← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 122258

جهود علماء المسلمين في نقد الكتاب المقدس من القرن الثامن الهجري إلى العصر الحاضر "عرض ونقد"

رمضان الدسوقي

Полный текст (438 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

موقف النصارى من التوراة (العهد القديم) الحالية: يحتل العهد القديم من النصارى مكانة التقديس باعتبار أن المسيح ﵇ جاء مكملًا لشريعة موسى ﵇، وعلي هذا الأساس فالعهد القديم مقدس عند النصارى إلا أنهم (مع تقديسهم له لم يتبعوه فأحلوّا ما حرمه ولم يلتزموا حدوده ولما لم يكن في وسعهم أن يتصرفوا في نصوصه؛ لأن أصولها ثابتة عند أعدائهم اليهود فإنهم عمدوا إلى المجامع (١) يغيرون بها ما يشاءون مما نصت عليه التوراة وراحوا أحيانًا يفسرون التوراة بما يناسب الإنجيل كما ظهر في محاولتهم ليحدوا في التوراة دليلًا علي ألوهية المسيح وألوهية الروح القدس) (٢). هذا (ولم يكن للتوراة أثر واضح في عقيدة النصارى، إلا بعد أن تنصرت أسرة يهودية ثرية متنفذة في روما اسمًا لا اعتقادًا، لتحقيق مصالح يهودية، وذلك في القرن الحادي عشر، وتغلغلت في أوساط الفاتيكان (٣) حتى كان منها أربعة باباوات حكموا الفاتيكان، وأثاروا الحروب الصليبية وأججوا لهيبها، وحمل اليهود المتنصرون النصارى بالتدريج بوسائلهم الملتوية ومكرهم علي تقديس الأسفار التوراتية في كونها كلمة الله المعصومة الواجب اتباعها لدي النصارى، وأقنعوهم أن المسيحية امتداد اليهودية، وأن المجيء الثاني للسيد المسيح قد بدأ مع قيام إسرائيل عام ١٩٤٨ م لذا فقد أوجبوا على كافة المؤمنين المسيحيين في العالم مؤازرة اليهود وجمع شملهم، استكمالًا للإيمان المسيحى) (٤). ولعل آخر تآمر يهودي علي النصرانية كان في القرن السادس عشر، علي يد الراهب (مارتن لوثر) (٥)،

стр. 72

= بشقها شقين (بروتستنت- وكاثوليك) والشق الأول يتعاطف كليًا مع اليهود فى تقديسه للتوراة ثم استطاع اليهود ضم الكاثوليك إلى صفوفهم بخطوات متتابعة، انتهت بفتوى البابا (١) في ٢٠/ ١١ / ١٩٦٤ م بتبرئة اليهود من دم المسيح واعتبار اليهود والنصارى أمة واحدة، وأن عيسى ﵇ عبراني (٢). ثانيًا: التعريف بالعهد الجديد: العهد الجديد: هو القسم الثاني من الكتاب المقدس وتنقسم أسفاره إلى أربع مجموعات: أ. الأناجيل الأربعة المنسوبة لكل من: متي- مرقس- لوقا- يوحنا. ب. أعمال الرسل: وهو سفر واحد يُنسب إلى لوقا صاحب الإنجيل المسمى باسمه. ج. الرسائل المقدسة: وهي إحدى وعشرون رسالة وتنقسم إلى قسمين: الأول: رسائل بولس الأربع عشرة وهي: رسالة إلى أهل رومية - رسالته الأولي إلى أهل كونثوس، رسالته الثانية إليهم ورسالته إلى أهل غلاطيه، رسالته إلى أهل أفسس، رسالته إلى أهل فيلبي- رسالته إلى أهل كولوس- رسالته الأولى إلى أهل تسالونيكي- رسالته الثانية إليهم - رسالته الأولى إلى تيموثاوس ورسالته الثانية إليه - رسالته إلي تيطس - رسالته إلى فليمون- رسالته إلي العبرانيين. الثانى: سبع رسائل تسمي الرسائل الكاثوليكية أي الجامعة وهي: رسالة يعقوب- رسالة بطرس الأولى- رسالته الثانية- رسالة يوحنا الأولي- رسالته الثانية- رسالته الثالثة- رسالة يهوذا. د. رؤيا يوحنا اللاهوتي: وهو سفر واحد يُطلق عليه أيضًا: مشاهدات يوحنا (٣). وهناك من قسم العهد الجديد إلى ثلاثة أقسام: ١ - الأسفار التاريخية: وتشتمل على الأناجيل الأربعة وأعمال الرسل وسُميت هذه الأسفار بالتاريخية لأن الأناجيل تتضمن قصة حياة المسيح وتاريخه وعظاته ومعجزاته وسفر أعمال الرسل يتضمن تاريخ دعاة النصرانية الأول وخاصة بولس. ٢ - الأسفار التعليمية: وهي رسائل بولس الأربع عشرة والرسائل الكاثوليكية السبع. ٣ - الأسفار النبوية: وهو سفر واحد المسمى بـ: رؤيا يوحنا اللاهوتي (٤) وترجع أسفار العهد الجديد إلى ثلاث مجموعات وسفرين: فالمجموعات هي: مجموعة الأناجيل وهي أربعة، ومجموعة رسائل بولس وعددها أربع عشرة رسالة،

стр. 73

= ومجموعة الرسائل الكاثوليكية وعددها سبع رسائل أما السفران هما سفر " أعمال الرسل" للوقا وسفر رؤيا يوحنا (١). الاختلاف في ترتيب أسفار العهد الجديد: رتب أسقف (٢) كنيسة الإسكندرية سنة ٣٦٧ م أسفار العهد الجديد على النحو التالي: الأناجيل الأربعة- أعمال الرسل- الرسائل الكاثوليكية السبع- رؤيا يوحنا- رسائل بولس الأربع عشرة. أما مجمع روما المنعقد سنة ٣٨٢ م رتبها على النحو التالي: الأناجيل الأربعة- رسائل بولس الأربع عشرة- رؤيا يوحنا- أعمال الرسل- الرسائل الكاثوليكية السبع. أما مجمع ترنت (٣) سنة ١٥٤٦م رتبها علي النحو التالي: الأناجيل الأربعة- أعمال الرسل- رسائل بولس الأربع عشرة- الرسائل الكاثوليكية السبع- رؤيا يوحنا (٤)

стр. 74

الباب الثانى جهود علماء المسلمين- فترة البحث- فى نقد سند الكتاب المقدس ويتكون هذا الباب من فصلين: الفصل الأول: جهود علماء المسلمين في نقد سند العهد القديم. الفصل الثانى: جهود علماء المسلمين في نقد سند العهد الجديد.

стр. 75

الفصل الأول جهود علماء المسلمين في نقد سند العهد القديم "فترة البحث " ويشتمل على المباحث التالية: المبحث الأول: نظرة تاريخية حول العهد القديم المبحث الثانى: نقد سند الأسفار الخمسة المبحث الثالث: نقد سند الأسفار الأخرى

стр. 76

المبحث الأول نظرة تاريخية حول العهد القديم اتفق جميع الباحثين على أن التوراة الحقيقية قد فقدت، وبالتالي فالتوراة الحالية مزيفة وذلك باعتراف رجال الدين في المسيحية أنفسهم وقد تتبع علماء المسلمين المهتمين بدراسة الأديان المراحل التى مرت بها الديانة اليهودية وما طرأ عليها من تغيير وكيف تلوثت عقيدة بني إسرائيل بكثير من العقائد الوثنية عبر التاريخ وكانوا في ذلك تبعًا لمن خالطوهم من الشعوب في تنقلهم من مكان إلى آخر (١). وتتبعوا أيضًا مسيرة بنى إسرائيل عبر التاريخ وخرجوا من هذه الجولة التاريخية بحقيقة هامة تؤكد أن التوراة الموجودة ليست هى التوراة الأصلية المنزلة على سيدنا موسى ﵇، وفي صورة مبسطة واضحة بين د/ عابد توفيق الهاشمي (٢) في كتابه "فلسطين في الميزان" ذلك من خلال العهود المفتراة في العهد القديم التي تبين في النهاية من هو الكاتب الحقيقى للتوراة الحالية ومتي كتبت (٣). والذي أود التركيز عليه في هذا العرض النقدي التاريخي هي فترة السبي البابلي لبنى إسرائيل تلك المرحلة الحرجة في حياتهم؛ لأنها أحدثت تحولا كبيرًا في الفكر اليهودي فماذا حدث لليهود في "بابل" (٤). وماذا حدث للتوراة الأصلية؟ هذا ما سيوضحه كثير من نقاد العهد القديم من علمائنا الأجلاء.

стр. 77

فيقول صاحب تفسير الميزان في نقده لهذه المرحلة: (لقد دمر الهيكل في فترة السبي البابلي، وفقدت عند ذلك التوراة والتابوت التي كانت. توضع فيه، وبقي الأمر على هذا الحال خمسين سنة تقريبًا وهم قاطنون ببابل وليس من كتابهم عين ولا أثر ... ثم لما جلس "كورش" وهو من ملوك فارس على سرير الملك ... أطلق أسراء بابل من بني إسرائيل وكان "عزرا" من المقربين عنده فأمره عليهم وأجاز له أن يكتب لهم كتابهم التوراة ويبني لهم الهيكل، وكان رجوع عزرا بهم إلى بيت المقدس سنة ٤٥٧ ق. م. وبعد ذلك جمع عزرا كتب العهد القديم وصححها وهي التوراة الدائرة اليوم (١). ثم يوجه النظر من خلال عزرا هذا الذي أمره كورش على اليهود- إلى انقطاع سند التوراة الحالية فيقول: (إن سند التوراة الدائرة اليوم مقطوع غير متصل بسيدنا موسى ﵇، إلا بواحد وهو عزرا لا نعرفه أولًا ولا نعرف كيفية اطلاعه وتعمقه ثانيًا ولا نعرف مقدار أمانته ثالثًا ولا نعرف من أين أخذ ما جمعه من أسفار التوراة رابعًا ولا ندري بالاستناد إلى أي مستند صحح الأغلاط الواقعة أو الدائرة خامسًا) (٢). بينما يري د/ عابد الهاشمي أنه في فترة السبي البابلي لليهود قد كتبوا التوراة من قبل "مجلس السنهدرين" (٣) الذي تأسس في بابل "المنفى" وكان مؤلفًا من "١٢٠" عضوا أشهرهم عزرا ونحميا وزروبابل (٤) حفيد يهو ياكيم (٥) ودانيال وحجى (٦) وزكريا (٧) ومردخاي (٨) ثم هاجروا إلى أورشليم، وبذا فإن الدين اليهودي نشأ في المنفى، وجمعوا التوراة من حفظهم ومن خيالهم الحاقد على البشرية كما أن فيها مما استحفظوا من كتاب الله وهو نصوص زهيدة ولا يُطمأن إلى صدقها لأنها خضعت لأهوائهم ومصالحهم وأحقادهم (٩).

