Полный текст (3 308 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
الأعلى)). ثم رفع رأسه من السجود، وكان يقعد فيما بين السجدتين نحواً من سجوده، وكان يقول: ((رب اغفر لي، رب اغفر لي)). فصلي أربع ركعات قرأ فيهن (البقرة) و (آل عمران) و (النساء) و (المائدة) أو (الأنعام)، شك شعبة. رواه أبو داود. [١٢٠٠]
١٢٠١ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين)). رواه أبو داود. [١٢٠١]
ــ
هو العالي فوق خلقه. وقوله: ((من قيامه)) بيان لـ ((نحواً)) أي مثلاً. اعلم أن بعض أفعال هذا الحديث وارد علي الماضي، وهي ظاهرة، وبعضها علي المضارع حكاية للحال الماضية استحضاراً لها في ذهن السامع.
الحديث الثاني عن عبد الله بن عمرو بن العاص: قوله: ((من قام بعشر آيات)) أي أخذها بقوة وعزم من غير فتور، ولا توان، من قولهم: قام بالأمر، وقامت الحرب علي ساقها. فيكون كناية عن حفظها، والدوام علي قراءتها، والتفكر في معإنيها، والعمل بمقتضاها. وإليه الإشارة بقوله: ((لم يكتب من الغافلين)) أي لم يثبت اسمه في الصحيفة في زمرة الغافلين.
فإن قلت: بين لي التفاوت بين المراتب الثلاث. قلت: الأولي مشعرة: بأن صاحب عشر آيات إذا قام بها خرج من زمرة الغفلة من العامة، ودخل في زمرة ﴿رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله﴾. وصاحب مائة داخل في جملة من قيل في حقهم: ﴿وكانت من القانتين﴾، ﴿أمة قانتاً لله حنيفاً﴾ أي من الذين قاموا بأمر، ولزموا طاعته، وخضعوا له. وأعلاها صاحب ألف؛ لأنه داخل في غمار عمال الله في أرضه، الذين بلغوا في حيازة المثوبات مبلغ المقنطرين في حيازة الأموال، ولا ارتياب أن القيام بقراءة القرآن في كل آوان لها مزايا وفضائل. وأعلاها: أن يكون في الصلاة، لاسيما إذا أنشأت بالليل ﴿إن ناشيءة الليل هي أشد وطئاً وأقوم قيلا﴾. ومن ثم أورد محيي السنة الحديث في باب صلاة الليل. وقوله: ((من المقنطرين)) قال أبو عبيدة: لا نجد العرب تعرف وزن القنطار، وما نقل عن العرب المقدار
стр. 737
١٢٠٢ - وعن أبي هريرة، قال: كانت قراءة النبي ﷺ بالليل، يرفع طوراً ويخفض طوراً. رواه أبو داود. [١٢٠٢]
١٢٠٣ - وعن ابن عباس، قال: كانت قراءة النبي ﷺ علي قدر ما يسمعه من في الحرجة وهو في البيت. رواه أبو داود. [١٢٠٣]
١٢٠٤ - وعن أبي قتادة، قال: إن رسول الله ﷺ خرج ليلة فإذا هو بأبي بكر يصلي يخفض من صوته، ومر بعمر وهو يصلي رافعاً صوته، قال: فلما اجتمعا عند
ــ
المعول عليه. قيل: أربعة آلاف دينار، فإذا قالوا: قناطير مقنطرة، فهي اثنا عشر ألف دينار. وقيل: القنطار ملاء جلد الثور ذهباً. وقيل: هي حملة كثيرة مجهولة من المال.
الحديث الثالث عن أبي هريرة: قوله: ((يرفع طوراً)) خبر ((كان)) والعائد محذوف، أي يرفع رسول الله ﷺ فيها طوراً صوته، نحو قوله: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن﴾ أي يتربصن بعدهم، وإن روى مجهولاً كان ظاهراً.
قوله: ((طوراً)) ((نه)): الطور: الحالة، وأنشد:
فإن ذا الدهر أطوار دهارير
الأطوار: الحالات المختلفة، والنازلات، وأحدها طور، أي مرة هلك ومرة ملك، ومرة بؤس ومرة نعم.
الحديث الرابع والخامس عن أبي قتادة: قوله: ((يخفض)) حال من الضمير في ((يصلي)) و ((يصلي)) حال من الضمير المستقر في الخبر، أي فإذا هو مار بأبي بكر، يدل عليه عطف قوله ((ومر بعمر)): ونظيره قوله تعالي: ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا﴾ أي وابتغ بين الجهر والمخافتة سبيلاً وسطاً، فإن خير الأمور أوساطها، كأنه قيل للصديق ﵁: انزل من مناجاة ربك شيئاً قليلاً، واجعل للخلق من قراءتك نصيباً، وللفاروق ﵁: ارتفع من الخلق هوناً، واجعل لنفسك من مناجاة ربك نصيباً. قوله: ((الوسنان)) ((نه)): هو النائم الذي ليس بمستغرق في نومه. والوسن: أول النوم، وكذا السنة و ((الهاء)) فيه عوض من الواو المحذوف.
стр. 738
النبي ﷺ قال: ((يا أبا بكر! مررت بك وأنت تصلي تخفض صوتك)). قال: قد أسمعت من ناجيت يا رسول الله! وقال لعمر: ((مررت بك وأنت تصلي رافعاً صوتك)). فقال: يا رسول الله! أوقظ الوسنان، وأطرد الشيطان فقال النبي ﷺ : ((يا أبا بكر! ارفع من صوتك شيئاً))، وقال لعمر: ((اخفض من صوتك شيئاً)). رواه أبو داود، وروى الترمذي نحوه. [١٢٠٤]
١٢٠٥ - وعن أبي ذر، قال: قام رسول الله ﷺ حتى أصبح بآية، والآية: ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾. رواه النسائي، وابن ماجه.
١٢٠٦ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا صلي أحدكم ركعتي الفجر، فليضطجع علي يمينه)). رواه الترمذي، وأبو داود. [١٤٠٦]
ــ
الحديث السادس عن أبي ذر. قوله: ((أصبح بآية)) متعلق بـ ((قام)) كما مر. المعنى: أخذ يقرأ هذه الآية من لدن قيامه ويواظب عليها ويتفكر في معإنيها مرة بعد أخرى، حتى أصبح. وما ذلك إلا لما اشتملت علي قدرة كاملة، وعزة قاهرة، وحكمة بالغة. وذلك أن المسيح ﵇ لما رأي من قومه اتخاذهم إياه وأمه إلهين من دون الله، ونسبة الولد والزوجة إليه- تعالي عن ذلك علواً كبيراً التي ﴿تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا﴾ تفكر أن هؤلاء لا يستحقون إلا العذاب، وما ينقذهم من النار أحد، ولا يتصور فيهم الغفران. ثم تأمل في جلال الله وعزته، وكبريائه وعظمته، وعلمه وحكمته، فقال ما قال، أي لا يغفر لمن يستحق العذاب إلا العزيز القاهر الذي ليس فوقه أحد يرد عليه حكمه، وإلا الحكيم الخبير الذي يعلم ما يخفي علي غيره ولا يحوم حوله فهم العقلاء، ولا يدرك كنهه درك الألباء. وفيه سر آخر: وهو أنه تعالي لما ذكر العذاب، علله بوصف العباد، وأنهم مملوكون، وهو مالكهم يتصرف في ملكه كيف شاء، لا ظلم ثمة، ولا جور. ولما ذكر الغفران: علله بوصف نفسه من العزة والغلبة، والعلم، والحكمة. فهما كالعلة لنفي الجور والظلم، يعني أنه وإن تصرف في ملكه كيف يشاء، لكن ذلك عن حكمة بالغة وإن خفي عن الخلق، كما عليه مذهب أهل السنة والجماعة والله أعلم.
стр. 739
الفصل الثالث
١٢٠٧ - عن مسروق، قال: سألت عائشة: أي العمل كان أحب إلي رسول الله ﷺ ؟ قالت: الدائم. قلت: فأي حين كان يقوم من الليل؟ قالت: كان يقوم إذا سمع الصارخ. متفق عليه.
١٢٠٨ - وعن أنس، قال: ما كنا نشاء أن نرى رسول الله ﷺ في الليل مصلياً إلا رأيناه، ولا نشاء أن نراه نائماً إلا رأيناه. رواه النسائي. [١٢٠٨]
١٢٠٩ - وعن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، قال: إن رجلاً من أصحاب النبي ﷺ قال: قلت وأنا في سفر مع رسول الله ﷺ : والله لأرقبن رسول الله ﷺ للصلاة حتى أرى فعله، فلما صلي صلاة العشاء، وهي العتمة، اضطجع هوياً من الليل، ثم استيقظ فنظر في الأفق، فقال: (ربنا ما خلقت هذا باطلاً) حتى بلغ
ــ
الحديث السابع: عن أبي هريرة: قوله: ((ركعتي الفجر)) هما الركعتان قبل الفرض، يشهد له حديث عائشة ﵂: ((فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر، وتبين له الفجر، قام فركع ركعتين خفيفتين ثم اضطجع علي شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة فيخرج)).
الفصل الثالث
الحديث الأول عن مسروق: قوله: ((الدائم)) أي العمل الذي يستمر عليه عامله، ومن ثم أدخل حرف التراخي في قوله تعالي: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا﴾.
قوله: ((إذا سمع الصارخ)) ((إذا)) ههنا لمجرد الظرفية. ((نه)): الصارخ الديك؛ لأنه كثير الصياح في الليل.
الحديث الثاني عن أنس: قوله: ((ما كنا نشاء)) ((ما)) نافية بدليل عطف قوله: ((ولا نشاء))، لا عليه والمعنى ما أردنا منه ﷺ أمراً إلا وجدناه عليه، إن أردنا أن يكون مصلياً وجدناه مصلياً، وإن أردنا أن نراه نائماً وجدناه نائماً، يعني كان أمره قصداً، لا إفراط ولا تفريط.
الحديث الثالث عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف: قوله: ((للصلاة)) اللام فيها كما في قوله تعالي: ﴿قدمت لحياتي﴾ أي لأرقبن وقت صلاة رسول الله ﷺ في الليل، فأنظر ماذا
стр. 740
إلى: (إنك لا تخلف الميعاد)، ثم أهوى رسول الله ﷺ إلي فراشه، فاستل منه سواكاً، ثم أفرغ في قدح من إداوة عنده ماء، فاستن، ثم قام، فصلي، حتى قلت: قد صلي قدر ما نام، ثم اضطجع، حتى قلت قد نام قدر ما صلي، ثم استيقظ، ففعل كما فعل أول مرة، وقال مثل ما قال، ففعل رسول الله ﷺ ثلاث مرات قبل الفجر. رواه النسائي. [١٢٠٩]
١٢١٠ - وعن يعلي بن مملك، أنه سأل أم سلمة زوج النبي ﷺ عن قراءة النبي ﷺ وصلاته؟ فقالت: وما لكم وصلاته؟ كان يصلي ثم ينام قدر ما صلي، ثم يصلي قدر ما نام، ثم ينام قدر ما صلي، حتى يصبح، ثم نعتت قراءته، فإذا هي تنعت قراءة مفسرة حرفاً حرفاً. رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي. [١٢١٠]
ــ
يفعل فيه. قوله: ((هويا)) بالتشديد. ((نه)): الهوى بالفتح الحين الطويل من الزمان. وقيل: هو مختص بالليل. قوله: ((استل)) أي انتزع السواك من الفراش بتأن وتدريج. قوله: ((فاستن)) ((نه)): الاستنان استعمال السواك وهو افتعال من الأسنان، أي يمره عليها.
الحديث الرابع عن يعلي بن مملك: ((وما لكم وصلاته)) عطف علي مقدر وهو ((مالك وقراءته)) والواو بمعنى ((مع)) أي ما تصنعون مع قراءته وصلاته؟ ذكرتها تحسراً وتلهفاً علي ما تذكرت من أحوال رسول الله ﷺ ، لا أنها أنكرت علي السائل سؤاله.
стр. 741
(٣٢) باب ما يقول إذا قام من الليل
الفصل الأول
١٢١١ - عن ابن عباس، قال: كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يتهجد قال: ((اللهم لك الحمد أنت قيم السموات والأرض، ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت ملك السماوات والأرض ومن
ــ
باب ما يقول إذا قام من الليل
الفصل الأول
الحديث الأول عن ابن عباس: قوله: ((قال: اللهم لك الحمد)): ((قض)) ((وشف)): ((يتهجد)) حال من الضمير في ((قام)). و ((قام)) في موضع النصب علي أنه خبر ((كان)) أي كان ﷺ عند قيامه من الليل متهجداً يقول: ((اللهم لك الحمد)) وإنما قال: ((من)) ولم يقل: ((ما)) تغليباً للعقلاء علي غيرهم. وأقول: الظاهر أن ((قال)) جواب ((إذا)) والجملة الشرطية خبر ((كان)).
