، وكذا فائدة تكرير ((كان)) في الشرط والجزاء الدلالة علي أن تلك الغفلة القبيحة كانت مستمرة فيهم، وهي دأبهم وهجيراهم. ((حس)): اختلف أهل العلم في الصلاة في المقبرة، فكرهها جماعة، وإن كانت التربة طاهرة والمكان طيباً، واحتجوا بهذا الحديث، ومنهم من ذهب إلي أن الصلاة فيها جائزة، وتأويل الحديث هو أن الغالب من أمر المقابر اختلاط تربتها بصديد الموتى ولحومها، والنهي لنجاسة المكان، فإن كان المكان طاهراً فلا بأس. الحديث الرابع والعشرون عن ابن عمر ﵄: قوله: ((ولا تتخذوها قبوراً)) ((تو)): هذا محتمل لمعان: أحدهما أن القبور مساكن الأموات الذين سقط عنهم التكليف، فلا يصلي فيها، وليس كذلك البيوت، فصلوا فيها. وثإنيها أنكم نهيتم عن الصلاة في المقابر، لا عنها في البيوت، فصلوا فيها، ولا تشبهوها بها. والثالث أن مثل الذاكر كالحي وغير الذاكر كالميت؛ فمن لم يصل في البيت جعل نفسه كالميت، وبيته كالقبر. والرابع قول الخطابي: لا تجعلوا بيوتكم أوطاناً للنوم، فلا تصلوا فيها، فإن النوم أخو الموت. وقد حمل بعضهم النهي عن الدفن في البيوت، فذلك ذهاب عما يقتضيه نسق الكلام، علي أنه ﷺ دفن في بيت عائشة ﵂ مخافة أن يتخذ قبره مسجداً. أقول: ((من)) في ((من صلاتكم)) تبعيضية وهو مفعول أول ((اجعلوا))، والثاني ((في بيوتكم))، أي اجعلوا بعض صلاتكم التي هي النوافل مؤداة في بيوتكم، فقدم الثاني للاهتمام بشأن البيوت، وأن من حقها أن يجعل لها نصيب من الطاعات، فتصير مزينة منورة بها؛ لأنها مأواكم ومواقع منقلبكم ومثواكم، وليست كالقبور التي لا تصلح لصلاتكم، وأنتم خارجون عنها، وداخلون فيها، والله أعلم.

стр. 511

الفصل الثاني ٧١٥ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما بين المشرق والمغرب قبلة)) رواه الترمذي. [٧١٥] ٧١٦ - وعن طلق بن علي، قال: خرجنا وفداً إلي رسول الله ﷺ ، فبايعناه، وصلينا معه، وأخبرناه أن بأرضنا بيعة لنا فاستوهبناه من فضل طهوره. فدعا بماء، فتوضأ وتمضمض، ثم صبه لنا في إداوة، وأمرنا، فقال: ((اخرجوا فإذا أتيتم أرضكم، فاكسروا بيعتكم، وانضحوا مكانها بهذا الماء واتخذوها مسجداً. قلنا: إن ــ الفصل الثاني الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((ما بين المشرق والمغرب قبلة)) ((تو)) الظاهر أن المعنى بالقبلة في هذا الحديث قبلة المدينة؛ فإنها واقعة بين المشرق والمغرب، وهي إلي الطرف الغربي أميل. ((مظ)): المشارق والمغارب كثيرة، قال الله تعالي: ﴿رب المشارق والمغارب﴾ وأول المشارق مشرق الصيف، وهو مطلع الشمس في أطول يوم من السنة، وذلك قريب من مطلع السماك الرامح، يرتفع عنه في الشمال قليلاً، وآخر المشارق مشرق الشتاء، وهو مطلع الشمس في أقصر يوم في السنة، وهو قريب من مطلع قلب العقرب. ينحدر عنه في الجنوب قليلاً. وأول المغارب مغرب الصيف، وهو مغيب القرص عند موضع غروب السماك الرامح، وآخر المغارب مغرب الشتاء، وهو مغيب القرص عند مغرب قلب العقرب. فمن جعل من أهل الشرق أول المغارب عن يمينه وآخر المشارق عن يساره كان مستقبلاً للقبلة، والمراد بأهل الشرق أهل الكوفة، وبغداد، وخوزستان، وفارس، وعراق، وخراسان، وما يتعلق بهذه البلاد. الحديث الثاني عن طلق بن علي قوله: ((وفداً)) الوفد الجماعة القاصدة عظيماً من الشيءون وهي حال، ((وبيعة)) متعبد النصارى، والفاء في ((فاستوهبناه)) عطفت ما بعدها علي المجموع، أي خرجنا وفعلنا كيت وكيت فاستوهبناه. و ((من)) في قوله: ((من فضل طهوره)) تبعيضية منصوبة بدل من المفعول. قوله: ((أمرنا)) أي أراد أن يأمرنا بالخروج ((فقال: اخرجوا)) والضمير في ((فإنه)) يحتمل أن يكون للماء الوارد والمورود، أي الماء لا يزيد المورود الطيب ببركته إلا طيبا، والمورود الطيب لا يزيد بالوارد إلا طيباً.

стр. 512

البلد بعيد، والحر شديد، والماء ينشف. فقال: ((مدوه من الماء، فإنه لا يزيده إلا طيباً)) رواه النسائي. [٧١٦] ٧١٧ - وعن عائشة، قالت: أمر رسول الله ﷺ ببناء المسجد في الدور، وأن ينظف ويطيب. رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه. [٧١٧] ٧١٨ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما أمرت بتشييد المساجد)). قال ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى. رواه أبو داود. [٧١٨] ٧١٩ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أشراط الساعة أن يتباهي الناس في المساجد)) رواه أبو داود، والنسائي، والدارمي، وابن ماجه. [٧١٩] ــ قوله: ((ينشف)) علي بناء المجهول. ((الجوهري)): نشف الثوب العرق- بالكسر- ونشف الحوض الماء ينشفه شربه بسببه المجاورة. وفيه جواز التبرك بماء زمزم ونقله إلي البلاد الشاسعة، وعليه يحتمل التبرك بما بقى من فضل طعام العلماء والمشايخ وشرابهم وخرقهم. الحديث الثالث عن عائشة ﵂: قوله: ((في الدور)) ((تو)): أي في المحلات، الدار لغة العامر المسكون والعامر المتروك، وهي من الاستدار، لأنهم كانوا يحيطون بطرف رمحهم قدر ما يريدون أن يتخذوه مسكناً، ويدورون حوله، قال الشاعر: الدار دار وإن زالت حوائطها والبيت ليس ببيت وهو مهدوم الحديث الرابع عن ابن عباس: قوله: ((لتزخرفنها)) تعليل للأمر المنفي، والنون لمجرد التأكيد، كما في قوله تعالي: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن﴾ إذا كانت ((لا)) نافية، أي ما أمرت بالتشييد ليجعل ذريعة إلي التزخرف، وفيه نوع توبيخ وتإنيب، ويجوز فتح اللام علي جواب القسم، وهو الأظهر أي: والله لتزخرفنها. ((نه)) الزخرف: النقوش والتصاوير بالذهب وأصل الزخرف للذهب وكمال حسن الشيء. ((حس)): التشييد رفع البناء وتطويله، ومنه قوله تعالي: ﴿ولو كنتم في بروج مشيدة﴾ وهي التي طول بناؤها. كانت اليهود والنصارى تزخرف المساجد عندما حرفوا وبدلوا أمر دينهم، وأنتم ستصيرون إلي حالهم، وسيصير إلي المرآة بالمساجد، والمباهاة بتشييدها وتزيينها، وكان المسجد علي عهد رسول الله ﷺ باللبن وسقفه الجريد، وعمده خشب النخل، زاد فيه عمر ﵁ فبناه علي بنيانه علي عهد رسول الله ﷺ باللبن والجريد، وأعاد عمده خشباً، ثم غيره عثمان فزاد فيه زيادة كثيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة، وسقفه بالساج. الحديث الخامس عن أنس ﵁: قوله: ((من أشراط الساعة)) ((نه)): الأشراط العلامات، واحدها شرط- بالتحريك- ((أن يتباهي)) أي يتفاخر، مبتدأ ((ومن أشراط الساعة))

