← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122257

شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن

الطيبي

Полный текст (3 308 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها، لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك)). وإذا ركع قال: ((اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي، وبصري، ومخي، وعظمي، وعصبي)). فإذا رفع رأسه قال: ((اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات والأرض وما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد)). وإذا سجد قال: ((اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين)). ثم يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم: ((اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني. أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت)). رواه مسلم. وفي رواية للشافعي: ((والشر ليس إليك، والمهدي من هديت، أنا بك وإليك، لا منجي منك ولا ملجأ إلا إليك، تباركت)) ــ عبادتي. وقيل: ديني ومحياي ومماتي، أي حياتي وموتي له أي هو خالقهما- ومدبرهما. ((وسبحان)) علم للتسبيح، ولا يستعمل إلا منصوباً علي المصدر، ومعنى ((سبحانك)) نزهتك تنزيهاً، و ((لبيك)) مصدر مثنى، من: ألب علي كذا، أي أقام، والمعنى أدوم علي طاعتك دواماً بعد دوام، و ((سعديك)) لا يكاد يستعمل إلا مع لبيك، والمعنى ساعدت طاعتك يارب مساعدة بعد مساعدة. ((والخير كله بيديك)) أي الكل عندك كالشيء الموثوق به المقبوض عليه، يجري مجرى قضائك وقدرك، لا يدرك من غيرك ما لم تسبق به كلمتك، والشر لا يتقرب به إليك، أو لا يضاف إليك بل إلي ما اقترفته أيدي الناس من المعاصي، أو ليس إليك قضاؤه، فإنك لا تقضي الشر من حيث هو شر، بل لما يصحبه من الفوائد الراجحة، فالمقتضي بالذات هو الخير، والشر داخل تحت القضاء.

стр. 562

٨١٤ - وعن أنس: أن رجلاً جاء فدخل الصف، وقد حفزه النفس، فقال الله أكبر، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: ((أيكم المتكلم بالكلمات؟)) فأرم القوم. فقال: ((أيكم المتكلم بالكلمات؟)) فأرم ــ وقوله: ((أنا بك)) أي أعتمد وألوذ إليك أي أتوجه وألتجئ، ((تباركت)) تعاظمت وتمجدت، أو جئت بالبركة. وأصل الكلمة الدوام والثبات، ولا تستعمل هذه الكلمة إلا لله تعالي. و ((تعاليت)) عما تتوهمه الأوهام، وتتصوره العقول، ((ولا منجا إلا إليك)) لا مهرب ولا مخلص ولا ملاذ لمن طالبته إلا إليك. و ((منجا)) مقصور ولا يجوز أن يمد، ولا أن يهمز والأصل في الملجأ الهمزة، ومنهم من يلين همزته [ليزاوج] منجا. قال صاحب النهاية في قوله: ((والشر ليس إليك)): هذا الكلام إرشاد إلي استعمال الأدب في الثناء علي الله تعالي أن يضاف إليه محاسن الأشياء دون مساوئها، وليس المقصود نفي شيء عن قدرته، ومنه قوله تعالي: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾. قوله: ((لا إله إلا أنت)) إثبات للإلهية المطلقة لله تعالي علي سبيل الحصر، بعد إثبات الملك له. كذلك في قوله: ((أنت الملك))؛ لما دل عليه تعريف الخبر باللام، ترقيا من الأدنى إلي الأعلي، طبق قوله تعالي: ﴿ملك الناس إله الناس﴾. وإنما أخر الربوبية في قوله: ((أنت ربي)) لتخصيص الصفة وتقييدها بالإضافة إلي نفسه، وإخراجها عن الإطلاق. وقوله: ((واعترفت بذنبي)) حال مؤكدة مقررة. لمضمون الجملة السابقة. ((وأنا بك وإليك)) أي بك وجدت، وإليك أنتهي، أي أنت المبتدأ والمنتهي. قوله: ((بعد)) أي ذلك، صفة لـ ((شيء)) ((مظ)): أي بعد السموات والأرض، أي لك من الحمد ملء السموات، وملء الأرض، وملء غيرهما مما شئت. ((ما قدمت وما أخرت)) أي جميع ما فرط مني. قوله: ((أنت المقدم)) ((مظ)): أنت توفق بعض العباد للطاعات، ((وأنت المؤخر)) أي تخذل بعضهم عن النصرة والتوفيق، أو المعنى أنت الرافع والخافض، والمعز والمذل. الحديث الثالث عن أنس ﵁: قوله: ((حفزه)) ((تو)): أي اشتد به، والحفز تحريك الشيء من خلفه، يريد النفس الشديد المتتابع، كأنه يحفزه، أي يدفعه من السباق إلي الصلاة. قوله: ((فأرم)) ((مح)): هو بفتح الراء وتشديد الميم، أي سكتوا. قال القاضي عياض: قد روى في غير صحيح مسلم بالزاي المفتوحة وتخفيف الميم من الأزم، وهو الإمساك وهو صحيح معنى.

стр. 563

القوم. فقال: ((أيكم المتكلم بها؟ فإنه! لم يقل بأساً)). فقال رجل: جئت وقد حفزني النفس فقلتها. فقال: ((لقد رأيت اثني عشر ملكاً يبتدرونها، أيهم يرفعها)). رواه مسلم. الفصل الثاني ٨١٥ - عن عائشة، ﵂، قالت: كان رسول الله إذا افتتح الصلاة قال: ((سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالي جدك، ولا إله غيرك)). رواه الترمذي، وأبو داود. [٨١٥] ــ قوله: ((لم يقل بأساً)) يجوز أن يكون مفعولاً به ي لم يتفوه بما يؤخذ عليه، أو مفعولا مطلقاً، أي ما قال قولا نشدد عليه و ((أيهم يرفعها)) مبتدأ وخبر في موضع نصب، أي يبتدرونها ويستعجلون أيهم يرفعها، نحو قوله تعالي: ﴿يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم﴾ قال أبو البقاء: أيهم يكفل مبتدأ وخبر في موضع نصب، أي يقترعون أيهم، فالعامل فيه ما دل عليه ((يلقون)). ((قض)): و ((حمداً)) نصب بفعل مضمر دل عليه الحمد، ويحتمل أن يكون بدلاً عنه جارياً علي محله، و ((طيبا)) وصف له، أي خالصاً عن الرياء والشبهة ((مباركاً)) يقتضي بركة وخيراً كثيراً، تتراداف أرفاده، وتتضاعف أمداده. الفصل الثاني الحديث الأول عن عائشة ﵂: قوله: ((وبحمدك)) ((خط)): أخبرني ابن الخلاد قال: سألت الزجاج عن الواو في قوله: ((وبحمدك)) قال: معناه سبحانك اللهم وبحمدك سبحتك. ((تو)): المعنى أنزهتك يا رب من كل سوء، وبحمد سبحتك، ووفقت لذلك. ونصب ((سبحانك)) علي المصدر، أي سبحتك تسبيحاً، فوضع ((سبحانك)) في موضع التسبيح، أقول: قول الرجاج يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون الواو للحال، وثإنيهما أن يكون عطف جملة فعلية علي مثلها، إذ التقدير: أنزهك تنزيهاً، وأسبحك تسبيحاً مقيداً بشكرك، وعلي التقديرين ((اللهم)) معترضة، والجار والمجرور- أعني بحمدك- إما متصل بفعل مقدر والباء سببية، أو حال من فاعل، أو صفة لمصدر محذوف، كقوله تعالي: ﴿ونحن نسبح بحمدك﴾ أي نسبح بالثناء عليك، أو نسبح متلبسين بشكرك، أو نسبح تسبيحاً مقيداً بشكرك. المعنى: لولا الحمد لم يصدر الفعل. إذ كل حمد من المكلف يستجلب نعمة متجددة، ويستصحب توفيقاً إلهيا. ومنه قول داود ﵊: ((يارب كيف أقدر أن أشكرك؟ وأن الا أصل إلي شكر نعمتك إلا بنعمتك. وأنشد:

стр. 564

٨١٦ - ورواه ابن ماجه عن أبي سعيد. وقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من [حديث] حارثة، وقد تكلم فيه من قبل حفظه. ــ إذا كان شكري نعمة الله نعمة علي له في مثلها يجب الشكر فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله وإن [طالت] الأيام واتسع العمر فإن مس بالمنعماء عم سرورها وإن مس بالضراء عقبها الأجر قوله: ((تبارك اسمك)) ((تو)): هو (تفاعل) من البركة، وهي الكثرة والاتساع، وتبارك أي [بارك] مثل قاتل، إلا أن فاعل يتعدى، وتفاعل لا يتعدى، ومعناه: تعالي وتعظم، وكثرت بركاته في السموات والأرض؛ إذ به تقوم وبه تستنزل الخيرات، وفي كتاب الله تعالي: ﴿فتبارك الله أحسن الخالقين﴾ ﴿تبارك الذي نزل الفرقان﴾ ﴿تبارك الذي بيده الملك﴾ وكل ذلك تنبيه علي اختصاصه سبحانه بالخيرات الإبداعية، والبركات المتوالية، وفيه: ((وتعالي جدك)) أي عظمتك. ومنه قول أنس ﵁: كان الرجل منا إذا قرأ البقرة وآل عمران جد فينا، أي عظم. وهذا الحديث نجده في كتاب المصابيح، وقد رماه المؤلف بالضعف، وليس الأمر علي ما توهمه، إذ هو حديث حسن مشهور أخذ به من الخلفاء الراشدين عم ﵁. والحديث مخرج في كتاب مسلم عن عمر ﵁، وقد أخذ به عبد الله بن مسعود وغيره من فقهاء الصحابة، ولم يكن هؤلاء السادة ليأخذوا بذلك من غير أسوة. ولهذا ذهب إليه كثير من علماء التابعين، واختاره أبو حنيفة وغيره من العلماء ﵏ لاستفتاح الصلاة. وإني ينسب هذا الحديث إلي الضعف! وقد ذهب إليه الأجلة من علماء الحديث كسفيان الثوري، وأحمد بن حنبل، وإسحق بن راهوية وغيرهم. فالظاهر أن هذا اللفظ أعني: ضعيف، يريد من بعض الناس، وإن يك من قبل المؤلف فأراه إنما دخل عليه الداخل من كتاب أبي عيسى؛ لأنه روى هذا الحديث في جامعة بإسناده عن أبي سعيد الخدري مع زيادة علي حديث عائشة ﵂ ولفظ حديثه: أنه قال: ((كان رسول الله ﷺ إذا قام إلي الصلاة بالليل كبر، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالي جدك، ولا إله غيرك، ثم يقول: الله أكبر كبيرا، ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه، ونفخه، ونفثه)) ثم قال أبو عيسى: كان يحيى بن سعيد يتكلم في علي بن علي. قلت: وعلي بن علي الرفاعي هو الراوي عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد.

стр. 565

٨١٧ - وعن جبير بن مطعم، أنه رأي رسول الله ﷺ يصلي صلاة قال: ((الله أكبر كبيراً، الله أكبر كبيراً، الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، والحمد لله كثيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلا)) ثلاثاً، ((أعوذ بالله من الشيطان، من ــ ثم قال أبو عيسى: وقال أحمد: لا يصح هذا الحديث. ثم روى أبو عيسى بعد ذلك حديث عائشة ﵂ عن الحسن بن عرفة، عن أبي معونة، عن حارثة بن أبي الرجال، عن عمرة، عن عائشة ﵂، ثم قال: هذا حديث لا نعرفه من هذا الوجه، وحارثة قد تكلم فيه من قبل حفظه، فظن المؤلف أن هذا الكلام من أبي عيسى طعن في متن هذا الحديث، وليس الأمر علي ما ظن؛ فإن الذي ذكره أبو عيسى في علي الرفاعي في إسناد حديث أبي سعيد لا يكون حجة علي ضعف هذا الحديث؛ لأن سياق حديث أبي سعيد غير سياق حديث عائشة علي ما بينا، ألا ترى أنه قال: وقال أحمد: لا يصح هذا الحديث، وأحمد قد انتهي إليه حديث عائشة ﵂ بإسناد موثوق به، فأخذ به كما ذكرنا عن مذهبه. وأما ما ذكره الترمذي من أمر حارثة بن أبي الرجال فإنه قد تكلم في إسناد الحديث من الوجه الذي ذكره، ولم يقل: إن إسناده مدخول فيه من سائر الوجوه، مع أن الجرح والتعديل يقع في حق أقوام علي وجه الاختلاف، وربما ضعف الراوي من قبل أحد الأئمة ووثق من قبل آخرين، وهذا الحديث رواه الأعلام من أئمة الحديث، وأخذوا به، ورواه داود في جامعة عن [حسين بن عيسى]، عن طلق بن غنام، وعن عبد السلام بن [حرب الملائي]، عن [بديل] بن ميسرة، عن أبي [الجوزاء]، عن عائشة ﵂. وهذا إسناد حسن، رجاله مرضيون، فعلمنا أن أبا عيسى لم يرم هذا الحديث بالضعف علي الإطلاق، وإنما تكلم في الإسناد الذي أورده. ثم إني لم أشبع القول في بيان ذلك إلا حذراً من أن يتسارع إليه طالب علم بالطعن إلي هذا الحديث من غير روية وبصيرة، اتكالاً علي ما يجده في كتاب المصابيح، فيتأثم به، وأعوذ بالله أن أنصر عصبية، أو أدعو إلي عصبية، والله حسبي علي ذلك. قوله: ((وقد تكلم فيه من قبل حفظه)). قال ابن الصلاح: أجمع جماهير أئمة العلم بالحديث والفقه والأصول علي أنه يشترط فيمن يحتج بحديثه العدالة والضبط، والعدالة معروفة، وأما الضبط فأن يكون متيقظاً حافظاً إن حدث من حفظه، ضابطا لكتابة إن حدث منه عارفاً لما يختل به المعنى إن روى به. الحديث الثاني عن جبير: قوله: ((الله أكبر كبيراً)) حال مؤكدة، نحو: هو عبد الله شجاعاً، وزيد أبوك عطوفا. قوله: ((بكرة وأصيلا)) ((مظ)): خصا بالذكر لاجتماع ملائكة الليل والنهار فيهما. وأقول: الأظهر أن يقال: يراد بهما الدوام، كما في قوله تعالي: ﴿لهم رزقهم فيها بكرة وعشيا﴾ أراد دوام الرزق ووروده.