قوله: ((قيم السماوات)) ((نه)): في رواية ((قيام)) وفي أخرى ((قيوم)) وهي من أبنية المبالغة. و ((القيم)) معناه القائم بأمور الخلق، ومدبرهم، ومدبر العالم في جميع أحواله. ومنه: قيم ((القيم)) معناه القائم بأمور الخلق، ومدبرهم، ومدبر العالم في جميع أحواله. ومنه: قيم الطفل. والقيوم: هو القائم بنفسه مطلقاً لا بغيره، ويقوم بكل موجود حتى لا يتصور وجود شيء، ولا دوام وجوده، إلا به. ((تو)): المعنى أنت الذي تقوم بحفظها، وحفظ كل من أحاطت به واشتملت عليه تؤتي كلا ما به قوامه، وتقوم علي كل شيء من خلقك بما تراه من تدبيره.
قوله: ((أنت نور السماوات والأرض)) ((نه)): النور هو الذي يبصر بنوره ذو العماية، ويرشد بهداه ذو الغواية. ((تو)): أضاف النور إلي السماوات والأرض؛ للدلالة علي سعة إشراقه وفشو إضاءته. وعلي هذا فسر ﴿الله نور السماوات والأرض﴾ أي منورهما، يعين كل شيء استنار منهما واستضاء بقدرتك وجودك، والأجرام النيرة بدائع فطرتك، والعقل والحواس خلقك وعطيتك. وقيل: المراد أهل السماوات، أي يستضيئون بنوره. وقد استغنينا عنه بقوله: ((ومن فيهن)). وقيل: معنى النور: الهادي. وفيه نظر لأن إضافة الهداية إلي السماوات والأرض لا يكاد يستقيم إلا بالتقدير، ولا وجه له؛ لأن ((من فيهن)) يدفعه، لما يلزم منه جعل المعطوف والمعطوف عليه شيئاً واحداً. وإذ قد علمنا أن الله تعالي سمى نفسه النور في الكتاب والسنة، وفي حديث أبي ذرك أنه سأل رسول الله ﷺ هل رأيت ربك؟ قال ((نور، أنى أراه!)) ومن جملة أسماء الله الحسنى نور. وسمى بالنور؛ لما اختص به من إشراق الجلال، وسبحات العظمة التي
стр. 742
فيهن، ولله الحمد، أنت الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، وقولك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد حق، والساعة حق، اللهم لك أسلمت،
ــ
تضمحل الأنوار دونها، ولما هيأ للعالمين من النور ليهتدوا به في عالم الخلق. فهذا الاسم علي هذا المعنى لا استحقاق لغيره فيه، بل هو المستحق له المدعو به. ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾. ونعوذ بوجهه لكريم ممن يلحد في أسمائه.
أقول: هذا كلام متين لا مزيد عليه، سوى أن قوله: ((لا يكاد يستقيم إلا بالتقدير)). منظور فيه، لم لا يجوز أن يستعار للسماوات والأرض الهداية، لكونها دلائل منصوبة للمكلفين هادية إلي منشيءها كأنه قيل: الله هادي السماوات والأرض بما جعلها مكاناً للأدلة ومحلا لها. وعلي هذا قوله تعالي: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو﴾ شهادته لنفسه إحداثه الكائنات الدالة علي وحدإنيته، ناطقة بالشهادة له، ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمد﴾ وعليه معنى الجمع في قوله: ((رب العالمين)) إذا أريد بالعالم: كل ما علم به الخالق؛ فإن كل عالم معلم من حيث إنه دل علي الخالق تعالي وتقدس. كذا قوله: ((ولما يلزم منه جعل المعطوف والمعطوف عليه شيئاً واحداً)) وذلك أن باب العطف التفسيري غير مسدود. ومن ذلك قوله تعالي: ﴿وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار﴾ إلي آخره فإنه عطف علي قوله: ﴿أو أشد قسوة﴾ لمزيد اعتناء واهتمام ما استغنى في خاتمة هذا الدعاء عن قوله: ((ولا إله غيرك)) بعد قوله: ((لا إله لا أنت)). وأما قوله: ((علي هذا فسر ﴿الله نور السماوات والأرض﴾ أي منورهما)) ففيه إشعار فسر قوله تعالي: ﴿الله نور السماوات والأرض﴾ بقوله: ((الله هادي أهل السماوات والأرض))؛ فهم بنوره إلي الحق يهتدون، وبهذا من حيرة الضلال ينجون. وقد تكلمنا في فتوح الغيب ما منحنا الله تعالي فيه من النكات، وهدانا إلي لطائف ولمعات.
هذا فسر الهداية بما يقابل الضلال. وأما إذا فسر الهداية بالدلالة الإرشاد، فكل من المخلوقات يهتدون بما فطروا إلي ما يتوصلون به إلي منافعهم، وما يحتاجون إليه .. قال الله تعالي: ﴿ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه﴾ ((الكشاف)): أي أعطى كل شيء صورته التي تطابق المنفعة المنوطة به، كما أعطى العين الهيئة التي تطابق الإبصار والأذن الشكل الذي يوافق الاستماع. وكذا سائر الأعضاء مطابق لما علق به من المنفعة، أو أعطي كل حيوان نظيره في الخلق
стр. 743
وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر
ــ
والصورة، حيث جعل الحصان والحمار زوجين، والبعير والناقة، والرجل والمرأة، فلم يزاوج منها شي غير جنسه. ((ثم هدى)) أي ثم عرف كيف يرتفق بما أعطى، وكيف يتوصل إليه. فرجع المعنى إلي أن الله تعالي هادي خلق السماوات والأرض من ذوي العلم، وغيرهم، فكل يهتدي إلي ما يليق بحاله ويناسبه، فالعقلاء بنور الله يهتدون إلي ما فطروا له م العبادة والمعرفة، وغيرهم إلي ما جلبوا له. ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾.
قوله: ((ولقاؤك حق)) ((نه)): المراد بلقاء الله تعالي المصير إلي دار الآخرة، وطلب ما هو عند الله. وليس الغرض منه الموت. وقوله ﷺ : ((من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، والموت قبل لقاء الله)) بين أن الموت غير اللقاء، لكنه معترض دون الغرض المطلوب، فيجب أن يصبر عليه، ويحتمل مشاقة حتى يصل إلي الفوز باللقاء.
قوله: ((الساعة حق)) ((نه)): الساعة لغة تطلق علي جزء قليل من اليوم والليلة، ثم استعيرت للوقت الذي تقوم فيه القيامة، يريد أنها ساعة خفيفة يحدث فيها أمر عظيم. قوله: ((وإليك أنبت)) ((نه)) الإنابة الرجوع إلي الله تعالي بالتوبة. قوله: ((وبك خاصمت)) ((حس)): أي بحجتك أخاصم من خاصمني ومن الكفارة، وأجاهدهم. وقيل: بتأييدك ونصرتك قاتلت، أو بوحيك ناظرت خصمي.
قوله: ((وإليك حاكمت)) ((مظ)): المحاكمة رفع القضية إلي الحاكم، يعني رفعت أمري إليك، وجعلتك قاضياً بيني وبين من يخالفين فيما أرسلتني به، نحوه قوله تعالي: ﴿أنت تحكم بين عبادك فميا كانوا فيه يختلفون﴾. وأما بيان النظم والتلفيق، فنقول- وبالله التوفيق -: إن قوله: ((اللهم لك الحمد)) مفيد للتخصيص؛ لتقديم الخبر. والحمد: هو الثناء علي الجميل الاختياري من نعمة وغيرها من الفضائل. فلما خص الحمد بالله تعالي قيل له: لم خصصتني بالحمد؟ فقال: لأنك أنت الذي تقوم بحفظ المخلوقات تراعيها، وتؤتي كل شيء ما به قوامه وما ينتفع به، ثم تهديه إليه بنور هدايتك؛ ليتوصل به إلي منافعه، وأنت القاهر علي المخلوقات لا مالك لهم سواك، ولا ملجأ ولا منجا إلا إليك ثم المرجع والمآب في العاقبة إليك، تجازيهم بما عملوا من المعاصي والطاعات بالثواب والعقاب، هذه كلها وسائل قدمت لتحقيق المطلوب المختص به ﷺ من قوله: ((اللهم لك أسلمت)) إلي آخره- وتكرير الحمد المخصص للاهتمام بشأن وليناط به كل مرة معنى آخر.
стр. 744
لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت، ولا إله غيرك)). متفق عليه.
١٢١٢ - وعن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ إذا قام من الليل افتتح صلاته فقال: ((اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب
ــ
فإن قلت: لم عرف ((الحق)) في قوله ((أنت الحق، ووعدك حق)) ونكر في البواقي؟ قلت: لا منكر سلفاً وخلفاً أن الله هو الحق الثابت الدائم الباقي، وما سواه في معرض الزوال. قال لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
وكذا وعده مختص بالإنجاز دون وعد غيره، إما قصداً، وإما عجزاً- تعالي وتعاظم عن ذلك- والتنكير في البواقي للتعظيم والتفخيم.
وهاهنا سر دقيق، ونكتة سرية: وهي أنه ﷺ لما نظر إلي المقام الإلهي، ومقربي حضرة الألوهية والربوبية، عظم شأنه، وفخم منزلته، حيث ذكر النبيين، وعرفها باللام الاستغراقي ثم خص محمداً ﷺ من بينهم، وعطف عليهم إيذاناً بالتغاير، وأنه فائق عليهم بأوصاف مختصة به، فإن تغير الوصف تنزل منزلة التغاير في الذات ثم حكم عليه استقلالاً بأنه حق وجرده عن ذاته كأنه غيره، ووجب عليه تصديقه، ولما رجع إلي مقام العبودية، ونظر إلي افتقار نفسه: نادى بلسان الاضطرار في مطاوي الانكسار: اللهم لك أسلمت وإليك أنبت، فإن الإسلام هو الاستسلام وغاية الانقياد، ونفي الحول والقوة إلا بالله، ومن ثم أتبعه بقوله: ((بك خاصمت، وإليك حاكمت) ثم رتب عليهما طلب غفران ما تقدم وما تأخر من الذنب، كترتب الغفران علي الفتح في قوله تعالي: ﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ والتسبيح والاستغفار علي النصر والفتح في سورة الفتح الصغرى.
وفي قوله ﷺ : ((ومحمد حق)) إيماء إلي مقام الجمع والشهود، وقوله: ((بك خاصمت، وإليك حاكمت)) إلي مقام التفرقة وإرشاد الخلق.
الحديث الثاني عن عائشة: قوله: ((رب جبريل وميكائيل)) قيل لا يجوز نصب ((رب)) علي الصفة؛ لأن الميم المشددة بمنزلة الأصوات فلا يوصف ما اتصل به، فالتقدير: يارب جبريل.
قال الزجاج: هذا قول سيبويه. وعندي أنا صفة، فكما لا تمتنع الصفة مع ((يا)) فلا تمتنع مع ((الميم)). قال أبو علي: قول سيبويه عندي أصح؛ لأنه ليس في الأسماء الموصوفة شيء علي حد
стр. 745
والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلي صراط مستقيم. رواه مسلم.
١٢١٣ - وعن عبادة بن الصامت، قال رسول الله ﷺ : ((من تعار من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو علي كل شيء قدير، وسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: رب اغفر لي))، أو قال: ((ثم دعا؛ استجيب له، فإن توضأ وصلي قبلت صلاته)). رواه البخاري.
ــ
((اللهم)) ولذلك خالف سائر الأسماء، ودخل في حيز ما لا يوصف، نحو ((حيهل)) فإنهما صارا بمنزلة صوت مضموم إلي اسم، فلم يوصف. ((وفاطر السماوات والأرض)) أي مبدعهما ومخترعهما، و ((الغيب)) ما غاب عنك، و ((الشاهد)) ما حضر لديك.
وقوله: ((لما اختلف فيه)) ((اللام)) بمعنى ((إلي)) يقال: هداه إلي كذا، ولكذا و ((ما)) موصولة، والذي اختلف فيه عند مجيء الأنبياء، وهو الطريق المستقيم الذي دعوا إليه، فاختلفوا فيه. قال الله تعالي: ﴿فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾ الآية، كأنه قيل: اهدني إلي الصراط المستقيم. وطلب الهداية- وهو فيها طلب للثبات عليها، أو الزيادة علي ما منح من الألطاف، أو حصول المطالب المترتبة عليها. فإذا قال العارف الواصل به عنى أرشدنا طريق السير فيك، لتمحو عنا ظلمات أحوالنا، فنستضيء بنور قدسك. ونراك بنورك. ومعنى ((الإذن)) التيسير والتسهيل علي سبيل التمثيل؛ فإن الملك المحتجب إذا رفع الحجاب كان إذناً منه بالدخول.
الحديث الثالث عن عبادة بن الصامت: قوله: ((من تعار)) ((نه)): أي استيقظ، ولا يكون إلا يقظة مع كلام. الجوهري: تعار من الليل: إذا هب من نومه. ولعله مأخوذ من عرار الظليم، وهو صوته.
قوله: ((فإن توضأ)) يجوز أن يعطف علي قوله: ((دعا)) أو علي قوله: ((قال: لا إله إلا الله)) والأول أظهر. والمعنى من استيقظ من النوم، فقال كيت وكيت، ثم إن دعا استجيب له، فإن صلي قبلت صلاته. ترك ذكر الثواب؛ ليدل علي ما لا يدخل تحت الوصف، كما في قوله تعالي: ﴿تتجافي جنوبهم عن المضاجع- إلي قوله- فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾.
