← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 122257

شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن

الطيبي

Полный текст (3 308 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

الفصل الثاني ١٢٦٣ - عن غضيف بن الحارث، قال: قلت لعائشة: أرأيت رسول الله ﷺ كان يغتسل من الجنابة في أول الليل أم في آخره؟ قالت: ربما اغتسل في أول الليل، وربما اغتسل في آخره. قلت: الله أكبر! الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة، قلت: كان يوتر أول الليل أم في آخره؟ قالت: ربما أوتر في أول الليل، وربما أوتر في آخره. قلت: الله أكبر! الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة، قلت: كان يجهر بالقراءة أم يخفت؟ قالت: ربما جهر به، وربما خفت. قلت الله أكبر! الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة. رواه أبو داود، وروى ابن ماجه الفصل الأخير. [١٢٦٣] ١٢٦٤ - وعن عبد الله بن أبي قيس، قال: سألت عائشة: بكم كان رسول الله ﷺ يوتر؟ قالت: كان يوتر بأربع وثلاث، وست وثلاث، وثمان وثلاث، وعشر وثلاث، ولم يكن يوتر بأنقص من سبع، ولا بأكثر من ثلاث عشرة. رواه أبو داود. [١٢٦٤] ١٢٦٥ - وعن أبي أيوب، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الوتر حق علي كل مسلم، فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل)) رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه. [١٢٦٥] ــ الفصل الثاني الحديث الأول عن غضيف: قوله: ((الله أكبر الحمد لله)) دل الحمد لله علي أن السعة من الله تعالي في التكاليف نعمة، يجب تلقيها بالشكر. ((والله أكبر)) دل علي أن تلك النعمة عظيمة خطيرة؛ لما فيه من معنى التعجب. الحديث الثاني عن عبد الله: قوله: ((يوتر بأربع وثلاث)) إلي آخره ((مح)): هذا الاختلاف بحسب ما كان يحصل من اتساع الوقت، أو طول القراءة، كما جاء في حديث حذيفة وابن مسعود ((أو من مرض أو من كبر سن)) كما قالت: ((فلما أسن صلي سبع ركعات أو غيرها)). الحديث الثالث عن أبي أيوب: قوله: ((الوتر حق)) الحق يجيء بمعنى الثبوت والوجوب،

стр. 772

١٢٦٦ - وعن علي، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله وتر يحب الوتر، فأوتروا يا أهل القرآن!)) رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي. [١٢٦٦] ١٢٦٧ - وعن خارجة بن حذافة، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وقال: ((إن الله أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم: الوتر جعله الله لكم فيما بين صلاة العشاء إلي أن يطلع الفجر)) رواه الترمذي، وأبو داود. [١٢٦٧] ــ ذهب أبو حنيفة إلي الثاني، والشافعي إلي الأول، أي ثابت في السنة والشرع، وفيه نوع تأكيد. ((حس)): أجمع أهل العلم علي أن الوتر ليس بفريضة، وهو سنة عند عامتهم. والدليل عليه قوله ﷺ للأعرابي الذي قال له: ((هل علي غيرهن؟ قال: لا إلا أن تطوع)) وقوله ﷺ : ((خمس صلوات كتبهن الله علي العباد، من جاء بهن لم ينقص منهن شيئاً استخفافاً بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة)). وقال أبو حنيفة: هو واجب، واحتج بقوله ﷺ : ((الوتر حق، فمن لم يوتر، فليس منا)). قوله: ((من أحب أن يوتر بواحدة فليفعل)) ((مح)): فيه دليل علي أن أقل الوتر ركعة، وأن الركعة الفردة صلاة صحيحة. وهو مذهبنا، ومذهب الجمهور. وقال أبو حنيفة: لا يصح الإيتار بواحدة، ولا تكون الركعة الواحدة صلاة، والأحاديث الصحيحة ترد عليه. الحديث الرابع عن علي: قوله: ((إن الله وتر)) ((نه)): إن الله تعالي واحد في ذاته، لا يقبل الانقسام والتجزئة، واحد في صفاته، فلا شبه له ولا مثل، واحد في أفعاله، فلا شريك له ولا معين. و ((يحب الوتر)) أي يثيب عليه ويقبله من عامله. ((قض)): وكل ما يناسب الشيء أدنى مناسبة كان أحب إليه مما لم تكن له تلك المناسبة. قوله: ((فأوتروا)) ((تو)): أي صلوا الوتر. و ((الفاء)) جزاء شرط محذوف، كأنه قال: إذا هديتم إلي أن الله تعالي يحب الوتر، فأوتروا؛ فإن من شأن أهل القرآن أن يكدحوا في ابتغاء مرضاة الله وإيثار محابه ومراعاة حدوده والمراد بأهل القرآن المؤمنون الذين صدقوا القرآن، وخاصة من يتولي القيام بحفظه، وتلاوته، ومراعاة حدوده وأحكامه. أقول- والله أعلم -: لعل المناسبة لتخصيص النداء بأهل القرآن في مقام الفردإنية إنما كانت لأجل أن القرآن ما أنزل إلا لتقرير التوحيد، قال تعالي علي سبيل الحصر وتكريره: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد﴾ أي مقصور علي استئثار الله بالتوحيد كأنه قيل: إن الله واحد يحب الوحدة، فوحدوه يا أهل التوحيد. الحديث الخامس عن خارجة: قوله: ((أمدكم)) ((الكشاف)): هو مد الجيش وأمده إذا زاده،

стр. 773

١٢٦٨ - وعن زيد بن أسلم، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من نام عن وتره فليصل إلي أصبح)) رواه الترمذي مرسلا. [١٢٦٨] ١٢٦٩ - وعن عبد العزيز بن جريج، قال: سألنا عائشة ﵂: بأي شيء كان يوتر رسول الله ﷺ ؟ قالت: كان يقرآ في الأولي بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلي﴾، وفي الثانية بـ ﴿قل يا أيها الكافرون﴾، وفي الثالثة بـ ﴿قل هو الله أحد﴾ والمعوذتين. رواه الترمذي، وأبو داود. [١٢٦٩] ١٢٧٠ - ورواه النسائي عن عبد الرحمن بن أبزى. ١٢٧١ - ورواه أحمد عن أبي بن كعب. ١٢٧٢ - والدارمي عن ابن عباس، ولم يذكروا ((والمعوذتين)). ١٢٧٣ - وعن الحسن بن علي ﵄ قال: علمني رسول الله ﷺ ــ وألحق به ما يقويه ويكثره، وكذلك مد الدواب وأمدها زادها ما يصلحها، مددت السراج والأرض إذا أصلحتهما بالزيت والسماد. ((قض)): وروى ((زادكم)) وليس في الروايتين ما يدل علي وجوب الوتر؛ إذ الإمداد والزيادة تحتمل أن تكون علي سبيل الوجوب، وأن تكون علي طريقة الندب. وأقول: ((إن الله أمدك)) وارد علي سبيل الامتنان علي أمته مراداً به مزيد فضل علي فضل، كأنه قيل: إن الله تعالي فرض عليكم الصلوات الخمس ليؤجركم بها ويثيبكم عليها، ولم يكتف بذلك، فشرع صلاة التهجد والوتر ليزيدكم إحساناً علي إحسان وثواباً علي ثواب، وإليه لمح بقوله: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً﴾ ولفظة ((لك)) تدل علي اختصاص الوجوب به، فدل مفهومه علي أنه غير واجب علي الغير. قوله: ((حمر النعم)) ((مظ)): هي عند العرب أعز الأموال وأشرفها، فجعلت كناية عن خير الدنيا كله، كأنه قيل: هذه الصلاة خير لكم مما تحبون من عرض الدنيا وزينتها لأنها ذخيرة الآخرة، ﴿والآخرة خير وأبقى﴾: ((والوتر)) يحتمل أن يكون مجروراً بدلاً من ((صلاة))، وأن يكون مرفوعاً خبر مبتدأ محذوف

стр. 774

كلمات أقولهن في قنوت الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت)) رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي. [١٢٧٣] ١٢٧٤ - وعن أبي بن كعب، قال: كان رسول الله ﷺ إذا سلم في الوتر قال: ((سبحان الملك القدوس)). رواه أبو داود، والنسائي، وزاد: ثلاث مرات يطيل [في آخرهن]. [١٢٧٤] ١٢٧٥ - وفي رواية للنسائي، عن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، قال: كان يقول إذا سلم: ((سبحان الملك القدوس)) ثلاثاً، ويرفع صوته بالثالثة. [١٢٧٥] ــ الحديث السادس إلي الثامن عن الحسن: قوله: ((فيما أعطيت)) ((في)) فيه ليست كما هي في السوابق؛ لأن معناها: أوقع البركة فيما أعطيتني من خير الدارين، ومعناها في قوله: ((فيمن هديت اجعل لي نصيباً وافراً من الاهتداء معدوداً في زمرة المهتدين من الأنبياء والأولياء. و ((فيمن هديت)) متصل بالفعل علي سبيل المبالغة، أي أوقع هدايتي في زمرة من هديتهم، كقوله تعالي ﴿فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا)). قوله: ((وقني شر ما قضيت)) فإن قلت: قد سبق أن القضاء م الله أخص من القدر؛ لأن القدر هو التقدير، والقضاء هو التفصيل والقطع، فما قطع وفصل كيف يتوقى منه؟ قلت: معناه: قني شر ما حكمت في تقديرك بقضائه، كما قيل: أفر من قضاء الله إلي قدره. الحديث التاسع عن أبي بن كعب: قوله: ((القدوس)) ((نه)): القدوس هو الطاهر المنزه عن العيوب والنقائص. وفعول- بالضم- من أبنية المبالغة ولم يجيء منه إلا قدوس، وسبوح، وذروح. قوله: ((يرفع صوته)) ((مظ)): هذا يدل علي جواز الذكر مع الصوت، بل علي الاستحباب إذا اجتنب الرياء إظهاراً للدين، وتعليماً للسامعين، وإيقاظاً لهم من رقدة الغفلة،

стр. 775

١٢٧٦ - وعن علي ﵁ قال: إن النبي ﷺ كان يقول في آخر وتره: ((اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت علي نفسك)) رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. [١٢٧٦] الفصل الثالث ١٢٧٧ - عن ابن عباس، قيل له: هل لك في أمير المؤمنين معاوية ما أوتر إلا بواحدة؟ قال: أصاب، إنه فقيه. وفي رواية: قال ابن أبي مليكة: أوتر معاوية بعد العشاء بركعة، وعنده مولي لابن عباس، فأتى ابن عباس فأخبره. فقال: دعه فإنه قد صحب النبي ﷺ . رواه البخاري. ١٢٧٨ - وعن بريدة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((الوتر حق، فمن لم ــ وإيصالاً لبركة الذكر علي مقدار ما يبلغ الصوت إليه من الحيوان والحجر والمدر، وطلباً لاقتداء الغير به، وليشهد له يوم القيامة كل رطب ويابس سمع صوته. وبعض المشايخ يختار إخفاء الذكر؛ لأنه أبعد من الرياء، وهذا يتعلق بالنية. الحديث العاشر عن علي ﵁: مضى شرحه في باب السجود مستقصى. الفصل الثالث الحديث الأول عن ابن عباس: قوله: ((هل لك في أمير المؤمنين)) نحو قوله تعالي: ﴿هل لك إلي أن تزكى﴾ أي هل لك رغبة إلي التزكية، وأن تتطهر من الشرك؟ ويقال: هل لك في كذا، وهل إلي كذا، كما تقول: هل ترغب فيه، وهل ترغب إليه؟ فالاستفهام في الحديث بمعنى الإنكار، أي هل لك رغبة في معاوية وهو يرتكب هذا المنكر. ومن ثم أجاب ((دعه فإنه قد صحب النبي ﷺ ) فلا يفعل إلا ما رآه منه. أو هو فقيه أصاب في اجتهاده، وفيه شهادة من حبر الأمة لمعاوية وفضله، وصحبته، واجتهاده. الحديث الثاني عن بريدة: قوله: ((فليس منا)) ((من)) فيه اتصالية، كما في قوله تعالي: ﴿والمنافقون والمنافقات بعضهم من بعض﴾ وقوله: ((فإني لست منك ولست مني)) المعنى:

стр. 776

يوتر فليس منا. الوتر حق، فمن لم يوتر فليس منا. الوتر حق، فمن لم يوتر فليس منا)) رواه أبو داود. [١٢٧٨] ١٢٧٩ - وعن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من نام عن الوتر أو نسيه فليصل إذا ذكر أو إذا استيقظ)) رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه. [١٢٧٩] ١٢٨٠ - وعن مالك، بلغه أن رجلاً سأل ابن عمر عن الوتر: أواجب هو؟ فقال عبد الله: قد أوتر رسول الله ﷺ ، وأوتر المسلمون فجعل الرجل يردد عليه، وعبد الله يقول: أوتر رسول الله ﷺ وأوتر المسلمون. رواه في ((الموطإ)). [١٢٨٠] ١٢٨١ - وعن علي ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يوتر بثلاث، يقرأ فيهن بتسع سور من الفصل، يقرأ في كل ركعة بثلاث سور آخرهن ﴿قل هو الله أحد﴾ رواه الترمذي. [١٢٨١] ١٢٨٢ - وعن نافع، قال: كنت مع ابن عمر بمكة، والسماء مغيمة، فخشي ــ فمن لم يوتر فليس بمتصل بنا، وبهدينا، وطريقنا، أي إنه ثابت في الشرع وسنة مؤكدة، كما قال: ((من رغب عن سنتي فليس مني)) والتكرار لمزيد تقرير حقيقته، وإثباته علي مذهب الشافعي، ولوجوبه علي مذهب أبي حنيفة ﵄. ﴿ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات﴾. الحديث الثالث والرابع عن مالك: قوله: ((قد أوتر رسول الله ﷺ ) تلخيص الجواب وتقريره: إني لا أقطع القول بوجوبه ولا بعدم وجوبه، لإني إذا أنظر إلي رسول الله ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين، واظبوا عليه، ذهبت إلي الوجوب، وإذا فتشت نصاً دالا عليه نكصت عنه.

