Полный текст (3 308 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
٧٣٩ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل)) رواه الترمذي. [٧٣٩]
٧٤٠ - وعن ابن عباس، ﵄، قال: لعن رسول الله ﷺ زائرات
ــ
((تو)): العلية في المعاطن لو كانت النجاسة لم يرخص لهم في المرابض أيضاً؛ لأنهما سيان في هذا الحكم، فأما العلة في المواطن الأخرى المذكورة في الحديث فإنها مختلفة، ثم إن الأمكنة النجسة لا تنحصر في هذه المواضع النجس، ولو كانت العلة النجاسة لكان من الجائز أن يبسط في المزبلة بساطاً في المكان اليابس، أو وجد موضعاً خالياً من النجاسة فصلي فيها، لكن ذلك استخفاف لأمر الدين، لأن من حق الصلاة أن تؤدى في الأمكنة النظيفة، والبقاع المحترمة.
الحديث الثاني والعشرون عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((في مرابض الغنم)) وفي معناه ما رواه الإمام الشافعي ﵁ عن ابن مغفل عن النبي ﷺ قال: ((إذا أدركتم الصلاة وأنتم في مرابض الغنم فصلوا فيها، فإنها سكينة وبركة، وإذا أدركتم الصلاة أنتم في أعطان الإبل فاخرجوا منها فصلوا؛ فإنه جن من جن خلقت، ألا ترونها إذا نفرت كيف تشمخ بأنفها؟)).
((قض)): المرابض جمع مربض، وهو مأوى الغنم، والأعطان المبارك، والفارق أن الإبل كثير الشرار، شديد النفار، فلا يأمن المصلي في أعطانها من أن ينفر ويقطع الصلاة عليه، ويتشوش قلبه؛ فيمنعه من الخشوع فهيا، وإليه أشار: ((لا تصلوا في مبارك الإبل؛ فإنها من الشياطين)) ولا كذلك في مرابض الغنم.
واختلف العلماء في أن النهي الوارد عن الصلاة في المواطن السبعة للتحريم أو للتنزيه، ثم القائلون بالتحريم اختلفوا في الصحة خلافاً مبنياً علي أن النهي هل يدل علي الفاسد؟ وفيه أربعة مذاهب: أحدها أنه يدل مطلقاً، وثإنيها أنه لا يدل مطلقاً، وثالثها الفرق بين ما ورد في العبادات، وبين ما ورد في المعاملات ونحوها، ورابعها الفرق بين ما إذا كان متعلق النهي نفس الفعل، وما يكون لازماً كصوم يوم العيد، والصلاة في الأوقات المكروهة، وبيع الربا، وبين ما لا يكن كذلك، كالصلاة في دار المغصوبة، والودي وأعطان الإبل، والبيع وقت النداء.
الحديث الثالث والعشرون عن ابن عباس: قوله: ((زائرات القبور)) ((حس)): كان هذا قبل الترخيص، فلما رخص دخل في الرخصة الرجال والنساء. وقيل: بل نهي النساء عن زيارة القبور باق، لقلة صبرهن، وكثرة جزعهن إذا رأين القبور، والنهي عن الإسراج في القبور إنما
стр. 527
القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج. رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي. [٧٤٠]
٧٤١ - وعن أبي أمامة، قال: إن حبراً من اليهود سأل النبي ﷺ : أي البقاع خير؟ فسكت عنه، وقال: ((أسكت حتى يجيء جبريل))، فسكت، وجاء جبريل ﵇، فسأل، فقال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل؛ ولكن أسأل ربي تبارك وتعالي. ثم قال جبريل: يا محمدا! إني دنوت من الله دنواً ما دنوت منه قط. قال: ((وكيف كان يا جبريل؟)) قال: بيني وبينه سبعون ألف حجاب من نور، فقال: شر البقاع أسواقها، وخير البقاع مساجدها. [٧٤١]
ــ
كان لتضييع المال، لأنه لا نفع فيه لأحد، ويحتمل أن يكون النهي للاحتزاز عن تعظيم القبور، كالنهي عن اتخاذ القبور مساجد.
الحديث الرابع والعشرون عن أبي أمامة ﵁: قوله: ((إن حبرا)) ((نه)): الخبر والحبر- بفتح الحاء وكسرها- العالم، وكان يقال لابن عباس الحبر والبحر لعلمه وسعته.
قوله: ((سكت وقال: أسكت)) أي سكت وقال في نفسه: أسكت، لا أنه نطق به. وفيه أن من استفتى عن مسألة لم يعلمها فعليه أن لا يعجل في الإفتاء، ولا يستنكف عن الاستفتاء عمن هو أعلم منه، ولا يتبادر إلي الاجتهاد ما لم يضطر إليه؛ فإن ذلك من سنة رسول الله وسنة جبريل ﷺ .
فإن قلت: كيف قرن المساجد بالأسواق؟ وكم من بقاع شر من الأسواق. قلت: ذهب في التقابل إلي معنى الإلهاء والاشتغال. وإن العز الديني يدفعه الأمر الدنيوي. ولا شك أن الأسواق معدن الإلهاء عن ذكر الله وما والاه. ألا ترى إلي أنه تعالي كيف وصف أولياءه الذين جعلوا المسجد مأواهم بقوله: ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع- إلي قوله- رجال لا تلهيهم تجارة
стр. 528
الفصل الثالث
٧٤٢ - عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من جاء مسجدي هذا لم يأت إلا لخير يتعلمه أو يعلمه، فهو بمنزلة المجاهد في سبيل الله. ومن جاء لغير ذلك؛ فهو بمنزلة الرجل ينظر إلي متاع غيره)) رواه ابن ماجه، والبيهقي في ((شعب الإيمان)). [٧٤٢]
٧٤٣ - وعن الحسن مرسلا، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يأتي علي الناس زمان
ــ
ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة﴾ وقوله تعالي: ﴿فاسعوا إلي ذكر الله وذروا البيع﴾ فعلي هذا قوله: ((شر البقاع أسواقها)) جاء مقرراً لما يعرف به خيرية المساجد، وبضدها تتبين الأشياء، كأنه قال: خير البقاع بقعة مخلصة لذكر الله، مسلمة عن الشوائب الدنيوية، فالجواب من الأسلوب الحكيم، حيث سئل عن الخير أجيب عنه بضده، وقدم الداء علي الدواء؛ والمرض علي الشفاء، لما عسى أن يبدر من المكلف شيء في بيت الشيطان فيتداركه في بيت الرحمن. ولا تظنن أن شأن المساجد وبناءها والاجتماع فيها للجماعات أمر هين. فإن مثل رأس الكرويين وسفير [المسلمين] لم يحصل له دنو مثل ذلك الدنو، وما ذلك إلا لتعظيم المساجد، ﴿ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((لم يأت)) أي جاء مسجدي حال كونه غير آت إلا لخير. قوله: ((ومن جاء لغير ذلك)) يوهم أن الصلاة داخلة فيه، وليس كذلك؛ لأن أمر الصلاة مفروغ عنه، وأنها مستثناة من أصل الكلام، وقوله: ((بمنزلة الرجل)) فيه معنى التشبيه كأنه شبه حالة من أتى المسجد لغير الصلاة والتعلم بحالة من ينظر إلي متاع الغير بغير إذنه، ومع ذلك لم يقصد تملكه بوجه شرعي، فإن ذلك محظور وكذلك إتيان المسجد لغير ما بني له محظور، لاسيما مسجد رسول الله ﷺ فإنه يجب توقيره وتعظيمه إجلالاً وتبجيلاً لمكانة صاحبه ﷺ ولا يدخله عبثاً، ولا ماراً، فكيف بغيرهما؟.
الحديث الثاني عن الحسن ﵁: قوله: ((فليس لله فيهم حاجة)) كناية عن براءة الله (سبحانه وتعالي) عنهم، وخروجهم عن ذمة الله، وإلا فالله (سبحانه وتعالي) منزه عن الحاجة مطلقاً. وفيه تهديد عظيم ووعيد شديد، وذلك أنه ظالم في ظلمه، حيث يضع الشيء في غير موضعه، وقد مر بيان المضاد بين المسجد والسوق، وما بنينا لأجله.
стр. 529
يكون حديثهم في مساجدهم في أمر دنياهم. فلا تجالسوهم؛ فليس لله فيهم حاجة)) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [٧٤٣]
٧٤٤ - وعن السائب بن يزيد، قال: كنت نائماً في المسجد، فحصبني رجل، فنظرت، فإذا هو عمر بن الخطاب. فقال: اذهب فأتني بهذين. فجئته بهما. فقال: ممن أنتما- أو من أين أنتما-؟ قالا: من أهل الطائف. قال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجتكما؛ ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ ؟! رواه البخاري.
٧٤٥ - وعن مالك، قال: بني عمر رحبة في ناحية المسجد تسمى البطيحاء، وقال: من كان يريد أن يلغط، أو ينشد شعراً، أو يرفع صوته؛ فليخرج إلي هذه الرحبة. رواه في الموطأ. [٧٤٥]
ــ
الحديث الثالث عن السائب بن يزيد: قوله: ((فحصبني رجل)) ((نه)): أي رجمني بالحصاء، وهي الحجارة الصغار. ((مح)): يكره رفع الصوت في المسجد بالعلم وغيره. قوله: ((لو كنتما من أهل المدينة لأوجتكما)) لما لم تكونا معذورين حينئذ. وقوله: ((ترفعان أصواتكما)) جملة مستأنفة للبيان.
الحديث الرابع عن مالك ﵁: قوله: ((رحبة)) ((المغرب)): الرحبة- بالفتح- الصحراء بين أفنية القوم، ورحبة المسجد ساحته. قال أبو علي الدقاق: لا ينبغي للحائض أن تدخل رحبة مسجد الجماعة، متصلة كانت أو منفصلة. وتحريك الحاء أحسن. وأما في حديث علي ﵁ وصف ضوء رسول الله ﷺ في رحبة الكوفة فإنها دكان في وسط مسجد الكوفة، كان ﵁ يقعد فيه ويعظ. قوله: ((أن يلغط)): اللغط صوت وضجة لا يفهم معناه.
стр. 530
٧٤٦ - وعن أنس، قال: رأي النبي ﷺ نخامة في القبلة، فشق ذلك عليه حتى رؤي في وجهه، فقام فحكه بيده، فقال: ((إن أحدكم إذا قام في الصلاة فإنما يناجي ربه، وإن ربه بينه وبين القبلة، فلا يبزقن أحدكم قبل قبلته، ولكن عن يساره، أو تحت قدمه))، ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه، ثم رد بعضه علي بعض، فقال: ((أو يفعل هكذا)) رواه البخاري.
٧٤٧ - وعن السائب بن خلاد، - وهو رجل من أصحاب رسول الله ﷺ ، قال: إن رجلا أم قوماً، فبصق في القبلة، ورسول الله ﷺ ينظر، فقال رسول الله ﷺ لقومه حين فرغ: ((لا يصلي لكم)). فأراد بعد ذلك أن يصلي لهم، فمنعوه، فأخبروه بقول رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: نعم، وحسبت أنه قال: ((إنك قد آذيت الله ورسوله)) رواه أبو داود. [٧٤٧]
٧٤٨ - وعن معاذ بن جبل، قال: احتبس عنا رسول الله ﷺ ذات غداة عن
ــ
الحديث الخامس عن أنس ﵁: قوله: ((نخامة)) ((نه)): وهي البزقة التي تخرج من أقصى الحلق، ومن مخرج الخاء المعجمة. وقوله: ((حتى رؤي في وجهه)) الضمير الذي أقيم مقام الفاعل راجع إلي معنى قوله: ((شق ذلك عليه)) وهو الكراهة.
قوله: ((وإن ربه بينه وبين القبلة)) ((حس)): معناه أنه يقصد ربه بالتوجه إلي القبلة، فيصير بالتقدير كأنه مقصود بينه وبين القبلة، فأمر أن يصان تلك الجهة عن البزاق. ((مح)): الأمر بالبصاق عن يساره وتحت قدمه هو فيما إذا كان في غير المسجد، وأما في المسجد فلا يبصق إلا في ثوبه.
الحديث السادس عن السائب بن خلاد ﵁: قوله: ((لا يصلي لكم)) وكان أصل الكلام لا تصل لهم، فعدل إلي النفي ليؤذن بأنه لا يصلي للإمامة، وأن بينه وبينها منافاة. وأيضاً في الإعراض عنه غضب شديد عليه، حيث لم يجعله محلاً للخطاب، وذلك لسوء أدبه بين يدي ربه. قوله: ((فذكر ذلك)) أي ذكر الرجل قولهم: إنك منعتني عن الإمامة، أكذا هو؟ فقال: نعم. وقوله: ((حسبت)) من كلام الراوي، حسبت أن رسول الله ﷺ تكلم بهذه الزيادة.
