← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122257

شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن

الطيبي

Полный текст (3 308 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

٨٩٣ - وعن عائشة، ﵂، قالت: فقدت رسول الله ﷺ ليلة من الفراش، فالتمسته، فوقعت يدي علي بطن قدميه وهو في المسجد، وهما منصوبتان، وهو يقول: ((اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت علي نفسك)). رواه مسلم. ــ الحديث السابع عن عائشة ﵂: قوله: ((فالتمسته)) أي طلبته، ((قض)): ((وهو في المسجد))، هكذا في صحيح مسلم، وكتاب الحميدي، وأكثر نسخ المصابيح، وفي بعضها ((في سجدة))، وفي بعضها ((في السجود)). وقولها فيه: ((فوقعت يدي علي بطن قدميه في السجود)) يدل علي أن الملموس لا يفسد وضوءه، إذ المس الاتفاقي لا أثر له، إذ لولا ذلك لما استمر علي السجود. ((شف)): ويمكن أن يقال: إنه كان بين اللامس والملوس حائل. قوله: ((اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك)) ((نه)): وفي رواية أخرى بدأ بالمعافاة ثم ثنى بالرضا، وإنما ابتدأ بالمعافاة من العقوبة لأنها من صفات الأفعال كالإماتة والإحياء، والرضي والسخط من صفات الذات، وصفات الأفعال أدنى رتبة من صفات الذات، فبدأ بالأدنى مترقياً إلي الأعلي، ثم لما ازداد يقيناً وارتقى ترك الصفات، وقصر نظره علي الذات فقال: ((أعوذ بك منك)). ثم لما ازداد قربا استحيا من الاستعاذة علي بساط القرب فالتجأ إلي الثناء، فقال: ((لا أحصي ثناء عليك))، ثم علم أن ذلك قصور فقال: ((أنت كما أثنيت علي نفسك)). وأما علي الرواية الأولي فإنما قدم الاستعاذة بالرضي من السخط؛ لأن المعافاة من العقوبة [تحصل بحصول الرضا]، وإنما ذكرها لأن دلالة الأول عليها دلالة تضمن، فأراد أن يدل عليها دلالة مطابقة، فكنى عنها أولا، ثم صربح بها ثإنياً، ولأن الراضي قد يعاقب المصلحة، ولاستيفاء حق الغير. قوله: ((لا أحصي ثناء عليك)) ((مظ)): أي لا أطيق أن أثني عليك كما تستحقه وتحبه، بل أنا قاصر عن أن يبلغ ثنائي قدر استحقاقك، ((أنت كما أثنيت علي نفسك)) بقولك: ((فلله الحمد رب السموات ورب الأرض رب العالمين وله الكبرياء في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم)) وما أشبه ذلك من الآيات التي حمدت نفسك فيها. أقل: أصل الإحصاء العد بالحصى، ((غب)): الإحصاء التحصيل بالعدد، يقال: أحصيت كذا من [لقط] الحصى، واستعمال ذلك فيه من حيث إنهم كانوا يعتمدون عليها بالعد،

стр. 597

٨٩٤ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء)). رواه مسلم. ــ كاعتمادنا فيه علي الأصابع. قال ﷺ : ((استقيموا ولن تحصوا)) أي لن تحصلوا ذلك، ووجه تعذر إحصائه وتحصيله هو أن الحق واحد، والباطل كثير، بل أحق بالإضافة إلي الباطل كالمرمى من الهدف، فإصابة ذلك شديدة. أقول: إذا علم ذلك فنقول: إن ((ما)) في قوله: ((كما أثنيت)) يجوز أن تكون موصوفة، وأن تكون موصولة، كقوله تعالي: ﴿ونفس وما سواها﴾ أي الحكيم الباهر الحكمة سوى هذه النفس العجيبة الشأن، والكاف بمعنى مثل، كالمثل في قوله تعالي: ﴿ليس كمثله شيء﴾، وقوله: ﴿فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به﴾ وقول القبعثري: مثل الأمير يحمل علي الأدهم والأشهب، أي أنت الذات التي لها صفات الجلال والإكرام، ولها العلم الشامل والقدرة الكاملة، تعلم بالعلم الشامل صفات جلالك وإكرامك، وتقدر بقدرتك الكاملة أن تحصي ثناء نفسك، فنفي في قوله: ((لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت علي نفسك)) القدرة والعلم عن نفسه، عجزاً واعترافاً بالقصور، وأثبتهما في قوله: ((أنت كما أثنيت علي نفسك)) لله إعظاماً وإجلالاً له، وذلك أن صفات الجلال والإكرام لا نهاية لها، فلا تدرك ولا تطاق إلا بعلم وقدرة لا نهاية لهما. وهذا الثناء يجوز أن يكون بالقول، كما فقي قوله تعالي: ﴿الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين*﴾ وبالفعل كما في قوله تعالي: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو﴾ قالوا: ما أثنى الله علي نفسه تعالي فهو في الحقيقة إظهار فعله، محمدة لنفسه من بث آلائه، وإظهار نعمائه، بمحكمات أفعاله، والله أعلم. الحديث الثامن عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((وهو ساجد)) حال سدت مسد الخبر، نظيره ضربي زيداً قائماً، العرب التزمت حذف خبر هذا المبتدأ، وتنكير قائماً، وجعلت المبتدأ عاملا في مفسر صاحب الحال، ويشهد بأن كان المقدرة تامة، وقائماً حال من فاعلها التزام العرب تنكير ((قائماً))، وإيقاع الجملة الإسمية المقرونة بواو الحال موقعه في هذا الحديث وقول الشاعر: خير اقترابي من المولي حليف رضا وشر بعدي منه وهو غضبا المبتدأ فيهما مؤول بمفسر صاحب الحال، يعني بالمصدر المقيد؛ لأن لظفه ما يكون مؤول بالكون؛ والتقدير: أقرب الكون كون، وخير الاقتراب اقتراب. هذا تلخيص كلام ابن مالك، أقول: التركيب من الإسناد المجازي، أسند القرب إلي الوقت- وهو للعبد- مبالغة.

стр. 598

٨٩٥ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا قرأ ابن آدم السجدة، فسجد اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويلتي!! أمر ابن آدم بالسجود، فسجد؛ فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت؛ فلي النار)). رواه مسلم. ــ فإن قلت: أين المفضل عليه ومتعلق أفعل التفضيل في الحديث؟ قلت: محذوف، وتقديره: إن للعبد حالتين في العبادة: حالة كونه ساجداً لله تعالي، وحالة كونه متلبساً بغير السجود، فهو في حالة السجود أقرب إلي ربه من نفسه في غير تلك الحالة. ويدل عليه التصريح به فيما روي عن علي ﵁: ((الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم أي الناس في فسادهم واقترافهم رذائل الأخلاق أشبه بزمانهم من أنفسهم بآبائهم في الصورة والهيئة، وفي اقتنائهم مكارم الأخلاق. ومن شواهد وقوع الحال سادة مسد الخبر ما رواه البخاري: ((عهدي بالماء أمس هذه الساعة ونفرنا خلوفا)) أي مثل هذه الساعة. قال المالكي: خلوفا منصوب علي الحال، سدت مسد المسند إلي ((نفرنا)) وتقديره: ونفرنا متروكون. ونظيره قوله: ((ونحن عصبة)) بالنصب وهي قراءة تعزى علي علي ﵁ وتقديره: ونحن معه عصبة، وقول بعض الصحابة ﵃: ((كانوا يصلون مع رسول الله ﷺ وهم عاقدي أزرهم)) وتقديره: وهم مؤتزرون عاقدي أزرهم. وهذا النوع من سد الحال مسد الخبر مع صلاحيتها لأن تجعل خبراً شاذاً لا يكاد يستعمل، فالوجه الجيد في هذا القبيل الرفع لمتقضى الخبرية، والاستغناء عن تقدير خبر، وإنما يحسن سد الحال مسد الخبر، إذا لم يصلح جعل الحال خبراً، نحو: ضربي زيداً قائماً، وأكثر شربي السويق ملتوتا، [فإن (قائماً) و (ملتوتا)] لا يصح أن يكونا خبرين لضربي وأكثر. الحديث التاسع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((اعتزل)) ((شف)): أي تباعد، ولك من عدل إلي جانب فهو معتزل، ومنه سميت الفرقة العدلية معتزلة، ورى أن الحسن البصري ﵀ عليه كان يقرر يوماً مع أصحابه مسألة من الأصول، فاعترض عليه جماعة من أصحابه، فلما قام الحسن من مجلسه اعتزل المعترضون إلي ناحية يقررون تلك المسألة علي خلاف قول الحسن، فلما عااد الحسن ورآهم جالسين في ناحية قال: من المعتزلة؟ وفي رواية: فلما تكرر نكيرهم علي قول الحسن قال لهم: اعتزلوا عنا. قوله: ((يبكي، يقول)) حالان من فاعل ((اعتزل))، مترادفان أو متداخلان. قوله: ((يا ويلتي)) ((فا)): أصله [وي له]، ((نه)): الويل الحزن، والهلاك، ولك من وقع في هلكة دعا بالويل،

стр. 599

٨٩٦ - وعن ربيعة بن كعب، قال: كنت أبيت مع رسول الله ﷺ ، فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: ((سل)). فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة. قال: ((أو غير ذلك؟)). قلت: هو ذاك. قال: ((فأعني علي نفسك بكثرة السجود)). رواه مسلم. ــ ومعنى النداء فيه يا حزني، ويا هلاكي! احضر فهذا أوانك، كأنه ناداه لما عرض له من الأمر الفظيع وهو الندم علي ترك السجود لآدم ﵇. أقول: لعل نداء الويل [للتحريم] علي ما فاته من الكرامة، وحصول اللعن والطرد، والخيبة في الدارين، وللحسد علي ما حصل لابن آدم من القرب، والكرامة والفوز في الدارين. الحديث العاشر عن ربيعة: قوله: ((أو غير ذلك)) ((مظ)): ((أو)) بسكون الواو. ((مح)): بفتحها، فالواو عاطفة تقتضي معطوفاً عليه، وهمزة الاستفهام تستدعي فعلا، والمعنى علي الأول: سل غير ذلك، فأجاب ((هو ذاك)) أي مسئولي ذاك، لا أنتهي عنه، وعلي الثاني: أتسأل هذا وهو شاق، وتترك ما هو أهون منه؟ فأجاب مسئولي ذاك، لا أتجاوز عنه، أتى رسول الله ﷺ بلفظة ((ذلك)) التي هي للمشار إليه البعيد؛ لينتهي السائل عنه امتحاناً منه، فلما أجاب بقوله: ((ذاك)) الذي هو المشار إليه المتوسط، وعلم ﷺ أنه مصمم علي عزمه غير مستبعد ذلك أجاب ﷺ بقوله: ((أعني)) إلي آخره. وفيه أن مرافقة النبي ﷺ في الجنة من الدرجات العالية، التي لا مطمع في الوصول إليها إلا بحصول الزلفي عن الله في الدنيا بكثرة السجود المومأ إليه بقوله: ﴿واسجد واقترب﴾، فإن في كل سجدة يسجدها العبد رفع درجة، كما سيرد في الحديث الآتي، فلا يزال العبد يترقى بالمدامة علي السجود درجة فدرجة حتى يفوز بالقدح المعلي من القرب إلي الله سبحانه وتعالي، فسأل به مرافقة حبيبه ﷺ في تلك الدرجات. انظر أيها المتأمل في هذه الشريطة، وارتباط القرينتين لتقف علي سر دقيق، فإن من أراد مرافقة الرسول ﷺ لا يناله إلا بالقرب إلي الله سبحانه وتعالي، ومن رام قرب الله لم ينله إلا بقرب نبي الله تعالي. قال الله تعالي: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ أوقع متابعة الرسول بين المحبتين، وذلك أن محبة العبد منوطة بمتابعته ومحبة الله العبد متوقفة علي متابعته ﷺ ، فلوح بقوله: ((أعني علي نفسك)) إلي أن نفسه [بمثابة العدو المناوئ]، فاستعان بالسائل علي قهو النفس، وكسر شهواتها بالمجاهدة، والمواظبة علي الصلاة، والاستعانة بكثرة السجود، حسما للطمع الفارغ من العمل والاتكال علي مجرد التمني وأنشد:

стр. 600

٨٩٧ - وعن معدان بن طلحة، قال: لقيت ثوبان مولي رسول الله ﷺ ، فقلت: أخبرني بعمل أعمله يدخلين الله به الجنة، فسكت، ثم سألته، فسكت، ثم سألته الثالثة، فقال: سألت عن ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: ((عليك بكثرة السجود لله، فإنك لا تسجد لله سجدة، إلي رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة)) قال معدان: ثم لقيت أبا الدرداء، فسألته، فقال لي مثل ما قال لي ثوبان. رواه مسلم. الفصل الثاني ٨٩٨ - عن وائل بن حجر، قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه. رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي. [٨٩٨] ٨٩٩ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه)). رواه أبو داود، والنسائي، والدارمي. قال أبو سليمان الخطابي: حديث وائل بن حجر أثبت من هذا. وقيل: هذا منسوخ. [٨٩٩] ٩٠٠ - وعن ابن عباس، قال: كان النبي ﷺ يقول بين السجدتين: ((اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني، وعافني، وارزقني)). رواه أبو داود، والترمذي. [٩٠٠] ــ دنيت [للمجد] والساعون قد بلغوا جهد النفوس وألقوا دونه الأزرا لا تحسب [المجد] تمرا أنت آكله لم تبلغ [المجد] حتى تلعق الصبرا الحديث الحادي عشر عن معدان: قوله: ((أعمله)) يجوز أن يكون مجزوماً جواباً للأم، و ((يدخلني)) بدلا منه، وذلك لأن معدان لما كان معتقداً لكون الإخبار سبباً لعمله صح ذلك، وأن يكون مرفوعاً صفة للعمل. الفصل الثاني الحديث الأول إلي الرابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((فلا يبرك)) ((قض)): ذهب