стр. 777

الصبح، فأوتر بواحدة، ثم انكشف، فرأي أن عليه ليلا، فشفع بواحدة، ثم صلي ركعتين ركعتين، فلما خشي الصبح أوتر بواحدة. رواه مالك. [١٢٨٢] ١٢٨٣ - وعن عائشة: أن رسول الله ﷺ كان يصلي جالساًن فيقرأ وهو جالس، فإذا بقى من قراءته قدر ما يكون ثلاثين أو أربعين آية، قام وقرأ وهو قائم، ثم سجد، ثم يفعل في الركعة الثانية مثل ذلك. رواه مسلم. ١٢٨٤ - وعن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ كان يصلي بعد الوتر ركعتين. رواه الترمذي، وزاد ابن ماجه: خفيفتين وهو جالس. ١٢٨٥ - وعن عائشة، ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ يوتر بواحدة. ثم يركع ركعتين يقرأ فيهما وهو جالس، فإذا أراد أن يركع قام فركع. رواه ابن ماجه. [١٢٨٥] ١٢٨٦ - وعن ثوبان، عن النبي ﷺ قال: ((إن هذا السهر جهد وثقل، فإذا أوتر أحدكم فليركع ركعتين، فإذا قام من الليل، وإلا كانتا له)) رواه الدارمي. [١٢٨٦] ١٢٨٧ - وعن أبي أمامة: أن النبي ﷺ كان يصليهما بعد الوتر وهو جالس يقرأ فيهما ﴿إذا زلزلت﴾ و ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ رواه أحمد. [١٢٨٧] ــ الحديث الخامس والسادس عن نافع: قوله: ((مغيمة)) أي مغطاة بالغيم ((نه)): يقال: أغمي علينا الهلال، وغمي، فهو مغمي ومغمي إذا حال دون رؤيته غيم. قوله: ((إن عليه ليلاً)) أي باق عليه، والتنكير في ((ليلا)) للنوع، وفيه سمة من التقليل. الحديث السابع إلي الحادي عشر عن ثوبان: قوله: ((إن هذا السهر جهد)) ورد اسم الإشارة لبيان مزيد تقرير معنى الجهد، كقوله: هذا أبو الصقر فرداً في محاسنه

стр. 778

(٣٦) باب القنوت الفصل الأول ١٢٨٨ - عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يدعو علي أحد، أو يدعو لأحد؛ قنت بعد الركوع، فربما قال إذا قال: ((سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد: اللهم أنج الوليد ابن الوليد، وسلمه بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، اللهم اشدد وطأتك علي مضر، واجعلها سنين كسني يوسف))، يجهر بذلك. وكان يقول في بعض صلاته: اللهم العن فلاناً وفلاناً لأحياء من العرب، حتى أنزل الله: ((ليس لك من الأمر شيء) الآية. متفق عليه. ــ قوله: ((إلا كانتا له)) ((إلا)) شرطية، يعني إن قام في الليل بعد ذلك فصلي فيه، وإن لم يقم كانتا كافيتين له. والله أعلم بالصواب. باب القنوت الفصل الأول الحديث الأول عن أبي هريرة ﵁: ((أنج الوليد)) دعا بالنجاة لهؤلاء الثلاثة من أصحاب النبي ﷺ كانوا أسراء في أيدي الكفار،. قوله: ((وأشدد وطأتك)) ((تو)): الوط في الأصل الدوس بالقدم، فسمي به الغزو والقتل، لأن من يطأ علي الشيء برجله فقد استقصى في هلاكه وإهانته، والمعنى أخذاً شديداً. قوله: ((واجعلها)) ((قض)): المضير للوطأة، أو للأيام وإن لم يجر لها ذكر. لما دل عليه المفعول الثاني الذي هو ((سنى)): جمع السنة التي بمعنى القحط، وهي من الأسماء الغالبة كالبيت والكتاب، و ((سنى يوسف)) السبع الشداد التي أصابهم فيها قحط. قوله: ((اللهم العن)) اللعن هو الطرد والبعد عن رحمة الله تعالي، وهو نظير قوله ﷺ يوم أحد: ((كيف يفلح قوم شجوا نبيهم))، وعدم الفلاح هو سوء الخاتمة، والموت علي الكفر. فقيل له: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾. المعنى: أن الله مالك أمرهم، فإما أن يهلكهم، أو يهزمهم، أو يتوب عليهم إذا أسلموا، ويعذبهم إن أصروا علي الكفر وليس لك من أمرهم شيء إنما أنت عبد مبعوث لإنذارهم ومجاهدتهم. ((خط)): فيه دليل علي جواز القنوت في غير الوتر، وعلي أن الدعاء لقوم بأسمائهم وأسماء آبائهم لا يقطع الصلاة، وأن الدعاء علي الكفار والظلمة لا يفسدها. ((مح)) اعلم أن القنوت مسنون في صلاة الصبح دائماً، وأما في غيرها ففيه ثلاثة أقوال، والصحيح المشهور أنه إذا نزلت نازلة، كعدو وقحط أو وبلاء وعطش وضرر ظاهر في المسلمين ونحو ذلك، قنتوا في جميع الصلوات المكتوبة وإلا فلا.

стр. 779

١٢٨٩ - وعن عاصم الأحول، قال: سألت أنس بن مالك عن القنوت في الصلاة، كان قبل الركوع أو بعده؟ قال قبله، إنما قنت رسول الله ﷺ بعد الركوع شهراً، إنه كان بعث أناساً يقال لهم: القراء، سبعون رجلاً، فأصيبوا فقنت رسول الله ﷺ بعد الركوع شهراً يدعو عليهم. متفق عليه. الفصل الثاني ١٢٩٠ - عن ابن عباس، قال: قنت رسول الله ﷺ شهراً متتابعاً في الظهر والعصر والمغرب والعشاء وصلاة الصبح، إذا قال: ((سمع الله لمن حمده)) من الركعة الآخرة، يدعو علي أحياء من بني سليم: علي رعل وذكوان وعصية، ويؤمن من خلفه. رواه أبو داود. [١٢٩٠] ١٢٩١ - وعن أنس: أن النبي ﷺ قنت شهراً ثم تركه. رواه أبو داود، والنسائي. [١٢٩١] ــ الحديث الثاني عن عاصم: قوله: ((يقال لهم القراء)) ((تو)) كانوا من أوزاع الناس ونزاع القبائل ينزلون الصفة يطلبون العلم ويتعلمون القرآن، وكانوا ردأة للمسلمين إذا نزلت بهم نازلة، وكانوا حقاً عمار المسجد، وليوث الملاحم، بعثهم رسول الله ﷺ إلي أهل نجد ليقرءوا عليهم القرآن ويدعوهم إلي الإسلام، فلما نزلوا بئر معونة قصدهم عامر بن الطفيل في أحياء من سليم- وهم رعل، وذكوان وعصية- وقاتلوهم، فقتلوهم ولم ينج منهم إلا كعب بن زيد الأنصاري من بني النجار، فإنه تخلص وبه رمق، فعاش حتى استشهد يوم الخندق، وكان ذلك في السنة الرابعة من الهجرة. الفصل الثاني الحديث الأول والثاني عن أنس: قوله: ((ثم تركه)) ((حس)): أكثر أهل العلم علي أنه لا يقنت في الصلوات لهذا الحديث والذي بعده، وذهب قوم إلي أنه يقنت في الصبح وبه قال مالك والشافعي ﵄، حتى قال الشافعي: إن نزلت بالمسلمين نازلة قنت في جميع الصلوات. ويأول قوله: ((ثم تركه)) أي ترك اللعن والدعاء علي أولئك القبائل المذكورة في

стр. 780

١٢٩٢ - وعن أبي مالك الأشجعي، قال: قلت لأبي: يأبت! إنك قد صليت خلف رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وعمر. وعثمان، وعلي، ههنا بالكوفة نحواً من خمس سنين، أكانوا يقنتون؟ قال: أي بني! محدث. رواه الترمذي والنسائي، وابن ماجه. [١٢٩٢] الفصل الثالث ١٢٩٣ - عن الحسن: أن عمر بن الخطاب جمع الناس علي أبي بكر بن كعب، فكان ــ الحديث، أو تركه في الصلوات ولم يتركه في الصبح، بدليل ما روي عن أنس ﵁ قال: ((وما زال رسول الله ﷺ يقنت في صلاة الصبح حتى فارق الدنيا)). الحديث الثالث عن أبي مالك: قوله: ((يأبت)) التاء فيها تاء التإنيث، وقعت عوضاً عن ياء الإضافة، والدليل عليه قلبها هاء في الوقف، وهذه الهاء في الذكر، كالتاء في قولك: حمامة ذكر وشاة ذكر، ورجل ربعة، وغلام يفعة. وجوز تعويضها من ياء الإضافة؛ لأنهما متناسبتان في أن كل واحدة منهما زيادة مضمومة إلي الاسم في آخره. وأما الكسرة فهي التي كانت قبل الياء في قولك: ((يا أبي)) - من الكشاف. قوله: ((ههنا بالكوفة)) ظرفان متعلقان بقوله: ((وعلي)) علي أن العطف محمول علي التقدير، لا الانسحاب، كما في الثلاثة الأول؛ لأن علياً ﵁ وحده كان بالكوفة، أي صليت مع رسول الله ﷺ ، وأبي بكر وعمر، وعثمان ﵃ في المدينة مثلاً، وصليت، خلف علي ﵁ ههنا بالكوفة خمس سنين. قوله: ((أكانوا)) بإثبات الهمزة في الترمذي وجامع الأصول، وبإسقاطها في نسخ المصابيح. وفي رواية ابن ماجه: ((فكانوا يقنتون في الفجر)). قوله: ((محدث)) ((مظ)): أي أحدثه التابعون،، ولم يقرأه رسول الله ﷺ وأصحابه. قيل: لا يلزم من نفي هذا الصحابي نفي القنوت؛ لأنه شهادة بالنفي، وقد شهد جماعة بالإثبات، مثل الحسن، وأبي هريرة، وأنس، وابن عباس ﵄، وصحبتهم مع رسول الله ﷺ أكثر من صحبة هذا الصحابي، وهو طارق بن أشيم، فتكون شهادتهم أثبت. الفصل الثالث الحديث الأول والثاني عن الحسن: قوله: ((في النصف الباقي)) في وصف شهر رمضان))،

стр. 781

يصلي بهم عشرين ليلة، ولا يقنت بهم إلا في النصف الباقي، فإذا كانت العشر الأواخر تخلف فصلي في بيته، فكانوا يقولون: أبق أبي. رواه أبو داود. [١٢٩٣] ١٢٩٤ - وسئل أنس بن مالك عن القنوت. فقال: قنت رسول الله ﷺ بعد الركوع. [وفي رواية: قبل الركوع] وبعده. رواه ابن ماجه. [١٢٩٤] (٣٧) باب قيام شهر رمضان الفصل الأول ١٢٩٥ - عن زيد بن ثابت: أن النبي ﷺ اتخذ حجرة في المسجد من حصير فصلي فيها ليالي، حتى اجتمع عليه ناس. ثم فقدوا صوته ليلة، وظنوا أنه قد نام، فجعل بعضهم يتنحنح ليخرج إليهم. فقال: ((مازال بكم الذي رأيت من صنيعكم، ــ ولعلها هي صلاة التراويح. وفي قولهم: ((أبق)) إظهار كراهة منهم لتخلفه، فشبهوه بالعبد الآبق، كما في قوله تعالي: ﴿إذا أبق إلي الفلك المشحون﴾ سمي هرب يونس ﵇ من قومه بغير إذن ربه إباقاً علي طريقة المجاز. ولعل تخلف أبي ﵁ كان تأسياً برسول الله ﷺ حيث صلاها بالقوم، ثم تخلف عنهم كما سيأتي بعد. باب قيام شهر رمضان الفصل الأول الحديث الأول عن زيد: قوله: ((مازال بكم)) ((مظ)): يعني أبداً رأيت شدة حرصكم في إقامة صلاة التراويح بالجماعة، حتى خشيت إني لو واظبت عل إقامتها لفرضت عليكم فلم تطيقوها. فيه دليل علي أن التراويح سنة جماعة، وانفراداً. والأفضل في عهدنا الجماعة؛ لكسل الناس.

