← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 122258

جهود علماء المسلمين في نقد الكتاب المقدس من القرن الثامن الهجري إلى العصر الحاضر "عرض ونقد"

رمضان الدسوقي

Полный текст (438 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وقد نقد المؤلف هذه القصة نقدًا موضوعيًا وردها بنصوص صريحة من الكتاب المقدس تؤكد أن الله لم يره أحد وعدم إمكانية رؤية الله تعالى في الدنيا فقال: إن نصوص الكتاب المقدس تدل على عدم إمكانية رؤية الله تعالى في الدنيا منها: "فكلمكم الرب من جوف النار فسمعتم صوتا ولم تروا الشبه البتة فاحفظوا أنفسكم بحرص فإنكم لم تروا شبها يوم كلمكم الله" (١). وقول الرب لموسى "لا تقدر أن ترى وجهى ... وأما وجهى فلا يُرى" (٢) وقول المسيح "الله لم يره أحد من الناس ولا يقدر أن يراهم (٣) ويقول: هذا صريح بعدم إمكان رؤية الله تعالى في الدنيا قطعًا ومثل هذه النصوص الصريحة لا يجوز ترك اعتقاد حكمها والتمسك بما يخالفها. بمجرد التأويل (٤). ثم ذكر بعد ذلك عدة أدلة عقلية ترد هذه الدعوى منها ما يلى: ١ - (أن الظهور بالهيئات مهما كان نوعه ووصف هيئته هو شبه ومثل ممكن تصوره وحده بالتصور وذلك من صفات الحوادث والله تعالى مغاير لصفات الحوادث ولا شبيه ولا مثيل له. ٢ - أن تشكل الملائكة والجن والشياطين بما شاءوا بقدرة الله الذي اتخذه المؤلف (٥) قرينه على اقتدار الله تعالى على الظهور في الأجسام والهيئات هو وحده كاف لتأييد حكم النصوص الآنفة بعدم جواز اعتقاد تشكله أو ظهوره تعالى في الهيئات الجسمانية بالمعنى الحقيقي للقطع بأنه سبحانه لا يجارى خلقه ولا يتشبه بأعمال عبيده في الشكل والظهور. ٣ - إن عبارة سفر التكوين التي استدل بها بعض مفسري الكتاب المقدس على أن الله ظهر بهيئة منظورة فضلا عن أن ظاهرها لا يؤيد مقصوده بل غاية ما يفيده هو أن إبراهيم ﵇ نظر ثلاثة رجال ودعاهم إلى الأكل عنده ... وأجابوا دعوته وذبح لهم عجلا بقرا وقدم لهم لحمه مع خبز وزبد ولبن ... وبعد أن أكلوا بشروه ..... الخ القصة، وذلك وحده كاف للعلم بأن أولئك الرجال لم يكونوا الله الواحد الأحد الذي لا يرى ولا تدركه الأبصار ولا تحده الجهات ولا يفتقر إلى الأكل والشرب ولا يصح في الأذهان أن يكون سبحانه مركبا من الأجسام والأعضاء) (٦) وأما صفات الأفعال: كان لكل من د/ المسيري ود/ صفوت مبارك، د/ المطعني، د/ محمود مزروعة، أ/ سميرة عبد الله. جهد واضح في بيان ما نسبه العهد القديم لله من صفات تُماثل صفات البشر من هذه الأوصاف أنه يمشي ويتحرك (٧) بين الناس ويأخذ أشكالًا حسية (٨) ووصفوه بالقسوة المفرطة (٩) وأنه يخاف من الناس (١٠)

стр. 142

الله يخاف من الناس- في زعمهم -: وغير ذلك من الصفات التى لا تليق بجلال الله (١) وبشىء من التوضيح أذكر بعض النماذج من هذه الصفات وتعليقات العلماء عليها: فيقول أ/ أحمد زكي منتقدًا لقولهم أن الله يخاف الناس ولذلك فهو يبلبل ألسنتهم حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض كما في سفر التكوين: (١١/ ٦ - ٨) يقول: إنهم يصورون الله بحسب عقولهم البدائية كأنه بشر وأنه يخشى الناس تعالى الله عما يصفون إن الإله الذي يخشى البشر حتما هو ليس الله خالق البشر إنما هو إله خرافات وأساطير (٢) ويعلق د/ المطعني على هذا النص قائلًا: إن التوراة كما تصفُ الرب هنا بالخوف من الناس تصفه كذلك بالجهل؛ لأن الناس حسب رواية التوراة لم يقصدوا الإضرار بالرب وإنما قصدوا مجرد السكنى. وأن يعرف بعضهم بعضا فظن الرب أن ذلك العمل موجه ضده فلجأ إلى حيلة تفرق الألسن حتى لا يصبح الناس متحدين أو ليس في هذا نسبة الجهل إلى الرب كما فيه نسبة الخوف إليه أفليست هذه نصوص مقدسة ذات دلالات وضعية (٣). وصف الإله بالجهل- في زعمهم -: وهذه جريمة أخرى تلك التي تطلقها التوراة في جانب الإله وحاشا لله أن يكون جاهلًا فهو سبحانه عالم بكل شئ فيقول سبحانه: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ (٤). ويقول د/ صفوت مبارك: في قصة خروج بني إسرائيل من مصر يتحدث العهد القديم فيذكر أن الرب أمر موسى أن يضع بني إسرائيل على أبواب بيوتهم علامات الدم لأن الرب سيمر هذه الليلة ليضرب كل بكر في أرض مصر من الناس والبهائم ولكنه يستثني من ذلك بني إسرائيل لذا فهو يأمرهم بوضع هذه العلامات على بيوتهم، حتى إذا مر عرف أن هذا بيت من بيوت بني إسرائيل فيتجاوزه ولا يهلك أحدًا ممن فيه، وهذا يعني وصف الإله بالجهل وأنه في حاجه إلى علامات ترشده (٥) واستدل بالنص الآتي: "فإني أجتاز في أرض مصر هذه الليلة وأضرب كل بكر في أرض مصر من الناس والبهائم وأصنع أحكامًا بكل آلهة المصريين أنا الرب ويكون لكم الدم علامة على البيوت التي أنتم فيها فأرى الدم وأعبر عنكم فلا يكون عليكم ضربة للهلاك حين أضرب مصر" (٦). ويعلق د/ عبد الوهاب المسيري على هذا النص قائلًا: (العهد القديم هنا يصف الإله بأنه ليس عالمًا بكل شيء) (٧).

стр. 143

ويذكر د/المطعني. نصًا آخر يصف الرب بالجهل "حاشا لله":تروى التوراة ما دار بين الرب الإله وبين آدم بعد واقعة الأكل من الشجرة المحرمة فتقول: "وسمعا -أي آدم وحواء- صوت الرب الإله ماشيًا في الجنة عند هبوب ريح النهار فاختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الإله في وسط شجر الجنة! فنادي الرب الإله آدم وقال: أين أنت يا آدم؟ فقال: سمعت صوتك في الجنة فخشيت لأنى عريان؛ فاختبأت؛ فقال من أعلمك أنك عريان؟ هل أكلت من الشجرة التى أوصيتك أن لا تأكل منها؟ " (١). وقد نقد د/ المطعني. هذا النص وقال مستفسرًا ومتعجبًا وهو يلقى نظرة تحليلية عليه (ما معنى هذا الكلام؟ معناه أن آدم اختبأ من الرب الإله هو وامرأته وسط شجر الجنة فلم يبصره الرب الإله فنادي أين أنت يا آدم، ولم يعرف مكان آدم إلا بدلالة صوت آدم يرد عليه ويخبره بسبب اختفائه فيرد الرب الإله سائلًا عما لا يعلم؟! مرة أخرى: ومن أعلمك أنك عريان؟! هل أكلت من الشجرة؟! (٢). (إن نسبة الجهل للرب الإله في هذه النصوص المقدسة لا تحتمل جدلًا قط بدلالة: أن آدم نفسه كان يعلم بذلك الجهل من الرب الإله وإلا لما كان اختبأ؟! وأن الرب نفسه حين لم يبصر آدم وزوجه نادى قائلًا أين أنت يا آدم ولو كان يعلم مكانه لما نادي عليه ولما سأل مرة أخرى هل أكلت؟ والجهل ببعض الأشياء ليس من صفات "الله" الحق هكذا تقول تصورات العقل الواعى وبهذا تقضى حقائق الإيمان الصحيح، والفرق بين أحكام العقل وحقائق الإيمان الصحيح وبين الواقع المعلوم لنصوص الكتاب المقدس كالفرق بين النور والظلمات) (٣). ويقرر أ. د / محمود مزروعة: أن حقيقة الذات الإلهية عند اليهود لا ترتفع كثيرًا على مستوى البشرية في شكلها ومضمونها ... فهم يعتقدون في الإله المجسد، ولم يستطيعوا أبدًا أن يهضموا عقيدة الإله المجرد ... وإنما ارتبطت فكرة الإله عندهم بصورة الإنسان بكل ما تحويه هذه الصورة من نقائص وأخطاء، وبسبب نزعة التجسد هذه لم يقنع اليهود بعبادة الله الواحد المجرد عن المادة ولذا فقد طلبوا من سيدنا موسى ﵇ أن يجعل لهم أصنامًا آلهة ثم صنعوا لأنفسهم عجلًا عبدوه (٤).