стр. 601

٩٠١ - وعن حذيفة، أن النبي ﷺ كان يقول بين السجدتين: ((رب اغفر لي)). رواه النسائي، والدارمي. [٩٠١] الفصل الثالث ٩٠٢ - عن عبد الرحمن بن شبل، قال: نهي رسول الله ﷺ عن نقرة الغراب، وافتراش السبع، وأن يوطن الرجل المكان في المسجد كما يوطن البعير، رواه أبو داود، والنسائي، والدارمي. [٩٠٢] ٩٠٣ - وعن علي، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يا علي! إني أحب لك ما أحب لنفسي، وأكره لك ما أكره لنفسي، لا تقع بين السجدتين)) رواه الترمذي. [٩٠٣] ــ أكثر أهل العلم أن الأحب للساجد أن يضع ركبتيه، ثم يديه؛ لما رواه وائل بن حجر. وقال مالك، والأوزاعي ﵄ بعكسه لهذا الحديث، والأول أثبت عند أرباب النقل. وقد قيل: حديث أبي هريرة ﵁ منسوخ؛ لما روى عن مصعب بن سعد أنه قال: كنا نضع اليدين قبل الركبتين، فأمرنا بالركبتين قبل اليدين. فلولا كان حديث أبي هريرة سابقاص علي ذلك لزم النسخ مرتين، وأنه علي خلاف الدليل. ((تو)) كيف ينهي عن بروك البغير ثم أمر بوضع اليدين قبل الركبتين، والبعير يضع اليدين قبل الرجلين؟ فالجواب أن الركبة من الإنسان في الرجلين، ومن ذوات الأربع في اليدين. الفصل الثالث الحديث الأول عن عبد الرحمن: قوله: ((عن نقرة الغراب)) يريد تخفيف السجود، وأنه لا يمكث فيه إلا قدر وضع الغراب منقاره فيما يريد أكله. قوله: ((افتراش السبع)) وهو أن يضع ساعديه علي الأرض في السجود. قوله: (وأن يوطن الرجل المكان)) ((نه)): قيل: معناه أن يألف الرجل مكانا معلوماً من المسجد مخصوصاً به، يصلي فيه، كالبعير لا يأوى من عطن إلا مبرك دمث قد أوطنه واتخذه مناخاً. وقيل: معناه أن يبرك علي ركبتيه قبل يديه إذا أراد السجود مثل بروك البعير، يقال: أوطنت الأرض، وطنتها، واستوطنتها: اتخذتها وطنا ومحلا، ومنه الحديث: ((أنه ﷺ نهي عن إيطان المساجد)) أي اتخاذها وطناً. الحديث الثاني عن علي ﵁: قوله: ((لا تقع بين السجدتين)) - بضم التاء- من

стр. 602

٩٠٤ - وعن طلق بن علي الحنفي، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا ينظر الله إلي صلاة عبد لا يقيم فيها صلبه بين ركوعها وسجودها)). رواه أحمد. [٩٠٤] ٩٠٥ - وعن نافع، أن ابن عمر كان يقول: من وضع جبهته بالأرض فليضع كفيه علي الذي وضع عليه جبهته، ثم إذا رفع فليرفعهما، فإن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه)). رواه مالك. [٩٠٥] (١٥) باب التشهد الفصل الأول ٩٠٦ - عن ابن عمر، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قعد في التشهد، وضع ــ الإقعاء، كذا في جامع الأصول، هو أن يضع إليته علي عقبيه بين السجدتين، كذا في النهاية، وعن أبي عبيد: هو أن يجلس علي إليته ناصباً قدميه. وفي جعل قوله: ((إني أحب لك)) مقدمة لهذا الأمر اعتناء لشأنه, وفيه أن الملعم والمرشد ينبغي أن يكون رفيقاً لا يواجه من يرشده إلا بما يحبه. الحديث الثالث عن طلق: قوله: ((بين خشوعها)) أي ركوعها، وإنما سمي الركوع خشوعاً وهو هيئة الخاشع تنبيهاً علي أن القصد الأولي من تلك الهيئة الخشوع والانقياد، وقد يعكس لشدة الملازمة بينهما، كما قوله تعالي: ((واركعوا مع الراكعين)) فسر الركوع بالخضوع والانقياد لما يلزمهم في دين الله سبحانه وتعالي. الحديث الرابع عن نافع: قوله: ((فإن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه)) علة لوضع اليدين علي الأرض كما وضع الجبهة عليها. وفيه إشارة إلي حديث ابن عباس: ((أمرت أن أسجد علي سبعة أعظم)) والله أعلم. باب التشهد الفصل الأول الحديث الأول عن ابن عمر ﵄: قوله: ((في التشهد)) ((قض)): أي في زمانه،

стр. 603

يده اليسرى علي ركبته اليسرى، ووضع يده اليمنى علي ركبته اليمنى، وعقد ثلاثة وخمسين، وأشار بالسبابة. [٩٠٦] ٩٠٧ - وفي رواية: كان إذا جلس في الصلاة، وضع يديه علي ركبتيه، ورفع أصبعه اليمنى التي تلي الإبهام يدعو بها، ويده اليسرى علي ركبتيه، باسطها عليها. رواه مسلم. ــ وسمي الذكر المخصوص تشهدا لاشتماله علي كلمتي الشهادة، كما سمي دعاء لاشتماله عليه، فإن قوله: سلام عليك، وسلام علينا، دعاء عبر عنه بلفظ الإخبار لمزيد التوكيد. قوله: ((وعقد ثلاثة وخمسين)) أي عقد باليمني عقد ثلاثة وخمسين، وذلك بأن يقبض الخنصر والبنصر والوسطى، ويرسل المسبحة، ويضم إليها الإبهام مرسلة. وللفقهاء في كيفية عقدها وجوه، أحدها ما ذكرناه. والثاني: أن يضم الإبهام إلي الوسطى المقبوضة كالقابض ثلاثة وعشرين، فإن الزبير رواه كذلك، والثالث: أن يقبض الخنصر والبنصر، ويرسل المسبحة، ويحلق الإبهام والوسطى، كما رواه وائل بن حجر. ((وأشار بالسبابة)) أي رفعها عند قول: ((إلا الله)) ليطابق [الفعل القول] علي التوحيد، وفي رواية ((رفع إصبعه اليمنى التي تلي الإبهام يدعو بها))، أي يهلل. سمي التهليل والتحميد دعاء لأنه بمنزلة استجلاب لطف الله، واستدعاء صنعه. وقد جاء في الحديث: ((إنما كان أكثر دعائي ودعاء الأنبياء قبلي بعرفات: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو علي كل شيء قدير)). ((شف)): فيه دليل علي أن في الصحابة من يعرف هذا العقد والحساب المخصوص. قوله: ((فدعا بها)) يحتمل وجهين: أحدهما أن يضمن دعا معنى أشار، والثاني أن يكون ((بها)) حالا أي فدعا مشيراً بها.

стр. 604

٩٠٨ - وعن عبد الله بن الزبير، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قعد يدعو وضع يده اليمنى علي فخذه اليمنى، ويده اليسرى علي فخذه اليسرى، وأشار بأصبعه السبابة، ووضع إبهامه علي أصبعه الوسطى، ويلقم كفه اليسرى ركبته. رواه مسلم. ٩٠٩ - وعن عبد الله بن مسعود، قال: كنا إذا صلينا مع النبي ﷺ ، قلنا: السلام علي الله قبل عباده، السلام علي جبريل، السلام علي ميكائيل، السلام علي فلان. فلما انصرف النبي ﷺ ، أقبل علينا بوجهه، قال: ((لا تقولوا: السلام علي الله؛ فإن الله هو السلام. فإذا جلس أحدكم في الصلاة، فليقل التحيات لله والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلي عباد الله الصالحين- فإنه إذا قال ذلك أصاب كل عبد صالح في السماء والأرض- أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه، فيدعوه)). متفق عليه. ــ الحديث الثاني عن عبد الله بن الزبير: قوله: ((يلقم كفه اليسرى)) يقال: ألقمت الطعام والتقمته إذا أدخلته في فيك، والمعنى يدخل ركبته في راحة كفه اليسرى. الحديث الثالث عن عبد الله: قولنا: ((قلنا السلام)) كانوا يسلمون علي الله تعالي أولا، ثم علي أشخاص معينين من الملائكة والناس، وأنكر النبي ﷺ أن يسلموا علي الله، وبين لهم أن ذلك عكس ما يجب أن يقال، فإن كل سلامة ورحمة له ومنه، فهو مالكها ومعطيها، فكيف يجوز أن يقالك السلام علي الله؟ وأعلمهم أن الدعاء للمؤمنين ينبغي أن يكون شاملاً لهم، وعلمهم ما يعمهم، وأمرهم فإفراد صلوات الله عليه بالذكر، لشرفه ومزيد حقه عليهم، وتخصيص أنفهسم، فإن الاهتمام بها أهم. والتحية تفعله من الحياة بمعنى الإحياء والتبقية، والصلاة من الله الرحمة، و ((الطيبات)) ما يلائم ويستلذ به، وقيل: الكلمات الدالة علي الخير، كسقاه الله، ورعاه الله. أتي بالصلوات والطيبات في هذا الحديث بحرف العطف، وقدم ((لله)) عليهما، فيحتمل أن يكونا معطوفين علي ((التحيات))، والمعنى ما سبق، ويحتمل أن يكون ((الصلوات)) مبتدأ، وخبرها محذوف، يدل عليه ((عليك)) و ((الطيبا)) معطوفة عليها، والواو الأولي لعطف الجملة علي الجملة التي قبلها. وفي حديث ابن عباس ﵄ ما ذكر العاطف أصلاً، وزاد: ((المباركات))، وأخر ((لله))، فتكون صفات. وقوله: ((فإنه إذا قال ذلك أصاب كل عبد صالح في السماء والأرض))، يدل علي أن الجمع المضاف والجمع المحلي باللام للعموم. واختار الشافعي ﵁ رواية ابن عباس، وإن كانت رواية ابن مسعود أشد صحة،

стр. 605

ــ لأنه أفقه، ولاشتمال ما رواه علي زيادة، ولأنه الموافق لقوله تعالي: ((تحية من عند الله مباركة طيبة)) ولأنه في لفظه ما يدل علي زيادة ضبطه لفظ الرسول ﷺ وهو قوله: ((وكان يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن)). قال الشافعي: ويحتمل أن يكون وقع الاختلاف من حيث إن بعض من سمع من رسول الله ﷺ حفظ الكلمة علي المعنى دون اللفظ، وبعضهم حفظ اللفظ والمعنى، وقررهم الرسول ﷺ علي ذلك وسوغه لهم؛ لأن المقصود هو الذكر، وكله ذكر والمعنى مختلف، ولما جاز في القرآن أن يقرأ بعبارات مختلفة كان في الذكر أجوز. واختار أبو حنيفة رواية ابن مسعود، واختار مالك ما روي عن عمر ﵁ لقوله علي المنبر، ويعلمه الناس، وهو: التحيات لله الزاكيات لله، الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله، السلام علينا، وعلي عباد الله الصالحين، وإليه ذهب الشافعي قديماً، واستدل عليه بأن عمر ﵁ لا يعلم الناس علي المنبر بين ظهرإني المهاجرين والأنصار إلا ما علمهم الرسول ﷺ . ولا خلاف في أن المصلي أيما قرأ في الصلاة صحت صلاته، إنما الكلام في الفضل. ((فا)): أنكر النبي ﷺ التسليم علي الله، وعلمهم أن يقولوا عكس ما يجب. ((تو)): السلام بمعنى السلامة، وهما مصدران كالمقام والمقامة، والسلام اسم من أسماء الله، وضع المصدر موضع الاسم مبالغة، ومعناه أنه سالم من كل عيب، وآفة، ونقص، وفناء. ومعنى قولنا: ((سلام عليك)) الدعاء، أي سلمت من المكاره. وقيل: معناه اسم السلام عليك، كأنه يتبرك عليه باسم الله، [والأمثل الدعاء يدل عليه التنكير في قولنا: سلام عليك إذ ليس معناه إلا الدعاء]، وعليه ورد التنزيل، قال الله تعالي: ﴿سلام عليك يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا)) ومنه التسليم علي الأموات. ووجه النهي عن السلام علي الله لأن الله هو المرجوع إليه المسائل، المتوسل إليه بالدعاء، المتعالي عن المعإني التي ذكرناها في التسليم، فأنى يدعى له وهو المعدو علي الحالات؟ ولأي معنى يطلق عليه ما يستدعيه حاجة المفطورين وتقتضيه نقائض المربوبين؟ وأقول: تمام تقريره أن تسمية الله تعالي بالسلام لما أنه منزه مقدس عن النقائض والعيوب، وأن لا يحل بجانبه الأقداس شائبة خوف، وهذا المعنى مختص به؛ لما ورد: ((أنت السلام)) أي أنت المختص به لا غيرك؛ لتعريف الخبر، و ((منك السلام)) معناه أن غيرك في معرض النقصان والخوف، مفتقر إلي جانبك بأن تؤمنه، ولا ملاذ له غيرك، فدل علي التخصيص تقدير الخبر علي المبتدأ. و ((إليك يعود السلام)) يعني إذا شوهد في الظاهر أن أحداً آمن غيره فهو في الحقيقة راجع إليك، وإلي توفيقك إياه، وأنك غير مستقل به، ومن ثم قدم المعمول علي عامله، ثم إذا