стр. 782

حتى خشيت أن يكتب عليكم، ولو كتب عليكم ما قمتم به فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة)) متفق عليه. ١٢٩٦ - وعن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم بعزيمة فيقول: ((من قام رمضان إيماناً واحتساباً، غفر له ما تقدم من ذنبه)). فتوفي رسول الله ﷺ والأمر علي ذلك، ثم كان الأمر علي ذلك في خلافة أبي بكر، وصدراً من خلافة عمر علي ذلك. رواه مسلم. ١٢٩٧ - وعن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده، فليجعل لبيته نصيباً من صلاته؛ فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيراً)). رواه مسلم. الفصل الأول ١٢٩٨ - عن أبي ذر، قال: صمنا مع رسول الله ﷺ ، فلم يقم بنا شيئاً من ــ وأقول: فيه أيضاً دلالة علي أن الجماعة في الصلاة المكتوبة فريضة؛ لأن رسول الله ﷺ واظب عليها، وحرض الناس عليها، والصحابة وافقوه ولم يتخلف عنها إلا المنافق، كما سبق. قوله: ((في بيته)) أي صلاته في بيته. وقوله: ((إلا الصلاة المكتوبة)) مستثنى منه. الحديث الثاني عن أبي هريرة: قوله: ((بعزيمة)) ((غب)): العزم، والعزيمة عقد القلب علي إمضاء الأمر. ((نه)): خير الأمور عزائمها: أي فرائضها التي عزم الله عليك بفعلها. قوله: ((من الصلاة ليالي رمضان إيماناً بالله وتصديقاً بأنه يقرب إليه، وطلب لوجه الله تعالي، غفر له سوابق الذنوب. ((مظ)): الاحتساب كالاعتداد من العد. وإنما قيل لمن ينوي بعمله وجه الله تعالي: احتسبه؛ لأن له حينئذ أن يعتد عمله، فجعل في حال مباشرة الفعل كأنه معتد به. قوله: ((والأمر علي ذلك)) ((مظ)): أي علي ما كانوا عليه من أنهم ما قاموا رمضان بالجماعة غير الفريضة إلي أول خلافة عمر ﵁، ثم خرج الله عنه ليلة، فرأي الناس يصلون في المسجد التراويح منفردين. فأمر أبي بن كعب أن يصليها بالناس جماعة. الحديث الثالث: ظاهر. الفصل الثاني الحديث الأول عن أبي ذر: قوله: ((لو نفلتنا)). ((نه)): أي زدتنا من الصلاة النافلة. سميت النوافل بها؛ لأنها زائدة علي الفرائض. ((شف)): والمعنى نتمنى أن تجعل قيام بقية الليل زيادة

стр. 783

الشهر حتى بقى سبع، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، فلما كانت السادسة لم يقم بنا، فلما كانت الخامسة قام بنا، حتى ذهب شطر الليل. فقلت: يا رسول الله! لو نفلتنا قيام الليل؟ فقال: ((إن الرجل إذا صلي مع الإمام حتى ينصرف؛ حسب له قيام ليلة)). فلما كانت الرابعة لم يقم بنا حتى بقى ثلث الليل، فلما كانت الثالثة، جمع أهله ونساءه والناس، فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح. قلت: وما الفلاح؟ قالت: السحور. ثم لم يقم بنا بقية الشهر. رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وروى ابن ماجه نحوه؛ إلا أن الترمذي لم يذكر: ثم لم يقم بنا بقية الشهر. [١٢٩٨] ١٢٩٩ - وعن عائشة، قالت: فقدت رسول الله ﷺ ليلة، فإذا هو بالبقيع، فقال: ((أكنت تخافين أن يحيف الله عليك ورسوله؟)). فقلت: يا رسول الله! إني ظننت أنك أتيت بعض نسائك. فقال: ((إن الله تعالي ينزل ليلة النصف من شعبان إلي السماء الدنيا، فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب)). رواه الترمذي، وابن ماجه. وزاد رزين: ((ممن استحق النار)). قال الترمذي: سمعت محمداً- يعني البخاري- يضعف هذا الحديث. [١٢٩٩] ــ لنا علي قيام الشطر. ((مظ)): أي لو زدت في قيام الليل علي نصفه لكان خيراً لنا. قوله: ((الفلاح)) ((مظ)): أصل الفلاح البقاء، وسمي السحور فلاحاً؛ إذا كان سبباً لبقاء الصوم ومعيناً عليه. ((قض)): الفلاح الفوز بالبغية. سمي بالسحور؛ لأنه يعين علي إتمام الصوم،. وهو الفوز بما قصده ونواه، أو الموجب للفلاح في الآخرة. وقوله: ((يعني السحور)) الظاهر: أنه من متن الحديث، لا من كلام المؤلف، يدل عليه ما أورده أبو داود في سننه عن جبير بن نفير عن أبي ذر ﵁، وذكر فيه: ((أنه قال: قلت: وما الفلاح؟ قال: السحور)). الحديث الثاني عن عائشة: قوله: ((أن يحيف الله)) الحيف: الجور والظلم، يعني ظننت إني ظلمتك، بأن جعلت من نوبتك لغيرك، وذلك مناف لمن تصدى لمنصب الرسالة، وهو عند الله بمكانة عظيمة. وهذا معنى العدول عن الظاهر، وأن يقال: أظننت إني أحيف عليك، فذكر الله تمهيداً لذكر الرسول تنويهاً بشأنه، ووضع رسوله موضع الضمير للإشعار بأن الحيف ليس

стр. 784

١٣٠٠ - وعن زيد بن ثابت، قال: قال رسول الله ﷺ : ((صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا، إلا المكتوبة. رواه أبو داود. والترمذي. [١٣٠٠] الفصل الثالث ١٣٠١ - عن عبد الرحمن بن عبد القاري، قال: خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة إلي المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط. فقال عمر إني لو جمعت هؤلاء علي قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم، فجمعهم علي أبي بن كعب، قال: ثم خرجت معه ليلة أخرى، والناس يصلون بصلاة قارئهم. قال عمر: نعمت البدعة هذه، والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون- يريد آخر الليل-، وكان الناس يقومون أوله. رواه البخاري. ــ من شيم الرسل. وقولها: ((إني ظننت)) إلي آخره أيضاً إطناب في الجواب، وعدول عن أن يجاب بنعم مزيداً للتصديق .. وقوله ﷺ : ((أن ينزل)) إلي آخره استئناف بياناً لموجب خروجه من عندها، يعني خرجت لنزول رحمته علي العالمين، وخصوصاً علي أهل القبور من البقيع. الحديث الثالث عن زيد: قوله: ((في مسجدي هذا)) تتميم ومبالغة لإرادة الإخفاء فإن الصلاة في مسجد رسول الله ﷺ تعادل ألف صلاة في غيره من المساجد سوى المسجد الحرام وفيه إشعار بأن النوافل شرعت للقربة إلي الله تعالي، وإخلاصاً لوجهه، فينبغي أن تكون بعيدة عن الرياء، ونظر الخلق، والفرائض أسست لإشادة الدين، وإظهار شعائر الإسلام، فهي جديرة بأن تقام علي رءوس الأشهاد. الفصل الثالث الحديث الأول عن عبد الرحمن: قوله: ((أوزاع)) ((نه)): أي متفرقون. أراد أنهم كانوا يتنفلون فيه بعد صلاة العشاء متفرقين، فقوله: ((متفرقون)) كعطف البيان لـ ((أوزاع)) وقوله: ((يصلي الرجل بصلاته الرهط)) أي يؤم الرجل جماعة دون العشرة. وقوله: ((نعمت البدعة هذه)) يريد بها صلاة التراويح؛ فإنه في حيز المدح، لأنه فعل من أفعال الخير وتحريض علي الجماعة المندوب إليها؛ وإن كانت لم تكن في عهد أبي بكر ﵁ فقد صلاها رسول الله ﷺ ، وإنما قطعها إشفاقاً من أن تفرض علي أمته. وكان عمر ﵁ ممن نبه عليها، وسنها علي

стр. 785

١٣٠٢ - وعن السائب بن يزيد، قال: أمر عمر أبي بن كعب، وتميماً الداري أن يقوما للناس في رمضان بإحدى عشرة ركعة، فكان القارئ يقرأ بالمئين، حتى كنا نعتمد علي العصا من طول القيام، فما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر. رواه مالك. [١٣٠٢] ١٣٠٣ - وعن الأعرج، قال: ما أدركنا الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان قال: وكان القارئ يقرأ سورة البقرة في ثمان ركعات، وإذا قام بها في ثنتي عشرة ركعة رأي الناس أنه قد خفف. رواه مالك. [١٣٠٣] ١٣٠٤ - وعن عبد الله بن أبي بكر. قال: سمعت أبي يقول: كنا ننصرف في رمضان من القيام، فنستعجل الخدم بالطعام مخافة فوت السحور. وفي أخرى: مخافة الفجر. رواه مالك. [١٣٠٤] ١٣٠٥ - وعن عائشة، عن النبي ﷺ ، قال: ((هل تدرين ما هذه الليلة؟ -يعني ــ الدوام، فله أجرها وأجر من عمل بها إلي يوم القيامة. قوله: ((إني لو جمعت)) وفي أصل المالكي: ((إني أرى)) قال: وفي ((أرى لو جمعت)) شاهد علي أن ((لو)) قد تعلقت بها أفعال القلوب. ومنه قول رجل للنبي ﷺ : ((إن أمي افتتلت نفسها وأظن لو تكلمت تصدقت)). قوله: ((والتي ينامون عنها أفضل)) تنبيه منه علي أن صلاة التراويح آخر الليل أفضل. وقد أخذ بذلك أهل مكة فإنه يصلونها بعد أن يناموا. الحديث الثاني عن السائب بن يزيد: قوله: ((إلا في فروع الفجر)) أي أوائله، وأعاليه، وفرع كل شيء أعلاه. الحديث الثالث عن الأعرج: قوله: ((يلعنون الكفرة)) لعل المراد أنهم لما لم يعظموا ما عظمه الله تعالي من الشهر، ولم يهتدوا لما نزل الله فيه من الهدى والفرقان، استوجبوا بأن يدعي عليهم، ويطردوا عن رحمة الله الواسعة. قوله: ((رأي الناس)) فاعل، و ((أنه قد خفف)) مفعوله الأول، والثاني محذوف، أي رأي الناس تخفيفه حاصلاً؛ ويجوز أن يستغني بـ ((أن)) وما بعدها عن المفعولين.