стр. 746
الفصل الثاني
١٢١٤ - عن عائشة، ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا استيقظ من الليل قال: ((لا إله إلا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك، أستغفرك لذنبي، وأسألك رحمتك، اللهم زدني علماً، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب)) رواه أبو داود. [١٢١٤]
١٢١٥ - وعن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من مسلم يبيت علي ذكر طاهراً فيتعار من الليل، فيسأل الله خيراً إلا أعطاه الله إياه)) رواه أحمد، وأبو داود. [١٢١٥]
ــ
الفصل الثاني
الحديث الأول عن عائشة: قوله: ((اللهم زدني علما)) أي يا ربي إني لا أعلم شيئاً إلا بتعليمك، وإن افتقاري إلي جنابك الأقدس لا يزول، فكما علمتني ما لم أكن أعلم، فلا تقع هذه النعمة عني في كل ما أنا فهي من الأقوال والأفعال، أو أدبتني في باب العلم أدباً جميلاً لتنزيل القرآن حصة بعد حصة، تهذيباً لي، كما قالت عائشة ﵂: ((كان خلقه القرآن)) فزدني تأديباً إلي تأديب.
قوله: ((ولا تزغ قلبي)) أي لا تبلني ببلاء يزيغ فهي قلبي بعد إذ هديتني، وأرشدني لدينك، ولا تمنعني بعد أن لطفت بي، وهب لي من عندك نعمة بالتوفيق؛ فإن مثل تلك المواهب لا تصدر إلا عن الواهب المطلق المبالغ فيه.
الحديث الثاني عن معاذ بن جبل: قوله: ((فيتعار)) صح ههنا بصيغة المضارع. ((تو)): تعار يتعار يستعمل في انتباه مع صوت، واستعماله في هذا الموضع دون الهبوب والاستيقاظ وما في معناه، زيادة معنى، أراد أن يخبر بأن من هب من نومه ذاكراً الله تعالي مع الهبوب، فيسأل الله خيراً فأعطاه، وأوجز وقال: ((فيتعار)) ليجمع بين المعنيين وإنما يوجه ذلك عند من تعوذ الذكر، فاستأنس به وغلب عليه، حتى صار الذكر حديث نفسه في نومه ويقظته، فصرح ﷺ باللفظ وعرض بالمعنى، فأتى من جوامع الكلم التي أوتيها ولله در قائله:
стр. 747
١٢١٦ - وعن شريق الهوزني، قال: دخلت علي عائشة فسألتها: بم كان رسول الله ﷺ يفتتح إذا هب من الليل؟ فقالت: سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك، كان إذا هب من الليل كبر عشراً، وحمد الله عشراً، وقال: ((سبحان الله وبحمده عشراً)) وقال: ((سبحان الملك القدوس)) عشراً، واستغفر الله عشراً، وهلل الله عشراً، ثم قال: ((اللهم إني أعوذ بك من ضيق الدنيا، وضيق يوم القيامة)) عشراً، ثم يفتتح الصلاة. رواه أبو داود. [١٢١٦]
الفصل الثالث
١٢١٧ - عن أبي سعيد، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل كبر ثم يقول: ((سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالي جدك، ولا إله غيرك))، ثم يقول: ((الله أكبر كبيرا))، ثم يقول: ((أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه. رواه الترمذي وأبو داود، والنسائي، وزاد أبو داود بعد قوله: ((غيرك)): ثم يقول: ((لا إله إلا الله)) ثلاثاً. وفي آخر الحديث ثم يقرأ. [١٢١٧]
ــ
يهيم فؤادي ما حييت بذكرها ولو أنني أرممت إن به الصدى
أقول: ما أرشق هذا اللفظ وما ألطف هذا المعنى. ولله در الشيخ- ﵁ ودر كلماته ودر إشاراته!
الحديث الثالث عن شريق: قوله: ((هب من الليل)) أي من نومه، والإضافة بمعنى ((في)) قوله: ((من ضيق الدنيا)) ((مظ)): أي مكارها وشدائدها؛ لأن من به مشقة من مرض، أو دين، أو ظلم صارت الأرض بعينه ضيقة، كقوله تعالي: ﴿وضاقت عليهم الأرض بما رحبت﴾ أي صارت الأرض الواسعة في أعينكم ضيقة من الغم. وكذلك المراد من ضيق يوم القيامة.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن أبي سعيد: قوله: ((يقول)) في المواضع الثلاثة بالمضارع عطفاً علي الماضي؛ للدلالة علي استحضار تلك المقالات في ذهن السامع. و ((ثم)) فيها لتراخي الإخبار.
стр. 748
١٢١٨ - وعن ربيعة بن كعب الأسلمي، قال: كنت أبيت عند حجرة النبي ﷺ فكنت أسمعه إذا قام من الليل يقول: ((سبحان رب العالمين)) الهوى، ثم يقول: ((سبحان الله وبحمده)) الهوى. رواه النسائي. وللترمذي نحوه، وقال: هذا حديث حسن صحيح. [١٢١٨]
(٣٣) باب التحريض علي قيام الليل
١٢١٩ - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((يعقد الشيطان علي قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب علي كل عقدة: عليك ليل طويل فارقد،
ــ
ويجوز أن يكون لتراخي الأقوال في ساعات الليل. مضى معنى ((الهمز، والنفخ، والنفث)) في باب الوسوسة.
الحديث الثاني عن ربيعة قوله ((الهوى)) ((نه)): الهوى بالفتح: الحين الطويل من الزمان، وقيل: هو مختص الليل. فإن قلت: ما الفرق بين قوله: ((هوياً)) منكراً في حديث حميد في الفصل الثالث من باب صلاة الليل وبين ((الهوى)) ههنا معرفاً؟ قلت: التعريف لاستغراق الحين الطويل بالذكر بحيث لا يفتر عنه في بعضه، والتنكير لا يفيده أيضاً كما تقول: قام زيد اليوم، أي كله، أو يوماً أي بعضه، ومنه قوله تعالي: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا﴾ أي بعضاً من الليل.
باب التحريض علي قيام الليل
الفصل الأول
الحديث الأول عن أبي هريرة: قوله: ((علي قافية)) ((نه)) القافية: القفا. وقيل: قافية الرأس: مؤخرة. وقيل: وسطه، أراد تثقيله في النوم وإطالته، فكأنه قد شد عليه شداداً، وعقده ثلاث عقد. قوله: ((يضرب علي كل عقدة، عليك ليل طويل)) ((علي)) الأول متصل بـ ((يضرب)) والثاني مع ما بعده مفعول للقول المحذوف، أي يلقى الشيطان علي كل عقدة يعقدها هذا القول، وهو قوله: ((عليك ليل طويل)). قال صاحب المغرب: يقال: ضرب الشبكة علي الطائر، ألقاها
стр. 749
فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلي انحلت عقدة، فأصبح نشيط طيب النفس؛ وإلا أصبح خبيث النفس، كسلان)) متفق عليه.
١٢٢٠ - وعن المغيرة، قال: قام النبي ﷺ حتى تورمت قدماه. فقيل له: لم تصنع هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: ((أفلا أكون عبداً شكورا)) متفق عليه.
ــ
عليه. و ((عليك)) إما خبر لقوله: ((ليل)) أي ليل طويل باق عليك، أو إغراء أي عليك بالنوم، أمامك ليل طويل، فالكلام جملتان، والثانية مستأنفة، كالتعليل للأولي. ونظيره ما روى أبو علي: أن أعرابياً نظر إلي جمل نضو، قال: كذب عليك القت والنوى أي أن القت والنوى ذكرا أنك لا تسمن بهما. وفي الفائق: ((كذب عليك الحج)) أي اترك ما سولت إليك نفسك من التوإني في الحج، ثم استأنف وقال: ((عليك الحج)) أي اقصده.
قوله: ((فأصبح نشيطاً، طيب النفس)) مثلت حالة من لم يتكاسل- ولم ينم عن وظائفه التي تسرع به إلي مقام الزلفي، وتنشطه لاكتساب السعادة العظمى، فكلما همت النفس اللوامة بالسلوك، تداركها التوفيق بالخلاص من نفث الشيطان في عقد النفس الأمارة بالسوء، فتصبح مطمئنة، نشيطة القلب، طيبة النفس، ظاهراً في سيمائها أثر السجود- بحالة من أسره العدو، وشد علي قفاه بربقة الأسر عقدة بعد عقدة استيثاقاً، وهو يتحرى الخلاص منه بلطائف حيله مرة بعد أخرى، حتى يتخلص منه بالكلية، ويذهب لسبيله بلا مانع ولا منازع، بخلاف من أطاع الشيطان حتى يتمكن من النفس الأمارة يضرب العقد علي قافية رأسه، فهل يستويان؟ ﴿أفمن يمشي مكباً علي وجهه أهدى أم من يمشي سوياً علي صراط مستقيم﴾.
((قض)): التقييد بالثلاث إما للتأكيد، أو لأن الذي ينحل به عقدته ثلاثة أشياء: الذكر، والوضوء، والصلاة. فكأن الشيطان منعه عن كل واحد منهما بعد عقدها علي قافيته. ولعل تخصيص القفا لأنه محل الواهمة ومجال تصرفها. وهي أطوع القوى للشيطان وأسرعها إجابة إلي دعوته.
الحديث الثاني عن المغيرة: قوله: ((أفلا أكون عبداً شكوراً)) الفاء في قوله: ((أفلا أكون)) مسبب عن محذوف، أي أترك قيامي وتهجدي لما غفر لي، فلا أكون عبداً شكوراً، يعني غفران الله إياي سبب لأن أقوم وأتهجد شكراً له، فكيف أتركه؟ كأن المعنى: كيف لا أشكره وقد أنعم علي، وخصني بخيري الدارين فإن الشكور من أبنية المبالغة، يستدعي نعمة خطيرة. وتخصيص
стр. 750
١٢٢١ - وعن ابن مسعود، قال: ذكر عند النبي ﷺ رجل، فقيل له: مازال نائماً حتى أصبح، ما قام إلي الصلاة. قال: ((ذلك رجل بال الشيطان في أذنه)) أو قال: ((في أذنيه)). متفق عليه.
١٢٢٢ - وعن أم سلمة، قالت: استيقظ رسول الله ﷺ ليلة فزعاً، يقول:
ــ
العبد بالذكر مشعر بغاية الإكرام والقرب من الله تعالي؛ ومن ثم وصفه به في مقام الإسراء، ولأن العبودية تقتضي صحة النسبة، وليست إلا بالعبادة، والعبادة عين الشكر.
الحديث الثالث عن ابن مسعود: قوله: ((فقيل)) الفاء مفسرة، مثلها في قوله تعالي: ﴿فتوبوا إلي بارئكم فاقتلوا أنفسكم﴾ إذا فسرت التوبة بالقتل. و ((أصبح)) يحتمل أن تكون تامة و ((ما قام)) في محل النصب حالا من الفاعل، أي أصبح وحاله أنه غير قائم إلي الصلاة، وأن تكون ناقصة و ((ما قام)) خبرها، أي غير قائم، ويحتمل أن يكون ((ما قام)) جملة مستأنفة مبينة للجملة الأولي، أو مؤكدة مقررة لها.
قوله: ((بال الشيطان في أذنه)) ((قض)): هو تمثيل، شبه تثاقل نومه وإغفاله عن الصلاة وعدم انتباهه بصوت المؤذن مع إحساس سمعه إياه- بحال من بيل في أذنه، فيثقل سمعه ويفسد حسه. وقيل: هو كناية عن استهانة الشيطان والاستخفاف به، فإن من عادة المستخف بالشيء أن يبول عليه، والأول من كلام الشيخ الخطابي، والثاني من كلام الشيخ التوربشتي ﵄. وقال الخطابي: البول ضار مفسد، فلهذا ضرب به المثل، قال الراجز:
بال سهيل في الفضيح ففسد
جعل طلوع سهيل وإفساده الخمر بمثابة ما يقع البول في الشيء فينجسه، ((تو)): يحتمل أن يقال: إن الشيطان ملأ سمعه بالأباطيل، فأحدث في أذنه وقراً عن استماع دعوة الحق. ((نه)): قيل: معنى ((بال)) سخر منه وظهر عليه حتى نام عن طاعة الله.
وأقول: خص الأذن بالذكر، والعين بالنوم، إشارة إلي ثقل النوم، فإن المسامع هي موارد الانتباه بالأصوات ونداء ((حي علي الفلاح))، قال الله تعالي: ﴿فضربنا علي آذانهم في الكهف﴾ أي أنمناهم إنامة ثقيلة لا تنبههم فيها الأصوات. وخص البول من بين الأخبثين؛ لأنه من خباثته أشد مدخلاً في تجاويف الخروق والعروق، ونفوذه فيها، فيورث الكسل في جميع الأعضاء.
стр. 751
((سبحان الله! ماذا أنزل الليلة من الخزائن؟! وماذا أنزل من الفتن؟! من يوقظ صواحب الحجرات)) - يريد أزواجه- ((لكي يصلين؟ رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة)) رواه البخاري.