стр. 606

٩١٠ - وعن عبد الله بن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، فكان يقول: ((التحيات المباركات، الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلي عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمد رسول الله. رواه مسلم. ولم أجد في ((الصحيحين))، ولا في الجمع بين الصحيحين: ((سلام عليك)) و ((السلام علينا)) بغر ألف ولام، ولكن رواه ((صاحب الجامع)) عن الترمذي. ــ قلت: السلام عليك، ناقضت، حيث توهمت أنه مفتقر إلي ما هو منزه عنه من إزالة الخوف، وتلخيص هذا ما جاء في الدعاء: اللهم! إنك آمن من كل شيء وكل شيء خائف منك، فبأمنك من كل شيء وخوف كل شيء منك آمنا من خوف كل شيء. الحديث الرابع عن ابن عباس: قوله: ((التحيات)) جمع تحية، وهي الملك، وقيل البقاء، وقيل السلام، وجمعها ليشمل هذه المعإني كلها، كأنه قيل: السلامة، والبقاء، والملك لله . وسئلت عن تأليف هذا النظم، قلت: هو جملتان واردتان علي الاستئناف، فإن ((التحيات)) مبتدأ، و ((المباركات)) صفة، والخبر مقدر أي التحيات المباركات لله، فإن العبد لما وجه التحيات إلي الله تعالي اتجه السائل يقول: فما للعبد حينئذ؟ أجيب أن الصلوات الطيبات لله، فالله- يوجهها إليه جزاء لما فعل فضلاً منه ورحمة؛ فإن الصلاة هي الرحمة والبركة وأنواع الخير، وهي المسئولة في قوله: ((اللهم إني أسألك الطيبات)). وحين وصف الله تعالي بالبقاء الدائم والملك الثابت، ووجه السلام إلي نبي الله سبحانه وتعالي أتبعه بذكر التوحيد لله تعالي، والرسالة لنبي الله تعالي، ثم عقبه بالصلوات عليه، ليجمع له بين المنقبتين: النبوة والرسالة، ويحوز له الفضيلتين: الصلاة، والسلام. فإن قلت: ما معنى قولنا: ((سلام عليك أيها النبي)) علي الخطاب، وهلا جيء بها علي الغيبة وهي الظاهرة سياقا، لينتقل من تحية الله- تعالي- إلي تحية النبي ﷺ ، ثم إلي تحية النفس، ثم يعم الصالحين من عباده، كالملائكة والأولياء. قلت: نحن نتبع لفظ رسول الله ﷺ بعينه حين علم الحاضرين من الصحابة كيفية التسليم، ومن ذهب إلي الغيبة توخى معنى ما يؤدى به اللفظ بحسب مقام الغيبة، وقريب منه قوله تعالي: ﴿قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون﴾ بالياء والتاء، فالياء التحتإنية هو اللفظ المتوعد به بعينه، والفوقإنية معنى بحسب مقام الخطاب. وينصر هذا التأويل ما وراء البخاري في صحيحه عن ابن مسعود أنه قال: ((علمني النبي ﷺ وكفي بين كفيه التشهد، كما يعلمني السورة من القرآن: التحيات لله- إلي قوله- السلام عليك، وهو بين ظهرإنينا، فلما قبض قلنا: السلام علي النبي)). ويمكن أن نأخذ في شرع أهل العرفان، ونقول: ((الصلوات)) محمولة علي ما تعورف من الأركان المخصوصة، و ((الطيبات)) علي كونها خالصة لوجه الله سبحانه وتعالي محصلة للزلفي،

стр. 607

ــ كما قال سبحانه وتعالي: ((قل إن صلوتي ونسكي ومحياي ومماتي لله)) وحينئذ: تقدير السؤال أنهم حين استفتحوا باب الملكوت، واستأذنوا بالتحيات علي الولوج ما فعل بهم؟ أجيب أنه أذن لهم بالدخول في حريم الملك الحي الذي لا يموت، فقرت أعينهم بالمناجاة والمناغاة، كما ورد: ((وقرة عيني في الصلاة)) و ((أرحنا يا بلال)) فأخذوا في الحمد والثناء والتمجيد وطلب المزيد، وأسعفوا بحاجاتهم، فعند ذلك نبهوا علي أن هذه المنح والألطاف بواسطة نبي الرحمة وبركة متابعته، فالتفتوا فإذا الحبيب في حرم المحبوب حاضر، فأقبلوا عليه مسلمين بقولهم: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وسيأتي عن قريب الكلام في معنى الصلوات إن شاء الله تعالي. قوله: ((المباركات)) ((غب)): أصل البرك صدر البعير، وبرك البعير ألقى بركه، واعتبر منه معنى اللزوم، وسمي محبس الماء بركة للزوم الماء فيها، والبركة ثبوت الخير الإلهي في الشيء، وسمي بذلك لثبوت الخير فيه ثبوت الماء في البركة، والمبارك ما فيه ذلك الخير، وقال الله تعالي: ﴿وهذا ذكر مبارك﴾ تنبيها علي ما يفيض عيله من الخيرات الإلهية. ولما كان الخير الإلهي يصدر من حيث لا يحس، وعلي وجه لا يحصى، قيل لكل ما يشاهد منه زيادة غير محسوسة: هو مبارك، فيه بركة. قوله: ((السلام عليك)) ((مح)): يجوز فيها وفيما بعده أعني ((السلام علينا)) حذف اللام وإثباته، والإثبات أفضل، وهو الموجود في روايات الصحيحين: البخاري، ومسلم. وأقول: أصل سلام عليك: سلمت سلاماً عليك، ثم حذف الفعل وأقيم المصدر مقامه، وعدل عن النصب إلي الرفع علي الابتداء لدلالة علي ثبوت المعنى وإثباته، ثم التعريف في الموضعين إما للعهد التقديري، أي ذلك السلام الذي وجه إلي الأمم السابقة من عباد الله الصالحين- علينا وعلي إخواننا، وإما للجنس، والمعنى أن حقيقة السلام الذي يعرفه كل أحد أنه ما هو، وعمن يصدر، وعلي من ينزل- عليك، وعلينا، ويجوز أن تكون للعهد الخارجي، إشارة إلي قوله سبحانه وتعالي: ﴿وسلام علي عباده الذين اصطفي﴾ ولا شك أن هذه التقادير أولي وأحرى من تقدير النكرة. قوله ((عباد الله الصالحين)) ((مح)): العبد الصالح هو القائم بحقوق الله سبحانه وتعالي، وحقوق العباد. وأقول: الصلاح هو استقامة الشيء علي حاله، وإفساد ضده، ولا يحصل الصلاح الحقيقي إلا في الآخرة؛ لأن الأحوال العاجلة وإن وصفت بالصلاح في بعض الأوقات لكن لا تخلو من شائبة فساد وخلل، ولا يصفو ذلك إلا في الآخرة، خصوصاً لزمرة الأنبياء؛ لأن

стр. 608

الفصل الثاني ٩١١ - عن وائل بن حجر، عن رسول الله ﷺ ، قال: ثم جلس، فافترش رجله اليسرى، ووضع يده اليسرى علي فخذه اليسرى، وحد مرفقه اليمنى علي فخذه اليمنى، وقبض تنتين، وحلق حلقة، تم رفع أصبعه، فرأيته يحركها يدعو بها. رواه أبو داود، والدارمي. [٩١١] ــ الاستقامة التامة لا تكون إلا لمن فاز بالقدح المعلي، ونال المقام الأسنى، ومن ثم كانت هذه المرتبة مطلوبة الأنبياء والمرسلين، قال الله تعالي في حق الخليل: ﴿وإنه في الآخرة لمن الصالحين﴾ وحكى عن يوسف ﵊ أنه دعا بقوله: ﴿توفقإني مسلماً وألحقني بالصالحين﴾. الفصل الثاني الحديث الأول عن وائل: قوله: ((ثم جلس)) عطف علي ما ترك ذكره في الكتاب من صدر الحديث، وهو أن الراوي قال: لأنظرن إلي صلاة رسول الله ﷺ فاستقبل القبلة، فكبر، فرفع يديه حتى حاذتا أذنيه، ثم أخذ شماله بيمينه، فلما أراد أن يركع رفعهما مثل ذلك، ثم وضع يديه علي ركبتيه، فلما رفع رأسه من الركوع رفعهما مثل ذلك، فلما سجد وضع رأسه بذلك المنزل من يديه، ثم جلس. قوله: ((وحد مرفقه اليمنى علي فخذه اليمنى)) ((مظ)): أي رفع مرفقه عن فخذه، وجعل عظم مرفقه كأن رأس وتد. وأقول: أصل الحد المنع، والفصل بين الشيئين، ومنه سمى حدود الله، والمعنى فصل بين مرفقه وجنبه، ومنع أن يلتصقا في حالة استعلائها علي الفخذ. ((شف)): يحتمل أن يكون ((حد)) مرفوعاً مضافاً إلي المرفق علي الابتداء، وقوله: ((علي فخذه)) الخبر، والجملة حال. وأن يكون منصوباً عطفا علي مفعول ((وضع))، أي يده اليسرى علي فخذه اليسرى، فوضع حد مرفقه اليمنى علي فخذه اليمنى. قوله: ((بدعو بها)) ((مظ)): أي يشير بها إلي وحدإنية الله سبحانه وتعالي في حالة دعائه.

стр. 609

٩١٢ - وعن عبد الله بن الزبير، قال: كان النبي ﷺ بشير بأصبعه إذا دعا، ولا يحركها. رواه أبو داود، والنسائي. وزاد أبو داود: ولا يجاوز بصره إشارته. [٩١٢] ٩١٣ - وعن أبي هريرة، قال: إن رجلاً كان يدعو بأصبعيه، فقال رسول الله ﷺ : ((أحد أحد)). رواه الترمذي، والنسائي، والبيهقي في ((الدعوات الكبير)). [٩١٣] ٩١٤ - وعن ابن عمر، قال: نهي رسول الله ﷺ أن يجلس الرجل في الصلاة وهو معتمد علي يده. رواه أحمد، وأبو داود. وفي رواية له: نهي أن يعتمد الرجل علي يديه إذا نهض في الصلاة. [٩١٤] ٩١٥ - وعن عبد الله بن مسعود، قال: كان النبي ﷺ في الركعتين الأوليين كأنه علي الرضف حتى يقوم. رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي. ــ الحديث الثاني عن عبد الله بن الزبير: قوله: ((ولا يحركها)) ((مظ)): اختلفوا في تحريك الإصبع إذا رفعها للإشارة، والأصح أن يضعها من غير تحريك، ولا ينظر إلي السماء حين الإشارة إلي التوحيد، بل ينظر إلي إصبعه، ولا يجاوز بصره عنها؛ [كيلا يوهم أن الله سبحانه وتعالي في السماء، تعالي الله عن ذلك علواً كبيراً] الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((أحد أحد)) ((فا)): أراد وحد فقلبت الواو همزة، كما قيل أحد وإحدى، وآحاد، وقد [بلغت] بها القلب مضمومة، مكسورة، ومفتوحة، والمعنى بإصبع واحدة. ((نه)): ((أحد)) أي أشر بإصبع واحدة؛ لأن الذي تدعو إليه واحد، وهو الله سبحانه وتعالي. الحديث الرابع عن ابن عمر: قوله: ((معتمداً)) أي متكئا، وقوله: ((علي يديه إذا نهض ((مظ)): وبهذا قال أبو حنيفة، وقال الشافعي بخلافه. الحديث الخامس عن عبد الله بن مسعود: قوله: ((كأنه علي الرضف)) ((نه)): هو الحجارة المحماة

стр. 610

الفصل الثالث ٩١٦ - عن جابر، قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن: ((بسم الله، وبالله، التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلي عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أسأل الله الجنة، وأعوذ بالله من النار)) رواه النسائي. [٩١٦] ٩١٧ - وعن نافع، قال: كان عبد الله بن عمر، إذا جلس في الصلاة وضع يديه علي ركبتيه، وأشار بأصبعه وأتبعها بصره، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : ((لهي أشد علي الشيطان من الحديد)) يعني السبابة. رواه أحمد. [٩١٧] ــ علي النار، واحدتها رضفة، وفي رواية بسكون الضاد، قيل: أراد به تخفيف التشهد الأول، وسرعة القيام في الرباعية والثلاثية، وكذا عن المظهر. ((تو)): أراد بالركعتين الأوليين الأولي والثانية من الرباعية، أي لم يكن يلبث إذا رفع رأسه من السجود في هاتين الركعتين حتى ينهض قائماً. أقول: التأويل ضعيف وعذره في الثنائية والثلاثية بقوله: إنما ذكر الصحابي في الرباعية اكتفاء بذكر الأولي في كل ركعتين، متعسف، وأيضاً تأويله هذا الحديث بما ذكر يقدح في إيراد محيي السنة هذا الحديث في باب التشهد، ولأن لفظه ((علي)) وإيقاعها خبر كان يستدعي استقرار علي القعود، وحتى التدريجية تقتضي زماناً يؤثر فيه تلك الحرارة علي التدريج ليستقره، وتخصيص ذكر الرضف دون النار يساعده علي ما ذكر، ولعل شرعية وضع الورك اليسرى علي بطن الرجل اليسرى، والاعتاد علي أصابع الرجل اليمنى في التشهد الأول دون الثاني إشارة إلي معنى الاستقرار. الفصل الثالث الحديث الأول والثاني عن نافع: قوله: ((السبابة)) وهي فعالة من السب وهو الشتم، وسبه أيضاً بمعنى قطعة، والحمل علي المعنى الثاني أنسب؛ لذكر الحديد في الحديث، كأن المصلي عند رفعها والإشارة إلي التوحيد يقطع طمع الشيطان من ولايته، وإضلاله، وأمره بالإشراك بالله، كما قال الله سبحانه وتعالي: ﴿ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله فقد خسر خسراناً مبينا﴾.