стр. 566

نفخه ونفثه وهمزه)). رواه أبو داود، وابن ماجه؛ إلا أنه لم يذكر: ((والحمد لله كثيرا))، وذكرا في آخره: ((من الشيطان الرجيم)). وقال عمر ﵁: نفخه الكير، ونفثه الشعير، وهمزه الموتة. ٨١٨ - وعن سمرة بن جندب: أنه حفظ عن رسول الله ﷺ سكتتين: سكتة إذا كبر، وسكتة إذا فرغ من قراءة (غير المغضوب عليهم ولا الضالين)، فصدقه إبي ابن كعب. رواه أبو داود. وروى الترمذي، وابن ماجه، والدارمي نحوه. [٨١٨] ٨١٩ - وعن ابن هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا نهض من الركعة الثانية استفتح القراءة بـ (الحمد لله رب العالمين)، ولم يسكت. هكذا في ((صحيح مسلم))، وذكره الحميدي في أفراده. وكذا صاحب ((الجامع)) عن مسلم وحده. ــ قوله: ((الموتة)) - بالضم وفتح التاء المنقوطة فوقها نقطتان- ضرب من الجنون والصرع يعتري الإنسان، فإذا أفاق عاد إليه كمال عقله كالنائم والسكران. ((تو)): النفخ كناية عن الكبر، كأن الشيطان ينفخ بالوسوسة، فيعظمه في عينه، ويحقر الناس عنده، والنفث عبارة عن الشعر؛ لأنه ينفثه الإنسان من فيه كالرقية. قال: إن كان هذا التفسير من متين الحديث فلا معدل عنه، وإن كان من بعض الرواة فالأنسب أن يراد بالنفث السحر؛ فإنه أشبه لقوله تعالي: ﴿ومن شر النفاثات في العقد﴾ وأن يراد بالهمز الوسوسة، لقوله تعالي: ﴿وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين﴾، وهمزات الشياطين خطراتها، وهي جمع الهمزة من الهمز، وفسرت الآية بأن الشياطين يحثون أولياءهم علي المعاصي، ويغرونهم عليها، كما يهمز الركضة الدواب المهماز حثا لها علي المشي. قال أبو عبيدة: والموتة الجنون، سماها همزا لأنه جعل من النخص والهمز، وكل شيء دفعته فقد همزته. قوله: ((سكتتين)) ((مظ)): السكتة الثانية عند الشافعي وأحمد ﵄ كالسكتة الأولي، ومكروهة عند أبي حنيفة ومالك ﵄. الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((استفتح القراءة بالحمد لله)) ليس لقائل أن يقول: هذا يدل أن البسملة ليست من الفاتحة، لأنا نقول: المراد منه السورة ليتميز عن سائرها؛ كما يقال: قرأت ((سورة أنزلناها))، سورة ﴿لم يكن﴾.

стр. 567

الفصل الثالث ٨٢٠ - عن جابر، قال: كان النبي ﷺ إذا استفتح الصلاة كبر، ثم قال: ((إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين. اللهم اهدني لأحسن الأعمال، وأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، وقني سيئ الأعمال، وسيء الأخلاق، لا يقي سيئها إلا أنت)). رواه النسائي. [٨٢٠] (١٢) باب القراءة في الصلاة الفصل الأول ٨٢٢ - عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)). متفق عليه. ــ الفصل الثالث الحديث الأول الثاني عن محمد بن مسلمة: قوله: ((وأنا أول المسلمين)) هذا لفظ التنزيل حكاية عن قول إبراهيم ﵊ قيل: إنما قال: أول المسلمين لأن إسلام كل نبي مقدم علي إسلام أمته، وقد ورد هذا الاستفتاح في الحديث الثاني من الفصل الأول، وذكر فيه: ((وأنا من المسلمين)) وهو الظاهر علي الحكاية أي أنا أول المسلمين، فيندرج فيه القائل في حكم نبيه لأن النبي ﷺ إمام أمته وقدوتهم. باب القراءة في الصلاة الفصل الأول الحديث الأول عن عبادة: قوله: ((لم يقرأ بفاتحة الكتاب)) سميت فاتحة لأنها فتح بها كتاب الله المجيد، وتفتتح بها الصلاة، وعدى القراءة بالباء وهي متعدية بنفسها علي معنى لم يبدأ القراءة إلا بها. ((شف)): في هذين الحديثين والذي بعدهما دلالة علي وجوب قراءة الفاتحة علي من يقدر عليها.

стр. 568

وفي رواية لمسلم: ((لمن لم يقرأ بأم القرآن فصاعداً)). ٨٢٣ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من صلي صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج- ثلاثاً- غير تمام)). فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام. قال: اقرأ بها في نفسك؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((قال الله تعالي؛ قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل. فإذا قال العبد: ــ ولقائل أن يقول؛ ((فصاعدا)) يدفعه؛ لأن الزائد علي الفاتحة ليس بواجب. قال في النهاية: معنى ((فصاعداً)) فما زاد عليها، كقوله: اشتريته بدرهم فصاعداً، وهو منصوب علي الحال، تقديره فزاد الثمن صاعداً. وقال المظهر: تقدير كون صاعداً حالا أن يقال تقديره: لمن لم يقرأ بأم القرآن فقط، أو بأم القرآن في حال كون قراءته صاعداً، أي زاد علي أم القرآن. والجواب أن يقال: إن القائلين بوجوب القرآن في الصلاة اختلفوا في ن الفاتحة متعينة أم لا، لكن لم يقل أحد: إن الفاتحة مع غيرها واجبة. فدل هذا الحديث علي وجوب الفاتحة، لا علي الفضل، كأنه قيل: الفاتحة واجبة في حال كونها مقرونة بشيء مما هو غير واجب. ((الكشاف)): في قوله تعالي: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾: الدليل الذي ذكرنا أخرج العمرة من صفة الوجوب، فبقي الحج وحده فيها، فهما بمنزلة قولك: صم شهر رمضان وستة من شوال، في أنك تأمره بفرض وتطوع. هذه المسألة مبنية علي أن ملطق الأمر للوجوب إلا ما خصه الدليل. الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((صلاة)) التنكير فيه إن أريد به البعضية كالظهر والعصر وغيرهما كان مفعولا به؛ لأن الصلاة حينئذ تكون اسماً لتلك الهيئات المخصوصة، والفعل واقعاً عليها، وإن أريد الجنس يحتمل أن يكون معفولاً به، وأن يكون مفعولاً مطلقاً. قوله: ((أم القرآن)) ((حس)): سميت الفاتحة بأم القرآن لأنها أوله وأصله، وبه سميت مكة أم القرى؛ لأنها أول الأرض وأصلها، ومنها دحيت. قوله: ((خداج)) ((تو)): أي ناقصة، يقول العرب: خدجت الناقة إذا ألقت ولدها قبل أوان النتاج وإن كان تام الخلق. وهو مصدر أقيم مقام اسم الفاعل، والمعنى فهي مخدجة ذات خداج. أقول: إن شرح هذا الحديث معضل وتطبيقه علي معنى السورة أعضل، ولذلك تكلم فيه العلماء، واختلفوا اختلافاً متبايناً، فلابد من إيراده.

стр. 569

(الحمد لله رب العالمي)؛ قال الله: حمدني عبدي. وإذا قال: (الرحمن الرحيم) قال الله تعالي: أنثى علي عبدي، وإذا قال: (مالك يوم الدين)، قال: مجدني عبدي. ــ ((مح)): التمجيد الثناء بصفات الجلال. ووجه مطابقته لقوله تعالي: ((مالك يوم الدين)) هو أنه تضمن أن الله تعالي هو المنفرد بالملك فيه كما في الدنيا، وفي هذا الاعتراف من التعظيم والتفويض للأمر ما لا يخفي. وقال العلماء: المراد بالصلاة في قوله: ((قسمت الصلاة)) الفاتحة، سميت بذلك لأنها لا تصح إلا بها، كقوله: ((الحج عرفة)) وفيه دليل علي وجوبها بعينها في الصلاة. وفحوى ما قاله التوربشتي في هذا المقام هو أنه قد عرف أن المراد من لفظ الصلاة بما أردفه من التفسير والتفضيل أنها الفاتحة. وقال أيضاً: إن التنصيف منصرف إلي آيات السورة، وذلك أنها سبع آيات، فثلث منها ثناء، وثلث مسألة، والآية المتوسطة بين آيات الثناء وآيات المسألة نصفها ثناء ونصفها دعاء. فإذا ليست البسملة آية من الفاتحة. وقال الشيخ محيي الدين: هذا قول واضح، وأجاب الأصحاب بوجوه: أحدها أن التنصيف عائد إلي جملة الصلاة لا إلي الفاتحة، هذا حقيقة اللفظ. والثاني أنه عائد إلي ما يختص بالفاتحة من الآيات الكاملة. والثالث معناه فإذا انتهي العبد إلي الحمد لله رب العالمين. ((قض)): الحديث دل علي فضل الفاتحة دون وجوبها، إلا أن يقال: قسمت الصلاة من حيث أنها عامة شاملة لأفراد الصلاة كلها، في معنى قولنا: كل صلاة مقسومة علي هذا الوجه، ويلزمه أن كل ما لا يكون مقسوماُ علي هذا الوجه لا يكون صلاة، والخالية عن الفاتحة لا تكون مقسومة علي هذا الوجه فلا تكون صلاة. أقول: إن الفاء في قول أبي هريرة ﵁: ((فإني سمعت رسول الله يقول)) وتقرير التثلث في الألفاظ النبوية تفسيراً للتنصيف [يكشفان الغطاء]، ولا مطمع في [التوقيف] علي مغزى الكلام إلا ببيان موقعهما. أما الأول فلأن الفاء رتبت ما بعدها علي ما قبلها ترتيب الدليل علي المدعى؛ لأنه ﵁ استشهد بالحديث الثاني لإثبات الكمال لمطلق الصلاة، ونفي النقصان عنه، كأنه قيل: قسمت الصلاة الكاملة نصفين، فلا يدل علي نفي حقيقة الصلاة كما قال، وفيه أيضاً إيجاب أجزاء الصلاة علي حقيقتها؛ لأن الكلام السابق سبق لها أصالة والثاني تابع له، فتكون الفاء في قوله: ((فإذا قال العبد)) للتعقيب، والشروع في بيان كيفية التقسيم لا المقسوم به، كما ظن الشيخ التوربشتي، وهذا هو الذي عناه شارح الصحيح بقوله: فإذا انتهي العبد إلي الحمد لله رب العالمين.

стр. 570

وإذا قال: ((إياك نعبد وإياك نستعين. قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل. فإذا قال: ((اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين)). قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل)). رواه مسلم. ــ وعلي هذا قياس سائر الأذكار فيها، وتخصيص الفاتحة لتقديمها ولشرفها، ولينبه بها لاشتمالها علي معإني الكتب السماوية، علي أن مرجع الكل إلي الدعوة إلي تينك الخلتين، أعني العبادة والثناء وإظهار الافتقار، ونفي الحول والقوة إلا به، وبهذا ظهر سر قوله ﷺ : ((الدعاء مخ العبادة)) ولا بعد أن يتشبث بهذا علي الوجوب، وتحريره أن قوله: ((فهي خداج)) يحتمل معنيين: نفي الكمال كما سبق، ونفي الحقيقة من نفي الجزء الذي تنتفي الكل بانتفائه، فرجحنا الثاني بهذا الاعتبار، وذلك أن الصلاة عبارة عن حركات مخصوصة، وأذكار مخصوصة، فكما تنتقي بإخلال معظم أذكارها، نحو ركوع واحد وسجدة واحدة، كذلك ينبغي أن تنتفي بإخلال معظم حركاتها، وقد تقرر في علم البيان أن إطلاق الجزء علي الكل مشروط بكون ذلك الجزء أعظم، كما مثل شارح الصحيح بقوله: ((الحج عرفة)). وعليه قوله تعالي: ﴿إن قرآن الفجر كان مشهودا﴾ يعني صلاته. والذي يشد من عضد هذا التقرير توكيد الخداج بالتكرير وتتميمه بالتفسير، ولأن هذا المنهج أحوط وإلي التحقيق أقرب. وأما الثاني فعليه ما ذكره الخطابي: هذا التقسيم راجع إلي المعنى لا إلي الألفاظ المتلوة؛ لأنا نجد الشطر الآخر يزيد علي الشطر الأول من جملة الألفاظ والحروف زيادة بينة، فينصرف إلي المعنى؛ لأن السورة من جهة المعنى نصفها ثناء، ونصفها دعاء، وقسم الثناء ينتهي إلي قوله: ((إياك نعبد)) وباقي الآية من قسم المسألة، فلهذا قال في هذه الآية: ((بيني وبين عبدي)) تم كلامه. وتحرير ذلك أنه تعالي قسم السورة في هذا التقرير أثلاثا، وقال في الثلث الأول: ((حمدني، وأثنى علي، ومجدني))، فأضافها إلي نفسه. وقال في الثلث الآخر: ((هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل))، فخصه بالعبد، وفي الوسط جمع بينهما، وقال: ((هذا بيني وبين عبدي)) ولأن يربط النصف الأول بالثاني قدم العبادة علي الاستعانة، لأن الوسيلة مقدمة علي طلب الحاجة. وأيضاً أن العبادة متفرعة علي الثلث الأول، لأن استحقاق اختصاص العبادة به تعالي إنما كان لأصل تلك الأوصاف الكاملة، وأن الاستعانة فرع عليها الثلث الآتي، وفسرت به فإن التقدير: كيف أعنيكم؟ فقالوا: اهدنا الصراط المستقيم. ولاعتبار المعنى وتضمن الثلث الأول معنى البسملة استغني عنها به، وكذا ثلث الثلث الأول،

