← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 122258

جهود علماء المسلمين في نقد الكتاب المقدس من القرن الثامن الهجري إلى العصر الحاضر "عرض ونقد"

رمضان الدسوقي

Полный текст (438 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

تمهيد: لقد أحاط العلامة رحمة الله الهندي الأناجيل الأربعة بالدراسة النقدية الفاحصة التي أثبتت بالأدلة العقلية والنقلية وأقوال كتابهم أن هذه الأناجيل ليس لها سند متصل، وأنها قد ألفت بعد رفع المسيح ﵇ بمدة طويلة. وأثبت أيضًا من خلال جولاته النقدية بين النصوص والشروح المختلفة للكتاب المقدس أن الإنجيل الأصلى قد فُقد، وأن الأسباب التي اعتذروا بها لفقدان سندهم أسباب واهية (١). وعلى الفرض لو كانت هذه الأناجيل تصح نسبتها إلى مؤلفيها- متى- مرقس- لوقا- يوحنا- إلا أن النصارى أنفسهم وطوائفهم المختلفة قد اختلفوا في تحديد تواريخ كتاباتها واضطربوا في ذلك اضطرابًا شديدًا، فإسنادهم هذه الأناجيل إلى أصحابها بلا حُجة ولا برهان كما سبق بيانه في المبحثين السابقين. ولقد اعتمد عُلماؤنا الأجلاء في نقد الجانب التاريخي للعهد الجديد على تلك التواريخ إلى ذكرها مفسرو العهد الجديد على اختلاف طوائفهم مما دفعهم لمناقشة الأدوار التاريخية التى مرت بها الأناجيل، الأمر الذي أدى إلى فقدان الثقة في قانونية هذه الأناجيل. موثوقية الأناجيل الأربعة: (وحول موثوقية الأناجيل الأربعة يقول أ / محمَّد السعدي في كتابه "دراسة في الأناجيل" إن فناء النسخ الأصلية للأناجيل يعني ببساطة أننا لا نستطيع التأكد من موثُوقية المخطوطات والنسخ التي بين أيدينا اليوم، وإذا علمنا أن أقدم مخطوطات العهد الجديد الموجودة حاليًا ترجع إلى القرن الرابع الميلادي، وأن آخر الأناجيل كُتب سنة ١٠٠ م فإننا نخلص إلى أن هناك فاصلًا زمنيًا بين تاريخ كتابة الأناجيل وتاريخ مخطوطاتها يزيد على مائتي سنة) (٢). وهذا الفاصل الكبير نسبيًا يجعل الأناجيل معلقة في الهواء بلا سند متصل بين كتبتها ومخطوطاتها، وفناء نسخ الأناجيل التي يرجع تاريخها إلى ما قبل مجمع نيقية عام ٣٢٥ م يرجع لسببين: ١ - قرار الكنيسة بإلغاء الأناجيل المخالفة لأناجيلها والأمر بإعدامها. ٢ - جو الخوف والاضطهاد والمطاردة والمذابح التي تعرض لها النصارى لمدة ثلاثمائة سنة متواصلة على يد اليهود والرومان الوثنيين ... وفي تلك الفترة العصيبة لم تكن هناك قوة تحمى النصارى أو تحافظ على كتبهم، وفي مثل هذا الجو تتهيأ الفرصة لضياع الحقائق وتعديل النصوص، ونسبة الكتب إلى غير مؤلفيها، ويصبح التحقق من موثوقية الأقوال والأفعال والنصوص أمرًا غير ميسور (٣).

стр. 107

تأثر الأناجيل برسائل بولس: (وقصة هذه الأناجيل وعلاقاتها بالمعتقدات المسيحية قصة تدعو للعجب فمن الطبيعي أن تنبني المعتقدات على الأناجيل، ولكن الواقع غير هذا أو قل عكس هذا إذ انبنت الأناجيل على المعتقدات، فقد نشأت المعتقدات بواسطة بولس، ثم كتب بولس رسائله بين سنة ٥٥ وسنة ٦٣ م بيد أن الإنجيليين لم يبدءوا كتابة أناجيلهم إلا في سنة ٦٣ م ورجحت كفة بولس وكفة معتقداته فتأترت الأناجيل بهذه الرسائل (١). صلاحية العهد الجديد: أما بالنسبة لصلاحية العهد الجديد كمصدر أساسى عند النصارى يقول د/ أحمد شلبي في موضع آخر من كتابه "المسيحية": إن الأناجيل اختيرت لتلائم المعتقدات التي وضعها بولس، ومن ثم كانت الأغلبية الساحقة من "العهد الجديد" من وضع بولس ومريديه .. ومع هذا فإنه بمرور الزمن ظهر للمسيحيين أن هذه الأناجيل لا تفي بما أرادوا أن يضيفوه للمسيحية من معتقدات كغفران السيئات وعصمة البابا وغير ذلك، ثم اقترحوا المجامع يثبتون بها ما يشاءون من الأصول، وإذا كانت المجامع قد أخذت الحق في تقرير ألوهية المسيح فلا ضير عندهم أن تأخذ الحق فيما دون ذلك من مسائل (٢). ويؤكد د / موريس بوكاي أن الأناجيل الأربعة قد ظهرت بعد مؤلفات بولس بفترة طويلة فيقول: (لا تشير أولى كتابات العصر المسيحي إلى الأناجيل إلا بعد مؤلفات بولس بفترة طويلة جدًا، فالشهادات المتعلقة بوجود مجموعة من الكتابات الإنجيلية تظهر فقط في منتصف القرن الثاني وبالتحديد بعد عام ١٤٠م، وذلك على حين أن هناك كثيرًا من الكتاب المسيحيين يوحون بوضوح منذ بداية القرن الثاني بأنهم يعرفون عددًا كبيرًا من رسائل بولس، وهذه الملاحظات التي تفرضها "المقدمة إلى الترجمة المسكونية للعهد الجديد" المنشورة عام ١٩٧٢ م تستحق أن تذكر على الفور كما يفيد التنويه إلى أن هذه الترجمة هى نتيجة عمل جماعى تضافر له أكثر من مائة متخصص من الكاثوليك والبروتستانت) (٣).

стр. 108

دعوى تمتع الأناجيل الأربعة بحق الامتياز ومناقشة العلماء لها: يقول أ/ أحمد زكى في كتابه "انزعوا قناع بولس": (بين سنة ١٨٦١ - ١٨٧٠ م عقد الفاتيكان مجمعًا أقر فيه أن الكتب القانونية للعهد القديم والجديد قد كتبت بإلهام من الروح القدس، ولكن بعد أن طال النقد للكتاب المقدس من النقاد المسيحيين الغربيين أنفسهم واشتد ذلك في السنوات الأخيرة عقد الفاتيكان مجمعًا آخر في أواسط الستينيات ١٩٦٢ - ١٩٦٥ م وخرج بوثيقة جديدة تراجع فيها عن قراره السابق بالنسبة للعهد القديم واعترف فيها صراحة أن العهد القديم يحتوي على شوائب وشىء من البطلان، ولكن عندما جاء للعهد الجديد نفى عنه ذلك وكرر أنه كُتب بإلهام من الروح القدس) (١). وذكر بعد ذلك نص هذه الوثيقة التى أصدرها مجمع الفاتيكان وجاء فيها: (لا يغفل أي إنسان أن من بين الكتب المقدسة بل حتى العهد الجديد كان هناك ما يتمتع بحق الامتياز مثل الأناجيل باعتبار أنها تكون شهادة حقيقية عن حياة وتعاليم الكلمة المجسدة) (٢). مناقشة العلماء لهذه الوثيقة: (إن محرري هذه الوثيقة حرروها وهم قابعون في بروج كنائسهم وأديرتهم العالية فلم يحتكوا بالأغلبية الساحقة من عامة الشعب ليقرؤوا كتبهم ولم ينزلوا قط إلى الشارع ليروا المكتبات والأرصفة وقد امتلأت بالكتب التي تنتقد العهد الجديد الذي قالوا أنه يتمتع بالامتياز، إذ ثبت بعد ضعف الكنيسة وظهور فن النقد وامتلاك الناس للكتاب المقدس بعد أن كان حكرًا على الكنيسة أن العهد الجديد ليس حصينًا كما يدعى الفاتيكان في وثيقته، بل ظهر أنه ممتلئ بالثغرات التي يمكن الهجوم عليه منها من كل جانب لذا هاجمه النقاد الغربيون المسيحيون أنفسهم وأثخنوه بالجراح، وأزاحوا عنه غطاء الوحى والقداسة وذهب عنه الامتياز المزعوم) (٣). وخلاصة هذه النظرة التاريخية للعهد الجديد ما يلي: ١ - فقدان الإنجيل الأصلي بعد رفع المسيح ﵇ إلى السماء. ٢ - فقدان الثقة في الأناجيل الأربعة والعهد الجديد عمومًا.

стр. 109

المبحث الثاني نقد سند الأناجيل الأربعة لعلماء المسلمين جهود قيمة حول سند الأناجيل الأربعة وفي نظرتهم النقدية لها بينوا هل لهذه الأناجيل سند متصل أم أنها منقطعة السند؟ وهل يا ترى تصح نسبتها إلى المسيح ﵇ أم أن الأمر بخلاف ذلك؟ هذا ما سنعرفه فى الصفحات التالية: من أين جاءت الأناجيل؟ أجمع العلماء على أنه لم يثبت تاريخيًا أن المسيح ﵇ خلف وراءه إنجيلًا مكتوبًا ولهذا فإن ما كتب على لسان المسيح أو عنه إنما هو من عمل التلاميذ والحواريين ومن إليهم (١). أولاً: إنجيل متى: يقول صاحب كتاب الفارق (٢): اتفقت كلمة النصارى على أن متى من الحواريين الاثنى عشر وقالوا: إن إنجيله أول ما بشر به بعد رفع المسيح بثمانية أعوام وكان باللغة العبرانية وهذا مذهب القدماء كافة والكثير من المتأخرين ودلل على كلامه بشواهد كثيرة من كتب علمائهم (٣). وقيل: إن مؤلف إنجيل متى يهودي ولا شك ... يفهم اليهود ويتعاطف مع تطلعاتهم كرجل يهودي المولد (٤) وقيل: (إن متى أحد تلاميذ المسيح الاثنى عشر ويسميهم المسيحيون رسلًا، وقد كان قبل اتصاله بالمسيح من جباة الضرائب للرومان في كفر ناحوم من أعمال الجليل، وكان اليهود ينظرون إلى الجباة نظرة ازدراء؛ لأنها تحمل صاحبها على الظلم أو العنف والعمل فيها معين للدولة الرومانية المغتصبة التى تحكم البلاد بغير رضا أهلها (٥). تاريخ التدوين والترجمة: اختلف العلماء فى تحديد الزمن الذي دون فيه إنجيل متى وهذا الاختلاف دليل واضح على التشكيك في صحة هذا الإنجيل. فيقول فضيلة الإمام / أبو زهرة عن إنجيل متي: (لا شك أن جهل تاريخ التدوين، وجهل النسخة الأصلية التي كانت بالعبرية، وجهل المترجم وحاله من صلاحٍ أو غيره، وعلم بالدين واللغتين التى ترجم عنها والتي ترجم إليها كل هذا يؤدي إلى فقد حلقات في البحث العلمي) (٦)

стр. 110

ثم يعود الإمام أبو زهرة (١) ويقول: إن متي كتب إنجيله بالعبرانية، وأشهر النسخ كانت باليونانية ولكن موضع الخلاف في تاريخ تدوينه وفيمن ترجمه إلى اليونانية، فقال البعض إنه كُتب قبل خراب أورشليم وقيل كتب ما بين سنة ٦٠ وسنة ٦٥ من الميلاد وقيل ما بين عامى ٨٥ و ٩٠ وقيل كتب سنة ٣٧ أو ٣٨ أو ٤١ أو ٤٣ أو ٤٨ أو ٦١ أو ٦٢ من الميلاد (٢) ويؤيده في ذلك كثير من النقاد المسلمين (٣). وبناءً على هذا الاختلاف الواضح في تاريخ التأليف يتساءل العلامة أحمد ديدات فيقول: (وإذا لم نقدر أن نعزى هذا الإنجيل وننسبه إلى الحواري متى فكيف نذعن له ونقبله على أنه كلام الله)؟ (٤). إضافة إلى ما سبق يؤكد صاحب الفارق: (أن إنجيل متى كان بالعبرانية لا اليونانية، وأن نسخته الأصلية فقدت ثم ظهرت ترجمتها ولم يعلم إلى الآن كيف ترجم هذا الإنجيل؟، ومن هو المترجم وما هو حاله في القوة والضعف في الدين؟ وهل هو من المسيحيين أو اليهود أو غيرهم؟ وإذا كان كذلك فكيف تجزمون بهذا الإنجيل وتتخذونه دستورًا مقدسًا ترجعون إليه في عقائد الدين وأصوله، وكيف جزمتم بأنه لمتى وأنتم لا تعلمون الذي ترجمه؟ ولا تدرون هل أدخل فيه من الضلالات ما لايرضى به متى ولا المسيح) (٥). ثم يوجه صاحب الفارق أصابع الاتهام إلى اليهود وما يحتمل أنهم قد فعلوه في إنجيل متى طارحًا افتراضًا عقليًا مؤداه أن اليهود وراء ترجمة هذا الإنجيل فيقول: (ولم لا يحوز أن تكون النسخة العبرانية قد وقعت في يد أحد اليهود أو الدخلاء في المسيحية فترجمها بما وافق غرضه ولائم هواه ودس فيها من العقائد ما يغضب الجبار ويوجب الخلود فى النار) (٦).