стр. 513

٧٢٠ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد. وعرضت علي ذنوب أمتي، فلم أر ذنباً أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها)) رواه الترمذي، وأبو داود. [٧٢٠] ٧٢١ - وعن بريدة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((بشر المشائين في الظلم إلي المساجد بالنور التام يوم القيامة)) رواه الترمذي، وأبو داود. [٧٢١] ــ خبره، قدم للاهتمام لا للتخصيص؛ لأن في أشراطها كثرة، ولما كان هذا الضيع من قبل الناس، لاسيما من أمته، قدمه اهتماماً لمزيد الإنكار عليهم. الحديث السادس عن أنس ﵁: قوله: ((القذاة)) ((نه)): القذي جمع قذاة، وهو ما يقع في العين من تراب، أو تبن، أو وسخ. لابد ههنا من تقدير مضاف، أي أجور أعمال أمتي وأجر القداة، أو أجر إخراج القذاة، و ((القذاة)) تحتمل الجر و ((حتى)) بمعنى إلي، فحينئذ التقدير إلي أجر إخراج القذاة، فـ ((يخرجها من المسجد)) جملة مستأنفة للبيان، والرفع عطفاً علي أجور، والتقدير ما مر، وحتى يحتمل أن تكون هي الداخلة علي الجملة فحينئذ التقدير حتى أجر القذاة يخرجها. علي الابتداء والخبر. وشرط الحديث مقتبس من قوله تعالي: ﴿كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى﴾. وإنما قال: ((أوتيها)) ولم يقل ((حفظها)) لينبه به علي أنها كانت نعمة عظيمة أولاها الله تعالي إياه ليقوم بها، ويشكر مولاها، فلما نسيها كأنها كفر تلك النعمة، فبالنظر إلي هذا المعنى كان أعظم حرمان، وإن لم يعد من الكبائر، فلما عد إخراج القذة التي لا يعبأ به لها من الأجور تعظيماً لبيت الله سبحانه وتعالي عد أيضاً النسيان من أعظم الجرم تعظيماً لكلام الله (سبحانه وتعالي) كأن فاعل ذلك عد الحقير عظيماً بالنسبة إلي العظيم، فأزاله عنه، وصاحب هذا عد العظيم حقيراً، فأزاله عن قلبه. انظر إلي هذه الأسرار العجيبة التي احتوتها الكلمات اليسيرة. الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. الحديث السابع عن بريدة ﵁: قوله: ((بشر المشائين)) في وصف النور بالتمام وتقييده بيوم القيامة تلميح إلي وجه المؤمنين يوم القيامة وقولهم فيه: ﴿ربنا أتمم لنا نورنا﴾ في قوله تعالي: ﴿يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم بين أيديهم وبإيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا﴾ وإلي قصة المنافقين وقولهم للمؤمنين: ﴿انظروا نقتبس من نوركم﴾.

стр. 514

٧٢٢ - ورواه ابن ماجه، عن سهل بن سعد، وأنس. [٧٢٢] ٧٢٣ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا رأيتم الرجل يتعاهد المسجد، فاشهدوا له بالإيمان؛ فإن الله يقول: ﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر﴾)) رواه الترمذي، وابن ماجه، والدارمي. [٧٢٣] ــ قال صاحب ((الكشاف)): ((لا يخزي)) تعريض لمن أخزاهم الله من أهل الكفر والفسوق، واستحماد إلي المؤمنين علي أنه عصمهم الله من مثل حالهم؛ يسعى نورهم علي الصراط. قال ابن عباس: يقولون أتمم لنا نورنا إلي أطفأ نور المنافقين إشفاقاً. وفيه أن من انتهز هذه الفرصة وهي المشي إلي المساجد في الظلم في الدنيا كان مع النبي ﷺ والذين آمنوا من الصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً. ومن تقاعد عنها لا يؤمن أن يتهكم بهم ويقال لهم: ﴿ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً﴾. فحق لذلك أن لا تختص هذه البشارة لعظمها وفخامتها بمبشر دون مبشر. ويعضده ما رويناه عن مسلم عن ابن مسعود ﵁ قال: ((من سره أن يلقى الله تعالي غداً مسلماً فليحافظ علي هؤلاء الصلوات حيث ينادي بهن، فإن الله شرع لنبيكم ﷺ سنن الهدى فإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم، لضللتم، ولقد رأيتنا، وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتي به يهادي بين الرجلين حتى يقام في الصف)). الحديث الثامن عن أبي سعيد: قوله: ((يتعاهد)) ((تو)): وهو بمعنى التعهد، وهو التحفظ بالشيء وتجديد العهد به، وتعدت فلاناً، وتعهدت ضيعتي، وهو أفصح من تعاهدت؛ لأن التعاهد إنما يكون بين اثنين. وهذا الحديث رواه أبو عيسى الترمذي في كتابه، وفي رواية: ((يعتاد المسجد))، وفي رواية أخرى له: ((يتعاهد))، فالاعتياد معاودته إلي المسجد كرة بعد أخرى لإقام الصلاة، وكلاهما حسن، وأولي الروايتين بالتقديم علي ما تشهد لها البلاغة لا السند: ((يعتاد المسجد)). أقول الجواب عن قوله أولاً: التعاهد أفصح من التعهد، أن العكس أولي ((الكشاف)) في قوله تعالي: ﴿يخادعون الله﴾: عنى به فعل، إلا أنه قد أخرج في زنة فاعلت؛ لأن الزنة في أصلها للمبالغة والمباراة، والفعل متى غولب فيه فاعله جاء أبلغ وأحكم منه، إذا زاوله وحده من غير مغالب ولا مبار لزيادة قوة الداعي إليه، وإذا كان كذلك فكيف يظن في كلام أفصح الفصحاء ما هو أفصح منه؟ وعن قوله ثإنياً: فأولي الروايتين بالتقديم علي تشهد لها البلاغة لا السند: يعتاد المسجد، أن السند أولي أن يقدم ويتبع، علي أنه أبلغ من غيره، فإن ((يتعاهد))