стр. 78

ويضيف د/ السقا بعدًا تاريخيًا نقديًا جديدًا يوضح فيه الأبعاد الحقيقية في كتابة التوراة الحالية فيقول: إن موسى ﵇ لما كتب التوراة قرأها على بنى إسرائيل وشرح نصوصها شرحًا وافيًا في عبر الأردن في أرض موآب ابتدأ موسى يشرح هذه الشريعة قائلًا ... إلخ (١). وأوصى إذا ما مَلَك ملِك علي بني إسرائيل أن "يكتب لنفسه نسخة من هذه الشريعة في كتاب من عند الكهنة اللاويين فتكون معه ويقرأ فيها كل أيام حياته لكي يتعلم أن يتقى الرب إلهه ويحفظ جميع كلمات هذه الشريعة وهذه الفرائض ليعمل بها" (٢). وأمر الكهنة أن يقرؤوا التوراة في نهاية كل سبع سنوات في "عيد المظال" (٣) " وكتب موسى هذه التوراة وسلمها للكهنة بني لآوي حاملي تابوت عهد الرب ولجميع شيوخ إسرائيل وأمرهم موسى قائلًا: في نهاية السبع سنين في ميعاد سنة الإبراء في عيد المظال ... تُقرأ هذه التوراة أمام كل إسرائيل في مسامعهم" (٤). ثم بعد ذلك وضع النسخة الأصلية بجوار التابوت أي أنه كان تابوت وكان صندوق خاص للتوراة بجانب التابوت وهذا ما يفهم من قول التوراة "فعندما كمل موسى كتابة كلمات هذه التوراة في كتاب إلى تمامها أمر موسى اللاويين حاملي تابوت عهد الرب قائلًا: "خذوا كتاب التوراة هذا وضعوه بجانب تابوت عهد الرب إلهكم ليكون هناك شاهدًا عليكم" (٥)، فقوله: "بجانب تابوت عهد الرب" يفيد أن التوراة الرسمية وضعت خارج التابوت في مكان خاص، وكان في التابوت كتاب العهد مكتوبًا على لوحين من الحجر، وكان فيه عصا هارون ﵇ وكان فيه قسط المن الذي نزل على بنى إسرائيل في سيناء مع "السلوى" (٦) تذكارًا لكرم الله وفضله (٧).

стр. 79

ثم اختفت التوراة الأصلية التي كانت بجانب التابوت عندما أحرق بيت الرب في عهد نبوخذ نصر (١) ملك بابل "جاء نبوزرادان (٢) رئيس الشرط عبد ملك بابل إلى أورشليم وأحرق بيت الرب وبيت الملك وكل بيوت أورشليم وكل بيوت العظماء أحرقها بالنار وجميع أسوار أورشليم مستديرًا هدمها (٣) " (٤). وفي ختام هذه الجولة التاريخية النقدية يقرر العلامة رحمة الله الهندي بالأدلة الدامغة فقدان التوراة الأصلية وإن كان عزرا هو الكاتب الحقيقي للتوراة الحالية كما يقول بعض النقاد فإن العلامة رحمة الله الهندي يقول غير ذلك (أي أنه لم يكتبها) ولا هى التوراة التي صنفها موسى علية السلام بناءً على أدلة ساقها تؤيد رأيه في هذا الأمر فيقول جمهور أهل الكتاب يقولون: إن السفر الأول والثانى من أخبار الأيام صنفهما عزرا بإعانة حجى وزكريا ﵉ وهذان السفران في الحقيقة من تصنيف هؤلاء الأنبياء الثلاثة وتناقض كلامهم في الإصحاح السابع والثامن من السفر الأول في بيان أولاد بنيامين، وكذا خالفوا في هذا البيان هذه التوراة المشهورة بوجهين: الأول: فى الأسماء، والثاني: في العدد حيث يفهم من الإصحاح السابع أن أبناء بنيامين ثلاثة ومن الإصحاح الثامن أنهم خمسة ومن التوراة أنهم عشرة، واتفق علماء أهل الكتاب أن ما وقع في السفر الأول غلط وبينوا سبب وقوع الغلط: أن عزرا ما حصل له التمييز بين الأبناء وأبناء الأبناء وأن أوراق النسب التى نقل عنها كانت ناقصة، وهؤلاء الأنبياء الثلاثة كما هو معروف كانوا متبعين التوراة فلو كانت توراة موسى هى هذه التوراة المشهورة لما خالفوها ولما وقعوا في الغلط، ولما أمكن لعزرا أن يترك التوراة ويعتمد على الأوراق الناقصة وكذا لو كانت التوراة التي كتبها عزرا مرة أخرى بالإلهام على زعمهم هى هذه التوراة المشهورة لما خالفها فعلم أن التوراة المشهورة ليست التوراة التى صنفها موسى ولا التى كتبها عزرا بل الحق أنها مجموع من الروايات والقصص المشتهرة بين اليهود وجمعها أحبارهم في هذا المجموع بلا نقد للروايات (٥).

стр. 80

وذهب بعض النقاد إلى أن عزرا هو الذي كتب التوراة الحقيقية في مدينة بابل بمساعدة بعض العلماء فجمع فيها مأثورات من تواريخ قديمة ووضع توراة موسى بين هذه المأثورات وزاد فيها ونقص ولما صدر لهم أمر من ملك فارس بالرجوع إلى القدس (أورشليم) تعجلوا الرجوع بهذه التوراة وما كانوا قد نقحوها وأزالوا اختلافاتها (١). وذهب البعض الآخر إلى: أن التوراة الحالية ليست هي المترلة على سيدنا موسى ﵇ وليست هى التى كتبها عزرا، وذلك لأنه لو فرض أن عزرا كتب التوراة الحالية فإن ما كتبه قد أحرق في حادثة أنطيوكس (٢) فقد اتفق أهل العلم على أن نسخة التوراة الأصلية وكذا نسخ العهد العتيق ضاعت من أيدي عسكر بختنصر، ولما ظهرت نقولها الصحيحة على عزرا ضاعت تلك النقول أيضًا في هذه الحادثة (٣). وقد استدل العلامة / رحمة الله الهندي على هذه الحادثة بما ورد فى التوراة: "لما فتح أنطيوكس ملك ملوك الفرنج أورشليم أحرق جميع نسخ كتب العهد العتيق التي حصلت له من أى مكان بعد ما قطعها وأمر أن من يوجد عنده نسخة من نسخ العهد العتيق أو يؤدى رسم الشريعة يقتل، وكان تحقيق هذا الأمر فى كل شهر وكان يقتل كل من يجد عنده نسخة أو ثبت أنه أدى رسما من رسوم الشريعة وتعدم تلك النسخة (٤). والباحث يميل إلى هذا الرأي لأن الأحداث التاريخية تؤكده وأيضًا العقل والمنطق يؤكدان أن ما حدث لليهود من تشريد وما حدث لبيت الرب من تدمير بما فيه من التابوت ومحتوياته دليل قوى على صحة هذا الرأي.

стр. 81

المبحث الثانى نقد سند الأسفار الخمسة ويشتمل على ما يلي: - أهمية الإسناد وشروط قبول الكتب الإلهية. - نقد سند الأسفار الخمسة

стр. 82

أهمية الإسناد: للإسناد أهمية كبيرة في قبول الروايات وبه تتميز الأمة الإسلامية عن غيرها (١) ويتوقف تصديق الخبر أو تكذيبه على هذا الإسناد، أما بالنسبة لليهود والنصارى فيما يتصل بالتوراة والإنجيل (فإن السند المتنازع بيننا وبينهم: السند المتصل وهو عبارة عن أن يروى الثقة بواسطة أو بوسائط عن الثقة الآخر بأنه قال إن الكتاب الفلاني تصنيف فلان الحواري أو فلان النبي، وسمعت هذا الكتاب كله من فيه أو قرأته عليه أو أقر عندى أن هذا الكتاب تصنيفى وتكون الواسطة أو الوسائط من الثقات الجامعين لشروط الرواية) (٢). شروط قبول الكتب الإلهية: ولقد وضع العلماء شروطًا لقبول الكتب الإلهية بحيث إذا توافرت هذه الشروط وتبين بالأدلة القاطعة اتصال سندها وصحة نسبتها إلى كاتبيها وجب التسليم بها: ١ - لابد لكون السفر سماويًا واجب التسليم به أن يثبت أولًا: بدليل تام أن هذا السفر كتب بواسطة النبي الفلاني، ووصل بعد ذلك إلينا بالسند المتصل بلا تغيير ولا تبديل، وأن الاستناد إلى شخص ذي إلهام بمجرد الظن والوهم لا يكفي في إثبات أنه من تأليف ذلك الشخص، وأن مجرد ادعاء فرقة أو فرق لا يكفى ... بل يحتاج إلى دليل (٣). ٢ - أن يكون الرسول الذي نسب إليه قد علم صدقه بلا ريب ولا شك وأن يكون قد دعم ذلك الصدق. بمعجزة أي أمر خارق للعادة قد تحدى به المنكرين والمكذبين وأن يشتهر أمر ذلك التحدي وهذا الاعجاز (٤). ٣ - أن تكون نسبة الكتاب إلى الرسول الذي نسب إليه ثابتة بالطريق القطعى ... بحيث يتلقاه الأخلاف عن الأسلاف، جيلًا بعد جيل من غير أي مظنة للانتحال وأساس ذلك التواتر أن يرويه جمع عن جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب، حتى تصل إلى الرسول الذي أسند إليه الكتاب، ونسب إليه ونزل الوحى عليه (٥). وبتطبيق هذه الشروط على كتب النصارى تبين أن الأدلة لم تتوفر حتى يحكم على سندها بالاتصال أو يقال بصحة نسبتها إلى كاتبيها. وعندما طلب من علمائهم السند المتصل ما قدررا عليه واعتذروا عن ذلك وقالوا: إن سبب فقدان السند عندنا وقوع المصائب والفتن على المسيحيين إلى مدة ثلاثمائة وثلاث عشرة سنة ... ويقولون بالظن والتخمين والظن لا يُغني من الحق شيئًا (٦).