стр. 571

٨٢٤ - وعن أنس: أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر، ﵄، كانوا يفتتحون الصلاة بـ ((الحمد لله رب العالمين)). رواه مسمل. ٨٢٥ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أمن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة؛ غفر له ما تقدم من ذنبه)). متفق عليه. ــ وجعل الطرفين- أعني: ((الحمد لله رب العالمين ... مالك يوم الدين)) مؤسسين علي الوسط؛ لأن الرحمة الإلهية والعواطف الربإنية هي التي اقتضت إخراج الخلق من العدم إلي الوجود والتزود للمسير إلي السعادات الأبدية، والمصير إلي الكمالات السرمدية، وإلي هذا تلميح ما ورد: ((رحمن الدنيا ورحيم الآخرة). فإن قلت: لم قيد الثلث الثاني والثالث بقوله: ((ولعبدي ما سأل)) وأوقعه حالا من ((لعبدي))، وأطلق الأول؟ قلت: لتضمنهما الطلب السؤال، أما في لأول فمستفاد من السين، وفي الثاني من صيغة الأمر، وإنما وضع المظهر موضع المضمر الراجع إلي ذي الجلال، وخص بالعبد وكرر- ليشعر بأن الصلاة معراج المؤمن، ولهذا السر وصف الحبيب بالعبد ليلة المعراج، كما أومأ إليه بقوله تعالي: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا﴾ وظهر أيضاً أن المصلي يناجي ربه، وحق لذلك أن تسمى الفاتحة بالصلاة، وأن الصلاة لا تصح إلا بها. ولله در الإمام حيث أوجبها فيها. الحديث الثالث عن أنس: قوله: ((يفتتحون الصلاة بالحمد لله)) ((حس)): أول الشافعي ﵁ الحديث وقال: معناه أنهم كانوا يبدأون الصلاة بقراءة فاتحة الكتاب قبل السورة، وليس معناه أنهم كانوا لا يقرءون بسم الله الرحمن الرحيم، بل هو كما يقال: قرأت البقرة، وآل عمران، يريد السورة التي يذكر فيها البقرة، والتي يذكر فيها آل عمران. الحديث الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((أمن الإمام)) ((الكشاف)): آمين صوت سمي به الفعل الذي هو استجب، كما أن رويد سمي به أمهل. ((حس)): قوله: ((فإنه من وافق تأمينه)) عطف علي مضمر، وهو الخبر عن تأمين الملائكة، كما صرح به في قوله بعده: ((إذا أمن القارئ فأمنوا؛ فإن الملائكة تؤمن، فمن وافق تأمينه)) الحديث. ((خط)): أي قولوا: آمين مع الإمام، حتى يقع تأمينكم وتأمينه معاً، ولا يدل علي أنهم يؤخرونه عن وقت تأمينه، كما يقول

стр. 572

وفي رواية، قال: ((إذا قال الإمام: (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) فقولوا: آمين، فإنه من وافق قوله قول الملائكة؛ غفر له ما تقدم من ذنبه)). هذا لفظ البخاري، ولمسلم نحوه. وفي أخرى للبخاري، قال: ((إذا أمن القارئ فأمنوا، فإن الملائكة تؤمن، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة؛ غفر له ما تقدم من ذنبه)). ٨٢٦ - وعن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا صليتم فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبر فكبروا، وإذا قال: (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) فقولوا: آمين؛ يجبكم الله. فإذا كبر وركع، فكبروا واركعوا، فإن الإمام يركع قبلكم، ويرفع قبلكم))، فقال رسول الله ﷺ : ((فتلك بتلك)). قال: ((وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا اللهم ربنا لك الحمد، يسمع الله لكم)). رواه مسلم. ــ القائل: إذا رحل الأمير فادخلوا، يريد إذا أخذ الأمير في الرحيل فتهيأ للارتحال، ليكون رحيلكم مع رحيله. ((مح)): المعنى من وافق الملائكة في وقت التأمين فإن غفران الله تعالي مع تأمينهم، هذا هو الصواب. وحكى القاضي عياض أن معناه: وافقهم في الخشوع والإخلاص. واختلفوا في هؤلاء الملائكة، فقيل: هم الحفظة، وقيل: غيرهم؛ لقوله ﷺ : ((فوافق قوله قول أهل السماء)). وأجاب الأولون عنه بأنه إذا قال الحاضرون من الحفظة قالها من فوقهم حتى ينتهي إلي السماء. الحديث الخامس عن أبي موسى: قوله: ((فإن الإمام يركع)) تعليل لترتب الجزء علي الشرط، فإن الجزاء سبب عن الشرط، والسبب مقدم علي المسبب. قوله: ((تلك بتلك)) ((مح)): معناه أن اللحظة التي سبقكم الإمام بها في تقدمه إلي الركوع [مجبر] لكم بتأخركم في الركوع بعد رفعه لحظة، فتلك اللحظة بتلك اللحظة، وصار قدر ركوعكم كقدر ركوعه. قوله: ((فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد)) ((مح)): قال أصحابنا وغيرهم: فيه دلالة لمذهب من يقول: لا يزيد المأموم علي قوله: ربنا لك الحمد، ولا يقول معه: سمع الله لمن حمده، ومذهبنا أنه يجمع بينهما الإمام والمأموم، والمنفرد؛ لأنه ثبت أنه ﷺ قال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)).

стр. 573

٨٢٧ - وفي رواية له عن أبي هريرة، وقتادة: ((وإذا قرأ فأنصتوا)). ٨٢٨ - وعن أبي قتادة، قال: كان النبي ﷺ يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب، ويسمعنا الآية أحياناً، ويطول في الركعة الأولي ما لا يطيل في الركعة الثانية، وهكذا في العصر، وهكذا في الصبح. متفق عليه. ــ وقال: قوله: ((لك الحمد)) هكذا بلا واو، وفي غير هذا الموضع بالواو، والمختار أن الوجهين جائزين، ولا ترجيح لأحدهما علي الآخر. وقال القاضي عياض: علي إثبات الواو يكون قوله: ((ربنا)) متعلقاً بما قبله، تقديره: سمع الله لمن حمده، يا ربنا! فاستجب حمدنا ودعائنا، ولك الحمد. أقول: هذه الرمزة مفتقرة إلي مزيد كشف، وبيان ذلك أن قوله: ((سمع الله لمن حمده)) وسيلة، و ((ربنا لك الحمد)) طلب، وفيها التفات من الغيبة إلي الخطاب، فإذا روي بالعطف يتعلق ((ربنا)) بالأولي؛ ليستقيم عطف الجملة الخبرية علي مثلها، وإذا عزل عنه الواو يتعلق ((ربنا)) بالثانية، فإذا لا يجوز عطف الإنشائي علي الخبري، وتقديره علي الوجه الأول: يا ربنا قبلت في الدهور الماضية حمد من حمدك من الأمم السابقة، ونحن نطلب منك الآن قبول حمدنا، ولك الحمد أولا وآخرا. فأخرجت الأولي علي الجملة الفعلية، وعلي الغيبة، وخص اسم الله تعالي الأعظم بالذكر، والثانية علي الاسمية وعلي الخطاب؛ لإرادة الدوام، ولمزيد إنجاح المطلوب، فعلي هذا الكلام التفاتة واحدة، وعلي الأول التفاتان من الخطاب إلي الغيبة، ومنه إلي الخطاب. والله أعلم. قوله: ((وإذا قرأ فأنصتوا)) ((مظ)): قال أبو حنيفة: لا تجب قراءة الفاتحة وغيرها علي المأموم، بل يسكت ويسمع. وقال الشافعي: يجب عليه قراءة الفاتحة. الحديث السادس عن أبي قتادة: قوله: ((ويسمعنا الآية)) ((مظ)): يعني يقرأ في صلاة الظهر سراً، وربما يرفع صوته ببعض كلمات الفاتحة أو السورة بحيث يسمع، حتى يعلم ما يقرأ من السورة. قوله: ((ما لا يطيل)) يحتمل أن تكون ((ما)) نكرة موصوفة، أي تطويلاً لا يطيله في الركعة الثانية، وأن تكون مصدرية، أي غير إطالته في الركعة الثانية، فتكون هي مع ما في حيزها صفة لمصدر محذوف.

стр. 574

٨٢٩ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: كنا نحزر قيام رسول الله ﷺ في الظهر والعصر. فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر قراءة: (آلم تنزيل) السجدة –وفي رواية -: في كل ركعة قدر ثلاثين آية، وحزرنا قيامه في الأخريين قدر النصف من ذلك، وحزرنا في الركعتين الأوليين من العصر علي قدر قيامه في الأخريين من الظهر، وفي الأخريين من العصر علي النصف من ذلك. رواه مسلم. ٨٣٠ - وعن جابر بن سمرة، قال: كان النبي ﷺ يقرأ في الظهر بـ (الليل إذا يغشى)، -وفي رواية -: ب (سبح اسم ربك الأعلي)، وفي العصر نحو ذلك، وفي الصبح أطول من ذلك. رواه مسلم. ٨٣١ - وعن جبير بن مطعم، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بـ (الطور). متفق عليه. ٨٣٢ - وعن أم الفضل بنت الحارث، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بـ (المرسلات عرفا). متفق عليه. ٨٣٣ - وعن جابر، قال: كان معاذ بن جبل يصلي مع النبي ﷺ ، ثم يأتي فيؤم قومه، فصلي ليلة مع النبي ﷺ العشاء، ثم أتى قومه فأمهم، فافتتح بسورة البقرة، فانحرف رجل فسلم، ثم صلي وحده وانصرف. فقالوا له: أنافقت يا فلان؟ قال: لا والله، ولآتين رسول الله ﷺ فلأخبرنه. فأتى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إنا أصحاب نواضح، نعمل بالنهار، وإن معاذاً صلي معك العشاء، ثم أتى قومه، فافتتح بسورة البقرة. فأقبل رسول الله ﷺ علي معاذ، فقال: ((يا معاذ! أفتان أنت؟ اقرأ: (والشمس وضحاها) (والضحى) (والليل إذا يغشى) و (سبح اسم ربك الأعلي). متفق عليه. ــ الحديث السابع عن أبي سعيد: قوله: ((نحزر قيام رسول الله ﷺ ؟ أي نقدره، والحزر التقدير والخرص. الحديث الثامن إلي الحادي عشر عن جابر: قوله: ((أنافقت)) أي فعلت ما يفعله المنافق، من

стр. 575

٨٣٤ - وعن البراء، قال: سمعت النبي ﷺ يقرأ في العشاء: (والتين والزيتون)، وما سمعت أحداً أحسن صوتاً منه. متفق عليه. ٨٣٥ - وعن جابر بن سمرة، قال: كان النبي ﷺ يقرأ في الفجر بـ (ق والقرآن المجيد) ونحوها، وكانت صلاته بعد تخفيفاً. رواه مسلم. ٨٣٦ - وعن عمرو بن حريث: أنه سمع النبي ﷺ يقرأ في الفجر: ((والليل إذا عسعس)، رواه مسلم. ٨٣٧ - وعن عبد الله بن السائب، قال: صلي لنا رسول الله ﷺ الصبح بمكة ــ الميل والانحراف عن الجماعة، والتخفيف في الصلاة، كما وصفهم الله تعالي بقوله: ﴿وإذا قاموا إلي الصلاة قاموا كسالي﴾، قال تشديداً وتغليظاً. وقوله: ((ولآتين)) يحتمل أن يكول معطوفاً علي الجواب، أي والله لم أنافق ولآتين. وأن يكون إنشاء قسم آخر، والمقسوم به مقدراً. قوله: ((نواضح)) ((نه)): هي الإبل التي يستقى عليها، واحدها ناضح. ((أفتان أنت؟)) استفهام علي سبيل التوبيخ، وتنبيه علي كراهية صنيعه، وهو إطالة الصلاة المؤدية إلي مفارقة الرجل الجماعة فافتتن به. ((حس)): الفتنة هي صرف الناس عن الدين، وحملهم علي الضلالة، قال الله تعالي: ((ماأنتم عليه بفاتنين)) أي بمضلين. ((قض)): فيه دلالة علي جواز اقتداء المفترض بالمتنفل، فإن من أدى فرضاً ثم أعاد تقع المعادة نفلاً، وعلي أن من أدى الفريضة بالجماعة جاز له إعادتها، وعلي أنه ينبغي للإمام أن يخفف الصلاة، ولا يطولها بحيث يتأذى القوم منها. الحديث الثاني عشر والثالث عشر عن جابر بن سمرة: قوله: ((بعد تخفيفا)) أي بعد صلاة الفجر تخفيفاً في القراءة في بقية الصلاة. الحديث الرابع عشر عن عمرو بن حريث: قوله: ((واليل إذا عسعس)) أي أدبر، وقيل: إذا أقبل ظلامه، هذا يوهم أن رسول الله ﷺ اكتفي بهذه الآية، لكن ذكر في شرح السنة أن الشافعي ﵁ قال: يعني به ((إذا الشمس كورت))، بناء علي أن قراءة السورة بتمامها وإن قصرت أفضل من بعضها وإن طال.