стр. 515

٧٢٤ - وعن عثمان بن مظعون، قال: يا رسول الله! إئذن لنا في الاختصاء. فقال رسول الله ﷺ : ((ليس منا من خصى ولا اختصى، إن خصاء أمتي الصيام)). فقال: إئذن لنا في السياحة. فقال: ((إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله)). فقال: إئذن لنا في الترهب. فقال: ((إن ترهب أمتي الجلوس في المساجد انتظاراً للصلاة)). رواه في ((شرح السنة)). [٧٢٤] ٧٢٥ - وعن عبد الرحمن بن عائش، قال: قال رسول الله ﷺ : ((رأيت ربي في أحسن صورة. قال: فيم يختصم الملأ الأعلي؟ قلت: أنت أعلم)) قال: ــ أشمل معنى، وأجمع لما يناط به أمر المساجد من العمارة والاعتياد وغيرها، ألا ترى كيف استشهد ﷺ : ﴿إنما يعمر مساجد الله﴾ ((الكشاف)): العمارة تتناول رم ما استرم منها، وقمها، وتنظيفها، وتنويرها بالمصابيح، وتعظيمها لله، واعتيادها للعبادة والذكر- ومن الذكر درس العلم بل هو أجله وأعظمه- وصيانتها مما لم تبن له المساجد، من أحاديث الدنيا فضلاً عن فضول الحديث. وقوله: ((فاشهدوا له)) أي اقطعوا له القول بالإيمان، فإن الشهادة قول صدر عن مواطأة القلب علي سبيل القطع. الحديث التاسع عن عثمان بن مظعون: قوله: ((من خصى)) ((تو)) يقال: خصيت الفحل خصاء، أي سللت خصيته، واختصيت إذا فعلت ذلك بنفسك، وتقدير الكلام: ليس منا من خصى، ولا من اختصى، فحذف: ((من)) لدلالة ما قبلها عليها، والمعنى ليس من فعل ذلك ممن يهتدي بهدينا ويتمسك بسنتنا. انتهي كلامه. ولعل إيجاب تقدير ((من)) لئلا يتوهم أن التهديد وارد علي من جمع بين الخصاء والاختصاء، ولا يتناول من تفرد بأحدهما، ولا النافية جيء بها مؤكدة للنفي بين المعطوف والمعطوف عليه. وقوله: ((في السياحة)) فالسياحة مفارقة الأمصار، والذهاب في الأرض، كفعل عباد بني إسرائيل. قوله: ((في الترهب)) ((نه)): من رهبته، وأصلها من الرهبة والخوف كانوا يترهبون بالتخلي من أشغال الدنيا، وترك ملاذها، والزهد فيها، والعزلة عن أهلها. فإن قلت: هل تسمى هذه الأجوبة بأسلوب الحكيم؟ قلت: لا يبعد ذلك؛ لأن ظاهر الجواب المنع، فلما أرشدهم إلي ما هو الأصوب والأهم بحالهم، من القصد في الأمور والتجنب عن طرفي الإفراط والتفريط المذمومين، دخلت في الأسلوب، ولما كان السؤال الأول بعيداً من الحكمة- وهي ما خلق الإنسان لأجله من تكاثر النسل لعبادة الله- قدم الزجر والتوبيخ تنبيهاً علي ما هو الأولي.

стр. 516

((فوضع كفه بين كتفي، فوجدت بردها بين ثديي، فعلمت ما في السماوات والأرض، وتلا: ﴿وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين﴾)) رواه الدارمي مرسلاً، وللترمذي نحوه عنه. [٧٢٥] ــ الحديث العاشر عن عبد الرحمن: قوله: ((في أحسن صورة)) ((نه)): الصورة ترد في كلام العرب علي ظاهرها، وعلي معنى حقيقة الشيء وهيئاته، وعلي معنى صفتيه يقال: صورة الفعل كذا، وصورة الأمر كذا وكذا، أي صفته. ((تو)): هذا الحديث مستند إلي رؤيا رأها رسول الله ﷺ فقد أورده الطبرإني في كتابه عن معاذ بن جبل ﵁: أنه ﷺ صلي ذات يوم صلاة الغداة وقال: ((إني صليت الليلة ما قضى لي، ووضعت جنبي في المسجد، فأتإني ربي في أحسن صورة)) الحديث، ورواه أبو عبد الله أحمد في مسند عن معاذ بن جبل، قال: صلي رسول الله ﷺ ذات يوم صلاة الغداة، ثم أقبل علينا، فقال: ((إني سأحدثكم: إني قمت من الليل، فصليت ما قدر لي فنعست في صلاتي حتى استثقلت، فإذا أنا بربي في أحسن صورة)) وساق الحديث وأصح طرق هذا الحديث ما رواه أبو عبد الله في مسنده. ((قض)): فإذا ذهب إلي أن ذلك رؤيا رآها في المنام فلا إشكال، إذ الرائي قد يرى غير المتشكل متشكلاً، والمتشكل بغير شكله. ثم لا يعد ذلك خللاً في الرؤيا وخللاً في خلد الرائي، بل له أسباب أخر تذكر في علم المنامات، ولولا تلك الأسباب لما افتقرت رؤيا الأنبياء ﵈ إلي التعبير. وإذا ذهب إلي أن ذلك في اليقظة فلابد من التأويل، فنقول وبالله التوفيق: صورة الشيء ما يتميز به الشيء من غيره، سواء كان عين ذاته، أو جزؤه المميز، وكما يطلق ذلك في الجثة يطلق في المعإني، فيقال: صورة المسألة كذا، وصورة الحال كذا، فصورته تعالي- والله أعلم- ذاته المخصوصة المنزهة عن مماثلة ما عداه من الأشياء، كما قال الله تعالي: ﴿ليس كمثله شيء﴾ البالغة إلي أقصى مراتب الكمال. ((نه)): يجوز أن يكون المراد بالصورة أنه تعالي أتاه في أحسن صفة، ويجوز أن يعود المعنى إلي النبي ﷺ أي أتإني ربي وأنا في أحسن صورة، وتجرى معإني الصورة كلها عليه، إن شئت ظاهرها، وإن شئت هيئتها أو

стр. 517

ــ صفتها، فأما إطلاق ظاهرة الصورة علي الله تعالي فلا يجوز- تعالي الله عن ذلك علواً كبيراً- ((مظ)): إذا أجريت الصورة علي الله تعالي ويراد بها الصفة كان المعنى إن ربي تعالي كان أحسن إكراماً ولطفاً ورحمة علي من وقت آخر. وإذا أجريت علي النبي ﷺ كان المعنى أنا في تلك الحالة كنت في أحسن صورة وصفة من غاية إنعامه ولطفه تعالي علي. ((تو)): مذهب أكثر أهل العلم من السلف في أمثال هذا الحديث أن يؤمن بظاهره، ولا يفسر بما تفسر به صفات الخلق، بل ينفي عنه الكيفية، ويوكل علم باطنه إلي الله تعالي فإنه سبحانه يرى رسوله ﷺ ما يشاء من وراء أستار الغيب مما لا سبيل لأحد إلي إدراك حقيقته بالجد والاجتهاد، فأولي أن لا يتجاوز هذا الحد، فإن الخطب فيه جليل، والإقدام عليه مزلة اضطربت عليه أقدام الراسخين شديد. ولأن نرى أنفسنا أحقاء بالجهل والنقصان. أزكى وأسلم من أن ننظر إليها بعين الكمال، وهذا لعمر الله هو المنهج الأقوم، والمذهب الأحوط، غير أن في زماننا هذا اتسع الخرق علي الراقع، إذ حملت أكثر أبناء الزمان داعية الفتن المستكنة في نفوسهم علي الخوض في هذه الغمرة، حتى لو ذكر لهم مذهب السلف سارعوا إليه بالطعن، وإذا عجزوا عن التأويل لغموض المراد ولقصورهم في علم البلاغة أفضى بهم ذلك إلي التكذيب، حتى صار العدول عن التأويل في هذا الزمان مظنة للتهمة في العقائد. وذريعة للمضلين إلي توهين السن، فأدت بنا هذه القضية إلي سلوك هذا المسلك الوعر، واختيار التأويل، فنقول- والله الموفق لإصابة الحق- ثم ذكر الشيخ ما سبق من الأقوال في تأويل الصورة. قوله: ((الملأ الأعلي)) ((نه)): الملأ الأعلي الملائكة. ((تو)): وصفوا بذلك إما اعتباراً بمكانهم، أو مكانتم، والمراد بالاختصام التقاول الذي كان بينهم في الكفارات والدرجات، شبه تقاولهم في ذلك وما يجري بينهم في السؤال والجواب بما يجري بين المتخاصمين. ((قض)): واختصامهم إما عبارة عن تبادرهم إلي ثبت تلك الأعمال والصعود بها إلي السماء وإما عن تقاولهم في فضلها وشرفها وأناقتها علي غيرها، وإما عن اغتباطهم الناس بتلك الفضائل؛ لاختصاصهم بها، وفضلهم علي الملائكة بسببها، مع تهافتهم في الشهوت، وتماديهم في الجنايات، والوجهان الأخيران ذكرهما الشيخ التوربشتي أيضاً. قوله: ((فوضع كفه)) ((قض)): هو مجاز في تخصيصه إياه بمزيد الفضل عليه، وإيصال فيضه إليه؛ لأن ديدن الملوك إذا أرادوا أن يدنوا إلي أنفسهم بعض خدمهم وتسرهم بعض أحوال مملكتهم يلقون أنفسهم علي ظهره ويلقون أنفسهم علي ظهره ويلقون سواعدهم علي عنقه تلطفاً به، وتعظيماً لشأنه وتنشيطه له في فهم ما يقوله. فجعل ذلك حيث لا كف ولا وضع حقيقة، كناية عن التخصيص لمزيد الفضل والتأييد، وتمكين للملهم في الروع. قوله: ((فوجدت بردها بين ثديي)) كناية عن