стр. 611

٩١٨ - وعن ابن مسعود، كان يقول: من السنة إخفاء التشهد رواه أبو داود، والترمذي؛ وقال: هذا حديث حسن غريب. (١٦) باب الصلاة علي النبي ﷺ وفضلها الفصل الأول ٩١٩ - عن عبد الرحمن بن أبي ليلي، قال: لقيني كعب بن عجرة، فقال: ألا أهدي لك هدية سمعتها من النبي ﷺ فقلت: بلي، فأهدها لي. قال: سألنا رسول اله ﷺ فقلنا: يا رسول الله! كيف الصلاة عليكم أهل البيت؟ فإن الله قد علمنا كيف نسلم عيك. قال: ((قولوا: اللهم صل علي محمد وعلي آل محمد، كما صليت علي ــ الحديث الثالث عن ابن مسعود: قوله: ((من السنة)) ((مح)): إذ قال الصحابي: السنة كذا، ومن السنة كذا، فهو في الحكم كقوله: قال رسول الله ﷺ . هذا مذهب الجمهور من المحدثين والفقهاء، وجعله بعضهم موقوفاً ليس بشيء. وأقول: معنى ((من كذا)) شامل لمعنى، قال وفعل وأمر وقرر. والله أعلم. باب الصلاة علي النبي ﷺ وفضلها ((نه)): معنى ((صل علي محمد)) عظمه في الدنيا بإعلاء ذكره، وإظهار دعوته، وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بتشفيعه في أمته، وتضعيف أجره ومثوبته، وقيل: لما أمرنا الله بالصلاة عليه لم نبلغ قدر الواجب الواجب من ذلك فأحلنا علي الله تعالي وقلنا: اللهم صل أنت علي محمد لأنك أعلم بما يليق. الفصل الأول الحديث الأول عن عبد الرحمن: قوله: ((علمنا كيف نسلم)) ((مظ)): أي علمنا الله كيف الصلاة والسلام عليك في قوله سبحانه وتعالي: ﴿يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسيلما﴾. فكيف نصلي علي أهل بيتك؟ وأما إذا كان السؤال عن كيفية الصلاة عليه خاصة فمعنى قوله: ((إن الله علمنا كيف السلام عليك)) أن الله قد علمنا بلسانك وبواسطة بيانك في التحيات: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. وأقول: يؤيد الوجه الول قول السائل: ((أهل البيت))، فإنه نصب بيانا لقوله: ((عليكم)) فإن الجمع محتمل لتعظيم الرسول ﷺ مجازاً، ولإجرائه علي حقيقته من إرادة الجماعة، فبين

стр. 612

إبراهيم وعلي آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك علي محمد وعلي آل محمد، كما باركت علي إبراهيم وعلي آل إبراهيم، إنك حميد مجيد)). متفق عليه. إلا أن مسلماً لم يذكر: ((علي إبراهيم)) في الموضعين. ــ بقوله: أهل البيت، أي أعني أو أريد أهل البيت، فحينئذ يطابق ما ذكره ﷺ في جوابه من ذكر محمد مقرون بذكر الآل مرارا. وينصر المعنى الثاني الأحاديث الواردة في التحيات مقرونة بذكر السلام دون الصلاة. ((فا)): أصل آل أهل، فأبدلت الهاء همزة، ثم الهاء ألفا، يدل عليه تصغيره علي أهيل. وتختص بالأشهر الأشرف، كقولهم: الفراء آل محمد، ولا يقال: آل الخياط والإسكاف. ((مظ)): اختلفوا في الآل من هم؟ قيل: من حرمت عليه الزكاة، كبني هاشم، وبني المطلب، وفاطمة، والحسن، والحسين، وعلي، وإخوته جعفر وعقيل، وأعمامه ﷺ حمزة، والعباس والحارث بن عبد المطلب، وأولادهم. وقيل: كل تقي آله ﵊. وقراءة التحيات والصلوات علي النبي ﷺ في الركعة الأخيرة واجبة عند الشافعي، ومستحبة عند أبي حنيفة ﵄. ((خط)): الصلاة التي بمعنى التعظيم والتكريم لا تقال لغيره، والتي بمعنى الدعاء والتبرك تقال لغيره، ومنه ((صل علي آل أبي أوفي)) أي ترحم عليهم وبارك. أقول: لعل حمل الآل علي العموم من الأصفياء وأتقياء الأمة، فيدخل فيه أهل البيت دخولا أوليا، وكذا الصلاة علي التعظيم والترحم أولي؛ لأن التشبيه في قوله: ((كما صليت علي إبراهيم)) ليس من باب إلحاق الناقص بالكامل، بل من باب بيان حال من لا يعرف بما يعرف، وما عرف من الصلاة علي إبراهيم وآله ليس إلا في قوله تعالي: ﴿رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد﴾. ((الكشاف)): قوله تعالي: ((رحمة الله وبركاته عليكم)) كلام مستأنف، علل به إنكار التعجب، كأنه قيل: إياك والتعجب؛ فإن أمثال هذه الرحمة والبركة متكاثرة من الله عليكم. وقيل الرحمة النبوة، والبركات والأسباط من بني إسرائيل، لأن الأنبياء منهم كلهم من ولد إبراهيم. انتهي كلامه. فحينئذ يكون الأتقياء والأصفياء من الأمة موازنة الأنبياء من بني إسرائيل، وقوله: ((إنك حميد مجيد)) تذييل للكلام السابق، وتفسير له علي سبيل العموم، أي إنك حميد فاعل ما تستوجب به الحمد من النعم المتكاثرة، والآلاء المتعاقبة المتوالية، مجيد كريم كثير الإحسان إلي جميع عبادك الصالحين، ومن محامدك وإحسانك أن توجه صلاتك وبركاتك وترحمك علي رسولك نبي الرحمة وآله. ((مح)): ذكر في الأذكار: أجمعوا علي الصلاة علي نبينا ﷺ وكذا سائر الأنبياء، والملائكة،

стр. 613

٩٢٠ - وعن أبي حميد الساعدي، قال: قالوا: يا رسول الله! كيف نصلي عليك؟ فقال رسول الله ﷺ : ((قولوا: اللهم صل علي محمد وأزواجه وذريته كما صليت علي آل إبراهيم، وبارك علي محمد وأزواجه وذريته، كما باركت علي آل إبراهيم، إنك حميد مجيد)). متفق عليه. ــ استقلالا، وأما غيرهم فالجمهور علي عدم الجواز ابتداء، وقيل: إنه حرام، وقيل: إنه مكروه، وقيل: هو ترك الأولي. والصحيح أنه مكروه كراهة تنزيه؛ لأنه شعار أهل البدع، وقد نهينا عن ذلك. وقال أصحابنا: المعتمد في ذلك أن الصلاة صارت مخصوصة في لسان السلف بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كما أن قولنا: مخصوص بالله سبحانه وتعالي، فكما لا يقال محمد وإن كان عزيزاً جليلاً، لا يقال: أبو بكر وعمر صلي الله عليهما وإن صح معناه. واتفقوا علي جواز جعل غير الأنبياء تبعا لهم في الصلاة، وأما السلام فقال أبو محمد الجويني: هو مثل الصلاة لا يستعمل في الغائب غير الأنبياء، سواء كان حيا أو ميتا، لا يقال: علي ﵇ والله أعلم. الحديث الثاني عن أبي حميد: قوله: ((اللهم صل علي محمد)) فإن قلت: كيف يطابق قوله: صل علي محمد وأزواجه وذريته، قوله: كما صليت علي آل إبراهيم حيث لم يذكر فيه إبراهيم كما ذكر محمداً ﷺ ؟ أجاب القاضي: الآل مقحم، كما في قوله ﷺ لأبي موسى: ((إنه أعطي مزماراً من مزامير آل داود))، ولم يكن له آل مشهور بحسن الصوت. أقول: يمكن أن يقال: إن هذا الحديث يساعد القول الأول في الحديث السابق أن السؤال كان عن الصلاة علي الأهل، فيكون تقدير قوله: كيف نصلي عليك؟ أي علي أهلك، علي هذا يكون ذكر محمد ﷺ في الجواب في الحديثين تمهيداً لذكر الأهل تشريفاً لهم، وتكريما. كما قال الله سبحانه وتعالي: ﴿لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾ أي بين يدي رسوله. ((الكشاف)): هو يجري مجرى قولك: سرني زيد وحسن حاله. وأعجبت بعمر وكرمه، وفائدته الدلالة علي قوة الاختصاص، ولما كان رسول الله ﷺ من الله بالمكان الذي لا يخفي سلك به ذلك المسلك، وإنما ترك ذكر إبراهيم في هذه القرينة وأجرى الكلام علي مقتضى الظاهر لينبه علي هذه الدقيقة، ولو ذكر لم يفهم أنه ذكر محمداً ﷺ تمهيداً. قوله: ((وبارك علي محمد)) ((نه)): أي أثبت له وأدم ما أعطيته من التشريف والكرامة، وهو من برك البعير إذا ناخ في موضع فلزمه، ونطلق البركة أيضاً علي الزيادة، والأصل الأول.

стр. 614

٩٢١ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله: ((من صلي علي واحدة، صلي الله عليه عشراً)). رواه مسلم. الفصل الثاني ٩٢٢ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من صلي علي صلاة؛ صلي الله عليه عشر صلوات، وحطت عنه عشر خطيئات، ورفعت له عشر درجات)). رواه النسائي. [٩٢٢] ٩٢٣ - وعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أولي الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة)). رواه الترمذي. [٩٢٣] ٩٢٤ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام)). رواه النسائي، والدارمي. [٩٢٤] ــ الحديث الثالث عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((صلي الله عليه عشراً)) ((مح)): قال القاضي عياض: معنى: صلي عليه، رحمة وضعف أجره، كقوله تعالي: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ وقال: وقد تكون الصلاة علي وجهها وظاهرها كلاما تسمعه الملائكة تشريفاً للمصلي وتكريماً له كما جاء: ((وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم)). الفصل الثاني الحديث الأول والثاني عن ابن مسعود: قوله: [((من صلي علي صلاة واحدة))] الصلاة من العبد طلب التعظيم والتبجيل لجناب رسول الله ﷺ ، والصلاة من الله تعالي علي العبد إن كان بمعنى الغفران فيكون من باب المشاكلة- من حيث اللفظ لا المعنى- وإن كان بمعنى التعظيم فيكون من الموافقة لفظاً ومعنى، الأعداد المخصوصة محمول علي المزيد والفضل في معنى المطلوب. قوله: ((أولي الناس بي)) كقوله تعالي: ﴿إن أولي الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي﴾ يعني أن أخص أمتي بي، وأقربهم مني، وأحقهم بشفاعتي- أكثرهم علي صلاة، من الولي القرب، وضمن معنى الاختصاص فعدي بالباء. الحديث الثالث عن ابن مسعود: قوله: ((سياحين)) صفة ((ملائكة)) ((نه)): يقال: ساح في

стр. 615

٩٢٥ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي، حتى أرد ﵇). رواه أبو داود، والبيهقي في ((الدعوات الكبير)). ٩٢٦ - وعنه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم)). رواه النسائي. [٩٢٦] ــ الأرض يسيح سياحة، إذا ذهب فيها، وأصله من السيح، وهو الماء الجاري المنبسط علي الأرض، وفيه تعظيم لرسول الله ﷺ وإجلال لمنزلته، حيث سخر الملائكة الكرام لهذا الشأن المفخم. الحديث الرابع عن أبي هريرة: قوله: ((رد الله علي روحي)) ينهون إليه صلوات أمته، كما ينهي أمور الرعية إلي الملوك، لعل معناه يكون روحه المقدسة في شأن ما في الحضرة الإلهية، فإذا بلغه سلام أحد من الأمة رد الله سبحانه وتعالي روحه المطهرة من تلك الحالة إلي رد من سلم عليه، وكذلك شأنه وعادته في الدنيا يفيض علي أمته من سحاب الوحي الإلهي ما أفاض الله عليه، ولا يشغله هذا الشأن- وهو شأن إفاضة الأنوار القدسية علي أمته- عن شأنه بالحضرة الإلهية، كما كان في عالم الشهادة لا يشغله شأن عن شأن، والمقام المحمود في العقبى عبارة عن هذا المعنى، فهو عليه ﷺ في الدنيا والبرزخ والعقبى في شأن أمته. الحديث الخامس عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((عيداً)) ((تو)): يحتمل أن يراد به واحد الأعياد، أي لا تجعلوا زيارة قبري عيداً، أو قبري مطهر عيد، والمعنى لا تجتمعوا للزيارة اجتماعكم للعيد، فإنه يوم لهو وسرور وزينة، وحال الزيارة مخالفة لتلك الحالة، وكان ذلك من دأب اليهود والنصارى، فأورثهم ذلك الغفلة، وقسوة القلب، ومن عادة عبدة الأصنام أنهم لم يزالوا يعظمون أمواتهم حتى اتخذوها أصناما، وإلي هذا أشار ﷺ : ((اللهم! لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله علي قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)). ويحتمل أن يكون العيد اسما من الاعتياد، يقال: عادة، واعتاده، وتعوده، أي صار عادة له، يعني لا تجعلوا قبري محل اعتياد تعتادونه؛ لما يؤدي ذلك إلي سوء الأدب، وارتفاع الحشمة. ويؤيد ذلك قوله ﷺ : ((وصلوا علي؛ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم)) أي لا تتكلفوا المعاودة إلي فقد استغنيتم عنه بالصلاة علي. وأقول: بيان نظم الحديث أن يقال: لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، معناه لا تجعلوا بيوتكم كالقبور الخالية عن ذكر الله تعالي وعبادته، لأنها غير صالحة لها، وكذلك لا تجعلوا القبور كالبيوت محلا للاعتياد لحوائجكم، ومكاناً للعبادة والصلاة، أو مرجعاً للسرور والزينة كالعيد.