الحديث السابع عن معاذ بن جبل ﵁: قوله: ((نتراءى عين الشمس)) وضع ((نتراءى)) موضع ((نرى)) للجمع. قوله: ((فثوب)) ((نه)): التثويب ههنا إقامة الصلاة، والأصل فيه
стр. 531
صلاة الصبح، حتى كدنا نتراءى عين الشمس، فخرج سريعاً، فثوب بالصلاة، فصلي رسول الله ﷺ وتجوز في صلاته. فلما سلم دعا بصوته، فقال لنا: ((علي مصافكم كما أنتم))، ثم انفتل إلينا، ثم قال: ((أما إني سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة: إني قمت من الليل، فتوضأت وصليت ما قدر لي، فنعست في صلاتي حتى استثقلت، فإذا أنا بربي تبارك وتعالي في أحسن صورة، فقال: يا محمد! قلت: لبيك رب!. قال: فيم يختصم الملأ الأعلي؟ قلت: لا أدري. قالها ثلاثاً)). قال: ((فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثديي، فتجلي لي كل شيء وعرفت. فقال: يا محمد! قلت: لبيك رب! قال: فيم يختصم الملأ الأعلي؟ قلت: في الكفارات. قال: وما هن؟ قلت: مشي الأقدام إلي الجماعات، والجلوس في المساجد بعد الصلوات، وإسباغ الوضوء حين الكريهات. قال: ثم فيم؟ قلت: في الدرجات. قال: وما هن؟
ــ
أن يجيء الرجل مستصرخاً فيلوح بثوبه ليرى ويشتهر، فسمى الدعاء تثويباً لذلك، وكل داع مثوب.
قوله: ((تجوز في صلاته)) ((نه)): أي خفف وأسرع بها. وقوله: ((علي مصافكم)) أي اثبتوا عليها، وهي جمع مصف، وهو موضع الصف. ((وأسألك حبك)) يحتمل أن يكون أنني أسألك حبك إياي، أو حبي إياك، وعلي هذا يحمل قوله: ((وحب من يحبك)). وأما قوله: ((حب عمل يقربني إلي حبك)) فيدل علي أنه طالب لمحبة العمل، حتى يكون وسيلة إلي محبة الله تعالي إياه، فينبغي أن يحمل الحديث علي أقصى ما يمكن من المحبة في الطرفين، ولعل السر في تسميته بحبيب الله لا يخلو من هذا. وقد أشبعنا القول في معنى الحديث في الفصل الثاني، ونقلنا هناك عن التوربشتي أنه قام: تلك الرؤيا كانت في المنام، واستشهد بالحديث الذي رواه الطبرإني، ويروى أيضاً عن الإمام أحمد بن حنبل: أنها كانت في اليقظة، حيث قال: ((فنعست في صلاتي حتى استيقظت)) وقد روينا في الحديث عن الإمام أحمد: ((فنعست في صلاتي حتى استثقلت)) فدل علي أنها كانت في المنام. قوله: ((النعاس)) النوم القليل، قال الله تعالي: ﴿إذ يغشيكم النعاس أمنة منه﴾ والله أعلم.
((غب)) قوله: ((ثم تعلموها)) أي لتعلموها، فحذف اللام، وأنشد الدار الحديثي:
قلت لبواب لديه دارنا تيذن فإني حموها وجارها
стр. 532
قلت: إطعام الطعام، ولين الكلام، والصلاة والناس نيام. ثم قال: سل، قل: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنة في قوم فتوفني غير مفتون، وأسألك حبك وحب من يحبك، وحب عمل يقربني إلي حبك)). فقال رسول الله ﷺ : ((إنها حق فادرسوها ثم تعلموها)). رواه أحمد، والترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وسألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث. فقال: هذا حديث صحيح.
٧٤٩ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: كان رسول الله ﷺ يقول إذا دخل المسجد: ((أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم)). قال: ((فإذا قال ذلك، قال الشيطان: حفظ مني سائر اليوم)) رواه أبو داود. [٧٤٩]
ــ
أصله لتيذن، ولم يضطر إليه إذ يمكنه أن يقول: ايذن لي. لا يقال: أصله يتذن بالرفع، فأسكن ضرورة، إذ لو كان كذلك لقال: ((يئذن أنى)) بغير الفاء.
قوله: ((هذا حديث حسن)) قال ابن الصلاح: فيه إشكال؛ لأن الحسن قار عن الصحيح، فالجمع بينهما في حديث واحد جمع بين المتافيين. وجوابه أن ذلك راجع إلي الإسناد، فإذا روي الحديث بإسنادين، أحدهما حسن، والآخر صحيح، استقام أن يقال فيه: إنه حسن صحيح. أو أراد بالحسن معناه الغوي، وهو ما يميل إليه النفس ولا يأباه.
الحديث الثامن عن عبد الله بن عمرو: قوله: ((فإذا قال ذلك)) الفاء دلت علي محذوف، أي فقال النبي ﷺ : ((إذا قال المؤمن ذلك قال الشيطان)) إلي آخره.
الحديث التاسع عن عطاء ﵁: قوله: ((لا تجعل قبري وثناً)) فيه تشبيه، أي لا تجعل قبري مثل الوثن المعبود في تعظيم الناس وعودهم للزيارة إليه بعد بدءهم واستقبالهم نحوه في السجود، كما نسمع ونشاهد الآن في بعض المزارات والمشاهد. وقوله: ((اشتد غضب الله)) استئناف، كأنه قيل: لم تدعو بهذا الدعاء وتتضرع فيه ويجعل قبرك كالوثن؟ فأجاب ترحماً علي أمته، وتعطفاً عليهم بقوله: ((أشتد غضب الله)) إلي آخره.
стр. 533
٧٥٠ - وعن عطاء بن يسار، قال: قال رسول الله ﷺ : ((اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله علي قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) رواه مالك مرسلا. [٧٥٠]
٧٥١ - وعن معاذ بن جبل، قال: كان النبي ﷺ يستحب الصلاة في الحيطان. قال بعض رواته:- يعني البساتين-: رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الحسن بن أبي جعفر، وقد ضعفه يحيى بن سعيد وغيره.
٧٥٢ - وعن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : ((صلاة الرجل في بيته بصلاة، وصلاته في مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة، وصلاته في المسجد الذي يجمع فيه بخمسمائة صلاة، وصلاته في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة، وصلاته في مسجدي بخمسين ألف صلاة، وصلاته في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة)) رواه ابن ماجه. [٧٥٢]
٧٥٣ - وعن أبي ذر، قال: قلت: يا رسول الله! أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: ((المسجد الحرام)). قال: قلت: ثم أي؟ قال: ((ثم المسجد الأقصى)).
ــ
الحديث العاشر والحادي والثاني عشر، عن أبي ذر ﵁: قوله: ((ثم الأرض لك مسجد)) يعني سألت يا أبا ذر عن أماكن بنيت مساجد، واختصت العبادة بها أيها أقدم زماناً، فأخبرتك بوضع المسجدين، وتقدمهما علي سائر المساجد، ثم أخبرك بما أنعم الله علي وعلي أمتي، من تسوية الجناح، وتسوية الأراضي في أداء العبادة فيها، كما ورد: ((جعلت لي الأرض مسجداً)) وطهوراً ولفظ الحديث موافق لقوله تعالي: ﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً﴾ والموضع غير، والبناء غير. ((الكشاف)): ((وضع للناس)) صفة البيت، والواضع
стр. 534
قلت: كم بينهما؟ قال: ((أربعون عاماً؛ ثم الأرض لك مسجد، فحيثما أدركتك الصلاة فصل)). متفق عليه.
(٨) باب الستر
الفصل الأول
٧٥٤ - عن عمر بن أبي سلمة، قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي في ثوب واحد مشتملاً به، في بيت أم سلمة، واضعاً طرفيه علي عاتقيه. متفق عليه.
ــ
هو الله ويدل عليه قراءة من قرأ: ((وضع للناس)) تسمية الفاعل، وهو الله تعالي، ومعنى وضع الله جعله متعبداً.
قال الإمام في التفسير الكبير: دلالة الآية علي الأولوية في الفضل والشرف أمر لابد منه؛ لأن المقصود الأول من ذكر الأولية بيان الفضيلة ترجيحاً له علي بيت المقدس، ولا تأثير للأولية في البناء في هذا الفصل. وروي عن علي ﵁ أنه سئل أهو أول بيت؟ قال: لا، قد كان قبله بيوت، ولكنه أول بيت وضع للناس مباركاً فيه الهدى، والرحمة، والبركة. علي أنهم ذكروا أن الكعبة إنما وضعت عند خلق السموات والأرض.
روي في التفسير عن عبد الله بن عمرو ومجاهد والسدي أنه أول بيت ظهر علي وجه الأرض عند خلق الأرض والسماء، وكانت زبدة بيضاء علي الماء، ثم دحيت الأرض تحته. ومن ثم سميت مكة أمة القرى. وقال ﷺ : ((ألا إن الله تعالي قد حرم مكة يوم خلق السموات والأرض)) فيكون وضع بيت المقدس بهذا المعنى في علم الله تعالي أربعين سنة بعد المسجد الحرام، وإن كان بين البنائين مدة متطاولة، فعلي هذا يحمل بناء إبراهيم ﵇ علي رفع ما انهدم من البيت، كما قال الله تعالي: ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت﴾ وكذلك داود وسليمان (عليهما الصلاة والسلام) رفعا قاعدة بيت المقدم بعد ما انهدم أو زادا فيه. والله أعلم.
باب الستر
الفصل الأول
الحديث الأول عن عمر بن أبي سلمة: قوله: ((مشتملاً به)) ((مح)): المشتمل، والمتوشح، والمخالف بين طرفيه معناها واحد هنا. قال ابن السكيت: المتوشح أن يأخذ طرف الثوب الذي ألقاه علي منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى، ويأخذ طرف الثوب الذي ألقاه علي الأيسر من تحت يده اليمنى، ثم يعقدها علي صدره.
стр. 535
٧٥٥ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس علي عاتقيه منه شيء)) متفق عليه.
٧٥٦ - وعنه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من صلي في ثوب واحد، فليخالف بين طرفيه)) رواه البخاري.
٧٥٧ - وعن عائشة، ﵂، قالت: صلي رسول الله ﷺ في خميصة لها أعلام، فنظر إلي أعلامها نظرة، فلما انصرف، قال: ((اذهبوا بخميصتي هذه إلي أبي جهم، وأتوني بأنبجإنية أبي جهم؛ فإنها ألهتني آنفاً عن صلاتي)) متفق عليه.
وفي رواية للبخاري، قال: ((كنت أنظر إلي علمها وأنا في الصلاة، فأخاف أن يفتنني)).
ــ
الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁: ((ليس علي عاتقيه منه شيء)) ((مح)): قالت العلماء: حكمته أنه إذا تزين به ولم يكن علي عاتقه منه شيء لم يأمن أن تنكشف عورته، بخلاف ما إذا جعل بعضه علي عاتقه، ولأنه قد يحتاج إلي إمساكه بيده أو يديه، فيشغل بذلك، ولا يتمكن من وضع اليد اليمنى علي اليسىرى، فتفوت السنة، والزينة المطلوبة في الصلاة، قال الله تعالي: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ ثم قال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي ﵁ والجمهور: هذا النهي للتنزيه، لا للتحريم، فلو صلي في ثوب واحد ساتر لعورته ليس علي عاتقه منه شيء صحت صلاته مع الكراهة. وأما أحمد وبعض السلف فذهبوا إلي أنه لا تصح صلاته، عملاً بظاهر الحديث.
الحديث الثالث والرابع، عن عائشة ﵂: قوله: ((في خميصة)) ((نه)): الخمائص ثياب خز أو صوف معلمة سوداء، وقيل: لا تسمى خميصة إلا أن تكون سوداء معلمة، وكانت من لباس الناس قديماً. ((تو)): فعلي هذا قول عائشة ﵂: ((لها أعلم)) علي وجه البيان والتأكيد.
قوله: ((بأنبجإنية)) ((نه)): المحفوظ بكسر الباء، ويروي بفتحها، وهو منسوب إلي منبج المدينة المعروفة، وهي مكسورة الباء، ففتحت في النسب، وأبدلت الميم همزة. وقيل: إنه منسوب إلي
стр. 536
٧٥٨ - وعن أنس، قال: كان قرام لعائشة سترت به جانب بيتها، فقال لها النبي ﷺ : ((أميطي عنها قرامك هذا، فإنه لا يزال تصاويره تعرض لي في صلاتي)). رواه البخاري.
٧٥٩ - وعن عقبة بن عامر، قال: أهدي لرسول الله ﷺ فروج حرير، فلبسه ثم صلي فيه، ثم انصرف فنزعه نزعاً شديداً كالكاره له، ثم قال: ((لا ينبغي هذا للمتقين)). متفق عليه.
ــ
موضع اسمه انبجان، وهو أشبه؛ لأن الأول فيه تعسف. وهو كساء يتخذ من الصوف، وهو خمل ولا علم له، وهو من أدون الثياب الغليظة، والهمزة فيها زائدة. ((خط)): إنها منسوبة إلي آذر بيجان، وقد حذفت بعض حروفها وعرب.
قوله: ((آنفاً)) ((نه)): يقال: فعلت الشيء آنفاً، أي في أقل ما يقرب مني، وزاد في الفائق: من ائتناف الشيء، وهو ابتداؤه. ((قض)): قيل: أرسل إليه لأنه كان أهداها إياه فلما ألهاه علمها، أي شغله عن الصلاة بوقوع نظره إلي نقوش العلم وألوانه، وتفكره في أن مثل ذلك للرعونة التي تليق به- ردها إليه، واستبدل منه أنبجإنية كيلا يتأذى قلبه بردها إليه. ((شف)): وفيه إيذان بأن للصور والأشياء الظاهرة تأثيراً ما في النفوس الطاهرة والقلوب الزكية. أقول: وفيه إشارة إلي كراهية الأعلام التي يتعاطاها الناس علي أردائهم، وقد نص عليها.