стр. 83

نقد سند الأسفار الخمسة: أَتبع علماء المسلمين- فترة البحث في نقدهم لسند العهد القديم المنهج العلمى القائم على: وضع السند موضع الشك وعدم التسليم بصحته إلى أن يتبين خلاف ذلك من خلال البحث والدراسة، والتحقق من صحة السند ونسبته إلى قائلة، وهل تصح نسبة هذه الأسفار إلى سيدنا موسى ﵇ أم أنه يوجد انقطاع في سندها، واللجوء إلى هذا المنهج نتيجة طبيعية لذلك الاضطراب الحاصل في تحديد من هو مصنف هذه الأسفار وكذا الاضطراب الحاصل في تحديد زمن التصنيف وفي الصفحات التالية أبين الرؤى النقدية لعلماء المسلمين حول سند الأسفار الخمسة وغيرها من خلال الجهود المتميزة التى قام بها العلامة. رحمة الله الهندي (١) ود / على عبد الواحد وافي (٢)، ود / بدران محمد بدران، كما يلي: فيقول العلامة رحمة الله الهندي إن التوراة المنسوبة إلى سيدنا موسى ﵇ ليست هى التوراة الحقيقية المنزلة من عند الله وأورد الأدلة التى تؤكد ما يقول فذكر عشرة أمور تثبت عدم صحة هذه النسبة وأكتفي هنا بذكر أوضح الأدلة التى استند عليها في ذلك وهي: ١ - تشهد عبارات التوراة أن كاتبها غير موسى وهذا الذي هو غير موسى جمع هذا الكتاب من الروايات والقصص المشتهرة بين اليهود، ثم ميز بين هذه الأقوال فما كان في زعمه قول الله أو قول موسى أدرجه تحت قال الله أو قال موسى، وعبر عن موسى في جميع المواضع بصيغة الغائب، ولو كانت التوراة من تصنيفات موسى ﵇ لكان عبر عن نفسه بصيغة المتكلم ولا أقل من أن يعبر في موضع من المواضع؛ لأن التعبير بصيغة المتكلم يقتضى زيادة الاعتبار، والذى يشهد له الظاهر مقبول ما لم يقم على خلافه دليل قوى ومن ادعى خلاف الظاهر فعليه البيان (٣) ". ٢ - لا أحد يقدر أن يدعى نسبة بعض الآيات وبعض الإصحاحات إلى موسى ﵇؛ بل إن بعض الآيات تدل على أن مؤلف هذا الكتاب لا يمكن أن يكون قبل داود ﵇ بل يكون إما معاصرًا له أو بعده .. وعلماء المسيحية يقولون بالظن ورجما بالغيب أنها من ملحقات نبي من الأنبياء وهذا القول مردود؛ لأنه

стр. 84

مجرد ادعاء منهم بلا برهان؛ لأنه ما كتب نبي في كتابه أني ألحقت الآية الفلانية في الإصحاح الفلاني من السفر الفلاني ولا كتب أن غيري من الأنبياء ألحقها، ولم يثبت ذلك الأمر بدليل آخر قطعى أيضًا ... ومجرد الظن لا يغنى فما لم يقم دليل قوى على الإلحاق تيهون هذه الآيات والإصحاحات أدلة كاملة على أن كتاب موسى ﵇ هذا ليس من تصنيفاته (١). وقد تناول د/ على عبد الواحد وافي، سند الأسفار الخمسة بالنقد العلمى الموضوعى مبينا تاريخ تأليفها فقال: (أهم أسفار العهد القدبم هى أسفار القسم التي ينسبها اليهود إلى موسى ﵇ ويعتقدون أنها بوحى من الله وأنها تتضمن التوراة: ولكن ظهر للمحدتين من الباحثين من خلال ملاحظة اللغات والأساليب التى كتبت بها هذه الأسفار وما تشتمل عليه من موضوعات وأحكام وتشريع، والبيئات الاجتماعية والسياسية التى ينعكس فيها- ظهر لهم من ملاحظة هذا كله- أنها قد ألفت في عصور لاحقة لعصر موسى ﵇ بأمد غير قصير وعصر موسى ﵇ يقع على الأرجح حوالى القرن الرابع عشر أو الثالث عشر قبل الميلاد) (٢). وفي إطلالة نقدية سريعة يذكر د/ بدران محمد بدران في كتابه ما يقوله أهل الكتاب عن كاتب التوراة الأمر الذي أوقعهم في شرك ونقدهم من واقع كلامهم لا من خارجه فيقول: "يقول أهل الكتاب إن كاتب التوراة هو موسى ﵇ حسب النص الذي يقول: "كتب موسى هذه التوراة وسلمها للكهنة بنى لآوى .. حاملى تابوت عهد الرب ... ولجميع شيوخ إسرائيل" (٣). وفي تحليله للصيغ اللغوية الواردة في هذا النص يبرهن د / بدران على أن سيدنا موسى ﵇ لم يكتب هذه التوراة لأن ما ورد فيها من صيغ لغوية مثل "كتب موسى وصعد موسى وأوصى موسى" وغير ذلك من الصيغ التي تشعر بأن شخصا آخر غيره هو القائل- تثبت خطأ ما يدعون من نسبة نصوصها إلى سيدنا موسى ﵇.

стр. 85

ومن يدقق في هذا النص جيدًا يدرك للوهلة الأولى أن موسى ﵇ لم يكتب مثل هذا الكلام لأنه لو كتبه ما قال: "وكتب موسى ... " هذا شيء. والشيء الثانى: أن هذا النص موجود في (تثنية ٣١) ويتكون هذا السفر من أربعة وثلاثين إصحاحًا .. فمن كتب بقية الإصحاح الحادي والثلاثين وبقية الإصحاحات المكونة لهذا السفر؟. الشىء الثالث: أن النصوص التالية للنص السابق تقول: "أمرهم موسى (١) ... " كما يقولون إن الله خاطب موسى بعد النص السابق عدة مرات "وقال الرب لموسى (٢) " وغيرها. وهذا يثبت أن موسى ﵇ لم يكتب هذه الآية وما بعدها وهنا يرد الشك، والشك في آية واحدة فقط كفيلة بأن تهدم الكتاب كله (٣)، ويقول د/ علي عبد الواحد وافي: عن الأسفار الخمسة: (إن معظم سفري التكوين والخروج قد ألف حوالي القرن التاسع قبل الميلاد، وأن سفر التثنية قد ألف في أواخر القرن السابع قبل الميلاد وأن سفري العدد واللاويين قد ألفا في القرنين الرابع والخامس قبل الميلاد أى بعد النفي البابلى (وهو إجلاء بنى إسرائيل إلى بابل سنة ٥٨٧ قبل الميلاد) وأنها جميعًا مكتوبة بأقلام اليهود، وتتمثل فيها عقائد وشرائع مختلفة تعكس الأفكار والنظم المتعددة التى كانت سائدة لديهم في مختلف أدوار تاريخهم الطويل) (٤). هذا .. وقد قام علماء المسلمين بالتحقق من نسبة الأسفار الخمسة إلى كاتبيها، بأدلة من العهد القديم، ويمكن تناول جهودهم في نقد نسبتها إلى سيدنا موسى ﵇ كما يلي: ١ - أدلة من سفر التكوين. ٢ - أدلة من سفر الخروج. ٣ - أدلة من سفر العدد. ٤ - أدلة من سفر التثنية. ٥ - أدلة من سفر اللاويين. بين علماء المسلمين من خلال نصوص العهد القديم أن الأسفار الخمسة مشكوك في نسبتها إلى موسى ﵇ وبالتالى يضعف من قيمتها الدينية. الأمر الذي يؤدى إلى رفع القداسة عنها باعتبار أنها ليست وحيًا من عند الله . وقد وقف العلماء أمام كل سفر من هذه الأسفار وغيرها وقفة نقدية على أسس علمية قوية مبينين مواطن التحريف فيها عن طريق تحليل الألفاظ الدخيلة عليها أو المنقوصة منها أو المبدلة فيها.

стр. 86

وسهل على العلماء كشف الزيف والباطل في كتبهم وتمكنوا من إثبات كذبهم وافتراءاتهم على الله وعلى الأنبياء وغير ذلك من أمور. وفي الصفحات التالية أعرض كل سفر على حدة مبينًا المواطن إلى وقف أمامها العلماء وقفات نقدية تثبت عدم صحة نسبتها إلى موسى ﵇. فيقول د / السقا: (إن التوراة المتداولة مع اليهود والنصارى ليست هى التى تركها موسى ﵇ بل هى قد كتبت بعد عصر الملوك، بعد استيلاء بنى إسرائيل على أرض "كنعان (١) واتخاذهم أورشليم (٢) عاصمة للمملكة" (٣). وقد ساق العلامة الهندي ستة وعشرين دليلا تؤكد أن هذه الأسفار الخمسة- ليست من تصنيف موسى ﵇ ووافقه في معظم هذه الأدلة د/ السقا (٤) وزاد عليها أدلة أخرى وربما يضيف بعدًا نقدجديدًا زيادة على ما ذكره العلامة الهندي في بعض الأدلة، إلا أنه يؤخذ عليه المحاكاة والتقليد لكثير من القضايا إلى طرقها العلامة الهندي، وأذكر هنا أبرز الأدلة إلى ذكرها كل من العلامة الهندي، د/ السقا.