ــ
الحديث الرابع عن أم سلمة: قوله: ((سبحان)) قد مر أنها كلمة تعجب، وتعظيم للشيء. وقوله: ((وماذا)) إلي آخره، كالتقرير والبيان؛ لأن ((ما)) استفهامية متضمنة لمعنى التعجب والتعظيم، وعبر عن الرحمة بالخزائن لكثرتها وعزتها. قال تعالي: ﴿قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي﴾ وعن العذاب بالفتن؛ لأنها أسباب مؤدية إلي العذاب وجمعها؛ لسعتها وكثرتها.
قوله: ((رب كاسية)) قال المالكي: أكثر النحويين علي أن معنى ((رب)) للتقليل، [وأن معنى ما يصدر بها الماضي]. والصحيح: أن معناها في الغالب التكثير. نص عليه سيبويه حيث قال في باب ((كم)) واعلم أن ((كم)) في الخبر لا تعمل إلا فيما يعمل فيه رب؛ لأن المعنى واحد، إلا أن ((كم)): اسم ورب غير اسم. ويشهد له الحديث إذ ليس المراد بقوله ﷺ : ((رب كاسية)) الحديث، التقليل بل المراد أن الصنف المتصف بهذا من النساء كثير. وقال أيضاً: الصحيح أن ما يصدر ((برب)) لا يلزم كونه ماضي المعنى، بل يجوز مضيه وحضوره واستقباله، وقد اجتمع الحضور والاستقبال في ((يا رب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة)) وقد اجتمع المضي والمستقبل فيما حكى الكسائي من قول بعض العرب بعد الفطر لاستكمال رمضان ((رب كاسية صائمة لن تصومه، ورب قائمة لن تقومه)) والجواب أن قول سبيويه مؤول، فإنه يجوز أن يراد منه أن المعنى واحد بحسب حمل النقيض علي النقيض، وذلك شائع في كلامهم، فلا يكونان مترادفين، وما أدراه أن سيبويه وغيره ما سلكوا هذا المسلك؛ فإن البلغاء إذا وجدوا إلي المجاز سبيلاً لتضمنه النكتة لا يعدلوا عنه إلي الحقيقة؛ لخلوها عنها، ومما اختص به هذا الحديث من الفائدة. هي تخطئه رأيهن، وقلة مبالاتهن بالأمر الخطير، وعدم اكتراثهن بما هو أولي بهن، كقوله تعالي: ﴿تحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم﴾.
((شف)): أي كاسية من ألوان الثياب، عارية من أنواع الثواب وقيل: عارية من شكر المنعم. وقيل: هذا نهي عن لبس ما يشف من الثياب. وقيل: هو نهي عن التبرج. أقول: قوله: ((رب كاسية في الدنيا)) كالبيان لموجب استيقاظ الأزواج للصلاة، أي لا ينبغي لهن أن يتغافلن عن العبادة، ويعتمدن علي كونهن أهالي رسول الله ﷺ كاسيات خلعة نسبة أزواجه مشرفات في الدنيا بها، فهن عاريات منها في الآخرة، فلا ينفعهن ولا ينجيهن من عذاب الله، إذا لم تضمها
стр. 752
١٢٢٣ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ينزل ربنا تبارك وتعالي كل ليلة إلي السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟)) متفق عليه.
وفي رواية لمسلم: ((ثم يبسط يديه ويقول: من يقرض غير عدوم ولا ظلوم؟ حتى ينفجر الفجر)).
ــ
مع العمل، كما قال تعالي: ﴿فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم﴾ وقال: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾، والحديث الوارد فيه مشهور. وهذا الحديث وإن خص بأزواج رسول الله ﷺ ، لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالتقدير رب نفس أو نسمة كاسية في الدنيا عارية في الآخرة، والله أعلم.
الحديث الخامس عن أبي هريرة: قوله: ((ينزل ربنا)) ((قض)): لما ثبت بالقواطع العقلية والنقلية أنه تبارك وتعالي منزه عن الجسمية والتحيز، والحلول، امتنع عليه النزول علي معنى الانتقال من موضع أعلي إلي ما هو أخفض منه، بل المعنى به علي ما ذكره أهل الحق دنو رحمته، ومزيد لطفه علي العباد، وإجابة دعوتهم، وقبول معذرتهم، كما هو ديدن الملوك الكرماء، والسادة الرحماء، إذا نزلوا بقرب قوم محتاجين، ملهوفين فقراء مستضعفين. وقد روى: ((يهبط من السماء العليا إلي الدنيا)) أي ينتقل من مقتضى صفات الجلال التي تقتضي الأنفة من الأرذال، وعدم المبالاة، وقهر العداة، والانتقام من العصاة، إلي مقتضى صفات الإكرام المقتضية للرأفة والرحمة، وقبول المعذرة، والتلطف بالمحتاج، واستعراض الحوائج، والمساهلة والتخفيف في الأوامر والنواهي، والإغضاء عما يبدو من المعاصي. انتهي كلامه. وقوله: ((تبارك وتعالي)) جملتان معترضتان بين الفعل والظرف، لما أسند ما لا يليق إسناده بالحقيقة إليه، أتى بما يدل علي التنزيه معترضاً، كقوله تعالي: ﴿ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون﴾ ((نه)): تخصيصاً بالليل وبالثلث الأخير منه، لأنه وقت التهجد، وغفلة الناس عمن يتعرض لنفحات رحمة الله. وعند ذلك تكون النية خالصة، والرغبة إلي الله تعالي وافرة، وذلك مظنة القبول والإجابة. و ((من يقض غير عدوم ولا مظلوم)) أي من يقرض غنياً لا يعجز عن أداء حقه والوفاء بعهده، عادلاً لا يظلم المقرض بنقض دينه، وتأخير الأداء عن وقته. والله تعالي غير عدوم لاستغنائه عن غيره، وافتقار غيره إليه: وغير ظلوم؛ لأنه يضعف أضعافاً، قال الله تعالي: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة﴾. وإنما وصف الله تعالي نفسه بالوصفين المذكورين ههنا؛ لأنهما المانعان غالباً عن الإعراض. أقول: إخراج العمل مخرج القرض تمثيل لتقديم العمل الذي يطلب به ثوابه، وإيذان بكونه واجب الأداء بسبب الوعد، كالدين.
стр. 753
١٢٢٤ - وعن جابر، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((إن في الليل لساعة، لا يوافقها رجل مسلم، يسأل الله فيها خيراً من أمر الدنيا والآخرة؛ إلا أعطاه إياه وذلك كل ليلة)) رواه مسلم.
١٢٢٥ - عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : ((أحب الصلاة إلي الله صلاة داود، وأحب الصيام إلي الله صيام داود: كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، ويصوم يوماً، ويفطر يوماً)) متفق عليه.
١٢٢٦ - وعن عائشة [﵂]، قالت: كان- تعني رسول الله ﷺ ينام أول الليل، ويحيي آخره، ثم إن كانت له حاجة إلي أهله قضى حاجته ثم ينام، فإن كان عند النداء الأول جنباً، وثب فأفاض عليه الماء، وإن لم يكن جنباً توضأ للصلاة، ثم صلي ركعتين. متفق عليه.
ــ
الحديث السادس عن جابر: قوله: ((لا يوافقها)) إلي آخره، صفة لـ ((ساعة))، أي لساعة من شأنها أن يترقب لها، ويغتنم الفرصة لإدراكها؛ لأنها من نفحات رب رءوف رحيم، وهي كالبرق الخاطف ((فمن وافقها)) أي تعرض لها، واستغرق أوقاته مترقباً للمعانها، فوافقها قضى وطره منها. قال:
فأنالني كل المنى بزيارة كانت مخالسة كخطفة طائر
فلو استطعت إذن خلعت علي الدجى لتطول ليلتنا سواد الناظر
قوله: ((ذلك كل ليلة)) أي ذلك المذكور يحصل كل ليلة.
الحديث السابع والثامن عن عائشة: قوله: ((ثم إن كانت له حاجة)) في كلمة ((ثم)) فائدة، وهي: أن النبي ﷺ كان يقضي حاجته من نسائه بعد إحياء الليل بالتهجد، فإن الجدير بالنبي ﷺ أداء العبادة قبل قضاء الشهوة.
أقول يمكن أن يقال: إن ((ثم)) ههنا لتراخي الإخبار، أخبرت أولاً أن عادته ﷺ كانت مستمرة بنوم أول الليل وقيام آخره، ثم إن اتفق أحياناً أن يقضي حاجته من نسائه فيقضي حاجته، ثم ينام في كلتا الحالتين، فإذا انتبه عند النداء الأول: إن كان جنباً اغتسل، وإلا فتوضأ.
стр. 754
الفصل الثاني
١٢٢٧ - عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأب الصالحين قبلكم، وهو قربة لكم إلي ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم)) رواه الترمذي. [١٢٢٧]
١٢٢٨ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثلاثة يضحك الله إليهم: الرجل إذا قام بالليل يصلي، والقوم إذا صفوا في الصلاة، والقوم إذا صفوا في قتال العدو)) رواه في ((شرح السنة)). [١٢٢٨]
ــ
الفصل الثاني
الحديث الأول عن أبي أمامة: قوله: ((دأب الصالحين)) ((نه)): الدأب العادة والشأن. وقد يحرك، وأصله من دأب في العمل إذا جد وتعب، ثم حولت إلي العادة والشأن. قوله: ((قبلكم)) أي هي عادة قديمة، واظب عليها الأنبياء والأولياء السابقون.
قوله: ((وهو قربة لكم)) لم يقل قربتكم؛ ليدل التنكير علي قربة لها شأن، وأتى بالجملة ولم يعطف ((قربة)) علي ((دأب الصالحين))؛ ليدل باستقلالها علي مزيد تقرب.
قوله: ((ومكفرة، ومنهاة)) بفتح الميم وسكون ما بعده فيهما. ((قض)): أي حالة من شأنها أن تنهي عن الإثم، أو هي مكان مختص بذلك، وهي مفعلة من النهي، والميم الزائدة، ونحوهما مطهرة ومرضاة ومبخلة ومجبنة. ((قض)): المعنى: أن قيام الليل قربة تقربكم إلي ربكم، وخصلة تكفر سيئاتكم، وتنهاكم عن المحرمات، كما قال تعالي: ﴿إن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر﴾.
الحديث الثاني عن أبي سعيد: قوله: ((يضحك الله إليهم)) الضحك من الله سبحانه وتعالي محمول علي غاية الرضا والرأفة. وفي ((إلي)) معنى الدنو والقرب، كأنه قيل: إن الله تعالي يرضي عنهم، ويدنو إليهم برأفته ورحمته، وإليه ينظر قوله في الحدث السابق: ((وهو قربة لكم إلي ربكم)) ويجوز أن يضمن الضحك معنى النظر، ويعدى تعديته بإلي، فالمعنى أنه تعالي ينظر إليهم ضاحكاً، أي راضياً عنهم متعطفاً عليهم؛ لأن الملك إذا نظر إلي بعض رعيته بعين الرضا، لا يدع من إنعام وإكرام إلا فعل في حقه. وفي عكسه قوله تعالي: ﴿ولا يكلمهم الله
стр. 755
١٢٢٩ - وعن عمرو بن عبسة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة؛ فكن)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب إسناداً. [١٢٢٩]
ــ
ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم﴾. وعلي الوجه الأول: ((يضحك)) مستعار للرضا علي سبيل التبعية، والقرينة الصارفة نسبة الضحك إلي من هو متعال عن صفات المخلوقين.
قوله: ((إذا قام بالليل)) ((إذا)) متمحض للظرفية، وهو بدل من ((الرجل)) كما في قوله تعالي: ﴿واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت﴾ و ((الرجل)) موصوف ((ثلاثة))، أي رجال ثلاثة يضحك الله منهم وقت قيام الرجل بالليل، فوضع الظرف مقام الرجل مبالغة علي منوال قولهم: أخطب ما يكون الأمير قائماً، أي أخطب أوقاته وإلا خطبته ليست للأوقات وإنما هي للأمير. وإنما قدم قيام الليل علي صف الصلاة وأخر صف القتال إما تنزلاً، فإن محاربة النفس التي هي أعدى عدو لله أشق من محاربة عدوك الذي هو الشيطان، ومحاربة الشيطان أصعب من محاربة أعداء الدين، أو ترقياً؛ فإن محاربة من يليك أقدم، والأخذ بالأصعب فالأصعب أحرى وأولي من أخذ الأصعب ثم الأسهل.
الحديث الثالث عن عمرو بن عبسة: قوله: ((في جوف الليل الآخر)) يحتمل: أن يكون حالاً من ((الرب)) - أي قائلاً في جوف الليل: ((من يدعوني فأستجيب له ...)) الحديث- سدت مسد الخبر، أو من ((العبد) ٩ أي قائماً في جوف الليل، داعياً مستغفراً علي نحو قولك سرني قائماً. ويحتمل أن يكون خبر ((الأقرب)) ومعناه قد سبق في باب السجدة مستقصى. فإن قلت: ما الفرق بين قوله في هذا الحديث: ((أقرب ما يكون الرب من العبد)) وهناك ((أقرب ما يكون العبد من ربه؟)) قلت: سبق في حديث أبي هريرة في قوله: ((ينزل ربنا تبارك وتعالي إلي السماء الدنيا)) الحديث، أن رحمته سابقة، فقرب رحمة الله من المحسنين سابق علي إحسانهم فإذا سجدوا قربوا من ربهم لإحسانهم، كما قال تعالي: ﴿واسجد واقترب﴾. وفيه أن توفيق الله ولطفه وإحسانه سابق علي عمل العبد، وسبب له، ولولاه لم يصدر من العبد خير قط.