الحديث الخامس عن أنس ﵁: قوله: ((قرام)) ((نه)): وهو الستر الرقيق، وقيل: الصفيق من الصوف ذي ألوان، وقيل: القرام الستر الرقيق وراء الستر الغليظ، ولذلك أضافه في حديث آخر، وقيل: قرام ستر. ((وأميطي)) من الإماطة، وهي التنحية، (تعرض لي)) أي يظهر لي نقوشه.
الحديث السادس عن عقبة: قوله: ((فروج حرير)) ((نه)): هو القباء الذي شق من خلفه، قيل: الظاهر أن هذا كان قبل التحريم، فنزعه نزع الكاره؛ لما فيه من الرعونة، وذلك مثل ما بدا له في الخميصة. وقيل: كان بعده، وإنما لبسه استمالة لقلب من أهداه إليه، وهو المقوقس صاحب الإسكندرية، أو أكيدر صاحب دومة، أو غيرهما علي اختلاف فيه. أقول: يعلم من مفهوم قوله: ((لا ينبغي هذا للمتقين)) أن ذلك كان قبل التحريم؛ لأن المتقي وغيره في التحريم سواء.
стр. 537
الفصل الثاني
٧٦٠ - عن سلمة بن الأكوع، قال: قلت: يا رسول الله! إني رجل أصيد؛ أفأصلي في القميص الواحد؟ قال: ((نعم، وازرره ولو بشوكة)) رواه أبو داود، وروى النسائي نحوه. [٧٦٠]
٧٦١ - وعن أبي هريرة، قال: بينما رجل يصلي مسبل إزاره، قال له رسول الله ﷺ : ((اذهب فتوضأ))، فذهب وتوضأ، ثم جاء. فقال رجل: يا رسول الله! مالك أمرته أن يتوضأ؟ قال: ((إنه كان يصلي وهو مسبل إزاره، وإن الله لا يقبل صلاة رجل مسبل إزاره)) ((رواه أبو داود. [٧٦١]
ــ
الفصل الثاني
الحديث الأول عن سلمة ﵁: قوله: ((أصيد)) ((نه)): هكذا جاء في رواية، وهو الذي في علة لا يمكنه الالتفات معها، والمشهور أصيد من الاصطياد، والثاني أنسب لأن الاصطياد يطلب الخفة، وربما يمنعه الإزار من العدو خلف الصيد، ويدل عليه قول محيي السنة بعد هذا. قوله: ((نعم، وازرره)) أي صل فيه وازرره. ((حس)): هذا إذا كان جيب القميص واسعاً يظهر منه عورته فعليه أن يزر.
الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((مسبل إزاره)) صفة بعد صفة لـ ((رجل)). قال ابن الأعرابي: المسبل الذي يطول ثوبه، ويرسله إلي الأرض، يفعل ذلك تبختراً واختيالاً. ((مظ)): يعني أن الله تعالي لا يقبل كمال صلاة رجل يطول ذيله. وإطالة الذيل عند الشافعي مكروهة، سواء كانت في الصلاة أو غيرها، ومالك يجوزها في الصلاة، ولا يجوزها في المشي؛ لظهور الخيلاء فيه، وليس كذلك في الصلاة. أقول: لعل السر في أمره بالتوضؤ- وهو طاهر- أن يتفكر الرجل في سبب ذلك الأمر، فيقف علي ما ارتكبه من شنعاء، وأن الله تعالي ببركة أمر رسول الله ﷺ بطهارة الظاهر يطهر باطنه من التكبر والخيلاء؛ لأن طهارة الظاهر مؤثرة في طهارة الباطن؛ فعلي هذا ينبغي أن يعبر كلام رسول الله ﷺ عن أن الله لا يقبل صلاة المتكبر المختال، فتأمل في طريق هذا التشبيه، ولطف هذا الإرشاد.
ومنها ما روي عن عطية قال: قال النبي ﷺ : ((إن الغضب [خلق] من الشيطان وإن
стр. 538
٧٦٢ - وعن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((لا تقبل صلاة حائض إلا بخمار)) رواه أبو داود، والترمذي. [٧٦٢]
٧٦٣ - وعن أم سلمة، أنها سألت رسول الله ﷺ : أتصلي المرأة في درع وخمار ليس عليها إزار؟ قال: ((إذا كان الدرع سابغاً يغطي ظهور قدميها)) رواه أبو داود، وذكر جماعة وقفوه علي أم سلمة. [٧٦٣]
٧٦٤ - وعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ نهي عن السدل في الصلاة، وأن يغطي الرجل فاه. رواه أبو داود، والترمذي. [٧٦٤]
ــ
الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ)) أخرجه أبو داود. ولعل الرجل كان بليغاً متنبهاً للرمزة فطهر ظاهره وباطنه، وإلا فلم يكن يقرره علي ما كان عليه.
الحديث الثالث عن عائشة ﵂: قوله: ((حائض)) ((نه)): أي التي بلغت سن المحيض وجرى عليها القلم، حاضت أو لم تحض، ولم يرد في أيام حيضها، لأن الحائض لا صلاة عليها. ((حس)): فيه دليل علي أن رأسها عورة، فلو كشفتها في الصلاة فلا تصح صلاتها، هذا في الحرة، وأما في الأمة فتصح صلاتها مكشوفة الرأس، وعورتها ما بين سرتها وركبتها كالرجل.
أقول- والله أعلم-: كان من حق الظاهر أن يقال: لا تقبل صلاة الحرة إلا بخمار، فكنى عنها بما يختص بها من الوصف، توهيناً لها بما يصدر عنها من كشف رأسها، كأنه قيل: غطى رأسك باذات المحيض، ومن ثم سمى الله تعالي المحيض بالأذى.
الحديث الرابع عن أم سلمة: قوله: ((في درع)) ((نه)): درع المرأة: فميصها، والسبوغ الشمول والسعة. ((شف)): في الحديث دلالة علي أن ظهر قدميها عورة يجب سترها. ((حس)): قال الشافعي ﵁: إذا انكشف شيء مما سوى الوجه واليدين فعليها الإعادة.
قوله: ((وذكر)) أي ذكر أبو داود أو أحد من الرواة جماعة من المحدثين وقفوا هذا الحديث، وقصروا به علي أم سلمة. والموقوف عند الإطلاق ما روي عن الصحابي من قوله أو فعله.
стр. 539
٧٦٥ - وعن شداد بن أوس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((خالفوا اليهود، فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم)) رواه أبو داود. [٧٦٥]
٧٦٦ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: بينما رسول الله ﷺ يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأي ذلك القوم، ألقوا نعالهم. فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته، قال: ((ما حملكم علي إلقائكم نعالكم؟)) قالوا: رأيناك ألقيت نعليك، فألقينا نعالنا. فقال رسول الله ﷺ : ((إن جبريل أتإني فأخبرني أن فيهما قذراً. إذا جاء أحدكم المسجد، فلينظر، فإن رأي في نعليه قذراً، فليمسحه، وليصل فيهما)) رواه أبو داود، والدارمي. [٧٦٦]
ــ
الحديث الخامس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((عن السدل)) ((فا)): هو إرسال الثوب من غير أن يضم جانبيه. ((نه)): هو أن يلتحف بثوبه ويدخل يديه من داخل، فيركع ويسجد وهو كذلك. ((قض)): السدل منهي عنه مطلقاً؛ لأنه من الخيلاء، وهو في الصلاة أشنع وأقبح. ((تو)): خص النهي بالمصلي لأن عادة العرب شد الإزار علي أوساطهم حال التردد، فإن انتهوا إلي المجالس والمساجد أرخوا العقد وأسبلوا الإزار حتى يصيب الأرض، فإن ذلك أروح لهم، وأسمح بقيامهم وقعودهم، فنهوا عنه في الصلاة؛ لأن المصلي يشغل بضبطه، ولا يأمن أن ينفصل عنه في انتقالاته، لاسيما عند القيام من القعود، فإنه ربما تتشبث فيه عند النهوض رجله فينفصل عنه، فيكون مصلياً في الثوب الواحد، وهو منهي عنه، وربما يضم إليه جوانب ثوبه، فتصدر عنه الحركات المتداركة، وقد شاهدت هذه الهيئة من أناس من أهل مكة يعتادونها.
قوله: ((أن يغطي الرجل)) ((قض)): كانت العرب يتلثمون بالعمائم، فيغطون أفواههم، فنهوا عنه، لأنه يمنع حسن اهتمام القراءة، وتكميل السجود. ((حس)): إن عرض له التثاؤب جاز له أن يغطي فمه بثوبه ويده، لحديث ورد فيه.
الحديث السادس، والسابع عن أبي سعيد: قوله: ((فوضعهما عن يساره)) صحت روايته بلفظ ((عن)) وفيه معنى التجاوز أي وضعهما بعيداً متجاوزاً عن يساره، ولذلك ألقى الأصحاب نعالهم تأسياً به ﷺ . ((قض)): فيه دليل علي وجوب متابعته ﷺ لأنه لما سألهم عن الحامل لهم علي الخلع أجابوا بالمتابعة، وقررهم علي ذلك. وذكر المخصص، علي أن المستصحب للنجاسة إذا جهل صحت صلاته، وهو قول قديم للشافعي ﵁؛ لأنه ﷺ لما أعلمه جبريل
стр. 540
٧٦٧ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا صلي أحدكم، فلا يضع نعليه عن يمينه، ولا عن يساره، فتكون عن يمين غيره، إلا أن لا يكون عن يساره أحد، وليضعهما بين رجليه)). وفي رواية: ((أو ليصل فيهما)) رواه أبو داود، وروى ابن ماجه معناه. [٧٦٧]
الفصل الثالث
٧٦٨ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: دخلت علي النبي ﷺ فرأيته يصلي علي حصير يسجد عليه. قال: ورأيته يصلي في ثوب واحد متوشحاً به. رواه مسلم.
٧٦٩ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي حافياً ومنتعلاً. رواه أبو داود. [٧٦٩]
ــ
خلع النعال ولم يستأنف، ومن يرى فساد الصلاة حمل القذر علي ما يستقذر عرفا كالمخاط، وعلي أن من تنجس نعله إذا دلك علي الأرض طهر، وجاز الصلاة فيه، وهو أيضاً قول قديم للشافعي؛ لقوله: ((فليمسحه وليصل فيهما)). ومن يرى خلافه أو بما ذكرناه. ((شف)): في إتيان جبريل عنده ﷺ وإخباره إياه بما أخبره شدة الاعتناء به وبشأنه ﷺ وأن عبادته ﷺ لا تلهيه عن نزول جبريل ﷺ .
الحديث الثامن عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((فتكون)) نصب جواباً للنهي أي وضعه عن يساره مع وجود غيره سبب لأن يكون عن يمينه صاحبه، فعلي المؤمن أن يحب لصاحبه ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((يصلي علي حصير)) ((مح)): فيه دليل علي جواز الصلاة علي شيء يحول بينه وبين الأرض من ثوب وحصير، وصوف، وشعر، وغير ذلك، سواء نبت من الأرض أم لا قال القاضي عياض: الصالة علي الأرض أفضل من المذكور؛ لأن شرط الصلاة التواضع والخضوع إلا الحاجة، كحر، أو برد، أو نجاسة الأرض.
стр. 541
٧٧٠ - وعن محمد بن المنكدر، قال صلي جابر في إزار قد عقده من قبل قفاه، وثيابه موضوعة علي المشجب. فقال له قائل: تصلي في إزار واحد؟ فقال: إنما صنعت ذلك ليرإني أحمق مثلك، وأينا كان له ثوبان علي عهد رسول الله ﷺ ؟! رواه البخاري.
٧٧١ - وعن أبي بن كعب، قال: الصلاة في الثوب الواحد سنة. كنا نفعله مع رسول الله ﷺ ولا يعاب علينا، فقال ابن مسعود: إنما كان ذاك إذ كان في الثياب قلة؛ فأما إذا وسع الله، فالصلاة في الثوبين أزكى. رواه أحمد [٧٧١]
ــ
الحديث الثاني، والثالث عن محمد: قوله: ((المشجب)) ((نه)): المشجب- بكسر الميم- عيدان تضم رءوسها وتفرج قوائمها، وتوضع عليها الثياب. قوله: ((تصلي)) همزة الإنكار محذوفة، أنكره إنكاراً بليغا، يعني مثل وقد صحبت النبي ﷺ تصلي في إزار واحد، وثيابك موضوعة علي المشجب؟ فكأنك ما شعرت بحال رسول الله ﷺ ؛ ولذلك زجره، وسماه أجمق، يعين كيف تنكر وتزعم إني خالفت سنة رسول الله ﷺ رأينا كان له ثوبان علي عهد رسول الله ﷺ . ((مح)): اجمعوا علي أن الصلاة في ثوبين أفضلـ فلو أوجبناه لعجز من لا يقدر عليهما، وفي ذلك حرج، قال الله تعالي: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾. وأما صلاة النبي ﷺ والصحابة ﵃ في ثوب واحد، ففي وقت كان لعدم ثوب آخر، وفي وقت كان مع وجوده لبيان الجواز.
الحديث الرابع عن أبي بن كعب: قوله: ((أزكى)) أي أطهر وأفضل؛ لأن الزكاة النمو الحاصل عن بركة الله تعالي، أو طهارة النفس عن الخصال الذميمة، وكلا المعنيين محتمل في الحديث، أما الفضل فظاهر، وأما التزكية فلأن المصلي لا يأمن إذا صلي في ثوب واحد م كشف عورته بهبوب ريح، أو حل العقدة، أو غيرهما، بخلاف الثوبين.