стр. 87

أدلة من سفر التكوين: وفي استدلال الدكتور السقا على القضية يقدم للدليل بقوله: يقول الكاتب ثم يذكر النص والتعبير بلفظ" الكاتب فيه لفتة طيبة إذ أنه لم يتأكد نسبة هذه النصوص إلى سيدنا موسى ﵇ ويؤكد ذلك بقوله: يقول الكاتب عن إبراهيم ولوط ﵉" فأخذ إبرام (١) ساراي (٢) امرأته ولوطًا ابن أخيه وكل مقتنياتهما التي اقتنيا والنفوس التي امتلكا في حاران (٣) وخرجوا ليذهبوا إلى أرض كنعان، فأتوا إلى أرض كنعان واجتاز إبرام في الأرض إلى مكان شكيم (٤) إلى بلوطة مُورة (٥) وكان الكنعانيون حينئذ في الأرض (٦). فقال د/ السقا " إن هذه العبارة ذكرت أكثر من مرة في نفس السفر وهي: "وكان الكنعانيون (٧) والفرزيون حينئذ ساكنين في الأرض (٨) وهذا يعنى أن التوراة لم تكتب فى زمن سيدنا موسى ﵇ لأنه قد استولى بنو إسرائيل على أرض كنعان فى زمن سيدنا داود ﵇ وقد علق العلامة الهندي على هذا النص بقوله: (الجملتان المذكورتان تدلان على أن الآيتين المذكورتين ليستا من كلام موسى ﵇، ومفسروهم يعترفون بأنهما قد ألحقا إلى هذا السفر ألحقهما عزرا أو شخص إلهامي آخر في وقت جمع الأسفار المقدسة وقولهم ألحقهما عزرا أو شخص إلهامي غير مسلم به، إذ ليس عليه دليل سوى ظنهم) (٩).

стр. 88

ويضيف د/السقا بعدًا نقديًا تاريخيًا جديدًا فيقول في نقده لهذا النص: قوله: "وكان الكنعانيون حينئذ في الأرض" يدل على أن الكاتب كتب التوراة بعد استيلاء بنى إسرائيل على أرض كنعان وطرد الكنعانيين منها؛ لأنه يحكى عن زمان مضى، وهم لم يستولوا عليها زمن موسى وإنما تم الاستيلاء عليها زمن داود ﵇" (١). فلا يصح أن نذكر نصًا من العهد القديم ونضيفه إلى موسى ﵇ حتى لا يتوهم البعض أن القائل هو موسى ﵇ وحتى لا يكون ذلك ذريعة لأن ينسب إليه شىء يقدح في نبوته وشخصه الكريم وهو برئ منه وفى الاضافة إليه اعتراف ضمني بأنه هو الذي قال هذا النص وذلك يعني تأكيد كلامهم وموافقتهم على ما يدعون. وفي سفر التكوين أيضًا: "فلما سمعع إبرام أن أخاه سُبي، جر غلمانه المتمرنين ولدان بيته ثلاث مائة وثمانية عشر وتبعهم إلى دان (٢) " (٣). يقول العلامة الهندي، في نقده لهذا النص: "دان بلدة عمرت في عهد القضاة فتحوا بلدة لايش وقتلوا أهلها وأحرقوا تلك البلدة وعمروا بدلها بلدة جديدة وسموها "دان" باسم دان أبيهم الذي ولد لإسرائيل ولكن اسم المدينه أولًا "لايش (٤) " فلا تكون هذه الآية أيضًا من كلام موسى ﵇ (٥). ويضيف د/ السقا، بعدًا توضيحيًا آخر لهذه القضية فيقول: والمعنى أن إبراهيم ﵇، لما سمع أن لوطًا ﵇. وقع في الأسر انطلق مع عبيده ليحرره وتبع الأعداء إلى قرية "دان" كما جاء في سفر القضاة ودعوا اسم المدينة دان ولفظ دان هو: اسم قرية سُميت باسم دان بن يعقوب ﵇ وهذه القرية لم يفتحها بنو إسرائيل زمن موسى؛ بل فُتحت في عصر قضاة بني إسرائيل أيام كان القضاة يحكمون قبل عصر الملوك واسم هذه القرية سابقا "لايش" (٦)، وكونها لم تُفتح في زمن موسى ﵇ دليل عى أن الكاتب غير موسى ﵇.

стр. 89

وجاء في سفر التكوين أيضًا: أن لوطًا ﵇ أخطأ مع ابنتيه بعد ما سقياه خمرًا" فحبلت ابنتا لوط من أبيهما، فولدت البكر ابنا ودعت اسمه "موآب" وهو أبو الموآبيين إلى اليوم، والصغيرة أيضًا ولدت ابنا اسمه بِنْ عَمِّي" وهو أبو بني عمون إلى اليوم" (١). وفي نقد د/ السقا لهذا النص يقول: ("قوله إلى اليوم" يدل على الأيام" التي كان فيها كاتب التوراة، وهل يعقل على نبي كريم اصطفاه الله واجتباه أن يفعل هذا الفعل الذميم) (٢). وبذلك استدل د/ السقا على أنه لو كان موسى ﵇ هو الكاتب الحقيقى للتوراة لما وقع في هذا الخطأ المباشر بقوله: "إلى اليوم" ولما اتهم نبي الله لوطًا هذه الجريمة الشنعاء التى تقدح في عصمة الأنبياء وهل يليق بكتاب يدَّعون له القداسة وأنه منزل من عند الله أن يصف نبي من أنبياء الله بالزنا هذا ما لا يقبله عقل ولا يرضى به دين منزل من عند الله . وجاء في سفر التكوين أيضًا: عن الموضع الذي كان إبراهيم ﵇ سيذبح فيه ولده إسماعيل (فدعا إبراهيم اسم ذلك الموضع "يَهْوَهْ يْرِأَه" حتى إنه يقال اليوم في "جبل الرب يُرَى") (٣). يقول د/ السقا: (قوله: "حتى إنه يقال اليوم: في جبل يُرَى" يدل على أن الكاتب كتب بعد زمان حادثة الذبح، وبعد ما سمي ذلك الموضع بجبل الرب، وهو لم يسم بجبل الرب إلا في عهد داود ﵇ (٤).

стр. 90

أدلة من سفر الخروج: استدل كل من العلامة رحمة الله الهندي ود/ السقا بنص من سفر الخروج يثبت عدم صحة نسبة الأسفار الخمسة إلى موسى ﵇ والنص يقول: "وأكل بنو إسرائيل المن (١) أربعين سنة، حتى جاءوا إلى أرض عامرة. أكلوا المن" حتى جاءوا إلى طرف أرض كنعان" (٢). ويعلق العلامة رحمة الله بقوله: (هذه الآية ليست من كلام موسى ﵇ لأن الله أمسك المن عن بني إسرائيل مدة حياته، وما دخلوا في أرض كنعان إلى هذه المدة) (٣). ويضيف د/ السقا بُعدًا توضيحيًا إلى ما قاله الشيخ رحمة الله فيقول: إنه: (لم يُمنع المن إلا بعد ما دخل يشوع (٤) أريحا وعبر الأردن كما يقول كاتب سفره "فحل بنو إسرائيل في الجلجال (٥)، وعملوا الفصح (٦) في اليوم الرابع عشر من الشهر ... وفريكًا في نفس ذلك اليوم، وانقطع المن في الغد عند أكلهم من غلة الأرض ولم يكن بعد لبني إسرائيل مَن، فأكلوا من محصول أرض كنعان في تلك السنة (٧)) (٨). ويقول د/السقا: (جاء في سفر الخروج إشارة إلى سفر ضائع كتبه موسى ﵇ يسمى سفر العهد ومؤداه: إذا وفي بنو إسرائيل بعهد الله يوف بعهدهم والنص الذي يشير إلى ذلك يقول: "وأخذ كتابَ العهدِ، وقرأ في مسامع الشعب، فقالوا: "كلُ ما تكلمَ به الربُّ نَفعَل ونسمع له"، وأخذ موسى ﵇ الدم ورش عَلى الشعب وقال: هو ذا دمُ العهد الذي قطعه الرب معكم" على جميع هذه الأقوال" (٩)) (١٠).

стр. 91

ويقول د/ السقا أيضا: (ثم- إن موسى ﵇ شرح جميع الشرائع إلى سنها عن أمر الله تعالى في السنة الأربعين لخروجه من مصر لقول التوراة: "في عبر الأردن في أرض مؤاب، ابتدأ موسى يشرح هذه الشريعة قائلًا ... الخ " (١). وأخذ من الشعب وعدًا جديدًا بأن يظلوا خاضعين لهذه الشرائع" وليس معكم وحدكم أقطع أنا هذا العهد وهذا القسم" (٢)) (٣). ثم يتساءل د/ السقا في نقده لهذا النص ويقول: (أين كتاب عهد موسى ﵇ الذي قال عنه الكاتب: "أخذ كتاب العهد"؟ إما أنه قد ضاع وإما أن الكاتب قد وضعه في توراة موسى ﵇ وعهد الدم هذا كان من أجل أن تنزل التوراة) (٤). والأدلة السابقة تؤكد: وقوع كتبة الأسفار الخمسة في أخطاء تاريخية جسيمة فهم يغالطون في حقائق التاريخ الثابتة ويزيفون في أحداثه، ولم يكونوا أمناء فيما أخذ عليهم من عهد. ودل على عدم حفظهم لهذه الأمانة ورود إشارات تدل على أن هناك سفرًا يسمى "كتاب العهد" ولكنه فقد كغيره من الأسفار الصحيحة التي كتبها موسى ﵇ وضاعت بضياع التوراة الأصلية المنزلة على سيدنا موسى ﵇ كما سبق بيانه (*). أدلة من سفر العدد: وفي استدلال العلامة رحمة الله الهندي من هذا السفر ذكر النص التالي: "لذلك يُقال الذي كتاب حروب الرب كما صنع في بحر سوف (٥) كذلك يُصنع في بحر أرنون (٦) " (٧). وعلق عليه قائلًا: (هذه الآية لا يمكن أن تكون من كلام موسى ﵇ بل تدل على أن مصنف سفر العدد ليس هو؛ لأن هذا المصنف نقل ها هنا الحال عن سفر "حروب الرب"ولم يُعلم إلى الآن جزمًا أي شخصٍ صنف هذا السفر؟ ومتي كان؟ وأين كان؟ وهذا السفر كالعنقاء عند أهل الكتاب سمعوا اسمه وما رأوه ولا يوجد عندهم (٨).