стр. 111

وبعد هذا العرض التقويمى لسند إنجيل متى وتاريخ تدوينه وترجمته: يتضح أنه طالما يوجد الشك حول المؤلف ووقت التدوين والترجمة ففي أي شيء تكون الثقة بعد ذلك؟ أتكون الثقة في النصوص وهي من وضع المؤلف المشكوك في نسبتها إليه؟ أم في ماذا تكون الثقة بعد ذلك؟ كل ذلك يدفع المدقق فيما سبق إلى الحكم بأن هذا الإنجيل لا يرتقي لدرجة القبول أو حتى مجرد القداسة وذلك بناءً على انقطاع سنده إلى كاتبه وفقدان النسخة الأصلية منه. ثانيًا: إنجيل مرقس: تناول الإمام أبو زهرة وغيره من النقاد من علماء المسلمين ببيان ما يتعلق بإنجيل مرقس واستند في كلامه لما ذكره المؤرخون من المسيحيين فقال: يقول المؤرخون أن اسمه يوحنا ويلقب بمرقس ولم يكن من الحواريين الاثنى عشر الذين تتلمذوا للمسيح، واختصهم بالزلفى إليه، وأصله من اليهود وكانت أسرته في أورشليم في وقت ظهور السيد المسيح وهو من أوائل الذين أجابوا دعوته، فاختاره من بين السبعين الذين نزل عليهم روح القدس- في اعتقادهم - من بعد رفعه وألهموا بالتبشير للمسيحية كما ألهموا مبادئها لكن مرقس كان يذكر ألوهية المسيح وقد لازم خاله برنابا وبولس في رحلتهما إلى إنطاكية ثم تركهما وعاد إلى أورشليم، ثم التقي مرة أخرى بخاله واصطحبه إلى قبرص، ثم افترقا فذهب إلى شمال أفريقيا ودخل مصر في منتصف القرن الأول فوجد في مصر أرضًا خصبة لدعوته ودخل كثير من المصريين فيها، وكان يتردد بين مصر وروما أحيانًا وإلى شمال أفريقيا أحيانًا أخرى ولكن مصر كانت المستقر الأمين له فاستمر إلى أن ائتمر به الوثنيون فقتلوه سنة ٦٢ ميلادية (١). واعتمد صاحب الفارق في نقده لإنجيل مرقس على أقوال ثلاثة شهود من أكابر علماء النصارى ثم عقب على أقوالهم بقوله: إن إنجيله ليس بإنجيل إلهامي، بل هو تاريخ نقله عن شيخه "بطرس" وهو عبارة عن وقائع في زمن عيسى ﵇ وأنه كان ينكر ألوهية المسيح التي هي مدار الاختلاف بين النصرانية وغيرها (٢). ويقول د/ عبد الكريم الخطيب، من خلال التحقيق العلمي الذي أجراه حول الأناجيل: (إن صاحب هذا الإنجيل لم يجتمع بالسيد المسيح وإن عُد من السبعين فقد بشر بإنجيله في الإسكندرية باللغة اليونانية بعد رفع المسيح بنحو ثلاثين سنة (٣). تاريخ التدوين واللغة التي كتب بها إنجيل مرقس: يقول الإمام أبو زهرة: لقد كتب هذا الإنجيل باللغة اليونانية ولم نر أحدًا من كتاب المسيحيين ناقض ذلك ... واختلفوا في زمان تأليفه فقالوا: قد ألف الإنجيل الثاني سنة ٥٦ وما بعدها إلى سنة ٦٥ والأغلب أنه ألف سنة ٦٠ أو سنة ٦٣ (٤)

стр. 112

وبناءً على ما تقدم: فإن الجهل بتاريخ التدوين والاختلاف في زمن التأليف يجعل الباحث المسلم في يقين من أننا أمام كتاب مطعونٍ في صحة نسبته إلى صاحبه. ثالثًا: إنجيل لوقا: يقول الإمام أبو زهرة من خلال اطلاعه على كتب النصارى وتفسيرات الكتاب المقدس: (إن لوقا ولد بإنطاكية ودرس الطب ونجح في ممارسته ولم يكن من أصل يهودي ولقد رافق بولس في أسفاره وأعماله وجاء في رسائل بولس ما يشير إلى هذه الرفقة وتلك الملازمة: "ويسلم عليكم لوقا الطبيب الحبيب" (١)) (٢). ويقول صاحب الفارق: (اختلفت النصرانية في لوقا اختلاقًا كليًا بحيث يمكننا أن نلحقه في الجهالة بمترجم إنجيل متى وكيفما كان فإنهم اتفقوا على أنه كان تلميذا لبولس العدو الألد للنصرانية وأنه لم ير المسيح أصلًا، وكان من أهل إنطاكية طبيبًا وقيل مصورًا (٣). الاختلافات في إنجيل لوقا: يقول صاحب الفارق: (من نظر إلى اختلاف القوم في عنوان هذا الإنجيل يظهر له حاله ولنذكر من ذلك ثلاثة اختلافات: الأول: عنوان النسخ السريانية: "باسم ربنا وإلهنا يسوع المسيح نكتب الإنجيل المقدس الذي هو بشارة لوقا الإنجيلي التي تكلم بها مبشرًا باليونانية في مدينة الإسكندرية العظمي. الثاني: عنوان النسخة اللاتينية: "إنجيل يسوع المسيح المقدس كما كتب لوقا". الثالث: عنوان النسخة العربية القديمة: "باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد إنجيل الآب الفاضل لوقا البشير افتتاح الإنجيل المجيد" (٤). ويقول د/ عبد الكريم الخطيب: إن لوقا ليس من الحواريين الاثنى عشر وإنما هو من السبعين قد بشر بإنجيله باليونانية بالإسكندرية بعد رفع المسيح بثمانية وعشرين سنة (٥). رابعًا: إنجيل يوحنا: اتفق النقاد المسلمون على أن هذا الإنجيل ينسب إلى يوحنا الحواري ويرون (أن أغلب الطوائف النصرانية تذهب إلى أن يوحنا الإنجيلى أحد التلاميذ الاثنى عشر وأبوه زبدي الصياد ولد في بيت صيدا من الجليل، وأنه هو الذي كان يحبه عيسى ﵇ جدًا، وقال بعض النصارى: إنه لم يكن من التلاميذ ولا من الرسل) (٦).

стр. 113

(وقد ألفه باللغة اليونانية وكان تأليفه إياه حوالي ٩٠ بعد الميلاد على أرجح الأقوال فهو لذلك أحدث الأناجيل جميعًا، إذ تفصله عنها مرحلة زمنية كبيرة تبلغ زهاء ثلاثين عامًا) (١). وقيل إن مؤلفه يوحنا آخر لا يمت إلى الحواري بصلة روحية وقد ظهر هذا الرأي في القرن الثاني الميلادي (٢). سبب تأليف إنجيل يوحنا: وقد بين صاحب الفارق سبب تأليف هذا الإنجيل فقال: (لما كانوا يعَلمون المسيحية على أن المسيح ليس إلا إنسانًا، وإنه لم يكن قبل أمه مريم ولذلك في سنة ٩٦ م اجتمع عموم أساقفة آسيا وغيرهم عند يوحنا والتمسوا منه أن يكتب عن المسيح وينادي بإنجيل مما لم يكتبه الإنجيليون الآخرون، وأن يكتب بنوع خصوصى لاهوت المسيح فلم يسعه أن ينكر إجابة طلبهم) (٣). وعن هذا السبب يقول فضيلة الإمام أبو زهرة: إن إنجيل يوحنا كُتب لغرض خاص: وهو أن بعض الناس قد سادت عندهم فكرة أن المسيح ليس إلهًا، وأن كثيرين من فرق الشرق كانت تقرر تلك الحقيقة فطلب إلى يوحنا أن يكتب إنجيلًا يتضمن بيان هذه الألوهية فكتب هذا الإنجيل) (٤). ثم أورد فضيلته أقوالًا كثيرة لعلماء النصارى تبين سبب كتابته واستنبط منها: (أن كُتاب النصارى يجمعون أو يكادون على أن الإنجيل المنسوب إلى يوحنا كُتب لإثبات ألوهية المسيح التي اختلفوا في شأنها لعدم وجود نصٍ من الأناجيل الثلاثة يعلنها) (٥). تاريخ تدوين إنجيل يوحنا: (اختلف العلماء في تاريخ تدوين إنجيل يوحنا ما بين سنة [٦٨، ٦٩، ٧٠، ٨٩، ٩٥، ٩٨] إذن فليس له تاريخ محدد لتدوينه كما أنه ليس هناك بيان قد خلص من الشك بحقيقة كاتبه) (٦) ثم يعود العلامة البغدادي فيقرر نتيجة ما وصل إليه من النظرة النقدية في سند إنجيل يوحنا ويقول: (إن اختلاف علماء النصارى في شأن إنجيل يوحنا وتاريخ تأليفه مع عدم وجود السند المتصل في روايته بطريق التواتر إلى مؤلفه يسقطه عن الاعتبار ويحط رتبته عن باقي الأناجيل فضلًا عن كونه أعلى منها أو مساويًا لها) (٧). ويقول د/ عبد الكريم الخطيب: هذه الأناجيل الأربعة التي اعتمدت عليها المسيحية في إقامة عقيدتها والتي منها كانت تصورات الدعاة والمبشرين بالمسيحية والمسيح ... ويبدو من النظرة الأولى فيها ... أنها غير مسلمة عند الباحثين من المسيحيين أنفسهم وأن نسبتها إلى الحواريين والتلاميذ الذين كتبوها ليس مقطوعًا بها، وهذا أقل ما فيه أنه يبيح للناظر فيها أن يكون على حذرٍ من جهتها وألا يأخذ قضاياها مأخذ التسليم (٨).

стр. 114

المبحث الثالث جهود علماء المسلمين فى نقد سند رسائل العهد الجديد أولًا: نظرة عامة على هذه الرسائل: قام العلامة رحمة الله الهندي بنقد سند الأسفار الأخرى للعهد الجديد (بقية الأسفار غير الأناجيل الأربعة) واعتمد في نقده لها على ما ذكره رجال الدين المشهورين عندهم آخذًا من كلامهم ما يهدم دعواهم بصحة هذه الأسفار مبينًا من خلال ذلك مكانتها من حيث الصحة وعدمها وهل هي مقبولة لدى الكنائس أم مردودة فيقول: (الرسالة العبرانية والرسالة الثانية لبطرس والرسالة الثانية والثالثة ليوحنا ورسالة يعقوب ورسالة يهوذا ومشاهدات يوحنا وبعض الفقرات من الرسالة الأولى ليوحنا إسنادهم إلى الحواريين بلا حجة وكان مشكوكا فيهم إلى سنة ٣٦٣ م وبعض الفقرات المذكورة مردودة وغلط إلى الآن عند جمهور المحققين) (١). ويقول ل/ أحمد عبد الوهاب في إلقائه الضوء على هذه الأسفار: (من الملاحظ أن كثيرًا من الكتب المسيحية التى يشتمل عليها العهد الجديد قد كتبت ثم نسبت إلى أشخاص ماتوا أو قتلوا قبل التواريخ المقررة لها بعشرات السنين مثال ذلك ما ينسب إلى بطرس وبولس اللذين قتلا قبل عام ٧٠ م ببضع سنين إذ تنسب إلى الأول رسالة بطرس الأولى (حوالي ٩٥) ورسالة بطرس الثانية (عام ١٥٠) كما تنسب إلى الثاني الرسالة الأولى والثانية إلى تيموثاوس والرسالة إلى تيطس (عام ١٠٠) وفي جميع الأحوال يجب أن نتذكر أن التاريخ المرجح لنهاية حياة المسيح على الأرض ورفعه إلى السماء هو حوالى عام ٣٣ م) (٢). ثانيًا: موقف الكنائس من هذه الرسائل: يقرر العلامة رحمة الله الهندي أن الكنائس العربية والسريانية لا تعترف ببعض هذه الرسائل وأن بعض تراجم الكتاب المقدس قد خلت منها فيقول: عن هذه الرسائل أنها (لا توجد في الترجمة السريانية، وردت جميع كنائس العرب الرسالة الثانية لبطرس والرسالتين ليوحنا، ورسالة يهوذا ومشاهدات يوحنا وكذلك تردهم الكنيسة السريانية من الابتداء إلى الآن ولا تسلمهم) (٣).