стр. 518

ــ وصول ذلك الفيض إلي قلبه، وتأثره عنه، ورسوخه فيه، وإيقانه له يقال: ثلج صدره وأصابه برد اليقين، لمن تيقن الشيء وتحققه. قوله: ((فعلمت ما في السماء والأرض)) يدل علي أن وصول ذلك الفيض صار سبباً لعلمه، ثم استشهد بالآية، والمعنى أنه تعالي كما أرى إبراهيم ﵊ ملكوت السموات والأرض، وكشف له ذلك، فتح علي أبواب الغيوب، حتى علمت ما فيها من الذوات، والصفات، والظواهر، والمغيبات، فعلوت من الملك وهو أعظمه. ((مظ)) ((نرى)) لفظ مضارع، ومعناه ماض، أي أرينا إبراهيم ملكوت السموات والأرض أي خلقهما. أقول- والله أعلم- قول المظهر: ((معناه ماض)) محمول علي أن معناه حين استشهد به في الحديث ماض ليستقيم معنى تشبيه حالة رسول الله ﷺ بحالة خليل الله. وإلا فهو في مستقره من التنزيل علي ما هو عليه مضارع علي حكاية الحال الماضية استغراباً واستعجاباً، والمشبه بكذلك غير المشبه في الحديث، وكذا المشار إليه. الكشاف: ((كذلك نوري)) أي مثل ذلك التعريف يجوز أن يكون المشار إليه. ما سبق من معنى قوله: ﴿وإذا قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناماً آلهة﴾ الآية، وهو المعرفة والبصارة التي يمكن بها من إنذاره إياه، وتضليل قومه، فيكون قوله: ﴿فلما جن عليه الليل رأي كوكباً﴾ كالتفصيل والبيان بمعنى المثل في ((كذلك)). و ((ليكون)) إما معطوف علي محذوف، أي هديناه لطريق الاستدلال ليحتج به قومه، وليكون من الموقنين، وإما أن يكون معلله محذوفاً أي وليكون من الموقنين فعلنا ذلك والجملة معطوفة علي الجملة السابقة. ثم في الاستشهاد بالآية نكتة، وهي أنك إذا أمعنت النظر في الرؤيتين، ودققت الفكر بين العلمين، علمت أن بينهما بوناً بعيداً، وذلك أن الخليل ﵊ رأي ملكوت السموات والأرض أولاً، ثم حصل له الإيقان لوجود منشأها ثإنياً، والحبيب ﷺ رأي المنشيء ابتداء، ثم علم ما في السموات- والأرض- إنتهاء، كما قال الشيخ أبو سعيد بن أبي الخير: ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله أولاً، جواباً عن قول الشيخ أبي القاسم القشيري: ما رأيت شيئاَ إلا رأيت الله بعده. ثم إن الحبيب حصل له عين اليقين بالله، والخليل علم اليقين بالله، والحبيب علم الأشياء كلها، والخليل رأي ملكوت الأشياء. قوله: ((في الكفارات)) ((نه)): هي عبارة عن الفعلة والخصلة من شأنها أن تكفر الخطيئة، أي تسترها وتمحوها، وهي فعالة للمبالغة، كضرابة، وهي من الصفات الغالبة في باب الأسمية. ((قض)): كرر قوله: ((فيم يختصم الملأ الأعلي)) إعادة للسؤال بعد التعليم. سميت الخصال المذكورة كفارات لأنها تكفر ما قبلها من الذنوب، بدليل قوله: ((وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه)).

стр. 519

٧٢٦ - وعن ابن عباس، ومعاذ بن جبل، وزاد فيه: ((قال: يا محمد! هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلي؟ قلت: نعم، في الكفارات)). والكفارات: المكث في المساجد بعد الصلوات، والمشي علي الأقدام إلي الجماعات، وإبلاغ الوضوء في ــ وقوله: ((ومن فعل ذلك عاش بخير)) هو من قوله كقوله تعالي: ﴿من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة﴾ الآية. أي لنرزقنه في الدنيا حياة طيبة، وذلك أن المؤمن مع العمل الصالح موسراً كان أو معسراً فمعه ما يطيب عيشته، وهو القناعة والرضي بقسمة الله تعالي؛ وأما الفاجر فأمر علي العكس، إن كان معسراً فلا إشكال في أمره، وإن موسراً فالحرص لا يدعه أن يتهنأ بعيشه، وعن ابن عباس: الحياة الطيبة الرزق الحلال، وقيل: هي حلاوة الطاعة والتوفيق في قلبه. ومعنى ((يموت بخير)) أنه يأمن في العاقبة، ويكون له روح وريحان إذا بلغت الحلقوم، ويقال له: ﴿يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلي ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي﴾. قوله: ((كيوم ولدته أمه)) يوم مبني علي الفتح، للإضافة إلي الماضي، وإذا أضيف إلي المضارع اختلفت في أنه مبني أو معرب، والأصح الثاني، يعني من فعل ذلك يكون مبرءاً عن الذنوب، كما كان مبرءاً عنها يوم ولدته أمه. قوله: ((أسألك الخيرات)) وهي ما عرف في الشرع من الأفعال الحميدة، والأقوال المرضية وغيرها، يدل عليه قوله: ((ترك المنكرات))، فلما طلب ما يرفع به درجته، ويزلفه إلي خيرة القدس، أراد التواضع والاستكانة، - بأنه – طلب حب المساكين، بأن يعيش معهم، ويموت معهم، ويحشر معهم. قوله: ((فتنة)) ((مظ)): أي إذا أردت أن تضل قوما عن الحق قدر موتي غير مفتون، أي غير ضال. قوله: ((والدرجات)) مبتدأ، وما بعده خبر، أي ما يرفع به الدرجات، أو يوصل إلي الدرجات العالية هذه الخصال الثلاث، لأنه إذا عاشر الخلق يقوم بحقهم، من بذل السلام، وإطعام الطعام، وإذا ناموا عامل الحق بالقيام، فنال بها الدرجات العلي، قال الله تعالي: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً﴾ فلا غرو إذا إن اغتبط الملائكة البشر بتلك الكفارات، وهذه الدرجات، نفعنا الله بها. والله تعالي أعلم. الحديث الحادي عشر عن أبي أمامة ﵁: قوله: ((ضامن علي الله)) عدى ((ضامن)) بـ ((علي)) تضميناً لمعنى الوجوب علي سبيل الوعد، أي يجب علي الله وعداً أن يكلأه من مضار