стр. 92

وجاء في سفر العدد أيضا: وذهب يائير بن منسي (١) وأخذ مزارعها ودعاهن: حووث يائير (٢) " (٣). وفي نقد العلامة الهندي لهذه الآية يقول: حال هذه الآية كحال سفر التثنية (٤) ... وقد جزم علماؤهم بأن بعض الجمل والعبارات ليست من كلام موسى ﵇ لكنهم ما قدروا أن يبينوا اسم الملحق على سبيل التعيين؛ بل نسبوا على سبيل الظن إلى عزرا وهذا الظن ليس بشىء ولا يظهر من الاصحاحات المذكورة (٥) أن عزرا ألحق شيئًا من التوراة؛ لأنه يُفهم من سفر عزرا أنه تأسف على أفعال بني إسرائيل واعترف بالذنوب، ويُفهم من سفر نحميا أن عزرا قرأ التوراة عليهم (٦). وجاء في سفر العدد أيضًا: ما يدل على أن كاتب التوراة غير سيدنا موسى ﵇ وذلك أن: (التوراة تتحدث عن سيدنا موسى ﵇ الغائب وأنه لو كان الكاتب هو سيدنا موسى لكان عبر عن نفسه بضمير المتكلم مما يدل دلالة واضحة على أن كاتبها لم يكن سيدنا موسى ﵇ فيقول الكاتب: "وأما الرجل موسى فكان حليمًا جدًا أكثر من جميع الناس الذين على وجه الأرض" (٧) وفي نهاية السفر: "هذه هى الوصايا والأحكام التي أوصى بها الرب إلى بنى إسرائيل عن يد موسى في عربات موآب (٨) على أردن أريحا (٩) " (١٠). (فلو كان سيدنا موسى هو الذي يتحدث عن وحى الله عزوجل ما كان يستعمل ضمير الغائب) (١١). وبناءً على ما سبق فإن وجود الإشارات الصريحة التي وردت في هذا السفر عن كتاب "حروب الرب" ونقل الكاتب عنه أقوالًا كثيرة ورغم ذلك لم يوجد بين الأسفار سفر يسمي "حروب الرب" وصيغة التمريض الواردة" يقال فى حروب الرب " تضع هذا السفر موضع الشك من ناحية المؤلف ومن الناحية التاريخية أيضًا لم يعرف في أي زمان كان تصنيف هذا السفر.

стр. 93

أدلة من سفر التثنية: وهناك أيضًا نصوص من سفر التثنية تثبت أن موسى ﵇ لم يكتب هذه الأسفار وقد ذكر هذه الأدلة كل من العلامة الهندي والدكتور / السقا. من هذه النصوص مايلى: النص الأول يقول فيه الكاتب: " وفى سعير (١) سكن قبلًا الحوريون (٢) فطردهم بنو عيسو وأبادوهم من قدامهم وسكنوا مكافم كما فعل إسرائيل بأرض ميراثهم التي أعطاهم الرب" (٣). يقول العلامة الهندي في نقده لهذا النص نقلًا عن بعض مفسري الكتاب المقدس: (هذه الآية إلحاقية وجعل هذا القول "كما فعل إسرائيل" إلى آخره دليل الإلحاق) (٤) ويقول د/ السقا معلقًا على هذا النص أيضًا: (قوله "كما فعل إسرائيل بأرض ميراثهم" يدل على أن الكاتب فى الزمان المتأخر عن دخول بنى إسرائيل أرض كنعان التي أعطاها الله لهم وأنه يشبه طرد بنى عيسو بن اسحق للحوريين بطرد بنى إسرائيل للكنعانيين) (٥). النص الثانى: يقول فيه الكاتب: (إن عوج (٦) ملك باشان (٧) وحده من بقية الرُفائيين (٨)، هو ذا سريره، سرير من حديد، أليس هو في ربة بني عمون (٩)، طوله تسع أذرع وعرضه أربع أذرع بذراع رجل، فهذه الأرض امتلكناها ذلك الوقت (١٠).

стр. 94

والعلامة الهندي في نقده لهذا النص يعتمد على كلام علمائهم في تفسيرهم لسفر عزرا وهذا التفسير يقول: (المحاورة سيما العبارة الأخيرة تدل على أن هذه الآية كتبت بعد موت ذلك السلطان بمدة طويلة. وما كتبها موسى؛ لأنه مات في مدة خمسة أشهر) (١). ود/ السقا في نقده يضيف قائلًا: (قوله:"أليس هو في ربة بني عمون؟ يدل على أن السرير كان موجودًا زمن الكاتب وأن هذا السرير بقى في حوزة بني إسرائيل بعد موت "عوج" وأنه محفوظ في "ربة بني عمون" وربة بني عمون لم يستول عليه بنو إسرائيل في زمن موسى بل بعده بخمسمائة عام وخمسة عشر عاما ... وقوله "فهذه الأرض امتلكناها في ذلك الوقت" يدل على أنه يتحدث عن أمر ماض بعيد جدًا وهم لم يمتلكوها تماما إلا في عهد داود ﵇ فيكون كاتب توراة موسى ﵇ بعد زمن داود) (٢).أى فى زمن متأخر بعد سيدنا موسى ﵇. هذا وقد وقف د/ السقا مع سفر التثنية وقفة نقدية فاحصة جعلته يحلل ما ورد في هذا السفر تحليلًا جيدًا أثبت من خلاله أن التوراة الموجودة الآن ليست هي التوراة المنزلة على سيدنا موسى ﵇ فقال: (الآيات الكثيرة من سفر التثنية تدل على أن السفر ليس من زمن موسى بيقين ذلك لأن الكاتب يتحدث عن موت موسى ودفنه وأنه لا أحد يعرف قبره وأن يشوع بن نون قد خلفه في قيادة بني إسرائيل، أو فى أول السفر يستعمل ضمير الغائب بوضوح تام، وهذا الاستعمال يستمر به إلى نهاية السفر) (٣). فيقول في المقدمة: (هذا هو الكلام الذي كلم به موسى جميع إسرائيل في عبر الأردن (٤) في البرية ... في السنة الأربعين الشهر الحادى عشر في الأول من الشهر، كلم موسى بني إسرائيل ... في عبر الأردن في أرض موآب (٥) ابتدأ موسى يشرح هذه الشريعة قائلًا ... إلخ) (٦). ويعلق د/ السقا قائلًا: (فلو كان موسى هو المتكلم لكان يقول: "هذا هو الكلام الذي كلمت به جميع إسرائيل في عبر الأردن في البرية ... كلمت بني إسرائيل ... في عبر الأردن في أرض موآب ابتدأت أشرح هذه الشريعة فقلت ... هكذا" فهذا يدل على أن شخصًا يؤرخ لموسى ﵇ لا أن هذا الكلام من كلام موسى نفسه) (٧).

стр. 95

ثم يذكر د/ السقا نصوصًا في ثنايا سفر التثنية تؤكد أن الكاتب ليس موسى ﵇ بل الكاتب إنسان آخر من هذه النصوص ما يلي:- أ. "وهذه هى الشريعة التي وضعها موسى أمام بني إسرائيل (١) ... ودعا موسى جميع إسرائيل (١) وقال لهم ... " (٢) ب. "وأوصى موسى وشيوخ إسرائيل الشعب قائلًا: احفظوا جميع الوصايا التى أنا أوصيكم بها اليوم" (٣). ج. "وصعد موسى، من عربات موآب ... فمات هناك موسى عبد الرب في أرض موآب حسب قول الرب، ودفنه في الجواء (٤) في أرض موآب، مقابل بيت فغور، ولم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم وكان موسى ابن مائة وعشرين سنة حين مات، ولم تكل عينه ولا ذهبت نضارته) (٥) وغير ذلك من النصوص كثير. ثم يقف د/ السقا وقفة متعجب حول هذه النصوص قائلًا: أي عاقل يقول: (إن الكاتب هو موسى، وقد ذكر ما حدث لبني إسرائيل بعد موته، من أنه لا أحد يعرف قبره؟ وهذا يدل على أن الكاتب بعد موسى بمدة طويلة جدًا، ضاعت منها الذكريات عن قبر موسى) (٦). وينتقد العلامة: أحمد ديدات (٧) هذه النصوص قائلا: إنه واضح وجلى بأن هذه النصوص ليست من أقوال الله ولا من أحاديث موسى، إنها تدل على صوت المؤلف بضمير الغائب قام بتصنيف ما سمعه، ويتساءل أيمكن أن يكون موسى قد كتب تفاصيل موته؟ قبل وفاته وصيرورته رفاتًا؟ هل حدث أن كتب يهودي تفاصيل موته؟ مات موسى ودفنه الله كما جاء في سفر التثنية (٥، ٦) (٨) أدلة من سفر اللاويين: وقد ذكر النقاد المسلمون نصوصًا من سفر اللاويين تثبت أن التوراة الموجودة الآن في أيدى اليهود والنصارى ليست هى التوراة الحقيقية من هذه النصوص ما ذكره د/ السقا، حيث يقدم قبل أن يذكر النص بقوله: (إذا أراد الشخص أن يكفر عن ذنبه عليه أن "يأتي إلى الرب بذبيحة لإثمه كبشًا صحيحًا من الغنم بتقويمك من شواقل فضة =