стр. 115

وحول قانونية الكتاب المقدس ومتى اعتبرت الرسائل التى توجد في العهد الجديد نصوصًا مقدسة عند النصارى يقول أ/ علاء أبو بكر في كتابه: (لم تأت هذه الفكرة إلا بعد تحارب التيارات المختلفة للنصرانية، وبعد أن دعت الحاجة إلى الاستناد إلى شىء ملزم، وهذه الطريقة بدأ التفكير حوالي عام (٢٠٠) بعد الميلاد لاعتبار هذه المدونات كتابات مقدسة، وبعد ذلك بـ (٢٠٠) سنة أخرى نشأ خلاف آخر حول آية الكتابات يمكن اعتبارها مقدسة -أي قانونية- ويمكن قراءتها على الملأ، فقد أيد البعض هذا وأيد البعض الآخر تلك، وحتى هذا اليوم لم يتفق النصارى على هذه المشكلة منذ ١٦٠٠ سنة عندما تم الاختيار الإجباري لهذه النصوص من قبل القياصرة الوثنيين والملحدين وبتأثير من الأساقفة التائهين ولم يكن للكنيسة دخل في الاختيار آنذاك حيث قد ارتدت عن الروح الأصلية (لتعاليم المسيح) وتغربت عنه) (١). ثالثًا: أهمية أعمال الرسل عند النصارى: ولقد أولى علماء المسلمين سفر أعمال الرسل الأهمية بخلاف الرسائل الأخرى باعتبار (أن أعمال الرسل قد كتبت لتلتمس المعاذير للكنيسة عندما رأت أن تنفصل عن اليهودية وتكوِّن لنفسها كنيسة مستقلة) (٢). ولهذا أفرد له النقاد المعاصرون نقدًا موسعًا عن بقية الرسائل الأخرى لأهميته في النصرانية وبناءً على ذلك فإن أعمال الرسل (تعتبر الكتاب الأول في العهد الجديد وينسب إلى لوقا باليونانية كتتمة للإنجيل المنسوب إليه، وقد حوت تاريخ الكنيسة الأولى سواء من الناحية المادية أم الروحية، وهذا الكتاب موجه إلى شخص اسمه ثيوفيلس، لعله شخص رمزي ... فمن الناحية التاريخية لم يستدل حتى الآن على من هو ثيوفيلس) (٣). رابعًا: مصدر أعمال الرسل: نقد ل. م/ أحمد عبد الوهاب هذه الرسائل مبتدءًا بسفر أعمال الرسل وقد نقده من ناحيتين: الأولي: الناحية الأدبية وهي بيان ما يحتويه النص من معانٍ وصيغ مختلفة. والثانية: "الناحية التاريخية" (٤) ببيان السند التاريخي لهذا السفر وكيف تم تدوينه ومن هو مؤلفه فقال: (من أراد أن يطالع مؤلفًا قديمًا وجب عليه أن يثبت نصه والحال أن إثبات نص أعمال الرسل مسألة معقدة (٥)، فالناحية الأدبية في أعمال الرسل: لا شك أن واضع سفر أعمال الرسل استعمل بعض المراجع والأدلة على ذلك كثيرة، ولكن هل كانت هذه المراجع مراجع مخطوطة أم شفهية؟ لربما كانت من كلا النوعين، إنه من العسير ... أن نعزل تلك المراجع ونحددها على وجه أكيد حتى في أمر يوميات السفر التى تدل فيها صيغة (نحن) على وجود تلك المراجع من دون أن تمكننا من رسم حدودها بدقة) (٦).

стр. 116

وعن هذه المصادر التي اعتمد عليها كاتب سفر أعمال الرسل يطرح ل. م/ أحمد عبد الوهاب رؤىً متعددة للنقاد المسلمين وغيرهم تدور حول مرجعية أعمال الرسل مرجحًا ما رآه أقرب للصواب منها وهي كالتالى: (قيل إن كاتب لوقا اتخذ من إنجيل مرقس مرجعًا له، ولكن لا يستبعد أن يكون قد استخدم مصادر أخرى غير هذا الإنجيل سواء أكانت هذه المصادر مكتوبة أم شفهية عندما وضع أعمال الرسل، ولقد كان لوقا في أمس الحاجة إلى مصادر جديدة لكتابة الاصحاحات الخمسة عشرة الأولي التى أورد فيها أحداثا لم يكن هو أحد أطرافها أو شهودها. وهنا نتساءل كيف عرف هذه الأحداث إن كانت صادقة أو مجرد شائعات، لقد بذل القساوسة محاولات جمة من أجل افتراض سلامة هذه المصادر فمثلًا وجد كثير من العلماء أنه استمد الجزء الأول من كتابه من مصدر يهودي قيصري ويهودي إنطاكى، ويرى البعض الآخر أن المصدر عقائدي استنتاجًا من الأسلوب والنظرة الشاملة ثم يضربون مثلًا على استخدامه ضمير الجماعة ويقولون إذا ما كان المؤلف غير مؤلف أعمال الرسل، فلابد وأن يكون مؤلف أعمال الرسل قد استفاد من مصدر سابق) (١). (ومن المحتمل أيضًا أن يكون هذا المصدر ضعيف التركيب والأسلوب، فقام بولس بإعادة تحريره أو بعبارة أخرى بإعادة تفسيره أو تحويره، ولكن ليس هناك في أعمال الرسل ما يدل على اعتماد الكاتب على رسائل بولس، وقد تكون الوثائق التي يظن أن لوقا قد قرأها، والأقرب إلى الصواب: أن المصادر التي اعتمد عليها لوقا في كتابته أعمال الرسل روائية أي شفهية، والمصادر الشفهية هي أقل ثقة من المصادر المكتوبة) (٢). خامسًا: المؤلف وتاريخ التأليف: (إن مؤلف سفر أعمال الرسل هو مؤلف الإنجيل الثالث، هذا أمر اقتنع به التقليد طوال القرون، يضاف إلى ذلك أن المقارنة بين فاتحي الكتابين تقتضى هذه الوحدة فالكتابان مرفوعان إلى ثاوفيلس، ووجود الأجزاء بصيغة (نحن) يوحى بأن المؤلف كان منتميًا إلى بيئة بولس فيكون لوقا الطبيب هو المرشح الممكن الوحيد ... والتوافق بين أفكار أعمال الرسل وأفكار بولس في رسائله يبقي على أقل تقدير غير أكيد في شئون بعضها مهم كمعنى الرسالة رقم ١٣/ ١٣ ومكانة الشريعة على سبيل المثال، ولما كان نقاد عصرنا يحددون تاريخ تأليف الإنجيل الثالث فيما بعد السنة ٧٠ م فهم يحددون تاريخ تأليف أعمال الرسل في نحو ٨٠ م في وقت ينقص أو يزيد عشر سنوات) (٣).

стр. 117

وعن تاريخ أعمال الرسل يقول د/ أحمد طاهر مؤكدًا الرأي السابق: هناك شواهد تدل على أن أعمال الرسل قد وجدت في أوائل القرن الثاني من الميلاد ويذهب البعض إلى أنها كتبت في عام ٩٦ بعد الميلاد، ويستندون في ذلك إلى أنها استخدمت الأعمال الأخيرة للمؤرخين اليهود خاصة يوسفوس، ولكن هذه الأقوال لا يمكن أن تكون نهائية دون معرفة التاريخ الذي كتب فيه لوقا الإنجيل المنصوب إليه، إذًا من هو كاتب هذه الأعمال؟ والواقع أن أعمال الرسل لم تشر إلى موت بولس ولا إلى سقوط القدس في عام ٧٠ ولا إلى رسالة لبولس وبالتالي يمكن القول أن أعمال الرسل كتبت قبل ٧٠ ميلادية ... ويرى الكثيرون من علماء المسيحية أن لوقا قد كتب أعماله بعد الإنجيل المنسوب إليه أي حوالي عام ٨٠ بعد الميلاد ولكن أعيد تحرير كل ذلك بمعرفة الكنيسة فخلطت بعضها مع البعض الآخر (١). وبناءً على ما تقدم: فإن مجرد الاختلاف حول قانونية الرسائل المقدسة في العهد الجديد والذي ظهر من تعدد الآراء حول موقف الكنائس منها والمصادر المتعددة التي اعتمد عليها كاتب أعمال الرسل - مجرد الاختلاف- يولد الشك في صدقها وبالتالي يضعف من قيمتها العلمية والدينية وينفي عنها القداسة التي يدعيها النصارى. خلاصة جهود العلماء حول نقد سند العهد الجديد: لقد استوفى علماء المسلمين سند العهد الجديد بالنقد والتحليل، وأثبتوا من خلال الدراسة النقدية الفاحصة، أن أول الأناجيل قد كتب بعد رفع المسيح ﵇ بستين سنة تقريبًا أو يزيد، ولم يكن هناك إنجيل قد كتبه المسيح ﵇. حتى باقى الأناجيل المعتمدة لدى الكنيسة، مشكوك في نسبتها إلى أصحابها، وقد أيد علماؤنا الأجلاء، ما قالوا بالأدلة العقلية الدامغة، والأدلة التاريخية الموثقة، وكان ممن برع في نقد سند العهد الجديد، العلامة رحمة الله الهندي، يليه في جودة النقد، العلامة البغدادي، ثم بعد ذلك العلماء العاصرون، فقد بنوا وجهة نظرهم على رؤية السابقين، مع تفرد كل واحد منهم برؤيته النقدية إلى تميزه عن غيره، من هؤلاء الإمام أبو زهرة، ول / أحمد عبد الوهاب، د/ عبد الكريم الخطيب، وغيرهم.

стр. 118

القسم الثاني جهود علماء المسلمين- فترة البحث- في نقد متن الكتاب المقدس ويشتمل على بابين: - الباب الأول: نماذج من نقد متن العهد القديم. - الباب الثاني: نماذج من نقد متن العهد الجديد.

стр. 119

الباب الأول جهود علماء المسلمين- فترة البحث- في نقد متن العهد القديم ويشتمل على الفصول التالية: الفصل الأول: نقد العقائد فى العهد القديم. الفصل الثاني: نقد التشريعات في العهد القديم. الفصل الثالث: نقد الأخلاق والسلوكيات فى العهد القديم. الفصل الرابع: إثبات البشارات بالنبى الخاتم والرد على من ينكرها ووقوع النسخ في العهد القديم.

стр. 120

الفصل الأول نقد العقائد في العهد القديم ويشتمل على المباحث التالية: - الأول: نقد أنواع التوحيد في العهد القديم - الثاني: نقد عقيدة الإيمان بالملائكة والجن في العهد القديم - الثالث: نقد عقيدة الإيمان بالنبوة والأنبياء في العهد القديم. - الرابع: نقد عقيدة الإيمان بالنبوة والأنبياء في العهد القديم. - الخامس: نقد عقيدة الإيمان باليوم الآخر في العهد القديم - السادس: نقد عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر في العهد القديم - السابع: نقد عقيدة أرض الميعاد في العهد القديم.

стр. 121

المبحث الأول نقد أنواع التوحيد في العهد القديم ويشتمل على ما يلي: توحيد الربوبية في العهد القديم. توحيد الألوهية في العهد القديم. توحيد الأسماء والصفات في العهد القديم.