стр. 542
(٩) باب السترة
الفصل الأول
٧٧٢ - عن ابن عمر، قال: كان النبي ﷺ يغدو إلي المصلي والعنزة بين يديه تحمل، وتنصب بالمصلي بين يديه، فيصلي إليها. رواه البخاري.
٧٧٣ - وعن أبي جحيفة، قال: رأيت رسول الله ﷺ بمكة وهو بالأبطح في قبة حمراء من أدام، ورأيت بلالاً أخذ وضوء رسول الله ﷺ ، ورأيت الناس يبتدرون ذلك الوضوء، فمن أصاب منه شيئاً تمسح به، ومن لم يصب منه أخذ من بلل يد صاحبه. ثم رأيت بلالاً أخذ عنزة فركزها. وخرج رسول الله ﷺ في حلة حمراء مشمراً صلي إلي العنزة بالناس ركعتين. ورأيت الناس والدواب يمرون بين يدي العنزة. متفق عليه.
ــ
باب السترة
السترة ما يستر به الشيء، والمراد هاهنا سجادة، أو عصا، أو غير ذلك مما يتميز به موضع السجود. ((مح)): وقال العلماء: الحكمة في السترة كف البصر عما وراءها، ومنع من يجتاز بقربه، واختلف فيه. قال أصحابنا: ينبغي له أن يدنو من السترة، ولا يزيد علي ثلاثة أزرع، فإن لم يجد عصا ونحوها جمع حجارة أو تراباً، وإلا فليبسط مصلي، وإلا فليخط خطا، وسترة الإمام سترة المأموم إلا أن يجد الداخل فرجة في الصف الأول، فله أن يمر بين الصف الثاني؛ لتقصير أهل الصف الثاني.
الفصل الأول
الحديث الأول عن ابن عمر: قوله: ((العنزة)) ((نه)): هي مثل نصف الرمح، فيها سنان مثل سنان الرمح.
الحديث الثاني عن أبي جحيفة: قوله: ((بالإبطح)) ((تو)): الأبطح مسيل واسع فيه دقاق الحصى، والبطحاء اسم علم للمسيل الذي ينتهي إليه من وادي منى، وهو علي باب المعلي. قوله: ((تمسح به)) ((حس)): فيه دليل علي طهارة الماء المستعمل. ((الجوهري)): الحلة إزار ورداء، لا يسمى حلة حتى يكون ثوبين. ((نه)): وفي الحديث ((أنه رأي رجلاً عليه حلة قد اتزر بأحدهما وارتدى بالآخر)) ((خط)): قد نهي رسول الله ﷺ عن لبس المعصفر، وكره لهم الحمرة في اللباس، وكان ذلك منصرفاً إلي ما صبغ من الثياب بعد النسج، وأما ما صبغ غزله ثم نسج
стр. 543
٧٧٤ - وعن نافع، عن ابن عمر: أن النبي ﷺ كان يعرض راحلته فيصلي إليها. متفق عليه. وزاد البخاري، قلت: أفرأيت إذا هبت الركاب قال: كان يأخذ الرحل فيعدله، فيصلي إلي آخرته.
٧٧٥ - وعن طلحة بن عبيد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصل، ولا يبال من مر وراء ذلك)). رواه مسلم.
٧٧٦ - وعن أبي جهيم، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه، لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمر بين يديه)). قال أبو النضر: لا أدري قال: ((أربعين يوماً، أو شهراً، أو سنة)). متفق عليه.
ــ
فغير داخل في النهي؛ لأن مثل هذا يكون بعض ألوانه أحمر، وبعضه لوناً آخر، إلا أن يكون كله أحمر، وإنما نهي لأنه من لباس النساء. ((الجوهري)): فلان شمر إزاره تشميراً، رفعه، ويقال: شمر فلان عن ساقيه، وتشمر في أمره أي خف.
الحديث الثالث عن ابن عمر ﵄: قوله: ((يعرض)) ((تو)): يعني يعرض راحلته ينيخها بالعرض من القبلة، حتى تكون معترضة بينه وبين من مر بين يديه، من قولهم: عرض العود علي الإناء، والسيف علي فخذه، إذا وضعه بالعرض.
قوله: ((أفرأيت إذا هبت)) أي قال نافع: علمت هذه الحالة عند وجود الراحلة، فأخبرني ما كان يفعل عند ذهابها إلي المرعى؟ فقال ابن عمر: كان يأخذ الرحل، وكان من عادتهم أنهم يحطون رحلها عند سرحها. قال الزمخشري في أساس البلاغة: ومن المجاظ: هب فلان ثم قدم؛ أي سافر، وهبت الناقة في سيرها هبوباً وهبوباً، والركاب الإبل التي يسار عليها، الواحد راحة، ولا واحد لها من لفظها، والجمع ركب. ((تو)) تعديل الشيء تقويمه، يقال: عدلته فاعتدل، أي قومته فاستقام. قوله: ((إلي آخرته)) ((تو)): هي التي يستند إليه الراكب.
الحديث الرابع عن طلحة: قوله: ((مؤخرة الرحل)) ((مح)): المؤخرة- بضم الميم وكسر الخاء وهمزة ساكنة-، ويقال: بفتح الخاء مع فتح الهمزة وتشديد الخاء، ومع إسكان الهمزة وتخفيف الخاء-، ويقال: آخره الرحل بهمزة ممدودة وكسر الخاء، فهذه أربع لغات. وهي العود الذي في آخر الرحل.
الحديث الخامس عن أبي جهيم: قوله: ((بين يدي المصلي)) ظرف للمار، وقوله: ((ماذا عليه)) سد مسد المفعولين ليعلم. وقد علق عمله بالاستفهام.
стр. 544
٧٧٧ - وعن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا صلي أحدكم إلي شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفعه، فإن أبي فليقاتله، فإنما هو شيطان)). هذا لفظ البخاري، ولمسلم معناه.
٧٧٨ - وعن أبي هريرة [﵁] قال: قال رسول الله ﷺ : ((تقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب. ويقي ذلك مثل مؤخرة الرحل)). رواه مسلم.
٧٧٩ - وعن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ يصلي من الليل وأنا معترضة بيه وبين القبلة كاعتراض الجنازة. متفق عليه.
ــ
قوله: ((لا أدري)) ((تو)): عن الطحاوي في مشكل الآثار: إن المراد أربعون عاماً لا شهوراً وأياماً، واستدل بحديث أبي هريرة ﵁: أنه ﷺ قال: ((لو يعلم الذي يمر بين يدي أخيه معترضاً وهو يناجي ربه- لكان أن يقف مكانه مائة عام خيراً له من الخطوات التي خطاها)).
الحديث السادس عن أبي سعيد ﵁: قوله: ((فليقاتله)) ((مح)): أي فليدفعه بالقهر، وليس معناه جواز قتله، بل المعنى المبالغة في كراهية المرور بين المصلي وبين السترة، وقال القاضي عياض: فإن دفعه بما يجوز فهلك فلا قود عليه باتفاق العلماء. وهل تجب الدية أم يكون هدرا؟ فيه مذهبان للعلماء. وهما قولان في مذهب مالك.
قوله: ((فإنما هو شيطان)) ((خط)): معناه الشيطان يحمله عليه، أو هو شيطان لأن الشيطان هو المارد من الجن والإنس، وفي الحديث دليل علي أن العمل اليسير لا يبطل الصلاة.
الحديث السابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((يقطع الصلاة)) ((تو)): يحمل معنى قطع الصلاة بهذه الأشخاص علي قطعها المصلي عن مواطأة القلب واللسان في التلاوة، والذكر، والمحافظة علي ما يجب عليه محافظته ومراعاته. ((قض)): جمهور العلماء من الصحابة ومن بعدهم علي أن صلاة المصلي لا يقطعها ما يمر بين يديه لأحاديث واردة فيه، وحملوا الحديث علي المبالغة في الحث علي نصب السترة، وأن مرور المار مما يشغل قلب المصلي، وذلك قد يؤدي إلي قطع الصلاة.
الحديث الثامن عن عائشة ﵂: قوله: ((كاعتراض الجنازة)) جعلت ﵂ نفسها بمنزلة الميت في الجنازة، دلالة علي أنه لم يوجد ما يمنع المصلي من حضور القلب، ومناجاة الرب، بسبب اعتراضي بين يديه، بل كنت كالسترة الموضوعة لدفع المار. هذا التأويل موافقة لما في الحديث السابق من تخصيص ذكر المرأة وقطعها صلاة الرجل، لما فيها ما يقتضي ميل الرجال إلي النساء. والله أعلم.
стр. 545
٧٨٠ - وعن ابن عباس، قال: أقبلت راكباً علي أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الأحلام، ورسول الله ﷺ يصلي بالناس بمنى إلي غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت، وأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف، فلم ينكر ذلك علي أحد. متفق عليه.
الفصل الثاني
٧٨١ - عن أبي هريرة، قال قال رسول الله ﷺ ، إذا صلي أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئاً. فإن لم يجد؛ فلينصب عصاه. فإن لم يكن معه عصى؛ فليخطط خطا، ثم لا يضره ما مر أمامه)). رواه أبو داود، وابن ماجه. [٧٨١]
ــ
الحديث التاسع عن ابن عباس ﵄: قوله: ((ناهزت)) ((تو)): ناهز الصبي البلوغ إذا داناه. قوله: ((بمنى)) ((مح)): فيها لغتان: الصرف، والمنع، ولهذا يكتب بالألف والياء، والأجود صرفها. وكتابها بالألف، سميت بها لما يمنى بها من الدماء، أي يراق.
قوله: ((إلي غير جدار)) [خط]: يعني إلي غير سترة، والغرض من الحديث أن مرور الحمار بين يدي المصلي لا يقطع الصلاة، انتهي كلامه. فإن قلت: قوله: ((إلي غير جدار)) لا ينفي شيئاً غيره، فكيف فسره بالسترة؟ قلت: إخبار ابن عباس عن مروره بالقوم وعن عدم جدار، مع أنهم لم ينكروا عليه، وأنه مظنة إنكار- يدل علي حدوث أمر لم يعهد قبل ذلك، من كون المرور مع السترة غير منكر، فلو فرض سترة أخرى غير الجدار لم يكن لهذه الأخبار فائدة.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((تلقاء)) ((الجوهري)): جلس تلقاء أي حذاءه، والتلقاء أيضاً مصدر مثل اللقاء. ((قض)): إذا وجد المصلي بناء أو شجراً أو نحو ذلك جعله تلقاء وجهه، وإن لم يجد فلينصب عصاه، وإلا فليخط بين يديه خطاً، حتى يتعين به فصلا فلا يتخطاه المار، وهو دليل علي جواز الاقتصار عليه، وهو قول قديم للشافعي. قال الشيخ محيي الدين في شرح صحيح مسلم: ما رواه أبو داود من حديث الخط فيه ضعف واضطراب، لأن نصب لسترة علامة ظاهرة لينظر إليه المار فينحرف، والخط ليس بظاهر.
[الثاني ((سهل)):] قوله ((لا يقطع)) جواب للأمر. ((حس)): قالوا: يستحب أن يكون مقدار الدنو قدر إمكان السجود، وكذلك بين الصفين. قال عطاء: أدناه ثلاثة أذرع، وبه قال الشافعي وأحمد ﵄.
стр. 546
٧٨٢ - وعن سهر بن أبي حثمة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا صلي أحدكم إلي سترة، فليدن منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته)). رواه أبو داود. [٧٨٢]
٧٨٣ - وعن المقداد بن الأسود، قال: ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي إلي عود، ولا عمود، ولا شجرة إلا جعله علي حاجبه الأيمن أو الأيسر، ولا يصمد له صمداً. رواه أبو داود [٧٨٣]
٧٨٤ - وعن الفضل بن عباس، قال: أتانا رسول الله ﷺ ونحن في بادية لنا، ومعه عباس، فصلي في صحراء ليس بين يديه سترة، وحمارة لنا وكلبة تعبثان بين يديه، فما بالي بذلك. رواه أبو داود. وللنسائي نحوه. [٧٨٤]
٧٨٥ - وعن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يقطع الصلاة شيء، وادرؤوا ما استطعتم، فإنما هو شيطان)). رواه أبو داود. [٧٨٥]
ــ
الحديث الثالث عن المقداد: قوله: ((لا يصمد)) ((خط)): الصمد القصد، يقال: صمدت صمده، أي قصدت قصده. ((قض)): معناه أنه إذا كان يصلي إلي شيء منصوب بين يديه مما قصده قصداً مستوياً بحيث يستقبله بما بين عينيه، حذراً من أن يضاهي فعله عبادة الأصنام، بل يميل عنه.
الحديث الرابع عن الفضل: قوله: ((تبعثان)) أي: تلعبان. ((مظ)): التاء في حمارة وكلبة يحتمل أن تكون للوحدة، وللتإنيث.
الحديث الخامس عن أبي سعيد: قوله: ((لا يقطع الصلاة شيء)) يحتمل أن يراد به الدفع، المعنى لا يبطل الصلاة شيء من الدفع، فادفعوا المار بقدر استطاعتكم، حذف المار لدلالة السياق عليه، وأن يراد به المار والضمير المنصوب العائد محذوف. قيل: فيه دليل علي أن المرأة والكلب والحمار لا يقطع. وقيل يقطع للحديث السابق. وقيل تقطعها المرأة الحائض، والكلب الأسود، وبه قال ابن عباس. وقيل: لا يقطعها إلا الكلب الأسود، وبه قالت عائشة ﵂.