стр. 616

٩٢٧ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي، ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة. رواه الترمذي. [٩٢٧] ــ قوله: ((فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم)) ((قض)): وذلك أن النفوس القدسية إذا تجردت عن العلائق البدنية عرجت واتصلت بالملأ الأعلي، ولم يبق لها حجاب، فيرى الكل كالمشاهد بنفسها، أو بإخبار الملك لها، وفيه سر يطلع عليه من يتيسر له. الحديث السادس عن أبي هريرة: قوله: ((ثم انسلخ)) ((ثم)) هذه استبعادية، كما في قولك لصاحبك تإنيباً له: بئس ما فعلت، وجدت مثل تلك الفرصة ثم لم تنتهزها. وكذا الفاء في قوله: ((فلم يصل علي)) و ((فلم يدخلاه الجنة))، ويؤيده ورود هذا الحديث في بعض روايات صحيح مسلم بفظ ((ثم)) بدل الفاء في قوله: ((فلم يدخلاه الجنة)). ونظير وقوع الفاء موقع ((ثم)) الاستبعادية قوله تعالي في سورة الكهف: ﴿ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها﴾. وفي سورة السجدة: ((ثم أعرض عنها)). وقد تقرر أن قولهم: ((رغم أنف فلان)) كناية عن غاية الذل والهوان، وأن الصلاة علي النبي ﷺ عبارة عن تعظيمه وتبجيله، فمن عظم رسول الله ﷺ وحبيبه عظمه الله، ورفع قدره في الدارين، ومن لم يعظمه أذله الله فالمعنى: بعيد من العاقل بل من المؤمن المعتقد أن يتمكن من إجراء كلمات معدودة علي لسانه فيفوز بعشر صلوات من الله ، وبرفع عشر درجات له، وبحط عشر خطيئات عنه، ثم لم يغتنمه حتى يفوت عنه، فحقيق بأن يحقره الله تعالي، ويضرب عليه الذلة والمسكنة، وباء وبغضب من الله تعالي. ومن هذا القبيل عادة أكثر الكتاب أن يقتصروا في كتابة الصلاة والسلام علي النبي ﷺ علي الرمز. وكذا شهر رمضان شهر الله المعظم، ﴿الذي أنزل فيه القرآن هدي للناس وبينات من الهدي والفرقان﴾، فمن وجد فرصة تعظيمه بأن قام فيه إيماناً واحتساباً عظمه الله، ومن لم يعظمه حقره الله تعالي. وتعظيم الوالدين مستلزم لتعظيم الله، ولذلك قرن الله سبحانه وتعالي الإحسان إليهما وبرهما بتوحيده وعبادته، في قوله تعالي: ﴿وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا﴾ فمستبعد ممن منح ووفق الإحسان إليهما، لاسيما في حال كبرهما، وأنهما عنده في بيته كلحم علي وضم، ولا كافل لهما سواه، إن لم يغتنم هذه الفرصة فجدير بأن يهان ويحقر شأنه.

стр. 617

٩٢٨ - وعن أبي طلحة، أن رسول الله ﷺ جاء ذات يوم والبشر في وجهه، فقال: ((إنه جاءني جبريل، فقال: إن ربك يقول: أما يرضيك يا محمد! أن لا يصلي عليك أحد من أمتك إلا صليت عليه عشراً، ولا يسلم عليك أحد من أمتك إلا سلمت عليه عشراً؟)). رواه النسائي، والدارمي. [٩٢٨] ٩٢٩ - وعن أبي بن كعب، قال: قلت: يا رسول الله! إني أكثر الصالة عليك، فكم أجع لك من صلاتي؟ فقال: ((ما شئت)). قلت: الربع؟ قال: ((ما شئت، فإن زدت فهو خير لك)). قلت: ((فالثلثين؟ قال: ((ما شئت، فإن زدت فهو خير لك)). قلت: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: ((إذا يكفي همك، ويكفر لك ذنبك)). رواه الترمذي. [٩٢٩] ــ فإن قلت: كان من حق ((ثم)) في قوله: ((ثم انسلخ)) علي ما قررت معنى الفاء من أن يقرن بعدم الغفران، وأن يقال: رغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم لم يغفر له، أي بعيد منه ذلك، فما فائدة ((انسلخ)) ومجيء ((قبل)) وتأخير ذلك أن يغفر؟ قلت: الإيذان بأنه قد تراخى الغفران عنه لتقصيره، وكان من حقه أن يغفر قبل انسلاخ الشهر غرته، أو عقبها يوما فيوما. قوله: ((فلم يدخلاه الجنة)) لما كان دخول الجنة من الله سبحانه وتعالي بواسطة برهما والإحسان إليهما- أسند إليهما مجازاً، كما في قولك: أنبت الربيع البقل، مبالغة. الحديث السابع عن أبي طلحة: قوله: ((أما يرضيك)) هذا بعض ما أعطى من الرضا في قوله تعالي: ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضي﴾. وهذه البشارة في الحقيقة راجعة إلي الأمة، ومن ثم ظهر تمكن البشر في أسارير وجهه ﵇ ظرفاً ومكاناً للبشر والطلاقة، وهذا رمز إلي نوع من الشفاعة، فإذا كان الصلاة عليه ﷺ توجب هذه الكرامة من الله سبحانه وتعالي، فما ظنك بقيامه وتشمره للشفاعة الكبرى؟ رزقنا الله إياها ولجميع المسلمين، آمين، رب العالمين. الحديث الثامن عن أبي بن كعب: قوله: ((فكم أجعل لك من صلاتي)) ((تو)): المعنى كم أجعل لك من دعائي الذي أدعو به لنفسي، ولم يزل يعارضه ليوقفه علي حد من ذلك. ولم ير النبي ﷺ أن يحد له في ذلك حداً؛ ئلا تلتبس الفضيلة بالفريضة أولا، ثم لا يغلق عليه باب المزيد ثإنياً، فلم يزل يجعل الأمر فيه مراعياً لقرينة الترغيب والحث علي المزيد حتى قال: ((إذا أجعل لك صلاتي كلها))، أي أصلي عليك بدل ما أدعو به لنفسي، فقال: ((إذاً يكفي

стр. 618

٩٣٠ - وعن فاضلة بن عبيد، قال: بينما رسول الله ﷺ قاعد إذ دخل رجل فصلي، فقال، اللهم اغفر لي وارحمني. فقال رسول الله ﷺ : ((عجلت أيها المصلي! إذا صليت فقعدت، فاحمد الله بما هو أهله، وصل علي ثم ادعه)). قال: ثم صلي رجل آخر بعد ذلك، فحمد الله، وصلي علي النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : ((أيها المصلي! ادع تجب)). رواه الترمذي، وروى أبو داود، والنسائي نحوه. [٩٣٠] ٩٣١ - وعن عبد الله بن مسعود، قال: كنت أصلي والنبي ﷺ وأبو بكر وعمر معه، فلما جلست بدأت بالثناء علي الله تعالي، ثم الصلاة علي النبي ﷺ ، ثم دعوت لنفسي. فقال النبي ﷺ : ((سل تعطه، سل تعطه)). رواه الترمذي. [٩٣١] ــ همك)) أي ما يهمك من أمر دينك ودنياك؛ وذلك لأن الصلاة عليه مشتملة علي ذكر الله تعالي وتعظيم الرسول ﷺ ، والاشتغال بأداء حقه عن مقاصد نفسه، وإيثاره بالدعاء علي نفسه، وما أعظمها من خلال جليلة الإخطار، وأعمال كريمة الآثار! وأرى هذا الحديث تابعاً في المعنى لقوله ﷺ حكاية عن ربه : ((من شعله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين)). وأقول: قد تقرر أن العبد إذا صلي مرة علي النبي ﷺ صلي الله عليه عشرة، وأنه إذا صلي وفق الموافقة لله، ودخل في زمرة الملائكة المقربين في قوله تعالي: ﴿إن الله وملائكته يصلون علي النبي﴾. فأنى يوازي هذا دعاءه لنفسه! الحديث التاسع عن فضالة: قوله: ((عجلت أيها المصلي)) ((قض)): أشار ﷺ أن من شرط السائل أن يتقرب إلي المسئول عنه قبل طلب الحاجة بما يوجب له الزلفي لديه، ويتوسل بشفيع له بين يديه؛ ليكون أطمع في الإسعاف، وأحق بالإجابة، فمن عرض السؤال قبل تقديم الوسيلة فقد استعجل. قوله: ((فقعدت)) يحتمل أن يكون عطفاً علي مقدر، أي إذا صليت وفرغت فقعدت للدعاء فاحمد الله سبحانه وتعالي، أي اثن عليه بقولك: التحيات المباركات. الحديث العاشر عن عبد الله بن مسعود: قوله: ((والنبي)) مبتدأ محذوف الخبر، وتقديره: حاضر، أو جالس، ونحوه، ((وأبو بكر وعمر)) جملة أخرى عطف علي الجملة الأولي، وهي حال من فاعل ((أصلي))، وقد استغنى بالواو عن الضمير.

стр. 619

الفصل الثالث ٩٣٢ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من سره أن يكتال بالمكيال الأوفي إذا صلي علينا أهل البيت؛ فليقل: اللهم صل علي محمد النبي الأمي، وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته، وأهل بيته، كما صليت علي آل إبراهيم، إنك حميد مجيد)) رواه أبو داود. [٩٣٢] ٩٣٣ - وعن علي، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((البخيل الذي من ذكرت عنده لم يصل علي)). رواه الترمذي، ورواه أحمد عن الحسين بن علي، ﵄. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. ــ قوله: ((سل تعطه)) ((مظ)): الهاء يجوز أن تكون للسكت، كما في قوله تعالي: ((حسابيه)) و ((كتابيه))، وأن تكون ضميراً للمسئول وإن لم يجر له الذكر، أي سل تعط ما تطلبه. وأقول: الأول أوجه من حيث الإطلاق، نحو قولك: فلان يعطي ويمنع، يعني سل لتصير مقضي الحاجة. الفصل الثالث الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((بالمكيال الأوفي)) عبارة عن نيل الثواب الوافي، علي نحو قوله تعالي: ﴿ثم يجزاه الجزاء الأوفي﴾. وقوله: ((إذا صلي علينا)) شرط، جزاؤه ((فليقل))، والشرط مع الجزاء جواب للشرط الأول. ويجوز أن تكون ((إذا)) ظرفا، والعامل ((فليقل))، علي قول من ذهب إلي أن ما بعد الفاء الجزائية يعمل فيما قبله، كما في قوله تعالي: ﴿لإيلاف قريش﴾ فإنه معمول لقوله: ﴿فليعبدوا﴾. ((وأهل البيت)) مجرور بدل من الضمير المجرور في ((علينا))، كما في قول الشاعر: علي حالة لو أن في القوم حاتما علي جوده لضن بالماء حاتم وأن يكون منصوباً بتقدير أعني وقوله: و ((أهل بيته)) عطف العام علي الخاص، علي طريقة: ﴿ولقد آتيناك سبعا من المثإني والقرآن العظيم﴾. الحديث الثاني عن علي ﵁: قوله: ((البخيل الذي من ذكرت عنده فلم يصل))

стр. 620

٩٣٤ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من صلي علي عند قبري سمعته، ومن صلي علي نائياً أبلغته)) رواه البيهقي في: ((شعب الإيمان)). [٩٣٤] ٩٣٥ - وعن عبد الله بن عمرو، قال: من صلي علي النبي ﷺ واحدة، صلي الله عليه وملائكته سبعين صلاة. رواه أحمد. [٩٣٥] ٩٣٦ - وعن رويفع، أن رسول الله ﷺ قال: ((من صلي علي محمد وقال: اللهم أنزله المقعد المقرب عندك يوم القيامة؛ وجبت له شفاعيت)) رواه أحمد. [٩٣٦] ــ الموصول الثاني مزيد مقحم بين الموصول وصلته، كما في قراءة زيد بن علي: ﴿الذي خلقكم والذين من قبلكم﴾. ((الكشاف)): أقحم الموصول الثاني بين الأول وصلته تأكيداً. والتعريف في البخيل للجنس، محمول علي الكمال وأقصى غايته، وقد جاء: ((ليس البخيل من بخل بماله، ولكن البخيل من بخل بمال غيره))، وأبلغ الجود منه من أبغض الجود حتى لا يحب أن يجاد عليه، فمن لم يصل علي النبي ﷺ إذا ذكر عنده منع نفسه من أن يكتال الثواب بالمكيال الأوفي، فهل نجد أحد أبخل من هذا؟ الحديث الثالث عن عبد الله: قوله: ((من صلي علي عند قبري سمعته)) فإن قلت: كيف الجمع بين معنى هذا الحديث، وحديث أبي هريرة ﵁ في الفصل الثاني: ((لا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم)) أي لا تتكلفوا المعاودة إلي قبري، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم. قلت: لا ارتياب أن الصلاة في الحضور مشافهة أفضل من الغيبة، لكن المنهي عنه هو الاعتياد الذي يرفع الحشمة، ويخالف التعظيم. الحديث الرابع عن رويفع: قوله: ((أنزله المقعد المقرب)) قيل: هو المقام المحمود. وأقول لرسول الله ﷺ مقامان مختصان به: أحدهما مقام حلول الشفاعة، والوقوف عن يمين الرحمن، يغبطه الأولون والآخرون. وثإنيهما مقعده من الجنة، ومنزله الذي لا منزل بعده.