стр. 144

وصف الإله بأنه يستريح من التعب: وقد استدل صاحب كتاب "انزعوا قناع بولس" على هذا بالنص الذي يقول: "فرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل" (١) وقد علق عليه مفندًا هذا الوصف الذي تدعيه التوراة فيقول: (لقد شبه كاتبو التوراة الله بالإنسان العامل الذي يكد ويتعب طيلة أيام الأسبوع الستة وفي اليوم السابع يستريح، ولقد دحض الله هذه الفرية في آيات كثيرة من القرآن إذ قال تعالى: (﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ (٣) وقال تعالى: (﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (٤). فالله ينزه نفسه في القرآن عن التعب الذي وصفوه به وهم في هذا إنما يناقضون أنفسهم فقد ورد في سفر أشعياء قوله: "أما عرفت أم لم تسمع إله الدهر خالق أطراف الأرض لا يكل ولا يعيا" (٥) مما يكذب قولهم في أن الله استراح من التعب) (٦). فهذا قليل من كثير ورد في العهد القديم يصف الله عزوجل بما لا يليق بذاته المقدسة مما يدل على مدى الانحراف الذي وقع فيه كتبة التوراة من ناحية ومن ناحيه أخرى يدل دلالة واضحة من خلال ما تقدم من شواهد على التناقض الواضح بين نصوص العهد القديم تلك التى تصفه بالجهل تارة وبالعلم تارة أخرى أو تصفه بالتعب تارة وبعدم التعب تارة أخرى فلو كانت كتبهم صحيحة ما وقع فيها هذا التناقض. والتصور الصحيح في الأسماء والصفات أن نعبده بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، دون تشبيهه بأحد من خلقه، وتمثيله بشيء من مخلوقاته، ودون أن نؤلها تأويلًا يخرجها عن حقيقته فهو سبحانه "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" (٧)، وما يلصقه كتبة العهد القديم لله تعالى من أسماء وصفات لا تليق بذاته المقدسة، لهو خروج عن هذا التصور الصحيح وإلحاد، كما أخبر سبحانه وتعالي "ولله الأسماء الحسني فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون" (٨).

стр. 145

المبحث الثانى نقد موقف العهد القديم من الملائكة والجن والشياطين أبرز النقاد من علماء المسلمين- فترة البحث- مدى التناقض والانحراف الذي وقع فيه العهد القديم في هذه العقيدة وغيرها. والمعلوم الذي لا يقبل الشك أو الجدال لدى المسلمين أن الملائكة مخلوقات نورانية لا يأكلون ولا يشربون ولا يتناسلون ويتشكلون في أحسن صورة ويفعلون ما يأمرهم به الله فقال تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (١) فقد خرج العهد القديم عن هذا التصور السليم للملائكة فوصفهم بما ينافى طبيعتهم وصورهم بما لا يليق في حقهم وقد نفي الله عزوجل ما ألصقه بهم من أمور مخالفة لطبيعتهم فقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ (٢). هذا وقد تناول النقاد المسلمون- فترة البحث- نقد هذه العقيدة على سبيل الإجمال مستدلين بالنصوص التي تحمل تصورات خاطئة عن الملائكة وتنوعت تعليقاتهم ووقفاتهم مع هذه النصوص ومن الملاحظ على تلك الردود النقدية لما تحتويه النصوص من مخالفات أنها لم تتعرض لما ذكره العهد القديم من صفات حسنة للملائكة باستثناء أ/ سميرة عبد الله بناني فقد انفردت من بين النقاد بذلك الجهد المتميز فعرضت للتصور السليم عن الملائكة في العهد القديم ولم تغفله ثم عرضت الانحراف الذي حدث لهذا التصور وهذا يتضح التناقض وتظهر المخالفة. ومن تلك النصوص التي أوردتها ويفهم منها إقرار اليهود للملائكة: - "وإذا بملاك قد مسه وقال قم وكل" (٣). - "قد رأيت الرب جالسًا على كرسِيِّه وكل جند السماء وقوف لديه عن يمينه وعن يساره" (٤). - "باركوا الرب يا ملائكته المقتدرين قوةً، الفاعلين أمره عند سماع صوت كلامه" (٥). - "فكان عند صعود اللهيب عن المذبح نحو السماء، أن ملاك الرب صعد في لهيب المذبح" (٦) وغير ذلك من الآيات التي تثبت اعتراف العهد القديم وإقراره بوجود الملائكة ثم عرضت بعد ذلك ما وقع فيه العهد القديم من انحراف في عقيدة اليهود في الملائكة ويمكن طرح ما ذهب إليه النقاد من رؤىً نقدية حول هذه القضية (الملائكة والجن) تحت النقاط التالية: ١.حاجة لملائكة للأكل والراحة. ٢. نسبة الملائكة لله تعالى. ٣. نسبة الشر إلى جبريل "أمين الوحي" ﵇. ٤. القدرة على التشكل والظهور. ٥. الجن والشياطين.

стр. 146

١ - الحاجة إلى الأكل والشرب والراحة: تنوعت تعليقات النقاد من علماء المسلمين على وصف العهد القديم للملائكة بأنهم يأكلون ويشربون ويحتاجون إلى الراحة على النحو التالي: يقول ل /أحمد عبد الوهاب: (يدعي كتبة الأسفار أن الملائكة قد أكلت من طعام إبراهيم ﵇ ويؤكد ما يقول بما ورد في سفر التكوين: "فرفع عينيه ونظر وإذا ثلاثة رجال واقفين لديه ... فلما نظر ركض لاستقبالهم ... وقال: ليؤخذ قليل ماء واغسلوا أرجلكم واتكئوا تحت الشجرة ... فآخذ كسرة خبز فتسندون قلوبكم ثم تجتازون ... هكذا نفعل كما تكلمت ... وإذا كان هو واقفا لديهم تحت الشجرة أكلوا" (١)) (٢). ويعلق د/ المطعني، على هذه الفرية وينتقد ما تقول التوراة طارحًا بعض الافتراضات الجدلية استدراجًا لهذا الزعم ليصل به إلى مؤدى نظرته النقدية وهو بطلان ما تدعيه التوراة في تصورها عن الملائكة فيقول: (إذا وضعنا في الاعتبار وصف التوراة للملائكة بأنهم يأكلون ويشربون، فالتوراة كاذبة خادعة وإذا وضعنا في الاعتبار وصفها إياهم بأنهم لا يأكلون ولا يشربون فالتوراة صادقة ولكنه صدق غير خالص مادام النص القاضى بأكلهم وشربهم موجودًا فيها موصوفًا بأنه نص مقدس غير محرف ولا مزور وتبقى بعد ذلك كله معرة التناقض وهي معرة لا يحملها هذا النص وحده بل نصوص كثيرة غيره في التوراة) (٣). ثم يختم د/ المطعني كلامه عن هذه القضية مقررًا بطلانها وتردى التوراة إلى الهاوية السحيقة بإسنادها الأكل والشرب إلى الملائكة فهي كاذبة في هذا الإدعاء لأن الملائكة لا يأكلون ولا يشربون (٤). وأرجع ل /عبد الوهاب الكلام السابق (أكل الملائكة من طعام إبراهيم كما تدعى التوراة) إلى سببين رئيسيين هما: أولًا: جموح خيال كتبة الأسفار عند حديثهم عن بدء الخليقة. ثانيًا: اقتباسهم من الأساطير التي تقول بحدوث تزاوج وإنجاب نسل بين الملائكة - الذين دعوهم أبناء الله وبين الفتيات الجميلات من بنات حواء واستدل بما جاء في سفر التكوين: "وحدث لما ابتدأ الناس يكثرون على الأرض ولد لهم بنات أن أبناء الله رأوا بنات الناس أنهن حسنات، فاتخذوا لأنفسهم نساء من كل ما اختاروا، وبعد ذلك أيضًا إذ دخل بنو الله علي بنات الناس وولدن لهم أولادًا هؤلاء هم الجبابرة الذين منذ الدهر ذوو اسم (٥) " (٦).