стр. 576

فاستفتح سورة (المؤمنين)، حتى جاء ذكر موسى وهارون- أو ذكر عيسى- أخذت النبي ﷺ سعلة فركع. رواه مسلم. ٨٣٨ - وعن أبي هريرة، قال: كان النبي ﷺ يقرأ في الفجر يوم الجمعة: بـ (آلم تنزيل) في الركعة الأولي، وفي الثانية: (هل أتى علي الإنسان). متفق عليه. ٨٣٩ - وعن عبيد الله بن أبي رافع، قال: استخلف مروان أبا هريرة علي المدينة، وخرج إلي مكة، فصلي لنا أبو هريرة الجمعة، فقرأ سورة (الجمعة) في السجدة الأولي، وفي الآخرة: (إذا جاءك المنافقون)، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بهما يوم الجمعة. رواه مسلم. ٨٤٠ - وعن النعمان بن بشير، قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ في العيدين، وفي الجمعة: بـ (سبح اسم ربك الأعلي) و (هل أتاك حديث الغاشية). قال: وإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد قرأ بهما في الصلاتين. رواه مسلم. ٨٤١ - وعن عبيد الله: أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد الليثي: ما كان يقرأ به رسول الله ﷺ في الأضحى والفطر؟ فقال: كان يقرأ فيهما: بـ (ق والقرآن المجيد) و (اقتربت الساعة). رواه مسلم. ٨٤٢ - وعن أبي هريرة، قال: إن رسول الله ﷺ قرأ في ركعتي الفجر: (قل يا أيها الكافرون) و (قل هو الله أحد). رواه مسلم. ــ الحديث الخامس عشر إلي الحادي والعشرين: ((كان)) في هذه الأحاديث ليس بمعنى الاستمرار، كما في قوله تعالي: ﴿وكان الإنسان عجولا﴾، بل هو للحالة المتجددة، كما في قوله تعالي: ﴿من كان في المهد صبيا﴾. قوله: ((جاء ذكر موسى وهارون)) أي في قوله تعالي: ﴿ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون﴾

стр. 577

٨٤٣ - وعن ابن عباس، قال كان رسول الله ﷺ يقرأ في ركعتي الفجر: ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا﴾، والتي في (آل عمران): ﴿قل يأهل الكتاب تعالوا إلي كلمة سواء بيننا وبينكم﴾. رواه مسلم. الفصل الثاني ٨٤٤ - عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ يفتتح صلاته بـ (بسم الله الرحمن الرحيم). رواه الترمذي، وقال: هذا حديث ليس إسناده بذاك [٨٤٤] ٨٤٥ - وعن وائل بن حجر، قال سمعت رسول الله ﷺ قرأ: (غير المغضوب عليهم ولا الضالين)، فقال: آمين، مد بها صوته. رواه الترمذي، وأبو داود، والدارمي، وابن ماجه. [٨٤٥] ٨٤٦ - وعن أبي زهير النميري، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، فأتينا علي رجل قد ألح في المسألة، فقال النبي ﷺ ((أوجب إن ختم)). فقال رجل من القوم: بأي شيء يختم؟ قال: ((بآمين)). رواه أبو داود. [٨٤٦] ــ أو ذكر عيسى في قوله تعالي: ﴿وجعلنا ابن مريم وأمه آية﴾. قوله: ((سعلة)) ((شف)): وهي فعلة من السعال، وإنما أخذ بسبب البكاء. الفصل الثاني الحديث الأول عن ابن عباس: قوله: ((ليس بذاك)) المشار إليه ((بذاك)) ما في ذهن من يعني بعلم الحديث، ويعتد بالإسناد القوي. ((تو)): هذا الحديث في إسناده وهن؛ لما تفرد به أبو عيسى بإخراجه عن أحمد بن عبدة عن المعتمر، عن إسماعيل بن حماد، عن أبي سليمان، وهو مجهول. الحديث الثاني عن وائل: قوله: ((آمين مد بها صوته)) ((الكشاف)) في آمين لغتان: مد ألفه، قال: ((ويرحم الله عبداً قال: آمينا))، وقصرها، قال: ((آمين)) فزاد الله ما بيننا بعداً. الحديث الثالث عن [أبي زهير] ﵁: قوله: ((أوجب)) ((مظ)): أي الجنة لنفسه

стр. 578

٨٤٧ - وعن عائشة، ﵂، قالت: إن رسول الله ﷺ صلي المغرب بسورة (الأعراف) فرقها في ركعتين رواه النسائي. [٨٤٧] ٨٤٨ - وعن عقبة بن عامر، قال: كنت أقود لرسول الله ﷺ ناقته في السفر، فقال لي: ((يا عقبة! ألا أعلمك خير سورتين قرئتا؟))، فعلمني (قل أعوذ برب الفلق) و (قل أعوذ برب الناس)، قال: فلم يرني سررت بهما جداً، فلما نزل لصلاة الصبح صلي بهما صلاة الصبح للناس. فلما فرغ، التفت إلي، فقال: ((يا عقبة! كيف رأيت؟)). رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي. [٨٤٨] ــ أو أوجب إجابة دعائه، وفيه دليل علي أن من دعا يستحب أن يقول: آمين بعد دعائه، وإن كان الإمام يدعو والقوم يؤمنون فلا حاجة إلي تأمين المأموم. الحديث الرابع عن عائشة ﵂: قوله: ((صلي المغرب)) [((تو)):] ووجه هذا الحديث أن نقول: إن النبي ﷺ لم يزل يبين للناس معالم دينهم بيانا يعرف به الأتم والأكمل، والأدنى والأفضل، ويفصل تارة بقوله، وتاره بفعله، ما يجوز عما لا يجوز، ولما كانت صلاة المغرب أضيق الصلوات وقتا اختار فيها التجوز والتخفيف، ثم رأي أن يصليها في الندرة [علي] ما ذكر في الحديث؛ ليعرفهم أن أداء تلك الصلاة علي تلك الصفة جائز، وإن كان الفضل في التجوز فيه، ويبين لهم أن وقت المغرب يتسع لهذا القدر من القراءة. ((خط)): فيه إشكال؛ لأنه ﷺ إذا قرأ علي التإني سورة الأعراف في صلاة المغرب يخل وقت العشاء قبل الفراغ منها، فتفوت صلاة المغرب. وتأويله أنه ﷺ قرأ في الركعة الأولي قليلاً من سورة ليدرك ركعة من الوقت، ثم قرأ باقيها في الثانية، ولا بأس بوقوعها خارج الوقت، ويحتمل أن يراد بالسورة بعضها. الحديث الخامس عن عقبة: قوله: ((خير سورتين)) الإضافة دلت علي أنك إذا تقصيت القرآن المجيد إلي آخره سورتين سورتين ما وجدت في باب الاستاعذة خيراص منهما، وهو من أسلوب قول الأنمارية: هم كالحلقة المفرغة لا يدري أين طرفها. ويمكن أن يقال: إن عقبة ما سر ابتداء لما لم يكشف له خيريتهما، وما زال منه ما كان هو فيه من الفزع، ولما صلي بهما كوشف له ذلك المعنى ببركة الصلاة، وأزيل ذلك الخوف، فمعنى: ((كيف رأيت؟)) كيف وجدت مصداق قولي: هما خير سورتين قرئتا في باب التعوذ؟ فعلي هذا يكون ((قرئتا)) صيغة مميزة

стр. 579

٨٤٩ - وعن جابر بن سمرة، قال: كان النبي ﷺ يقرأ في صلاة المغرب ليلة الجمعة: ((قل يا أيها الكافرون) و (قل هو الله أحد)، رواه في ((شرح السنة)). [٨٤٩] ٨٥٠ - ووراه ابن ماجة عن ابن عمر إلا أنه لم يذكر ((ليلة الجمعة)). [٨٥٠] ٨٥١ - وعن عبد الله بن مسعود، قال ما أحصي ما سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في الركعتين بعد المغرب، وفي الركعتين قبل صلاة الفجر: بـ (قل يا أيها الكافرون) و (قل هو الله أحد). رواه الترمذي. [٨٥١] ٨٥٢ - ورواه ابن ماجه عن أبي هريرة إلا أنه لم يذكر: ((بعد المغرب)). [٨٥٢] ٨٥٣ - وعن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة. قال: ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله ﷺ من فلان. قال سليمان: صليت خلفه فكان يطيل الركعتين الأوليين من الظهر، ويخفف الأخريين، ويخفف العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في العشاء بوسط المفصل، ويقرأ في الصبح بطوال المفصل. رواه النسائي، وروى ابن ماجه إلي ((ويخفف العصر)). [٨٥٣] ــ لـ ((سورتين)). ((تو)): أشار ﷺ إلي الخيرية في الحالة التي كان عقبة عليها، وذلك أنه كان في سفره، وقد أظلم عليه الليل، ورآه مفتقراً إلي تعلم ما يدفع به شر الليل، وشر ما أظل عليه الليل، فعين السورتين لما فيهما من وجازة اللفظ، والاشتمال علي المعنى الجامع مع سهولة حفظها، ولم يفهم عقبة المعنى الذي أراده النبي ﷺ من التخصيص، فظن أن الخيرية إنما تقع علي مقدار طول السورة وقصرها، ولهذا قال: ((فلم يرني سررت بهما جداً)) وإنم صلي النبي ﷺ ليعرفه أن قراءتهما في الحال منصوص عليها والزمان المشار إليه أمثل وأولي من قراءة غيرهما، ويبين له أنهما يسدان مسد الطوليين. الحديث السادس والسابع عن عبد الله بن مسعود: قوله: ((ما أحصي)) ((ما)) نافية أي ما أطيق أن أحصي، و ((ما)) في ((ما سمعت)) موصولة، و ((يقرأ)) حال من العائد إلي ((ما))، وكان الأصل ما سمعت قراءته، فأزيل المفعول به عن مقره، وجعل حالا، كما في قوله تعالي: ﴿ربنا [إننا] سمعنا مناديا ينادي﴾ أي نداء المنادي. الحديث الثامن عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((من فلان)) ((تو)): قيل هو عمر بن

стр. 580

٨٥٤ - وعن عبادة بن الصامت، قال: كنا خلف النبي ﷺ في صلاة الفجر، فقرأ، فثقلت عليه القراءة. فلما فرغ. قال: ((لعلكم تقرؤون خلف إمامكم؟)) قلنا: نعم، يا رسول الله! قال: ((لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها)). رواه أبو داود، والترمذي. والنسائي معناه، وفي رواية لأبي داود، قال: ((وأنا أقول مالي ينازعني القرآن؟ فلا تقرؤوا بشيء من القرآن إذا جهرت إلا بأم القرآن)). [٨٥٤] ٨٥٥ - وعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: ((هل قرأ معي أحد منكم آنفاً؟)) فقال رجل: نعم، يا رسول الله! قال: إني أقول: مالي أنازع القرآن؟!)) قال: فانتهي الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ ــ عبد العزيز، وهذه الرواية لا اعتماد عليها. أقول: وذلك أن عمر بن عبد العزيز ولد سنة إحدى وستين، وأبو هريرة توفي سنة سبع وخمسين، وقيل: ثمان، وقيل: تسع. وأما أنس فروى نحوه علي ما سيأتي في باب الركوع في الفصل الثالث، ونص علي أن فلاناً عمر بن عبد العزيز، وهو صحيح؛ لأن أنساً توفي سنة إحدى وتسعين. ((حس)): هو رجل كان أميرا علي المدينة. ((خط)): السبع المفصل أوله سورة الحجرات، وسمي مفصلاً لأن سورها قصار، كل سورة كفصل من الكلام، وقيل: طواله إلي سورة ((عم)) وأوساطه إلي ((والضحي)). الحديث التاسع عن عبادة: قوله: ((ثقلت)) ((قض)): أي عسرات، وقوله: ((مالي ينازعني القرآن)) معناه لا يتأتى لي، وكإني [أجاذبه]، فيعصي ويثقل علي. قوله: ((لعلكم)) سؤال فيه معنى الاستفهام يقرر فعلهم، ولذلك أجابوا بنعم، كأنه ﷺ عسرت عليه القراءة، ولم يدر السبب، [فسأل] منهم، يدل عليه قول: ((وأنا أقول: مالي ينازعني القرآن!)). قوله: ((خلف إمامكم)) وحق الظاهر (خلفي) ليؤذن بأن تلك الفعلة غير مناسبة لمن [يتقلد] الإمام. ((مظ)): تعسرت القراءة علي النبي ﷺ لكثرة أصوات المأمومين بالقراءة، والسنة أن يقرأ المأموم بالسر، بحيث يسمع كل واحد نفسه، ولا يرفع صوته كيلا يشوش القراءة علي الآخرين. واختلفوا في قراءة المأموم الفاتحة خلف الإمام، فأصح [قول] الشافعي أن يقرأ في السرية والجهرية، ومذهب مالك وأحمد وأحد قولي الشافعي أنه يقرأها في السرية؛ لأن استماعه في الجهرية قراءة الإمام يكفيه، ومذهب أبي حنيفة لا يقرأها في السرية ولا في الجهرية. الحديث العاشر والحادي عشر عن ابن عمر: قوله: ((ما يناجيه به))، ((ما)) استفهامية،