стр. 547
الفصل الثالث
٧٨٦ - عن عائشة، قالت: كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ ورجلاي في قبلته. فإذا سجد غمزني، فقبضت رجلي، وإذا قام بسطتهما. قالت: والبيوت يومئذ ليس فيه مصابيح. متفق عليه.
٧٨٧ - وعن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : ((لو يعلم أحدكم ماله في أن يمر بين يديه أخيه معترضاً في الصلاة، كان لأن يقيم مائة عام خير له من الخطوة التي خطا)). رواه ابن ماجه. [٧٨٧]
ــ
الفصل الثالث
الحديث الأول عن عائشة ﵂: قوله: ((غمزني)) ((نه)): هو العصر والكبس باليد، و ((غمزني)) جواب ((إذا))، ((فقبضت)) عطف عيله، وإذا نقل الفاء إلي ((غمزني)) كان الثاني هو الجواب. وفائدة نفي المصابيح اعتذاراً منها ﵂ حيث جعلت رجليها في موضع سجود رسول الله ﷺ . وأما قولها: ((فإذا قام بسطتهما)) فلتقرير رسول الله ﷺ إياها علي تلك الحالة.
الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((ما له)) أي ما له من الإثم، فحذف البيان وأطلق، ليدل الإبهام علي ما لا يقادر قدره من الإثم، وفي الحديث تقديم وتأخير، حيث نقل اللام من ((كان)) جواب لو إلي اسمه وهو ((أن يقيم)) وكذلك ((خير له)) خبر ((كان))، و ((أن يقيم)) الاسم؛ لأنه أوغل في التعريف فقلبه، حيث جعل الخبر اسماً، والاسم خبراً. ويعضد هذا التقدير الحديث الآتي، وذلك أنه أدخل اللام علي الجواب، أي ((كان))، ونصب ((خيراً له)) علي الخبر، فيكون ((أن يخسف)) اسمه. هذا وإن جواب لو في الحديثين ليس المذكور، بل ما دل عليه المذكور، إذ التقدير: لو يعلم المار ما عليه من الإثم لأقام مائة عام، وكانت الإقامة خيراً له، وكذا في الثاني: لو يعلم ما عليه من الإثم لتمنى الخسف به، وكان الخسف خيراً له. ويجوز أن يكون ((كان)) في الحديث الأول زائدة، مثل ما جاء في كلام العرب: ولدت فاطمة بنت الحرشب الكملة من بني قيس لم يوجد كان مثلهم. والتقدير لو يعلم أحدكم ما له ليعلم أن يقيم مائة عام خيراً له من الخطوة فأقام.
والأوجه أن يقال: اسم ((كان)) ضمير عائد إلي ((أحدكم))، أو يقدر ضمير الشأن، والجملة
стр. 548
٧٨٨ - وعن كعب الأحبار، قال: لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه؛ لكان [أن] يخسف به خيراً من أن يمر بين يديه. وفي رواية: أهون عليه. رواه مالك. [٧٨٨]
٧٨٩ - وعن ابن عباس، ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا صلي أحدكم إلي غير السترة، فإنه يقطع صلاته الحمار، والخنزير، واليهودي، والمجوسي، والمرأة. وتجزئ عنه إذا مروا بين يديه علي قذفة بحجر)). رواه أبو داود. [٧٨٩]
(١٠) باب صفة الصلاة
الفصل الأول
٧٩٠ - عن أبي هريرة [﵁]: أن رجلاً دخل المسجد ورسول الله ﷺ جالس في ناحية المسجد، فصلي، ثم جاء فسلم عليه. فقال له رسول الله ﷺ : ((وعليك السلام، ارجع فصل، فإنك لم تصل)). فرجع فصلي، ثم جاء، فسلم. فقال: ((وعليك السلام، ارجع فصل، فإنك لم تصل)). فقال في الثالثة- أو في التي بعدها-: علمني يا رسول الله! فقال: ((إذا قمت إلي الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القلة، فكبر، ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً،
ــ
خبر ((كان))، واللام لام الابتداء المقارنة بالمبتدأ، المؤكدة بمضمون الجملة أو اللام التي يتلقى بها القسم، وهو أقرب. والله أعلم.
الحديث الثالث والرابع ظاهران.
باب صفة الصلاة
الفصل الأول
الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((وعليك السلام))، قيل: عليك بلا واو يدل علي أن ما قاله بعينه مردود إليه خاصة، وإذا أثبت الواو وقع الاشتراك معه، والدخول فيما قال؛ لأن الواو تجمع بين الشيئين.
стр. 549
ثم ارفع حتى تستوي قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً)). – وفي رواية أخرى: ثم ارفع حتى تستوي قائماً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها)) – متفق عليه.
ــ
قوله: ((اقرأ بما تيسر)) أتى بالباء وليس في التنزيل الباء دلالة علي أن (اقرأ) يراد به الإطلاق، نحو: فلان يعطي ويمنع، أي أوجد القراءة باستعانة ما تيسر لك، كقوله تعالي: ﴿وأصلح لي في ذريتي﴾ أي أوقع الصلاح فيهم، و ((معك)) حال، و ((حتى)) في القرائن لغاية ما يتم به الركن، فدلت ((حتى)) علي أن الطمإنينة داخلة فيه، والمنصوب حال مؤكدة. ((حس)): أراد بـ ((ما تيسر معك من القرآن)) فاتحة الكتاب إذا كان يحسنها، ببيان الرسول ﷺ كقوله تعالي في الهدي ﴿فما استيسر من الهدي﴾ والمراد منه شاة ببيان السنة، وفيه دليل علي وجوب القراءة في الركعات كلها، كما يجب الركوع والسجود.
((تو)): من ذهب إلي أن الطمإنينة في الهيئات المذكورة فريضة فتمسك بظاهر اللفظ، ومن ذهب إلي أنها سنة فإنه يؤوله بنفي الكمال، وأن الأمر بالإعادة إنما كان لتركه فرضاً من فروضها، فلما قال: ((علمني)) وصف له كيفية إقامة الصلاة علي نعت الكمال، ولذلك بدأ في تعليمه بالأمر بإسباغ الوضوء، ولم يأمر بالإعادة، ولو لم يكن علي طهر لقال: ارجع فتوضأ والجواب أن أمره ﷺ بالرجوع والصلاة تم ترتبه علي قوله: ((فإنك لم تصل)) فإن المؤكدة وبناء الخبر علي اسم (إن) لإفادة التقوي في الحكم، وتكراره مرة بعد أخرى، ثم تعليمه إياه الهيئات المذكورة بتلك الصيغ البليغة هيئة بعد أخرى، دلالة علي الاعتناء بشأنها، وأن الكلام منصب إليها، فلا يحمله البليغ إلا علي الحقيقة؛ لأن الأصل في الإطلاق الحقيقة إذا لم يمنع مانع، لاسيما مع وجود القرائن الداعية إلي إثباتها، ومعاضدة الأحاديث الآتية لها، فلم يأت بشيء يخالفها، وسنبين في الحديث الثالث من الفصل الثالث من باب الركوع ما يحقق ذلك.
((الكشاف)): إذا كان الكلام منصباً إلي غرض من الأغراض جعل سياقة له، وتوجهه إليه، كأنما سواه مرفوض مطروح. وهذا أيضاً جواب عن قوله: وإنما كان لتركه فرضاً من فروضها، ثم قوله: وصف له كيفية إقامة الصلاة علي نعت الكمال. وأما قوله: بدأ في تعليمه بالأمر بإسباغ الوضوء إلي آخره فجوابه أنه ﷺ عرف بنور معجزاته أنه ترك إسباغ الوضوء دون فرائضه، ولذلك لم يأمر بالإعادة، ثم الأمر باستقبال القبلة مع أنه كان مستقبلاً للأمر بالكمال.
стр. 550
٧٩١ - وعن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بـ ﴿الحمد لله رب العالمين﴾. وكان إذا ركع لم يشخص رأسه، ولم يصوبه؛
ــ
وكذلك الأمر بتكبيرة الإحرام وبقراءة ما تيسر من القرآن، فدلت علي أن المذكورات في الصلاة من جنسها في الفريضة كما يقتضيه علم المعإني والبعيد، علي أن كم للصلاة من فرائض وسنن وآداب لم يذكرها في الحديث، لما لم يكن غرض فيها.
((مح)): هذا الحديث محمول علي بيان الواجبات دون السنن. فإن قيل: لم يذكر فيه كل الواجبات من المجمع عليه، كالنية، والقعود في التشهد الأخير، وترتيب أركان الصلاة، والمختلف فيه كالتشهد الأول، والصلاة علي النبي ﷺ . والجواب أن الواجبات المجمع عليها كانت معلومات عند السائل، فلم يحتج إلي بيانها، وكذلك المختلف فيها، وفيه دليل علي وجوب الاعتدال من الركوع، والجلوس، ووجوب الطمإنينة في الركوع، والسجود والجلوس بين السجدتين، وهو مذهب الجمهور، ولم يوجبها أبو حنيفة وطائفة يسيرة، وهذا الحديث حجة عليهم، وليس عنه جواب صحيح، وأما الاعتدال فمن المشهور من مذهبنا أنه يجب الطمإنينة فهي كما يجب في الجلوس بين السجدتين، ووقف في إيجابها فيه بعض أصحابنا، واحتج هذا القائل بقوله ﷺ في هذا الحديث: ((ثم ارفع حتى تعتدل قائماً)) اكتفي بالاعتدال، ولم يذكر الطمإنينة كما ذكر في سائرها.
((تو)) فإن قيل: لم سكت عن تعليمه أولاً حتى افتقر إلي الرجعة كرة بعد أخرى؟ قلنا: إن الرحل لما رجع لإعادة الصلاة ولم يستكشف الحال من مورد الوحي والإلهام، ومصدر الشرائع والأحكام، كأنه اغتر بما عنده من العلم، فسكت ﷺ عن تعليمه زجراً وتأديباً، وإرشاداً إلي استكشاف ما استبهم عليه بالسؤال، فلما رجع إلي السؤال، وطلب كشف الحال، أرشده إليه وبين ما استبهم عليه، والعلم عند الله. ((مح)): فيه الرفق بالمتعلم والجاهل، وملاطفته، وإيضاح المسألة له، وتلخيص المقاصد، والاقتصار في حقه علي المهم، دون المكملات التي لا يحتمل حاله حفظها، والقيام بها. وفيه استحباب السلام عند اللقاء وإن تكرر مع قرب العهد، ووجوب رده. وفيه أن من أخل ببعض واجبات الصلاة لا تصح صلاته، ولا يسمى مصلياً، بل يقال: لم يصل.
الحديث الثاني عن عائشة ﵂: قوله: ((يستفتح الصلاة)) ((قض)): يبدؤها ويجعل التكبير فاتحها، و ((القراءة)) عطف علي ((الصلاة)) أي يبتدئ القراءة بسورة الفاتحة. فيقرؤها، ثم يقرأ السورة، وذلك لا يمنع تقديم دعاء الاستفتاح، فإنه لا يسمى في العرف قراءة، ولا يدل علي أن
стр. 551
ولكن بين ذلك. وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائماً. وكان إذا رفع رأسه من السجدة لم يسج حتى يستوي جالساً. وكان يقول في كل ركعتين التحية. وكان يفرش رجله اليسرى، وينصب رجله اليمنى. وكان ينهي عن عقبة الشيطان، وينهي أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع. وكان يختم الصلاة بالتسليم. رواه مسلم.
٧٩٢ - وعن أبي حميد الساعدي، قال في نفر من أصحاب رسول الله ﷺ : أنا
ــ
التسمية ليست من الفاتحة، إذ ليس المراد أنه كان يبتدئ القراءة بلفظ الحمد لله، بل المراد منه أن يبدأ بقراءة السورة مفتتحها الله كما يقال: قراءتي ﴿قل هو الله أحد﴾.
قوله: ((وكان إذا ركع لم يشخص رأسه)) أي لم يرفعه، من أشخصت كذا رفعته، وشخص شخوصاً إذا ارتفع. قوله: ((ولم يصوبه)) أي لم يرسله، وأصل الصوب النزول من أعلي نحو أسفل ولكن بين ذلك، أي يجعل رأسه بين التصويب والتشخيص بحيث يستوي ظهره وعنقه [كالصفحة] الواحدة، و ((بين)) وإن كان من حقه أن يضاف إلي شيئين فصاعداً إلا أن ((ذلك)) لما كان بمعنى شيئين من حيث وقع مشاراً به إلي مصدر الفعلين المذكورين- حسن إضافته كان بمعنى شيئين من حيث وقع مشارا به إلي مصدر الفعلين المذكورين- حسن إضافته إليه. ((وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائماً)) دليل علي وجوب الرفع، والاعتدال؛ لأن فعله في الصلاة دليل علي الوجوب ما لم يعارضه ما يدل علي أنه ندب؛ لقوله ﷺ : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) وهو مذهب الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يجب الاعتدال، ولا الرفع، بل لو انحط من الركوع إلي السجود جاز، وروى عن مالك وجوب الرفع وعدمه.