стр. 786

ليلة النصف من شعبان- قالت: ما فيها يا رسول الله؟ فقال ((فيها أن يكتب كل مولود [من] بني آدم في هذه السنة، وفيها أن يكتب كل هالك من بني آدم في هذه السنة، وفيها ترفع أعمالهم، وفيها تنزل أرزاقهم)) فقالت: يا رسول الله! ما من أحد يدخل الجنة إلا برحمة الله تعالي؟ فقال: ((ما من أحد يدخل الجنة إلا برحمة الله تعالي)) ثلاثاً. قلت: ولا أنت يا رسول الله!؟ فوضع يده علي هامته فقال: ((ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله منه برحمته)) يقولها ثلاث مرات. رواه البيهقي في ((الدعوات الكبير)). ١٣٠٦ - وعن أبي موسى الأشعري، عن رسول الله ﷺ ، قال: ((إن الله تعالي ليطلع في ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن)) رواه ابن ماجه. [١٣٠٦] ١٣٠٧ - ورواه أحمد، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وفي روايته: ((إلا اثنين: مشاحن وقاتل نفس)). ــ الحديث الرابع والخامس عن عائشة: قوله: ((فيها أن يكتب كل مولود)) إلي آخره- وهو من قوله تعالي: ﴿فيها يفرق كل أمر حكيم﴾ من أرزاق العباد وآجالهم وجميع أمرهم منها إلي الأخرى القابلة. قوله: ((يرفع أعمالهم)) أي يكتب الأعمال الصالحة التي ترفع في تلك السنة يوماً فيوماً. ولهذا سألت ﵂: ((ما من أحد يدخل الجنة إلا برحمة الله تعالي؟)). والاستفهام علي سبيل التقدير، يعني إذا كانت الأعمال الصالحة الكائنة في تلك السنة تكتب قبل وجودها، يلزم من ذلك أحداً لا يدخل الجنة إلا برحمة الله تعالي، فقرره ﷺ بما أجاب وفي وضع اليد علي الرأس- والله أعلم- إشارة إلي افتقاره كل الافتقار إلي استنزال رحمة الله تعالي، وشمول الستر من رأسه إلي قدمه. ومعنى قوله: ((يتغمدني منه برحمته)) يلبسنيها ويسترني بها، مأخوذ من غمد السيف وهو غلافه، والهامة: الرأس. الحديث السادس والسابع عن أبي موسى: قوله: ((ليطلغ)) ههنا كينزل ومعناه علي ما سبق في التحريض علي قيام الليل في الفصل الأول في الحديث الرابع. قوله: ((مشاحن)) المشاحن المعادي. والشحناء العداوة. لعل المراد البغضاء التي تقع بين المسلمين من قبل النفس الأمارة

стр. 787

١٣٠٨ - وعن علي [﵁]، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا كانت ليلة النصف من شعبان، فقوموا ليلها، وصوموا يومها، فإن الله تعالي ينزل فيها لغروب الشمس إلي السماء الدنيا، فيقول: ألا من مستغفر فأغفر له؟ ألا مسترزق فأرزقه؟ ألا مبتلي فأعافيه؟ ألا كذا ألا كذا؟ حتى يطلع الفجر)) رواه ابن ماجه. [١٣٠٨] (٣٨) باب صلاة الضحى الفصل الأول ١٣٠٩ - عن أم هانئ، قالت: إن النبي ﷺ دخل بيتها يوم فتح مكة، فاغتسل، وصلي ثمإني ركعات، فلم أر صلاة قط أخف منها، غير أنه يتم الركوع والسجود. وقالت في رواية أخرى: وذلك ضحى. متفق عليه. ١٣١٠ - وعن معاذة، قالت: سألت عائشة: كم كان رسول الله ﷺ يصلي ــ بالسوء لا للدين، فلا يأمن أحدهم أذى صاحبه من يده ولسانه؛ لأن ذلك يؤدي إلي القتل وربما ينتهي إلي الكفر. ومن ثم قرن المشاحن في الرواية الأخرى بقاتل النفس، وكلاهما تهديد علي سيبل التغليظ. وقوله: ((مشاحن)) بالرفع خبر مبتدأ محذوف، أي هما مشاحن وقاتل. قوله: ((فقوموا ليلها)) الظاهر يقتضي أن يقال: فقوموا فيها، وإذا ذهب إلي وضع المظهر موضع المضمر وجب أن يقال ليلة النصف، فأنث الضمير اعتباراً للنصف؛ لأنها عين تلك الليلة. قوله: ((فأغفر له)) بالنصب علي جواب العرض، و ((من)) في ((من مستغفر)) زائدة بشهادة قرينته، والتقدير: ألا مستغفر يستغفر فاغفر له. باب صلاة الضحى المراد بالضحى وقت الضحى: وهو صدر النهار حين ترتفع الشمس، وتلقي شعاعها. الفصل الأول الحديث الأول عن أم هانئ- هو بهمزة بعد النون- واسمها فاختة بنت أبي طالب. قوله: ((غير أنه)) ((غير)) نصب علي الاستثناء. وفيه إشعار بالاعتناء بشأن الطمإنينة في الركوع والسجود؛ لأنه ﷺ خفف سائر الأركان من القيام والقراءة والتشهد، ولم يخفف من الطمإنينة في الركوع والسجود. الحديث الثاني عن معاذة: قوله: ((كم كان)) أي كم ركعة، وهو مفعول مطلق لقوله:

стр. 788

صلاة الضحى؟ قالت: أربع ركعات ويزيد ما شاء الله. رواه مسلم. ١٣١١ - وعن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يصبح علي كل سلامي من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعرف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى)) رواه مسلم. ١٣١٢ - وعن زيد بن أرقم، أنه رأي قوماً يصلون من الضحى، فقال: لقد ــ ((يصلي)). قوله: ((ويزيد)) عطف علي مقدر مقول للقول أي يصلي أربع ركعات ويزيد. ((مظ)) أي يزيد ما شاء الله من غير حصر، ولكن لم ينقل أكثر من اثنتي عشرة ركعة. الحديث الثالث عن أبي ذر: قوله: ((يصبح)) في اسمه وجوه: أحدها: قوله: ((صدقة)) أي تصبح الصدقة واجبة علي كل سلامي. وثإنيها: ((من أحدكم)) علي مذهب من يرى زيادة ((من)) في الإثبات. والظرف خبرة و ((صدقة)) فاعل الظرف، أي يصبح أحدكم واجباً علي كل مفصل منه صدقة. وثالثها: مضمر اسمها ضمير الشأن والجملة الاسمية بعده مفسرة و ((من أحدكم)) صفة ((كل سلامي)) ويدل علي تقدير الوجوب قوله في حديث بريدة: ((فعليه أن يتصدق عن كل مفصل منه بصدقة)). والفاء في قوله: ((فكل تسبيحة صدقة)) تفصيلية ترك ذكر تعدد كل واحد واحد من المفاصل، للاستغناء عنها بذكر تعديد ما ذكر من التسبيح وغيره. وفيه دليل علي أن العبد لم يوجب علي الله تعالي شيئاً من الثواب بعمله؛ لأن أعماله كلها لو قوبلت بإزاء ما وجب عليه من الشكر علي عضو واحد لم تف به. ((نه)): السلامي جمع سلامية هي الأنملة من أنامل الأصابع. وقيل: واحده وجمعه سواء. ويجمع علي سلاميات وهي التي بين كل مفصلين من أصابع الإنسان. وقيل: السلامي كل عظم مجوف من صغار العظام. قال أبو عبيدة: هو في الأصل عظم يكون في فرسن البعير، وكأن المعنى: علي كل عظم من عظام ابن آدم صدقة. ((تو)): وفي معناه الحديث الآتي: ((خلق الإنسان علي ثلثمائة وستين مفصلاً، عليه أن يتصدق علي كل مفصل بصدقة)). ((قض)): المعنى أن كل عظم من عظام ابن آدم يصبح سليماً عن الآفات باقياً علي الهيئة التي يتم بها منافعه وأفعاله، فعليه صدقة شكراً لمن صوره، ووقاه عما يعيره ويؤذيه. قوله: ((ويجزئ)) ضبطناه بضم أوله وفتحه، والضم من الإجزاء، والفتح من جزأ يجزئ أي كفي. الحديث الرابع عن زيد بن أرقم: قوله: ((يصلون من الضحى)) ((من)) زائدة أي يصلون صلاة الضحى، ويجوز أن تكون تبعيضية، وعليه ينطبق قوله: ((لقد علموا)) فإنه جواب قسم محذوف، أنكر عليهم إيقاع صلاتهم في بعض وقت الضحى، أي أوله ولم يصبروا حتى يدخل وقتها المختار، أي كيف يصلون في هذا الوقت مع علمهم أن الصلاة في غير هذا الساعة أفضل؟ وعلي هذا المعنى يجوز أن يجعل ((من)) ابتدائية ويكون الإنكار واقعاً علي إنشاء صلاة الضحى أول

стр. 789

علموا أن الصلاة في غير هذه الساعة أفضل، إن رسول الله ﷺ قال: ((صلاة الأوابين حين ترمض الفصال)) رواه مسلم. الفصل الثاني ١٣١٣ - عن أبي الدرداء، وأبي ذر [﵄] قالا: قال رسول الله ﷺ : ((عن الله تبارك وتعالي أنه قال: يا ابن آدم! اركع لي أربع ركعات من أول النهار؛ أكفك آخره)) رواه الترمذي. [١٣١٣] ١٣١٤ - ورواه أبو داود، والدارمي، عن نعيم بن همار الغطفإني وأحمد عنهم. [١٣١٤] ــ وقته. ويجوز أن تكون بيإنية، والمبين مقدر يدل عليه حديث أبي ذر: ((ركعتان يركعهما من الضحى)) أي من صلاة الضحى. قوله: ((صلاة الأوابين)) ((نه)): هو جمع أواب، وهو الكثير الرجوع إلي الله تعالي بالتوبة. وقيل: المسبح. وقيل: المطيع. قوله: ((ترمض)) ((فا)): الرمضاء نحو البغضاء، وهي شدة حر الأرض من وقع الشمس علي الرمل وغيره. وقوله: ((ترمض الفصال)) أي إذا وجد الفصيل حر الشمس. مدحهم بصلاتهم في الوقت الموصوف؛ لأنه وقت تركن النفوس إلي الاستراحة، وتتهيأ فيه أسباب الخلوة، فيرد علي قلوب الأوابين من الأنس بذكر الله، وصفاء الوقت، ولذاذة المناجاة ما يقطعهم عن كل مطلوب سواه، وهذا الوقت مشابه للساعات المختارة في جوف الليل فتغتنم العبادة حينئذ. الفصل الثاني الحديث الأول عن أبي الدرداء وأبي ذر: قوله: ((أكفك آخره)) ((مظ)): أي شغلك وحوائجك، وأدفع عنك ما تركه بعد صلاتك إلي آخر النهار. وأقول: لعل الأنسب أن يقال: المعنى يا ابن آدم! فرغ بالك أول النهار، واشتغل بعبادتي حتى أفرغ بالك في آخر النهار بقضاء حوائجك، ودفع المضار عنك. الحديث الثاني عن بريدة: قوله: ((النخاعة في المسجد تدفنها)) وكان الظاهر أن يقال في

стр. 790

١٣١٥ - وعن بريدة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((في الإنسان ثلثمائة وستون مفصلاً، فعليه أن يتصدق عن كل مفصل منه بصدقة))، قالوا: ومن يطيق ذلك يا نبي الله؟ قال: النخاعة في المسجد تدفنها، والشيء تنحيه عن الطريق، فإن لم تجد، فركعتا الضحى تجزئك)) رواه أبو داود. [١٣١٥] ١٣١٦ - وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من صلي الضحى ثنتى عشرة ركعة؛ بنى الله له قصراً من ذهب في الجنة)) رواه الترمذي، وابن ماجه. وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. ١٣١٧ - وعن معاذ بن أنس الجهني، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من قعد في مصلاه حين ينصرف من صلاة الصبح، حتى يسبح ركعتي الضحى، لا يقول إلا خيراً؛ غفر له خطاياه وإن كانت أكثر من زبد البحر)) رواه أبو داود. [١٣١٧] الفصل الثالث ١٣١٨ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من حافظ علي شفعة الضحى؛ غفرت له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر)) رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه. [١٣١٨] ــ الجواب: من يدفن النخاعة في المسجد، فعدل عنه إلي الخطاب العام اهتماماً بشأن هذه الخلال، وأن كل من شأنه أن يخاطب ينبغي أن يهتم بها. قوله: ((تجزئك)) أفرد، وكان الواجب التثنية، لكنه اعتبر الصلاة. الحديث الثالث والرابع عن أنس: قوله: ((لا نعرفه إلا من هذا الوجه)) أي لا نعرف إسناده إلا من هذا الوجه المذكور في الكتاب. الفصل الثالث الحديث الأول عن أبي هريرة: قوله: ((شفعة الضحى)) ((نه)): يعني ركعتي الضحى من الشفع

стр. 791

١٣١٩ - وعن عائشة، أنها كانت تصلي الضحى ثمإني ركعات، ثم تقول: لو نشر لي أبواي ما تركتها. رواه مالك. [١٣١٩] ١٣٢٠ - وعن أبي سعيد، قال: كان رسول الله ﷺ يصلي الضحى حتى نقول لا يدعها، ويدعها حتى تقول: لا يصليها. رواه الترمذي. [١٣٢٠] ١٣٢١ - وعن مروق العجلي، قال: قلت لابن عمر: تصلي الضحى؟ قال: لا. قلت: فعمر؟ قال: لا. قلت: فأبو بكر؟ قال: لا. قلت: فالنبي ﷺ ؟ قال: لا إخاله. رواه البخاري. ــ الزوج، ويروى بالفتح والضم، كالغرفة والغرفة، وإنما سمى شفعة؛ لأنها أكثر من واحدة. قال العتبى: الزوج، ولم أسمع به مؤنثاً إلا ههنا، وأحسبه ذهب بتإنيثه إلي الفصلة الواحدة، أو إلي الصلاة. وأقول: يمكن أن يقال: إنه تعالي أقسم بقوله: ((الشفع والوتر)) بصلاة الضحى حين ترمض الفصال، والوتر حين هدوء الناس، لتلك العلة المذكورة في حديث زيد بن أرقم. الحديث الثاني عن عائشة: قوله: ((لو نشر لي)) ((نه)) قال: نشر الميت ينشر نشوراً إذا عاش بعد الموت، وأنشره الله أي أحياه. وأقول: هو من باب التعليق بالمحال. ولذلك خصته بقولها: ((لي)) أي لو فرض إحياؤهما لي لم أتركها، فكيف وأن ذلك محال عادة؟ أي لا أدع هذه اللذة لتلك اللذة. الحديث الثالث والرابع عن مروق: قوله: ((لا إخاله)) أي لا أظنه. ((نه)) يقال: خلت أخال بالفتح والكسر، والكسر أفصح وأكثر استعمالاً، والفتح القياس. ((حس)): كره بعضهم صلاة الضحى، روى عن عائشة أنها سئلت أكان النبي ﷺ يصلي الضحى؟ فقالت: لا إله أن يجيء من مغيبه. وروي أنها أيضاً أنها قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي سبحة الضحى قط. وروي عن أبي بكرة: أنه رأي أناساً يصلون صلاة الضحى، فقال: أما إنهم يصلون صلاة ما صلاها رسول الله ﷺ ، ولا عامة أصحابه. وكان ابن عمر إذا سئل عن سبحة الضحى، قال: لا آمر بها ولا أنهي عنها. ((مح)): أما الجمع بين حديثي عائشة ﵂ في نفي صلاة النبي ﷺ الضحى، وإثباتها في حديث غيرها، فهو أن النبي ﷺ كان يصليها في بعض