стр. 96

= على شاقل القدس ذبيحة إثم ويعوض عما أخطأ به من القدس، ويزيد عليه خمُسَه ويَدْفعُهُ إلى الكاهن فيكَفِّرُ الكاهن عنه بكبش الإثم فيُصْفَح عنهُ) (١). وفي نقد د/السقا، لهذا النص يقول: (معروف أن بني إسرائيل لم يكونوا قد دخلوا القدس في عهد موسى ولم يتخذوا "الشاقل" (٢) أيضًا في عهد موسى) (٣). وهذه الوقفة النقدية للدكتور/ السقا تدل على درايته بتاريخ بني إسرائيل والمراحل التي مروا بها ومتي دخلوا القدس وفي أي وقت من الزمان اتخذوا المقدار الوزني الذي يسمي "الشاقل". ويذكر د/ يحيي ربيع، أدلة كثيرة من سفر اللاويين ويعلق عليها مبينًا أن موسى ﵇ لم يكن هو الكاتب لهذا السفر أيضًا كغيره من الأسفار فيقول: ورد في سفر اللاويين: (ما يفيد أن مؤرخًا يسجل التشريع الذي أنزله الله على موسى ﵇ حيث يبدأ السفر بقوله: "ودعا الرب موسى وكلمه من خيمة الاجتماع (٤) قائلًا ... " (٥) ويقف د/ يحيى ربيع أمام هذا النص منتقدًا قائلًا: لو كان موسى هو الذي يتحدث عن نفسه لقال: "ودعاني الرب من خيمة الاجتماع وكلمني قائلًا ... " ويقول وأمثال هذه العبارة يتكرر كثيرًا منها " وكلم الرب موسى قائلًا) (٦) ومنها " أوص هارون وبنيه قائلًا (٧)، (٨). والمتأمل لما سبق يجد دقة العلامه الهندي في نقده لسند الأسفار الخمسة وفي نهاية نقده كون رأيًا هامًا حول سند الأسفار الخمسة فقال: ليس في أيدى أهل الكتاب سند لكون الأسفار الخمسة من تصنيف موسى ﵇ ومادام لم يثبت سند من جانبهم فليس علينا التسليم لصحة هذه الأسفار بل يجوز الرد والإنكار (٩).

стр. 97

وخلاصة ما سبق: ١ - أثبت علماء المسلمين أن الأسفار الخمسة ليست منسوبة إلى سيدنا موسى ﵇ بأدلة من داخل نصوص هذه الأسفار نفسها وذلك أدعى للقبول. وأنه لا يصح إضافة أي شىء منها إلى موسى ﵇. ٢ - بين علماء المسلمين أن الأسس العلمية التي يتم على أساسها قبول الأخبار لم تتوفر في سند الأسفار الخمسة وبالتالى يحكم بردها، وكذلك لم تتوفر فيها الأسس الشرعية. ٣ - تعلل علماء النصارى لفقدان السند بكثرة المصائب التى مرت بهم عبر العصور وهذه العلة لا تكفى أبدًا للتسليم بصحة سند الأسفار إذ أن فقدان سند الرواية المقدسة يكفى بردها وإبطالها. ٤ - الكشف عن فقرات اعترفوا بأنفسهم أنها ألحقت هذه الأسفار ولم يعرف من ألحقها ولم يكتبها سيدنا موسى ﵇ وهذا أقوى دليل وحجة عليهم إذ أن رجال الدين عندهم هم الذين أقروا ذلك الإلحاق قبل غيرهم.

стр. 98

المبحث الثالث نقد سند بقية أسفار العهد القديم: بعد هذه الجولة النقدية لفحص سند الأسفار الخمسة وبعد أن اتضحت الإجابة على التساؤل الذي يطرح نفسه دائمًا هل هذه الأسفار كتبها سيدنا موسى ﵇ أم لا وهل هى وحي إلهى أم لا، أبين في هذا المبحث إن شاء الله تعالى جهود علماء المسلمين في نقد سند الأسفار الأخرى من العهد القديم مشتملًا على بيان من كتبها؟ ومتى كتبت؟ فبعد أن انتهى العلامة / رحمة الله الهندي، من نقده لسند الأسفار الخمسة شرع بعد ذلك في نقد سند بقية الأسفار مبتدءًا بسفر يشوع: فمن هو مصنف سفر يشوع: لم يظهر لهم إلى الآن بالجزم اسم مصنفه ولا زمان تصنيفه وافترقوا في ذلك إلى خمسة أقوال فيمن صنفه فقالوا: إما أن يكون صنفه يشوع أو فينحاس (١) أو العازار أو صموئيل أو أرميا ومن العجيب كما يقول: أن بين يشوع وأرمياء مدة ثمانمائة وخمسين سنة تخمينًا وقد أشار إلى أن هذه الأقوال المختلفة دليل على عدم صحة سند هذا السفر عندهم وعلى أن كل قائل منهم يقول بمجرد الظن رجمًا بالغيب (٢). متى كُتب سفر يشوع: معرفة زمن التصنيف من الأهمية بمكان بالنسبة لأسفار العهد القديم وعند البحث عن إمكانية تحديد زمن تصنيف سفر يشوع يتضح بُعد زمن التصنيف عن زمان وجود سيدنا موسى ﵇ مما يدل دلالة واضحة على استحالة كتابة سيدنا موسى ﵇ لهذا السفر ولذلك يقول العلامة الهندي عن هذا الموضوع: (ولو لاحظنا ما جاء في سفر يشوع "وأما اليبوسيون (٣) الساكنون فى أورشليم فلم يقدر بنو يهوذا على طردهم فسكن اليبوسيون مع بني يهوذا في أورشليم إلى هذا اليوم" (٤) وما جاء في سفر صموئيل الثاني" وذهب الملك ورجاله إلى أورشليم إلى اليبوسيين سكان الأرض فكلموا داود قائلين: لا تدخل إلى هنا ما لم تنزع العميان والعرج، أي لا يدخل داود إلى هنا، وأخذ" داود حصن صهيون" (٥)، هي مدينة داود، وقال داود في ذلك اليوم: إن الذي يضرب اليبوسيين ويبلغ إلى القناة، والعرج والعمى المبغضين من نفس داود لذلك يقولون: لا يدخل البيت أعمى أو أعرج ") (٦).

стр. 99

يقول العلامة الهندي من خلال الملاحظة بين الآيات السابقة من سفري يشوع وصموئيل الثاني: (يظهر أن هذا السفر كتب قبل السنة السابعة من جلوس داود ﵇ (١) كيف جُمع سفر يشوع: أخبر العلامة الهندي أن رجال الدين في النصرانية يقولون إن مصنف سفر يشوع ينقل بعض الحالات عن سفر اختلفت التراجم في بيان اسمه ... ولم يعلم حال هذا السفر المنقول عنه، ولا حال مصنفه، ولا حال زمان التصنيف غير أنه تقول التوراة "وقال أن يتعلم بنو يهوذا نشيد القوس، هو ذا ذلك مكتوب في سفر ياشر" ويفهم من هذا النص: أن مصنفه يكون معاصًرا لداود ﵇ أو بعده (٢). وهكذا لا نعرف من الذي كتب سفر يشوع فكيف نقول عنه أنه مكتوب بالإلهام؟ (٣). إذن يفهم مما سبق الأمور التالية: (١) أنه لم يتفق النصارى على تحديد كاتب سفر يشوع ولم تكن عندهم أدلة قوية على ذلك وهناك اضطراب في ذلك التحديد هذا الاضطراب من شأنه أن يسهم في عدم التسليم لهم فيما يقولون. (٢) جهل النصارى بزمن التصنيف من الأمور التى تجعل الناقد يضع يده على علة أساسية تؤكد رد الدعوى القائد ة بأن موسى ﵇ هو المصنف لسفر يشوع لأن الجهل وعدم معرفة زمن التصنيف يوقع هؤلاء في أخطاء جسيمة كتلكم إلى وقعوا فيها حينما أخبروا أن الذي صنف سفر يشوع هو أرمياء وذلك يناقض الواقع التاريخى الذي يقول ببعد المسافة الزمنية بينهما والتي تقدر بأكثر من ثمانمائة وخمسين عامًا تقريبًا. (٣) الجمع والتدوين أحد الجوانب الهامة التى يعرف من خلالها صدق الرواية من كذبها خاصة عندما يتعلق الجمع والتدوين لأسفار يُدعى أنها إلهيه أو كتبت بإلهام وعند عدم معرفة المنقول عنه أو من أي مصدر أخذت مادة هذا السفر بالتالى يتولد الشك في كيفية الجمع والتدوين طالما أن النقل قد تم من سفر اختلفت التراجم في تعيين اسمه. بعد أن تبينت حالة سفر يشوع من خلال ما قاله العلامة رحمة الله الهندي حيث جعله في المرتبة الثانية بعد الأسفار الخمسة؛ لأن اليهود يعتبرونه الرجل الثاني بعد موسى ﵇ ألخص ما ذكره عن بقية الأسفار، ومن الملاحظ وجود تشابه شديد بين هذه الأسفار من حيث معرفة المصنف الحقيقي وهل السفر إلهامي أم لا؟ ومتي صنف وكيف جمع؟ -ألخصه فيما يلى:

стр. 100

١. سفر القضاة (١): لم يعلم مصنفه بالتحديد وقد اختلفت الآراء في تحديده فقيل إن مصنفه فينحاس وقيل حزقيال وقيل أرميا وقيل عزرا، وهذا السفر ليس إلهامي ومن الملاحظات التي تؤخذ على من صنفه: أنه بين عزرا (٢) وفينحاس أزيد من تسعمائة سنة. ٢. راعوث (٣): قيل إنه تصنيف حزقيال وقيل عزرا وقيل صموئيل وعلى هذا لايكون إلهاميًا. ٣. نحميا (٤): قيل إنه تصنيف نحميا وقيل عزرا وعلى الأول لا يكون إلهاميا، وفيه ٢٦ آية من الإصحاح ١٢ من تصنيفه ولا ربط لهذه الآيات بقصة هذا الموضع ربطًا حسنًا. ٤. أيوب (٥): أيوب اسم فرضي، وكتابه حكايه باطلة وقصة كاذبة. ٥. زبور داود (٦) "المزامير": لم يثبت بالسند الكامل أن مصنفه فلآن فقيل إنه تصنيف داود ﵇ وقيل قد صنف من الزبورات ٤٥ زبورًا وقيل إنها إلهامية وقيل إن شخصًا من غير الأنبياء سماها هذه الأسماء وقيل إنها صنفت في زمان المكابيين. يؤخذ على زبور داود أنة: لم يتحقق من أسماء الزبورات هل هى إلهامية أم لا، وقد تأثر كاتبه بالأدب المصري القديم، ولم يعلم زمان جمع الزبورات فقيل فى زمن داود وقيل في زمن حزقيال على يد أصدقائه.