стр. 756
١٢٣٠ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((رحم الله رجلاً قام من الليل فصلي، وأيقظ امرأته فصلت، فإن أبت نضح في وجهها الماء. رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت، وأيقظت زوجها فصلي، فإن أبي نضحت في وجهه الماء)) رواه أبو داود، والنسائي. [١٢٣٠]
١٢٣١ - وعن أبي أمامة، قال: قيل: يا رسول الله أي الدعاء أسمع؟ قال: ((جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات)) رواه الترمذي. [١٢٣١]
١٢٣٢ - وعن أبي مالك الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن في الجنة غرفاً يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها أعدها الله لمن ألان الكلام، وأطعم
ــ
قوله: ((الآخر)) صفه لـ ((جوف الليل)) علي أن ينصف الليل، ويجعل لكل نصف جوف، والقرب يحصل في جوف النصف الثاني وابتداؤه يكون من الثلث الأخير، وهو وقت القيام للتهجد. وفي قوله: ((فإن استطعت)) إشارة إلي تعظيم شأن الأمر وتفخيمه، وفوز من يستسعد به. ومن ثم قال: ((أن تكون ممن يذكر الله)) أي تنخرط في زمرة الذاكرين لله، ويكون ذلك مساهمة فيهم. وهو أبلغ من أنه لو قيل: إن استطعت أن تكون ذاكراً.
الحديث الرابع عن أبي هريرة: قوله: [((نضح عليه الماء))] أي رش. وفيه أن من أصاب خيراً ينبغي له أن يتحرى إصابته الغير، وأن يحب له ما يحب لنفسه، فيأخذ بالأقرب فالأقرب: فقوله: ﷺ : ((رحم الله رجلاً فعل كذا)) تنبيه للأمة بمنزلة رش الماء علي الوجه لاستيقاظ النائم، وذلك أنه ﷺ : لما نال ما نال بالتهجد من الكرامة والمقام المحمود، أراد أن يحصل لأمته نصيب وافر من ذلك، فحثهم عليه علي سبيل التلطف حيث عدل من صيغة الأمر إلي صيغة الدعاء لهم. والله أعلم.
الحديث الخامس عن أبي أمامة: قوله:: ((أسمع)) ((تو)): أي أرجى للإجابة، فالسمع هو الذي يرد بمعنى الإجابة مجازاً، لأن القول المسموع علي الحقيقة هو ما يقترن بالقبول من السامع. وقد فسر الحديث في باب الذكر بعد الصلاة وذكر أن لابد من مقدر إما في السؤال أي أي أوقات الدعاء أقرب إلي الإجابة؟ وإما في الجواب أي الدعاء في جوف الليل.
الحديث السادس عن أبي مالك: قوله: ((غرفا)) أي علالي. وأصل ((ألان)) ألين، نقلت حركة الياء إلي اللام، وقلبت ألفاً، جعل جزاء من تلطف في الكلام الغرفة، كما في قوله تعالي:
стр. 757
الطعام، وتابع الصيام، وصلي بالليل والناس نيام)) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [١٢٣٢]
١٢٣٣ - وروى الترمذي عن علي نحوه، وفي روايته: ((لمن أطاب الكلام)).
الفصل الثالث
١٢٣٤ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال لي رسول الله ﷺ : ((يا عبد الله! لا تكن مثل فلان، كان يقوم من الليل فترك قيام الليل)) متفق عليه.
١٢٣٥ - وعن عثمان بن أبي العاص، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((كان لداود ﵇ من الليل ساعة يوقظ فيها أهله يقول: يا آل داود! قوموا فصلوا،
ــ
((أولئك يجزون الغرفة)) بعد قوله: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون علي الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما﴾. وفيه تلويح إلي أن لين الكلام من صفات عباد الله الصالحين الين خضعوا لبارئهم، وعاملوا الخلق بالرفق في الفعل والقول. ولذلك جعلت جزاء من أطعم الطعام، كما في قوله تعالي: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا﴾. فدل علي أن الجواد من شأنه أن يتوخى القصد في الإطعام والبذل، ليكون من عباد الرحمن، وإلا كان من إخوان الشيطان، وكذا جعلت جزاء من صلي بالليل، كما في قوله تعالي: ﴿والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً﴾، فأومأ به إلي أن المتهجد ينبغي أن يتحرى في القيام الإخلاص ويجتنب الرياء؛ لأن البيتوتة للرب لم تشرع إلا لإخلاص العمل لله. ولم يذكر الصيام في التنزيل استغناء بقوله: ﴿بما صبروا﴾؛ لأن الصيام صبر كله، وفي تأخيره بالذكر بعد ذكر الجزاء إرادة إلي قوله ﷺ : ((الصوم لي وأنا أجزى به)) تبليغاً لقول الله تعالي.
الفصل الثالث
الحديث الأول والثاني عن عثمان ﵁: قوله: ((أو عشار)) يقال: عشرت ماله، أعشره عشراً، فأنا عاشر، وعشرته، فأنا معشر، وعشار، إذا أخذت عشره. استثنى من جميع خلق الله تعالي الساحر والعشار تشديداً عليهم وتغليظاً، وإنهم كالآيسين من رحمة الله تعالي التي عمت الخلائق كلها، وتنبيهاً علي استجابة دعاء الخلق كائناً من كان سواهما.
стр. 758
فإن هذه ساعة يستجيب الله فيها الدعاء إلا لساحر أو عشار)) رواه أحمد. [١٢٣٥]
١٢٣٦ - وعن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((أفضل الصلاة بعد المفروضة صلاة في جوف الليل)) رواه أحمد. [١٢٣٦]
١٢٣٧ - وعنه، قال: جاء رجل إلي النبي ﷺ فقال: إن فلاناً يصلي بالليل، فإذا أصبح سرق. فقال: ((إنه سينهاه ما تقول)) رواه أحمد، والبيهقي في ((شعب الإيمان)). [١٢٣٧]
١٢٣٨ - وعن أبي سعيد، وأبي هريرة، قالا: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أيقظ الرجل أهله من الليل، فصلياً أو صلي ركعتين جميعاً، كتباً في الذاكرين والذاكرات)) رواه أبو داود، وابن ماجه. [١٢٣٨]
١٢٣٩ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أشرف أمتي حملة القرآن، وأصحاب الليل)) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [١٢٣٩]
ــ
الحديث الثالث والرابع عن أبي هريرة: قوله: ((ما تقول)) فاعل ((سينهاه)) يعني أن قولك ((يصلي بالليل)) يدل علي أنه محافظ علي الصلوات مداوم عليها؛ لأن من لا يدع الصلاة بالليل، فهو بأن لا يدعها بالنهار أحرى. فمثل تلك الصلاة تنهاه عن الفحشاء والمنكر فيتوب عن السرقة. وهذا معنى السين في ((ستنهاه)) لأن السين في تأكيد الإثبات، مقابلة لن في تأكيد النفي.
الحديث الخامس عن أبي سعيد وأبي هريرة قوله: ((في الذاكرين والذاكرات)) أي في زمرة من لا يكاد يخلو من ذكر الله بقلبه أو بلسانه أو بهما. وقراءة القرآن والاشتغال بالعلم من الذكر. والمعنى: والذاكرين الله والذاكرات. فحذف؛ لأن الظاهر يدل عليه.
قوله: ((جميعاً)) حال مؤكدة من فاعل ((فصليا)) علي التثنية لا الإفراد؛ لأنه ترديد من الراوي، فالتقدير: فصليا ركعتين جميعاً. ثم أدخل ((أو صلي)) في البين، فإذا أريد تقييده بفاعله، يقدر: فصلي وصلت جميعاً، فهو قريب من التنازع.
الحديث السادس عن ابن عباس: قوله: ((أصحاب الليل)) إضافة الأصحاب إلي الليل لكثرة مباشرة القيام والصلاة فيه، كما يقال ابن السبيل لمن يواظب علي السلوك فيه.
стр. 759
١٢٤٠ - وعن ابن عمر، أن أباه عمر بن الخطاب، ﵁، كان يصلي من الليل ما شاء الله، حتى إذا كان من آخر الليل أيقظ أهلهل للصلاة، يقول لهم: الصلاة، ثم يتلو هذه الآية: ﴿وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقاً نحن نرزقك والعاقبة للتقوى﴾ رواه مالك. [١٢٤٠]
(٣٤) باب القصد في العمل
الفصل الأول
١٢٤١ - عن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ يفطر من الشهر حتى يظن أن لا يصوم منه، ويصوم حتى يظن أن لا يفطر منه شيئاً، وكان لا تشاء أن تراه من الليل مصلياً إلا رأيته، ولا نائماً إلا رأيته. رواه البخاري.
ــ
والمراد بـ ((حملة القرآن)) من حفظه وعمل بمقتضاه، وإلا كان في زمرة من قال تعالي في حقهم: ﴿كمثل الحمار يحمل أسفاراً﴾.
الحديث السابع عن ابن عمر: قوله: ((الصلاة)) مقول القول منصوبة بفعل مضمر، أي أقيموا أو صلوا. ويجوز الرفع، أي حضرت الصلاة. قوله: ﴿واصطبر عليها﴾ أي أقبل أنت مع أهلك علي عبادة الله، والصلاة، واستعينوا بها علي فقركم، ولا تهتم بأمر الرزق؛ فإن رزقك مكفي من عندنا، ففرغ بالك لأمر الآخرة. وعن بكر بن عبد الله المزني: كان إذا أصابته خصاصة قال قوموا فصلوا، بهذا أمر الله رسوله، ثم يتلو هذه الآية.
باب القصد في العمل
الفصل الأول
الحديث الأول عن أنس: قوله: ((لا تشاء أن تراه)) ((مظ)): ((لا)) بمعنى ليس، أو بمعنى لم، أي لست تشاء، أو لم تكن تشاء، أو تقديره: لا زمان تشاء، أي لا من زمان تشاء. أقول: لعل هذا التركيب من باب الاستثناء علي البدل، وتقديره علي الإثبات أن يقال: إن تشأ رؤيته متهجداً رأيته متهجداً، وإن تشأ رؤيته نائماً رأيته نائماً. يعني كان أمره قصداً لا إسراف ولا تقصير، نام أوان ينبغي أن ينام فيه كأول الليل، ويصلي أوان ينبغي أن يصلي فيه. وعلي هذا
стр. 760
١٢٤٢ - وعن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((أحب الأعمال إلي الله أدومها وإن قل)) متفق عليه.
١٢٤٣ - وعنها، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((خذوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا)) متفق عليه.
ــ
حكاية الصوم، ويشهد له حديث ((ثلاثة رهط)) علي ما روى أنس قال أحدهم: ((أما أنا فأصلي الليل أبداً، وقال آخر: أصوم الدهر ولا أفطر، قال رسول الله ﷺ : أنا أصلي، وأنام، وأصوم وأفطر أو كما قال، ثم قال: فمن رغب عن سنتي فليس مني)).
الحديث الثاني عن عائشة ﵂: قوله: ((أدومها وإن قل)) ((مظ)): بهذا الحديث ينكر أهل التصوف ترك الأوراد كما ينكرون ترك الفرائض. الحديث الثالث عن عائشة ﵂: قوله: ((لا يمل)) ((قض)): الملاك فتور يعرض للنفس من كثرة مزاولة شيء، فيوجب الكلال في الفعل والإعراض عنه. وأمثال ذلك علي الحقيقة إنما يصدق في حق من يعتريه التغير والانكسار، فأما من تنزه عن ذلك فيستحيل تصور هذا المعنى في حقه، فإذا أسند إليه، أول بما هو منتهاه وغاية معناه، كإسناد الرحمة، والغضب، والحاء، والضحك إلي الله تعالي، فالمعنى- والله أعلم- اعملوا حسب وسعكم وطاقتكم؛ فإن الله تعالي لا يعرض عنكم إعراض الملول، ولا ينقص ثواب أعمالكم ما بقى لكم نشاط وأريحية. فإذا فترتم فاقعدوا؛ فإنكم إذا مللتم عن العبادة وأتيتم بها علي كلال وفتور، كانت معاملة الله معكم حينئذ معاملة الملول عنكم.
((تو)): إسناد الملا إلي الله تعالي علي طريقة الازدواج والمشاكلة، والعرب تذكر أحد اللفظين موافقة للأخرى, وإن خالفها معنى، قال الله تعالي: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾. قال الشاعر:
ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا
ومن المستعد أن يفتخر ذو عقل بجهل. وإنما أراد فنجازيه بجهله. ونعاقبه علي سوء صنيعه. ووجه آخر: وهو أن الله لا يمل أبداً وإن مللتم، وذلك نظير قولهم: فلان لا ينقطع حتى ينقطع خصمه، أي لا ينقطع بعد انقطاع خصمه، بل يكون علي ما كان عليه قبل ذلك. قال بعضهم في تفسير قوله تعالي: ﴿إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً﴾: هذا غير مفتقر إلي
стр. 761
١٢٤٤ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليصل أحدكم نشاطه، وإذا فتر فليقعد)) متفق عليه.