стр. 621

٩٣٧ - وعن عبد الرحمن بن عوف، قال: خرج رسول الله ﷺ حتى دخل نخلا، فسجد، فأطال السجود حتى خشيت أن يكون الله تعالي قد توفاه. قال: فجئت أنظر، فرفع رأسه، فقال: ((مالك؟)) فذكرت له ذلك. قال: فقال: ((إن جبريل ﵇ قال لي: ألا أبشرك إن الله يقول لك: من صلي عليك صلاة صليت عليه ومن سلم عليك سلمت عليه)) رواه أحمد. ٩٣٨ - وعن عمر بن الخطاب، ﵁، قال: إن الدعاء موقوف بين السماء والأرض، لا يصعد منه شيء حتى تصلي علي نبيك. رواه الترمذي. [٩٣٨] (١٧) باب الدعاء في التشهد الفصل الأول ٩٣٩ - عن عائشة، ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ يدعو في الصلاة، يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح ــ الحديث الخامس والسادس عن عمر بن الخطاب ﵁: قوله: ((تصلي علي نبيك)) يحتمل أن يكون من كلام عمر ﵁. فيكون موقوفاً، وأن يكون ناقلا كلام رسول الله ﷺ فحينئذ فيه تجريد، جرد ﷺ فحينئذ فيه تجريد، جرد ﷺ من نفسه نبياً، وهو هو، وعلي التقديرين الخطاب عام لا يختص بمخاطب دون مخاطب، فالأنسب أن يقال: إن النبي مشتق من النباوة والرفعة، أي لا يرفع الدعاء إلي الله سبحانه وتعالي، حتى يستصحب الرافع معه، يعني أن الصلاة علي النبي هي الوسيلة إلي الإجابة. باب الدعاء في التشهد الفصل الأول الحديث الأول عن عائشة ﵂: قوله: ((المسيح الدجال)) قيل: سمي الدجال مسيحاً لأن إحدى عينيه ممسوحة، فيكون فعيلا بمعنى مفعول، أو لأنه يمسح الأرض، أي يقطعها في أيام معدودة، فيكون بمعنى فاعل. وقوله: ((من فتنة المحيا وفتنة الممات)) [قيل: المحيا مفعل من الحياة، والممات مفعل من الموت]. قال الشيخ أبو نجيب السهروردي: يريد بفتنة المحيا الابتلاء مع زوال الصبر والرضا، والوقوع في الآفات، والإصرار علي الفساد، وترك متابعة طريق

стр. 622

الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم ومن المغرب)). فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم!! فقال: ((إن الرجل إذا غرم: حدث فكذب، ووعد فأخلف)). متفق عليه. ٩٤٠ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر، فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر المسيح الدجال)) رواه مسلم. ٩٤١ - وعن ابن عباس، ﵄، أن النبي ﷺ كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن يقول، ((قولوا: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات)) رواه مسلم. ــ الهدى. وبفتنة الممات سؤال منكر ونكير مع الحيرة، والخوف، وعذاب القبر، وما فيه من الأهوال والشدائد. ((نه)): المأثم الأمر الذي يأثم به الإنسان، أو هو الاسم نفسه وضعاً للمصدر موضع الاسم، والمغرب أيضاً مصدر وضع موضع الاسم، يريد به مغرم الذنوب والمعاصي. وقيل: كالغرم وهو الدين، ويريد به ما استدين فيما يكرهه الله سبحانه وتعالي، أو فيما يجوز ثم عجز، فأما دين حتاج إليه وهو قادر علي أدائه فلا يستعاذ منه. قوله: ((حدث)) ((قض)): ((إذا حدث)) أي أخبر عن ماضي الأحوال لتمهيد معذرته في التقصير ((كذب))، ((وإذا وعد)) أي بما يستقبل ((أخلف)). أقول: لم يرد بإدخال ((إذا)) في ((حدث)) و ((وعد)) أنهما شرطان، و ((كذب)) و ((أخلف)) جزاءان، بل أراد بيان ترتبهما عليهما بحرف التعقيب، فكيف يتصور ذلك؟ وأن الشرط في الحديث غرم، و ((حدث)) جزاء، و ((وعد)) عطف عليه، و ((كذب)) و ((أخلف)) مرتبان علي الجزاء، وما عطف عليه. ((مح)): حاصل أحاديث الباب استحباب التعوذ بين التشهد والتسليم، وقوله في هذا الحديث: ((إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر فليستعذ بالله من أربع)) تصريح باستحبابه في التشهد الآخر، وإشارة إلي أنه لا يستحب في التشهد الأول، ولأنه مبني علي التخفيف. وأما الجمع بين فتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال وعذاب القبر، فهو من باب ذكر الخاص بعد العام، ونظائره كثيرة. قوله: ((كما يعلمهم السورة)) ((مح)): ذهب طاووس إلي وجوبه، وأمر ابنه بإعادة الصلاة حين لم يدع بهذا الدعاء فيها، والجمهور علي أنه مستحب.

стр. 623

٩٤٢ - وعن أبي بكر الصديق، ﵁، قال: قلت: يا رسول الله! علمني دعاء أدعو به في صلاتي. قال: ((قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم)) متفق عليه. ٩٤٣ - وعن عامر بن سعد، عن أبيه، قال: كنت أرى رسول الله ﷺ يسلم عن يمينه وعن يساره حتى أرى بياض خده. رواه مسلم. ٩٤٤ - وعن سمرة بن جندب، قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلي صلاة أقبل علينا بوجهه. رواه البخاري. ٩٤٥ - وعن أنس، قال: كان النبي ﷺ ينصرف عن يمينه. رواه مسلم. ٩٤٦ - وعن عبد الله بن مسعود، قال: لا يجعل أحدكم للشيطان شيئاً من صلاته يرى أن حقاً عليه أن لا ينصرف إلا عن يمينه! لقد رأيت رسول الله ﷺ كثيراً ينصرف عن يساره. متفق عليه. ــ الحديث الثاني، والثالث، والرابع عن أبي بكر: قوله: ((مغفرة)) أي غفراناً، ودل التنكير علي أنه غفران لا يكتنه كنهه، ثم وصفه بقوله: ((من عندك)) مزيداً لذلك التعظيم؛ لأن ما يكون من عند الله ومن لدنه لا يحيط به وصف واصف، كما في قوله تعالي: ﴿وآتيناه من لدنا علما﴾. الحديث الخامس إلي السابع عن أنس: قوله: ((ينصرف عن يمينه)) ((حس)): روي عن علي ﵁ أنه قال: ((إذا كانت حاجته عن يمينه أخذ عن يمينه، وإن كانت عن يساره أخذ عن يساره)) قلت: إذا كان المصلي له حاجة ينصرف إلي جانب حاجته، فإن استوى الجانبان فينصرف إلي أي جانب شاء، واليمين أولي، لما كان النبي ﷺ يحب التيمن، وإن لم يرد الخروج من المسجد فليقبل علي الناس بوجهه من جانب يمينه، والأحاديث الأربعة أعني: حديث عامر بن سعد، وسمرة بن جندب، وأنس، وعبد الله بن مسعود دخيلة في هذا الباب. الحديث الثامن عن ابن مسعود، قوله: ((لا يجعل)) إلي آخره، فيه أن من أصر علي أمر مندوب، وجعله عزماً ولم يعمل بالرخصة فقد أصاب منه الشيطان من الإضلال، فكيف بمن أصر علي بدعة ومنكر؟ وجاء في حديث عبد الله بن مسعود: ((إن الله يحب أن تؤتى رخصته، كما يحب أن تؤتى عزيمته)).

стр. 624

٩٤٧ - وعن البراء، قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ أحببنا أن نكون عن يمينه. يقبل علينا بوجهه. قال: فسمعته يقول: ((رب قني عذابك يوم تبعث- أو تجمع- عبادك)). رواه مسلم. ٩٤٨ - وعن أم سلمة، قالت: إن النساء في عهد رسول الله ﷺ كن إذا سلمن من الكتوبة قمن، وثبت رسول الله ﷺ ومن صلي من الرجال ما شاء الله، فإذا قام رسول الله ﷺ قام الرجل. رواه البخاري. وسنذكر حديث جابر بن سمرة في باب الضحك، إن شاء الله تعالي. الفصل الثاني ٩٤٩ - وعن معاذ بن جبل، قال: أخذ بيدي رسول الله ﷺ فقال: ((إني ــ الحديث التاسع إلي الحادي عشر ظاهر. الفصل الثاني الحديث الأول عن معاذ: قوله: ((أعني علي ذكرك)) قريب من معنى حديث ربيعة بن كعب في باب السجود، حين سأل مرافقته ﷺ فقال: ((أعني علي نفسك بكثرة السجود))، حيث علق المحبة به بملازمة الذكر، والمرافقة بكثرة السجود، والذي يقوله في هذا المقام: إن الذكورات الثلاثة مطلوبات غايات، والمطلوب هو البدايات المؤدية إليها، فذكر الغايات تنبيه علي أنها هي المطالب الأولية، وإن كانت نهايات، وتلك وسائل إليها. فقوله: ((أعني علي ذكرك)) المطلوب منه شرح الصدر، وتيسير الأمر، وإطلاق اللسان، وأن يلهمه ويرشده إلي كيفيته، وإليه لمح قول الكليم ﵇: ﴿رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري- إلي قوله- كي نسبحك كثيراً ونذكرك كثيراً﴾. وقوله: ((وشكرك)) المطلوب منه توالي النعم المستجلبة لتوالي الشكر، وإنما طلب المعاونة عليه لأنه عسير جداً، ولذلك قال الله تعالي: ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾. وقيل: الشاكر من يرى عجزه عن الشكر وأنشد: إذا كان شكري نعمة الله نعمة علي له في مثلها يجب الشكر فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله وإن طالت الأيام واتسع العمر

стр. 625

لأحبك يا معاذ!)) فقلت: وأنا أحبك يا رسول الله! قال: ((فلا تدع أن تقول في دبر كل صلاة: رب أعني علي ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)) رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي؛ إلا أن أبا داود لم يذكر: قال معاذ: وأنا أحبك. [٩٤٩] ٩٥٠ - وعن عبد الله بن مسعود، قال: إن رسول الله ﷺ كان يسلم عن يمينه: ((السلام عليكم ورحمة الله))، حتى يرى بياض خده الأيمن، وعن يساره ((السلام عليكم ورحمة الله)) حتى يرى بياض خده الأيسر. رواه أبو داود، والنسائي، والترمذي، ولم يذكر الترمذي: حتى يرى بياض خده. [٥٩٠] ٩٥١ - ورواه ابن ماجه، عن عمار بن ياسر. ٩٥٢ - عن عبد الله بن مسعود، قال: كان أكثر انصراف النبي ﷺ من صلاته إلي شقه الأيسر إلي حجرته. رواه في ((شرح السنة)). [٩٥٢] ــ وقوله: ((وحسن عبادتك)) المطلوب منه التجرد عما يشغله عن عبادة الله، ويلهيه عن ذكر الله سبحانه وتعالي وعن عبادته؛ ليتفرغ لمناجاة الله ومناغاته، وكما أشار إليه رسول الله ﷺ : ((وقرة عيني في الصلاة)) و ((أرحنا يا بلال))!، وأخبر عن هذا المقام بقوله: ((الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه))، ثم إذا نظرت إلي القرائن الثلاث وجدتها مرتبة علي البدايات، والأحوال والمقامات، وحق لذلك أن يقول المرشد للطالب عند المصافحة، إني أحبك فقل. الحديث الثاني عن عبد الله بن مسعود ﵁: قوله: ((يسلم عن يمينه)) أي متجاوزاً نظره عن يمينه، كما يسلم أحد علي من في يمينه. و ((السلام عليكم)) إما حال مؤكدة، أي يسلم قائلاً: السلام عليكم، كقوله سبحانه وتعالي: ﴿ثم وليتم مدبرين﴾ أو جملة استئنافية، بياناً علي تقدير ماذا كان يقول؟ فأجيب بقوله: السلام عليكم. الحديث الثالث والرابع عن المغيرة: قوله: ((حتى يتحول)) ((قض)): نهي عن ذلك لئلا يتوهم أنه بعد في المكتوبة، و ((حتى يتحول)) جاءت للتأكيد، فإن قوله: ((لا يصلي في موضع صلي فيه)) أفاد ما أفاده. ((مظ)): نهي عن ذلك ليشهد له الموضعان بالطاعة يوم القيامة، ولذلك يستحب تكثير العبادة في مواضع مختلفة.