стр. 101

٦. أمثال سليمان (١): كله من تصنيف سليمان- ﵇ وقيل إن تسعة أبواب في أوله ليست من تصنيفه والباب الثلاثون من تصنيف رجل آخر وكذلك الحادى والثلاثون. يؤخذ على أمثال سليمان أنه: فيه شك كبير وقد تأثر كاتبها بالأدب المصري القديم. لم تجمع في عهد سليمان لأن خمسة أبواب منها جمعها أحباء حزقيال بعد ٢٧٠ سنة من وفاة سليمان. ٧. سفر الجامعة (٢): قيل إنه من تصنيف سليمان ﵇ وقيل أشعياء وقيل حزقيال وقيل إن أحدًا صنفه بأمر من زروبابل لأجل تعليم ابنه أبيهود. يؤخذ على سفر الجامعة أنه: فيه شك كبير لأن محتواه يتناقض مع التوراة وبقية كتب بني إسرائيل في كثير من مواضعه. قيل أنه صنف بعد ما أطلق بنو إسرائيل من أسر بابل. ٨. نشيد الإنشاد (٣): قيل إنه تصنيف سليمان أو أحد معاصريه، وقيل صنف بعد مدة من وفاة سليمان. يؤخذ على نشيد الإنشاد أن: حاله سقيم جدًا وصفه العلماء بأنه غناء فسقي فليخرج من الكتب المقدسة وقيل غناء نجس. ٩. دانيال (٤): يوجد في الترجة اليونانية واللاتينية وجميع تراجم (الروم الكاثوليك) غناء الأطفال الثلاثة في الإصحاح الثالث وكذا يوجد الإصحاح ١٣، ١٤، وفرقة (الكاثوليك) تسلم الغناء المذكور والإصحاحين المذكورين وتردهم فرقة البروتستانت وتحكم بكذبهم (٥).

стр. 102

١٠. سفر إستير (١): لم يعلم اسم مصنفه وقيل إنه من تصنيف علماء المعبد من عهد عزرا إلى زمن سمين وقيل من تصنيف يهوكين وقيل عزرا. يؤخذ على سفر إستير أنه: لم يعلم زمان تصنيفه. ١١. سفر أرميا (٢): الباب ٥٢ منه ليس من تصنيف أرميا، وكذلك الآية الحادية عشرة من الإصحاح العاشر. يؤخذ على سفر أرميا أنه: فيه آيات كثيرة ألحقت بعد موت أرمياء. ١٢. سفر أشعياء (٣): فيه ٢٧ إصحاحًا ليست من تصنيفه. يؤخذ على سفر أشعياء أنه: تأتر كاتبه بالأدب المصري القديم. ١٣. سفر حزقيال (٤): ليس من المعقول أن يكون كاتبه نبيًا ملهمًا لأنه يتناقض تمامًا مع ما جاء في سفر العدد. ١٤. سفر ملاخي (٥): كاتبه متأثر بالفلسفة المصرية القديمة (٦)

стр. 103

وبعد هذا العرض التقويمي لبقية أسفار العهد القديم تكاد الرؤى النقدية لعلماء المسلمين حول سند هذه الأسفار تتفق على الأمور التالية: ١) الاضطراب في تحديد المصنف الحقيقي لكل سفر من هذه الأسفار. ٢) الاضطراب في تحديد وقت التصنيف، بل إن بعضها لم يعرف زمن كتابته. ٣) أغلب هذه الأسفار عبارة عن حكايات باطله بعيدة عن العفة ويستحيل نسبتها إلى الوحي الإلهى. ٤) تأثر هذه الأسفار بالفلسفات الوثنية القديمة خاصة الأدب المصري القديم. خلاصة جهود العلماء في نقد سند العهد القديم: لقد أجاد علماء المسلمين في إثبات عدم صحة نسبة أي نص من نصوص العهد القديم، إلى سيدنا موسى ﵇، بالأدلة العقلية والنقلية القاطعة، وذلك من خلال تحليل الصيغ اللغوية الواردة في نصوص العهد القديم، كصيغة التمريض التي تقول: "يقال في كتاب حروب الرب، ومثل استخدام ضمير الغائب الذي يتكرر في كثير من النصوص، كقال موسى، وأوصى موسى، والحديث عن موت موسى وتفاصيل موته ودفنه، كل ذلك يؤكد أن شخصًا آخر غير موسى ﵇، هو الذي كتب هذه التوراة، وبذلك أثبت علماء المسلمين انقطاع سند التوراة، وممن برع في ذلك من علمائنا الأفاضل: العلامة رحمة الله الهندي، وجميع من تكلم بعده عن سند العهد القديم، قد أخذوا منه نفس طريقته النقدية في إثبات أن الكاتب غير موسى ﵇، مع إضافات يسيرة، ولكن عند مقارنتها بجهد العلامة الهندي يتضح أنهم لم يأتوا بجديد حول نقد سند العهد القديم.

стр. 104

الفصل الثاني جهود علماء المسلمين في نقد سند العهد الجديد "فترة البحث " ويشتمل على المباحث التالية: المبحث الأول: نظرة تاريخية حول العهد الجديد المبحث الثاني: نقد سند الأناجيل الأربعة المبحث الثالث: نقد سند الأسفار الأخرى من العهد الجديد

стр. 105

المبحث الأول نظرة تاريخية حول العهد الجديد ويشتمل على ما يلي: ١ - موثوقية الأناجيل الأربعه وتأثرها برسائل بولس. ٢ - صلاحية العهد الجديد. ٣ - دعوى تمتع الأناجيل الأربعه بحق الامتياز ومناقشة العلماء لها.

стр. 106

تمهيد: لقد أحاط العلامة رحمة الله الهندي الأناجيل الأربعة بالدراسة النقدية الفاحصة التي أثبتت بالأدلة العقلية والنقلية وأقوال كتابهم أن هذه الأناجيل ليس لها سند متصل، وأنها قد ألفت بعد رفع المسيح ﵇ بمدة طويلة. وأثبت أيضًا من خلال جولاته النقدية بين النصوص والشروح المختلفة للكتاب المقدس أن الإنجيل الأصلى قد فُقد، وأن الأسباب التي اعتذروا بها لفقدان سندهم أسباب واهية (١). وعلى الفرض لو كانت هذه الأناجيل تصح نسبتها إلى مؤلفيها- متى- مرقس- لوقا- يوحنا- إلا أن النصارى أنفسهم وطوائفهم المختلفة قد اختلفوا في تحديد تواريخ كتاباتها واضطربوا في ذلك اضطرابًا شديدًا، فإسنادهم هذه الأناجيل إلى أصحابها بلا حُجة ولا برهان كما سبق بيانه في المبحثين السابقين. ولقد اعتمد عُلماؤنا الأجلاء في نقد الجانب التاريخي للعهد الجديد على تلك التواريخ إلى ذكرها مفسرو العهد الجديد على اختلاف طوائفهم مما دفعهم لمناقشة الأدوار التاريخية التى مرت بها الأناجيل، الأمر الذي أدى إلى فقدان الثقة في قانونية هذه الأناجيل. موثوقية الأناجيل الأربعة: (وحول موثوقية الأناجيل الأربعة يقول أ / محمَّد السعدي في كتابه "دراسة في الأناجيل" إن فناء النسخ الأصلية للأناجيل يعني ببساطة أننا لا نستطيع التأكد من موثُوقية المخطوطات والنسخ التي بين أيدينا اليوم، وإذا علمنا أن أقدم مخطوطات العهد الجديد الموجودة حاليًا ترجع إلى القرن الرابع الميلادي، وأن آخر الأناجيل كُتب سنة ١٠٠ م فإننا نخلص إلى أن هناك فاصلًا زمنيًا بين تاريخ كتابة الأناجيل وتاريخ مخطوطاتها يزيد على مائتي سنة) (٢). وهذا الفاصل الكبير نسبيًا يجعل الأناجيل معلقة في الهواء بلا سند متصل بين كتبتها ومخطوطاتها، وفناء نسخ الأناجيل التي يرجع تاريخها إلى ما قبل مجمع نيقية عام ٣٢٥ م يرجع لسببين: ١ - قرار الكنيسة بإلغاء الأناجيل المخالفة لأناجيلها والأمر بإعدامها. ٢ - جو الخوف والاضطهاد والمطاردة والمذابح التي تعرض لها النصارى لمدة ثلاثمائة سنة متواصلة على يد اليهود والرومان الوثنيين ... وفي تلك الفترة العصيبة لم تكن هناك قوة تحمى النصارى أو تحافظ على كتبهم، وفي مثل هذا الجو تتهيأ الفرصة لضياع الحقائق وتعديل النصوص، ونسبة الكتب إلى غير مؤلفيها، ويصبح التحقق من موثوقية الأقوال والأفعال والنصوص أمرًا غير ميسور (٣).