стр. 792

(٣٩) باب التطوع الفصل الأول ١٣٢٢ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ لبلال عند صلاة الفجر: ((يا بلال! حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام؛ فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة)). قال: ما عملت عملاً أرجى عندي إني لم أتطهر طهوراً من ساعة من ليل ولا نهار، إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي. متفق عليه. ــ الأوقات لفضلها، ويتركها في بعضها خشية أن تفرض. ويشبه أنه ﷺ لم يحضر عندها في وقت الضحى إلا نادراً ويصليها في المسجد أو غيره. وإذا كان عند نسائه، وكان لها يوم من تسعة أيام، ولم يصل فيه، يصح قولها: ((ما رأيته يصليها)) أو يقال: قوله: ((ما كان يصليها)) أي يداوم عليها. وأما ما روي عن ابن عمر أنه قال في الضحى: هي بدعة، فمحمول علي أن صلاتها في المسجد والتظاهر بها، كما كانوا يفعلونه بدعة، لأن أصلها أن تصلي في البيوت، أو يقال: إن المواظبة عليها بدعة، لأن النبي ﷺ لم يواظب عليها خشية أن تفرض. وهذا في حقه ﷺ . وقد ثبت استحباب المواظبة في حقنا لحديث أبي الدرداء وغيره. أو يقال: إن ابن عمر لم يبلغه فعل النبي ﷺ للضحى وأمره بها. وكيف كان فجمهور العلماء علي استحباب الضحى انتهي كلام الشيخ محيي الدين. باب التطوع الفصل الأول الحديث الأول عن أبي هريرة: قوله: ((بأرجى عمل)) ((قض)): أرجى من أسماء التفضيل التي بنيت للمفعول، نحو قولك: فلان أشهر من فلان؛ فإن قياس ((أفعل)) أن لا يبنى للمفعول، وقد بنيت هذه اله؛ فإن العمل مرجو به الثواب، وعلو الدرجة، ويجوز أن تكون إضافته إلي العمل؛ لأنه سبب الرجاء، فيكون المعنى: حدثني بما أنت أرجى من نفسك به من أعمالك. قوله: ((دف نعليك)) ((تو)): أي حسيسهما عند المشي فيهما، وأراه أخذ من دفيف الطائر إذا أراد النهوض قبل أن يستقل، وأصله ضربة بجناحيه ودفتيه، أي بجنبتيه، فيسمع لهما حسيس. قوله: ((ما كتب لي)) أي ما قدر علي، وهذه اللفظة وإخراج التركيب علي سبيل الحصر يدل علي استحبابه في جميع الأوقات وتوكيده. وقيل: ((كتب)) يحمل علي الوجوب. ((شف)): هذا

стр. 793

١٣٢٣ - وعن جابر، قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور، كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: ((إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني، ومعاشي، وعاقبة أمري- أو قال: في ــ يدل علي جواز إيقاعهما في الأوقات المكروهة. ((مظ)): هذا لا يدل علي تفضيل بلال علي العشرة المبشرة فضلاً عن رسول الله ﷺ . وإنما سبقه للخدمة، كما يسبق العبد سيده، وسؤاله تطييب لقلبه بإخباره باستحقاقه الجنة؛ ليداوم عليها، ولإظهار رغبة السامعين. ((تو)): هذا شيء كوشف به ﷺ من عالم الغيب في نومه، أو يقظته، ونرى ذلك- والله أعلم- عبارة عن مسارعة بلال إلي العمل الموجب لتلك الفضيلة قبل ورود الأمر عليه، وبلوغ الندب إليه. وذلك مثل قول القائل لعبده: تسبقني إلي العمل، أي تعمل قبل ورود أمري عليك. أقول: هذا التأويل لا ينافي قوله تعالي: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾ كما أن التقدم بين يدي الرجل خارج عن صفة المتابع المنقاد، جعله تصويراً للهجنة فيما نهوا عنه من الإقدام علي ما يحكمان به؛ لأن الآية واردة في النهي عما لا يرضي الله تعالي ورسوله به، كما يشهد له سبب النزول. والحديث ليس كذلك؛ ومن ثم قرره علي ذلك، واستحمده عليه. الحديث الثاني عن جابر: قوله: ((أستخيرك)) ((نه)): الاستخارة طلب الخير في الشيء، وهي استفعال من الخير، ضد الشر. وقوله: ((أستقدرك)) أي أطلب منك أن تجعل لي قدرة. وقوله: ((فاقدره)) أي اقض به وهيئة. وأقول: قوله: ((من غير الفريضة)) بعد قوله: ((كما يعلمنا السورة من القرآن)) يدل علي الاعتناء التام البالغ حده بالصلاة والدعاء، وأنهما تلوان للفريضة والقرآن. و ((الباء)) في قوله: ((بعلمك، وبقدرتك)) يحتمل أن تكون للاستعانة، كما هي في قوله تعالي: ﴿بسم الله مجريها ومرساها﴾ أي إني أطلب خيرك مستعيناً بعلمك، فإني لا أعلم فيم خيرتي، وأطلب منك القدرة، فإني لا حول لي ولا قوة إلا بك، وأن تكون للاستعطاف كما في قوله: ﴿رب بما

стр. 794

عاجل أمري وآجله- فاقدره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني، ومعاشي، وعاقبة أمري- أو قال: في عاجل أمري وآجله- فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم ارضني به))، قال: ((ويسمي حاجته)). رواه البخاري. الفصل الثاني ١٣٢٤ - عن علي [﵁] قال: حدثني أبو بكر- وصدق أبو بكر- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما من رجل يذنب ذنباً، ثم يقوم فيتطهر، ثم يصلي، ثم يستغفر الله؛ إلا غفر الله له، ثم قرأ: (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم))). رواه الترمذي، وابن ماجه؛ إلا أن ابن ماجه لم يذكر الآية. [١٣٢٤] ــ أنعمت علي﴾ كأنه قيل: اللهم إني أطلب منك الخير بحق علمك الشامل لكل الخيرات، وأطلب منك القدرة بحق تقديرك المقدورات أن تيسرهما علي، ثم باركهما لي. ثم عم الطلب بقوله: ((واقدر لي الخير حيث كان)) ثم ختم الدعاء بقوله: ((ثم ارضني به)) ورضي العبد ورضي الرب متلازمان، بل رضي العبد مسبوق برضي الله، ورضوان الله جماع كل الخير، وإن اليسير منه خير من الجنان. قوله: ((ويسمي)) يجوز أن يكون حالا من فاعل ((يقل)) أي فليقل هذا الكلام مسمياً حاجته، أو عطف علي ((ليقل)) علي التأويل؛ لأنه في معنى الأمر. وعلي التقديرين يوجب الجمع بين المقول والتسمية اهتماماً بالمطلوب علي سبيل الإجمال والتفصيل، نحو قوله تعالي: ﴿وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين﴾ المشار إليه بـ ((ذلك)) ما في الذهن، و ((الأمر)) بيانه، وهو أيضاً مبهم، ففسره بقوله: ﴿أن دابر هؤلاء مقطوع﴾. الفصل الثاني الحديث الأول عن علي: قوله تعالي: ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم﴾ عطف

стр. 795

١٣٢٥ - وعن حذيفة، قال: كان النبي ﷺ إذا حزبه أمر صلي. رواه أبو داود. [١٣٢٥] ١٣٢٦ - وعن بريدة، قال: أصبح رسول الله ﷺ ، فدعا بلالا، فقال: ((بم سبقتني إلي الجنة؟ ما دخلت الجنة قط إلا سمعت خشخشتك أمامي)). قال: يا رسول الله! ما أذنت قط إلا صليت ركعتين، وما أصابني حدث قط إلا توضأت عنده ورأيت أن لله علي ركعتين. فقال رسول الله ﷺ : ((بهما)) رواه الترمذي. [١٣٢٦] ــ علي ((للمتقين)) أي أعدت للمتقين، والتائبين. وقوله: ((أولئك)) إشارة إلي الفريقين. وقوله: ((فاحشة)) أي فعلة متزايدة القبح ((أو ظلموا أنفسهم)) أي أذنبوا أي ذنب كان يؤاخذون به. وقيل: الفاحشة الزنى، وظل النفس ما دونه من القبلة واللمس ونحوهما. وقيل: الفاحشة الكبيرة، وظلم النفس الصغيرة. ((ذكروا الله)) تذكروا عقابه، أو وعيده، فخافوا واستغفروا، فتابوا توبة نصوحاً. أقول: ((وذكروا الله)) يجب أن يحمل علي الصلاة، كما في قوله تعالي: ﴿فاسعوا إلي ذكر الله﴾ ليطابق لفظ الحديث: وهو قوله: ((ثم يصلي ثم يستغفر الله)). فإن قلت: ما الفرق بين ((الفاء)) التنزيلية، و ((ثم)) في الكلام النبوي، في قوله تعالي: ((فاستغفروا)) وقوله ﷺ : ((ثم يستغفر الله)) فإنهما متضادان؟ قلت: في التنزيل مجرى بمعنى التعاقب علي مقتضى الظاهر، وفي الحديث لتراخي الرتبة وإن كانت الصلاة أعلي رتبة من الاستغفار؛ لأن المطلوب بالذات في هذا المقام هو الاستغفار وذكر الصلاة كالوسيلة إلي قبول التوبة، ومآل المعنيين إلي أمر واحد. الحديث الثاني عن حذيفة: قوله: ((إذا حزبه أمر صلي)) ((نه)): أي إذا نزل به هم، أو أصابه غم صلي، نحوه قوله تعالي: ((واستعينوا بالصبر والصلاة)) أي استعينوا علي البلايا والنوائب بالصبر عليها، والالتجاء إلي الصلاة عند وقوعها. عن ابن عباس: أنه نعي إليه أخوه قثم- وهو في سفر- فاسترجع وتنحى عن الطريق فصلي ركعتين، ثم قرأ ((واستعينوا بالصبر والصلاة)). الحديث الثالث عن بريدة: قوله: ((خشخشتك أمامي)) ((نه)): الخشخشة حركة لها صوت

стр. 796

١٣٢٧ - وعن عبد الله بن أبي أوفي، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من كانت له حاجة إلي الله أو إلي أحد من بني آدم فليتوضأ فليحسن الوضوء ثم ليصل ركعتين، ثم ليثن علي الله تعالي، وليصل علي النبي ﷺ ، ثم ليقل: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين، أسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم، لا تدع لي ذنباً إلا غفرته ولا هماً إلا فرجته ولا حاجة هي لك رضي إلا قضيتها يا أرحم الراحمين)) رواه الترمذي، وابن ماجه وقال الترمذي: هذا حديث غريب. [١٣٢٧] (٤٠) باب صلاة التسبيح ١٣٢٨ - عن ابن عباس [﵄] أن النبي ﷺ قال للعباس بن عبد المطلب: ((عباس! يا عماه! ألا أعطيك؟ ألا أمنحك؟ ألا أخبرك؟ ألا أفعل بك؟ عشر خصال إذا أنت فعلت ذلك؛ غفر الله لك ذنبك أوله وآخره، قديمه وحديثه، خطأه وعمده، صغيره وكبيره. سره وعلإنيته: أن تصلي أربع ركعات. تقرأ في كل ركعة ــ كصوت السلاح. قوله: ((رأيت أن لله علي)) أي ظننت أن الله أوجب علي ركعتين، هذه كناية عن استدامته، ومواظبته عليهما. وقوله: ((بهما)) أي نلت ما نلت بسبب الركعتين بعد الوضوء وبعد الأذان، عليك بهما، أو استمسك بهما، ومضى شرحه في الفصل الأول من هذا الباب. الحديث الرابع عن عبد الله بن أبي أوفي: قوله: ((موجبات رحمتك)) أهي جمع ((نه)): هي جمع موجبة، وهي الكلمة التي أوجبت لقائلها الجنة وحقيقتها. قوله: ((عزائم مغفرتك)) ((نه)): أي أسألك أعمالا تتعزم وتتأكد بها مغفرتك. صلاة التسابيح الحديث الأول عن ابن عباس: قوله: ((يا عباس)) ((تو)): الحديث علي ما هو في المصابيح غير مستقيم، قد سقط عنه كلمات لا يعرف يدونها معناه، إحداها قوله: ((أفعل بك)) والرواية الصحيح ((أفعل لك))، وثإنيها سقطت بعد قوله: ((أوله)) ((وآخره قديمة وحديثة))، وثالثها سقط ((عشر خصال)) بعد قوله: ((سره وعلإنيته)). إذا تقرر هذا فنقول: قوله: ((ألا أمنحك)) المراد من