стр. 147

التناقض في هذه القضية "أكل الملائكة من طعام البشر ": وقد وقع التناقض في التوراة بين هذه القصة وبين قصة أخرى وقد أبرز د/ المطعني هذا التناقض عندما ذكر قصة أخرى توضح أن الملائكة رفضت أن تأكل من جدي معزي "منوح" (١): فقال منوح لملاك الرب: دعنا نعوقك ونعمل لك جدي معزي؟ فقال ملاك لمنوح: ولو عوقتني لا آكل من خبزك" (٢). فيقول د/ المطعني: (إن التوراة -هنا- تقول أن ملاك الرب رفض أن يأكل من جدي معزي منوح وهذا صدق على فرض أن هذه القضية وقعت فعلًا فإذا كانت الملائكة لا تأكل فماذا يصنع برواية سفر التكوين في ضيف إبراهيم من الملائكة- الذين أكلوا- على زعم الرواية- العجل والخبر والزبد واللبن (٣) فمن أي الروايتين يستقى طالب الإيمان عقيدته في الملائكة من نصوص التوراة المقدسة؟، أهم يأكلون؟ أم هم لا يأكلون؟ أليس هذا تناقضًا في نصوص يدّعون قداستها؟! والنصوص المقدسة لا تعرف إلى التناقض سبيلًا، ولكن هذه هى طبيعة التوراة حق يضيع بين ركام الباطل) (٤). وبعد أن ذكرت الباحثة/ سميرة عبد الله نصًا يقول ذهب الملكان إلى لوط ﵇ وأكلا عنده وكذلك يطلبان الراحة لولا تجمع القوم على منزل لوط يطالبون ضيفيه (٥) علقت عليه قائله: يتضح من هذا النص تعب لملائكة وحاجتهم للاستراحة والاغتسال وجوعهم وأكلهم مع الإله فهل يتصور العقل السليم حاجة الإله إلى الأكل والشرب والاغتسال والراحة؟ فإن تصورته اليهود هنا هكذا كما تصورته في استراحة الرب سابقًا ... فلا عجب في أن يتصوروا حاجة الملائكة إلى ذلك أيضًا (٦). وعلى هذا: فوجود التناقض في قضية ما كفيل ببطلانها وردها.

стр. 148

٢ - نسبة الملائكة لله تعالى: وقبل أن تنتقد الباحثة/ سميرة عبد الله. نسبة الملائكة لله تعالى تقول: تنسب التوراة في سفر التكوين لله تعالى ذرية من الملائكة هبطت إلى الأرض وتزوجت من نساء الأرض وتناسل منهم الجبابرة والنص يقول: "وحدث لما ابتدأ الناس يكثرون على الأرض وولد لهم بنات إن أبناء الله أو بنات الناس أنهن حسنات، فاتخذوا لأنفسهم نساءً من كل ما اختاروا ... وبعد ذلك أيضًا إذ دخل بنو الله علي بنات الناس وولدن لهم أولادًا هؤلاء هم الجبابرة الذين منذ الدهر ذوو اسم (١)، فالملائكة هى التي تلقب بأبناء الله عند اليهود كما رأينا سابقًا، ويتردد هذا اللقب في مواضع كثيرة (٢). وفي نقدها تقول: (وهنا نلمس انحراف عقيدة اليهود في الملائكة فيما ينسبونه لهم من الذكوريه والزواج والتناسل وهذا أمر لا يعقل وليس ثمة دليل عليه من الوحي الذي هو المصدر الوحيد لمعرفة الغيب وأحوال الكائنات الغائبة عنا كالملائكة كما أن هذا الوصف يتعارض مع الهدف الذي خلق الله الملائكة لأجله رسلا وجنودا وسفرة له إلى الإنس والجن) (٣). ويعلق ل/ أحمد عبد الوهاب على هذه الدعوى بقوله: وقد زل قلم كتبة الأسفار حين جعلوا الملائكة أبناء الله فهذا سفر أيوب يحكي عن مجمع مقدس في حضرة رب السماء والأرض سبحانه - حضره الشيطان مع الملائكة - وجرت فيه كوميديا إلهية تقول بعض نصوصها (٤): "كان ذات يوم أنه جاء بنو الله ليمثلوا أمام الرب، وجاء الشيطان أيضًا في وسطهم فقال الرب للشيطان من أين جئت ... فأجاب الشيطان الرب وقال من الجولان في الأرض ومن التمشى فيها" (٥). وإضافة إلى ما سبق ورغم وجود هذا التناقض في قصة إبراهيم ﵇ ومنوح وما قيل عن إطعام الملائكة وتزاوجهم مع البشر واعتبارهم أبناء الله والخلط بينهم وبينه - سبحانه - إلا أنه قد ورد في التوراة نصوص تؤكد ظهور الملائكة في صورة بشر وإمكان رؤية الصالحين لهم (٦).

стр. 149

٣ - نسبة الشر إلى أمين الوحي "جبريل ﵇ -: وقد ذكر د/ بدران، افتراء العهد القديم على الملائكة وخاصة "أمين الوحى جبريل ﵇ فقال النبى ميخا ما نصه: "قد رأيت الرب جالسًا على كرسيه ... وكل جند السماء وقوف لديه ... عن يمينه وعن يساره فقال الرب من يغوى "آخاب" (١) فيصعد ويسقط في "راموت جلعاد" (٢) فقال هذا هكذا. وقال ذاك هكذا ثم خرج الروح ووقف أمام الرب وقال: أنا أغويه فقال الرب بماذا؟ فقال: "الروح الأمين" أخرج وأكون روح كذب في أفواه جميع أنبيائه فقال الرب: "إنك تغويه وتقدر ... فاخرج وافعل هكذا" (٣). ثم ينتقد د/ بدران هذا النص بقوله: إنه تجديف (٤) على الأنبياء وعلى الروح الأمين وتجديف على الله نفسه ولكن هل الروح الأمين وهو كبير الملائكة وزعيمهم يفعل الشر؟ أتفعل الملائكة الشر؟ فما فائدة إبليس وأعوانه إذن؟ (٥). وذكرت الباحثة/ سميرة عبد الله. ما يدل على وصف الملائكة بالفساد والشر في سفر المزامير: "أرسل عليهم حمو غضبه سخطًا ورجزًا وضيقًا جيش ملائكة أشرار (٦) وتقول الملائكة ليست فيهم أشرار ولا عصاة فيقول تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٧) (٨).

стр. 150

٤ - القدرة على التشكل والظهور: قدم د/ عبد الوهاب المسيري. رؤية نقدية حول تطور مفهوم الملائكة في النص التوراتي وتَحوُل هذا المفهوم عبر تاريخ بني إسرائيل فيقول: يظهر الملائكة في الأجزاء الأولى من العهد القديم على هيئة بشر وهم يضطلعون بوظائف عديدة من بينها حماية العبرانيين أثناء خروجهم من مصر وأثناء تحولهم إلى البرية ... كما أنهم يقومون بعقاب المذنبين مثلما فعلوا عند تحطم "سدوم (١) " وعموراه" (٢) وهم يحيطون بالعرش الإلهي، ومنهم أيضًا الجوقة التي تسبح للإله ومن أحداث العهد القديم حادثة الصراع بين يعقوب والملاك الذي ظهر فيما بعد أنه الإله ... وغير ذلك من الحوادث التي ظهر فيها الملائكة وبعد العودة من السبي البابلى ترسخ مفهوم الملائكة في العقيدة اليهودية وأصبح للملائكة أسماء وطبقات وقد تزايد عددهم وتزايدت أسماؤهم في كتب الرؤى وظهرت فكرة رئيس الملائكة ... ومع هذا فقد استمرت بعض الفرق مثل "الصدوقيين" (٣) في إنكار الملائكة وهو جزء من إنكارها لفكرة البعث والإله المتجاوز للطبيعة والتاريخ (٤). وظهور الملائكة على هيئة البشر أمر وارد في الإسلام كظهورهم لنبي الله إبراهيم ﵇ على هيئة البشر بدليل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٥)﴾ (٦).