стр. 107

تأثر الأناجيل برسائل بولس: (وقصة هذه الأناجيل وعلاقاتها بالمعتقدات المسيحية قصة تدعو للعجب فمن الطبيعي أن تنبني المعتقدات على الأناجيل، ولكن الواقع غير هذا أو قل عكس هذا إذ انبنت الأناجيل على المعتقدات، فقد نشأت المعتقدات بواسطة بولس، ثم كتب بولس رسائله بين سنة ٥٥ وسنة ٦٣ م بيد أن الإنجيليين لم يبدءوا كتابة أناجيلهم إلا في سنة ٦٣ م ورجحت كفة بولس وكفة معتقداته فتأترت الأناجيل بهذه الرسائل (١). صلاحية العهد الجديد: أما بالنسبة لصلاحية العهد الجديد كمصدر أساسى عند النصارى يقول د/ أحمد شلبي في موضع آخر من كتابه "المسيحية": إن الأناجيل اختيرت لتلائم المعتقدات التي وضعها بولس، ومن ثم كانت الأغلبية الساحقة من "العهد الجديد" من وضع بولس ومريديه .. ومع هذا فإنه بمرور الزمن ظهر للمسيحيين أن هذه الأناجيل لا تفي بما أرادوا أن يضيفوه للمسيحية من معتقدات كغفران السيئات وعصمة البابا وغير ذلك، ثم اقترحوا المجامع يثبتون بها ما يشاءون من الأصول، وإذا كانت المجامع قد أخذت الحق في تقرير ألوهية المسيح فلا ضير عندهم أن تأخذ الحق فيما دون ذلك من مسائل (٢). ويؤكد د / موريس بوكاي أن الأناجيل الأربعة قد ظهرت بعد مؤلفات بولس بفترة طويلة فيقول: (لا تشير أولى كتابات العصر المسيحي إلى الأناجيل إلا بعد مؤلفات بولس بفترة طويلة جدًا، فالشهادات المتعلقة بوجود مجموعة من الكتابات الإنجيلية تظهر فقط في منتصف القرن الثاني وبالتحديد بعد عام ١٤٠م، وذلك على حين أن هناك كثيرًا من الكتاب المسيحيين يوحون بوضوح منذ بداية القرن الثاني بأنهم يعرفون عددًا كبيرًا من رسائل بولس، وهذه الملاحظات التي تفرضها "المقدمة إلى الترجمة المسكونية للعهد الجديد" المنشورة عام ١٩٧٢ م تستحق أن تذكر على الفور كما يفيد التنويه إلى أن هذه الترجمة هى نتيجة عمل جماعى تضافر له أكثر من مائة متخصص من الكاثوليك والبروتستانت) (٣).

стр. 108

دعوى تمتع الأناجيل الأربعة بحق الامتياز ومناقشة العلماء لها: يقول أ/ أحمد زكى في كتابه "انزعوا قناع بولس": (بين سنة ١٨٦١ - ١٨٧٠ م عقد الفاتيكان مجمعًا أقر فيه أن الكتب القانونية للعهد القديم والجديد قد كتبت بإلهام من الروح القدس، ولكن بعد أن طال النقد للكتاب المقدس من النقاد المسيحيين الغربيين أنفسهم واشتد ذلك في السنوات الأخيرة عقد الفاتيكان مجمعًا آخر في أواسط الستينيات ١٩٦٢ - ١٩٦٥ م وخرج بوثيقة جديدة تراجع فيها عن قراره السابق بالنسبة للعهد القديم واعترف فيها صراحة أن العهد القديم يحتوي على شوائب وشىء من البطلان، ولكن عندما جاء للعهد الجديد نفى عنه ذلك وكرر أنه كُتب بإلهام من الروح القدس) (١). وذكر بعد ذلك نص هذه الوثيقة التى أصدرها مجمع الفاتيكان وجاء فيها: (لا يغفل أي إنسان أن من بين الكتب المقدسة بل حتى العهد الجديد كان هناك ما يتمتع بحق الامتياز مثل الأناجيل باعتبار أنها تكون شهادة حقيقية عن حياة وتعاليم الكلمة المجسدة) (٢). مناقشة العلماء لهذه الوثيقة: (إن محرري هذه الوثيقة حرروها وهم قابعون في بروج كنائسهم وأديرتهم العالية فلم يحتكوا بالأغلبية الساحقة من عامة الشعب ليقرؤوا كتبهم ولم ينزلوا قط إلى الشارع ليروا المكتبات والأرصفة وقد امتلأت بالكتب التي تنتقد العهد الجديد الذي قالوا أنه يتمتع بالامتياز، إذ ثبت بعد ضعف الكنيسة وظهور فن النقد وامتلاك الناس للكتاب المقدس بعد أن كان حكرًا على الكنيسة أن العهد الجديد ليس حصينًا كما يدعى الفاتيكان في وثيقته، بل ظهر أنه ممتلئ بالثغرات التي يمكن الهجوم عليه منها من كل جانب لذا هاجمه النقاد الغربيون المسيحيون أنفسهم وأثخنوه بالجراح، وأزاحوا عنه غطاء الوحى والقداسة وذهب عنه الامتياز المزعوم) (٣). وخلاصة هذه النظرة التاريخية للعهد الجديد ما يلي: ١ - فقدان الإنجيل الأصلي بعد رفع المسيح ﵇ إلى السماء. ٢ - فقدان الثقة في الأناجيل الأربعة والعهد الجديد عمومًا.

стр. 109

المبحث الثاني نقد سند الأناجيل الأربعة لعلماء المسلمين جهود قيمة حول سند الأناجيل الأربعة وفي نظرتهم النقدية لها بينوا هل لهذه الأناجيل سند متصل أم أنها منقطعة السند؟ وهل يا ترى تصح نسبتها إلى المسيح ﵇ أم أن الأمر بخلاف ذلك؟ هذا ما سنعرفه فى الصفحات التالية: من أين جاءت الأناجيل؟ أجمع العلماء على أنه لم يثبت تاريخيًا أن المسيح ﵇ خلف وراءه إنجيلًا مكتوبًا ولهذا فإن ما كتب على لسان المسيح أو عنه إنما هو من عمل التلاميذ والحواريين ومن إليهم (١). أولاً: إنجيل متى: يقول صاحب كتاب الفارق (٢): اتفقت كلمة النصارى على أن متى من الحواريين الاثنى عشر وقالوا: إن إنجيله أول ما بشر به بعد رفع المسيح بثمانية أعوام وكان باللغة العبرانية وهذا مذهب القدماء كافة والكثير من المتأخرين ودلل على كلامه بشواهد كثيرة من كتب علمائهم (٣). وقيل: إن مؤلف إنجيل متى يهودي ولا شك ... يفهم اليهود ويتعاطف مع تطلعاتهم كرجل يهودي المولد (٤) وقيل: (إن متى أحد تلاميذ المسيح الاثنى عشر ويسميهم المسيحيون رسلًا، وقد كان قبل اتصاله بالمسيح من جباة الضرائب للرومان في كفر ناحوم من أعمال الجليل، وكان اليهود ينظرون إلى الجباة نظرة ازدراء؛ لأنها تحمل صاحبها على الظلم أو العنف والعمل فيها معين للدولة الرومانية المغتصبة التى تحكم البلاد بغير رضا أهلها (٥). تاريخ التدوين والترجمة: اختلف العلماء فى تحديد الزمن الذي دون فيه إنجيل متى وهذا الاختلاف دليل واضح على التشكيك في صحة هذا الإنجيل. فيقول فضيلة الإمام / أبو زهرة عن إنجيل متي: (لا شك أن جهل تاريخ التدوين، وجهل النسخة الأصلية التي كانت بالعبرية، وجهل المترجم وحاله من صلاحٍ أو غيره، وعلم بالدين واللغتين التى ترجم عنها والتي ترجم إليها كل هذا يؤدي إلى فقد حلقات في البحث العلمي) (٦)

стр. 110

ثم يعود الإمام أبو زهرة (١) ويقول: إن متي كتب إنجيله بالعبرانية، وأشهر النسخ كانت باليونانية ولكن موضع الخلاف في تاريخ تدوينه وفيمن ترجمه إلى اليونانية، فقال البعض إنه كُتب قبل خراب أورشليم وقيل كتب ما بين سنة ٦٠ وسنة ٦٥ من الميلاد وقيل ما بين عامى ٨٥ و ٩٠ وقيل كتب سنة ٣٧ أو ٣٨ أو ٤١ أو ٤٣ أو ٤٨ أو ٦١ أو ٦٢ من الميلاد (٢) ويؤيده في ذلك كثير من النقاد المسلمين (٣). وبناءً على هذا الاختلاف الواضح في تاريخ التأليف يتساءل العلامة أحمد ديدات فيقول: (وإذا لم نقدر أن نعزى هذا الإنجيل وننسبه إلى الحواري متى فكيف نذعن له ونقبله على أنه كلام الله)؟ (٤). إضافة إلى ما سبق يؤكد صاحب الفارق: (أن إنجيل متى كان بالعبرانية لا اليونانية، وأن نسخته الأصلية فقدت ثم ظهرت ترجمتها ولم يعلم إلى الآن كيف ترجم هذا الإنجيل؟، ومن هو المترجم وما هو حاله في القوة والضعف في الدين؟ وهل هو من المسيحيين أو اليهود أو غيرهم؟ وإذا كان كذلك فكيف تجزمون بهذا الإنجيل وتتخذونه دستورًا مقدسًا ترجعون إليه في عقائد الدين وأصوله، وكيف جزمتم بأنه لمتى وأنتم لا تعلمون الذي ترجمه؟ ولا تدرون هل أدخل فيه من الضلالات ما لايرضى به متى ولا المسيح) (٥). ثم يوجه صاحب الفارق أصابع الاتهام إلى اليهود وما يحتمل أنهم قد فعلوه في إنجيل متى طارحًا افتراضًا عقليًا مؤداه أن اليهود وراء ترجمة هذا الإنجيل فيقول: (ولم لا يحوز أن تكون النسخة العبرانية قد وقعت في يد أحد اليهود أو الدخلاء في المسيحية فترجمها بما وافق غرضه ولائم هواه ودس فيها من العقائد ما يغضب الجبار ويوجب الخلود فى النار) (٦).
следующие страницы →