стр. 797

فاتحة الكتاب وسورة، فإذا فرغت من القراءة في أول ركعة وأنت قائم. قلت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، خمس عشرة مرة، ثم تركع، فتقولها وأنت راكع عشراً، ثم ترفع رأسك من الركوع، فتقولها عشراً، ثم تهوى ساجداً، فتقولها وأنت ساجد عشراً، ثم ترفع رأسك من السجود فتقولها عشراً، ثم تسجد ــ المنحة الدلالة علي فعل ما تفيده الخصال العشر. وعلي هذا معنى جميع ما قرن معه من الألفاظ. وإنما أعاد القول بألفاظ مختلفة تقريراً للتأكيد، وتوطئة للاستماع إليه. وإنما أضاف فعل الخصال إلي نفسه في قوله: ((ألا أفعل لك)) لأنه الباعث عليها. والخصال العشر منحصرة في قوله: ((أوله وآخره)) إلي آخر ما ذكر في المصابيح من انضمام ((قديمه وحديثه)) إليها. فهذه الخصال العشر قد زادها إيضاحاً بقوله: ((عشر خصال)) بعد حصر هذه الأقسام. فمن نصب ((عشراً)) فالمعنى: خذها، أو دونك عشر خصال. فإن قيل: أليس الأول والآخر يأتيان علي القديم والحديث؟ وعلي هذا فما فائدة هذه الألفاظ وتقسيمها علي عشر خصال؟ قلنا: معنى قوله: ((أوله وآخره)) مبتدأ الذنب ومنتهاه. ومعنى ((قديمه وحديثه)) ما قدم به عهده وحدث. وقوله: ((خطأه وعمده، صغيره وكبيره، سره وعلإنيته)) فهذه الأقسام الثلاثة وإن كانت متداخلة؛ لأن الخطأ والعمد يأتيان علي سائر أقسام الذنب، وكذلك الصغير والكبير، والسر والعلإنية؛ لأن جنس الذنب لا يخلو عن أحد القسمين من جملة الأقسام المذكورة، ولكن كل قسمين متقابلين منها متفارقين عن الآخر في الحد والحقيقة. فالحكم الذي يختص بالخطأ غير الحكم الذي يختص بالعمد. والمؤاخذة التي تتعلق بالصغيرة غير التي تتعلق بالكبيرة. وكذلك السر والعلإنية. فإن قيل: الخصلة هي السجية الخلقية، أو المكتسبة، فتختص بمعنى محمود أو مذموم في نفس الإنسان، وهذه ليست كذلك. قلنا: قد يقال أيضاً لما تقع حاجة الإنسان إليه، لما روي ((ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال: بيت يسكنه، وثوب يواري عورته، وجلف الخبز والماء)) فسماها خصالاً وهي خارجة عن نفس الإنسان. ((حس)): ((عشر خصال)) مفعول تنازعت عليه الأفعال قبله، ومعنى قوله: ((أفعل بك عشر خصال)) أصيرك ذا عشر خصال. والمراد بها التسبيحات والتهليلات؛ لأنهما فيما سوى القيام عشر عشر. أقول- وبالله التوفيق -: معنى قوله: ((ألا أفعل بك)) ألا آمرك بما إن فعلته تصير ذا عشر خصال. فالمعطي والمخبر هو الآمر؛ لأنه سبب لأن يصير ذا عشر خصال. والعشر سبب لمغفرة الذنوب كلها بأسرها. والتكريم لتفخيم المعطي، والترغيب فيه؛ ليتلقاه المأمور بشراشره. والمشار إليه بـ ((ذلك)) في قوله: ((إذا أنت فعلت ذلك)) هو المأمور به العشر من قوله: ((أن تصلي))

стр. 798

فتقولها عشراً، ثم ترفع رأسك فتقولها عشراً، فذلك خمس وسبعون في كل ركعة تفعل ذلك في أربع ركعات؛ إن استطعت أن تصليها في كل يوم مرة فافعل، فإن لم تفعل؛ ففي كل جمعة مرة، [فإن لم تفعل ففي كل شهر مرة]، فإن لم تفعل ففي كل ــ وقوله: ((تقرأ فاتحة الكتاب)) وقوله: ((وسورة)) وقوله: ((قلت سبحان الله في القيام)) وقوله: ((ثم تقولها وأنت راكع)) إلي قوله: ((فذلك خمس وسبعون)). وقوله: ((أوله وآخره)) قديمه وحديثه)) إلي آخره بدل من قوله: ((ذنبك)) علي معنى: لا أدع من ذنبك شيئاً يقع عليه اسم الذنب، فهو كناية عن التزكية التامة. فالمعنى: إذا أنت فعلت ما أمرتك به من الحسنة، فإن الله تعالي يمنحك عشر خصال، أولاها: محو سيئاتك كلها، ثم عد بعد ذلك إلي أن تنتهي الأشياء إلي عشر مما لا يعلمها إلا الله. ونظيره قوله تعالي: ﴿ليغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، ويتم نعمته عليك، ويهديك صراطاً مستقيما﴾ إلي آخر السورة. وذلك أنه تعالي عد بعد محو ما تقدم من ذنبه وما تأخر نعما لا تحصى دينية ودنيوية، ولأن التزكية مقدمة علي التحلية. وقوله: ((أن تصلي)) خبر مبتدأ محذوف، أي المأمور به: هو أن تصلي، فعلي هذا التقدير يتبين أن الرواية بالباء في قوله: ((ألا أفعل بك)) أظهر في المعنى من الرواية باللام؛ لأنه فعل عام خص بحسب المقام، وقرائن الأحوال بما ذكرناه، كما في قوله تعالي: ﴿وما أدرى ما يفعل بي ولا بكم﴾. قال الكلبي: قال للنبي ﷺ أصحابه- وقد ضجروا من أذى المشركين -: حتى متى نكون علي هذا؟ فقال: ما أدري ما يفعل بي ولا بكم، أأترك بمكة أو أأمر بالخروج إلي المدينة، علي أن الرواية بالباء هي المثبتة هي الكتب المضبوطة في سنن أبي داود وابن ماجه. وظهر أن إدخال ((قديمة وحديثة)) وإخراجهما لا يضر بالمعنى. اللهم إلا أن يراد به مزيد الاستيعاب وأن ((عشر خصال)) جيء به لإتمام المعنى، لا لما قال، لاستغنائه عنه بقوله: ((عشر خصال)) أولاً. والله أعلم. ((مح)): في الأذكار: قال الإمام بن العربي في كتابه ((الأحوذي)) في شرح الترمذي: حديث أبي رافع هذا ضعيف، ليس له أصل في الصحة ولا في الحسن. وإنما ذكره الترمذي لينبه عليه لئلا يغتر به. قال: وقول ابن المبارك ليس بحجة. وقال العقيلي: ليس في صلاة التسبيح حديث ثبت. وذكر أبو الفرج الجوزي في كتاب الموضوعات أحاديث صلاة التسبيح وطرقها، ثم ضعفها كلها وبين ضعفها، وبلغنا عن الإمام أبي الحسن الدارقطني أنه قال: أصح شيء سمعناه في فضائل السور فضل ((قل هو الله أحد)) وفي فضائل الصلوات فضل صلاة التسبيح.

стр. 799

سنة مرة، فإن لم تفعل ففي عمرك مرة)) رواه أبو داود، وابن ماجه، والبيهقي في ((الدعوات الكبير)) [١٣٢٨] ١٣٢٩ - وورى الترمذي عن أبي رافع نحوه. [١٣٢٩] ١٣٣٠ - وعن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيام من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت قد خاب وخسر؛ فإن انتقص من فريضته شيء، قال الرب تبارك وتعالي: انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فيكمل بها ما انتقص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله ــ قال الشيخ محيي الدين: لا يلزم من هذه العبارة أن يكون حديث صلاة التسابيح صحيحاً، فإنهم يقولون: هذا أصح ما جاء في الباب- وإن كان ضعيفاً- ومرادهم: أرجحه أقله ضعفاً. وقد نص جماعة من أئمة أصحابنا علي استحباب صلاة التسبيح منهم أبو محمد البغوي وأبو المحاسن الرويإني. قال: قال الرويإني في ((كتاب البحر)): إن صلاة التسبيح مرغب فيها، يستحب أن تعتاد في كل حين ولا يتغافل عنها. قال: هكذا قال عبد الله بن المبارك. الحديث الثاني عن أبي هريرة: قوله: ((فإن صلحت)) الصلاح: كون الشيء علي حالة استقامته، وكماله والفساد ضده. والفلاح: الفوز بالبغية، والمفلح كأنه الذي انفتحت له وجوه الظفر، ولم تستغلق عليه، والنجح: إصابة ما احتيج إليه. فالثاني تكميل للأول، لأن ذا الحاجة عاجز، والمفلح مقتدر. وأنشد: ونحن التاركون لما سخطنا ونحن الآخذون لما رضينا وكذلك الخسار مقابل للفوز، كما أن الخيبة مقابلة للنجاح.

стр. 800

على ذلك)). في رواية: ((ثم الزكاة مثل ذلك، ثم تؤخذ الأعمال علي حسب ذلك)) رواه أبو داود. [١٣٣٠] ١٣٣١ - رواه أحمد عن رجل. [١٣٣١] ١٣٣٢ - وعن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما أذن الله لعبد في شيء أفضل من الركعتين يصليهما، وإن البر ليذر علي رأس العبد ما دام في صلاته، وما تقرب العباد إلي الله بمثل ما خرج منه))، يعني القرآن. رواه أحمد، والترمذي. [١٣٣٢] ــ قوله: ((فإن انتقص)) قوبل الصلاح بالفساد تارة، وهو مقابل حقيقي، وبالنقصان أخرى وهو مقابل معنوي. ثم فرع علي النقصان قوله: ((ثم يكون سائر عمله علي ذلك)) أي علي أن الزكاة إن نقصت كملت بالصدقة، وكذلك الصوم والحج، هذا بالنظر إلي الكمال، وأما إذا نظر إلي الصلاح نفسه فلا؛ لأنه رتب عليه قوله: ((فقد أفلح وأنجح)) وذلك أن الصلاة أم العبادات ومستتبعها وهي بمنزلة القلب من الإنسان، فإذا صلحت صلحت الأعمال، وإذا فسدت فسدت الأعمال. قوله: ((فيكمل بها)) أنت ضمير التطور نظراً إلي معنى الصلاة، والظاهر نصبه علي جواب الاستفهام علي أنه من كلام الله تعالي، ويؤيده رواية أحمد ((فكملوا بها فريضته)) وهو عطف علي ((انظروا)). الحديث الثالث عن أبي أمامة: قوله: ((ما أذن الله لعبد)) هو من أذنت الشيء إذنا إذا أصغيت إليه، وأنشد: إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا مني وما أذنوا من صالح دفنوا وهاهنا ((أذن)) عبارة عن الإقبال من الله بالرأفة والرحمة إلي العبد. وذلك: أن العبد إذا كان في الصلاة وقد فرغ من الشواغل متوجهاً إلي مولاه، مناجياً له بقلبه ولسانه، فالله سبحانه وتعالي أيضاً يقبل عليه بلطفه وإحسانه إقبالاً لا يقبله في غيره من العبادات، فكنى عنه بالأذن له علي التلويحية، ثم إذا رضي الله تعالي عن عبده، وأقبل عليه، هل يبقى من البر والإحسان شيء إلا وينثره علي رأسه؟ كلا. و ((الذر)) بالذال المعجمية هو الرواية، وهو أنسب من ((الدر))؛