١٢٤٥ - وعن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم؛ فإن أحدكم إذا صلي وهو ناعس لا يدري لعله يستغفر فيسب نفسه)) متفق عليه.
١٢٤٦ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الدين يسر ولن يشاد
ــ
التأويل؛ لأن الحياء مسلوب عنه تعالي، فهو كقولك: إنه تعالي ليس بجسم ولا عرض. أقول: وفيه نظر، حققناه في فتوح الغيب.
الحديث الرابع عن أنس: قوله: ((نشاطه)) ((شف)): جاز أن يكون ((نشاطه)) بمعنى الوقت، وأن يراد به الصلاة التي نشط لها. ((مظ)): يعني ليصل الرجل عن كمال الإرادة والذوق، فإنه في مناجاة ربه، فلا تجوز المناجاة عند الملال.
وأقول: يجوز أن يكون نصبه علي المصدر من حيث المعنى؛ لأن المأمورين هم ((المؤمنون)) ((الذين هم في صلاتهم خاشعون)). فلا تصدر منهم الصلاة إلا عن وفور نشاط وأريحية، يعني انشطوا في صلاتكم النشاط الذي يعرف منكم ويليق بحالكم وبمناجاة ربكم، فإذا عرض لكم الفتور أحياناً فاقعدوا.
الحديث الخامس عن عائشة ﵂: قوله: ((لا يدري)) مفعوله محذوف، أي لا يدري ما يفعل، وما بعده مستأنف بيان. والفاء في ((فيسب)) للسببية، كاللام في قوله تعالي: ﴿فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزنا﴾. قال المالكي: يجوز في ((فيسب)) الرفع باعتبار عطف الفعل علي الفعل، والنصب باعتبار عل ((فيسب)) جواباً لـ ((لعل)) فإنها مثل ليت في اقتضائها جواباً منصوباً. ونظيره قوله تعالي: ﴿لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى﴾ نصبه عاصم، ورفعه الباقون. انتهي كلامه.
أقول: النصب أولي؛ لما مر، ولأن المعنى: لعله يطلب من الله تعالي الغفران لذنبه ليصير مزكى مطهراً، فيتكلم بما يجلب الذنب فيزيد العصيان علي العصيان، وكأنه قد سب نفسه.
الحديث السادس عن أبي هريرة: قوله: ((إن الدين يسر)) الشارحون: المعنى أن دين الله
стр. 762
الدين أحد إلا غلبه، فسددوا، وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة)) رواه البخاري.
ــ
تعالي، وشريعته التي أمر بها عباده واختار لهم مبنية علي اليسر والسهولة، كما قال تعالي: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ فمن شدد علي نفسه، وتعمق في أمر الدين مما لم يوجب عليه، كما هو دأب الرهبإنية يغلب ويضعف عن القيام. وسدد الرجل: إذا لزم الطريقة المستقيمة. و ((الفاء)) جواب شرط محذوف يعني إذا بينت لكم ما في المشادة من الوهن في العزيمة والفترة عن العمل ((فسددوا)) أي اطلبوا بنياتكم السداد وهو القصد المستقيم الذي لا ميل فيه. ((وقاربوا)) تأكيد للتسديد من حيث المعنى، يقال: قارب فلان في أموره، إذا اقتصد. و ((الغدوة)) المرة من الغدو، وهو سير أول النهار نقيض الرواح. و ((الغدوة)) بالضم ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس. و ((الدجلة)) بالضم والفتح: اسم من أدلج بالتشديد، إذا سار من آخر الليل، استعيرت هذه الأوقات الثلاثة للصلاة فيها في قوله تعالي: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل﴾؛ لأنها سلوك وانتقال من العادة إلي العبادة، ومن الطبيعة إلي الشريعة، ومن الغيبة إلي الحضور.
وأقول: قوله: ((يسر)) خبر ((إن)) مصدر وضع موضع اسم المفعول مبالغة. والتنكير فيه للتقليل، كما في ((شيء)) في قوله: ((وشيء من الدلجة)) أي لا ينبغي أن يحمل النفس السهر في سائر الليل بل يكتفي بشيء منه. وأما بناء المفاعلة في ((يشاد)) فليس للمغالبة، بل للمبالغة، نحو طارقت النعل، وهو من جانب المكلف، ويحتمل أن يكون للمغالبة علي سبيل الاستعارة، وفي وضع المظهر موضع المضمر وهو ((الدين)) تتميم لمعنى الإنكار، أي لن يبالغ في تشديد الدين الميسور أحد إلا صار مغلوباً حيث كابر الميسر، ويقال: أمره وقصده أن يغلب عليه بالزيادة فيعود مغلوباً بما أفرط. وعطف ((ولن يشاد)) علي الجملة الأولي لإرادة حصول الجملتين في الوجود، وتفويض ترتب الثانية علي الأولي إلي ذهن السامع، يعني إذا شرع الدين علي السهولة واليسر، فلا ينبغي أن يشاد فيه، فمن شاد صار مغلوباً. والمستثنى منه أعم عام الأوصاف، أي لم يحصل، ولم يستقر ذلك المشاد علي وصف من الأوصاف إلا علي وصف المغلوبية. وأما معنى البشارة فكأنه قيل: أبشروا معاشر أمة محمد ﷺ خصوصاً، بأن الله تعالي رضي لكم الكثير من الأجر بالعمل القليل دون سائر الأمم، كما عليه الحديث المشهور.
((حس)): في الحديث الأمر بالاقتصاد في العبادة وترك التشديد علي النفس مما يثقلها؛ لأن الله تعالي لم يعبد خلقه بأن ينتصبوا آناء الليل وأطراف النهار فلا يستريحوا، بل أوب عليهم وظائف في وقت دون وقت. وعن محمد بن المنكدر مرسلاً يرفعه: إن هذا الدين متين، فأوغل
стр. 763
١٢٤٧ - عن عمر [﵁] قال: قال رسول الله ﷺ : ((من نام عن حزبه أو عن شيء منه، فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر؛ كتب له كأنما قرأه من الليل)) رواه مسلم.
١٢٤٨ - وعن عمران بن حصين، قال: قال رسول الله ﷺ : ((صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلي جنب)) رواه البخاري.
١٢٤٩ - وعنه، أنه سأل النبي ﷺ عن صلاة الرجل قاعداً. قال: ((إن صلي قائماً فهو أفضل، ومن صلي قاعداً فله نصف أجر القائم، ومن صلي نائماً فله نصف أجر القاعد)) رواه البخاري.
ــ
برفق، ولا تبغضن إلي نفسك عبادة الله، وإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى. وقال ابن مسعود: إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تؤتى عزائمه.
الحديث السابع عن عمر: قوله: ((عن حزبه)) ((نه)): وهو ما يجعله الرجل علي نفسه من قراءة أو صلاة كالورد، والحزب النوبة في ورود الماء. ((مظ)): إنما خص قبل الظهر بهذا الحكم؛ لأنه متصل بآخر الليل بغير فصل، سوى صلاة الصبح. ولهذا لو نوى الصائم قبل الزوال صوم نافلة جاز، وبعده لم يجز.
وأقول: قوله: ((كتب له)) جواب للشرط، و ((كأنها)) صفة مصدر محذوف، أي من فاته ورده في الليل، وتداركه في هذا الوقت، أثبت أجره في صحيفة عمله إثباتاً مثل إثباته حين قرأه من الليل.
الحديث الثامن والتاسع عن عمران: قوله: ((صلاة الرجل قاعداً)) ((حس)): الحديث الثاني وارد في صلاة التطوع، لأن أداء الفرائض قاعداً مع القدرة علي القيام لا يجوز، فإن صلي القادر صلاة التطوع قاعداً، فله نصف أجر القائم. قال سفيان الثوري: أما من له عذر من مرض أو غيره، فصلي جالساً، فله مثل أجر القائم. وهل يجوز أن يصلي التطوع نائماً مع القدرة علي القيام أو القعود؟ فذهب بعض إلي أنه لا يجوز، وذهب قوم إلي جوازه، وأجره نصف أجر القاعد وهو قول الحسن. وهو الأصح والأولي، لثبوت السنة فيه. ((مح)): وصلاة الفرض قاعداً مع قدرته علي القيام لم يصح، بل يأثم فيه، قال: وإن استحل كفر، وجرت عليه أحكام المرتدين. قوله: ((نائماً)) أي مضطجعاُ.
стр. 764
الفصل الثاني
١٢٥٠ - عن أبي أمامة، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((من أوى إلي فراشه طاهراً، وذكر الله حتى يدركه النعاس، لم يتقلب ساعة من الليل يسأل الله فيها خيراً من خير الدنيا والآخرة؛ إلا أعطاه أياه)) ذكره النووي في ((كتاب الأذكار)) برواية ابن السني. [١٢٥٠]
١٢٥١ - وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : ((عجب ربنا من رجلين: رجل ثار عن وطائه ولحافه من بين حبه وأهله إلي صلاته، فيقول الله لملائكته انظروا إلي عبدي، ثار عن فراشه ووطائه من بين حبه وأهله إلي صلاته، رغبة فيما عندي، وشفقاً مما عندي، ورجل غزا في سبيل الله فانهزم مع أصحابه، فعلم ما عليه في الانهزام وماله في الرجوع، فرجع حتى هريق دمه، فيقول الله لملائكته: انظروا إلي عبدي رجع رغبة فيما عندي، شفقاً مما عندي حتى هريق دمه)) رواه في ((شرح السنة)). [١٢٥١]
ــ
الفصل الثاني
الحديث الأول عن أبي أمامة: قوله: ((أوى)) ((نه)): أوى وآوى بمعنى واحد، يقال: أويت إلي المنزل، وآويت غيري، وأويته. وأنكر بعضهم المقصور المتعدي. وقال الأزهري: وهي لغة فصيحة، ومن المقصور اللازم في الحديث: ((أما أحدكم فأوى إلي الله)) أي رجع، ومن الممدود قوله: ((الحمد لله الذي كفانا وآوانا، أي ردنا إلي مأوانا يعني منزلنا.
قوله: ((يسأل الله)) حال من فاعل ((يتقلب))، وقوله ((إلا أعطاه إياه)) أيضاً حال من فاعل ((يسأل)) وجاز؛ لأن الكلام في سياق النفي، يعني لا يكون للسائل حال من الأحوال إلا كونه معطي إياه ما طلب فلا يخيب. هذا علي أن يكون المفعول الأول ضمير السائل، وأما إذا قدم المفعول الثاني علي الأول اهتماماً بشأن الخير، يجوز أن يكون صفة لـ ((خير))، أو حالاً عنه؛ لاتصافه بقوله: ((من خير الدنيا والآخرة)) فالمعنى لم يكن يتجاوز الدعاء لخير الدارين من الاستجابة إلي الخيبة.
стр. 765
الفصل الثالث
١٢٥٢ - عن عبد الله بن عمرو، قال: حدثت أن رسول الله ﷺ قال: ((صلاة الرجل قاعداً نصف الصلاة)). قال: فأتيته فوجدته يصلي جالساً، فوضعت يدي علي رأسه. فقال: ((مالك يا عبد الله بن عمرو)). قلت: حدثت يا رسول الله! أنك قلت: ((صلاة الرجل قاعداً علي نصف الصلاة)) وأنت تصلي قاعداً. قال: ((أجل، ولكني لست كأحد منكم)) رواه مسلم.
١٢٥٣ - وعن سالم بن أبي الجعد، قال: قال رجل من خزاعة: ليتني صليت فاسترحت، فكأنهم عابو ذلك عليه، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((أقم الصلاة يا بلال! أرحنا بها)) رواه أبو داود. [١٢٥٣]
ــ
الحديث الثاني عن عبد الله بن مسعود: قوله: ((عجب ربنا)) ((نه)): أي عظم ذلك عنده، وكبر لديه. إطلاق التعجب علي الله مجاز؛ لأنه لا يخفي عليه أسباب الأشياء. والتعجب تغيير يعتري إنسان من رؤية ما خفي عليه سببه. وقيل: ((عجب ربنا)) أي رضي وأثاب. والأول أوجه؛ لقوله تعالي للملائكة: ((انظروا إلي عبدي)) علي سبيل المباهاة.
قوله: ((شفقاً)) ((نه)): أي خوفاً، يقال: أشفقت أشفق إشفاقاً، وهي اللغة الغالبة وحكى ابن دريد: أشفق إشفاقاً.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن عبد الله بن عمرو: قوله: ((علي نصف الصلاة)) أي تقاس صلاة الرجل حال قعوده علي نصف صلاته حال قيامه. قوله: فوضعت يدي علي رأسه)) فإن قلت: أليس هذا علي خلاف ما يجب عليه من توقيره ﷺ ؟ قلت: لعل لك صدر لا عن قصد منه، وإنه لما وجده ﷺ علي خلاف ما حدث عنه من قوله: ((صلاة الرجل قاعداً نصف الصلاة)) استغرب ذلك واستبعده، فأراد تحقيق ذلك فوضع يده علي رأسه، ولذلك أنكر ﷺ بقوله: ((مالك يا عبد الله بن عمرو)) فسماه ونسبه إلي أبيه. وكذا قول عبد الله في الجواب: ((وأنت تصلي قاعداً)) فإنه حال مقررة لجهة الإشكال، ونحوه قول الملائكة: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك﴾. وقوله: ((أجل)) قول بالموجب وتقرير لما قال. قوله: ((ولكني لست)) إشارة إلي بيان الفرق بينه وبين غيره، ورفع لجهة الإشكال والاستغراب.