стр. 581

فيما جهر فيه بالقراءة من الصلوات حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ . رواه مالك، وأحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي. وورى ابن ماجه نحوه. [٨٥٥] ٨٥٦ - وعن ابن عمر، والبياضي، قالا: قال رسول الله ﷺ : ((إن المصلي يناجي ربه؛ فلينظر ما يناجيه به، ولا يجهر بعضكم علي بعض بالقرآن)). رواه أحمد. [٨٥٦] ٨٥٧ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وأذا قرأ فأنصتوا)). رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه. [٨٥٧] ٨٥٨ - وعن عبد الله بن أبي أوفي، قال: جاء رجل إلي النبي ﷺ ، فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئاً، فعلمني ما يجزئني. قال: ((قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله)). قال: يا رسول الله! هذا لله؛ فماذا لي؟ قال: ((قل: اللهم ارحمني، وعافني، واهدني، وارزقني)) فقال هكذا بيديه وقبضهما. فقال رسول الله ﷺ : ((أما هذا فقد ملأ يديه من الخير)). رواه أبو داود. وانتهت رواية النسائي عند قوله: ((إلا بالله)). [٨٥٨] ــ والضمير راجع في ((يناجيه)) إلي الرب وفي ((به)) إلي ((ما)) و ((ما)) مفعول ((فلينظر)) بمعنى فليتأمل في جواب ((ما يناجيه به))، من القول علي سبيل التعظيم والتبجيل، ومواطأة القلب اللسان، والإقبال إلي الله تعالي [بشراشره]، وذلك إنما يحصل إذا لم ينازعه صاحبه بالقراءة، ومن ثم عقبه بقوله: ((ولا يجهر بعضكم علي بعض بالقرآن)) فعدي بعلي لإرادة معنى الغلبة أي لا يغلب ولا يشوش بعضكم بعضاً جاهراً بالقراءة. الحديث الثاني عشر والثالث عشر عن عبد الله: قوله: ((أن آخذ)) ((غب)): الأخذ حوز الشيء وتحصيله. أقول: الظاهر أن هذه القضية- والله أعلم- ليست بمختصة بالصلاة، لأن الرجل قال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئاً، ومعناه إني لا أستطيع أن أحفظ شيئاً من القرآن، وأتخذه ورداً لي، فأقوم به آناء الليل وأطراف النهار، فلما علمه ما فيه تعظيم الله تعالي طلب ما يحتاج إليه، ويختص به من الرحمة والعافية [والهداية] والرزق. ويؤيد ما ذكرنا من أن مطلوبه ما يجعله ورداً له لا يفارقه أبداً- قبضة يديه، أي إني لا أفارقها مادمت حيا. ((مظ)): وما أحسن التجاوب الذي بين الأخذ في مفتتح الحديث، والقبض في مختتمه، قوله: ((فقال هكذا)) أي [أشار] إشارة مثل هذه الإشارة المحسوسة.

стр. 582

٨٥٩ - وعن ابن عباس، ﵄: أن النبي ﷺ كان إذا قرأ (سبح اسم ربك الأعلي)؛ قال: ((سبحان ربي الأعلي)). رواه أحمد، وأبو داود [٨٥٩] ــ ثم إيراد هذا الحديث في هذا الباب هو الذي حمل الشيخ المظهر علي التكليف في تطبيق الحديث علي الصلاة، حيث قال: اعلم أن هذه الواقعة لا يجوز أن تكون في جميع الأزمان، لأن من يقدر علي تعلم هذه الكلمات يقدر علي تعلم الفاتحة لا محالة، بل تأويله، لا أستطيع أن أعلم شيئاً من القرآن في هذه الساعة، وقد دخل علي وقت الصلاة، فقال له رسول الله ﷺ : قل: سبحان الله إلي آخره؛ فمن دخل لعيه وقت صلاة مفروضة، ولم يعلم الفاتحة، ويعلم شيئاً من التسبيحات- سبحان الله إلي آخره- لزمه أن يقولها في تلك الصلاة بدل الفاتحة فإذا فرغ من تلك الصلاة لزمه أن يتعلم الفاتحة. فمن لم يعلم الفاتحة وعلم شيئاص من القرآن لزمه أن يقرأ ما يعلم من القرآن بقدر الفاتحة في عدد الآيات، وهذه الكلمات؛ لأن النبي ﷺ علمها ذلك الرجل أن يقرأها في الصلاة. وعلي هذا يتوجه عليه ما ذكره الشيخ التوربشتي: لم يرد السائل بما قال القدر الذي تصح به الصلاة؛ لأن من المستبعد أن يعجز العربي المتكلم بمثل هذا الكلام عن تعلم مقدار ما يصح به الصلاة كل العجز، وإني كان رسول الله ﷺ يرخص له في الاكتفاء بالتسبيح علي الإطلاق، من غير أن يبين ماله وعليه، ولو كان الأمر علي ما يقتضيه ظاهر اللفظ لعلمه الآية والآيتين مكان هذا القول، ولو قدر [مقدر] أن الرجل أدركته الفريضة ولم يتسع له الوقت أن يتعلم ما يجزئه، فأمره بذلك. فالجواب عن هذا أن لو كان الأمر علي ذلك لعلمه النبي ﷺ بما يلزمه بعد ذلك، إذ لا يجوز عليه أن يسكت عن البيان عند الحاجة إليه، والله أعلم. الحديث الرابع عشر عن ابن عباس: قوله: ((إذا قرأ سبح اسم ربك الأعلي)) ((مظ)): عند الشافعي يجوز مثل هذه الأشياء في الصلاة وغيرها، وعند أبي حنيفة لا يجوز إلا في غير الصلاة. أقول: وكذا عند مالك. ((تو)): هذا الحديث لا يدل علي أن هذا كان في الصلاة، إذ لو كان في الصلاة لبينه الراوي، ونقله غيره من الصحابة، مع شدة حرصهم علي الأخذ منه والتبليغ. ولو زعم أحد أنه في الصلاة، قلنا: يحمل ذلك علي غير الفريضة، علي ما في حديث حذيفة ﵁، لما حدث به عن صلاته مع النبي ﷺ بالليل، وما أتى علي آية رحمة إلا وقف وسأل، وما أتى علي آية عذاب إلي وقف وتعوذ، ولم ينقل شيء من ذلك فيما جهر به من الفرائض مع كثرة من حضرها. والجواب أن الحديث الآتي وعموم قوله ﷺ : من قرأ كذا فليقل كذا مراراً ثلاثاً ظاهراً فيما ذهب إليه الشافعي ﵁، وعلي المخالف دليل الخصوص، ولأن من [يتعانى] هذه الشريطة غالباً يكون حاضر القلب، متخشعا خائفاً راجياً، يظهر افتقاره بين يدي مولاه، ٨٦٠ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من قرأ منكم بـ (التين والزيتون)، فانتهي إلي: (أليس الله بأحكم الحاكمين)؛ فليقل: بلي، وأنا علي ذلك من الشاهدين ومن قرأ: (لا أقسم بيوم القيامة) فانتهي (أليس ذلك بقادر علي أن يحيي الموتى) فليقل: بلي. ومن قرأ (والمرسلات) فبلغ: (فبأي حديث بعده يؤمنون)؛ فليقل: آمنا بالله)). رواه أبو داود والترمذي إلي قوله: ((وأنا علي ذلك من الشاهدين)). [٨٦٠]

стр. 583

٨٦١ - وعن جابر: قال: خرج رسول الله ﷺ علي أصحابه، فقرأ عليهم سورة (الرحمن) من أولها إلي آخرها، فسكتوا. فقال: ((لقد قرأتها علي الجن ليلة الجن، فكانوا أحسن مردوداً منكم، كنت كلما أتيت علي قوله: ((فبأي آلاء ربكما تكذبان)، قالوا: لا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلله الحمد)). رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب. [٨٦١] ــ والصلاة مئنة ذلك ومظنته. وأما قوله: يحمل ذلك علي غير الفرائض، واستدلاله علي مطلوبه بحديث حذيفة، وبحديثه بالليل- فضعيف، علي أن هذا الحديث رواه الترمذي، وأبو داود، والدارمي عن حذيفة كما سيجيء في آخر الفصل الثاني من باب الركوع، وفيه أن حذيفة صلي مع رسول الله ﷺ وليس فيه ذكر أنه صلي معه في الليل، والظاهر أنه كان يقتدي بالنبي ﷺ في الفرائض. الحديث الخامس عشر عن أبي هريرة ﵁ قوله: ((فبأي حديث بعده يؤمنون)) أي بعد القرآن، لأن القرآن بين الكتب المنزلة آية مبصرة، ومعجزة باهرة، فحين لم يؤمنوا به فبأي حديث بعده يؤمنون؟ قوله: ((فليقل: آمنا)) أي قل: أخالف أعداء الله المعاندين، ونؤمن به وبما جاء لينتظم في سلك من له مساهمة في الشهادة من أنبياء الله، وأوليائه. هذا معنى قوله: ((وأن علي ذلك من الشاهدين))؛ لأنه منوال قوله: فلان من العلماء، أي له نصيب معهم في العلم، وأن الوصف كاللقب المشهود له، وهو أبلغ من قولك: فلان عالم. الحديث السادس عشر عن جابر ﵁: قوله: ((أحسن مردوداً)) ((الجوهري)): المردود الرد، وهو مصدر مثل المخلوق [والمعقول]، قال الشاعر: لا يعدم السائلون الخير أفعله إما نوالا وإما حسن مردود نزل سكوتهم وإنصاتهم للاستماع منزلة حسن الرد، فجاء بأفعل التفضيل.

стр. 584

الفصل الثالث ٨٦٢ - عن معاذ بن عبد الله الجهني، قال: إن رجلاً من جهينة أخبره أنه سمع رسول الله ﷺ قرأ في الصبح (إذا زلزلت) في الركعتين كلتيهما فلا أدري أنسي أم قرأ ذلك عمداً. رواه أبو داود. [٨٦٢] ٨٦٣ - وعن عروة، قال: إن أبا بكر الصديق، ﵁، صلي الصبح، فقرأ فيهما بـ ((سورة البقرة)) في الركعتين كلتيهما. رواه مالك. [٨٦٣] ٨٦٤ - وعن الفرافصة بن عمير الحنفي، قال: ما أخذت سورة (يوسف) إلا من قراءة عثمان بن عفان إياها في الصبح، من كثرة ما كان يرددها. رواه مالك. [٨٦٤] ٨٦٥ - وعن [عبد الله بن] عامر بن ربيعة، قال: صلينا وراء عمر بن الخطاب الصبح، فقرأ فيهما بسورة (يوسف) وسورة (الحج) قراءة بطيئة، قيل له: إذا لقد كان يقوم حين يطلع الفجر. قال: أجل. رواه مالك [٨٦٥] ٨٦٦ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: ما من المفصل سورة صغيرة ولا كبيرة إلا قد سمعت رسول الله ﷺ يؤم بها الناس في الصلاة المكتوبة. رواه مالك. [٨٦٦] ٨٦٧ - وعن عبد الله بن عتبة بن مسعود، قال: قرأ رسول الله ﷺ في صلاة المغرب- (حم الدخان). رواه النسائي مرسلاً. [٨٦٧] ــ الفصل الثالث الحديث الأول إلي السادس عن عامر ﵁: قوله: ((إذا لقد كان)) إذاً جزاء وجواب، يعني قال رجل لعامر: إذا كان الأمر علي ما ذكرت إذاً والله لقام في الصلاة أول الوقت حين الغلس.

стр. 585

(١٣) باب الركوع الفصل الأول ٨٦٨ - عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أقيموا الركوع والسجود، فوالله إني لأراكم من بعدي)). متفق عليه. ٨٦٩ - وعن البرء، قال: كان ركوع النبي ﷺ ، وسجوده، وبين السجدتين وإذا رفع من الركوع، ما خلا القيام والقعود؛ قريباص من السواء. متفق عليه. ٨٧٠ - وعن أنس، قال: كان النبي ﷺ ، إذا قال: ((سمع الله لمن حمده)) قام حتى نقول: قد أوهم، ثم يسجد ويقعد بين السجدتين حتى نقول: قد أوهم. رواه مسلم. ــ باب الركوع الفصل الأول الحديث الأول عن أنس ﵁: قوله: ((أقيموا الركوع)) ((قض)): أي عدلوا وأتموا من أقام العود إذا قومه. قوله: ((فوالله إني لأراكم من بعدي)) أي روائي، حث علي الإقامة، ومنع عن التقصير، فإن تقصيرهم إذ لم يخف علي الرسول، فكيف يخفي علي الله سبحانه وتعالي؟ وإنما علمه بإطلاع الله تعالي إياه، وكشفه عليه. ((شف)): ((أقيموا)) فيه حث علي الإقامة، ومنع عن التقصير، وترك الطمإنينة فيها. الحديث الثاني عن البراء: قوله: ((بين السجدتين)) وقوله: ((وإذا رفع)) معطوفان علي اسم ((كان)) علي تقدير المضاف، أي زمان ركوعه وسجوده، وبين السجدتين، ووقت رفع رأسه من الركوع سواء. ((وإذا)) هنا كما في قوله تعالي: ﴿والنجم إذا هوى﴾ قال [الحسري]: [((إذاً)) قد انسلخ عنه معنى الاستقبل، وصار كالوقت المجرد، ونحوه: آتيك إذا احمر البسر] ((أي وقت احمراره. ((قض)) قوله: ((ما خلا القيام والقعود استشكل المعنى، فإن مفهوم ذلك، كان أفعال صلاته ما خلا القيام والقعود- أي قعود التشهد- قريباً من السواء)). الحديث الثالث عن أنس: قوله: ((حتى نقول)) نصب ((نقول)) بحتى وهو الأكثر، ومنهم من لا يعمل حتى إذا حسن (فعل) في موضع (يفع)، كما يحسن في هذا الحديث: حتى قلنا: قد أوهم. وأكثر الرواة علي ما علمنا يرويه بالنصب، وكان تركه من طريق المعنى أتم وأبلغ. أقول: أراد أن المضارع إذا عبر به عن حكاية الحال الماضية لا يحسن فيه الإعمال، وإلا فيحسن،