стр. 151

٥ - الجن والشياطين: انفرد د/ المسيري، بتقديم رؤية نقدية توضح مفهوم الجن والشياطين في العهد القديم فيقول: توجد في العهد القديم إشارات عديدة إلى كائنات خرافية قد تكون خيرة أو شريرة حسب الوظيفة إلى تقوم بها ومن هذه الكائنات الشياطين وأهمها ليل وعزازيل فأما ليل (ليليت) في التراث اليهودي الشعبي ... وهي شيطانه الليل والظلام ... وقد ذكرت في العهد القدم بشكل عابر في سفر أشعياء (٣٤/ ١٤) باعتبارها إحدى الأرواح وأحد الوحوش المفترسة التي ستدمر الأرض في آخر الأيام أما "عزازيل" روح شريرة أو شيطان اسمه في العهد القديم في سفر اللاويين (١٦/ ٨، ١٠، ٢٦) وهو أحد قواد الملائكة الذين سقطوا من السماء ويعيش عزازئيل حسب الرؤية اليهودية القديمة في البرية بالقرب من أورشليم وله تقدم القرابين في يوم الغفران (١). ومن خلال الرؤى النقدية المتنوعة لعلماء المسلمين حول عقيدة اليهود في الجن والملائكة يتضح التالي: ١ - تناقض التوراة فيما تذهب إليه من نسبتها الأكل والشرب في موضع ونفيها عنهم الأكل والشرب في موضع آخر. ٢ - وصف الملائكة في العهد القديم بأنهم أبناء الله وحدوث التزاوج والتناسل بينهم وبين البشر أمر لا يقبله عقل وهو محض افتراء. ٣ - العهد القديم يصف الملائكة بأنهم يفعلون الشر وهو كذب وتلفيق وإذا كان الأمر كذلك فما فائدة شياطين الانس والجن. ٤ - تطور مفهوم الجن والملائكة في العهد القدم يعطي رؤية واضحة لما وقع فيه من التحريف والتبديل على مر العصور. ٥ - الإيمان بالملائكة ركن أساسى من أركان الإيمان, وإنكار وجودهم خروج عن التصور الصحيح لقواعد الإيمان, وبالتالي فإن وصف كتبة العهد القديم لهم بأنهم بنات الله، خروج عن أصول الإيمان وكفر وضلال مبين، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (٢).

стр. 152

المبحث الثالث نقد موقف العهد القديم من الكتب المقدسة لقد أثبت علماء المسلمين - فترة البحث - انحراف اليهود في عقيدة الإيمان بالكتب المقدسة، فالدكتور / عبد الراضي محمَّد في كتابه "التطرف اليهودي" تأتي وقفته النقدية لتوضح مدى التطرف في الكتب المقدسة بطريقة منهجية وقد أكد نقده ببيان وجهة نظر النقاد من أهل الكتاب ليكون ذلك حجة قوية عليهم في إثبات التحريف الذي يزعمون عدم وجوده في كتبهم. فيقول: أنزل الله ﵎ على رسله الذين أرسلهم إلى بنى إسرائيل كتبا لهدايتهم وإرشادهم، وذلك كصحف إبراهيم وزبور داود وتوراة موسى وإنجيل عيسى عليهم الصلام آجمعين وقد تطرف اليهود في تلك الكتب واتخذ تطرفهم ثلاثة محاور: أولها: إنكار بعض الكتب وتكذيبه كما فعلوا مع الإنجيل والقرآن. الثاني: تحريف بعضها الآخر وذلك كما فعلوا في التوراة وكتب الأنبياء "العهد القديم". الثالث: ابتداع كتب جديدة والزعم أنها من عند الله كالتلمود (١). ولقد أسهمت الدراسات النقدية لعلماء المسلمين - فترة البحث - في تفصيل هذه المحاور الثلاثة وتفنيد هذه العقيدة من خلال الأمور التالية: ١ - المقابلة بين النسخ المتعددة. ٢ - الاستناد إلى النصوص التي تؤكد أن اليهود غير مأمونى الجانب على ما في أيديهم من كتب. ٣ - الاسترشاد بآراء النقاد من أهل الكتاب مما يشكل حجة قوية عليهم. المحور الأول: إنكار الإنجيل والقرآن وتكذيبهما: بداية تأتى محاولة الباحثة / سميرة عبد الله في دراستها النقدية للمحور الأول وهو موقف اليهود من - الإنجيل والقرآن - لتؤكد ما قرره علماء المسلمين من أن اليهود يؤمنون بأسفار أنبيائهم الذين جاءوا بعد سيدنا موسى ﵇ أما ما أَنزل على سيدنا عيسى وسيدنا محمَّد صلي الله عليه وسلم فلا يعترفون بها (٢).

стр. 153

وبينت في دراستها مدى الارتباط الوثيق بين الإيمان بالرسل وبين ما أنزل الله عليهم من كتب فتقول: (إيمان اليهود بالإنجيل والقرآن الكريم المنزلين بعد التوراة كما هو ثابت بالنص الإلهى القاطع في القرآن الكريم، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بموقفهم من الرسولين الكريمين المنزلين عليهما وهما سيدنا عيسى وسيدنا محمد عليهما أفضل الصلاة والتسليم فلما كانت اليهود لا تؤمن بنبوتهما ورسالتيهما مع إعلان الحقد والكره والعداوة لهما ولأتباعهما لذا فهم ينكرون الإنجيل والقرآن الكريم) (١). وبناءً على ذلك يقول أ/ أحمد إدريس. عن موقف اليهود من العهد الجديد: (اليهود يؤمنون بأن العهد القديم أو التوراة وحدها هي كلام الله ولا يعترفون بالعهد الجديد أما المسيحيون فيعتبرون العهد القديم كتاب الشريعة والعهد الجديد عهد الفضل والكفارة) (٢). ويلاحظ أنه لم يكتف اليهود بإنكار الإنجيل المنزل على سيدنا عيسى ﵇ ورفضه كرسول وعدم الاعتراف به فحسب، بل عمدوا إلى الأناجيل الحاضرة وحرفوها إضافة للتحريف الذي أحدثه بولس اليهودي في النصرانية حيث قلبها رأسًا على عقب نكاية في المسيحيين وكراهية لهم. فقد برهن ل/ أحمد عبد الوهاب في كتابه: "إسرائيل حرفت الأناجيل" على ما فعلته إسرائيل في الأناجيل الحاضرة وأوضح أنها حرفتها لتخدم أغراضها وتساندها في سلوكها وتصرفاتها في الوقت الحاضر وقد اتبع في ذكره للتحريفات النقد العلمي القائم على: ١ - المقابلة بين النسخ: فقد قابل بين النسخة المعتمدة من الأناجيل وبين النسخة الإسرائيلية إلى حرفها اليهود. ٢ - إظهار التحريفات المتعلقة باليهود ومزاعمهم. فقد ركز في نقده على إظهار أوضح التحريفات التي لها صلة مباشرة باليهود ليدلل على ما يخدم الغرض الموضوع من أجله الكتاب وهو "اختراع أسطورة السامية وعدم معاداة اليهود. ٣ - التفصيل بعد الإجمال وسار في سرده للتحريفات على الطريقة الاجمالية في ذكر ما تشتمل عليه الترجمة من تحريفات في كل إنجيل على حدة فأحصي عددها الإجمالي ثم فصل القول في بعض النماذج من هذه التحريفات. وهو في نقده هذا يكشف المخططات اليهودية التي تهدف إلى الحفاظ على الهوية اليهودية والتميز العنصري للشعب اليهودي فجاء نقده في هذا الكتاب نقدًا مبنياً على أسس علمية واضحة. وقد التزم فيه بالحيدة التامة والموضوعية. وقال إن عملية التحريف سارت على خطة عامة منها ما يلي (٣):