стр. 122

تمهيد: من المعلوم أن كل نبي من الأنبياء جاء ليرشد قومه ويدعوهم إلى عبادة الله وحده ونبذ عبادة الأصنام والأوثان، وتعاقب الأنبياء والمرسلون يحملون هذه المهمة ويصححون العقيدة لأقوامهم إذا انحرفوا ويقِّومون ما اعوج من سلوكهم فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ (١). وعندما جاء الإِسلام أصر اليهود والنصارى البقاء على دينهم استكبارًا منهم وحقدًا على المسلمين- باستثناء من آمن منهم - بل انحرفوا عن الطريق وغيروا وبدلوا في التوراة والإنجيل وحاربوا الرسول ﷺ وقومه وناصبوهم العداء. وفي عقائدهم أمورٌ كثيرة تخالف العقل السليم والفطرة النقية من هذه الأمور عقيدتهم في الإله فانحرافهم فيها ظاهر، اليهود يشبهون الخالق بالمخلوق في صفات النقص المختصة بالمخلوق إلى يجب تنزيه الرب عنها كقول من قال منهم: إن الله فقير، وإنه بخيل وإنه تعب لما خلق السموات والأرض (٢). وذلك يخالف ما جاء به موسى ﵇ بالعقيدة الطاهرة النقية التى تشتمل على توحيد الله توحيدًا خالصًا فيقول سبحانه مخاطبًا موسى ﵇ ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ (٣). (كما أن التوراة تشير إلى أن عقيدة التوحيد هى الركيزة الأساسية للدين الذي دعا إليه موسى ﵇، فالوصية الأولى من الوصايا العشر التي أوحيت إلى موسى ﵇ تدعو إلى توحيد الله توحيدًا خالصًا من الند والشريك وهذا هو نص الوصية:- "لا يكن لك آلهة أخرى أمامي، لا تصنع لك تمثالًا منحوتًا ولا صورة ما مما في السماء من فوق وما في الأرض من تحت وما في الماء من تحت الأرض، ولا تسجد لهن ولا تعبدهن" (٤). غير أن بني إسرائيل لم يحافظوا على عقيدة التوحيد بل انحرفوا عنها وغيروا وبدلوا ولم تبق هذه العقيدة على صفائها ونقائها كما كانت حين دعا إليها موسى ﵇ (٥). ويؤكد ذلك الدكتور على عبد الواحد، في كتابه: "الأسفار المقدسة" مبينًا عدم ثبات هذه العقيدة في العهد القديم ولكنها متقلبة ومنحرفة في ذات الوقت عن الطريق المستقيم؛ بل وقد مرت بمراحل متعددة في تطورها.

стр. 123

فقد أخبر القرآن الكريم أنهم لم يفهموا الذات العلية الفهم الصحيح، وظنوا أنه من الممكن رؤيتها؛ بل علقوا إيمانهم بموسى ورسالته على رؤيتهم لله تعالى وفي هذا يقول القرآن الكريم: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١). وأخبر أيضًا عنهم أنهم لم تطمئن نفوسهم إلى عبادة إله لا يستطيعون رؤيته ... وأنهم ارتدوا عن عبادة إلههم أكثر من مرة، فعبدوا العجل تارة والأصنام تارة أخرى ثم اتجهوا بعد ذلك إلى الاعتقاد بأن لهم إلهًا خاصًا بهم وهم أولاده وأحباؤه (٢). والمتتبع لتاريخ بني إسرائيل يلاحظ: (اتجاههم إلى التجسيم والتعدد والتشبيه وحاولوا إدخال مواريثهم وتقاليدهم الوثنية في تصورهم للإله الواحد الذي دعاهم إليه موسى ﵇ وتقرر التوراة قصة العجل الذي صنعوه وعبدوه بعد أن تأخر موسى ﵇ في العودة إليهم، وكيف خلعوا ملابسهم وأخذوا يرقصون أمام هذا الرب عراة، وقد أعدم موسى ثلاثة آلاف منهم عقابًا لهم على عبادة هذا الوثن (٣)، فالإله عند اليهود من صنع أنفسهم، وصور هذا الإله تختلف من حالة إلى أخرى عندهم، ومن سفر من أسفار التوراة إلى آخر، وما دام هذا الإله من صنعهم فإنهم عادة يحبون أن يروه محسوسًا يكلمهم ويكلمونه ويرونه مثلما يراهم، ولم يكن غريبا أن يوصف في التوراة بأنه رب الجنود فقد جاء في سفر أشعياء" ولذلك يقول السيد رب الجنود عزيز إسرائيل: آه إني أستريح من خصمائى وأنتقم من أعدائى" (٤)) (٥). إلى غير ذلك من الصفات التي ألصقوها بالله سبحانه وتعالى عما يقولون علوًا كبيرًا ولذلك أثبت علماء المسلمين في- فترة البحث - مدى التناقض والاختلاف بين نصوص العهد القديم والعهد الجديد في قضية الألوهية والربوبية والأسماء والصفات وقد اجتهد النقاد المسلمون بتعرية باطلهم والانقضاض عليه بالحجة تلو الحجة والأدلة القاطعة على افتراءاتهم من وصف الله بأمور لا تليق بذاته العليه وتتنافى مع جلاله وعظمته، وتنوعت جهود العلماء في بيان ما وقع في العهد القديم من أمور مخالفة لما يجب في حقه ويمكن حصر ما قام به العلماء من نقد هذه العقيدة وذلك ببيان ما فيها من انحراف ظاهر في العهد القديم تحت الأصول الثلاثة التالية:- - الأول: "توحيد الربوبية" (٦).

стр. 124

- الثاني: "توحيد الألوهية" (١). - الثالث: "توحيد الأسماء والصفات" (٢). هذا ولم يغفل علماء المسلمين أثناء نقدهم لتلك المخالفات التي تقدح في مقام الربوبية أو الألوهية أو الأسماء والصفات - لم يغفلوا عن بيان الجانب الحسن في العهد القديم وأشاروا إلى الآيات التي تدل على الوحدانية من أسفاره وفي هذا من الحيدة والإنصاف ما فيه من هؤلاء العلماء العلامة الهندي والإمام الألوسي وشيخ الإِسلام ابن تيميه ومن الكتاب المعاصرين د/ أحمد شلبي، د/ علي عبد الواحد وافي ود/ عبد الغني عبود. وغيرهم وإيراد هؤلاء العلماء لتلك الآيات يدل على النظرة النقدية الواعية إلى تلتقط الدرر الثمينة من بين الأشياء الأخرى التي لا قيمة لها متخذين في ذلك منهجًا قويما قد أشرت إليه في بداية الرسالة وهو أنه لا نرفض الكتاب المقدس على وجه الإطلاق ولا نقبله على وجه الإطلاق ولكن ما أقره القرآن والسنة النبوية أقررناه وما أنكره أنكرناهُ ررفضناهُ وما ورد منه يوافق العقل والمنطق ولا يتعارض مع الفطرة السليمة قبلناه ونقف منه أيضًا موقف المنصفين لا مصدقين ولا مكذبين. وقبل مناقشة الأصول الثلاثة السابقة من خلال الرؤى النقدية المتعددة لعلمائنا الأجلاء حول كل منها يجدر الإشارة إلى بعض الاتجاهات النقدية للكتاب المقدس -فترة البحث- في هذا الموضوع. ١ - الاتجاه نحو التكاملية والموسوعية في التأليف: يتبنى هذا الاتجاه بعض قدامى العلماء الذين جاء نقدهم موسوعيًا شاملًا مدعومًا بالأدلة العقلية والنقلية ويغلب عليه التحليل المنطقى المستقى من وجهة النظر الإِسلامية فأتت ردودهم على ما يدعيه العهد القديم ردودًا شافية كافية تحيط بالموضوع من تفريعات متشعبة وتتصل بموضوع الدراسة والمناقشة وهذه طبيعة التأليف في عصرهم وهي ميزة وليست عيبًا. من هؤلاء شيخ الإِسلام ابن تيميه والإمام الألوسي.

стр. 125

٢ - الاتجاه نحو التخصصية والموضوعية في مناقشة القضايا: يتبنى هذا الاتجاه بعض العلماء في العصر الحديث والحاضر أولئك الذين تغلب التخصصية على مؤلفاتهم فتصبغها بصبغة علمية منهجية وتلك هي طبيعة الدراسات الأكاديمية إلى تتميز بالموضوعية التامة في معالجة القضايا وهذه ميزة البحث العلمي الذي يعتني بتقسيم الموضوع - محل الدراسة والنقد - وترتيبه بحيث إذا أراد الباحث أن يتعرف على محتويات كتاب نقدي ما يكون ذلك سهلًا وميسورًا في الوصول إلى ما يريد من هؤلاء العلامة الهندي، د/ المطعني، د/ المسيري، د/ مزروعة، د/ صفوت مبارك وغيرهم. والملاحظ أن الناقد عندما تتوفر لديه المؤهلات العلمية لنقد موضوع معين في الكتاب المقدس ثم يوظف هذه المؤهلات توظيفًا علميًا دقيقًا قائمًا على أصول منهجية حينئذ يأتي إنتاجه علامة متميزة في المجال الذي يكتب فيه ويسهم إلى حد كبير في إثراء الجانب الثقافي للباحثين عن الحق أين ما كانوا وهذا ما فعله بعض المتخصصين في مجال دراسة الأديان والمهتمين بدراسة الكتاب المقدس. وعند الوقوف أمام هذا الجهد الرائع في تجلية الحقائق ومعالجة أخطر القضايا في العهد القديم يبرز في المقدمة جهد شيخ الإِسلام ابن تيميه حيث يضع يده على نصوص تقدح في مقام الذات العلية يليه في بيان ذلك كل من العلامة الهندي والإمام الألوسي حيث أكدا على وجود التناقض في نصوص العهد القديم حول هذه القضية ببيان ما يدل على التجسيم في مواضع منه وبيان ما يدل على نفى التجسيم في مواضع أخرى. وفي العصر الحديث تلمع بين الكتاب المعاصرين جهود قيمة لباحثة أجادت في ترتيب المحاولات النقدية لهذه الأصول الثلاثة ببيان مواطن الحق في العهد القديم وبيان ما يقدح في مقام أيٍ منها تلك هي الباحثة / سميرة عبد الله بناني. في أطروحتها المطبوعة: "جهود الإمامين ابن تيميه وابن قيم الجوزية في دحض مفتريات اليهود" وفي الصفحات التالية أتناول الأصول الثلاثة بالمناقشة والتحليل من خلال جهود العلماء إن شاء الله تعالى. الأصل الأول: نقد توحيد الربوبية في العهد القديم: من أقوى صور النقد عند علماء المسلمين أن يعرض الكاتب لوجهتين أحدهما إقرار والثانية نفى وبالتالى عند التعارض يكون التوقف ورد تلك القضايا المتنازع فيها بين النفي والإثبات هذا ما فعلته أ/ سميرة عبد الله بناني إذ بينت أن هناك نصوصًا في العهد القديم تثبت توحيد الربوبية وفي الوقت نفسه عرضت لنصوص أخرى تقدح في خصائص الربوبية وهذا كله يناقض توحيد الروبية.

стр. 126

فمن النصوص التي ذكرتها: ١ - " في البدء خلق الله السماوات والأرض وكانت الأرض خربة وخالية وعلى وجه القمر ظلمة وروح الله يرف على وجه المياه، وقال الله ليكن نور فكان نور" (١) ٢ - "أما عرفت أم لم تسمع إله الدهر الرب خالق أطراف الأرض، لا يكل ولا يعيا ليس عن فهمه فحص، يعطى المعيي قدرة، ولعديم القدرة يكثر شدة" (٢) ٣ - أنت هو الرب وحدك أنت صنعت السماوات وسماء السماوات وكل جنودها والأرض وكل ما عليها والبحار وكل ما فيها (٣) وغير ذلك من الشواهد إلى تدل على ثبوت توحيد الربوبية في العهد القديم. ثم تذكر الباحثة تعليقًا على ما سبق تقول فيه: على الرغم من تلك النصوص التي تؤكد صحة توحيد الربوبية في أسفار العهد القديم ... إلا أنها امتلأت بنصوص مناقضة لما أثبتوه سابقًا من إقرارهم ذلك صرحت بعضها وتضمنت البعض الآخر القدح والنقص في مقام الربوبية وهي كما يلي: أولًا: الإشراك في التدبر (أفعال الرب): اعتقدت اليهود بأن للقمر ضررًا وتأثيرًا على الناس إذ يهيج بعض الأمراض العصبية كالجنون والصداع (٤) فسجدت له اليهود وعبدته واستدلت على قولها ذلك بما جاء في سفر أرمياء: " ... ويبسطونها للشمس وللقمر ولكل جنود السموات إلى أحبوها والتي عبدوها والتى ساروا وراءها والتي استشاروها والتي سجدوا لها" (٥). وهذا الاعتقاد بتأثير القمر على الناس شرك في الأمر والتدبير الذي هو من مستلزمات خصائص توحيد الربوبية الحقة وهو كفر بالله تعالى إذ كيف يصح إفراد الرب بالتوحيد الخالص إذا أشرك معه في الأمر والتدبير خلق من خلقه والله رب كل شىء وخالقه ومليكه وهو الغني عما سواه وكل ما سواه فقير" (٦). ثانيًا: النقص والضعف في مقام الربوبية: ومن العلماء الذين أسهموا في إبراز ما طرحه العهد القديم من رؤى خاطئة في تصوره للإله كل من العلامة رحمة الله والإمام الألوسي ود/ عبد العظيم المطعني ود/ صفوت مبارك ود/ بدران محمَّد بدران وغيرهم. وذكر هؤلاء تلك النصوص التى وردت في العهد القديم والتي تصف الإله بما لا يليق في مقام الربوبية فيقول كل من العلامة الهندي والألوسى: إن التوراة تصف الإله بالعجز والضعف كما ورد في قصة صراع يعقوب مع الإله.