стр. 520

المكاره، فمن فعل ذلك عاش بخير، ومات بخير، وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه، وقال: يا محمد! إذا صليت فقل: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضي إليك غير مفتون)). قال: والدرجات: إفشاء السلام، وإطعام الطعام، والصلاة بالليل والناس نيام. ولفظ هذا الحديث كما في ((المصابيح)) لم أجده عن عبد الرحمن إلا في ((شرح السنة)). [٧٢٦] ٧٢٨ - وعن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثلاثة كلهم ضامن علي الله: رجل خرج غازياً في سبيل الله، فهو ضامن علي الله حتى يتوفاه، فيدخله الجنة، أو يرده بما نال من أجر أو غنيمة؛ ورجل راح إلي المسجد، فهو ضامن علي الله [حتى يتوفاه فيدخله الجنة، أو يرده بما نال من أجر وغنيمة]؛ ورجل دخل بيته بسلام، فهو ضامن علي الله)) رواه أبو داود. [٧٢٧] ــ الدين والدنيا. قال صاحب المغرب: قوله ﷺ حكاية عن الله (سبحانه وتعالي): ((من خرج مجاهداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي فأنا عليه ضامن- أو علي ضامن-)) شك الراوي، والمعنى إني في ضمان ما وعدته في الجزاء حياً وميتاً، وعدى بعلي لتضمن معنى محارم ورقيب. وقوله: ((هو علي ضامن)) قريب المعنى من الأول، إلا أنه تأول الضامن بذي الضمان، فيعود إلي معنى الواجب كأنه قال: هو علي واجب الحفظ والرعاية كالشيء المضمون. ((خط)): ضامن أي مضمون علي الله، فاعل بمعنى مفعول كماء دافق أي مدفوق، ويحتمل أن يكون ذو ضمان، كلابن، وتامر. ((تو)): ذكر الشيء المضمون به في أول الثلاثة، ولم يذكر في الثاني والثالث اكتفاء بالأول، فكما أن المجاهد طالب لإحدى الحسنيين: الشهادة، أو الغنيمة، فكذلك الذي يروح إلي المسجد فإنه يبتغي فضل الله ورضوانه، ومغفرته، فهو ذو ضمان علي الله أن لا يضل سعيه، ولا يضع أجره. قوله: ((دخل بيته بسلام)) ((تو)): ذهبوا إلي أن هذا هو الذي سلم علي أهله إذا دخل بيته، والمضمون به أن يبارك عليه وعلي أهل بيته؛ لما ورد أنه ﷺ قال لأنس ﵁: ((يا بني إذا دخلت علي أهلك فسلم يكن بركة عليك وعلي أهل بيتك)) وقيل: هو الذي يلزم بيته طلباً للسلامة، وهرباً من الفتنة؛ لقوله تعالي: ﴿ادخلوها بسلام آمنين﴾ أي من الآفات والعوارض. وهذا أوجه، ولملاءمة ما قبله أوفق؛ لأن المجاهدة في سبيل الله سفراً، والرواح إلي المسجد حضراً، ولزوم البيت اتقاء من الفتن أخذ عضها بحجزة بعض، وعلي هذا المضمون به هو رعاية الله تعالي إياه وجواره عن الفتن.

стр. 521

٧٢٨ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من خرج من بيته متطهراً إلي صلاة مكتوبة، فأجره كأجر الحاج المحرم. ومن خرج إلي تسبيح الضحى لا ينصبه إلا إياه؛ فأجره كأجر المعتمر. وصلاة علي إثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين)) رواه أحمد، وأبو داود. [٧٢٨] ــ الحديث الثاني عشر عن أبي أمامة: قوله: ((إن صلاة)) حال، أي خرج من بيته قاصداً إلي المسجد لأداء الفرائض، وإنما قدرنا القصد حالاً ليطابق الحج، لأنه القصد الخاص، فنزل النية مع التطهر منزلة الإحرام، وأمثال هذه الأحاديث ليست للتسوية، فكيف وإلحاق الناقص بالكامل يقتضي فضل الثاني وجوباً ليفيد المبالغة، وإلا كان عبثاً، فشبه ﷺ حال المصلي القاصد إلي الصلاة المكتوبة بحال الحاج المحرم في الفضل مبالغة وترغيباً للمصلي؛ ليركع مع الراكعين، ولا يتقاعد عن حضور الجماعات. ((تو)): شبه أجر المتطهر الخارج من بيته للصلاة المكتوبة بأجر الحاج المحرم، حيث أنه يستوفي أجره من لدن يخرج من بيته إلي أن يرجع إليه كالحاج المحرم فإنه يستوفي أجره من حيث يخرج إلي أن يرجع، وذلك مثل قولنا: فلا كالأسد، فلا يقتضي من تشبيه به سائر الوجوه، بل يحمل علي الشجاعة، فكذلك الأجران لا يقتضيان المشاركة من تشبيه به سائر الوجوه، بل يحمل علي الشجاعة، فكذلك الأجران لا يقتضيان المشاركة من سائر الوجوه. وقال: في قوله: ((وأجره كأجره المعتمر)) إشارة إلي أن نسبة ثواب الخروج للنافلة من الصلوات إلي الخروج لفرائضها نسبة ثواب الخروج للعمرة إلي الخروج إلي الحج. قوله: ((إلي تسبيح الضحى)) فالمكتوبة والنافلة وإن اتفقنا في أن كل واحدة منهما يسبح فيهما، إلا أن النافلة جاءت بهذا الاسم أخص من جهة أن التسبيحات في الفرائض نوافل، فكأنه قيل للنافلة تسبيحة علي أنها شبيهة بالأذكار في كونها غير واجبة. قوله: ((لا ينصبه إلا إياه)) ((حس)): أي لا يتعبه ولا يزعجه إلا ذلك، وأصله من النصب، وهو معناه المشقة. ((شف)): قوله: ((إياه)) ضمير منصوب منفصل وقع موقع المرفوع المنفصل كما وقع المرفوع المنفصل موقع المنصوب المنفصل في حدث الوسيلة: ((وأنا أرجو أن أكون أن هو)). أقول: وقد سبق توجيه حديث الوسيلة، وأما ههنا فيمكن أن يقال: إن هذا من الميل إلي المعنى دون اللفظ، فمعنى ((لا ينصبه إلا إياه)) لا يقصد ولا يطلب إلا إياه. ((الكشاف)): في قوله: ((فشربوا إلا قليلا)): قرأ أبي والأعمش: ((إلا قليل) بالرفع، وهذا من ميلهم إلي المعنى والإعراض عن اللفظ جانباً. وهو من باب جليل من علم العربية، فلما كان المعنى فشربوا منه فلم يطيعوه، إلا قليل منهم، ونحوه قول الفرزدق: لم يدع من المال إلا مسحت أو مجلف. كأنه قيل: لم يبق من المال إلا مسحت أو مجلف. قوله: ((كتاب في عليين)) ((تو)): أي صلاة علي إثر صلاة عمل مكتوب في عليين. ((نه)): العليون اسم لديوان الملائكة الحفظة، ترفع إليه أعمال الصالحين، وقيل: أراد أعلي الأمكنة

стр. 522

٧٢٩ - وعن أبي هريرة [﵁]، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا)). قيل: يا رسول الله! وما رياض الجنة؟ قال: ((المساجد)). قيل: وما الرتع؟ يا رسول الله! قال: ((سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)) رواه الترمذي. [٧٢٩] ٧٣٠ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أتى المسجد لشيء، فهو حظه)) رواه أبو داود. [٧٣٠] ٧٣١ - وعن فاطمة بنت الحسين، من جدتها فاطمة الكبرى، ﵃، قالت: كان النبي ﷺ إذا دخل المسجد صلي علي محمد وسلم، وقال: ((رب اغفر ــ وأشرف المراتب. أقول: وقوله: ((وصلاة علي إثر صلاة)) معناه مداومة الصلاة والمحافظة عليها من غير شوب بما ينافيها، ولا مزية عليها، ولا شيء من الأعمال أعلي منها، فكنى عن ذلك بقوله: ((عليين)). الحديث الثالث عشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((إذا مررتم برياض الجنة)) تلخيص الحديث إذا مررتم بالمساجد قولوا هذا القول، فلما وضع ((رياض الجنة)) موضع المساجد بناء علي أن العبادة فيها سبب للحصول في رياض الجنة- روعيت المناسبة لفظاً ومعنى، فوضع الرتع موضع القول، لأن هذا القول سبب لنيل الثواب الجزيل، ووسيلة إلي الفوز النبيل. والرتع ههنا كما في قول إخوة يوسف: ﴿يرتع ويلعب﴾ وهو أن يتسع في أكل الفواكه والمستلذات، والخروج إلي التنزه في الأرياف والمياه، كما هو عادة الناس إذا خرجوا إلي الرياض والبساتين، ثمرة الشجرة التي غرسها الذاكر في رياض المسجد علي ما ورد: ((لقيت ليلة أسري بي إبراهيم ﵊ فقال لي: يا محمد! أقرأ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غرسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر)) - لجاء أسلوباً بديعياً، وتلميحاً عجيباً. الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((ومن أتى المسد لشيء فهو حظه)) وهو من قوله ﷺ : ((وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلي الله ورسوله)) الحديث. الحديث الخامس عشر عن فاطمة بنت الحسين ﵂: قوله: ((قال: رب اغفر لي))