قوله: ((وكان يقول في كل ركعتين: التحيات)) أي يتشهد في كل ركعتين، وسمي الذكر المعين تحية وتشهداً لاشتماله علي التحية والشهادة. قوله. ((وكان ينهي عن عقبة الشيطان)) أي الإقعاء في الجلسات وهو أن يضع إليته علي عقبيه. قوله: ((وينهي أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع)) أي أن يبسط ذراعيه كما تبسط السباع، ولا يقلبهما هويا إذا سجد، وتقييد النهي بالرجل يدل علي أن المرأة لا [تخوي].
الحديث الثالث عن أبي حميد: قوله: ((أمكن يديه)) ((المغرب)): يقال: مكنه من الشيء وأمكنه منه، أقدره عليه، ومنه الحديث: ((ثم أمكن يديه من ركبتيه)) أي مكنها من أحدهما والقبض عليهما. قوله: ((هصر ظهره)) ((نه)): أي ثناه إلي الأرض، وأصل الهصر أن يأخذ برأس العود فيثنيه إليه ويعطفه. والفقار مفاصل الصلب، واحدتها فقارة بالفتح.
стр. 552
أحفظكم لصلاة رسول الله ﷺ : رأيته إذا كبر جعل يديه حذاء منكبيه، وإذا ركع أمكن يديه م ركبتيه، ثم هصر ظهره، فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فقار مكانه، فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما، واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة، فإذا جلس في الركعتين جلس علي رجله اليسرى ونصب اليمنى، فإذا جلس في الركعة الآخرة قدم رجله اليسرى ونصب الأخرى، وقعد علي مقعدته رواه البخاري.
٧٩٣ - وعن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك، وقال: ((سمع الله لمن حمده))، ربنا لك الحمد)). وكان لا يفعل ذلك في السجود. متفق عليه.
٧٩٤ - وعن نافع: أن ابن عمر كان إذا دخل في الصلاة كبر ورفع يديه، وإذا ركع رفع يديه، وإذا قال: سمع الله لمن حمده؛ رفع يديه، وإذا قام من الركعتين رفع يديه. ورفع ذلك ابن عمر إلي النبي ﷺ رواه البخاري.
٧٩٥ - وعن مالك بن الحويرث، قال: كان رسول الله ﷺ إذا كبر رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه، وإذا رفع رأسه من الركوع فقال: سمع الله لمن حمده؛ فعل مثل ذلك. وفي رواية: حتى يحاذي بهما فروع أذنيه. متفق عليه.
ــ
((قض)): اتفقت الأمة علي أن رفع اليد عند التحريم مسنون، واختلفوا في كيفيته، فذهب مالك والشافعي إلي أن يرفع المصلي يديه حيال منكبيه لهذا الحديث ونحوه، وقال أبو حنيفة: يرفعهما حذو أذنيه واختلفوا في كيفية الجلسات، قال أبو حنيفة: يجلس المصلي مفترشاً فيها جميعاً. وقال مالك: ((يتورك)): يجلس متوركاً فيها كلها، وقال الشافعي: يتورك في جلسة الأخير، ويفترش في الأول، كما رواه الساعدي في هذا الحديث، وألحق بالتشهد الأول الجلسات الفاصلة بين السجود؛ لأنها يعقبها انتقالات وهي من المفترش أيسر.
الحديث الرابع، والخامس عن نافع: قوله: ((ورفع ذلك)) قال ابن الصلاح، المرفوع هو ما أضيف إلي النبي ﷺ خاصة من قول، أو فعل، أو تقرير، سواء كان متصلاً، أو منقطعاً.
الحديث السادس عن مالك: قوله: ((فعل مثل ذلك)) أي فعل رسول الله ﷺ مثلما فعل عند التكبير. ((قض)) و ((مظ)): فرع الأذن أعلاها. وقال الشافعي: يرفع المصلي يديه عند تكبيرة
стр. 553
٧٩٦ - وعنه، أنه رأي النبي ﷺ يصلي، فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعداً. رواه البخاري.
٧٩٧ - وعن وائل بن حجر: أنه رأي النبي ﷺ رفع يديه حين دخل في الصلاة، كبر ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى علي اليسرى، فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب، ثم رفعهما وكبر فركع، فلما قال: ((سمع الله لمن حمده)) رفع يديه، فلما سجد، سجد بين كفيه)) رواه مسلم.
٧٩٨ - وعن سهل بن سعد، قال: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى علي ذراعه اليسرى في الصلاة. رواه البخاري.
ــ
الإحرام حذاء منكبيه، وقال أبو حنيفة: حذاء أذنيه. ذكر أن الشافعي حين دخل مصر سئل عن كيفية رفع اليدين عند التكبير، فقال: يرفع المصلي بحيث يكون كفاه حذاء منكبيه، وإبهاماه حذاء شحمتي أذنيه؛ لأنه جاء في رواية ((رفع اليدين إلي المنكبين))، وفي رواية ((إلي الأذنين)) وفي رواية ((إلي فروع الأذنين))، فعمل الشافعي بما ذكرناه في رفع اليدين جمعاً بين الروايات الثلاثاء الحديث السابع عن مالك: قوله: ((فإذا كان في وتر)) ((قض)): هذا دليل علي استحباب جلسة الاستراحة، والمراد بالوتر الأولي والثالثة من الرباعيات.
الحديث الثامن عن وائل بن حجر: قوله: ((رفع يديه)) حال، أي نظرت النبي ﷺ رافعاً يديه حين دخل في الصلاة. وقوله: ((كبر)) بالواو في بعض نسخ المصابيح عطفاً علي ((دخل))، وفي بعضها، وفي صحيح مسلم، وفي كتاب الحميدي، وفي جامع الأصول بغير واو مقيداً بلفظة كذا فوقه، وفيه وجهان: أحدهما أن يكون حالا وقد مقدرة، وأن يراد بالدخول الشروع فيها، والعزم عليها بالقلب، فيوافق معنى العطف، ويلزم منه المواطأة بين الجارحة واللسان والقلب. قال:
أفادتكم النعماء مني ثلاثة يدي ولسإني والضمير المحجبا
وثإنيهما أن يكون ((كبر)) بيانا لقوله: ((دخل في الصلاة))، ويراد بالدخول افتتاحها بالتكبير ونحوه في البيان نحو قوله تعالي: ﴿فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك علي شجرة الخلد﴾ أو بدلا منه؛ كقول الشاعر: أقول له: ارحل لا تقيمن عندنا- البيت- فعلي الأولي يلزم اقتران النية بالتكبير.
الحديث التاسع عن سهل قوله: ((أن يضع الرجل)) في وضع الرجل موضع ضمير الناس تنبيه
стр. 554
٧٩٩ - وعن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلي الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: ((سع الله لمن حمده)) حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: ((ربنا لك الحمد)) ثم يكبر حين يهوي، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس. متفق عليه.
٨٠٠ - وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أفضل الصلاة طول القنوت)). رواه مسلم.
الفصل الثاني
٨٠١ - عن أبي حميد الساعدي، قال في عشرة من أصحاب النبي ﷺ : أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ . قالوا: فاعرض قال: كان النبي ﷺ إذا قام إلي
ــ
علي أن القائم بين يدي الملك الجبار ينبغي أن لا يهمل شريطة الأدب، بل يضع يده علي يده، ويطأطئ رأسه، كما يفعل بين يدي الملوك.
الحديث العاشر عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((سمع الله)) ((نه)): أي أجاب حمد وتقبله. يقال: اسمع دعائي أي أجب؛ لأن الغرض السائل الإجابة والقبول. هوى يهوى هويا- بالفتح إذا هبط. وقوله: ((حتى يقضيها)) أي يتمها ويؤديها ((الأزهري)): القضاء في اللغة علي وجوه مرجعها إلي انقطاع الشيء وتمامه، وكل ما أحكم، أو أتم، أو ختم، أو أدى، أو أوجب، أو أعلم، أو أنقذ، أو أمضى- فقد قضى.
الحديث الحادي عشر عن جابر: قوله: ((طولت القنوت)) ((نه)): القنوت يرد لمعان متعددة، كالطاعة، والخشوع، والصلاة، والدعاء، والعبادة، والقيام، وطول القيام، والقراءة والسكوت؛ فيصرف في كل واحد من هذه المعني إلي ما يحتمله لفظ الحديث الوارد فيه. ((مظ)): تقدير هذا الحديث: أفضل الصلاة صلاة فيها طول القنوت، أي طول القيام والقراءة. ((شف)): المراد بالقنوت القيام، وفيه إضمار، أي ذات طول القيام.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن أبي حميد: قوله: ((قال في عشرة)) أي أوقع قوله: ((أنا أعلمكم)) في عشرة من الصحابة، قوله: ((فاعرض)) الفاء في جواب الشرط المحذوف، أي إذا كنت أعلم منا فاعرض، ومن ثم لما عرض عليهم وفرغ منه قالوا: صدقت. ((تو)): رضت عليه أمر كذا، وعرضت له
стр. 555
الصلاة رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ثم يكبر، ثم يقرأ، ثم يكبر ويرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يركع ويضع راحتيه علي ركبتيه، ثم يعتدل فلا يصبي رأسه ولا يقنع، ثم يرفع رأسه فيقول: ((سمع الله لمن حمده)) ثم يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه معتدلاً، ثم يقول: ((الله أكبر))، ثم يهوي إلي الأرض ساجداً، فيجافي يديه عن جنبيه، و [يفتح] أصابع رجليه، ثم يرفع رأسه ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها، ثم يعتدل حتى يرجع كل عظم في موضعه معتدلاً، ثم يسجد، ثم يقول: ((الله أكبر))، ويرفع ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها، ثم يعتدل حتى يرجع كل عظم إلي موضع، ثم ينهض، ثم يصنع في الركعة الثانية مثل ذلك، ثم إذا قام من الركعتين كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما كبر عند افتتاح الصلاة، ثم يصنع ذلك في بقية صلاته، حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخر رجله اليسرى، وقعد متوركاً علي شقه الأيسر، ثم سلم. قالوا: صدقت، هكذا كان يصلي. رواه أبو داود، والدارمي، وروى الترمذي وابن ماجه معناه. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح [٨٠١].
ــ
الشيء، أظهرته وأبرزته إليه، أعرض- بالكسر لا غير-، وقوله: ((لا يصبى)) في الغريبين: صبى الرجل رأسه تصبية إذا خفضه جداً، وصبا الرجل إذا مال إلي الصبا ((نه)): وشدد للتكثير. وقال الأزهري: الصواب يصوب.
قوله: ((ولا يقنع)) ((تو)): أي لا يرفع، يقال: أقنع رأسه إذا رفعه، ومنه قوله تعالي: ﴿مهطعين مقنعي رؤوسهم﴾. ((ويفتخ)) - بالخاء المعجمة- ((نه)): أي نصبها، وغمز موضع المفاصل منها، وثناها إلي باطن الرجل، وأصل الفتح الكسر، ومنه قيل للعقاب: فتخاء؛ لأنها إذا انحطت كسرت جناحيها.
قوله: ((ثم إذا قام من الركعتين كبر ورفع يديه)) ((قض)) لم يذكر الشافعي ﵁ رفع اليدين عند القيام إلي الركعة الأخرى؛ لأنه بني قوله علي حديث ابن شهاب عن سالم، وهو لم يتعرض له، لكن مذهبه إتباع السنة، فإذا ثبت لزم القوم به.
قوله: ((ووتر يديه)) أي جعلهما كالوتر، من قولك: وترت القوس، وأوترتها، شبه يد الراكع إذا مدها قابضا علي ركبتيه بالقوس إذا وترت. قوله: ((فأمكن أنفه الأرض)) نصب الأرض بنزع
стр. 556
وفي رواية لأبي داود من حديث أبي حميد: ((ثم ركع فوضع يديه علي ركبتيه كأنه قابض عليهما، ووتر يديه فنحاهما عن جنبيه، وقال: ثم سجد فأمكن أنفه وجبهته الأرض، ونحى يديه عن جنبيه، ووضع كفيه حذو منكبيه، وفرج بين فخذيه غير حامل بطنه علي شيء من فخذيه حتى فرغ، ثم جلس، فافترش رجله اليسرى، وأٌبل بصدر اليمنى علي قبلته، ووضع كفه اليمنى علي ركبته اليمنى، وكفه اليسرى علي ركبته اليسرى، وأشار بأصبعه- يعني السبابة- وفي أخرى له: وإذا قعد في الركعتين قعد علي بطن قدمه اليسرى، ونصب اليمنى. وإذا كان في الرابعة أفضى بوركه اليسرى إلي الأرض وأخرج قدميه من ناحية واحدة. [٨٠١]
٨٠٢ - وعن وائل بن حجر: أنه أبصر النبي ﷺ حين قام إلي الصلاة رفع يديه حتى كانتا بحيال منكبيه، وحاذى إبهاميه أذنيه، ثم كبر. رواه أبو داود. وفي رواية له: يرفع إبهاميه إلي شحمة أذنيه. [٨٠٢]
٨٠٣ - وعن قبيصة بن هلب، عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ يؤمنا فيأخذ شماله بيمينه. رواه الترمذي وابن ماجه. [٨٠٣]
٨٠٤ - وعن رفاعة بن رافع، قال: جاء رجل فصلي في المسجد، ثم جاء فسلم علي النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : ((أعد صلاتك؛ فإنك لم تصل)) فقال: علمني يا رسول الله! كيف أصلي؟ قال: ((إذا توجهت إلي القبلة فكبر، ثم اقرأ بأم القرآن وما شاء الله أن تقرأ، فإذا ركعت فاجعل راحتيك علي ركبتيك ومكن ركوعك، وامدد ظهرك. فإذا رفع فأقم صلبك، وارفع رأسك حتى ترجع العظام إلي مفاصلها. فإذا
ــ
الخافض، أي أقد أنفه وجبهته من الأرض. قوله: ((السبابة)) - ((الكشاف)):- السبابة فعالة من السبب، أي كانت عادة العرب عند السب والشتم الإشارة بالإصبع التي تلي الإبهام. وقوله: ((أفض بوركه اليسرى إلي الأرض)) أي مس بها لأن من الورك الأرض. ((الجوهري)): أفضى بيده إلي الأرض، إذا مسها ببطن راحته في سجوده.