стр. 127

وملخص القصة: يذكر سفر التكوين أن الرب قد ظهر ليعقوب في صورة إنسان صارعه حتى الفجر ولم يتمكن الرب من هزيمة يعقوب إلا بعد أن كسر حق فخذه ... (١). ثم يعقب العلامة الهندي على هذا النص تعقيبًا مختصرًا جاء فيه: وهذا المصارع كان ملكًا لما عرفت، وإذا لم نقل ذلك يلزم أن يكون إله بني إسرائيل في غاية العجز والضعف حيث صارع يعقوب الذي هو مخلوقه إلى الفجر ولم يغلبه إلا بالحيلة (٢). ومثله قال الإمام الألوسي وأكد أن الذي ظهر ليعقوب ﵇ ملك من الملائكة وليس غير ذلك (٣) ثالثًا: يفعل الشيء ثم يرجع عنه "البداء ": يقول د/ صفوت مبارك: يشير العهد القديم إلى أن الرب يريد فعل الشىء ثم يرجع عنه ويغير إرادته وهو ما يسمى بالبداء ففى سفر الخروج حديث عن غضب الرب على بني إسرائيل بسبب عبادتهم للعجل وأنه أراد أن يفنيهم ثم رجع عن ذلك وندم لما تضرع له موسى: "قال الرب لموسى: رأيت هذا الشعب وإذا هو شعب صلب الرقبة فاللآن اتركني ليحمى غضبي عليهم وأفنيهم فأصيرك شعبًا عظيمًا ... ارجع عن حمو غضبك واندم على الشر بشعبك ... فندم الرب على الشر الذي قال إنه يفعله بشعبه (٤) " (٥). رابعًا: يفعل الشيء ثم يندم على فعله: وضع علماء المسلمين أيديهم على نصوص في العهد القديم تنسب للرب سبحانه الندم على خلقه للإنسان حين كثر فساد بني آدم في عهد نوح واستدلوا بالنصوص التالية:- ١ - "فحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض وتأسف في قلبه" (٦). ٢ - "فندم الرب على الشر الذي قال أنه يفعله بشعبه" (٧). وغير ذلك من النصوص وما أكثر ما يتندم الرب في اعتقاد اليهود (٨). وقد تنوعت تعليقات النقاد من علمائنا الأجلاء على هذه النصوص يقول د/ المطعني. بعد ما استدل بالنص الأول: "لم تتورع نصوص التوراة المقدسة في زعمهم أن تنسب الندم والتحسر إلى "الرب" والندم والتحسر المنسوبان إلى "الرب" في التوراة هما الندم والتحسر المعروفان للناس في الحياة. فالرب يندم ويتحسر على خلق شيء من خلقه ثم تكون عاقبة الخلق على غير ما يريد (٩).

стр. 128

وينتقد صاحب كتاب انزعوا قناع بولس: هذا النص قائلًا: إن نسبة الحزن والتأسف إلى الله تعالى؛ لأن شر الإنسان قد كثر هو قول جاهل مخرف لا يعرف الله؛ لأنه يصفه بالجهل في عدم معرفته لما سيكون عليه حال الإنسان بعد خلقه، وهذا في حق الله تعالى محال وهو من الكفر المحض ولذا جاء القرآن الكريم مدويًا بأن الله خلق الإنسان والكون بعد أن قدر كل شىء أزلًا فقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ (١) (٢). ويعلق د/ بدران على هذه القضية خلق الله للإنسان وندمه عليها بقوله: بعد ما ندم إله إسرائيل على خلقه للإنسان عاد وندم من جديد لأنه فكر مثل هذا التفكير لأنه ظهر له أن الإنسان طيب وليس شريرًا، ندم الرب لأن نوحًا ذبح له الذبائح وحرقها وصعدت رائحة الشواء للسماء فتنسمها الرب وفي هذا يقول سفر التكوين: "وبني نوح مذبحًا للرب وأخذ من كل البهائم الطاهرة ومن كل الطيور الطاهرة وأصعد محرقات على المذبح فتنسم الرب رائحة الرضا وقال الرب في قلبه لا أعود ألعن الأرض أيضًا من أجل الإنسان" (٣). ثم ينتقد هذا النص متعجبا مما تقول التوراة: هكذا صورك كتبة التوراة يا إله إسرائيل تندم لأنك خلقت الإنسان ثم تعود فتندم لأنك ندمت أنك خلقت الإنسان، صوروك بصورة الإله المرتشي لمجرد أن نوحًا أحرق لك بعض البهائم والطيور وصعدت رائحة الشواء لك في السماء .. ندمت .. لأنك عرفت أن الإنسان طيب وليس شريرًا كما تصورت وظهر ندمك في أنك جعلت الأرض خصبة له طول العام ونوعت الجو خلقت البرد والحر والصيف والشتاء فعل كل هذا من أجل رائحة الشواء إلى تنسمها .. ألهذا السبب يكثر الإسرائيليون من حرق الذبائح (٤).

стр. 129

وتقول الباحثة سميرة عبد الله بعد أن استدلت بالنصوص السابقة: (وهذا كله يتنافى مع التقدير الحكيم لما يشاء ويتعارض مع العلم السابق لأفعاله وإرادته لما يريد ويقدح في ربوبيته إذ كيف يكون ربا من كان جاهلاً والله يقرر أنه العليم الحكيم فيقول تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (١) (٢). ويرى الدكتور/ عبد الوهاب المسيرى. من خلال تحليله لنصوص التوراة أن التصور اليهودى للإله تصور مردود لايقبلهُ عقلٌ ولادين لأنهُ تصورٌ خاطئى ينافى جلال الربوبية والألوهية على حد سواء. وبعد أن استدل بنص من سفر الخروج: يقول "فالآن اتركني ليحمى غصبى عليهم وأُفنيهم" (٣) قال: إن العهد القديم يطرح رؤىً متناقضة للإله تتضمن درجات مختلفة من الحلول بعضها أبعد ما يكون عن التوحيد، وتتبدى الحلولية في الإشارات العديدة إلى الإله التي تصفه ككائن يتصف بصفات البشر فهو يأكل ويشرب ويتعب ويستريح ويضحك ويبكى غضوب متعطش للدماء يحب وببغض متقلب الأطوار يلحق العذاب بكل من ارتكب ذنبًا سواء ارتكبه عن قصد أو غير قصد ويأخذ الأبناء والأحفاد بذنوب الآباء بل يحس بالندم ووخز الضمير (٤). وعلى ضوء ما سبق فإن ما نسبه اليهود للرب من الندم والجهل وغير ذلك يقدح في مقام الربوبية، ويتنافى مع خصائصها المشار إليها في تعريفها في بداية المبحث، كما يدل على بدائية تلك العقول التي تفكر بهذه الطريقة وتصور الخالق سبحانه هذه الصور البشرية المحضة. ومن خلال تلك الرؤى النقدية المتنوعة لعلماء المسلمين حول نظرة العهد القديم للربوبية يتضح ما يلي: ١ - اجتهاد علماء المسلمين في بيان التناقض والتعارض بين نصوص العهد القديم في هذه الخاصية. ٢ - التزامهم بالموضوعية التامة في مناقشتهم لتوحيد الربوبية. ٣ - والاعتقاد الصحيح في هذا الجانب من جوانب التوحيد، أن يعتقد الإنسان بأن الله هو الفاعل الحقيقي لكل شيء في هذا الوجود، فهو سبحانه الخالق الرازق المحيى المميت الذي بيده القدرة على النفع والضر إلى غير ذلك من أفعال، والخروج على هذا الاعتقاد انحراف وشرك نهى الله عنه في كثير من الآيات منها قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٦)

стр. 130

الأصل الثاني: توحيد الألوهية في العهد القديم: لعلماء المسلمين جهود قيمة في تجلية هذه القضية من خلال نصوص العهد القديم تلك الجهود التى تبين أن رأى العهد القديم في هذه القضية يثير الغرابة ويطرح بدل السؤال الواحد أسئلة متعددة حول اعتقاد العهد القديم في الإله وفي الصفحات التالية أبين آراء علماء المسلمين ونظرتهم النقدية لتوحيد الألوهية في نظر اليهود مبينًا مدى الانحراف الذي وقعوا فيه. ومن الملاحظ أن هناك ارتباطًا وثيقا بين ما يلصقه اليهود بالله وبين صفاتهم التى يتصفون بها وبالتالي فإن هذا الارتباط له علاقة وثيقة بعملية التحريف التي قاموا بها وأنهم عند تحريفهم للتوراة حرفوها لتخدم أهواءهم ولتلبية رغباتهم في تحقيق السيطرة والهيمنة على الشعوب. وقد تنوعت نظرات النقاد للصورة التي ترسمها التوراة للإله فالدكتور/ أحمد شلبي في نظرته النقدية لهذا الموضوع يبرز مواطن التناقض في العهد القديم ويؤكد أن التصور الذي يقدمه عن الإله تصور مشوه فهو بين التنزيه تارة والتشبيه تارة أخرى فيقول: هناك تناقض واضح في أسفار العهد القديم فيما يتعلق بالصورة التى ترسمها عن الإله فبينما تدعو الوصايا العشر إلى التنزيه المطلق لله والتوحيد التام له (١) حيث تقول: "لا يكن لك آلهة أخرى أمامى، لا تصنع لك تمثالًا منحوتًا ولا صورة ما مما في السماء من فوق وما في الأرض من تحت وما في الماء من تحت الأرض لا تسجد لهن ولا تعبدهن" (٢): إلا أن هناك نصوصا أخرى تناقض ذلك ورغم هذه الصورة الواضحة من التنزيه المطلق للإله - نجد مواطن أخرى تصف الإله بالتجسد وتقدمه في صورة بشرية وتنعته بالجهل والقسوة والتردد والندم على ما يفعل (٣). ويرى د/ أحمد شلبي، د/ عبد الراضي محمَّد أن التطرف اليهودي في الألوهية قد مر بمرحلتين: الأولى: ما قبل بناء بيت الرب الثانية: ما بعد بناء بيت الرب ففي الأولى: عبد اليهود العجل والحية المقدسة واختلفت فيها بدائيتهم ما بين عبادة الأرواح والأحجار وبين عدم الاستقرار على عبادة إله واحد أما حين بنى البيت وتمت الوحدة السياسية لليهود أيام داود وسليمان ﵉ فقد تمركزت العبادة فيه، وأصبح "يهوه" هو الإله الأوحد الذي يفوق في المكانة كل آلهة البشر (٤)

стр. 131

وتمثل المرحلة الأولى مرحلة الردة الكاملة من عقيدة التوحيد وعبادة الإله الخالق الذي أمر موسى وهارون- ﵉ بعبادته، وهذه الردة عنيفة لأنها أعادت اليهود إلى الوثنية والشرك المحض وعبادة الأصنام والحيوانات وتمثل المرحلة الثانية مرحلة التجسيم والتشبيه في تاريخ اليهود الديني لما خلعوه على الإله "يهوه" من صفات جسدية (١). وقد ذكرت الباحثة/ سميرة عبد الله. ما سجله العهد القديم من نصوص تحمل تناقضا جليًا بين الإثبات والنفي بين الأمر بإخلاص العبادة والتوجه بها إلى الله وحده لا شريك له ووقوعهم في الشرك بعبادة معبودات عديدة غيره وجاءت جهودها حول قضية الألوهية على النحو التالي: إقرار توحيد الألوهية العهد القديم: وهنا أوردت أ/ سميرة عبد الله. بعض النصوص التى تدل على توحيد الألوهية مبينة من خلالها أن عقيدة الألوهية هى الفيصل بين الموحدين والمشركين من هذه النصوص: أ. "اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد" (٢). ب. "أنت هو الإله وحدك لكل ممالك الأرض" (٣). ج. ويقول الإله عن نفسه: "أنا الأول وأنا الآخر ولا إله غيري" (٤). د. كما قال:" أنا أنا هو، وليس إله معي أنا أُميت وأُحى" (٥). وغير ذلك من النصوص (٦). ثم بينت بعد ذلك أن اليهود قد أشركوا في توحيد الألوهية وأهملوا النصوص السابقة التى تتفق مع دعوة سيدنا موسى ﵇ في توحيد الألوهية وانساقوا وراء أهوائهم للتعصب والعنصرية تارة والتعدد والنفعية تارة أخرى إذ لم يستقروا في أي فترة من فترات حياتهم على عبادة الله الواحد وذكرت أن الشرك عندهم قد اتخذ مظاهر متعددة منها: المظهر الأول: تخصيص الإله باليهود: فتقول: تعتقد اليهود بأن الله إله محلي خاص بهم دون سائر الشعوب فلم تعرفه إلها للخلق أجمعين وكثيرًا ما تتردد عبارات في العهد القديم تدل على تخصيص الإله بهم مثل: إله العبرانيين، إله بني إسرائيل إله إسرائيل، إله يعقوب (٧).