стр. 154

١ - محو كلمة "يهود" من أسفار العهد الجديد واستبدالها بكلمات أخرى مثل مواطنى ولاية اليهودية - وفيهم اليهود وغير اليهود -؛ واستبدلوها بكلمة "الرعاع" أو المنعزلين أو العامة. ٢ - محو ما يتعلق بالشعب اليهودي باعتباره جماعة دينية ترتبط بـ "الناموس" و "المجمع" ويقوم على رأسها "الشيوخ" "ورؤساء الكهنة". ففى النسخة الإسرائيلية نجد "الناموس" قد استبدل بـ "الكتاب المقدس" واستبدل "المجمع" بالمحكمة، والشيوخ بالمتشرعين، ورؤساء الكهنة بالقسس أو الكهنة. ٣ - التخلص من كلمة "الصلب" وما يشتق منها واستبدلوا كلمة "صلبه" بكلمة خذه أو أبعده أو انفه أو "شنقه". ٤ - محو الفقرات التي تلقى مسئولية دم يسوع على اليهود وأولادهم من بعدهم واستبدالها بكلمات أخرى تحمِّل المصلوب وزر دمه المراق. ٥ - تحميل الرومان مسئولية حادث الصلب بعد تخليص اليهود منه، وذلك بتحريف الفقرات التي تلصق تلك المسئولية باليهود أو بالشعب اليهودي وإلصاقها بالحاكم الروماني بيلاطس (١). وغير ذلك من الأمور إلى ساقها ل/ أحمد عبد الوهاب. أما أ/ مصطفي السعدني في كتابه "الفكر الصهيوني والسياسة اليهودية" قد أرجع سبب فشل اليهود في حمل رسالة التوحيد إلى العالم بسبب أنانيتهم وفهمهم الخاطئ للألوهية وأنهم يعتبرون أنفسهم أمة متميزة عن باقي الأمم والإله لهم وحدهم دون غيرهم، وقد فشلوا مرد ثانية بسبب عصيانهم المتكرر وتمردهم فعوقبوا بالتشرد في أنحاء العالم ومن أسباب فشلهم أيضًا رفضهم رسالة السيد المسيح ﵇ (٢). يوم صرخ اليهود أمام بيلاطس قائلين: "ليس لنا ملك إلا قيصر" (٣) ويوم أن قالوا: "دمه علينا وعلى أولادنا" (٤). حكموا على أنفسهم بالهلاك وتحقق قول الإنجيل: "هو ذا بيتكم يترك لكم خرابا" (٥). ورفضهم لرسالة المسيح بالطبع يترتب عليه رفض الكتاب الذي أنزله الله عليه. فاليهود لم يعترفوا بسيدنا عيسى ﵇ كرسول وبالتالي لم يعترفوا بما أنزل عليه من عند الله أما عن موقف اليهود من القرآن الكريم: فالدكتور / المطعني في كتابه: "افتراءات المستشرقين". بين مزاعم اليهود حول القرآن فعرض مقولتهم الباطلة ثم نقدها نقدًا علميًا قائمًا على: ١ - المقابلة بين أصول الإيمان في التوراة والإنجيل والقرآن. ٢ - نقد بعض الأجزاء التشريعية مثل الربا وغيرها. ٣ - المقابلة بين القصص النبوي في التوراة والإنجيل والقرآن.

стр. 155

فيقول: إنهم يقولون: إن القرآن صياغة جديدة لما ورد في التوراة أو العهد القديم ولما ورد في الإنجيل (الأناجيل) أو العهد الجديد ومعنى هذا عندهم أن القرآن الكريم ليس له مصدر سماوي مستقل، ويقولون إن سيدنا محمدًا ﷺ استقى فكرة القرآن من أهل الكتاب يهودًا ونصارى (١). ثم ينتقد د/ المطعني هذه الأوهام ويفندها بناءً على المعايير السابقة فيقول: مهما يكن من أمر فإن دعوى المستشرقين هذه محض افتراء وأدلة زيفها وبطلانها أكثر من أن تحصى منها: أن واقع القرآن يختلف تمامًا عن واقع التوراة والإنجيل وتفصيل ذلك على سبيل المثال: في أصول الإيمان يختلف القرآن عن كل من التوراة والإنجيل في عقيدة التوحيد فهي في القرآن الركيزة الأولى والله فيها موصوف بكل كمال ومنزه عن كل نقص وقد مر اليهود في حياتهم بمرحلتين كانوا في الأولي موحدين وفي الثانية مشركين ودلالة ذلك في التوراة تسمية الله "إلوهيم" جمع "إله" وقد مر تفصيل ذلك في المبحث الأول من هذا الفصل. والقرآن لا يفرق بين الرسل في وجوب الإيمان بهم وبما أنزل عليهم من حيث المبدأ واليهود لا يؤمنون إلا برسلهم، والقرآن يدعو إلى الإيمان باليوم الآخر في معظم سوره والعمل له والتوراة تخلو تمامًا من هذه العقيدة - باستثناء بعض الإشارات إليه كما سيأتي تفصيل ذلك في مبحث عقيدة الإيمان باليومِ الآخِر - وغيرِ ذلِكَ مِن القضايا (٢) وعقيدة التوحيد في الأناجيل معدومة فالله عندهم ثلاثة، ونسبوا لله سبحانه الصاحبة والولد وجردوه من سلطان الألوهية ووضعوا ذلك السلطان في يد عيسى عبد الله ورسوله وفي بعض الأناجيل وصف للرسل الذين سبقوا عيسى ﵇ بأنهم لصوص وقتلة والإيمان النصراني يفرق بين الرسل فيؤمن ببعض ويكفر ببعض فكيف يستقيم القول بأن القرآن صياغة جديدة للتوراة والإنجيل صاغه سيدنا محمد ﷺ من المعلومات إلى تلقاها عن أهل الكتاب (٣). أما عن التشريع فإن الأناجيل تكاد تخلو منه لأنها عبارة عن تصوير حياة المسيح من خلال وجهة نظر كاتبيها، والتشريع التوراتي لا صلة له بالتشريع القرآني مثل الربا فهي حرام فيما بينهم حلال إذا أخذوها من غيرهم وفي القرآن الربا محرمة بجميع صورها حتي ولو كان التعامل بين المسلم ويهودي أو نصراني أو غيرهما والقصص القرآني يتشابه مع القصص التوراتي في بعض الأمور إلا أنه يختلف عنه كثيرا فهو بين النقص تارة والاضطراب تارةً أُخرى (٤).

стр. 156

المحور الثاني: تحريف التوراة وكتب الأنبياء "العهد القديم ": في هذه القضية يكاد يتفق جميع علماء المسلمين في الماضي والحاضر على أن اليهود قد حرفوا الكتب إلى بين أيديهم وقالوا إن التحريف بقسميه اللفظي والمعنوي واقع في التوراة وكتب الأنبياء "العهد القديم" وفي الصفحات التالية أعرض للمحاولات النقدية لبعض علماء المسلمين - فترة البحث - حول هذه القضية ويبرز في مقدمة هذه الجهود القيمة ما قام به العلامة رحمة الله الهندي بصورة موسعة وموثقة بالشواهد من العهد القديم التي تثبت وقوع التحريف فيه وقد سبقه في ذلك أيضًا - من علماء فترة البحث - شيخ الإسلام ابن تيميه وتلميذه ابن القيم وجهودهما في إثبات التحريف تتميز بالمحاورات العقلية الرائعة مما يدل على عمق الفهم وبراعتهما في إثبات ما ورد في الكتاب المقدس من تحريف. ولقد ادعى اليهود عدم تحريف الكتب المنزلة السابقة وكان لشيخ الإسلام ابن تيميه جهدًا قيمًا يتميز بالبلاغة والإيجاز في الرد على هذه الدعوى التي تبناها أهل الكتاب فقام بتنفيذها عن طريق الجدل الهادف البناء والحوار العقلى المنطقي المستقى من وجهة النظر الإسلامية مع تأكيد هذا الحوار الجدلي بالمقدمات المنطقية السليمة إلى تؤدي إلى بطلان الدعوى ثم يستدل على صحة ما يقول بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية فيقول ﵀: (إذا عرف أن جميع الطوائف من المسلمين واليهود والنصارى يشهدون أنه قد وقع في هذه الكتب تحريف وتبديل في معانيها وتفسيرها وشرائعها فهذا القدر كاف ... والمسلمون يثبتون بالدلائل الكثيرة أنهم - اليهود - بدلوا معاني التوراة والإنجيل والزبور وغيرها من نبوات الأنبياء وابتدعوا شرعًا لم يأت به المسيح، ولا غيره ولا يقوله عاقل مثل زعمهم أن جميع بني آدم من الأنبياء والرسل وغيرهم كانوا في الجحيم في حبس الشيطان لأجل أن أباهم آدم أكل من الشجرة وأنهم إنما تخلصوا من ذلك لما صلب المسيح) (١). ثم يرد على هذا الزعم بقوله: وآدم ﵇ وإن كان أكل من الشجرة - فقد تاب الله عليه واجتباه وهداه فقال تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ (٢) وقال تعالى أيضًا: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٣) وليس عند أهل الكتاب في كتبهم ما ينفى توبته، وإنما قد يقول قائلهم إنا لا نعلم أنه تاب أو ليس عندنا توبته وعدم العلم بشىء ليس علماً بعدمه، وعدم وجود الشيء في كتاب من كتب الله لا ينفى أن يكون في كتاب آخر ففي التوراة ما ليس في الإنجيل وفيهما ما ليس في الزبور وفي الإنجيل والزبور ما ليس في التوراة، وفي سائر النبوات ما لا يوجد في هذه الكتب. والقرآن لو كان دون التوراد والإنجيل والزبور والنبوات أو كان مثلها لأمكن أن يكون فيه ما ليس فيهما، فكيف إذا كان أفضل وأشرف وفيه من العلم أعظم مما في التوراة والإنجيل وقد بين الله تعالى فضله عليهما في غير موضع كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ (٤)﴾ (٥).