الحديث الثاني إلي الرابع، عن رفاعة: قوله: ((وما شاء الله أن نقرأ)) وضع ما شئت أن تقرأ
стр. 557
سجدت فمكن السجود. فإذا رفع فاجلس علي فخذك اليسرى. ثم اصنع ذلك في كل ركعة وسجدة حتى تطمئن)). هذا لفظ ((المصابيح)). ورواه أبو داود مع تغيير يسير، وروى الترمذي والنسائي معناه. وفي رواية للترمذي، قال: ((إذا قمت إلي الصلاة فتوضأ كما أمرك الله به، ثم تشهد، فأقم فإن كان معك قرآن فاقرأ، وإلا فاحمد الله وكبره، وهلله ثم اركع. [٨٠٤]
٨٠٥ - وعن الفضل بن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الصلاة مثنى مثنى، تشهد في كل ركعتين، وتخشع وتضرع وتمسكن، ثم تقنع يديك- يقول: ترفعهما- إلي ربك مستقبلاً ببطونها وجهك، وتقول: يا رب! يارب! ومن لم يفعل ذلك فهو كذا وكذا)). وفي رواية: ((فهو خداج)). رواه الترمذي. [٨٠٥]
ــ
لأن مشيئته بمشيئة الله، كما قال الله تعالي: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله﴾ قوله: ((مكن ركوعك)) أي من أعضائك أي تمم ركوعك جميع أعضائك متحنيا ثإنيا. وقوله: ((فمكن للسجود)) أي مكن بدنك للسجود، واللام في ((للسجود)) مثلها في قوله تعالي: ﴿وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء﴾.
الحديث الخامس عن الفضل بن عباس: قوله: ((مثنى مثنى)) ((مظ)): ركعتان ركعتان، فيسلم بعدهما، وهذا في النوافل عند الشافعي ليلاً كان أو نهاراً، وعند أبي حنيفة الأفضل أن يصلي أربعاً ليلاص كان أو نهاراً.
قوله: ((تشهد)) إلي آخره ((تو)): وجدنا الرواية فيهن بالتنوين لا غير، وكثير ممن لا علم لهم بالرواية يسردونها علي لفظ الأمر ونراها تصحيفاً. أقول: ((الصلاة)) مبتدأ و ((مثنى مثن)) خبره، والأول تكرير، والثاني توكيد، ((وتشهد في كل ركعتين)) خبر بعد خبر كالبيان لقوله ((مثنى مثنى))، أي ذات تشهد في كل ركعتين، وكذا المعطوفان، ولو جعلت أوامر اختل النظم، وذهبت الطراوة والطلاوة. وأما قوله: ((ثم تقنع يديك)) فطعف علي محذوف، أي إذا فرغت منها فسلم، ثم ارفع يديك سائلاً حاجتك من قاضي الحاجات، ومجيب الدعوات، فوضع الخبري موضع الطلبي. فإن قلت: لو ذهبت إلي أنها أوامر، وعطفت أمراً علي أمر، وقطعت ((تشهد)) عن الجملة الأولي لاختلاف الخبر والطلب، لكانت لك مندوحة عن هذا التقدير. قلت: حينئذ
стр. 558
الفصل الثالث
٨٠٦ - عن سعيد بن الحارث بن المعلي، قال: صلي لنا أبو سعيد الخدري، فجهر بالتكبير حين رفع رأسه من السجود، وحين سجد، وحين رفع من الركعتين. قال: هكذا رأيت النبي ﷺ . رواه البخاري.
٨٠٧ - وعن عكرمة، قال: صليت خلف شيخ بمكة، فكبر ثنتين وعشرين تكبيرة. فقلت لابن عباس: إنه أحمق. فقال: ثكلتك أمك، سنة أبي القاسم ﷺ رواه البخاري.
٨٠٨ - وعن علي بن الحسين مرسلا، قال: كان رسول الله ﷺ يكبر في الصلاة كلما خفض ورفع، فلم تزل تلك صلاته ﷺ حتى لقي الله تعالي. رواه مالك.
ــ
خرج الكلام الفصيح إلي التعاظل في التركيب وهو مذموم، وذكر ابن الأثير أن توارد الأفعال وتتابعها تعاظل في التركيب وهو مذموم. ونقلنا عنه في التبيان شواهد.
قوله: ((تمسكن)) ((نه)): هو من المسكين، مفعيل من السكون؛ لأنه يسكن إلي الناس، وزيادة الميم في الفعل شاذ ولم يروها سيبويه إلا في هذا، وفي تمدرع. قوله: ((فهو كذا وكذا)) كناية عن أن صلاته ناقصة غير تمام، يبين ذلك الرواية الأخرى.
وقوله: ((فهو خداج)) ((فا)): الخداج مصدر خدجت الحامل إذا ألقت ولدها قبل وقت النتاج، فاستعير، والمعنى ذات نقصان، فحذف المضاف. ((نه)): وصفها بالمصدر نفسه مبالغة، كقوله: فإنما هي إقبال وإدبار.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن عكرمة: قوله: ((ثنتين وعشرين)) هذا العدد إنما يكون في الصلاة الرباعية، كالظهر بإضافة تكبيرة الإحرام، وتكبيرة القيام من التشهد الأول.
قوله: ((ثكلتك أمك)) قد سبق أنها كلمة تعجب، وظاهرها دعاء عليه، وقد يذكر في موضع المدح، والذم، وههنا محمول علي الذم، وعلي هلاكه، رداً لقوله: إنه أحمق، أي: أتقول في حق من اقتفي سنة أبي القاسم ﷺ : إنه أحمق؟ [وقد طبق ذكر الكنية هنا مفصل البلاغة ومحرزها]. وعكرمة هذا مولي ابن عباس. و ((سنة)) خبر مبتدأ محذوف، أي الخصلة التي أنكرتها منه هي سنة أبي القاسم.
الحديث الثالث عن علي ﵁: قوله: ((فلم تزل تلك صلاته)) يحتمل أن يكون اسم ((لم يزل)) مستكنا عائداً إلي النبي ﷺ والجملة الإسمية خبرها، وأن يكون ((تلك)) اسمها، و ((صلاته)) خبرها إذا رويت منصوبة، وبالعكس إذا كانت مرفوعة.
стр. 559
٨٠٩ - وعن علقمة، قال: قال لنا ابن مسعود: ألا أصلي بكم صلاة رسول الله ﷺ ؟ فصلي، ولم يرفع يديه إلا مرة واحدة مع تكبيرة الافتتاح. رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي. وقال أبو داود: ليس هو بصحيح علي هذا المعنى. [٨٠٩] /
٨١٠ - وعن أبي حميد الساعدي، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلي الصلاة استقبل القبلة، ورفع يديه، وقال: ((الله أكبر)). رواه ابن ماجه. [٨١٠]
٨١١ - وعن أبي هريرة، قال: صلي بنا رسول الله ﷺ الظهر، وفي مؤخر الصفوف رجل، فأساء الصلاة، فلما سلم ناداه رسول الله ﷺ : ((يا فلان! ألا تقي الله؟! ألا ترى كيف تصلي؟! إنكم ترون أنه يخفي علي شيء مما تصنعون، والله إني لأرى من خلفي كما أرى من بين يدي)) رواه أحمد. [٨١١]
(١١) باب ما يقرأ بعد التكبير
الفصل الأول
٨١٢ - عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ يسكت بين التكبير وبين القراءة إسكاتة. فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! إسكاتك بين التكبير وبين
ــ
الحديث الرابع والخامس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((فأساء الصلاة)) الفاء فيه سببيه، يعني تأخره كان سبباً لإساءة الصلاة، ولهذا عنفه ﷺ بقوله: إني لأرى من خلفي كما أرى من بين يدي)) قوله: ((ترون)) أ] تظنون، هو فعل ما لم يسم فاعله من رأيت بمعنى ظننت، وهو يتعدى إلي مفعولين، تقول: رأيت زيداً عاقلاً. فإذا بنيته لما لم يسم فاعله تعدى إلي مفعول واحد، وفي الحديث إشارة إلي أنه ﷺ مع استغراقه في عالم الغيب لم يكن يخفي عليه شيء في عالم الشهادة.
باب ما يقرأ بعد التكبير
الفصل الأول
الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((اللهم باعد)) أخرجه إلي صيغة المفاعلة للمبالغة، فالخطايا إما أن يريد بها السابقة، أو اللاحقة، فإن أريد بها الثانية كان معناه: إذا قدر
стр. 560
القراءة ما تقول؟ قال: ((أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد)). متفق عليه.
٨١٣ - وعن علي، ﵁، قال: كان النبي ﷺ إذا قام إلي الصلاة- وفي رواية: كان إذا افتتح الصلاة- كبر. ثم قال: ((وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله
ــ
لي ذنب وخطيئة فباعد بيني وبينه، وإن أريد بها الأولي كان معناه المحو والغفران، وإليه الإشارة بقوله: ((واغسل خطاياي بالماء والثلج)).
قوله: ((إسكاته)) ((حس)): الإسكات إفعال من السكوت، لا يراد به ترك الكلام، بل رفع الصوت؛ لقوله: ((ما تقول في إسكاتك)) بالنصب مفعول فعل، أي أسألك إسكاتك ما تقول فيه؟ أو في إسكاتك ما تقول؟ فنصب علي نزل الخافض.
قوله: ((بأبي أنت)) ((نه)): الباء متعلقة بمحذوف، قيل: هو اسم، فيكون ما بعده مرفوعاً، تقديره أنت مفدي بأبي وأمي. وقيل: هو فعل، وما بعده منصوب، أي فديتك بأبي وأمي، وحذف هذا المقدر تخفيفاً لكثرة الاستعمال، وعلم المخاطب به.
قوله: ((بالماء والثلج والبرد)) ((تو)): ذكر أنواع المطهرات المنزلة من السماء، التي لا يمكن حصول الطهارة الكاملة إلا بأحدها، تبياناً لأنواع المغفرة التي لا مخلص من الذنوب إلا بها، أي طهرني من الخطايا بأنواع مغفرتك التي هي في تمحيص الذنوب بمثابة هذه الأنواع الثلاثة في إزالة الأنجاس والأوزار، ورفع الجنابة والأحداث. أقول: ويمكن أن يقال: ذكر الثلج والبرد بعد الماء المطلوب منهما شمول أنواع الرحمة بعد المغفرة لإطفاء حرارة عذاب النار التي هي في غاية الحراة، لأن عذاب النار تقابله الرحمة، ونظيره قوله: برد الله مضجعه، أي رحمه ووقاه عذاب النار. وقولهم: برد الله عين بنيه، أي سره، وسخن الله عين عدوك، أي أحزنه. فعلي هذا التقدير يكون التركيب من باب قوله: متقلداً سيفاً ورمحاً. أي اغسل خطاياي بالماء، أي اغفرها، وزد علي الغفران شمول الرحمة، ثم طلب المباعدة بينه وبين الخطايا، ثم طلب تنقية ما عسى أن يبقى شيء من تلك الخطايا تنقية تامة، ثم سأل ثالثا بعد الغفران غاية الرحمة تحلية بعد التحلية، فيكون هذا التأويل أجمع. والله أعلم.
الحديث الثاني عن علي ﵁: قوله: ((وجهت وجهي)) ((قض)): أي توجهت بالعبادة، بمعنى أخلصت عبادتي له، ((فطر السموات والأرض)) أي خلقها من غير مثال سبق ((حنيفاً)) مائلاً عن الأديان الباطلة، والآراء الزائغة- من الحنف وهو الميل، و ((نسكي))
стр. 561
رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها، لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك)).
وإذا ركع قال: ((اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي، وبصري، ومخي، وعظمي، وعصبي)). فإذا رفع رأسه قال: ((اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات والأرض وما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد)).
وإذا سجد قال: ((اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين)).
ثم يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم: ((اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني. أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت)). رواه مسلم.