стр. 132

ويتضح من مدلول استخدامها في كل موضع من مواضعها أن المقصود بها هو إله اليهود وحدهم دون سائر الشعوب وهم شعبه المختار (١). وفي تعليق د/ المطعني على هذا التخصيص يقول: هذد النصوص تدل على "الإله القبلي" لبني إسرائيل باعتبارهم الشعب المختار- في زعمهم- لا لأنهم أتقياء مستقيمون ولكن لأنهم أبناء يعقوب، أما عدواته للأمم الأخرى من غير اليهود فلا لأنهم أشقياء ولكن لأنهم أعداء للشعب المختار وإن أقاموا الشريعة ولم يفعلوا إثمًا فالتفرقة هنا أساسها الجنس والمولد والعنصرية وليس الإيمان والتقوى والطاعة (٢). وقد سار الدكتور المطعني، في نقده للنصوص بطريقة علمية فيطرح أسئلة استفهامية حول الادعاء التوراتى ويسلم للتوراة فيما تزعم ثم يناقش القضية مناقشة عقلية تستدرج ما يشتمل عليه النص من أكاذيب وبذلك يتسنى له إبطاها عن طريق إحاطته للدعوى بعلامات استفهام لا يستطيع الخصم الإجابة عليها، فيحاصره من كل اتجاه فلا يجد لنفسه ملاذا إلا التسليم للحق والذي يؤكد هذه الرؤية نقده لفكرة الإله القبلى. فيتسائل مستنكرًا ومتعجبًا للعهد القديم فيما يدعيه من ذلك التخصيص ليصل بهم إلى كذب ما يدَّعون وإبطال ذلك التخصيص فيقول متسائلًا بعد أن استدل بالنص الذي يقول: "لأنك شعب مقدس للرب إلهك، إياك قد اختار الرب إلهك لتكون له شعبًا أخص من جميع الشعوب الذين على وجه الأرض" (٣). يقول: (لماذا خلق "الرب" الذي تصفه التوراة بتلك الأوصاف، لماذا خلق الأمم الأخرى؟ ولم يكتف ببني إسرائيل شعبه المختار؟! ولو صح هذا الزعم فإن الأمم الأخرى من غير بني إسرائيل لم يطلب منهم الرب أن يعبدوه أو يقدسوه؛ لأنهم إما غلفٌ أو أنجاسُ كما تقول التوراة نفسها فلماذا خلقهم إذن؟! ومع كل هذه التصورات الواهمة التي تزخر بها التوراة، هل ترى على الأمم من غير بني إسرائيل واجبًا لذلك "الرب" الذي لم تصوره التوراة إلا في صورة بغيضة لكل الأمم) (٤). المظهر الثاني: تعدد معبودات اليهود: لم يعرف اليهود الاستقرار على عبادة الله الواحد طوال تاريخهم ... بل تنوعت وكثرت حتى شملت أغلب مظاهر الكون في سفله وعلوه كالأحجار والمعادن والنباتات (٥) والحيوانات (٦)، ومظاهر الطبيعة كالشمس والقمر (٧) ونجوم السماء وغير ذلك،

стр. 133

هكذا ظلوا حيثما كانوا يعبدون آلهة القوم الذين يحلون لديهم فعبدوا آلهة الشعوب الوثنية المخالطة لهم أو المحيطة بهم أو المسيطرة عليهم كآلهة الآشوريين والبابليين والكلدانيين والمصريين وغير ذلك من الأمم من هذه الآلهة: الإله آشور وعشتاروت (١) ملكة السموات وزوجة الإله تموز وإله الشمس بعل والإله داجون (٢) وغير ذلك من الآلهة (٣). ويؤكد د/ أحمد شلبي: على أنه لم يستطع بنو إسرائيل في أي فترة من فترات تاريخهم أن يستقروا على عبادة الله الواحد الذي دعا له الأنبياء وكان اتجاههم إلى التجسيم والتعدد والنفعية واضحًا في جميع مراحل تاريخهم وعلى الرغم من ارتباط وجودهم بإبراهيم إلا أن البدائية الدينية كانت طابعهم، وتُعدُّ كثرة أنبيائهم دليلًا على تجدد الشرك فيهم، وبالتالي تجدد الحاجة إلى أنبياء يجددون الدعوة إلى التوحيد وكانت هذه الدعوات قليلة الجدوى على أي حال فظهروا بالتاريخ بدائيين يعبدون الأرواح والأحجار، وأحيانا مقلدين يعبدون معبودات الأمم المجاورة التي كانت لها حضارة وفكر قلدهما اليهود (٤). وعلى ضوء ما سبق يتضح: الانحراف الواضح في عقيدة الألوهية عند اليهود على مر العصور وقد ظهر جليًا أن السبب وراء ذلك تأثرهم بالأمم الأخرى ودياناتهم وفلسفاتهم فجاءت عقيدتهم مزيجًا من الاعتقادات المختلفة بين عبادة الأصنام والأوثان من الأشخاص والنباتات والحيوانات والجمادات والأفكار الخاطئة.

стр. 134

الأصل الثالث: توحيد الأسماء والصفات في العهد القديم: ذكرت أ/ سميرة عبد الله، أنه قد امتلأت النصوص التوراتية بأسماء وصفات عديدة لله يختلف إطلاقها باختلاف مواضعها، بعضها يدل على إثبات توحيدهم لله بأسمائه وصفاته الحسنى، والبعض الآخر يشير إلى انحراف عقيدتهم في الأسماء والصفات بالتجسيم والتشبيه، إذ توحده اليهود وتثبت معه آلهة متعددة، تنزهه عن مماثلة المخلوقين وتجسمه وتشبهه بهم، تصفه بالقدرة والعلم والكمال وترميه بالضعف والجهل والنقص (١) كمايلى: ١. إثبات توحيد الأسماء: أ. الأول والآخر: "منذ الأزل إلى الأبد أنت الله" (٢). أعلن الله هذه الحقيقة فقال: "أنا الأول وأنا الآخر ولا إله غيري" (٣). ب. القدوس: "من يقدر أن يقف أمام الرب الإله القدوس" (٤). ج. الرقيب: "ماذا أفعل لك يا رقيب الناس" (٥). د. الغفور: "يقول نحميا النبي: "وأنت إله غفور وحنان ورحيم" (٦). وغير ذلك من الأسماء التى أثبتها العهد القديم لله (٧). ٢. إثبات توحيد صفات الإله عند اليهود: صرحت بعض النصوص من أسفار العهد القديم بصفات عليا لله تعالى كما يليق بجلاله حيث تصفه بما يلي: أ. الوحدانية: "أنت هو الإله وحدك لكل ممالك الأرض" (٨). ب. الحياة: "إني أرفع إلى السماء يدي وأقول حي أنا إلى الأبد" (٩). ء. لا تدركه الأبصار: لا تظهر له صورة: "فكلمكم الرب من وسط النار وأنتم سامعين صوت كلام لكن لم ترو صورة بل صوتا" (١٠)

стр. 135

وغير ذلك من الصفات التي استدلت بها الباحثة سميرة عبد الله من نصوص العهد القديم (١) ثم ذكرت التحريف الذي وقع في الأسماء والصفات على حدة. انحراف اليهود في عقيدة توحيد الأسماء: لقد حرف اليهود أسماء الإله وأطلقوا عليه ألفاظًا لا تليق في حقه سبحانه كما يلي:- ١ - ألوهيم أو إيلوهيم: بين د/ المسيري التصور اليهودي لأسماء الإله وذكر عدة أسماء منها إلوهيه وقال: إنها كلمة من أصل كنعاني وهي حسب التصور اليهودي أحد أسماء الإله وهي صيغة الجمع من كلمة "إيلوَّه" أو و"إله" أو"إيل" وهو ما يدل على أن العبرانيين كانوا في مراحل تطورهم الأولى يؤمنون بالتعددية ولم ترد كلمة "إلَّوه" إلا في سفر أيوب أما "إلوهم" فترد ما يزيد على ألفى مرة في العهد القديم، وبأداة التعريف "ها إلوهيم" وللكلمة معنيان: أولًا: فهي تدل على الجمع فتكون بمعنى الآلهة (الوثنية) ككل. ثانيًا: أو تدل على المفرد فتعد اسما من أسماء الإله. ويعامل الاسم أحيانا باعتباره صيغة جمع وأحيانا أخرى باعتباره صيغة مفرد وإلوهيم إله رحيم يراعى في أعماله القواعد الأخلاقية (٢). ٢ - يهوه (٣) "يهوفاه": بين د/ المسيري أصل هذه الكلمة وكيف حرف اليهود في هذا الاسم فيقول: "يهوفاه" كلمة عبرية وهي سامية قديمة ويقال أنها مشتقة من مصدر الكينونة في العبرية "أهييه آشر أهييه" (خروج ٣٠/ ١٤) أي أكون الذي أكون، وقد تكون الكلمة من أصل عربي، ويذهب البعض إلى أن الاسم مشتق من الفعل "هوى" بمعنى سقط أي يهوه هو مسقط المطر والصواعق ويتم الربط بين معني هذا الاشتقاق وبين الصفات التي عرفت عن يهوه كإله للعواصف والبرق والقوى الطبيعية أي هوى بمعني وقع أو حدث وما يحدث يكون (٤).

стр. 136

وأما عن بداية استعمالها علمًا على الذات الإلهية يقول د/ محمود مزروعة: هي لفظة قديمة مهملة قبل موسى ﵇ فأحياها سيدنا موسى ﵇ وتمسك بها علمًا على الذات الإلهية وأهمل ما عداها وسبب هذه التسمية: ذهب البعض إلى أن اسم "يهوا" لا يعرف اشتقاقه على التحقيق فيصح أنه من مادة الحياة ويصح أنه نداء لضمير غائب أي "يا هو" لأن موسى- ﵇ علم بني إسرائيل أن يتقوا الرب توقيرًا له وأن يكتفوا بالاشارة إليه. والبعض الآخر يرى أن هناك احتمالًا لاتجاه آخر هو أنه الكلمة المماثلة لكلمة لورد أي: سيد هى: "يهوا" وكانت اللغة العبرية تُكتب بدون حروف علة حتى سنة ٥٠٠ م ثم دخلت هذه الحروف فأصبحت كلمة "يهوا" "يا هوفا" ومعناها "سيد أو إله" (١). ويقول د/ المسيري عن استخدام هذا الاسم: (ولا يرد اسم يهوه في المصدرين الإلوهيمي أو الكهنوتي إلى أن يسفر الإله لموسى عن نفسه فتقول التوراة: هكذا تقول لبني إسرائيل يهوه إله ابائكم، إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب أرسلني إليكم (٢) ولكن المصدر اليهوى يستخدم الاسم في سفر التكوين: (٢/ ٤) مفترضًا بذلك أنه يعود إلى أيام إبراهيم ولكن يبدو أن هذا إسقاط من محررى العهد القديم لمصطلحات مرحلة لاحقة على مرحلة سابقة وقد جاء في سفر الخروج: أن الرب كلم موسى وقال: أنا الرب وأنا ظهرت لإبراهيم واسحق ويعقوب يأتي الإله القادر على كل شىء وأما باسمي يهوه فلم أعرف عندهم (٣). (٤) ثم يقول: يأتى ذكر "يهوه" أكثر من ستة آلاف مرة في العهد القديم وهو أكثر أسماء الإله شيوعًا وقداسة وكان يتفوه به الكاهن الأعظم فقط داخل قدس الأقداس في يوم الغفران ... وقد نسب إليه العهد القديم صورًا عديدة من القسوة والوحشية (٥). ٣ - "إيل": اسم من أسماء الله في العبرية فقد كان اليهود يسمون الله بـ (إيل) وكثيرًا ما تستعمل التوراة اسم "إيل" مع صيغة صفات الله مثل "إيل عليون" كما جاء في الأصل العبري أي "الله العلى" إيل شداي أي "الله القدير" (٦)