стр. 523

لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك)) وإذا خرج ﷺ ، وقال: ((رب اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك)). رواه الترمذي، وأحمد، وابن ماجه وفي روايتهما، قالت: إذا دخل المسجد، وكذا إذا خرج، قال: ((بسم الله، والسلام علي رسول الله)) بدل: صلي علي محمد وسلم. وقال الترمذي: ليس إسناده بمتصل، وفاطمة بنت الحسين لم تدرك فاطمة الكبرى. [٧٣١] ٧٣٢ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: نهي رسول الله ﷺ عن تناشد الأشعار في المسجد، وعن البيع والاشتراء فيه، وأن يتحلق الناس يوم الجمعة قبل الصلاة في المسجد. رواه أبو داود، والترمذي. [٧٣٢] ــ أبرز ﷺ ضمير نفسه عند ذكر الغفران ملتجأ إلي مطاوي الإنكار بين يدي الملك الجبار، وأظهر اسمه المبارك علي سبيل التجريد عند ذكر الصلاة لمحا إلي منصب الرسالة ومنزلة النبوة؛ إجلالا وتعظيماً لشأنها، كأنها غيره، امتثالاً لأمر الله تعالي في قوله: ﴿إن الله وملائكته يصلون علي النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾. الحديث السادس عشر عن عمرو بن شعيب: قوله: ((تناشد الأشعار)) ((تو)): التناشد أن ينشد لكل واحد صاحبه نشداً لنفسه أو لغيره، افتخاراً ومباهاة، أو علي وجه التفكه بما يستطاب منه ترجية للوقت بما يركن إليه النفس، فهو مذموم، وأما ما كان منه في مدح الحق وأهله، وذم الباطل وذويه، أو كان فيه تمهيد لقواعد الدين، أو إرغام لمخالفيه فهو خارج عن القسم المذموم وإن خالطه النسيب، وقد كان يفعل ذلك بين يدي رسول الله ﷺ ولا ينه عنه، ولعلمه فيه بالغرض الصحيح، وأما نهي عمر ﵁ حسان بن ثابت ﵁ عن ذلك فالنظر فيه لمصلحة الجمهور، ولا يؤدي منه إلي الاسترسال في الخلافة والمحن، وكان ﵁ عارفاً بزمانه، عبقرياً في شأنه، ألمعياً في رأيه، مصيباً في اجتهاده، ولما عارضه حسان بقوله: أنشدته بين يدي من خير منك. فسكت عنه، ولم يكن سكوته لوضوح حق كان قد خفي عليه، بل كان السكوت إجلالاً لرسول الله ﷺ وتأدباً. قوله: ((عن البيع والاشتراء)) ((حس)): روي عن عطاء بن يسار أنه كان إذا مر عليه بعض من يبيع في المسجد قال: عليك بسوق الدنيا، إنما هذا سوق الآخرة. وعن عمر ﵁ قال لرجلين من أهل الطائف رفعا أصواتهما في مسجد النبي ﷺ : لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد النبي ﷺ ؟ وأنه سمع صوت رجل في المسجد، فقال:

стр. 524

٧٣٣ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك. وإذا رأيتم من ينشد فيه ضالة، فقولوا: لا رد الله عليك)) رواه الترمذي، والدارمي. [٧٣٣] ٧٣٤ - وعن حكيم بن حزام، قال: نهي رسول الله ﷺ أن يستقاد في المسجد، وأن ينشد فيه الأشعار، وأن تقام فيه الحدود. رواه أبو داود في ((سننه))، وصاحب ((جامع الأصول)) فيه عن حكيم. [٧٣٤] ٧٣٥ - وفي ((المصابيح)) عن جابر. ٧٣٦ - وعن معاوية بن قرة، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ نهي عن هاتين الشجرتين- يعني البصل والثوم- وقال: ((من أكلهما فلا يقربن مسجدنا)). وقال: ((إن كنتم لابد آكليهما؛ فأميتوهما طبخاً)) رواه أبو داود. [٧٣٦] ٧٣٧ - وعن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام)) رواه أبو داود، والترمذي، والدارمي. [٧٣٧] ــ أتدري أين أنت؟ قوله: ((أن يتحلق الناس)) ((تو)): هو أن يجلسوا حلقة حلقة، والنهي يحتمل معنيين: أحدهما أن تلك الهيئة تخالف اجتماع المصلين، والثاني أن الاجتماع للجمعة خطب جليل: لا يسع من حضرها أن يهتم بما سواها حتى يفرغ منها، وتحلق الناس قبل الصلاة موهم بالغفلة عن الأمر الذي ندبوا إليه. ((حس)). في الحديث كراهة التحلق والاجتماع يوم الجمعة قبل الصلاة لمذاكرة العلم، بل يشتغل بالذكر، والصلاة، والإنصات للخبطة، ولا بأس بعد ذلك. الحديث السابع إلي الثامن عشر عن حكيم بن حزام: قوله: ((عن حكيم بن حزام)) قال المؤلف: روى هذا الحديث أو داود في خر كتاب الحدود عن الحكيم، وكذا في جامع الأصول عن الحكيم، وفي كتاب المصابيح عن جابر، ولم يوجد في الأصول الرواية عنه. قوله: ((أن يستقاد)) ((نه)): استقدت الحاكم سألته أن يقتدي القود أي القصاص، وقتل القاتل بدل القتيل. ((حس)): قال عمر ﵁) فيمن لزمه حد في المسجد: ((أخرجوه))، وعن علي مثله. الحديث التاسع عشر عن معاوية: قوله: ((وقال: من أكلهما فلا يقربن)) الجملة كالبيان للجملة الأولي وإن دخل العاطف، نحو: أعجبني زيد وكرمه، وقول امرئ القيس: ذلك من نبأ جاءني وخبرته عن أبي الأسود فعطف ((خبرته)) علي ((جاءني)) علي سبيل البيان. وفي النهي عن القربان إشارة إلي أن النهي