стр. 626

٩٥٣ - وعن عطاء الخراسإني، عن المغيرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يصلي الإمام في الموضع الذي صلي فيه حتى يتحول)) رواه أبو داود وقال: عطاء الخراسإني لم يدرك المغيرة. [٩٥٣] ٩٥٤ - وعن أنس: أن النبي ﷺ حضهم علي الصلاة، ونهاهم أن ينصرفوا قبل انصرافه من الصلاة. رواه أبو داود. [٩٥٤] الفصل الثالث ٩٥٥ - وعن شداد بن أوس، قال: كان رسول الله ﷺ يقول في صلاته: ((اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة علي الرشد، وأسألك شكر نعمتك، وحسن عبادتك، وأسألك قلباً سليماً، ولساناً صادقاً، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم)) رواه النسائي. وروى أحمد نحوه. [٩٥٥] ــ قوله: ((عطاء الخرسإني لم يدرك المغيرة)) بيان لضعف الحديث. ((خحس)): قال محمد بن إسماعيل البخاري ولم يذكر عن أبي هريرة ﵁ رفعه ((لا يتطوع الإمام في مكانه)): ولم يصح، وكان ابن عمر يصلي في مكانه الذي صلي فيه الفريضة، وفعله القاسم- أي محمد بن أبي بكر أحد الفقهاء السبعة. الحديث الخامس عن أنس: قوله: ((حضهم)) ((نه)): الحض الحث علي الشيء، يقال: حضه وحضضه، والاسم الحضيضة- بالكسر والتشديد. الفصل الثالث الحديث الأول عن شداد: قوله: ((والعزيمة علي الرشد)) ((غب)): العزم والعزيمة عقد القلب علي إمضاء الأمر، يقال: عزمته، وعزمت عليه، واعتزمت. فإن قلت: من حق الظاهر أن يقدم العزيمة علي الثبات؛ لأن قصد القلب مقدم علي الفعل والثبات عليه. قلت: تقديمه إشارة إلي أنه

стр. 627

٩٥٦ - وعن جابر، قال: كان رسول الله ﷺ يقول في صلاته بعد التشهد: ((أحسن الكلام كلام الله، وأحسن الهدي هدي محمد)) رواه النسائي. [٩٥٦] ٩٥٧ - وعن عائشة، ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ يسلم في ــ هو المقصود بالذات؛ لأن الغايات مقدمة في الرتبة وإن كانت مؤخرة في الوجود؛ لقوله تعالي: ﴿الرحمن علم القرآن خلق الإنسان﴾ قدم تعليم القرآن علي خلق الإنسان تنبيهاً علي هذا المعنى. قوله: ((قلباً سليماً)) المعنى به الخالي عن العقائد الفاسدة والميل إلي شهوات العاجلة ولذاتها، ويتبع ذلك الأعمال الصالحات؛ إذ من علامة سلامة القلب [تأثيرها إلي الجوارح]، قاله الإمام، كما أن صحة البدن عبارة عن حصول ما ينبغي من استقامة المزاج، والتركيب والإيصال، ومرضه عبارة عن زوال إحدى تلك الأمور- كذلك سلامة القلب عبارة عن حصول ما ينبغي له- وهو العلم والخلق الفاضل- ومرضه عبارة عن زوال أحدهما. قوله: ((لساناً صادقاً)) إسناد ((صادقاً)) إلي اللسان مجازي؛ لأن الصدق من صفة صاحبه، فأسند إلي الآلة مبالغة، كما أسند وضع الأوزار إلي الحرب في قوله تعالي: ﴿حتى تضع الحرب أوزارها﴾، وهو للمحارب. ويجوز أن يكون استعارة مكنية، بأن شبه اللسان بمن ينطق بالصدق لكثرة صدوره عنه، ثم أدخل اللسان علي سبيل الادعاء مبالغة في جنس المشبه به، وخيل أنه هو، ثم أثبت للمستعار ما يلازم المشبه به من الصدق ونسب إليه، ليكون قرينة مانعة من إرادة الحقيقة. وقوله: ((وأسألك من خير ما تعلم)) ((ما)) موصولة، أو موصوفة، والعائد محذوف، وفي إضافة الخير والشر إليه إيماء إلي قوله تعالي: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم﴾ الآية. و ((من)) يجوز أن تكون زائدة علي مذهب من يزيدها في الإثبات، أو بيإنية، والمبين محذوف، أي أسألك شيئاً هو خير ما تعلم، أو تبعيضية، سأله إظهاراً لهضم النفس، وأنه لا يستحق من الخير، وعليه قراءة من قرأ: ﴿اهدنا صراطاً مستقيماً﴾ علي أن التنكير للتقليل، كذا فسره ابن جني في المحتسب. ومنه قول عباس بن الأحنف.

стр. 628

الصلاة تسليمة تلقاء وجهه، ثم يميل إلي الشق الأيمن شيئاً. رواه الترمذي. [٩٥٧] ٩٥٨ - وعن سمرة، قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نرد علي الإمام، ونتحاب، وأن يسلم بعضنا علي بعض. رواه أبو داود. [٩٥٨] (١٨) باب الذكر بعد الصلاة الفصل الأول ٩٥٩ - عن ابن عباس، ﵄، قال: كنت أعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ بالتكبير. متفق عليه. ــ وإني ليرضيني قليل نوالكم وإن كنت لا أرضي لكم بقليل بحرمة ما قد كان بيني وبينكم من الود إلا عدثم بجميل الحديث الثاني والثالث والرابع عن سمرة: قوله: ((أن نرد علي الإمام)) قيل: ((الرد)) رد المأموم علي الإمام سلامة أي يقول ما قاله، وهو مذهب مالك، يسلم المأموم ثلاث تسليمات: تسليمة يخرج بها من الصلاة تلقاء وجهه ويتيامن يسيرا، وتسليمة علي الإمام. وتسليمة علي من كان علي يساره. قوله: ((ونتحاب)) تفاعل من المحبة. وقوله: ((أن يسلم بعضنا علي بعض)) من عطف الخاص علي العام؛ لأن التحاب أشمل معنى من التسليم، ليؤذن بأنه فتح باب المحبة ومقدمتها. باب الذكر بعد الصلاة الفصل الأول الحديث الأول عن ابن عباس: قوله: ((كنت أعرف)) ((شف)): يعين كان يكبر الله في الذكر المعتاد بعد الصلاة، فأعرف انقضاء صلاته به. وأقول: هذا إنما يستقيم إذا كان ابن عباس بعيداً من رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ يخفض صوته إلا في هذه التكبيرة. ويحتمل أن يراد كنت أعرف انقضاء كل هيئة يتحول منها إلي أخرى بتكبيرة أسمعها من رسول الله ﷺ ، لكن هذا التأويل يخالف الباب.

стр. 629

٩٦٠ - وعن عائشة، ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: ((اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام)). ٩٦١ - وعن ثوبان، ﵁، قال: كان رسول الله إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً، وقال: ((اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت ياذا الجلال والإكرام)). رواه مسلم. ٩٦٢ - وعن المغيرة بن شعبة، أن النبي ﷺ كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو علي كل ــ الحديث الثاني عن عائشة ﵂: قوله: ((لم يقعد)) ((قض)): إنما ذلك في صلاة بعدها راتبة، أما التي لا راتبة بعدها كصلاة الصبح فلا؛ إذ روي أنه ﵊ كان يقعد بعد الصبح علي مصلاه حتى تطلع الشمس. ودل حديث أنس ﵁ علي استحباب الذكر وفضله بعد صلاة الصبح، وبعد العصر إلي الطلوع والغروب. الحديث الثالث عن ثوبان: قوله: ((أنت السلام)) ((تو)): أي أنت السلام من المعائب، والحوادث، والتغير، والآفات ((ومنك السلام)) أي منك يرجى، ويستوهب، ويستفاد. ((وإليك يرجع السلام)) أي السلام منك بدؤه، وإليك عوده، في حالتي الإيجاد والإعدام. وأرى قوله ((منك السلام، وإليك يرجع السلام)) واردا مورد البيان لقوله: ((أنت السلام)) وذلك الموصوف بالسلامة فيما يتعارفه الناس لما كان هو الذي وجد تعترضه آفة ممن يصيبه بضرر، وهذا مما لا يتصور في صفات الله- بين أن وصفه سبحانه بالسلام لا يشبه أوصاف المخلوقين فإنهم بصدد الافتقار، وهو المتعالي عن ذلك، فهو السلام الذي يعطي السلامة ويمنعها، ويبسطها ويقبضها، لا تبدأ إلا منه، ولا تعود إلا إليه. وأقول: قد حققنا القول في هذه الكلمات الثلاث في التحيات علي ما يقتضيه علم المعإني من الخواص، لكن ما قدرنا المضاف في قوله: ((وإليه يرجع))؛ ليفيد أن مبدأ السلام منه، ومرجعه إليه، فإذا قدر المضاف بأن يقال: إلي رضاه يرجع السلام، يرجع بمعنى القصر إلي أن السلام مقصور علي رضاه لا إلي رضا الغير، فيبعد المتناول، وهذه القرينة الأخيرة أعني: ((وإليك يرجع السلام)) ما وجدناها في الروايات. الحديث الرابع عن المغيرة: قوله: ((في دبر كل صلاة)) مضى شرحه في الحديث العاشر من الفصل الأول من باب الركوع.

стр. 630

شيء قدير اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد)) متفق عليه. ٩٦٣ - وعن عبد الله بن الزبير، قال: كان رسول الله ﷺ إذا سلم من صلاته يقول بصوته الأعلي: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو علي كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله، مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون)). رواه مسلم. ٩٦٤ - وعن سعد أنه كان يعلم بنيه هؤلاء الكلمات، ويقول: إن رسول الله ﷺ كان يتعوذ بهن دبر الصلاة: ((اللهم إني أعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وعذاب القبر)). رواه البخاري. ٩٦٥ - وعن أبي هريرة، قال، إن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: قد ذهب أهل الدثور بالدرجات العلي والنعيم المقيم. فقال: ((وما ذاك؟)) قالوا: ــ الحديث الخامس عن عبد الله بن الزبير: قوله: ((مخلصين)) هو حال عامله محذوف، وهو الدال علي مفعول ((كره))، أي نقول: لا إله إلا الله حال كوننا مخلصين له الدين ولو كره الكافرون قولنا، كقوله تعالي: ﴿وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة﴾ قوله: ((الدين)) مفعول به لـ ((مخلصين))، و ((له)) ظرف له، قدم الاهتمام. الحديث السادس عن سعد: قوله: ((أعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك من البخل)) اعلم أن الجود إما بالنفس، وإما بالمال، ويسمى الأول شجاعة ويقابلها الجبن، والثاني سخاوة، ويقابلها البخل، ولا تجتمع الشجاعة والسخاوة إلا في نفس كاملة، ولا ينعدمان إلا من متناه في النقص. قوله: ((من أرذل العمر)) ((نه)): أي آخر في حال الكبر والعجز والخوف، والأرذل من كل شيء الرديء منه. أقول: المطلوب عند المحققين من العمر التفكير في آلاء الله تعالي ونعمائه من خلق الموجودات [فيقيموا] بواجب الشكر بالقلب والجوارح، والخرف الفاقد لهما، فهو كالشيء الردي الذي لا ينتفع به، فينبغي أن يستعاذ منه.