стр. 586

٨٧١ - وعن عائشة، ﵂، قالت: كان النبي ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: ((سبحنك اللهم ربنا وبحمد، اللهم اغفر لي))، يتأول القرآن. متفق عليه. ــ وهذا الحديث من القبيل الأول؛ بدليل قوله: ((قام))، وفيه بحث؛ لما ورد في التنزيل: ﴿مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول﴾ أي إلي الغاية التي قال فيها الرسول ﷺ : متى نصر الله. وفائدة وضع المضارع موضع الماضي في مثل هذا المقام استحضار تلك الحالة في ذهن السامع [ليتعجب لها]. قوله: ((قد أوهم)) ((فا)): أوهمت الشيء إذا تركته، وأوهمت في الكلام والكتاب إذا أسقطت منه شيئاً. أقول: في الحديث دليل علي وجوب الطمإنينة؛ لقوله ﷺ : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). الحديث الرابع: قوله: ((يتأول القرآن)) ((قض)): ((يتأول القرآن)) جملة وقعت حالا عن الضمير في ((يقول))، أي يقوله متأولا للقرآن، أي مبيناً ما هو المراد من قوله تعالي: ﴿فسبح بحمد ربك واستغفره﴾ آتيا بقتضاه، يقال: أول الكلام وتأول الكلام إذا فسر وبين المراد منه، مأخوذ من (آل) إذا رجع، كأن المفسر يصرف الكلام عن سائر الوجوه المحملة إلي المحمل الذي أوله عليه. أقول: الأظهر أن هذا التأويل بمعنى العاقبة ومآل الأمر، كما في قوله تعالي: ﴿هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله﴾ أي عاقبة أمره، وما يؤول إليه من تبين صدقه، وظهور ما صدق به من الوعد والوعيد، فتنزيل الحديث علي الآية أن يقالأ: إنه ﷺ لما أمر بقوله سبحانه وتعالي: ﴿فسبح بحمد ربك واستغفره﴾ صدقه بفعله. وأظهر ما يقتضي مآل أمر الله سبحانه وتعالي من الامتثال، وحصول المأمور به، كما قال: ﴿والذي جاء بالصدق وصدق به﴾ أي الذي جاء بالقرآن، ويجري العمل به. وقد وافق هذا القول ما ذهب إليه الشيخ محيي الدين حيث قال: معنى ((يتأول القرآن)) يعمل ما أمر به في قوله سبحانه وتعاال: ﴿فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا)) وكان ﷺ يقول هذا الكلام البديع في الجزالة ليستوفي ما أمر به في الآية، وكان يأتي به في الركوع والسجود؛ لأن حالة الصلاة أفضل من غيرها، فكان يختارها لأداء هذا الواجب الذي أمر به؛ ليكون أكمل [أي]. ((وبحمدك سبحتك ومعناه بتوفيقك لي وهدايتك وفضلك علي سبحتك، لا بحولي وقوتي. ففيه شكر لله تعالي علي هذه النعمة والاعتراف بها، والتفويض إلي الله تعالي،

стр. 587

٨٧٢ - وعنها، أن النبي ﷺ كان يقول في ركوعه وسجوده: ((سبوح قدوس، رب الملائكة والروح)) رواه مسلم. ٨٧٣ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ألا إني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً؛ فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء؛ فقمن أن يستجاب لكم)). رواه مسلم. ــ وأن الأفضل له. أقول: وإن كان من توارد الخواطر، قوله: ((وبحمدك)) إما حال من فاعل الفعل الذي إنيب المصدر منابه، و ((اللهم ربنا)) معترض؛ وإما عطف جملة علي جملة، وعلي هذا قوله: سبحان الله وبحمده، والله أعلم. الحديث الخامس عن عائشة ﵂: قوله: ((سبوح قدوس)) ((نه)): يرويان بالضم، والفتح قياس، والضم أكثر استعمالا، وهو من أبنية المبالغة، والمراد بهما التنزيه. ((مظ)): معناهما أنه سبحانه وتعالي طاهر منزه عن أوصاف المخلوقات، وهما خبران لمبتدأ محذوف تقديره: ركوعي وسجودي لمن هو سبوح قدوس. قوله: ((والروح)) ((تو)): هو الروح الذي به قوام كل حي، غير أنا إذا اعتبرنا النظائر من التنزيل كقوله تعالي: ﴿يوم يقوم الروح والملائكة﴾ وقوله: ﴿تنزل الملائكة والروح﴾ فالمراد به جبريل ﵇، خص بالذكر تفضيلاً له علي سائر الملائكة. وقيل: الروح صنف من الملائكة. الحديث السادس عن ابن عباس: قوله: ((ألا إني نهيت)) ((خط)): لما كان الركوع والسجود- وهما غاية الذل والخضوع- مخصوصين بالذكر والتسبيح نهي ﷺ عن القراءة فيهما، كأنه كره أن يجمع بين كلام الله سبحانه وتعالي وكلام الخلق في موضع واحد فيكون علي السواء. ((قض)): نهي الله تعالي رسوله ﷺ يدل علي عدم جواز القراءة في الركوع والسجود، لكن لو قرأ لم تبطل صلاته إلا إذا كان المقروء الفاتحة، فإن فيه خلافاً من حيث أنه زاد ركناً، لكن لم يتغير به نظم صلاته. أقول: وفي نسبة نهي القراءة في الركوع والسجود إلي نفسه ﷺ إيهام أنه ﷺ مخصوص به، وأن الأمة ليسوا داخلين في النهي، فأزيل الإيهام بأمره ﷺ إياهم أن يعظموا الله في الركوع، وأن يدعوا في السجود، ودل ذلك علي أن المنهي والمنهي عنه عظيمان، ولذلك

стр. 588

٨٧٤ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده؛ فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد؛ فإنه من وافق قوله قول الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه)). متفق عليه. ٨٧٥ - وعن عبد الله بن أبي أوفي، قال: كان رسول الله ﷺ إذا رفع ظهره من الركوع قال: ((سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد)). رواه مسلم. ٨٧٦ - وعن أبي سعدي الخدري، قال: كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: ((اللهم ربنا لك الحمد، ملء السموات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد: اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد)). رواه مسلم. ــ صدرت الجملة بالكلمة التي هي من طلائع القسم، وهي ((ألا)) فإذا نهي مثل الرسول ﷺ فغيره أولي به، ودل علي أن الأمر بالذكر والتسبيح دون النهي عن القراءة في المرتبة، فنسبها إلي الأمة: قوله: ((فقمن)) ((نه)): قمن وقمن وقمين، أي خليق وجدير، فمن فتح الميم لم يثن ولم يجمع، ولم يؤنث؛ لأنه مصدر. ومن كسر ثنى، وجمع، وأنث، لأنه وصل، وذلك القيمن. الحديث السابع والثامن عن عبد الله: قوله: ((اللهم ربنا لك الحمد)) قد مر بحثه في الفصل الأول في باب القراءة في حديث أبي موسى قوله: ((ملء السموات)) ((خط)): هذا تمثيل وتقريب، والكلام لا يقدر بالمكاييل، ولا يسعه الأوعية، والمراد تكثير العدد، حتى لو يقدر أن تكون تلك الكلمات أجساماً تملأ الأماكن لبلغت من كثرتها ما يملأ السموات والأرض. ((تو)): هذا يشير إلي الاعتراف بالعجز عن أداء حق الحمد بعد استغراق المجهود، فإنه حمده ملء السموات والأرض، وهذه نهاية أقدام السابقين، ثم ارتفع فأحال الأمر فيه علي المشيئة، وليس وراء ذلك الحمد منتهي؛ فإن حمد الله أعز من [أن] يعتوره الحسبان، أو يكتنفه الزمان والمكان، ولم ينته أحد من خلق الله في الحمد مبلغه ومنتهاه، وبهذه الرتبة استحق ﷺ أن يسمى بأحمد. الحديث التاسع عن أبي سعيد: ((أهل الثناء)) أهل يجوز فيه النصب علي المدح،

стр. 589

٨٧٧ - وعن رفاعة بن رافع، قال: كنا نصلي وراء النبي ﷺ ، فلما رفع رأسه ــ والرفع علي أنه خبر مبتدأ محذوف، أي أنت أهل الثناء، وكذا: ((أحق ما قال)) أي بما قال، أو يكون التقدير: المذكور من الحمد الكثير أحق ما قال العبد. ويجوز أن يكون ((أحق ما قال)) مبتدأ، وقوله: ((اللهم)) خبره، ((وكلنا لك عبد)) جملة معترضة بين المبتدأ والخبر، والتعريف في ((العبد)) للجنس. وقيل: للعهد، والمراد رسول الله ﷺ . و ((ما)) في قوله: ((ما قال العبد)) موصوفة، أي أحق الأشياء التي يتكلمها العبد إن فصلتها واحداً بعد واحد ثناء الله تعالي من العبد المطيع الخاشع الخاضع، وذلك كقوله تعالي: ﴿وكان الإنسان أكثر شيء جدلا﴾ وجاء في بعض النسخ: ((حق ما قال العبد)) فعلي هذا هو كلام تام واقع علي سبيل الاستئناف، وقوله: ((وكلنا لك عبد)) علي هذا تذييل. قوله: ((ذا الجد)) ((غب))؛ سمي ما جعل الله تعالي للإنسان من الحظوظ الدنيوية جداً، وهو البخت. وقيل: جددت وحظظت، وقال الله سبحانه وتعالي: ﴿جد ربنا﴾ أي فيضه وعظمته. قوله: ((منك الجد)) فيه أقوال، ((فا)): ((من)) فيه مثله في قولهم: هو من ذاك، أي بدل ذاك، ومنه قوله: فليت لنا من ماء زمزم شربة. ومنه قوله تعالي: ﴿ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون﴾ والمعنى أن المحظوظ لا ينفعه حظه بذلك، أي بدل طاعتك وعبادتك. ((غب)): المعنى لا يتوصل إلي ثواب الله تعالي في الآخرة بالجد، وإنما ذلك بالجد في الطاعة، وهو الذي أنبأ عنه قوله سبحانه وتعالي: ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم﴾ وقيل: أراد بالجد أبا الأب، وأبا الأم، أي لا ينفع أحداً نسبه، كقوله سبحانه وتعالي: ﴿فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم﴾. ((تو)): أي لا ينفع ذا الغنى منك غناه، وإنما ينفعه العمل بطاعتك، وعلي هذا فمعنى ((منك)) عندك. ويحتمل وجهاُ آخر، أي لا يسلمه من عذابك غناه. ((مظ)): أي لا يمنع عظمة الرجل وغناه عنه إن شئت به عذاباً. وأقول: يمكن أن يقدر في الوجه الأول: لا ينفع ذا الحظ العظيم بدل توفيقك وعنايتك حظه، فإن الحظ أمر، ونفعه أمر، فلما قال ﷺ : ((لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت)) فهم أن معطي الحظ ومانعه هو الله تعالي ليس غيره، أتبعه بقوله: ((ولا ينفع ذا الجد)) إشعاراً بأن ذلك الحظ المعطى لا ينفع المعطي له إذا لم يمكنه تعالي من استيفاء النفع، فكم يرى من غني وعالم ذي حظ عظيم في علمه وماله لا ينتفع به إذا لم يوفقه الله للعمل والإنفاق، والله أعلم. الحديث العاشر عن رفاعة: قوله: ((أيهم يكتبها أول)) ((مظ)): ((أول)) مبني علي الضم، بأن حذف منه المضاف إليه، وتقديره،: أولهم، يعني كل واحد منهم يسرع ليكتب هذه الكلمات قبل

стр. 590

من الركعة، قال: ((سمع الله لمن حمده)). فقال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، فلما انصرف قال: ((من المتكلم آنفاً؟)). قال: أنا. قال: ((رأيت بضعة وثلاثين ملكاً يبتدرونها، أيهم يكتبها أول)). رواه البخاري. الفصل الثاني ٨٧٨ - عن أبي مسعود الأنصاري، قال: رسول الله ﷺ : ((لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود)). رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ٨٧٩ - وعن عقبة بن عامر، قال: لما نزلت (فسبح باسم ربك العظيم)، قال رسول الله ﷺ : ((اجعلوها في ركوعكم)) فلما نزلت ((سبح اسم ربك الأعلي) قال رسول الله ﷺ : ((اجعلوها في سجودكم)). رواه أبو داود، وابن ماجه، والدارمي. [٨٧٩]. ٨٨٠ - وعن عون بن عبد الله، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا ركع أحدكم، فقال في ركوعه: سبحان ربي العظيم، ثلاث مرات، فقد تم ركوعه، وذلك أدناه. وإذا سجد، فقال في سجوده: سبحان ربي الأعلي، ثلاث مرات، فقد تم سجوده، وذلك أدناه)) رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه. وقال الترمذي. ــ الآخر، ويصعد بها إلي حضرة الله تعالي لعظم قدرها، ومضى بقية شرحه وإعرابه في الحديث الثالث من باب ما يقرأ بعد التكبير. الفصل الثاني الحديث الأول عن أبي مسعود ﵁: قوله: ((حتى يقيم ظهره)) ((مظ)): يعني لا يجوز صلاته من لا يسوي ظهره في الركوع والسجود، والمراد منهما الطمإنينة، وهي واجبة عند الشافعي وأحمد في الركوع والسجود ونحوهما، وعند أبي حنيفة ليست بواجبة. وفيه بحث؛ لأن الطمإنينة أمر، والاعتدال أمر. الحديث الثاني عن عقبة: قوله: ((سبح اسم ربك الأعلي)) ((نه)): الاسم ههنا صلة وزيادة، بدليل أنه ﷺ كان يقول في سجوده: ((سبحان ربي الأعلي)) فحذف الاسم، وهذا علي قول من زعم أن الاسم غير المسمى، وقيل: يجوز أن يكون الاسم غير صلة، والمعنى تنزه اسمه من أن يبذل، وأن يذكر علي وجه التعظيم. وقال الإمام فخر الدين الرازي: إنه كما يجب تنزيه ذاته عن النقائض، يجب تنزيه الألفاظ الموضوعة لها عن الرفث وسوء الأدب.