стр. 525

٧٣٨ - وعن ابن عمر، قال: نهي رسول الله ﷺ أن يصلي في سبعة مواطن: في المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، وفي الحمام، وفي معاطن الإبل، وفوق ظهر بيت الله،. رواه الترمذي، وابن ماجه. [٧٣٨] ــ عند الدخول أولي وأحق، في إضافة المسجد إلي الضمير المعظم إشعار بالعلية، وهو يحتمل وجهين: أحدهما أن مسجدنا مكان حلول الملائكة المقربين، ومهبط نزول كلام رب العالمين، فهو حري بأن يطيب بأنواع الطيب ويبخر بأصناف الصندل، فأنى يصلح لنتن الشجرتين الخبيثتين؟ والثاني أن يراد جنس المساجد، ومعنى الإضافة اجتماع المؤمنين فيه لأداء فرائض الله تعالي فيجب الاجتناب عما يؤذيهم من الروائح الكريهة، ومن ثم سن الغسل وتنظيف الثياب. قوله: ((لابد)) ((الجوهري)): ((بد)) فرقة، وقولهم: لابد من كذا، كأنه قال: لا فراق منه، والجملة معترضة بين اسم كان وخبره. قوله: ((فأميتوهما طبخاً)) مجاز هذا مجاز قوله: ((يميتون الصلاة)) لكن بالعكس، فإن إحياء الصلاة أداؤها في أول وقتها، حتى تكون طرية رياً، وإماتتها إخراجها عن وقت الاختيار، حتى تكون ذابلة يابسة، فحياة الشجرتين عبارة عن قوة رائحتهما عند طراوتهما، وموتهما إزالة تلك الرائحة بالطبخ، وفيه إشارة لأهل العرفان إلي سر دقيق. الحديث العشرون والحادي والعشرون عن ابن عمر ﵁: قوله: ((المجزرة)) ((نه)): أي الموضع الذي ينحر فيه الإبل، ويذبح فيه البقر والشاة، ونهي عنها لأجل النجاسة التي فيها من دماء الذبائح وأرواثها، وجمعها المجازر، والمعاطن جمع معطن، وهو مبرك الإبل حول الماء. ((حس)): اختلفوا في الصلاة في المقبرة والحمام، فرويت الكراهية فيها عن جماعة من السلف لظاهر الحديث، وإن كانت التربة طاهرة، وقالوا: قد قال النبي ﷺ : ((اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبوراً)) فدل أن محل القبر ليس بمحل الصلاة. ومنهم من ذهب إلي أن الصلاة جائزة إذا صلي في موضع نظيف منه، وتأويل الحديث هو أن الغالب من أمر الحمام قذارة المكان، ومن أمر المقبرة اختلاط ترتبها بصديد الموتى ولحومها، فالنهي لنجاسته، وإن كان المكان طاهراً فلا بأس، وكذلك المزبلة والمجزرة، وقارعة الطريق، فالنهي عن الصلاة فيها لنجاستها، وفي قارعة الطريق معنى آخر، وهو اختلاف المار يشغله عن الصلاة. وأما فوق ظهر بيت الله، فإن لم يكن بين يديه سترة أي بقية جدار يستقبلها بطلت عند الشافعي، ويصح عند أبي حنيفة وإن لم يكن بين يديه شيء، كما لو صلي علي أبي قبيس متوجهاً إلي هواء البيت. واحتج من جوز الصلاة في هذه الموضع إذا كان المكان طيباً بما روي عن جابر أن النبي ﷺ قال: ((جعلت لي الأرض مسجداً طهوراً)) ويقال: حديث جابر إنما لإظهار فضيلة هذه الأمة، حيث رخص لهم في الطهور بالأرض، والصلاة في المواضع التي لم تبن للصلاة من بقاعها، بخلاف سائر الأمم، فيجوز أن يدخل فيه التخصيص.

стр. 526

٧٣٩ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل)) رواه الترمذي. [٧٣٩] ٧٤٠ - وعن ابن عباس، ﵄، قال: لعن رسول الله ﷺ زائرات ــ ((تو)): العلية في المعاطن لو كانت النجاسة لم يرخص لهم في المرابض أيضاً؛ لأنهما سيان في هذا الحكم، فأما العلة في المواطن الأخرى المذكورة في الحديث فإنها مختلفة، ثم إن الأمكنة النجسة لا تنحصر في هذه المواضع النجس، ولو كانت العلة النجاسة لكان من الجائز أن يبسط في المزبلة بساطاً في المكان اليابس، أو وجد موضعاً خالياً من النجاسة فصلي فيها، لكن ذلك استخفاف لأمر الدين، لأن من حق الصلاة أن تؤدى في الأمكنة النظيفة، والبقاع المحترمة. الحديث الثاني والعشرون عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((في مرابض الغنم)) وفي معناه ما رواه الإمام الشافعي ﵁ عن ابن مغفل عن النبي ﷺ قال: ((إذا أدركتم الصلاة وأنتم في مرابض الغنم فصلوا فيها، فإنها سكينة وبركة، وإذا أدركتم الصلاة أنتم في أعطان الإبل فاخرجوا منها فصلوا؛ فإنه جن من جن خلقت، ألا ترونها إذا نفرت كيف تشمخ بأنفها؟)). ((قض)): المرابض جمع مربض، وهو مأوى الغنم، والأعطان المبارك، والفارق أن الإبل كثير الشرار، شديد النفار، فلا يأمن المصلي في أعطانها من أن ينفر ويقطع الصلاة عليه، ويتشوش قلبه؛ فيمنعه من الخشوع فهيا، وإليه أشار: ((لا تصلوا في مبارك الإبل؛ فإنها من الشياطين)) ولا كذلك في مرابض الغنم. واختلف العلماء في أن النهي الوارد عن الصلاة في المواطن السبعة للتحريم أو للتنزيه، ثم القائلون بالتحريم اختلفوا في الصحة خلافاً مبنياً علي أن النهي هل يدل علي الفاسد؟ وفيه أربعة مذاهب: أحدها أنه يدل مطلقاً، وثإنيها أنه لا يدل مطلقاً، وثالثها الفرق بين ما ورد في العبادات، وبين ما ورد في المعاملات ونحوها، ورابعها الفرق بين ما إذا كان متعلق النهي نفس الفعل، وما يكون لازماً كصوم يوم العيد، والصلاة في الأوقات المكروهة، وبيع الربا، وبين ما لا يكن كذلك، كالصلاة في دار المغصوبة، والودي وأعطان الإبل، والبيع وقت النداء. الحديث الثالث والعشرون عن ابن عباس: قوله: ((زائرات القبور)) ((حس)): كان هذا قبل الترخيص، فلما رخص دخل في الرخصة الرجال والنساء. وقيل: بل نهي النساء عن زيارة القبور باق، لقلة صبرهن، وكثرة جزعهن إذا رأين القبور، والنهي عن الإسراج في القبور إنما

стр. 527

القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج. رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي. [٧٤٠] ٧٤١ - وعن أبي أمامة، قال: إن حبراً من اليهود سأل النبي ﷺ : أي البقاع خير؟ فسكت عنه، وقال: ((أسكت حتى يجيء جبريل))، فسكت، وجاء جبريل ﵇، فسأل، فقال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل؛ ولكن أسأل ربي تبارك وتعالي. ثم قال جبريل: يا محمدا! إني دنوت من الله دنواً ما دنوت منه قط. قال: ((وكيف كان يا جبريل؟)) قال: بيني وبينه سبعون ألف حجاب من نور، فقال: شر البقاع أسواقها، وخير البقاع مساجدها. [٧٤١] ــ كان لتضييع المال، لأنه لا نفع فيه لأحد، ويحتمل أن يكون النهي للاحتزاز عن تعظيم القبور، كالنهي عن اتخاذ القبور مساجد. الحديث الرابع والعشرون عن أبي أمامة ﵁: قوله: ((إن حبرا)) ((نه)): الخبر والحبر- بفتح الحاء وكسرها- العالم، وكان يقال لابن عباس الحبر والبحر لعلمه وسعته. قوله: ((سكت وقال: أسكت)) أي سكت وقال في نفسه: أسكت، لا أنه نطق به. وفيه أن من استفتى عن مسألة لم يعلمها فعليه أن لا يعجل في الإفتاء، ولا يستنكف عن الاستفتاء عمن هو أعلم منه، ولا يتبادر إلي الاجتهاد ما لم يضطر إليه؛ فإن ذلك من سنة رسول الله وسنة جبريل ﷺ . فإن قلت: كيف قرن المساجد بالأسواق؟ وكم من بقاع شر من الأسواق. قلت: ذهب في التقابل إلي معنى الإلهاء والاشتغال. وإن العز الديني يدفعه الأمر الدنيوي. ولا شك أن الأسواق معدن الإلهاء عن ذكر الله وما والاه. ألا ترى إلي أنه تعالي كيف وصف أولياءه الذين جعلوا المسجد مأواهم بقوله: ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع- إلي قوله- رجال لا تلهيهم تجارة