стр. 157

ويري شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: أن التبديل والتحريف إنما وقع في باب الأخبار إذ لا مانع من وقوع ذلك إنما الممتنع في رأيه أن يكون التحريف في باب الأمر والنهي (١). وكذلك الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، رفض القول بتبديل التوراة كلها والاستهانة بها كما رفض القول بامتناع ذلك فيها بقوله: والحق أحق ما اتبع، فلا تغلو غلو المستهينين بها المتمسخرين فيها بل معاذ الله من ذلك ولا نقوك إنها باقية كما أنزلت من كل وجه كالقرآن (٢)، ضم بعد أن ذكر الأحداث التي مرت بها التوراة المنزلة على سيدنا موسى ﵇ من عند الله تعالى يوضح نقطة في غاية الأهمية وهي أن: (علماء اليهود وأحبارهم يعتقدون أن هذه التوراة إلى بأيديهم ليست هى إلى أنزلها الله تعالى على سيدنا موسى ﵇ بعينها لأن موسى ﵇ صان التوراة عن بني إسرائيل خوفًا من اختلافهم من بعده في تأويلها المؤدي إلى تفرقهم أحزابًا وإنما سلمها لعشيرته أولاد لآوى قال: ودليل ذلك قول التوراة ما هذه ترجمته: "وكتب موسى هذه التوراة ودفعها إلى أئمة بني لآوي" (٣). ويذكر الإمام ابن القيم: أن اليهود هم الذين حرفوا التوراة وبدلوا فيها حروفًا كثيرة فقال: واليهود تقر أن السبعين كاهنا اجتمعوا على اتفاق من جميعهم على تبديل ثلاثة عشر حرفًا من التوراة وذلك بعد المسيح في عهد القياصرة الذين كانوا تحت قهرهم حيث زال الملك عنهم ولم يبق لهم ملك يخافونه ويأخذ على أيديهم" (٤). ثم أقام الحجة عليهم بقوله: (ومن رضي بتبديل موضع واحد من كتاب الله، فلا يؤمن منه تحريف غيره؛ واليهود تقر أيضًا أن السامرة حرفوا مواضع من التوراة وبدلوها تبديلاً ظاهرًا وزادوا ونقصوا والسامرة تدعي ذلك عليهم) (٥). ثم ذكر الإِمام ابن القيم في كتابه هداية الحيارى ما يدل على أن التوراة التي بأيديهم - أي اليهود - فيها من التحريف والتبديل وما لا يجوز نسبته إلى الأنبياء ما لا يشك فيه ذوو بصيرة، والتوراة إلى أنزلها الله على موسى ﵇ بريئة (٦) من ذلك وسوف يتضح ذلك في مبحث عقيدة اليهود في النبوة والأنبياء. ثم انتهي من سرد بعض التحريفات في التوراة إلى حقيقة هامة وهي: أن التوراة إلى بأيديهم ليست هى التوراة المترلة من عند الله .

стр. 158

أما العلامة رحمة الله الهندي قد تناول قضية التحريف في العهد القديم بالشرح والبيان وبين أن التحريف قسمان لفظي ومعنوى وقال إن القسم الثاني لا نزاع بيننا وبين المسيحيين فيه لأنهم يسلمون صدوره عن اليهود في العهد العتيق في تفسير الآيات، الشيخ هي إشارة في زعمهم إلى المسيح، وفي تفسير الأحكام إلى هى أبدية عند اليهود، أما القسم الأول ينكره علماء البروتستانت إنكارًا شديدًا (١). والملاحظ على المؤلفات النقدية لعلماء المسلمين أنها قد استفادت كثيرًا من الطريقة النقدية التى قام بها العلامة الهندي في إظهار الحق ولا أكون مبالغًا حينما أقول إن معظم العلماء في العصر الحاضر يعتمدون عليه في أغلب القضايا لا سيما قضية التناقض والتحريف فهو المرجع الذي لا غني عنه للباحثين في الأديان. وأمام إنكار علماء البروتستانت للتحريف اللفظي في العهد القديم والجديد قد اجتهد العلامة رحمة الله الهندي في إثبات وجوده في الكتاب المقدس بقسميه الزيادة والنقصان وقد اتبع في نقده: أولًا: طريقة المقابلة بين النسخ التعددة والمعتبرة عند اليهود والنصارى: وقال إن النسخ المشهورة للعهد العتيق عند أهل الكتاب ثلاث نسخ: ١ - العبرانية وهي المعتبرة عند اليهود وجمهور علماء البروتستانت. ٢ - اليونانية وهي الشيخ كانت معتبرة عند المسيحيين إلى القرن ١٥ من القرون المسيحية. ٣ - السامرية وهي المعتبرد عند السامريين وهذه النسخة هى النسخة العبرانية لكنها تشتمل على سبعة أسفار من العهد العتيق فقط (٢). ثانيًا: الاستشهاد بما يقوله النقاد الغربيون من تعليقات نقدية على النصوص: وعن طريق المقابلة بين هذه النسخ في النص الواحد في قضية ما من بين القضايا المتعددة في العهد القديم يظهر التحريف جليًا سواءً أكان هذا التحريف بتبديل الألفاظ أم بزيادتها ونقصانها. وقد أورد العلامة رحمة الله الهندي في كتابه ما يدل على وجود التحريفى اللفظي بالتبديل في التوراة فذكر إحدى وثلاثون شاهدًا على ذلك أذكر منها بعض الأمثلة خشية الإطالة: ١ - في العبرانية نص يقول: "فإذا عبرتم الأردن فانصبوا الحجارة التي أنا اليوم أوصيكم في جبل عيبال وشيدوها بالجص تشييدًا" (٣). وهو في النسخة السامرية يقول: "فانصبوا الحجارة التي أنا اليوم أوصيكم في جبل جرزيم" (٤)، وعيبال وجرزيم جبلان متقابلان كما يفهم من الآية ١٢، ١٣ من الإصحاح ٢٧ تثنية وكما يفهم من الآية ٢٩ من الإصحاح ١١ من تثنية - فيفهم من النسخة العبرانية أن موسى ﵇ أمر ببناء الهيكل أعني المسجد على جبل عبيال ومن النسخة السامرية أنه أمر ببنائه على جبل جرزيم وبين اليهود والعبرانيين والسامريين سلفًا وخلفًا نزاع مشهور وتدعي كل فرقة منهما أن الفرقة الأخرى حرفت التوراة في هذا المقام وكذلك علماء البروتستانت" (٥).