стр. 591

ليس إسناده بمتصل، لأن عونا لم يلق ابن مسعود [٨٨٠] ٨٨١ - وعن حذيفة: أنه صلي مع النبي ﷺ ، فكان يقول في ركوعه: ((سبحان ربي العظيم))، وفي سجوده: ((سبحان ربي الأعلي)). وما أتى علي آية رحمة إلا وقف وسأل، وما أتى علي آية عذاب إلا وقف وتعوذ. رواه الترمذي، وأبو داود، والدارمي. وروى النسائي وابن ماجه إلي قوله: ((الأعلي)) وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. [٨٨١] الفصل الثالث ٨٨٢ - وعن عوف بن مالك، قال: قمت مع رسول الله ﷺ ، فلما ركع مكث قدر سورة (البقرة)، ويقول في ركوعه: ((سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة)). رواه النسائي. [٨٨٢] ٨٨٣ - وعن ابن جبير، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: ما صليت وراء أحمد بعد رسول الله ﷺ أشبه صلاة بصلاة رسول الله ﷺ من هذا الفتى- يعني عمر ابن عبد العزيز- قال: قال: فحزرنا ركوعه عشر تسبيحات، وسجوده عشر تسبيحات. رواه أبو داود، والنسائي. [٨٨٣] ــ الحديث الثالث عن عون: قوله: ((وذلك أدناه)) ((مظ)): أي أدنى الكمال، وأكمله سبع مرات. الحديث الرابع ظاهر. الفصل الثالث الحديث الأول عن عوف: قوله: ((الجبروت)) ((نه)): وهو فعلوت من الجبر والقهر، وفي الحديث: ((ثم يكون ملك وجبروت)) أي عتو وقهر، و ((الملكوت)) فعلوت من الملك. الحديث الثاني والثالث عن شقيق: قوله: ((لا يتم ركوعه ولا سجوده)) هذا يدل علي أن الطمإنينة فيهما واجبة؛ لأن قوله: ((ولو مت مت علي غير الفطرة)) تهديد عظيم، وتغليظ شديد، يعني أنك غيرت ما ولدت عليه من الملة الحنفية التي هي الإسلام، ودخلت في زمرة المبدلين لدين الله، ونحوه قوله ﷺ : ((من مات ولم يحج فإن شاء فليمت يهودياً، أو نصرإنياً)).

стр. 592

٨٨٤ - وعن شقيق، قال: إن حذيفة رأي رجلاً لا يتم ركوعه ولا سجوده، فلما قضى صلاته دعاه، فقال له حذيفة: ما صليت. قال: وأحسبه قال: ولو مت مت علي غير الفطرة التي فطر الله محمد ﷺ . رواه البخاري. ٨٨٥ - وعن أبي قتادة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته)). قالوا: يا رسول الله! وكيف يسرق من صلاته؟ قال: (لا يتم ركوعها ولا سجودها). رواه أحمد. [٨٨٥] ــ فإن قلت: كيف دل قوله: ((لا يتم)) علي ذلك؛ فإن تمامها غير متوقف علي الطمإنينة؟. قلت: مر في الحديث الثالث من الفصل الثاني من الباب بيانها من رسول الله ﷺ حيث قال: ((فقال في ركوعه: سبحن ربي العظيم ثلاث مرات قد تم ركوعه وذلك أدناه)). قال المالكي في قوله: ((ولو مت مت)) شاهد علي وقوع اجلواب موافقاً للشرط لفظاً ومعنى لتعلق ما بعده به، وهو أحد المواضع التي تتعرض فيها لفضيلة لتوقف الفائدة عليها، فيكون لها من لزوم الذكر ما للعمدة، ومنه قوله تعالي: ﴿إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم﴾ فلولا قوله ((علي غير الفطرة)) وقوله: ((لأنفسكم)) لم يكن للكلام فائدة. أقول: فائدة المثل الأول تفخيم الأمر، وتهويل ما ارتكبه المصلي من ترك الطمإنينة، علي منوال قوله: ((من أدرك الضمان فقد أدرك)) أي مرعى لا يكتنه كنه. وفائدة المثال الثاني أن فائدة إحسانكم عائدة إليكم، لا يتجاوز إلي الغير، وليس فيه معنى التعظيم. الحديث الرابع عن أبي قتادة: قوله: ((سرقة)) تمييز، ((غب)): السرقة أخذ ما ليس له أخذه في خفاء، وصار ذلك في الشرع لتناول الشيء من موضع مخصوص، وقدر مخصوص، أقول: جعل جنس السرقة نوعين: متعارفاً، وغير متعارف، وهو ما ينقص من هذا الركن من الطمإنينة، ثم جعل غير المتعارف أسوأ من المتعارف، وإنما كان أسوأ؛ لأن السارق إذاأخذ مال الغير بما ينتفع به في الدناي، ويستحل من صاحبه، أو تقطع يده، فيتخلص من عقاب الآخرة، بخلاف هذا السارق، فإنه سرق حق نفسه من الثواب، وأبدل منه العقاب في العقبى، وليس في يده سوى الضرر والتعب.

стр. 593

٨٨٦ - وعن النعمان بن مرة، أن رسول الله ﷺ قال: ((ما ترون في الشارب والزإني، والسارق؟)) - وذلك قبل أن تنزل فيهم الحدود- قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ((هن فواحش وفيهن عقوبة، وأسوأ السرقة الذي يسرق من صلاته)). قالوا. وكيف يسرق من صلاته يا رسول الله؟ قال: ((لا يتم ركوعها ولا سجودها)). رواه مالك، وأحمد، وروى الدارمي نحوه. [٨٨٦] (١٤) باب السجود وفضله الفصل الأول ٨٨٧ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أمرت أن أسجد علي سبعة أعظم: علي الجبهة، واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين، ولا نكفت الثياب ولا الشعر)). متفق عليه. ــ الحديث الخامس عن النعمان: قوله: ((أسوأ السرقة)) مبتدأ، و ((الذي يسرق)) خبره علي حذف المضاف، أي سرقة الذي، ويجوز أن السرقة جمع سارق، كفاجر وفجرة، يؤيده حديث أبي قتادة: ((أسوأ الناس سرقة)). باب السجود وفضله الفصل الأول الحديث الأول عن ابن عباس ﵁: قوله: ((أمرت)) ((قض)): يدل عرفاً علي أن الله تعالي أمره، وذلك يقتضي وجوب وضع هذه الأعضاء في السجود، وللعماء فيه أقوال، فأحد قولي الشافعي وقول أحمد: إن الواجب وضع جميعها؛ أخذاً بظاهر الحديث، والقول الآخر له: إن الواجب وضع الجبهة وحده؛ لأنه ﵊ اقتصر عليه في قصة رفاعة، وقال: ((ثم يسجد فيمكن جبتهته من الأرض)) وضع الأعظم الستة الباقية سنة، والأمر محمول: ((ولا نكفت)) ليس بواجب والندب، توفيقاً بينهما، ولأن المعطوف علي ((أسجد)) وهو قوله: ((ولا نكفت)) ليس بواجب وفاقاً، ومعناه أن يرسل الثوب والشعر، ولا يضمهما إلي نفسه وقاية لهما من التراب، والكفت الضم. وعند أبي حنيفة يجب وضع أحد العضوين من الجبهة والأنف؛ لوقوع اسم السجود عليه، ولأن عظم الأنف متصل بعظم الجبهة متحد به، فوضعه

стр. 594

٨٨٨ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب)). متفق عليه. ٨٨٩ - وعن البراء بن عازب، قال: قال رسول الله ﷺ ((إذا سجدت فضع كفيك، وارفع مرفقيك)). رواه مسلم. ٨٩٠ - وعن ميمونة، قالت: كان النبي ﷺ : إذا سجد جافي بين يديه، حتى لو أن بهمة أرادت أن تمر تحت يديه مرت. هذا لفظ أبي داواد، كما صرح في: ((شرح السنة)) بإسناده. [٨٩٠] ــ كوضع جزء من الجبهة. وعن مالك، والأوزاعي، والثوري ﵃ وجوب وضعهما معاً؛ لما روى: ((أن النبي ﷺ رأي رجلاً يصلي ما يصيب أنفه من الرض فقال: لا صلاة لمن لا يصيب أنفه من الأرض ما يصيب الجبين)) وقال أيضا: والصحيح أنه مراسيل عكرمة، هكذا ذكره الدارقطني في جامعه، وقد أسند إلي ابن عباس ﵁ ولم يثبت. أقول: قد ذكر التجنب عن كف الثوب في جملة الخشوع في الصلاة في قوله سبحانه وتعالي: ﴿والذين هم في صلاتهم خاشعون﴾، وقد جمع في الحديث بعضا من الفرض، والسنة والأدب، تلويحاً إلي إرادة الكل. الحديث الثاني عن أنس ﵁: قوله: ((اعتدلوا)) ((مظ)): الاعتدال في السجود أن يستوي فيه، ويضع كفيه علي الأرض، ويرفع المرفقين عن الأرض، وبطنه عن الفخذين. قوله: ((انبساط الكلب)) ((تو)): صح علي وزن الانفعال، خرج بالمصدر إلي غير لفظه أي يبسطها فينبسط انبساط الكلب. ((نه)): أي يفرشهما علي الأرض في الصلاة،. الحديث الثالث والرابع عن ميمونة: قوله: ((بهمة)) بالفتح. ((نه)): ولد الضأن الذكر والأنثى وجمع البهمة بهم، وجمع البهم بهام. ((مظ)): البهمة في الحديث كانت أنثى بدليل ((أرادت)) وقوله: ((مرت)) بالتاء. أقول: ونظيره ما روى صاحب الكشاف عن قتادة أنه دخل الكوفة، فالتفت إليه الناس، فقال: سلوني عما شئتم، وكان أبو حنيفة حاضراً وهو غلام حدث، فقال: سلوه عن نملة سليمان كانت ذكراً أم أنثى؟ فسألوه، فأفحم، فقال أبو حنيفة: كانت أنثى فقيل له من أين عرفت؟ فقال: من كتاب الله تعالي، وهو قوله تعالي: ﴿قالت نملة﴾ ولو كان ذكراً لقال: ((قال نملة)) وذلك أن النملة مثل الحمامة، والشاة، في وقولعها علي الذكر والأنثى، فتميز بينهما بعلامة، بنحو قولهم: حمامة ذكر، وحمامة أنثى، وهو، وهي.

стр. 595

ولمسلم بمعناه: قالت: كان النبي ﷺ إذا سجد لو شاءت بهمة أن تمر بين يديه لمرت. ٨٩١ - وعن عبد الله بن مالك بن بحينة، قال: كان النبي ﷺ إذا سجد فرج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه. متفق عليه. ٨٩٢ - وعن أبي هريرة، قال: كان النبي ﷺ يقول في سجوده: ((اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، وأوله وآخره، وعلإنيته وسره)). رواه مسلم. ــ قال ابن الحاجب: التإنيث اللفظي هو أن لا يكون بإزالة ذكر من الحيوان، كظلمة وعين، ولا فرق بين أن يكون حيواناً أو غيره، كدجاجة وحمامة، وقد قصد به مذكر فإنه مؤنث لفظي، ولذلك كان قول من زعم أن النملة في قوله تعالي: ((قالت نملة)) أنثى لورود تاء التإنيث في ((قالت)) وهماً؛ لجواز أن يكون مذكراً في الحقيقة، وورود التإنيث كورودها في الفعل المؤنث اللفظي، نحو: جاءت الظلمة. وقلت: كيف يقاس هذا المثال علي الظلمة والجامع مفقود؟ لأن مثل النملة مشترك لفظي يقع علي المذكر والمؤنث، والتاء لبيان الوحدة، فيفتقر في تعيين حد مفهومها إلي نصب قرينة، إما صفة مميزة، نحو: حمامة ذكر، وشاة أنثى، أو علامة تلحق الفعل، نحو: قالت نملة، وقال نملة، أو جعلها خبراً لاسم الإشارة، نحو: هذا بقرة، وهذه بقرة، والظلمة ليست من هذا القبيل، فلا تحتاج إلي بيان، نعم! هي كالعين في معنى الاشتراك لافتقارها إلي القرينة المبينة للتعيين. وينصره ما نقل عن ابن السكيت حيث قال: هذا بطة ذكر، وهذا حمامة ذكر، وهذا شاة ذكر، إذا عنيت كبشا، وهذا بقرة إذا عنيت ثوراً، فإن عنيت به أنثى قلت: هذه بقرة. فالمذهب ما سلكه الإمام، والقول ما قالت حذام. الحديث الخامس عن عبد الله: قوله: ((مالك)) ((مح)): الصواب أن ينون، ويكتب ابن بالألف؛ لأن ((ابن بحينة)) ليس صفة ((مالك))، بل صفة! ((عبد الله))؛ لأن ((عبد الله)) اسم أبيه ((مالك))، واسم أم عبد الله ((بحينة امرأة مالك)). الحديث السادس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((دقه وجله)) ((نه)): صغير وكبيرة، وقيل: إنما قدم الدق علي الجل؛ لأن السائل متصاعد في مسألته؛ ولأن الكبائر إنما تنشأ في الغالب من الإصرار علي الصغائر، وعدم المبالاة بها، وكأنها وسائل إلي الكبائر، ومن حق الوسيلة أن تقدم إثباتاً ورفعاً.