стр. 528

الفصل الثالث ٧٤٢ - عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من جاء مسجدي هذا لم يأت إلا لخير يتعلمه أو يعلمه، فهو بمنزلة المجاهد في سبيل الله. ومن جاء لغير ذلك؛ فهو بمنزلة الرجل ينظر إلي متاع غيره)) رواه ابن ماجه، والبيهقي في ((شعب الإيمان)). [٧٤٢] ٧٤٣ - وعن الحسن مرسلا، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يأتي علي الناس زمان ــ ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة﴾ وقوله تعالي: ﴿فاسعوا إلي ذكر الله وذروا البيع﴾ فعلي هذا قوله: ((شر البقاع أسواقها)) جاء مقرراً لما يعرف به خيرية المساجد، وبضدها تتبين الأشياء، كأنه قال: خير البقاع بقعة مخلصة لذكر الله، مسلمة عن الشوائب الدنيوية، فالجواب من الأسلوب الحكيم، حيث سئل عن الخير أجيب عنه بضده، وقدم الداء علي الدواء؛ والمرض علي الشفاء، لما عسى أن يبدر من المكلف شيء في بيت الشيطان فيتداركه في بيت الرحمن. ولا تظنن أن شأن المساجد وبناءها والاجتماع فيها للجماعات أمر هين. فإن مثل رأس الكرويين وسفير [المسلمين] لم يحصل له دنو مثل ذلك الدنو، وما ذلك إلا لتعظيم المساجد، ﴿ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾. الفصل الثالث الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لم يأت)) أي جاء مسجدي حال كونه غير آت إلا لخير. قوله: ((ومن جاء لغير ذلك)) يوهم أن الصلاة داخلة فيه، وليس كذلك؛ لأن أمر الصلاة مفروغ عنه، وأنها مستثناة من أصل الكلام، وقوله: ((بمنزلة الرجل)) فيه معنى التشبيه كأنه شبه حالة من أتى المسجد لغير الصلاة والتعلم بحالة من ينظر إلي متاع الغير بغير إذنه، ومع ذلك لم يقصد تملكه بوجه شرعي، فإن ذلك محظور وكذلك إتيان المسجد لغير ما بني له محظور، لاسيما مسجد رسول الله ﷺ فإنه يجب توقيره وتعظيمه إجلالاً وتبجيلاً لمكانة صاحبه ﷺ ولا يدخله عبثاً، ولا ماراً، فكيف بغيرهما؟. الحديث الثاني عن الحسن ﵁: قوله: ((فليس لله فيهم حاجة)) كناية عن براءة الله (سبحانه وتعالي) عنهم، وخروجهم عن ذمة الله، وإلا فالله (سبحانه وتعالي) منزه عن الحاجة مطلقاً. وفيه تهديد عظيم ووعيد شديد، وذلك أنه ظالم في ظلمه، حيث يضع الشيء في غير موضعه، وقد مر بيان المضاد بين المسجد والسوق، وما بنينا لأجله.

стр. 529

يكون حديثهم في مساجدهم في أمر دنياهم. فلا تجالسوهم؛ فليس لله فيهم حاجة)) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [٧٤٣] ٧٤٤ - وعن السائب بن يزيد، قال: كنت نائماً في المسجد، فحصبني رجل، فنظرت، فإذا هو عمر بن الخطاب. فقال: اذهب فأتني بهذين. فجئته بهما. فقال: ممن أنتما- أو من أين أنتما-؟ قالا: من أهل الطائف. قال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجتكما؛ ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ ؟! رواه البخاري. ٧٤٥ - وعن مالك، قال: بني عمر رحبة في ناحية المسجد تسمى البطيحاء، وقال: من كان يريد أن يلغط، أو ينشد شعراً، أو يرفع صوته؛ فليخرج إلي هذه الرحبة. رواه في الموطأ. [٧٤٥] ــ الحديث الثالث عن السائب بن يزيد: قوله: ((فحصبني رجل)) ((نه)): أي رجمني بالحصاء، وهي الحجارة الصغار. ((مح)): يكره رفع الصوت في المسجد بالعلم وغيره. قوله: ((لو كنتما من أهل المدينة لأوجتكما)) لما لم تكونا معذورين حينئذ. وقوله: ((ترفعان أصواتكما)) جملة مستأنفة للبيان. الحديث الرابع عن مالك ﵁: قوله: ((رحبة)) ((المغرب)): الرحبة- بالفتح- الصحراء بين أفنية القوم، ورحبة المسجد ساحته. قال أبو علي الدقاق: لا ينبغي للحائض أن تدخل رحبة مسجد الجماعة، متصلة كانت أو منفصلة. وتحريك الحاء أحسن. وأما في حديث علي ﵁ وصف ضوء رسول الله ﷺ في رحبة الكوفة فإنها دكان في وسط مسجد الكوفة، كان ﵁ يقعد فيه ويعظ. قوله: ((أن يلغط)): اللغط صوت وضجة لا يفهم معناه.

стр. 530

٧٤٦ - وعن أنس، قال: رأي النبي ﷺ نخامة في القبلة، فشق ذلك عليه حتى رؤي في وجهه، فقام فحكه بيده، فقال: ((إن أحدكم إذا قام في الصلاة فإنما يناجي ربه، وإن ربه بينه وبين القبلة، فلا يبزقن أحدكم قبل قبلته، ولكن عن يساره، أو تحت قدمه))، ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه، ثم رد بعضه علي بعض، فقال: ((أو يفعل هكذا)) رواه البخاري. ٧٤٧ - وعن السائب بن خلاد، - وهو رجل من أصحاب رسول الله ﷺ ، قال: إن رجلا أم قوماً، فبصق في القبلة، ورسول الله ﷺ ينظر، فقال رسول الله ﷺ لقومه حين فرغ: ((لا يصلي لكم)). فأراد بعد ذلك أن يصلي لهم، فمنعوه، فأخبروه بقول رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: نعم، وحسبت أنه قال: ((إنك قد آذيت الله ورسوله)) رواه أبو داود. [٧٤٧] ٧٤٨ - وعن معاذ بن جبل، قال: احتبس عنا رسول الله ﷺ ذات غداة عن ــ الحديث الخامس عن أنس ﵁: قوله: ((نخامة)) ((نه)): وهي البزقة التي تخرج من أقصى الحلق، ومن مخرج الخاء المعجمة. وقوله: ((حتى رؤي في وجهه)) الضمير الذي أقيم مقام الفاعل راجع إلي معنى قوله: ((شق ذلك عليه)) وهو الكراهة. قوله: ((وإن ربه بينه وبين القبلة)) ((حس)): معناه أنه يقصد ربه بالتوجه إلي القبلة، فيصير بالتقدير كأنه مقصود بينه وبين القبلة، فأمر أن يصان تلك الجهة عن البزاق. ((مح)): الأمر بالبصاق عن يساره وتحت قدمه هو فيما إذا كان في غير المسجد، وأما في المسجد فلا يبصق إلا في ثوبه. الحديث السادس عن السائب بن خلاد ﵁: قوله: ((لا يصلي لكم)) وكان أصل الكلام لا تصل لهم، فعدل إلي النفي ليؤذن بأنه لا يصلي للإمامة، وأن بينه وبينها منافاة. وأيضاً في الإعراض عنه غضب شديد عليه، حيث لم يجعله محلاً للخطاب، وذلك لسوء أدبه بين يدي ربه. قوله: ((فذكر ذلك)) أي ذكر الرجل قولهم: إنك منعتني عن الإمامة، أكذا هو؟ فقال: نعم. وقوله: ((حسبت)) من كلام الراوي، حسبت أن رسول الله ﷺ تكلم بهذه الزيادة. الحديث السابع عن معاذ بن جبل ﵁: قوله: ((نتراءى عين الشمس)) وضع ((نتراءى)) موضع ((نرى)) للجمع. قوله: ((فثوب)) ((نه)): التثويب ههنا إقامة الصلاة، والأصل فيه
следующие страницы →