стр. 137

وإيل الاسم السامي للإله وهي مفرد كلمة "إيليم" الكنعانية يُراد بها الجمع والتعداد (١). ويقول د/ محمود مزروعة. عن بداية استعمال لفظة "إيل" وإطلاقه على الذات الإلهية أنه: ورد استعمالها قبل بعثة سيدنا موسى ﵇ فكان "إيل" هو اسم الإله في فترة ما قبل سيدنا موسى ﵇ وإليه ينسب كثير من أسمائهم الشخصية والمكانية ومن الأسماء الشخصية عندهم المنسوبون إلى هذا الاسم: إسماعيل، إسرائيل، بتوئيل وفي سفر التكوين توضيح لهذه التسمية فحين هربت هاجر من وجه سارة وهي حُبلى في إسماعيل قابلها "ملاك الرب" وقال لها "ملاك الرب": ها أنت حُبلي فتلدين ابنًا وتدعين اسمه إسماعيل لأن الرب قد سمع لمذلتك" (٢) وحينئذ تنسب هاجر اسم المكان إلى اسم الله فتسمى المكان باسم "إيل رئى" لأنها رأت الرب في هذا المكان (٣) " (٤) ٤ - "بعل": وهو في اللغة السامية يعني "الرب" أو "السيد" وهو إله كان يعبده الكنعانيون وكان اليهود أحيانا يعتبرون اسم البعل مرادفًا لاسم "الله" أو"الرب" فكان بعل بريث إلهًا أي "رب العهد" وهو الاسم الذي يتعبد به اليهود في شكيم في زمن القضاة ويستدل من هذين الاسمين على تعلق اليهود بآلهة الوثنيين في إطلاق هذه المفردات لاسم الله وهي أسماء لا تليق بجلاله وعظمته (٥). وعلى ضوء العرض التقويمى السابق يتبين انحراف اليهود في إطلاق أسماء من وحى بيئتهم على الله ولا تليق في حقه مما يدل على تأثرهم الكبير بما مروا به في تاريخ تنقلهم بين البلاد المختلفة.

стр. 138

ثانيًا: الانحراف في توحيد الصفات عند اليهود وافتراءاتهم فيها: وقد قسم علماء المسلمين الصفات إلى صفات ذات وصفات أفعال: أما صفات الذات فانحرافهم فيها ظاهر فقد ذكر شيخ الإِسلام ابن تيميه فصلًا في الموهم التشبيه من آيات الكتب النبوية منها ما ورد في سفر حبقوق "النبي" أن الله في الأرض يترآي ويختلط مع الناس ويمشى" (١). وقال أرمياء النبي: الله بعد هذا في الأرض يظهر وينقلب مع البشر فيقول: "أنا الله رب الأرباب" (٢). وأخذ يؤكد جوابه عن هذا بالأدلة العقلية على بطلان نبوة حبقوق وأرمياء فقال: إن هذا يحتاج إلى تثبيت نبوة هذين النبيين وإلى ثبوت النقل عنهما وبثبوت الترجمة الصحيحة المطابقة، وبعد هذا يكون حكم هذا الكلام حكم نظائره ففي التوراة ما هو من هذا الجنس ولم يدل ذلك باتفاق المسلمين واليهود والنصارى على أن الله حل في موسى ولا في غيره من أنبياء بني إسرائيل بل قوله "يترآي" هو بمنزلة يتجلى ويظهر (٣). ١ - إثبات التجسيم للذات العلية -سبحانه عما يصفون: استدل العلامة الهندي والإمام الألوسي. على ما يفيد إثبات التجسيم في العهد القديم. وأنه توجد آيات متعددة من نصوص العهد القديم تدل على التجسيم والشكل والأعضاء (٤) لله سبحانه وتعالى عما يقولون علوًا كبيرًا. من هذه النصوص ما يلي: - "وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا" (٥). - " إن يد الرب لم تقصر عن أن تخلص ولم تثقل أذنه عن أن تسمع" (٦). - "لأن الله على صورته عمل الإنسان" (٧). وغير ذلك مما يدل على التجسيم وكذلك أستدلت أ/ سميرة. بآياتٌ تدُل على نسبة الحواس والأعضاء للإله كالفم (٨) والشفتان واللسان (٩) والعينان (١٠) والأنف (١١) والأذنان (١٢) والرأس (١٣) وغير ذلك (١٤) -كما يزعمون-.

стр. 139

وقد ذكر العلامة الهندي، ما يناقض ما استدلوا به على التجسيم وأن هناك آياتٍ في العهد القديم مضمونها ينفى التجسيم والتشبيه فيقول: (وللتنزيه في التوراة آيتان هما: "فكلمكم الرب من جوف النار فسمعتم صوت كلامه ولم تروا الشبه البتة" (١) وقوله: "فاحتفظوا بأنفسكم بحرص فإنكم لم تروا شبيها يوم كلمكم الرب في حوريب من جوف النار" (٢) ولما كان مضمون هاتين الآيتين مطابقًا للبرهان العقلى في تنزيه الله عن الجسمية والتشبيه بخلقه وجب تأويل الآيات الغير محصورة والإمساك عن القول بظواهرها الدالة على الجسم والشبه لا تأويلها وأهل الكتاب ها هنا أيضًا يوافقوننا على أنه ليس المراد ظواهرها البينة البطلان؛ لأن الجسمية محالة في حقه تعالى ولا يرجحون تلك الآيات الكثيرة على هاتين الآيتين) (٣) ووافقه على ذلك الألوسي (*). وهنا لا بد من وقفة نقدية حول هذا الموضوع: فقد استدل علماؤنا الأفاضل على إثبات الجسمية لله تعالى من التوراة، واستدل البعض الآخر على نفيها وتنزيه الله سبحانه وتعالي عنها ولذلك يقول الألوسي: (إذا تعارض القولان فلابد من إسقاطهما إن لم يمكن التأويل، أو من تأويلهما إن أمكن، ولابد أن يكون التأويل بحيث لا يستلزم المحال أو الكذب مثلا: الآيات الدالة على الشكل والجسمية تعارضت ببعض الآيات الدالة على التنزيه فيجب تأويلها ... لكن لا بد ألا يكون التأويل بأن الله متصف بصفتين أعني الجسمية والتنزيه، وإن لم تدرك عقولنا هذا الأمر، فإن هذا التأويل باطل محض، كما قالوا لا يرفع التناقض) (٤). وبناءً على ما تقدم من وجود التناقض في العهد القديم، ففيه ما يدل على إثبات التجسيم في حقه تعالى وفيه ما ينفي التجسيم والتشبيه وفي هذا ما فيه من بطلان ما تدعيه التوراة في حقه سبحانه إذ كيف تستقيم القضية وبعض الآيات تثبتها وبعض الآيات تنفيها، وفي هذا من التناقض مالا يخفى على ذي عقل. ٢ - إثبات المكان للذات العلية -سبحانه عما يصفون: تتبع العلامة رحمة الله الهندي والألوسي النصوص التي تثبت التحيز والمكانية لله وبينا أنه توجد في العهد القديم آيات كثيرة تدل على إثبات المكان لله تعالى من هذه الآيات، الآية التي تقول: "الله معروف في يهوذا واسمه عظيم في إسرائيل كانت في ساليم مظلته ومسكنه في صهيون" (٥)، والآية التي تقول:"فيصنعون لي مقدسًا لأسكن في وسطهم" (٦) وغير ذلك من الآيات كثير (٧).

стр. 140

ثم يعقبا ذلك بذكر النصوص التي تتعارض مع ما سبق ذكره من نصوص تثبت المكان له سبحانه فيقول العلامة الهندي: ولا توجد في العهد العتيق والجديد آيات دالة على تنزيه الله عن المكان إلا آيات قليلة مثل قول أشعياء: "هكذا قال الرب: السموات كرسيي والأرض موطئ قدمى أين البيت الذي تبنون لي؟ وأين مكان راحتي وكل هذه صنعتها يدي فكانت كل هذه (١). وعلق على ذلك بنفس التعليق السابق على إثبات الجسمية له سبحانه وتعالي وزاد عليه قائلًا: "قد ظهر أن الكثير إذا كان مخالفًا للبرهان العقلي والنقلى يجب إرجاعه إلى القليل الموافق للعقل ولا يعتد بكثرة المخالف فكيف إذا كان الكثير موافقًا لصحيح المعقول وصريح المنقول والقليل مخالفًا لهما فإن التأويل فيه ضروري ببداهة العقل ووافقة على ذلك الألوسى ﵀ (٢). ٣ - ظهور الإله في صورة مرئية- في زعمهم -: يقول د/ صفوت مبارك: في سفر الخروج أن موسى قد اختار مجموعة من كبار بني إسرائيل صعد بهم إلى الرب وأنهم قد رأوه وله رجلان ويدان وإليكم هذا النص: (وقال لموسى: اصعد إلى الرب أنت وهارون وناداب وأبيهو (ابنا هارون) - وسبعون من شيوخ إسرائيل واسجدوا من بعيد ويقترب موسى وحده إلى الرب وهم لا يقتربون، وأما الشعب فلا يصعد معه ... ثم صعد موسى وهارون وناداب وأبيهو وسبعون من شيوخ إسرائيل، ورأوا إله إسرائيل، وتحت رجليه شبه صنعة من العقيق الأزرق الشفاف وكذات السماء في النقاوة. ولكنه لم يمد يده إلى أشراف بني إسرائيل، فرأوا الله وأكلوا وشربوا) (٣). وينتقد د/ بدران. في كتابه التوراة هذا النص قائلًا: (لقد تجرأ كتبة التوراة ولعب الشيطان برؤوسهم وتصوروا أن الله نزل من عليائه ووقف على شىء يشبه العقيق الأزرق الشفاف نقي نقاوة السماء ورآه موسى وهارون ﵉ مع اثنين وسبعين شيخًا من شيوخ إسرائيل بل شطح خيال كتبة التوراة وقالوا: إن هذا الجمع أكل وشرب عند قدمى الله) (٤). يقول صاحب كتاب الجوهر الفريد: يدعي كثير من مفسري الكتاب المقدس أن الله إذا أراد أن يظهر بهيئة منظورة فلا يستحيل عليه وأنه ظهر لبعض شعبه بهيئة منظورة كما ورد في سفر التكوين: وظهر له الرب ..... وهو جالس في باب الخيمة وقت حر النهار فرفع عينيه ونظر وإذا ثلاثة رجال واقفون لديه ... إلى آخر ما جاء في هذه القصة (٥).