الحديث الثاني عن سالم: قوله: ((عابوا ذلك)) أي تمنيه الاستراحة في الصلاة وهي شاقة علي
стр. 766
(٣٥) باب الوتر
الفصل الأول
١٢٥٤ - عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشى أحدكم الصبح؛ صلي ركعة واحدة، توتر له ما قد صلي)) متفق عليه.
ــ
النفس وثقيلة عليها، لعلهم نسوا قوله تعالي: ﴿وإنها لكبيرة إلي علي الخاشعين﴾. قوله: ((أرحنا بها)) ((نه)): ي أذن بالصلاة، نسترح بأذانها من شغل القلب بها. وقيل: كان اشتغاله بالصلاة راحة له، فإنه ﷺ كان يعد غيرها من الأعمال الدنيوية تعباً، وكان يستريح بالصلاة لما فيها من مناجاة الله تعالي؛ ولهذا قال: ((وقرة عني في الصلاة)) وما أقرب الراحة من قرة العين. يقال: أراح الرجل واستراح إذا رجعت نفسه إليه بعد الإعياء.
باب الوتر
الفصل الأول
الحديث الأول عن ابن عمر ﵄: قوله: ((مثنى مثنى)) أتى بالثاني تأكيداً، لأن الأول مكرر معنى، ولذلك امتنع من الصرف. ((الكشاف)): وإنما لم ينصر؛ لتكرار العدل فيها قال الزجاج: أحدهما أنه معدول عن اثنين اثنين، والثاني أن عدله وقع في حال التكرر. وزعم سيبويه: أن عدم الصرف للعدل والصفة. ((الكشاف)): وأما الوصفية فلا يفترق الحال فيها، فلا يعرج عليها، يعني لو كانت الوصفية مؤثرة في المنع من الصرف، لقلت: مررت بنسوة أربع مفتوحاً، فلما صرفته علم أنها ليست بمؤثرة، فالوصفية ليست بأصل، لأن الواضع لم يضعها لتقع وصفاً بل عرض لها ذلك، نحو مررت بحية ذراع، ورجل أسد، والذراع والأسد ليسا بوصفين للحية والرجل حقيقة، وقيل: يفترق الحال فيها فإن مثنى وغيرها تقع صفة البتة، والثلاثة وغيرها وقوعها صفة بالتأويل، تقول: رجال ثلاثة، أي مقدر بثلاثة. وأجيب عنه: بأن مثنى وثلاث لا تخلو من أن تكون موضوعاً للصفة من غير اعتبار الاثنين والثلاثة، أو لا تكون. فإن كان الأول لم يكن فيه العدد، والمقدر خلافه، وإن كان الثاني كان الوصف عارضاً لمثنى وثلاث، كما كان عارضاً لاثنين وثلاثة.
قوله: ((يوتر له)) ((نه)): الوتر الفرد، تكسر واوه، وتفتح. وفي الحديث: ((أوتر)) أمر بالصلاة
стр. 767
١٢٥٥ - وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الوتر ركعة من آخر الليل)) رواه مسلم.
١٢٥٦ - وعن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر من ذلك بخمس، لا يجلس في شيء إلا في آخرها. متفق عليه.
١٢٥٧ - وعن سعد بن هشام، قال: انطلقت إلي عائشة، فقلت: يا أم المؤمنين! أنبئيني عن خلق رسول الله ﷺ . قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلي. قالت: فإن خلق نبي الله ﷺ كان القرآن. قلت: يا أم المؤمنين! أنبئيني عن وتر رسول الله ﷺ .
ــ
الوتر، وهو أن يصلي مثنى مثنى، ثم يصلي في آخرها ركعة مفردة، ويضيفها إلي ما قبلها من الركعات، فعلي هذا في تركيب هذا الحديث إسناد مجازي حيث أسند الفعل إلي الركعة، وجعل الضمير في ((له)) للمصلي، وكان الظاهر أن يقال: يوتر المصلي بها ما قد صلي. وفي قوله: ((يوتر له)) إشارة إلي أن جميع ما صلي وتر.
((مظ)) قل الشافعي ﵁: يسلم في صلاة الليل والنهار من كل ركعتين غير الفريضة؛ روي عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: ((صلاة الليل مثنى والنهار مثنى مثنى)). وقال بعض أصحاب أبي حنيفة ﵃: إن صلاة الليل مثنى، وصلاة النهار يسلم عن أربع. والله أعلم.
الحديث الثاني عن ابن عمر: قوله: ((ركعة من آخر الليل)) خبر موصوف أي ركعة منشأة من آخر الليل، أي آخر وقتها آخر الليل.
الحديث الثالث عن عائشة: قوله: ((يصلي من الليل)) أي بعضه. ومذهب مالك أن من أوتر من أول الليل ثم تهجد في آخره، يعيد الوتر.
الحديث الرابع عن سعد: قوله: ((يا أم المؤمنين)) هو من قوله تعالي: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ شبههن بالأمهات في بعض الأحكام، وهو وجوب تعظيمهن واحترامهن، وتحريم نكاحهن، وهن فيما وراء ذلك بمنزلة الأجنبيات.
قوله: ((فإن خلق النبي الله القرآن)) في الإحياء: أرادت عائشة ﵂ بقولها: ((كان خلقه القرآن)) مثل قوله تعالي ﴿خذ العفو﴾ الآية، وقوله تعالي: ﴿إن الله يأمر بالعدل
стр. 768
فقالت: كنا نعد له سواكه وطهوره، فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك ويتوضأ، ويصلي تسع ركعات، لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر الله، ويحمده،
ــ
والإحسان وإيتاء ذي القربى﴾ وقوله تعالي: ﴿واصبر علي ما أصابك﴾ وقوله تعالي: ﴿فاعف عنهم واصفح﴾ وقوله تعالي: ﴿ادفع بالتي هي أحسن﴾ وقوله تعالي: ﴿والكاظمين الغيظ﴾ وقوله تعالي: ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن﴾ من الآيات الدالة علي تهذيب الأخلاق الذميمة، وتحصيل الأخلاق الحميدة. وقال شيخنا شيخ الإسلام في ((العوارف)): قوله ﵂: ((كان خلقه القرآن)) فيه سر كبير غامض، وذلك أن النفوس مجبولة علي طبائع وغرائز من البهيمية، والسبعية، والشيطنة، والله تعالي بعظيم عنايته نزع نصيب الشيطان منه صلوات الله عليه؛ لقوله تعالي: ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾، ولحديث انشراح الصدر، وبعد هذا النزع بقيت للنفس الزكية النبوية بقايا صفات البشرية رحمة للخلق، فاستمدت البقايا من الصفات، لظهورها فيه صلوات الله عليه تنزيل الآيات المحكمات بإزائها لقمعها تأديباً من الله ورحمة له خاصة، وللأمة عامة، موزعاً نزول الآيات علي الأيام والأوقات عند ظهور الصفات. قال الله تعالي: ﴿لولا أنزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك﴾ فلما تحركت النفس الشريفة عند كسر رباعيته وقال: ((وكيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم)) فأنزل الله تعالي: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ فاكتسى القلب لباس الاصطبار، فلما توزعت الآيات علي ظهور الصفات وصفت الأخلاق النبوية بالقرآن ليكون خلقه القرآن. وكذا ورد: ((أنا أنسى لأسن)) تأديباً لنفوس الأمة وتهذيباً ورحمة. ووجه آخر: أن قولها ﵂: ((كان خلقه القرآن)) إيماء إلي التخلق بأخلاق الله تعالي، فعبرت عن المعنى بقولها ذلك استحياء من سبحات الجلال، وستراً للحال بلطف المقال، وهذا من وفور علمها، وكمال أدبها.
قوله: ((فبعثه الله)) ((نه)): أي يوقظه من نومه، يقال: انبعث فلان بشأنه، إذا سار ومضى ذاهباً لقضاء حاجته. فإن قلت: قد تقرر عند علماء المعإني: أن مفعول شاء وأراد لا يذكر في الكلام الفصيح إلا أن يكون فيه غرابة، نحو قول القائل: لو شئت أن أبكي دماً لبكيته، ولو شاء الله أن يتخذ ولداً، فأين الغرابة في قوله: ((شاء أن يبعثه))؟ قلت: كفي بلفظ البعث شاهداً علي
стр. 769
ويدعوه، ثم ينهض، ولا يسلم، فيصلي التاسعة، ثم يقعد، فيذكر الله، ويحمده، ويدعوه، ثم يسلم تسليماً يسمعنا، ثم يصلي ركعتين بعد ما يسلم وهو قاعد، فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني! فلما أسن ﷺ وأخذ اللحم، أوتر بسبع، وصنع في الركعتين مثل صنيعه في الأولي، فتلك تسع يا بني!. وكان نبي الله ﷺ إذا صلي صلاة أحب أن يداوم عليها، وكان إذا غلبه نوم أو وجع عن قيام الليل صلي من النهار ثنتي عشرة ركعة، ولا أعلم نبي الله ﷺ قرأ القرآن كله في ليلة، ولا صلي ليلة إلي الصبح، ولا صام شهراً كاملاً غير رمضان. رواه مسلم.
١٢٥٨ - وعن ابن عمر، عن النبي ﷺ ، قال: ((اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً)) رواه مسلم.
١٢٥٩ - وعنه، عن النبي ﷺ ، قال: ((بادروا الصبح بالوتر)) رواه مسلم.
ــ
الغرابة، كأنه تعالي نبه حبيبه لقضاء نهمته من حبيبه مناغاة ومناجاة بينهما من مكاشفات وأحوال. قال تعالي: ﴿فأوحى إلي عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأي﴾ فأي غرابة أغرب من هذا. و ((ما)) موصولة والعائد محذوف، أي ما شاء فيه بمعنى المقدار، و ((من الليل)) بيانه.
قوله: ((فيذكر الله ويحمده)) ((مظ)): أي يتشهد، فالحمد إذاً لمطلق الثاء؛ إذ ليس في التحيات لفظ الحمد. قوله: ((ثم يصلي ركعتين)) ((مح)): قال أحمد ﵁: لا أفعلهما ولا أمنع فعلهما، وأنكر مالك ﵁. قال الشيخ محيي الدين: الصواب أن هاتين الركعتين فعلهما رسول الله ﷺ بعد الوتر جالساً، لبيان جواز الصلاة بعد الوتر، وبيان جواز النفل جالساً، ولم يواظب علي ذلك، وأما رد القاضي عياض رواية هاتين الركعتين، فليس بصواب؛ لأن الأحاديث إذا صحت وأمكن الجمع بينهما، تعين. وقد جمعنا بينها.
قوله: ((لا أعلم نبي الله)) هذا من باب نفي الشيء بنفي لازمه، ولا يسلك هذا الأسلوب إلا في حق من أحاط علمه بالمعلوم، ويتمكن منه تمكناً تاماً، وهذا في علم الله تعالي مطرد. قال تعالي: ﴿قل أتنبئون الله بما لا يعلم﴾ أي بما لم يوجد ولم يثبت؛ لأنه لو وجد لتعلق علم الله به. وكذلك الصديقة ابنة الصديق ﵄ كانت مترقبة أحوال رسول الله ﷺ ليلها ونهارها، وحضورها وغيبتها، مشاهدة ومسائلة، أي لم يكن يفعل المذكور إذا لو فعل لعلمته والله أعلم.
الحديث الخامس والسادس: عن ابن عمر ﵄: قوله: ((بادروا الصبح بالوتر))
стр. 770
١٢٦٠ - وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل)) رواه مسلم.
١٢٦١ - وعن عائشة، قالت: من كل الليل أوتر رسول الله ﷺ : من أول الليل، وأوسطه، وآخره، وانتهي وتره إلي السجر. متفق عليه.
١٢٦٢ - وعن أبي هريرة، قال: أوصإني خليلي بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام. متفق عليه.
ــ
أي سارعوا. ((غب)): يقال: بادرت إليه، وبادرته. والبدر قيل: سمي بدراً لمبادرته الشمس بالطلوع. وأقول: كأن الصبح تقدم إليك مسافراً طالباً منك الوتر، وأنت تستقبله مسرعاً بمطلوبه، وإيصاله إلي بغيته. ((حس)): ذهب بعض أهل العلم إلي أنه لا وتر بعد الصبح، وهو قول عطاء، وبه قال أحمد ومالك وذهب آخرون إلي أنه يقضيه متى كان، وهو قول سفيان الثوري، وأظهر قول الشافعي، لما وري أنه: ((من نام عن وتره فليصل إذا أصبح)).
الحديث السابع عن جابر ﵁: قوله: ((مشهودة)) يعني تشهدها ملائكة الليل والنهار، ينزل هؤلاء ويصعد هؤلاء، فهو آخر ديوان الليل وأول ديوان النهار، أو يشهدها كثير من المصلين في العادة.