стр. 159

٢ - النص في العبرانية يقول: "ونظر بئرًا في الحقل وثلاثة قطعان غنم رابضة عندها لأن من تلك البئر كانت تشرب الغنم وكان حجر عظيم على فم البئر فقالوا ما نستطيع حتى تجتمع الماشية" (١) فقد حدث تحريف في لفظيّ قطعان غنم، الماشية والصحيح لفظ الرعاة بدلهما كما في النسخة السامرية واليونانية والترجمة العربية (٢). ٣ - وقع في أخبار الأيام الأول ٩/ ٣٥ في النسخة العبرانية "وكان اسم أخته معكاة" والصحيح أن يكون لفظ الزوجة بدل الأخت (٣). وقد استدل العلامة رحمة الله الهندي على ذلك بما قاله بعض مفسري الكتاب المقدس حيث قال: وقع في النسخة العبرانية لفظ الأخت، وفي اليونانية واللاتينية والسريانية لفظ الزوجة وتبع المترجمون هذه التراجم (٤). أما عن إثبات وجود التحريف بالزيادة في العهد القديم فقد ذكر العلامة الهندي ستة وعشرون شاهدًا على وجود هذا النوع من أنواع التحريف اللفظى في العهد القديم منها: ١ - وقع في سفر التكوين ٢٢/ ١٤ زيادة والنص يقول: "كما يقال في هذا اليوم في جبل الله يجب أن يتراءى الناس "ولم يطلق على هذا الجبل جبل الله إلا بعد بناء البيت الذي بناه سليمان ﵇ بعد أربعمائة وخمسين سنة من موت موسى ﵇ وقال إن هذه الجملة إلحاقية باعتراف مفسرى الكتاب القدس (٥). ٢ - جاء في الآية ٢ من سفر التثنية الإصحاح ٢٣ ما نصه: "لا يدخل ابن زنىً جماعة الرب حتى الجيل العاشر" وهذا الحكم لا يمكن أن يكون من جانب الله، وما كتبه موسى ﵇ وإلا يلزم أن لا يدخل داود ﵇ ولا آباؤه إلى فارص في جماعة الرب لأن داود بطن عاشر من فارص كما يفهم من الإصحاح الأول من إنجيل متى، وفارص ولد الزنا كما في الاصحاح الثامن والثلاثين من سفر التكوين ومفسرى الكتاب المقدس حكموا بأن هذه الألفاظ "وحتى الجيل العاشر إلحاقية" (٦). ٣ - جاء في ذيل الآية ٩/ ٤ من سفر يشوع: "إلى هذا اليوم هناك"، وأمثالها وقعت في أكثر أسفار العهد العتيق والأغلب أنها إلحاقية، فحكموا بإلحاق هذه الجملة، وإلحاق كل جملة تكون مثلها في العهد العتيق (٧). أما عن التحريف بالنقصان فقد أثبت العلامة رحمة الله الهندي - وقوعه في العهد القديم وأورد على ذلك خمسة عشر شاهدًا منها: ١ - جاء في سفر الخروج (٢/ ٢٢) ما نصه: "فولدت ابنا فدعا اسمه جرشوم لأنه قال: كنت نزيلًا في أرض غريبة" ولكن هذا النص في الترجمة اليونانية واللاتينية وبعض التراجم القديمة في آخر الآية المذكورة هذه العبارة: "وولدت أيضًا غلامًا ثانيا ودعا اسمه العازر فقال: من أجل أن إله أبي أعانني وخلصني من سيف فرعون" فقال الفسرون: لا توجد هذه العبارة في نسخة من النسخ العبرانية (٨).

стр. 160

٢ - جاء في سفر العدد (١٠/ ٦) ما نصه: "وإذا ضربتم هتافًا ثانية ترتحل المحلات النازلة إلى الجنوب. هتافا يضربون لرحلاتهم" وتوجد في آخر هذه الآية في الترجمة اليونانية هكذا "وإذا نفخوا مرة ثالثة يرفع الخيام الغريبة للارتحال وإذا نفخوا مرة رابعة يرفع الخيام الشمالية للارتحال" فالمتن العبراني هاهنا ناقص باعتراف المفسرين (١). ٣ - جاء في سفر التكوين (٧/ ١٧) في النسخة العبرانية ما نصهُ: "وكان الطوفان أربعين يومًا على الأرض" وهذه الجملة في كثير من النسخ اللاتينية وفي الترجمة اليونانية هكذا: "وكان الطوفان أربعين يومًا وليلة على الأرض" وعلى ذلك فالنص في العبرانية ناقص (٢). هذا بالنسبة للعلماء القدامى كابن تيميه وابن القيم والمحدثين كالعلامة رحمة الله الهندي أما بالنسبة للعلماء المعاصرين وكيفية تناولهم لاثبات التحريف في العهد القديم فبقراءة متأنية لما وقع تحت يدي من مؤلفات نقدية معاصرة يتضح لي من خلال الاستقراء والتتبع لتلك الجهود النقدية أن دراسة هؤلاء العلماء الأفاضل قامت على النقد العلمى في إثبات الحقائق وإقامة الحجة على من يدعى سلامة الكتاب المقدس من التحريف وإن كانت لم ترتق إلى مستوى دراسات القدامى من العلماء إلا أنها محاولات جادة وجهود قيمة في هذا الميدان من هؤلاء على سبيل المثال ل/ أحمد عبد الوهاب، د/ أحمد حجازي السقا ود/ محمد دياب ... وغيرهم. أما م/ أحمد عبد الوهاب، في كتابه: "اختلافات في تراجم الكتاب المقدس". قد سار على نهج العلامة رحمة الله الهندي في مقابلته بين النسخ والتراجم المتعددة للكتاب القدس والتي أثبت من خلالها وجود الاختلاف الواضح بين النسخ وأكد أن هناك شواهد وفيرة على أن الكتبة غيروا بقصد أو بدون قصد في الوثائق والأسفار التي كان عملهم الرئيسى هو كتابتها أو نقلها وأرجع ذلك إلى الأسباب التالية: ١ - الخطأ في القراءة أو في سماع بعض الكلمات أو في هجائها. ٢ - الخطأ في التفريق بين ما يجب فصله من الكلمات وما يجب أن يكون تركيبًا واحدًا. ٣ - النسيان أثناء النسخ "الكتابة" فقد كانوا ينسخون الكلمة أو السطر مرتين وأحيانًا ينسون كتابة كلمات بل فقرات بأكملها. ٤ - التغيير فى النص عن عمد فتغييرهم في النص الأصلي عن قصد قد مارسوه مع فقرات بأكملها حين كانوا يتصورون أبها مكتوبة خطأ في صورتها التي بين أيديهم. ٥ - الحذف أو الزيادة كما كانوا يحذفون بعض الكلمات أو الفقرات أو يزيدون على النص الأصلي فيضيفون فقرات توضيحية.

стр. 161

٦ - طول فترة الكتابة فقد طالت الفترة التي كتبت فيها النصوص الحالية ونقلتها أجيال متعددة من الكتبة والنساخ من القرن ١١ ق. م إلى القرون الأولى ق. م وأخذت صورتها النهائية في القرن الأول الميلادي. ٧ - أخطاء النساخ الذين نقلوا من ترجمة إلى ترجمة أخرى (١). ثم ذكر ل/ أحمد عبد الوهاب أمثلة على هذه الاختلافات التي وجدت في تراجم الكتاب المقدس منها: ما حدث في أول الوصايا العشر في التراجم المتعددة. تقول ترجمة الكتاب المقدس للبروتستانت: "تكلم الله بجميع هذه الكلمات قائلًا: "أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية لا يكن لك آلهة أخرى أمامي (٢) وبهذا تقول التراجم الإِنجليزية والفرنسية ولا يكن لك آلهة أخرى أمامي" لكن ترجمة الكتاب المقدس للكاثوليك وترجمة التوراة للكاثوليك تقول: "ولا يكن لك آلهة أخرى تجاهى" فإذا كان هناك داع لتعديل الترجمة التي تقول: "لا يكن لك آلهة أخرى أمامى" فلتكن: "لا يكن لك آلهة أخرى إلا أنا" وهذا يتفق مع الصيغة الفرنسية الأخيرة (٣). وبالنسبة لمحاولة د/ أحمد حجازي السقا - النقدية التي تضمنها كتابه نقد التوراة فإنه في هذا الكتاب سار على طريقة العلامة رحمة الله الهندي في الاستدلال على وقوع التحريف في التوراة فبين كيف تتم عملية التحريف خصوصًا فيما يتصل بالنص الذي يشير إلى ظهور نبي من وسط إخوتهم وأنه يكون مثل موسى ﵇ وقام بالرد على زعمهم الفاسد في تأويلهم لهذا النص بأن المقصود بهذا النبي هو المسيح الذي ينتظرونه وأنه لم يكن عيسى ﵇ ولا نبينا ﷺ ، وبين بالأدلة العقلية والنقلية أن المقصود بهذا النبى الذي يكون مثل موسى هو رسولنا صلي الله عليه وسلم ثم بين أنواع التحريف التى وقعت في العهد القديم وحسم الخلاف الذي دار بين العلماء في نوعية هذا التحريف (٤). ود/ محمد أحمد دياب، في كتابه "أضواء على اليهودية" ناقش قضية التحريف في إشارات سريعة وانتهى إلى حقيقة هامة وهي: أن التحريف اللفظى والمعنوي كلاهما واقع في التوراة، وأنها كتب غير متواترة، فالتوراة التى كتبها موسى ﵇ وأخذ العهد والميثاق على بئ إسرائيل بحفظها (٥). تقول: فعندما كمل موسى كتابة كلمات هذه التوراة في كتاب إلى تمامها أمر موسى اللاويين حاملى تابوت عهد الرب قائلًا: خذوا كتاب التوراة هذا وضعوه بجانب تابوت عهد الرب إلهكم ليكون هناك شاهدًا عليكم: لأنى عارف تمردكم ورقابكم الصُّلبة، هو ذا وأنا بعد حي معكم اليوم، قد صرتم تقاومون الرب فكم بالحري بعد موتي، اجمعوا إلىّ كل شيوح أسباطكم وعرفاءكم لأنطق في مسامعهم هذه الكلمات وأشهد عليكم السماء والأرض، ولأنى عارف أنكم بعد موتي تفسدون وتزيغون عن الطريق الذي أوصيكم به، ويصيبكم الشر في آخر الأيام, لأنكم تعملون الشر أمام الرب حتى تغيظوه بأعمال أيديكم (٦).