стр. 801

ــ لأنه أشمل منه لاختصاص الدر أي الصب بالمائع، وعموم الذر؛ لأن المقام أدعى له. ألا ترى إلي من أراد الإحسان إلي عبد الله الخدمة، ورضي عنه ينثر علي رأسه نثاراً من الجواهر الشريفة. وكأن اختصاص الرأس بالذكر إشارة إلي هذا السر. ((تو)): ((ليذر)) أي ينثر ويفرق من قولهم: ذررت الحب، والملح، والدواء أذرة ذرا، أي فرقته. وصحف، وقيل: ((ليدر)) بالدال المهملة، وهو مشاكل للصواب من طريق المعنى إلا أن الرواية لم تساعده. والحديث يؤخذ من أفواه الرجال، وليس لأحد أن يخالفهم. قوله: ((بمثل ما خرج منه)) قال ابن فورك: الخروج علي وجهين: أحدهما خروج الجسم، وذلك بمفارقة مكانه واستبداله مكاناً آخر، وذلك محال علي الله تعالي. والثاني ظهور الشيء من الشيء كقوله: خرج لنا من كلامك نفع وخير، أراد ظهر لنا من كلامك خير. وهذا هو المراد. فالمعنى: ما أنزل الله تعالي علي نبيه ﷺ ، وأفهم عباده. ثم قال ابن فورك: وقد قال قائلون: إن الهاء في قوله ((خرج منه)) عائد إلي العبد وخروجه منه وجوده علي لسانه، محفوظاً في صدره، مكتوباً بيده. ((شف)): أي ظهر الحق من شرائعه بكلامه، أو خرج من كتابه المبين- وهو اللوح المحفوظ- وذكر عكرمة أنه شهد جنازة رجل مع ابن عباس ﵄، فقال رجل: اللهم يا رب القرآن اغفر له، فقال له ابن عباس: مه، أما علمت أن القرآن منه؟ قال: فغطى الرجل رأسه، كأنه أتى كبيرة. ومعنى ((منه)) أن القرآن صفة الله تعالي القائمة بذاته، فلا يجوز أن يوصف بما يصير مربوباً محدثاً. فإن قيل: فما معنى قول السلف ((إن كلام الله منه خرج، وإليه يعود))؟ قلت: معناه: أنه تعالي به أمر، ونهي، وإليه يعود، يعني هو الذي يسألك عما أمرك، ونهاك. أقول: معنى قولهم: ((منه أبداً)) أنه أنزل علي الخلق ليكون حجة لهم وعليهم قال تعالي: ﴿تبارك الذي نزل الفرقان علي عبده ليكون للعالمين نذيراً﴾ وقولهم ((وإليه يعود)) أن مآل أمره وعاقبته من تبين حقيقته، وظهور صدق ما نطق به، من الوعد والوعيد إلي الله تعالي. قال سبحانه: ﴿يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق﴾. وإذا تقرر هذا، فليس شيء من العبادات يتقرب العبد إلي الله، ويجعله وسيلة له أفضل من القرآن. قوله: ((يعني القرآن)) ((تو)): أطلق المؤلف هذا التفسير، ولم يقيده بما يفهم أن المفسر من هو. والحديث نقله المؤلف من كتاب الترمذي. وفي روايته: قال أبو النصر: ((يعني القرآن)) ومثل هذا لا يتسامح فيه أهل الحديث، والحق معهم؛ فإن مثل ذلك يوهم أن التفسير من فعل الصحابي، فيجعل من متن الحديث، وفي ذلك خلل بين.

стр. 802

(٤١) باب صلاة السفر الفصل الأول ١٣٣٣ - عن أنس: أن رسول الله ﷺ صلي الظهر بالمدينة أربعاً، وصلي العصر بذي الحليفة ركعتين. متفق عليه. ١٣٣٤ - وعن حارثة بن وهب الخزاعي، قال: صلي بنا رسول الله ﷺ ونحن أكثر ما كنا قط وآمنه بمنى، ركعتين. متفق عليه. ــ باب صلاة السفر الباب الأول الحديث الأول والثاني عن حارثة: قوله: ((أكثر ما كنا قط)) الجوهري: ((قط)) للماضي من الزمان يقول: ((قط ما فارقتك)). ((مظ)) ((ما)) مصدرية، ومعناه الجمع، لأن ما أضيف إليه أفعل يكون جمعاً. و ((آمنه)) عطف علي ((أكثر)) والضمير فيه راجع إلي ((ما)) والواو في قوله ((نحن)) للحال، والمعنى: صلي بنا رسول الله ﷺ ، والحال أنا أكثر أكواننا في سائر الأوقات عدداً، وأكثر أكواننا في سائر الأوقات أمنا، وإسناد الأمن إلي الأوقات مجاز. ((شف)): وعلي هذا ((قط)): متعلق بمحذوف، لأن ((قط)) يختص بالماضي المنفي، ولا منفي هاهنا. تقديره: ما كنا أكثر من ذلك، ولا آمنه قط. ويجوز أن يكون ((ما)) نافية خبر المبتدأ، و ((أكثر)) منصوباً علي خبر ((كان)). والتقدير: ونحن ما كنا قط في أكثر منا في ذلك الوقت، ولا آمن منا فيه. ويجوز إعمال ما بعد ((ما)) فيما قبلها ذا كانت بمعنى ليس، فكما يجوز تقديم خبر ((ليس)) عليه يجوز تقديم خبر ((ما)) في معناه عليه. ويحتمل أن يكون ((وآمنه)) فعلاً ماضياً، وضمير الفاعل مضافاً إلي الله تعالي، وضمير المفعول إلي النبي ﷺ ، أي وأمن الله تعالي نبيه ﷺ حينئذ. أقول: هذا علي أن يكون ((أكثر)) خبر ((كان))؛ إذ لا يستقيم أن يعطف ((وآمنه)) علي ((أكثر)) وهو متعسف جداً، والوجه هو الأول. وفي الحديث دليل علي جواز القصر في السفر من غير خوف، وإن دل ظاهر قوله تعالي: ((إن خفتم)) علي الاختصاص؛ لأن ما في الحديث رخصة، وما في الآية عزيمة، يدل عليه ما في الحديث الذي يليه من قوله ﷺ : ((صدقة تصدق الله بها عليكم)) وفيه تعظيم شأن رسول الله ﷺ حيث أطلق ما قيده الله تعالي، ووسع علي عباد الله، ونسب فعله إلي الله تعالي؛ لأنه خيرة الله تعالي في خلقه.

стр. 803

١٣٣٥ - وعن يعلي بن أمية، قال: قلت لعمر بن الخطاب: إنما قال الله تعالي: (أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا)، فقد أمن الناس. قال عمر: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ . فقال: ((صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته)). رواه مسلم. ١٣٣٦ - وعن أنس، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ من المدينة إلي مكة، فكان يصلي ركعتين ركعتين، حتى رجعنا إلي المدينة، قيل له: أقمتم بمكة شيئاً؟ قال: ((أقمنا بها عشراً)). متفق عليه. ١٣٣٧ - وعن ابن عباس، قال: سافر النبي ﷺ سفراً، فأقام تسعة عشر يوماً ــ قوله: ((بمنا)) ((مح)): يذكر ويؤنث، فإن قصد الموضع فمذكر، فيكتب بالألف، وينصرف، وإن قصد البقعة فمؤنث، ولا ينصرف، ويكتب بالياء. والمختار تذكيره. وسمي ((منيي)) لما يمنى فيه من الدماء، أي يراق. الحديث الثالث عن يعلي: قوله ((عجبت مما عجبت منه)) ((حس)): فيه حجة لمن ذهب إلي أن الإتمام هو الأصل، ألا ترى أنهما قد تعجبا من القصر مع عدم الخوف، فلو كان أصل فرض المسافر ركعتين لم يتعجبا من ذلك. ((خط)): في قوله: ﷺ : ((صدقة تصدق الله بها عليكم)) دليل علي أن القصر رخصة وإباحة، لا عزيمة؛ فإن الواجب لا يسمى صدقة. فإن قيل: فما الجوب عن تقييد الآية؟ قلنا: هي وإن دلت بمفهوم المخالفة علي أن لا يجوز القصر في غير حالة الخوف، لكن من شرط مفهوم المخالفة، إن لم تخرج مخرج الأغلب فلا اعتبار بذلك الشرط، كما في الآية؛ فإن الغالب من أحوال المسافرين الخوف. الحديث الرابع عن أنس: قوله: ((أقمنا بها عشراً)) ((مظ)): أي عشر ليال. ومذهب الشافعي ﵁ أن المسافر إذا لبث ببلد، وعزم علي الخروج متى انقضى شغله، جاز له القصر إلي ثمإنية عشر يوماً. هذا إذا لم ينو الإقامة، وإن نوى الإقامة أربعة أيام فصاعداً أتم. وقال أبو حنيفة ﵁: جاز له القصر ما لم ينو الإقامة خمسة عشر يوماً. ((حس)): وأما ما روي: ((أن ابن عمر ﵄ أقام بآذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة، يقول: أخرج اليوم أخرج غداً))، فظاهر عند من جوز الزيادة علي ثمإنية عشر يوماً، ومن لم يجوزها قال: كانت إقامته في بقاع متفرقة، ولم يقم في مكان واحد أكثر من ثلاثة أيام. الحديث الخامس عن ابن عباس: قوله: ((فإذا أقمنا أكثر)) يدل علي أن المراد من العدد السابق

стр. 804

يصلي ركعتين ركعتين. قال ابن عباس: فنحن نصلي فيما بيننا وبين مكة، تسعة عشر، ركعتين ركعتين، فإذا أقمنا أكثر من ذلك صلين أربعاً. رواه البخاري. ١٣٣٨ - وعن حفص بن عاصم، قال: صبحت ابن عمر في طريق مكة، فصلي لنا الظهر ركعتين، ثم جاء رحله، وجلس، فرأي ناسا قياماً، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يسبحون. قال: لو كنت مسبحاً أتممت صلاتي. صحبت رسول الله ﷺ ، فكان لا يزيد في السفر علي ركعتين، وأبا بكر، وعمر، وعثمان كذلك. متفق عليه. ١٣٣٩ - وعن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ يجمع بين الظهر والعصر إذا كان علي ظهر سير، ويجمع بين المغرب والعشاء. رواه البخاري. ١٣٤٠ - وعن ابن عمر، قال: كان رسول الله ﷺ يصلي في السفر علي ــ الإقامة فيه لا السير، يعني نحن إذا أقمنا في منزل تسعة عشر يوماً نصلي ركعتين، وإذا أقمنا أكثر من ذلك نصلي أربعاً. ولعل يوم النزول أو الرحيل داخل فيها. الحديث السادس عن حفص: قوله: ((مسجاً)) أي مصلياً النوافل. ((مح)): اتفق الفقهاء علي استحباب النوافل المطلقة في السفر، واختلفوا في استحباب الراتبة، فتركها ابن عمر وآخرون، واستحسنها الشافعي وأصحابه والجمهور، ودليله الأحاديث العامة المطلقة في ندب الرواتب، وحديث صلاته ﷺ الضحى يوم فتح مكة، وركعتي الصبح حين ناموا حتى طلعت الشمس، وأحاديث أخر صحيحة ذكرها أصحاب السنن، والقياس علي النوافل المطلقة. ولعل النبي ﷺ كان يصلي الرواتب في رحله، ولا يراه ابن عمر؛ فإن النافلة في البيت أفضل، أو لعله تركها في البيت بعض الأوقات تنبيهاً علي جواز تركها. الحديث السابع عن ابن عباس. ((قوله: ((علي ظهر سير)) الظهر مقحم للتأكيد، كما في الحديث ((خير الصدقة ما كان عن ظهر غني)) والظهر قد يزاد في مثل هذا إشباعاً للكلام وتمكيناً، كأن سيره ﷺ كان مستنداً إلي ظهر قوي من المطي والركاب. ((مظ)): إذا كان رسول الله ﷺ في السفر، تارة ينوي تأخير الظهر ليصليها في وقت العصر، وتارة يقدم العصر إلي وقت الظهر، ويؤديها بعد الظهر، وكذلك المغرب والعشاء. الحديث الثامن عن ابن عمر: قوله: ((يصلي في السر علي راحلته)) ((شف)): في هذا الحديث والحديث الذي قبله في آخر هذا الباب- أي في آخر الفصل الثاني وهو قوله: ((كان إذا سافر،

стр. 805

راحلته حيث توجهت به، يومئ إيماء صلاة الليل إلا الفرائض، ويوتر علي راحلته. متفق عليه. الفصل الثاني ١٣٤١ - عن عائشة، قالت: كل ذلك قد فعل رسول الله ﷺ : قصر الصلاة وأتم. رواه في ((شرح السنة)). [١٣٤١] ١٣٤٢ - وعن عمران بن حصين، قال: غزوت مع النبي ﷺ وشهدت معه الفتح، فأقام بمكة ثمإني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين، يقول: يا أهل البلد! صلوا أربعاً، فإنا سفر)). رواه أبو داود. [١٣٤٢] ــ وأراد أن يتطوع)) الحديث- دليل علي أن صوب الطريق بدل من القبلة في دوام الصلاة في حق المسافر المتنفل، فلا يجوز له الانحراف عنه، كما لا يجوز في الفرض عن القبلة. وفي قوله: ((يوتر علي راحلته)) دلالة علي أن الوتر غير واجب، لأنه قال: ((يومئ إيماء صلاة الليل إلا الفرائض، ويوتر علي راحلته)). أقول: هذا إنما يتمشى إذا اتحد معنى الفرض والواجب. قوله: ((صلاة الليل)) مفعول ((يصلي)). وقوله: ((يومئ إيماء)) حال من فاعل ((يصلي)) وكذا ((علي راحلته))، و ((إلا الفرائض)) مستثنى من صلاة الليل. الفصل الثاني الحديث الأول عن عائشة: قوله: ((كل ذلك قد فعل)) ذلك إشارة إلي أمر مبهم، له شأن مبهم لا يدري ما هو إلا بتفسيره، وتفسيره قولها رضي الله تعالي عنها: ((قصر الصلاة وأتم)) ونظيره قوله تعالي: ﴿وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين﴾. ((مظ)): يعني كان رسول الله ﷺ يقصر الصلاة الرباعية في السفر، ويتمها. وإليه ذهب الشافعي ﵁. الحديث الثاني عن عمران ﵁: قوله: ((فإنا سفر)) هو جمع سافر، كصحب وركب جمع صاحب وراكب. و ((الفاء)) هي الفضيحة؛ لأنها تدل علي محذوف، وهو سبب لما بعد الفاء. أي صلوا أربعاً، ولا تقتدوا بنا، فإنا سفر، ونظيره قوله تعالي: ﴿اضرب بعصاك الحجر فانفجرت﴾ أي فضرب فانفجرت.