الحديث الثامن عن عائشة ﵂: قوله: ((من كل الليل)) ((من)) يجوز أن تكون تبعيضية منصوبة بـ ((أوتر)) و ((من)) الثانية بدل منها، لأن الليل إذا قسم ثلاثة أقسام يكون لكل قسم منها أجزاء، ويجوز أن تكون الثانية بياناً لمعنى البعضية، ويجوز أن تكون الأولي ابتدائية، والثانية بياناً لـ ((كل)). وهذا أوجه. ويعتبر لكل الأفراد بمنزلة اللام الاستغراقية، والثانية بدل، أو بيان.
الحديث التاسع عن أبي هريرة: قوله: ((أن أوتر قبل أن أنام)) وكان مقتضى الظاهر أن يقول: والوتر قبل النوم؛ ليناسب المعطوف عيله، وأتى بـ ((أن)) المصدرية وأبرز الفعل، وجعله فاعلاً له اهتماماً بشأنه، وأنه أليق بحاله، لما خاف الفوت إن نام عنه، وإلا فإن الوتر في آخر الليل أفضل. ((مح)): الإيتار قبل النوم إنما يستحب لمن لا يثق بالاستيقاظ في آخر الليل، فإن وثق فآخر الليل أفضل.
стр. 771
الفصل الثاني
١٢٦٣ - عن غضيف بن الحارث، قال: قلت لعائشة: أرأيت رسول الله ﷺ كان يغتسل من الجنابة في أول الليل أم في آخره؟ قالت: ربما اغتسل في أول الليل، وربما اغتسل في آخره. قلت: الله أكبر! الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة، قلت: كان يوتر أول الليل أم في آخره؟ قالت: ربما أوتر في أول الليل، وربما أوتر في آخره. قلت: الله أكبر! الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة، قلت: كان يجهر بالقراءة أم يخفت؟ قالت: ربما جهر به، وربما خفت. قلت الله أكبر! الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة. رواه أبو داود، وروى ابن ماجه الفصل الأخير. [١٢٦٣]
١٢٦٤ - وعن عبد الله بن أبي قيس، قال: سألت عائشة: بكم كان رسول الله ﷺ يوتر؟ قالت: كان يوتر بأربع وثلاث، وست وثلاث، وثمان وثلاث، وعشر وثلاث، ولم يكن يوتر بأنقص من سبع، ولا بأكثر من ثلاث عشرة. رواه أبو داود. [١٢٦٤]
١٢٦٥ - وعن أبي أيوب، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الوتر حق علي كل مسلم، فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل)) رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه. [١٢٦٥]
ــ
الفصل الثاني
الحديث الأول عن غضيف: قوله: ((الله أكبر الحمد لله)) دل الحمد لله علي أن السعة من الله تعالي في التكاليف نعمة، يجب تلقيها بالشكر. ((والله أكبر)) دل علي أن تلك النعمة عظيمة خطيرة؛ لما فيه من معنى التعجب.
الحديث الثاني عن عبد الله: قوله: ((يوتر بأربع وثلاث)) إلي آخره ((مح)): هذا الاختلاف بحسب ما كان يحصل من اتساع الوقت، أو طول القراءة، كما جاء في حديث حذيفة وابن مسعود ((أو من مرض أو من كبر سن)) كما قالت: ((فلما أسن صلي سبع ركعات أو غيرها)).
الحديث الثالث عن أبي أيوب: قوله: ((الوتر حق)) الحق يجيء بمعنى الثبوت والوجوب،
стр. 772
١٢٦٦ - وعن علي، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله وتر يحب الوتر، فأوتروا يا أهل القرآن!)) رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي. [١٢٦٦]
١٢٦٧ - وعن خارجة بن حذافة، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وقال: ((إن الله أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم: الوتر جعله الله لكم فيما بين صلاة العشاء إلي أن يطلع الفجر)) رواه الترمذي، وأبو داود. [١٢٦٧]
ــ
ذهب أبو حنيفة إلي الثاني، والشافعي إلي الأول، أي ثابت في السنة والشرع، وفيه نوع تأكيد. ((حس)): أجمع أهل العلم علي أن الوتر ليس بفريضة، وهو سنة عند عامتهم. والدليل عليه قوله ﷺ للأعرابي الذي قال له: ((هل علي غيرهن؟ قال: لا إلا أن تطوع)) وقوله ﷺ : ((خمس صلوات كتبهن الله علي العباد، من جاء بهن لم ينقص منهن شيئاً استخفافاً بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة)). وقال أبو حنيفة: هو واجب، واحتج بقوله ﷺ : ((الوتر حق، فمن لم يوتر، فليس منا)). قوله: ((من أحب أن يوتر بواحدة فليفعل)) ((مح)): فيه دليل علي أن أقل الوتر ركعة، وأن الركعة الفردة صلاة صحيحة. وهو مذهبنا، ومذهب الجمهور. وقال أبو حنيفة: لا يصح الإيتار بواحدة، ولا تكون الركعة الواحدة صلاة، والأحاديث الصحيحة ترد عليه.
الحديث الرابع عن علي: قوله: ((إن الله وتر)) ((نه)): إن الله تعالي واحد في ذاته، لا يقبل الانقسام والتجزئة، واحد في صفاته، فلا شبه له ولا مثل، واحد في أفعاله، فلا شريك له ولا معين. و ((يحب الوتر)) أي يثيب عليه ويقبله من عامله. ((قض)): وكل ما يناسب الشيء أدنى مناسبة كان أحب إليه مما لم تكن له تلك المناسبة. قوله: ((فأوتروا)) ((تو)): أي صلوا الوتر. و ((الفاء)) جزاء شرط محذوف، كأنه قال: إذا هديتم إلي أن الله تعالي يحب الوتر، فأوتروا؛ فإن من شأن أهل القرآن أن يكدحوا في ابتغاء مرضاة الله وإيثار محابه ومراعاة حدوده والمراد بأهل القرآن المؤمنون الذين صدقوا القرآن، وخاصة من يتولي القيام بحفظه، وتلاوته، ومراعاة حدوده وأحكامه.
أقول- والله أعلم -: لعل المناسبة لتخصيص النداء بأهل القرآن في مقام الفردإنية إنما كانت لأجل أن القرآن ما أنزل إلا لتقرير التوحيد، قال تعالي علي سبيل الحصر وتكريره: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد﴾ أي مقصور علي استئثار الله بالتوحيد كأنه قيل: إن الله واحد يحب الوحدة، فوحدوه يا أهل التوحيد.
الحديث الخامس عن خارجة: قوله: ((أمدكم)) ((الكشاف)): هو مد الجيش وأمده إذا زاده،
стр. 773
١٢٦٨ - وعن زيد بن أسلم، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من نام عن وتره فليصل إلي أصبح)) رواه الترمذي مرسلا. [١٢٦٨]
١٢٦٩ - وعن عبد العزيز بن جريج، قال: سألنا عائشة ﵂: بأي شيء كان يوتر رسول الله ﷺ ؟ قالت: كان يقرآ في الأولي بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلي﴾، وفي الثانية بـ ﴿قل يا أيها الكافرون﴾، وفي الثالثة بـ ﴿قل هو الله أحد﴾ والمعوذتين. رواه الترمذي، وأبو داود. [١٢٦٩]
١٢٧٠ - ورواه النسائي عن عبد الرحمن بن أبزى.
١٢٧١ - ورواه أحمد عن أبي بن كعب.
١٢٧٢ - والدارمي عن ابن عباس، ولم يذكروا ((والمعوذتين)).
١٢٧٣ - وعن الحسن بن علي ﵄ قال: علمني رسول الله ﷺ
ــ
وألحق به ما يقويه ويكثره، وكذلك مد الدواب وأمدها زادها ما يصلحها، مددت السراج والأرض إذا أصلحتهما بالزيت والسماد. ((قض)): وروى ((زادكم)) وليس في الروايتين ما يدل علي وجوب الوتر؛ إذ الإمداد والزيادة تحتمل أن تكون علي سبيل الوجوب، وأن تكون علي طريقة الندب.
وأقول: ((إن الله أمدك)) وارد علي سبيل الامتنان علي أمته مراداً به مزيد فضل علي فضل، كأنه قيل: إن الله تعالي فرض عليكم الصلوات الخمس ليؤجركم بها ويثيبكم عليها، ولم يكتف بذلك، فشرع صلاة التهجد والوتر ليزيدكم إحساناً علي إحسان وثواباً علي ثواب، وإليه لمح بقوله: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً﴾ ولفظة ((لك)) تدل علي اختصاص الوجوب به، فدل مفهومه علي أنه غير واجب علي الغير.
قوله: ((حمر النعم)) ((مظ)): هي عند العرب أعز الأموال وأشرفها، فجعلت كناية عن خير الدنيا كله، كأنه قيل: هذه الصلاة خير لكم مما تحبون من عرض الدنيا وزينتها لأنها ذخيرة الآخرة، ﴿والآخرة خير وأبقى﴾: ((والوتر)) يحتمل أن يكون مجروراً بدلاً من ((صلاة))، وأن يكون مرفوعاً خبر مبتدأ محذوف
стр. 774
كلمات أقولهن في قنوت الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت)) رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي. [١٢٧٣]
١٢٧٤ - وعن أبي بن كعب، قال: كان رسول الله ﷺ إذا سلم في الوتر قال: ((سبحان الملك القدوس)). رواه أبو داود، والنسائي، وزاد: ثلاث مرات يطيل [في آخرهن]. [١٢٧٤]
١٢٧٥ - وفي رواية للنسائي، عن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، قال: كان يقول إذا سلم: ((سبحان الملك القدوس)) ثلاثاً، ويرفع صوته بالثالثة. [١٢٧٥]
ــ
الحديث السادس إلي الثامن عن الحسن: قوله: ((فيما أعطيت)) ((في)) فيه ليست كما هي في السوابق؛ لأن معناها: أوقع البركة فيما أعطيتني من خير الدارين، ومعناها في قوله: ((فيمن هديت اجعل لي نصيباً وافراً من الاهتداء معدوداً في زمرة المهتدين من الأنبياء والأولياء. و ((فيمن هديت)) متصل بالفعل علي سبيل المبالغة، أي أوقع هدايتي في زمرة من هديتهم، كقوله تعالي ﴿فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا)). قوله: ((وقني شر ما قضيت)) فإن قلت: قد سبق أن القضاء م الله أخص من القدر؛ لأن القدر هو التقدير، والقضاء هو التفصيل والقطع، فما قطع وفصل كيف يتوقى منه؟ قلت: معناه: قني شر ما حكمت في تقديرك بقضائه، كما قيل: أفر من قضاء الله إلي قدره.
الحديث التاسع عن أبي بن كعب: قوله: ((القدوس)) ((نه)): القدوس هو الطاهر المنزه عن العيوب والنقائص. وفعول- بالضم- من أبنية المبالغة ولم يجيء منه إلا قدوس، وسبوح، وذروح. قوله: ((يرفع صوته)) ((مظ)): هذا يدل علي جواز الذكر مع الصوت، بل علي الاستحباب إذا اجتنب الرياء إظهاراً للدين، وتعليماً للسامعين، وإيقاظاً لهم من رقدة الغفلة،
стр. 775
١٢٧٦ - وعن علي ﵁ قال: إن النبي ﷺ كان يقول في آخر وتره: ((اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت علي نفسك)) رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. [١٢٧٦]
الفصل الثالث
١٢٧٧ - عن ابن عباس، قيل له: هل لك في أمير المؤمنين معاوية ما أوتر إلا بواحدة؟ قال: أصاب، إنه فقيه.
وفي رواية: قال ابن أبي مليكة: أوتر معاوية بعد العشاء بركعة، وعنده مولي لابن عباس، فأتى ابن عباس فأخبره. فقال: دعه فإنه قد صحب النبي ﷺ . رواه البخاري.
١٢٧٨ - وعن بريدة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((الوتر حق، فمن لم
ــ
وإيصالاً لبركة الذكر علي مقدار ما يبلغ الصوت إليه من الحيوان والحجر والمدر، وطلباً لاقتداء الغير به، وليشهد له يوم القيامة كل رطب ويابس سمع صوته. وبعض المشايخ يختار إخفاء الذكر؛ لأنه أبعد من الرياء، وهذا يتعلق بالنية.
الحديث العاشر عن علي ﵁: مضى شرحه في باب السجود مستقصى.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن ابن عباس: قوله: ((هل لك في أمير المؤمنين)) نحو قوله تعالي: ﴿هل لك إلي أن تزكى﴾ أي هل لك رغبة إلي التزكية، وأن تتطهر من الشرك؟ ويقال: هل لك في كذا، وهل إلي كذا، كما تقول: هل ترغب فيه، وهل ترغب إليه؟ فالاستفهام في الحديث بمعنى الإنكار، أي هل لك رغبة في معاوية وهو يرتكب هذا المنكر. ومن ثم أجاب ((دعه فإنه قد صحب النبي ﷺ ) فلا يفعل إلا ما رآه منه. أو هو فقيه أصاب في اجتهاده، وفيه شهادة من حبر الأمة لمعاوية وفضله، وصحبته، واجتهاده.
الحديث الثاني عن بريدة: قوله: ((فليس منا)) ((من)) فيه اتصالية، كما في قوله تعالي: ﴿والمنافقون والمنافقات بعضهم من بعض﴾ وقوله: ((فإني لست منك ولست مني)) المعنى:
следующие страницы →