стр. 596

٨٩٣ - وعن عائشة، ﵂، قالت: فقدت رسول الله ﷺ ليلة من الفراش، فالتمسته، فوقعت يدي علي بطن قدميه وهو في المسجد، وهما منصوبتان، وهو يقول: ((اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت علي نفسك)). رواه مسلم. ــ الحديث السابع عن عائشة ﵂: قوله: ((فالتمسته)) أي طلبته، ((قض)): ((وهو في المسجد))، هكذا في صحيح مسلم، وكتاب الحميدي، وأكثر نسخ المصابيح، وفي بعضها ((في سجدة))، وفي بعضها ((في السجود)). وقولها فيه: ((فوقعت يدي علي بطن قدميه في السجود)) يدل علي أن الملموس لا يفسد وضوءه، إذ المس الاتفاقي لا أثر له، إذ لولا ذلك لما استمر علي السجود. ((شف)): ويمكن أن يقال: إنه كان بين اللامس والملوس حائل. قوله: ((اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك)) ((نه)): وفي رواية أخرى بدأ بالمعافاة ثم ثنى بالرضا، وإنما ابتدأ بالمعافاة من العقوبة لأنها من صفات الأفعال كالإماتة والإحياء، والرضي والسخط من صفات الذات، وصفات الأفعال أدنى رتبة من صفات الذات، فبدأ بالأدنى مترقياً إلي الأعلي، ثم لما ازداد يقيناً وارتقى ترك الصفات، وقصر نظره علي الذات فقال: ((أعوذ بك منك)). ثم لما ازداد قربا استحيا من الاستعاذة علي بساط القرب فالتجأ إلي الثناء، فقال: ((لا أحصي ثناء عليك))، ثم علم أن ذلك قصور فقال: ((أنت كما أثنيت علي نفسك)). وأما علي الرواية الأولي فإنما قدم الاستعاذة بالرضي من السخط؛ لأن المعافاة من العقوبة [تحصل بحصول الرضا]، وإنما ذكرها لأن دلالة الأول عليها دلالة تضمن، فأراد أن يدل عليها دلالة مطابقة، فكنى عنها أولا، ثم صربح بها ثإنياً، ولأن الراضي قد يعاقب المصلحة، ولاستيفاء حق الغير. قوله: ((لا أحصي ثناء عليك)) ((مظ)): أي لا أطيق أن أثني عليك كما تستحقه وتحبه، بل أنا قاصر عن أن يبلغ ثنائي قدر استحقاقك، ((أنت كما أثنيت علي نفسك)) بقولك: ((فلله الحمد رب السموات ورب الأرض رب العالمين وله الكبرياء في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم)) وما أشبه ذلك من الآيات التي حمدت نفسك فيها. أقل: أصل الإحصاء العد بالحصى، ((غب)): الإحصاء التحصيل بالعدد، يقال: أحصيت كذا من [لقط] الحصى، واستعمال ذلك فيه من حيث إنهم كانوا يعتمدون عليها بالعد،

стр. 597

٨٩٤ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء)). رواه مسلم. ــ كاعتمادنا فيه علي الأصابع. قال ﷺ : ((استقيموا ولن تحصوا)) أي لن تحصلوا ذلك، ووجه تعذر إحصائه وتحصيله هو أن الحق واحد، والباطل كثير، بل أحق بالإضافة إلي الباطل كالمرمى من الهدف، فإصابة ذلك شديدة. أقول: إذا علم ذلك فنقول: إن ((ما)) في قوله: ((كما أثنيت)) يجوز أن تكون موصوفة، وأن تكون موصولة، كقوله تعالي: ﴿ونفس وما سواها﴾ أي الحكيم الباهر الحكمة سوى هذه النفس العجيبة الشأن، والكاف بمعنى مثل، كالمثل في قوله تعالي: ﴿ليس كمثله شيء﴾، وقوله: ﴿فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به﴾ وقول القبعثري: مثل الأمير يحمل علي الأدهم والأشهب، أي أنت الذات التي لها صفات الجلال والإكرام، ولها العلم الشامل والقدرة الكاملة، تعلم بالعلم الشامل صفات جلالك وإكرامك، وتقدر بقدرتك الكاملة أن تحصي ثناء نفسك، فنفي في قوله: ((لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت علي نفسك)) القدرة والعلم عن نفسه، عجزاً واعترافاً بالقصور، وأثبتهما في قوله: ((أنت كما أثنيت علي نفسك)) لله إعظاماً وإجلالاً له، وذلك أن صفات الجلال والإكرام لا نهاية لها، فلا تدرك ولا تطاق إلا بعلم وقدرة لا نهاية لهما. وهذا الثناء يجوز أن يكون بالقول، كما فقي قوله تعالي: ﴿الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين*﴾ وبالفعل كما في قوله تعالي: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو﴾ قالوا: ما أثنى الله علي نفسه تعالي فهو في الحقيقة إظهار فعله، محمدة لنفسه من بث آلائه، وإظهار نعمائه، بمحكمات أفعاله، والله أعلم. الحديث الثامن عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((وهو ساجد)) حال سدت مسد الخبر، نظيره ضربي زيداً قائماً، العرب التزمت حذف خبر هذا المبتدأ، وتنكير قائماً، وجعلت المبتدأ عاملا في مفسر صاحب الحال، ويشهد بأن كان المقدرة تامة، وقائماً حال من فاعلها التزام العرب تنكير ((قائماً))، وإيقاع الجملة الإسمية المقرونة بواو الحال موقعه في هذا الحديث وقول الشاعر: خير اقترابي من المولي حليف رضا وشر بعدي منه وهو غضبا المبتدأ فيهما مؤول بمفسر صاحب الحال، يعني بالمصدر المقيد؛ لأن لظفه ما يكون مؤول بالكون؛ والتقدير: أقرب الكون كون، وخير الاقتراب اقتراب. هذا تلخيص كلام ابن مالك، أقول: التركيب من الإسناد المجازي، أسند القرب إلي الوقت- وهو للعبد- مبالغة.

стр. 598

٨٩٥ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا قرأ ابن آدم السجدة، فسجد اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويلتي!! أمر ابن آدم بالسجود، فسجد؛ فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت؛ فلي النار)). رواه مسلم. ــ فإن قلت: أين المفضل عليه ومتعلق أفعل التفضيل في الحديث؟ قلت: محذوف، وتقديره: إن للعبد حالتين في العبادة: حالة كونه ساجداً لله تعالي، وحالة كونه متلبساً بغير السجود، فهو في حالة السجود أقرب إلي ربه من نفسه في غير تلك الحالة. ويدل عليه التصريح به فيما روي عن علي ﵁: ((الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم أي الناس في فسادهم واقترافهم رذائل الأخلاق أشبه بزمانهم من أنفسهم بآبائهم في الصورة والهيئة، وفي اقتنائهم مكارم الأخلاق. ومن شواهد وقوع الحال سادة مسد الخبر ما رواه البخاري: ((عهدي بالماء أمس هذه الساعة ونفرنا خلوفا)) أي مثل هذه الساعة. قال المالكي: خلوفا منصوب علي الحال، سدت مسد المسند إلي ((نفرنا)) وتقديره: ونفرنا متروكون. ونظيره قوله: ((ونحن عصبة)) بالنصب وهي قراءة تعزى علي علي ﵁ وتقديره: ونحن معه عصبة، وقول بعض الصحابة ﵃: ((كانوا يصلون مع رسول الله ﷺ وهم عاقدي أزرهم)) وتقديره: وهم مؤتزرون عاقدي أزرهم. وهذا النوع من سد الحال مسد الخبر مع صلاحيتها لأن تجعل خبراً شاذاً لا يكاد يستعمل، فالوجه الجيد في هذا القبيل الرفع لمتقضى الخبرية، والاستغناء عن تقدير خبر، وإنما يحسن سد الحال مسد الخبر، إذا لم يصلح جعل الحال خبراً، نحو: ضربي زيداً قائماً، وأكثر شربي السويق ملتوتا، [فإن (قائماً) و (ملتوتا)] لا يصح أن يكونا خبرين لضربي وأكثر. الحديث التاسع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((اعتزل)) ((شف)): أي تباعد، ولك من عدل إلي جانب فهو معتزل، ومنه سميت الفرقة العدلية معتزلة، ورى أن الحسن البصري ﵀ عليه كان يقرر يوماً مع أصحابه مسألة من الأصول، فاعترض عليه جماعة من أصحابه، فلما قام الحسن من مجلسه اعتزل المعترضون إلي ناحية يقررون تلك المسألة علي خلاف قول الحسن، فلما عااد الحسن ورآهم جالسين في ناحية قال: من المعتزلة؟ وفي رواية: فلما تكرر نكيرهم علي قول الحسن قال لهم: اعتزلوا عنا. قوله: ((يبكي، يقول)) حالان من فاعل ((اعتزل))، مترادفان أو متداخلان. قوله: ((يا ويلتي)) ((فا)): أصله [وي له]، ((نه)): الويل الحزن، والهلاك، ولك من وقع في هلكة دعا بالويل،

стр. 599

٨٩٦ - وعن ربيعة بن كعب، قال: كنت أبيت مع رسول الله ﷺ ، فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: ((سل)). فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة. قال: ((أو غير ذلك؟)). قلت: هو ذاك. قال: ((فأعني علي نفسك بكثرة السجود)). رواه مسلم. ــ ومعنى النداء فيه يا حزني، ويا هلاكي! احضر فهذا أوانك، كأنه ناداه لما عرض له من الأمر الفظيع وهو الندم علي ترك السجود لآدم ﵇. أقول: لعل نداء الويل [للتحريم] علي ما فاته من الكرامة، وحصول اللعن والطرد، والخيبة في الدارين، وللحسد علي ما حصل لابن آدم من القرب، والكرامة والفوز في الدارين. الحديث العاشر عن ربيعة: قوله: ((أو غير ذلك)) ((مظ)): ((أو)) بسكون الواو. ((مح)): بفتحها، فالواو عاطفة تقتضي معطوفاً عليه، وهمزة الاستفهام تستدعي فعلا، والمعنى علي الأول: سل غير ذلك، فأجاب ((هو ذاك)) أي مسئولي ذاك، لا أنتهي عنه، وعلي الثاني: أتسأل هذا وهو شاق، وتترك ما هو أهون منه؟ فأجاب مسئولي ذاك، لا أتجاوز عنه، أتى رسول الله ﷺ بلفظة ((ذلك)) التي هي للمشار إليه البعيد؛ لينتهي السائل عنه امتحاناً منه، فلما أجاب بقوله: ((ذاك)) الذي هو المشار إليه المتوسط، وعلم ﷺ أنه مصمم علي عزمه غير مستبعد ذلك أجاب ﷺ بقوله: ((أعني)) إلي آخره. وفيه أن مرافقة النبي ﷺ في الجنة من الدرجات العالية، التي لا مطمع في الوصول إليها إلا بحصول الزلفي عن الله في الدنيا بكثرة السجود المومأ إليه بقوله: ﴿واسجد واقترب﴾، فإن في كل سجدة يسجدها العبد رفع درجة، كما سيرد في الحديث الآتي، فلا يزال العبد يترقى بالمدامة علي السجود درجة فدرجة حتى يفوز بالقدح المعلي من القرب إلي الله سبحانه وتعالي، فسأل به مرافقة حبيبه ﷺ في تلك الدرجات. انظر أيها المتأمل في هذه الشريطة، وارتباط القرينتين لتقف علي سر دقيق، فإن من أراد مرافقة الرسول ﷺ لا يناله إلا بالقرب إلي الله سبحانه وتعالي، ومن رام قرب الله لم ينله إلا بقرب نبي الله تعالي. قال الله تعالي: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ أوقع متابعة الرسول بين المحبتين، وذلك أن محبة العبد منوطة بمتابعته ومحبة الله العبد متوقفة علي متابعته ﷺ ، فلوح بقوله: ((أعني علي نفسك)) إلي أن نفسه [بمثابة العدو المناوئ]، فاستعان بالسائل علي قهو النفس، وكسر شهواتها بالمجاهدة، والمواظبة علي الصلاة، والاستعانة بكثرة السجود، حسما للطمع الفارغ من العمل والاتكال علي مجرد التمني وأنشد:

стр. 600

٨٩٧ - وعن معدان بن طلحة، قال: لقيت ثوبان مولي رسول الله ﷺ ، فقلت: أخبرني بعمل أعمله يدخلين الله به الجنة، فسكت، ثم سألته، فسكت، ثم سألته الثالثة، فقال: سألت عن ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: ((عليك بكثرة السجود لله، فإنك لا تسجد لله سجدة، إلي رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة)) قال معدان: ثم لقيت أبا الدرداء، فسألته، فقال لي مثل ما قال لي ثوبان. رواه مسلم. الفصل الثاني ٨٩٨ - عن وائل بن حجر، قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه. رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي. [٨٩٨] ٨٩٩ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه)). رواه أبو داود، والنسائي، والدارمي. قال أبو سليمان الخطابي: حديث وائل بن حجر أثبت من هذا. وقيل: هذا منسوخ. [٨٩٩] ٩٠٠ - وعن ابن عباس، قال: كان النبي ﷺ يقول بين السجدتين: ((اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني، وعافني، وارزقني)). رواه أبو داود، والترمذي. [٩٠٠] ــ دنيت [للمجد] والساعون قد بلغوا جهد النفوس وألقوا دونه الأزرا لا تحسب [المجد] تمرا أنت آكله لم تبلغ [المجد] حتى تلعق الصبرا الحديث الحادي عشر عن معدان: قوله: ((أعمله)) يجوز أن يكون مجزوماً جواباً للأم، و ((يدخلني)) بدلا منه، وذلك لأن معدان لما كان معتقداً لكون الإخبار سبباً لعمله صح ذلك، وأن يكون مرفوعاً صفة للعمل. الفصل الثاني الحديث الأول إلي الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((فلا يبرك)) ((قض)): ذهب
следующие страницы →