стр. 631

يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقدون ولا نعتق. فقال رسول الله ﷺ : ((أفلا أعلمكم شيئاً تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منك، إلا من صنع مثل ما صنعتم؟)) قالوا: بلي يا رسول الله! قال: ((تسبحون، وتكبرون، وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين مرة)). قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلي رسول الله ﷺ فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا، ففعلوا مثله. فقال رسول الله ﷺ : ((ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء)). متفق عليه. وليس قول أبي صالح إلي آخره إلا عند مسلم. وفي رواية للبخاري: ((تسبحون في دبر كل صلاة عشراً، وتحمدون عشراً، وتكبرون عشراً)) بدل: ((ثلاثاً وثلاثين)). ٩٦٦ - وعن كعب بن عجرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((معقبات لا يخيب قائلهن- أو فاعلهن- دبر كل صلاة مكتوبة، ثلاث وثلاثون تسبيحة، وثلاث وثلاثون تحميدة، وأربع وثلاثون تكبيرة)). رواه مسلم. ــ الحديث السابع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((الدثور)) جمع دثر- بالسكون- وهو المال الكثير، والباء في ((بالدرجات)) بمعنى المصاحبة، وهو أولي وأوقع في هذا المقام من الهمزة المتضمنة لمعنى الإزالة، يعني ذهب أهل الدثور بالدرجات العلي، واستصحبوها معهم في الدنيا والآخرة، ومضوا بها، ولم يتركوا لنا شيئاً منها، فما حالنا يا رسول الله؟ ولو قيل: أذهب أهل الدثور الدرجات، أي أزالوها، لم يكن بذلك. هذا مذهب المبرد، وصاحب الكشاف نص في قوله تعالي: ﴿ذهب الله بنورهم﴾ علي هذا المعنى، ولم يقف علي سر المعإني من النحاة تكلم عليه، وقد أجبنا عن ذلك في فتوح الغيب مستقصى. وهذا الحديث من أقوى الدليل علي ما قصدناه. الحديث الثامن: قوله: ((النعيم المقيم)) وصفه بـ ((المقيم)) تعريضاً بالنعيم العاجل، فإنه قلما يصفو، وإن صفا فهو في وشك الزوال، وسرعة الانتقال. فإن قلت: ما معنى الأفضلية في قوله: ((لا يكون أحد أفضل منكم)) مع قوله: ((إلا من صنع مثل ما صنعتم))، فإن الإفضلية تقتضي الزيادة، والمثلية المساواة؟ قلت: هو من باب قوله: وبلدة ليس بها إنيس إلا اليعافير وإلا العيس يعني إن قدر أن المثلية تقتضي الأفضلية فتحصل الأفضلية، وقد علم أنها تقتضيها، فإذا لا يكون أحد أفضل منك. وهذا علي مذهب التميمي. ويحتمل أن يكون المعنى ليس أحد أفضل

стр. 632

٩٦٧ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وحمد الله ثلاثاً وثلاثين، وكبر الله ثلاثا وثلاثين، فتلك تسعة ــ منكم إلا هؤلاء؛ فإنهم يساوونكم، وأن يكون المعنى بأحد الأغنياء، أي ليس أحد منهم أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم. قوله: ((ثلاثاً وثلاثين مرة)) يحتمل أن يكون المجموع هذا المقدار، وأن يكون كل واحد منها يبلغ هذا العدد. ((مح)): وذكر هذه الحالات من طرق من [غير أبي صالح]، وظاهرها أنه يسبح ثلاثاً وثلاثين مستقلة، والحمد كذلك، وأما قول سهل: ((إحدى عشرة إحدى عشرة)) فلا ينافي رواية الأكثرين: ((ثلاثاً وثلاثين)) بل معهم زيادة، فيجب قبولها. قوله: ((أهل الأموال)) بدل من ((إخواننا)) وفائدة البدل الإشعار بأن ذلك منهم غبطة لا حسداً، أو ضمن ((سمع)) معنى الإخبار، وعدى بالباء. وفي قوله تعالي: ﴿ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء﴾ إشارة إلي أن الغني الشاكر أفضل بكثيرة من الفقير الصابر، نعم! لكن لا يخلو من أنواع الخطر، والفقير الصابر آمن منه. الحديث الثامن عن كعب: قوله: ((معقبات)) ((تو)): أي كلمات الله التي يأتي بعضها بعقب بعض، والمعقبات اللواتي يقمن عند أعجاز المعتركات علي الحوض، فإذا انصرفت ناقة دخلت مكانها أخرى، وهي الناظرات للعقب، فكذلك هذه التسبيحات كلما مرت كلمة نابت مكانها أخرى. قوله: ((لا يخيب قائلهن)) ((نه)): الخيبة الحرمان والخسران، ((قض)): قد يقال للقائل: فاعلا؛ لأن القول فعل من الأفعال. أقول لا يستعمل الفعل مكان القول إلا إذا صار القول مستمراً ثابتاً راسخاً رسوخ الفعل، كما قال الله سبحانه وتعالي ﴿والذي جاء بالصدق وصدق به﴾ أي تكلم بالصدق، وصدقه بتحري العمل به. وقوله: ((معقبات)) يحتمل أن يكون صفة مبتدأ أقيمت مقام الموصوف، أي كلمات معقبات، و ((لا يخيب)) خبره، و ((دبر)) ظرف، يجوز أن يكون خبراً بعد خبر، وأن يكون متعلقاً بـ ((قائلهن لا يخيب))، ويحتمل أن يكون ((لا يخيب قائلهن)) صفة ((معقبات))، و ((دبر)) صفة أخرى، أو خبر آخر متعلقاً بـ ((قائلهن)) و ((ثلاث وثلاثون)) خبراً آخر. ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي هن ثلاث وثلاثون، والجملة بياناً. الحديث التاسع عن أبي هريرة ﵁: قوله: ((فتلك تسعة وتسعون)) بعد الأعداد

стр. 633

وتسعون، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو علي كل شيء قدير؛ غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر)). رواه مسلم. الفصل الثاني ٩٦٨ - عن أبي أمامة، قال: قيل: يا رسول الله! أي الدعاء أسمع، قال: ((جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات)). [٩٦٨] ٩٦٩ - وعن عقبة بن عامر، قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ بالمعوذات في دبر كل صلاة. رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والبيهقي في: ((الدعوات الكبير)). [٩٦٩] ٩٧٠ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لأن أقعد مع قوم يذكرون الله ــ المذكورة نظير قوله تعالي: ﴿تلك عشرة كاملة﴾ بعد ذكر ((ثلاثة وسبعة)). ((الكشاف)): فائدة الفذلكة في كل حساب أن يعلم العدد جملة كما علم تفصيلاً ليحاط به من جهتين، فيتأكد العلم، وفي أمثال العرب: علمان خير من علم. الفصل الثاني الحديث الأول عن أبي أمامة: قوله: ((جوف الليل)) إنما يستقيم جواباً إذا أضمر في السؤال اسم الزمان، كما فعله صاحب النهاية، حيث قال: أي الساعات أسمع؟ قال: جوف الليل الآخر، أي أوفق لاستماع الدعاء فيه، وأولي بالاستجابة، وهو من باب: نهاره صائم، ليله قائم. أو يضمر في الجواب الدعاء، كما صنع التوربشتي، قال: قوله: ((أي الدعاء أسمع؟)) معناه أي الدعاء أقرب إلي الإجابة، أو أسرع إجابة. وقوله ﷺ : ((جوف الليل)) تقديره: دعاء جوف الليل الآخر، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه مرفوعا. وروى: ((جوف الليل)) بالنصب علي الظرف، أي الدعاء في جوف الليل، ويجوز فيه الجر علي مذهب من يرى حذف المضاف وترك المضاف إليه علي إعرابه. وأما ((الآخر)) ففي الأحوال الثلاث يتبع ((جوف)) في إعرابه. الحديث الثاني عن عقبة: قوله: ((بالمعوذات)) في سنن أبي داود والنسائي والبيهقي، وفي رواية المصابيح: ((بالمعوذتين))، فعلي الأول إما أن نذهب إلي أن أقل الجمع اثنان، وإما أن تدخل سورة الإخلاص أو الكافرون في المعوذتين، إما تغليباً، أو لأن في كلتيهما براءة من الشرك، والتجاء إلي الله سبحانه وتعالي من التبري عنه، والتعوذ به منه. الحديث الثالث عن أنس: قوله: ((أن أعتق رقبة)) ((تو)): معرفة وجه تخصيص الأربعة يقيناً لا

стр. 634

من صلاة الغداة حتى تطلع الشمس، أحب إلي من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل، ولأن أقعد مع قوم يذكرون الله من صلاة العصر إلي أن تغرب الشمس؛ أحب إلي من أن أعتق أربعة)). رواه أبو داود. [٩٧٠] ٩٧١ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من صلي الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلي ركعتين؛ كانت له كأجر حجة وعمرة)). قال: قال رسول الله ﷺ : ((تامة، تامة، تامة)). رواه الترمذي. [٩٧١] الفصل الثالث ٩٧٢ - عن الأزرق بن قيس، قال: صلي بنا إمام لنا يكني أبارمثة، قال: صليت ــ يؤخذ تلقيه إلا من قبل الرسول ﷺ ، وعلينا التسليم عرفنا ذلك أو لم نعرف، ويحتمل أن يكون وجه التخصيص إنما وقع علي الأربعة لانقسام العمل الموعود عليه علي أربعة: ذكر الله تعالي، والقعود له، والاجتماع عليه، وحبس النفس حين يصلي إلي أن تطلع الشمس، أو تغرب. وأما تخصيص ولد إسماعيل بالذكر فلكونهم أفضل أصناف الأمم، فإن العرب أفضل الأمم قدراً ووجاهة، ووفاءاً وسماحة، وحسباً وشجاعة، وفهما وفصاحة، وعفة ونزاهة. ثم أولاد إسماعيل أفضل العرب بمكان النبي ﷺ . وإنما نكر ((أربعة)) وأعادها؛ ليدل علي أن الثاني غير الأول، فلو عرف لاتحدا، نحو قوله تعالي: ﴿غدوها شهر ورواحها شهر﴾. الحديث الرابع عن أنس ﵁: قوله: ((ثم صلي ركعتين)) ((مظ)): ي صلي بعد أن تطلع الشمس قدر رمح حتى يخرج وقت الكراهية، وهذه الصلاة تسمى صلاة الإشراق، وهي أول صلاة الضحى. قوله: ((كأجر حجة)) قد ذكرنا تحقيق أمثال هذا التشبيه في الحديث الثاني عشر من الفصل الثاني من باب المساجد أنه من باب إلحاق الناقص بالكامل مبالغة ترغيباً للعامل، أو شبه استيفاء أجر المصلي تاماً بالنسبة إليه باستيفاء أجر الحاج تاماً بالنسبة إليه، وأما وصف الحجة والعمرة بالتام فإشارة إلي المبالغة. الفصل الثالث الحديث الأول عن الأزرق: قوله: ((كانفتال أبي رمثة)) أي انفتالي، جرد عن نفسه أبا رمثة، ووضعه موضع ضميرة مزيداً للبيان، واستحضاراً لتلك الحالة في مشاهدة السامع.

стр. 635

هذه الصلاة، أو مثل هذه الصلاة مع رسول الله ﷺ ، قال: وكان أبو بكر وعمر يقومان في الصف المقدم عن يمينه، وكان رجل قد شهد التكبيرة الأولي من الصلاة، فصلي نبي الله ﷺ ، ثم سلم عن يمينه وعن يساره، حتى رأينا بياض خديه، ثم انفتل كانفتال أبي رمثة- يعني نفسه- فقام الرجل الذي أدرك معه التكبيرة الأولي من الصلاة يشفع، فوثب إليه عمر، فأخذ بمنكبيه، فهزه، ثم قال: اجلس، فإنه لم يهلك أهل الكتاب إلا أنه لم يكن بين صلاتهم فصل. فرفع النبي ﷺ بصره، فقال: ((أصاب الله بك يا بن الخطاب!)). رواه أبو داود [٩٧٢] ٩٧٣ - وعن زيد ابن ثابت، قال: أمرنا أن نسبح في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، ونحمد ثلاثاً وثلاثين، ونكبر أربعاً وثلاثين، فأتي رجل في المنام من ــ قوله: ((شفع)) الشفع ضم الشيء إلي مثله، يعني قام الرجل يشفع الصلاة بصلاة أخرى، وأما فائدة ذكر ((قد شهد التكبيرة الأولي)) فللتنبيه علي أنه لم يكن مسبوقاً يقوم للإتمام. ويحتمل أن يراد بعدم الفصل ترك الذكر بعد السلام، والضمير في ((فإنه)) و ((أنه)) للشأن، واللام في الثاني مقدر، والمستثنى منه أعم عام التعليل. وقوله: ((أصاب الله بك)) من باب القلب، أي أصبت الرشد فيما فعلت بتوفيق الله سبحانه وتعالي وتسديده. وجاز أن يروى أصاب الله رأيك. والأول هو الرواية في سنن أبي داود، وجامع الأصول، ونظيره قولهم: عرضت الناقة علي الحوض، أي عرضت الحوض علي الناقة، وهو باب واسع في البلاغة. قوله: ((لن يهلك أهل الكتاب)) بالنصب مفعول، وفاعله بعد إلا، أي لن يهلكهم شيء إلا عدم الفصل بين الصلاتين، ((ولن)) استعمل في الماضي معنى ليدل علي استمرار هلاكهم في جميع الأزمنة، واستعمل ((هلك)) بمعنى أهلك. ((الجوهري)): يقول: هلكه يهلكه هلكا بمعنى أهلكه. الحديث الثاني عن زيد: قوله: ((فأتى رجل)) لعل هذا الآتي في المنام من قبيل الإلهام نحو من كان يأتي لتعليم رسول الله ﷺ في المنام، ولذلك قرره رسول الله بقوله: ((فافعلوا)) وهذه الصلاة أجمع من تلك لاشتمالها علي التسبيح، والتمجيد، والتكبير، والتهليل، والعدد. والفاء في قوله: ((فاجعلوها)) للتسبيب، مقررة من وجه ومفسرة من وجه، أي إذا كانت التسبيحات هذه والعدد مائة فقرروا العدد وأدخلوا التهليل فيها كما قبل العمل بها.
следующие страницы →