стр. 806

١٣٤٣ - وعن ابن عمر، قال: صليت مع النبي ﷺ الظهر في السفر ركعتين، وبعدها ركعتين. وفي رواية قال: صليت مع النبي ﷺ في الحضر والسفر، فصليت معه في الحضر الظهر أربعاً، وبعدها ركعتين، وصليت معه في السفر الظهر ركعتين، وبعدها ركعتين، والعصر ركعتين، ولم يصل بعدها شيئاً، والمغرب في الحضر والسفر سواء ثلاث ركعات، ولا ينقص في حضر ولا سفر، وهي وتر النهار، وبعدها ركعتين. رواه الترمذي. [١٣٤٣] ١٣٤٤ - وعن معاذ بن جبل، قال: كان النبي ﷺ في غزوة تبوك: إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل؛ جمع بين الظهر والعصر، وإن ارتحل قبل أن تزيغ الشمس ــ الحديث الثالث عن ابن عمر: قوله: ((سواء)) حال أي مستوية، و ((ثلاث ركعات)) بيان لها، قوله: ((وهي وتر النهار)) جملة حالية كالتعليل، لعدم جواز النقصان، أي وهي مشابهة للوتر في الليل، فلا ينبغي أن تسقط منها ركعة فتكون شفعاً، ولا ركعتان فتبقى ركعة، وهي في الوتر مختلف فيها، ولم يرد في النوافل ركعة فذة، فكيف بالفرض؟ وفي الحديث دليل علي أن الرواتب يؤتي بها في السفر، كما في الحضر. الحديث الرابع عن معاذ: قوله: ((إذا زاغت الشمس)) أي مالت، يقال: زاغ عن الطريق يزيغ

стр. 807

أخر الظهر حتى ينزل للعصر، وفي المغرب مثل ذلك، إذا غابت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين المغرب والعشاء، وإن ارتحل قبل أن تغيب الشمس أخر المغرب حتى ينزل للعشاء، ثم يجمع بينهما. رواه أبو داود، والترمذي. [١٣٤٤] ١٣٤٥ - وعن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ إذا سافر وأراد أن يتطوع؛ استقبل القبلة بناقته، فكبر، ثم صلي حيث وجهه ركابه. رواه أبو داود. [١٣٤٥] ١٣٤٦ - وعن جابر، قال: بعثني رسول الله ﷺ في حاجة، فجئت وهو يصلي علي راحلته نحو المشرق، ويجعل السجود أخفض من الركوع. رواه أبو داود. [١٣٤٦] الفصل الثالث ١٣٤٧ - وعن ابن عمر، قال: صلي رسول الله ﷺ بمنى ركعتين، وأبو بكر بعده، وعمر بعد أبي بكر، وعثمان صدراً من خلافته. ثم إن عثمان صلي بعد أربعاً. فكان ابن عمر إذا صلي مع الإمام صلي أربعاً، وإذا صلاها وحده صلي ركعتين. متفق عليه. ١٣٤٨ - وعن عائشة، قالت: فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر رسول الله ــ إذا عدل عنه. قيل: فيه إشارة إلي أن النازل في وقت الصلاة الأولي من الصلاتين يستحب له التقديم، والراكب فيه يستحب له التأخير. الحديث الخامس والسادس عن أنس: قوله: ((فكبر ثم صلي)) ((ثم)) هنا للتراخي في الرتبة، ولما كان الاهتمام بالتكبير أشد، خص بتوجه القبلة؛ لكونه مقارناً للنية. ومن هذا معنى قوله: ((نية المؤمن خير من عمله)). قوله: ((نحو المشرق)) يجوز أن يكون حالا، أي متوجهاً نحوه، وأن يكون ظرفاً علي التوسع. قوله: ((حيث وجهه)) أي استقبل الصوب الذي المركوب متوجه إليه. الفصل الثالث الحديث الأول والثاني عن عائشة: قوله: ((تأولت كما تأول)) ((مح)): اختلفوا في تأويلهما،

стр. 808

صلى الله عليه وسلم، ففرضت أربعاً، وتركت صلاة السفر علي الفريضة الأولي. قال الزهري: قلت لعروة: ما بال عائشة تتم؟ قال: تأولت كما تأول عثمان. متفق عليه. ١٣٤٩ - وعن ابن عباس، قال: فرض الله الصلاة علي لسان نبيكم ﷺ في الحضر أربعاً، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة. رواه مسلم. ١٣٤٠ - وعنه، وعن ابن عمر، قالا: سن رسول الله ﷺ صلاة السفر ركعتين، وهما تمام غير قصر، والوتر في السفر سنة. رواه ابن ماجه [١٣٥٠] ١٣٥١ - وعن مالك، بلغه أن ابن عباس كان يقصر في الصلاة في مثل ما يكون بين مكة والطائف، وفي مثل ما بين مكة وعسفان، وفي مثل ما بين مكة وجدة. قال مالك: وذلك أربعة برد. رواه في ((الموطأ)) [١٣٥١]. ١٣٥٢ - وعن البراء، قال: صحبت رسول الله ﷺ ثمإنية عشر سفراً، فما ــ فالصحيح الذي عليه المحققون أنهما رأيا القصر جائزاً، والإتمام جائزاً، فأخذا بأحد الجائزين وهم الإتمام. وقيل: لأن عثمان ﵁ نوى الإقامة بمكة بعد الحج، فأبطلوه بأن الإقامة بمكة حرام علي المهاجر فوق ثلاث. وقيل: كان لعثمان رضي الله عن أرض بمنى، فأبطلوه بأن ذلك لا يقتضي الإتمام والإقامة. الحديث الثالث عن ابن عباس: قوله: ((فرض الله علي لسان نبيكم)) مثل قوله تعالي ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾. ((مح)): أخذ بظاهره طائفة من السلف، منهم الحسن البصري، وإسحاق. قال الشافعي، ومالك، والجمهور: إن صلاة الخوف كصلاة الأمن في عدد الركعات، وتأولوا هذا الحديث علي أن المراد ركعة مع الإمام وركعة أخرى يأتي بها منفرداً، كما جاءت الأحاديث الصحيحة في صلاة النبي ﷺ وأصحابه في الخوف. الحديث الرابع والخامس عن مالك: قوله: ((أربعة برد)) ((نه)): وهي ستة عشر فرسخاً، والفرسخ ثلاثة أميال، والميل أربعة آلاف ذراع. الحديث السادس عن البراء: قوله: ((قبل الظهر)) يتعلق بـ ((ترك)) ولعل هاتين الركعتين غير الرواتب؛ لقول ابن عمر: ((لو كنت مسبحاً لأتممت صلاتي)).

стр. 809

رأيته ترك ركعتين إذا زاغت الشمس قبل الظهر. رواه أبو داود، والترمذي، وقال: هذا حديث غريب. ١٣٥٣ - وعن نافع، قال: إن عبد الله بن عمر كان يرى ابنه عبيد الله يتنفل في السفر فلا ينكر عليه. رواه مالك. [١٣٥٣] (٤٢) باب الجمعة الفصل الأول ١٣٥٤ - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم. ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم- يعني يوم الجمعة- فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، والناس لنا فيه تبع، اليهود غداً، والنصارى بعد غد)). متفق عليه. ــ باب الجمعة الفصل الأول الحديث الأول عن أبي هريرة: قوله: ((بيد أنهم)) ((نه)): أي غير أنهم. وقيل معناه: علي أنهم، وزاد علي القولين في الشرح السنة، وقال المزني: سمعت الشافعي ﵁ يقول: بيد من أجل. قال أبو عبيد: وفيه لغة أخرى: ميد أنهم بالميم، وفي بعض الأحاديث عن النبي ﷺ ((وأنا أفصح العرب ميد إني من قريش)). قال المالكي: المختار عندي في ((بيد)) أن يجعل حرف استثناء بمعنى ((لكن))؛ لأن معنى ((إلا)) مفهوم منها، ولا دليل علي أسميتها. والمشهور استعمالها متلوة بأن كما في الحديث. وقول الشاعر: بيد أن الله قد فضلكم فوق من أحكأ صلباً بإزار والأصل في رواية من روى ((بيد كل أمة)) فحذف ((أن)) وبطل عملها، وأضيف ((بيد)) إلي المبتدأ والخبر اللذين كانا معمولي ((أن))، واستعمال ما بعده علي الابتداء والخبر قول الزبير ﵁: فلولا بنوها حولها لخطبتها

стр. 810

وفي رواية لمسلم، قال: ((نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة؛ بيد أنهم)) وذكر نحوه إلي آخره. ــ وجاز حذف ((أن)) المشدد قياساً علي المخففة في نحو قوله تعالي: ﴿يريكم البرق﴾ أي أن يريكم؛ لأنهما أختان في المصدرية. أقول: هذا الاستثناء من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم. قال النابغة: فتى كملت أخلاقه غير أنه جواد فما يبقى من المال باقيا والبيت يجري في الاستثناء علي المنقطع لا المتصل بالادعاء، كما في قوله: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب يعني إذا كان فلول السيف من القراع عيب، فلهم هذا العيب، ولكن هو من أخص صفة الشجاعة. وعلي هذا المعنى الحديث، وتقريره: نحن السابقون يوم القيامة بما منحنا من الفضائل، والكمالات، غير أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وهذا الإيتاء يؤكد مدح السابقين بما عقب من قوله: ((وأوتيناه من بعدهم)) لما أدمج فيه معنى النسخ لكتابهم، فالناسخ هو السابق في الفضل، وإن كان مسبوقاً في الوجود، وعلي هذا الأسلوب أيضاً قوله: ((ثم هذا يومهم)) إلي آخره، يعني يوم الجمة وإن أخر في الوجود وأوتيناه من بعدهم فهو سابق في الفضل والكمال، وإليه أشار ﷺ بقوله: ((والناس لنا فيه تبع)). ((قض)): معنى قوله: ((فهدانا الله له)) بعد قوله: ((فرضهم عليهم)) أن الله تعالي أمر عباده، وفرض عليهم أن يجتمعوا يوم الجمعة، فيحمدوا خالقهم، ويشكروه بالعبادة، وما عينه لهم بل أمرهم: أن يستخرجوه بأفكارهم ويعينهوه باجتهادهم. فقالت اليهود: هو يوم السبت؛ لأنه يوم فراغ؛ وقطع عمل، فإن الله تعالي فرغ فيه عن خلق العالم، فينبغي للخلق أن يعرضوا عن صنائعهم ويفرغوا للعبادة. وزعمت النصارى: أن المراد به يوم الأحد؛ فإنه يوم بدأ الخلق الموجب للشكر والعبادة. فهدى الله هذه الأمة، ووفقهم الإصابة حتى عينوا الجمعة، وقالوا: إن الله تعالي خلق الإنسان للعبادة، وكان خلقه يوم الجمعة، فكانت العبادة فيه أولي؛ ولأنه تعالي أوجد في سائر الأيام ما ينتفع به الإنسان، وفي الجمعة أوجد نفسه، والشكر علي نعمة الوجود أهم وأحوى. ولما كان مبدأ دور الإنسان وأول أيامه يوم الجمعة، كان المتعبد فيه باعتبار العبادة متبوعاً، والمتعبد في اليومين اللذين بعده تابعاً. قوله: ((أوتوا الكتاب)) التعريف فيه للجنس، ولذلك أفرد الضمير في قوله: ((وأوتيناه))
следующие страницы →