стр. 141

وقد نقد المؤلف هذه القصة نقدًا موضوعيًا وردها بنصوص صريحة من الكتاب المقدس تؤكد أن الله لم يره أحد وعدم إمكانية رؤية الله تعالى في الدنيا فقال: إن نصوص الكتاب المقدس تدل على عدم إمكانية رؤية الله تعالى في الدنيا منها: "فكلمكم الرب من جوف النار فسمعتم صوتا ولم تروا الشبه البتة فاحفظوا أنفسكم بحرص فإنكم لم تروا شبها يوم كلمكم الله" (١). وقول الرب لموسى "لا تقدر أن ترى وجهى ... وأما وجهى فلا يُرى" (٢) وقول المسيح "الله لم يره أحد من الناس ولا يقدر أن يراهم (٣) ويقول: هذا صريح بعدم إمكان رؤية الله تعالى في الدنيا قطعًا ومثل هذه النصوص الصريحة لا يجوز ترك اعتقاد حكمها والتمسك بما يخالفها. بمجرد التأويل (٤). ثم ذكر بعد ذلك عدة أدلة عقلية ترد هذه الدعوى منها ما يلى: ١ - (أن الظهور بالهيئات مهما كان نوعه ووصف هيئته هو شبه ومثل ممكن تصوره وحده بالتصور وذلك من صفات الحوادث والله تعالى مغاير لصفات الحوادث ولا شبيه ولا مثيل له. ٢ - أن تشكل الملائكة والجن والشياطين بما شاءوا بقدرة الله الذي اتخذه المؤلف (٥) قرينه على اقتدار الله تعالى على الظهور في الأجسام والهيئات هو وحده كاف لتأييد حكم النصوص الآنفة بعدم جواز اعتقاد تشكله أو ظهوره تعالى في الهيئات الجسمانية بالمعنى الحقيقي للقطع بأنه سبحانه لا يجارى خلقه ولا يتشبه بأعمال عبيده في الشكل والظهور. ٣ - إن عبارة سفر التكوين التي استدل بها بعض مفسري الكتاب المقدس على أن الله ظهر بهيئة منظورة فضلا عن أن ظاهرها لا يؤيد مقصوده بل غاية ما يفيده هو أن إبراهيم ﵇ نظر ثلاثة رجال ودعاهم إلى الأكل عنده ... وأجابوا دعوته وذبح لهم عجلا بقرا وقدم لهم لحمه مع خبز وزبد ولبن ... وبعد أن أكلوا بشروه ..... الخ القصة، وذلك وحده كاف للعلم بأن أولئك الرجال لم يكونوا الله الواحد الأحد الذي لا يرى ولا تدركه الأبصار ولا تحده الجهات ولا يفتقر إلى الأكل والشرب ولا يصح في الأذهان أن يكون سبحانه مركبا من الأجسام والأعضاء) (٦) وأما صفات الأفعال: كان لكل من د/ المسيري ود/ صفوت مبارك، د/ المطعني، د/ محمود مزروعة، أ/ سميرة عبد الله. جهد واضح في بيان ما نسبه العهد القديم لله من صفات تُماثل صفات البشر من هذه الأوصاف أنه يمشي ويتحرك (٧) بين الناس ويأخذ أشكالًا حسية (٨) ووصفوه بالقسوة المفرطة (٩) وأنه يخاف من الناس (١٠)

стр. 142

الله يخاف من الناس- في زعمهم -: وغير ذلك من الصفات التى لا تليق بجلال الله (١) وبشىء من التوضيح أذكر بعض النماذج من هذه الصفات وتعليقات العلماء عليها: فيقول أ/ أحمد زكي منتقدًا لقولهم أن الله يخاف الناس ولذلك فهو يبلبل ألسنتهم حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض كما في سفر التكوين: (١١/ ٦ - ٨) يقول: إنهم يصورون الله بحسب عقولهم البدائية كأنه بشر وأنه يخشى الناس تعالى الله عما يصفون إن الإله الذي يخشى البشر حتما هو ليس الله خالق البشر إنما هو إله خرافات وأساطير (٢) ويعلق د/ المطعني على هذا النص قائلًا: إن التوراة كما تصفُ الرب هنا بالخوف من الناس تصفه كذلك بالجهل؛ لأن الناس حسب رواية التوراة لم يقصدوا الإضرار بالرب وإنما قصدوا مجرد السكنى. وأن يعرف بعضهم بعضا فظن الرب أن ذلك العمل موجه ضده فلجأ إلى حيلة تفرق الألسن حتى لا يصبح الناس متحدين أو ليس في هذا نسبة الجهل إلى الرب كما فيه نسبة الخوف إليه أفليست هذه نصوص مقدسة ذات دلالات وضعية (٣). وصف الإله بالجهل- في زعمهم -: وهذه جريمة أخرى تلك التي تطلقها التوراة في جانب الإله وحاشا لله أن يكون جاهلًا فهو سبحانه عالم بكل شئ فيقول سبحانه: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ (٤). ويقول د/ صفوت مبارك: في قصة خروج بني إسرائيل من مصر يتحدث العهد القديم فيذكر أن الرب أمر موسى أن يضع بني إسرائيل على أبواب بيوتهم علامات الدم لأن الرب سيمر هذه الليلة ليضرب كل بكر في أرض مصر من الناس والبهائم ولكنه يستثني من ذلك بني إسرائيل لذا فهو يأمرهم بوضع هذه العلامات على بيوتهم، حتى إذا مر عرف أن هذا بيت من بيوت بني إسرائيل فيتجاوزه ولا يهلك أحدًا ممن فيه، وهذا يعني وصف الإله بالجهل وأنه في حاجه إلى علامات ترشده (٥) واستدل بالنص الآتي: "فإني أجتاز في أرض مصر هذه الليلة وأضرب كل بكر في أرض مصر من الناس والبهائم وأصنع أحكامًا بكل آلهة المصريين أنا الرب ويكون لكم الدم علامة على البيوت التي أنتم فيها فأرى الدم وأعبر عنكم فلا يكون عليكم ضربة للهلاك حين أضرب مصر" (٦). ويعلق د/ عبد الوهاب المسيري على هذا النص قائلًا: (العهد القديم هنا يصف الإله بأنه ليس عالمًا بكل شيء) (٧).

стр. 143

ويذكر د/المطعني. نصًا آخر يصف الرب بالجهل "حاشا لله":تروى التوراة ما دار بين الرب الإله وبين آدم بعد واقعة الأكل من الشجرة المحرمة فتقول: "وسمعا -أي آدم وحواء- صوت الرب الإله ماشيًا في الجنة عند هبوب ريح النهار فاختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الإله في وسط شجر الجنة! فنادي الرب الإله آدم وقال: أين أنت يا آدم؟ فقال: سمعت صوتك في الجنة فخشيت لأنى عريان؛ فاختبأت؛ فقال من أعلمك أنك عريان؟ هل أكلت من الشجرة التى أوصيتك أن لا تأكل منها؟ " (١). وقد نقد د/ المطعني. هذا النص وقال مستفسرًا ومتعجبًا وهو يلقى نظرة تحليلية عليه (ما معنى هذا الكلام؟ معناه أن آدم اختبأ من الرب الإله هو وامرأته وسط شجر الجنة فلم يبصره الرب الإله فنادي أين أنت يا آدم، ولم يعرف مكان آدم إلا بدلالة صوت آدم يرد عليه ويخبره بسبب اختفائه فيرد الرب الإله سائلًا عما لا يعلم؟! مرة أخرى: ومن أعلمك أنك عريان؟! هل أكلت من الشجرة؟! (٢). (إن نسبة الجهل للرب الإله في هذه النصوص المقدسة لا تحتمل جدلًا قط بدلالة: أن آدم نفسه كان يعلم بذلك الجهل من الرب الإله وإلا لما كان اختبأ؟! وأن الرب نفسه حين لم يبصر آدم وزوجه نادى قائلًا أين أنت يا آدم ولو كان يعلم مكانه لما نادي عليه ولما سأل مرة أخرى هل أكلت؟ والجهل ببعض الأشياء ليس من صفات "الله" الحق هكذا تقول تصورات العقل الواعى وبهذا تقضى حقائق الإيمان الصحيح، والفرق بين أحكام العقل وحقائق الإيمان الصحيح وبين الواقع المعلوم لنصوص الكتاب المقدس كالفرق بين النور والظلمات) (٣). ويقرر أ. د / محمود مزروعة: أن حقيقة الذات الإلهية عند اليهود لا ترتفع كثيرًا على مستوى البشرية في شكلها ومضمونها ... فهم يعتقدون في الإله المجسد، ولم يستطيعوا أبدًا أن يهضموا عقيدة الإله المجرد ... وإنما ارتبطت فكرة الإله عندهم بصورة الإنسان بكل ما تحويه هذه الصورة من نقائص وأخطاء، وبسبب نزعة التجسد هذه لم يقنع اليهود بعبادة الله الواحد المجرد عن المادة ولذا فقد طلبوا من سيدنا موسى ﵇ أن يجعل لهم أصنامًا آلهة ثم صنعوا لأنفسهم عجلًا عبدوه (٤).

стр. 144

وصف الإله بأنه يستريح من التعب: وقد استدل صاحب كتاب "انزعوا قناع بولس" على هذا بالنص الذي يقول: "فرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل" (١) وقد علق عليه مفندًا هذا الوصف الذي تدعيه التوراة فيقول: (لقد شبه كاتبو التوراة الله بالإنسان العامل الذي يكد ويتعب طيلة أيام الأسبوع الستة وفي اليوم السابع يستريح، ولقد دحض الله هذه الفرية في آيات كثيرة من القرآن إذ قال تعالى: (﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ (٣) وقال تعالى: (﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (٤). فالله ينزه نفسه في القرآن عن التعب الذي وصفوه به وهم في هذا إنما يناقضون أنفسهم فقد ورد في سفر أشعياء قوله: "أما عرفت أم لم تسمع إله الدهر خالق أطراف الأرض لا يكل ولا يعيا" (٥) مما يكذب قولهم في أن الله استراح من التعب) (٦). فهذا قليل من كثير ورد في العهد القديم يصف الله عزوجل بما لا يليق بذاته المقدسة مما يدل على مدى الانحراف الذي وقع فيه كتبة التوراة من ناحية ومن ناحيه أخرى يدل دلالة واضحة من خلال ما تقدم من شواهد على التناقض الواضح بين نصوص العهد القديم تلك التى تصفه بالجهل تارة وبالعلم تارة أخرى أو تصفه بالتعب تارة وبعدم التعب تارة أخرى فلو كانت كتبهم صحيحة ما وقع فيها هذا التناقض. والتصور الصحيح في الأسماء والصفات أن نعبده بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، دون تشبيهه بأحد من خلقه، وتمثيله بشيء من مخلوقاته، ودون أن نؤلها تأويلًا يخرجها عن حقيقته فهو سبحانه "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" (٧)، وما يلصقه كتبة العهد القديم لله تعالى من أسماء وصفات لا تليق بذاته المقدسة، لهو خروج عن هذا التصور الصحيح وإلحاد، كما أخبر سبحانه وتعالي "ولله الأسماء الحسني فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون" (٨).

стр. 145

المبحث الثانى نقد موقف العهد القديم من الملائكة والجن والشياطين أبرز النقاد من علماء المسلمين- فترة البحث- مدى التناقض والانحراف الذي وقع فيه العهد القديم في هذه العقيدة وغيرها. والمعلوم الذي لا يقبل الشك أو الجدال لدى المسلمين أن الملائكة مخلوقات نورانية لا يأكلون ولا يشربون ولا يتناسلون ويتشكلون في أحسن صورة ويفعلون ما يأمرهم به الله فقال تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (١) فقد خرج العهد القديم عن هذا التصور السليم للملائكة فوصفهم بما ينافى طبيعتهم وصورهم بما لا يليق في حقهم وقد نفي الله عزوجل ما ألصقه بهم من أمور مخالفة لطبيعتهم فقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ (٢). هذا وقد تناول النقاد المسلمون- فترة البحث- نقد هذه العقيدة على سبيل الإجمال مستدلين بالنصوص التي تحمل تصورات خاطئة عن الملائكة وتنوعت تعليقاتهم ووقفاتهم مع هذه النصوص ومن الملاحظ على تلك الردود النقدية لما تحتويه النصوص من مخالفات أنها لم تتعرض لما ذكره العهد القديم من صفات حسنة للملائكة باستثناء أ/ سميرة عبد الله بناني فقد انفردت من بين النقاد بذلك الجهد المتميز فعرضت للتصور السليم عن الملائكة في العهد القديم ولم تغفله ثم عرضت الانحراف الذي حدث لهذا التصور وهذا يتضح التناقض وتظهر المخالفة. ومن تلك النصوص التي أوردتها ويفهم منها إقرار اليهود للملائكة: - "وإذا بملاك قد مسه وقال قم وكل" (٣). - "قد رأيت الرب جالسًا على كرسِيِّه وكل جند السماء وقوف لديه عن يمينه وعن يساره" (٤). - "باركوا الرب يا ملائكته المقتدرين قوةً، الفاعلين أمره عند سماع صوت كلامه" (٥). - "فكان عند صعود اللهيب عن المذبح نحو السماء، أن ملاك الرب صعد في لهيب المذبح" (٦) وغير ذلك من الآيات التي تثبت اعتراف العهد القديم وإقراره بوجود الملائكة ثم عرضت بعد ذلك ما وقع فيه العهد القديم من انحراف في عقيدة اليهود في الملائكة ويمكن طرح ما ذهب إليه النقاد من رؤىً نقدية حول هذه القضية (الملائكة والجن) تحت النقاط التالية: ١.حاجة لملائكة للأكل والراحة. ٢. نسبة الملائكة لله تعالى. ٣. نسبة الشر إلى جبريل "أمين الوحي" ﵇. ٤. القدرة على التشكل والظهور. ٥. الجن والشياطين.
следующие страницы →