وفي رواية للشافعي: ((والشر ليس إليك، والمهدي من هديت، أنا بك وإليك، لا منجي منك ولا ملجأ إلا إليك، تباركت))
ــ
عبادتي. وقيل: ديني ومحياي ومماتي، أي حياتي وموتي له أي هو خالقهما- ومدبرهما. ((وسبحان)) علم للتسبيح، ولا يستعمل إلا منصوباً علي المصدر، ومعنى ((سبحانك)) نزهتك تنزيهاً، و ((لبيك)) مصدر مثنى، من: ألب علي كذا، أي أقام، والمعنى أدوم علي طاعتك دواماً بعد دوام، و ((سعديك)) لا يكاد يستعمل إلا مع لبيك، والمعنى ساعدت طاعتك يارب مساعدة بعد مساعدة. ((والخير كله بيديك)) أي الكل عندك كالشيء الموثوق به المقبوض عليه، يجري مجرى قضائك وقدرك، لا يدرك من غيرك ما لم تسبق به كلمتك، والشر لا يتقرب به إليك، أو لا يضاف إليك بل إلي ما اقترفته أيدي الناس من المعاصي، أو ليس إليك قضاؤه، فإنك لا تقضي الشر من حيث هو شر، بل لما يصحبه من الفوائد الراجحة، فالمقتضي بالذات هو الخير، والشر داخل تحت القضاء.
стр. 562
٨١٤ - وعن أنس: أن رجلاً جاء فدخل الصف، وقد حفزه النفس، فقال الله أكبر، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: ((أيكم المتكلم بالكلمات؟)) فأرم القوم. فقال: ((أيكم المتكلم بالكلمات؟)) فأرم
ــ
وقوله: ((أنا بك)) أي أعتمد وألوذ إليك أي أتوجه وألتجئ، ((تباركت)) تعاظمت وتمجدت، أو جئت بالبركة. وأصل الكلمة الدوام والثبات، ولا تستعمل هذه الكلمة إلا لله تعالي. و ((تعاليت)) عما تتوهمه الأوهام، وتتصوره العقول، ((ولا منجا إلا إليك)) لا مهرب ولا مخلص ولا ملاذ لمن طالبته إلا إليك. و ((منجا)) مقصور ولا يجوز أن يمد، ولا أن يهمز والأصل في الملجأ الهمزة، ومنهم من يلين همزته [ليزاوج] منجا.
قال صاحب النهاية في قوله: ((والشر ليس إليك)): هذا الكلام إرشاد إلي استعمال الأدب في الثناء علي الله تعالي أن يضاف إليه محاسن الأشياء دون مساوئها، وليس المقصود نفي شيء عن قدرته، ومنه قوله تعالي: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾.
قوله: ((لا إله إلا أنت)) إثبات للإلهية المطلقة لله تعالي علي سبيل الحصر، بعد إثبات الملك له. كذلك في قوله: ((أنت الملك))؛ لما دل عليه تعريف الخبر باللام، ترقيا من الأدنى إلي الأعلي، طبق قوله تعالي: ﴿ملك الناس إله الناس﴾. وإنما أخر الربوبية في قوله: ((أنت ربي)) لتخصيص الصفة وتقييدها بالإضافة إلي نفسه، وإخراجها عن الإطلاق. وقوله: ((واعترفت بذنبي)) حال مؤكدة مقررة. لمضمون الجملة السابقة. ((وأنا بك وإليك)) أي بك وجدت، وإليك أنتهي، أي أنت المبتدأ والمنتهي.
قوله: ((بعد)) أي ذلك، صفة لـ ((شيء)) ((مظ)): أي بعد السموات والأرض، أي لك من الحمد ملء السموات، وملء الأرض، وملء غيرهما مما شئت. ((ما قدمت وما أخرت)) أي جميع ما فرط مني.
قوله: ((أنت المقدم)) ((مظ)): أنت توفق بعض العباد للطاعات، ((وأنت المؤخر)) أي تخذل بعضهم عن النصرة والتوفيق، أو المعنى أنت الرافع والخافض، والمعز والمذل.
الحديث الثالث عن أنس ﵁: قوله: ((حفزه)) ((تو)): أي اشتد به، والحفز تحريك الشيء من خلفه، يريد النفس الشديد المتتابع، كأنه يحفزه، أي يدفعه من السباق إلي الصلاة.
قوله: ((فأرم)) ((مح)): هو بفتح الراء وتشديد الميم، أي سكتوا. قال القاضي عياض: قد روى في غير صحيح مسلم بالزاي المفتوحة وتخفيف الميم من الأزم، وهو الإمساك وهو صحيح معنى.
стр. 563
القوم. فقال: ((أيكم المتكلم بها؟ فإنه! لم يقل بأساً)). فقال رجل: جئت وقد حفزني النفس فقلتها. فقال: ((لقد رأيت اثني عشر ملكاً يبتدرونها، أيهم يرفعها)). رواه مسلم.
الفصل الثاني
٨١٥ - عن عائشة، ﵂، قالت: كان رسول الله إذا افتتح الصلاة قال: ((سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالي جدك، ولا إله غيرك)). رواه الترمذي، وأبو داود. [٨١٥]
ــ
قوله: ((لم يقل بأساً)) يجوز أن يكون مفعولاً به ي لم يتفوه بما يؤخذ عليه، أو مفعولا مطلقاً، أي ما قال قولا نشدد عليه و ((أيهم يرفعها)) مبتدأ وخبر في موضع نصب، أي يبتدرونها ويستعجلون أيهم يرفعها، نحو قوله تعالي: ﴿يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم﴾ قال أبو البقاء: أيهم يكفل مبتدأ وخبر في موضع نصب، أي يقترعون أيهم، فالعامل فيه ما دل عليه ((يلقون)). ((قض)): و ((حمداً)) نصب بفعل مضمر دل عليه الحمد، ويحتمل أن يكون بدلاً عنه جارياً علي محله، و ((طيبا)) وصف له، أي خالصاً عن الرياء والشبهة ((مباركاً)) يقتضي بركة وخيراً كثيراً، تتراداف أرفاده، وتتضاعف أمداده.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن عائشة ﵂: قوله: ((وبحمدك)) ((خط)): أخبرني ابن الخلاد قال: سألت الزجاج عن الواو في قوله: ((وبحمدك)) قال: معناه سبحانك اللهم وبحمدك سبحتك. ((تو)): المعنى أنزهتك يا رب من كل سوء، وبحمد سبحتك، ووفقت لذلك. ونصب ((سبحانك)) علي المصدر، أي سبحتك تسبيحاً، فوضع ((سبحانك)) في موضع التسبيح، أقول: قول الرجاج يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون الواو للحال، وثإنيهما أن يكون عطف جملة فعلية علي مثلها، إذ التقدير: أنزهك تنزيهاً، وأسبحك تسبيحاً مقيداً بشكرك، وعلي التقديرين ((اللهم)) معترضة، والجار والمجرور- أعني بحمدك- إما متصل بفعل مقدر والباء سببية، أو حال من فاعل، أو صفة لمصدر محذوف، كقوله تعالي: ﴿ونحن نسبح بحمدك﴾ أي نسبح بالثناء عليك، أو نسبح متلبسين بشكرك، أو نسبح تسبيحاً مقيداً بشكرك. المعنى: لولا الحمد لم يصدر الفعل. إذ كل حمد من المكلف يستجلب نعمة متجددة، ويستصحب توفيقاً إلهيا. ومنه قول داود ﵊: ((يارب كيف أقدر أن أشكرك؟ وأن الا أصل إلي شكر نعمتك إلا بنعمتك. وأنشد:
стр. 564
٨١٦ - ورواه ابن ماجه عن أبي سعيد.
وقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من [حديث] حارثة، وقد تكلم فيه من قبل حفظه.
ــ
إذا كان شكري نعمة الله نعمة علي له في مثلها يجب الشكر
فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله وإن [طالت] الأيام واتسع العمر
فإن مس بالمنعماء عم سرورها وإن مس بالضراء عقبها الأجر
قوله: ((تبارك اسمك)) ((تو)): هو (تفاعل) من البركة، وهي الكثرة والاتساع، وتبارك أي [بارك] مثل قاتل، إلا أن فاعل يتعدى، وتفاعل لا يتعدى، ومعناه: تعالي وتعظم، وكثرت بركاته في السموات والأرض؛ إذ به تقوم وبه تستنزل الخيرات، وفي كتاب الله تعالي: ﴿فتبارك الله أحسن الخالقين﴾ ﴿تبارك الذي نزل الفرقان﴾ ﴿تبارك الذي بيده الملك﴾ وكل ذلك تنبيه علي اختصاصه سبحانه بالخيرات الإبداعية، والبركات المتوالية، وفيه: ((وتعالي جدك)) أي عظمتك. ومنه قول أنس ﵁: كان الرجل منا إذا قرأ البقرة وآل عمران جد فينا، أي عظم.
وهذا الحديث نجده في كتاب المصابيح، وقد رماه المؤلف بالضعف، وليس الأمر علي ما توهمه، إذ هو حديث حسن مشهور أخذ به من الخلفاء الراشدين عم ﵁. والحديث مخرج في كتاب مسلم عن عمر ﵁، وقد أخذ به عبد الله بن مسعود وغيره من فقهاء الصحابة، ولم يكن هؤلاء السادة ليأخذوا بذلك من غير أسوة. ولهذا ذهب إليه كثير من علماء التابعين، واختاره أبو حنيفة وغيره من العلماء ﵏ لاستفتاح الصلاة. وإني ينسب هذا الحديث إلي الضعف! وقد ذهب إليه الأجلة من علماء الحديث كسفيان الثوري، وأحمد بن حنبل، وإسحق بن راهوية وغيرهم.
فالظاهر أن هذا اللفظ أعني: ضعيف، يريد من بعض الناس، وإن يك من قبل المؤلف فأراه إنما دخل عليه الداخل من كتاب أبي عيسى؛ لأنه روى هذا الحديث في جامعة بإسناده عن أبي سعيد الخدري مع زيادة علي حديث عائشة ﵂ ولفظ حديثه: أنه قال: ((كان رسول الله ﷺ إذا قام إلي الصلاة بالليل كبر، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالي جدك، ولا إله غيرك، ثم يقول: الله أكبر كبيرا، ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه، ونفخه، ونفثه)) ثم قال أبو عيسى: كان يحيى بن سعيد يتكلم في علي بن علي. قلت: وعلي بن علي الرفاعي هو الراوي عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد.
стр. 565
٨١٧ - وعن جبير بن مطعم، أنه رأي رسول الله ﷺ يصلي صلاة قال: ((الله أكبر كبيراً، الله أكبر كبيراً، الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، والحمد لله كثيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلا)) ثلاثاً، ((أعوذ بالله من الشيطان، من
ــ
ثم قال أبو عيسى: وقال أحمد: لا يصح هذا الحديث. ثم روى أبو عيسى بعد ذلك حديث عائشة ﵂ عن الحسن بن عرفة، عن أبي معونة، عن حارثة بن أبي الرجال، عن عمرة، عن عائشة ﵂، ثم قال: هذا حديث لا نعرفه من هذا الوجه، وحارثة قد تكلم فيه من قبل حفظه، فظن المؤلف أن هذا الكلام من أبي عيسى طعن في متن هذا الحديث، وليس الأمر علي ما ظن؛ فإن الذي ذكره أبو عيسى في علي الرفاعي في إسناد حديث أبي سعيد لا يكون حجة علي ضعف هذا الحديث؛ لأن سياق حديث أبي سعيد غير سياق حديث عائشة علي ما بينا، ألا ترى أنه قال: وقال أحمد: لا يصح هذا الحديث، وأحمد قد انتهي إليه حديث عائشة ﵂ بإسناد موثوق به، فأخذ به كما ذكرنا عن مذهبه.
وأما ما ذكره الترمذي من أمر حارثة بن أبي الرجال فإنه قد تكلم في إسناد الحديث من الوجه الذي ذكره، ولم يقل: إن إسناده مدخول فيه من سائر الوجوه، مع أن الجرح والتعديل يقع في حق أقوام علي وجه الاختلاف، وربما ضعف الراوي من قبل أحد الأئمة ووثق من قبل آخرين، وهذا الحديث رواه الأعلام من أئمة الحديث، وأخذوا به، ورواه داود في جامعة عن [حسين بن عيسى]، عن طلق بن غنام، وعن عبد السلام بن [حرب الملائي]، عن [بديل] بن ميسرة، عن أبي [الجوزاء]، عن عائشة ﵂. وهذا إسناد حسن، رجاله مرضيون، فعلمنا أن أبا عيسى لم يرم هذا الحديث بالضعف علي الإطلاق، وإنما تكلم في الإسناد الذي أورده. ثم إني لم أشبع القول في بيان ذلك إلا حذراً من أن يتسارع إليه طالب علم بالطعن إلي هذا الحديث من غير روية وبصيرة، اتكالاً علي ما يجده في كتاب المصابيح، فيتأثم به، وأعوذ بالله أن أنصر عصبية، أو أدعو إلي عصبية، والله حسبي علي ذلك.
قوله: ((وقد تكلم فيه من قبل حفظه)). قال ابن الصلاح: أجمع جماهير أئمة العلم بالحديث والفقه والأصول علي أنه يشترط فيمن يحتج بحديثه العدالة والضبط، والعدالة معروفة، وأما الضبط فأن يكون متيقظاً حافظاً إن حدث من حفظه، ضابطا لكتابة إن حدث منه عارفاً لما يختل به المعنى إن روى به.
الحديث الثاني عن جبير: قوله: ((الله أكبر كبيراً)) حال مؤكدة، نحو: هو عبد الله شجاعاً، وزيد أبوك عطوفا. قوله: ((بكرة وأصيلا)) ((مظ)): خصا بالذكر لاجتماع ملائكة الليل والنهار فيهما. وأقول: الأظهر أن يقال: يراد بهما الدوام، كما في قوله تعالي: ﴿لهم رزقهم فيها بكرة وعشيا﴾ أراد دوام الرزق ووروده.
следующие страницы →