стр. 162

المحور الثالث: وهو ابتداع كتب جديدة والزعم أنها من عند الله مثل: "التلمود ": يحتل التلمود عند اليهود منزلة عظيمة إذ انهم يعتبرونه من قديم الزمان كتابًا منزلًا مثل التوراة ما عدا بعض المعاندين فإنهم لا يعتقدون ذلك بالطبع (١). (وتعود أهمية التلمود إلى أنه سجل للتشريعات الدينية المنظمة للحياة اليهودية فمن خلاله أخذت الجوانب الشعائرية والتشريعية الدينية شكلها النهائى واستمرت حية حتى نهاية القرن الثامن عشر الميلادي وفي مقابل الاهتمام بالنواحي الخاصة بالعبادة من طقوس وشعائر ومناسبات دينية وأحكام تشريعية فإن التلمود لم يهتم بصياغة العقائد والمفاهيم الدينية فى مصطلحات عقائدية ثابتة ومحددة ورغم ذلك فإن اليهودية التلمودية تقوم على أسس متينة من يهودية العهد القديم) (٢). ويعتبر التلمود هو المصدر الثاني للتشريع اليهودي والمصدر الأول للسياسة الصهيونية ولا يوجد منه إلا عدة مخطوطات قديمة منها التلمود البابلى- الذي جمع في بابل بالعراق سنة ٥٠٠ م - والتلمود الأورشليمي- الذي جمع بفلسطين في القرن الثاني للميلاد (٣). وخلاصة ما سبق: ١ - أن الإيمان بالكتب المنزلة من عند الله ركن أساسى من أركان الإيمان فمن آمن ببعض الكتب وكفر بالبعض الآخر فهو ضال بعيد الضلال فيقول تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (٤). ٢ - أنكر اليهود الإنجيل والقرآن ولم يعترفوا بهما مطلقًا ليثبتوا أن شريعتهم هى الشريعة الخاتمة؛ بل وامتدت أيديهم لتحريف الأناجيل لتخدم أغراضهم السياسية وغيرها، أما القرآن فقد باءت محاولاتهم نحوه بالفشل فهو محفوظ من التبديل والتحريف فيقول تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٥). ٣ - تحريف اليهود للتوراة وكتب الأنبياء عن عمد إما بالزيادة أو بالنقصان وقد أثبت علماء المسلمين وقوع التحريف اللفظي والمعنوي في التوراة وكتب الأنبياء "العهد القديم" من واقع أقوال علمائهم أنفسهم ومن خلال نظرتهم المتأنية للنصوص التوراتية ومقابلتهم النسخ بعضها ببعض. ٤ - ابتداع اليهود كتبًا جديدًة ما أنزل الله بها من سلطان مثل التلمود ولكنها من وحى عقولهم الفاسدة واتخذوها مصدرًا أساسيًا من مصادر التشريع عندهم وهو في المرتبة الثانية بعد التوراة.

стр. 163

المبحث الرابع نقد تصور العهد القديم للنبوة والأنبياء قبل الحديث عن تصور العهد القديم للأنبياء لابد من بيان حقيقة النبوة في العهد القديم وما الذي تحتمله هذه اللفظة "النبوة" من معان ومن هو النبى في وجهة نظر اليهود من خلال نصوصهم المقدسة في زعمهم. ١. حقيقه النبوة واللأنبياء عند اليهود: من أجل بيان هذه الحقيقة قد أسهم أ. د / سعد الدين صالح بإسهامات رائعة في نقد العقيدة اليهودية في النبوة والأنبياء وقد ربط في كتابه بين ما يعتقد اليهود في الإله وفي الأنبياء وبين تصرفاتهم في الماضي والحاضر فجاءت إسهاماته واقعية وموضوعية في نفس الوقت يزينها المنهج العلمى الذي سار عليه في نقده لهذه العقيدة وذلك يرجع إلى تخصصه الدقيق في الأديان فله إنتاج متميز في نقد اليهودية والنصرانية وقد بين فضيلته حقيقة النبوة في العهد القديم من خلال رؤية اليهود للنبوة وللأنبياء وأشار إلى أنهم حَمَّلوا لفظة النبوة أكثر مما تحتمل فأدخلوا تحتها ما ليس منها مما أوقعهم في مخالفات كثيرة جدًا فقال تحت عنوان مفهوم النبوة عند اليهود: (المفهوم الصحيح للنبوة والرسالة: هو أنها اصطفاء من الله تعالى واختصاص منه لعبد من عباده يوحى إليه الحق من السماء سواء أمره بالتبليغ أو لم يأمره. ولكن النبوة عند اليهود كان لها مفهوم آخر فهي لا تقتصر على من اختارهم الله لذلك وإنما تتسع لكي تشمل كل من يدعى النبوة من الكهنة والسحرة والمخادعين والكاذبين) (١). ويقول: د/ عوض الله حجازي: (وكلمة نبي في عرف اليهود واسعة المدلول فهي تشمل الأنبياء الذين اختارهم الله تعالى لرسالته وأنبأهم بوحيه لإصلاح حال المجتمعات التي وجدوا فيها كما تشمل الكثير من أدعياء النبوة الذين كان منهم الساحر والمنجم والمنافق وغيرهم وإلى هذا يشير حزقيال "قل للذين هم أنبياء من تلقاء ذواتهم اسمعوا كلمة الرب هكذا قال:"الرب ويل للأنبياء الحمقى الذاهبين وراء روحهم ولم يروا شيئًا. أنبياؤك يا إسرائيل صاروا كالثعالب في الخرب ... القائلون وحي الرب والرب لم يرسلهم (٢) ") (٣).

стр. 164

(والأنبياء الذين ورد ذكرهم في العهد القديم يقسمهم اليهود إلى قسمين: (١) أنبياء كبار مثل: أشعياء - أرمياء - دانيال. (٢) أنبياء صغار مثل: هوشع - عاموس - يونان. وفي الوقت ذاته يدعون أن النبوة بدأت بموسى ﵇ وانتهت بملاخى أما من كان قبل موسى من أمثال إبراهيم وإسحاق ويعقوب فيسمونهم الآباء أو البطارقة -أي العلماء- (١). ويؤكد أ. د/ سعد الدين صالح هذا الرأي بقوله: (وهذا التقسيم لا أساس له من الصحة فليس هناك نبي صغير ونبي كبير بل الأنبياء كلهم سواء، قد يُفَضلُ بعضهم على بعض كأولى العزم من الرسل أما تقسيم اليهود لهم لا يليق بمكانة الأنبياء) (٢). ٢. رؤية العهد القديم للأنبياء: لقد وقف النقاد من علماء المسلمين مع رؤية العهد القديم للأنبياء وقفة متأنية فاحصة وربطوا بين نظرة اليهود للإله وبين نظرتهم إلى الأنبياء وأنهم بنفس درجة الانحراف في عقيدتهم في الإله قد انحرفوا في عقيدتهم في الأنبياء فيقول أ. د/ عبد الغني عبود في نقده لعقيدة الأنبياء عند بني إسرائيل: (تعامل بنو إسرائيل بنفس الأسلوب الذي تعاملوا به مع إلههم فأرادوا أن يسوقوا الأنبياء أمامهم لتحقيق أغراضهم ومطامعهم بدلًا من أن يقودهم هؤلاء الأنبياء إلى الطريق الذي يجب أن يسلكوه، وإذا كانت وظيفة إله بني إسرائيل محددة في أن يحقق لهم النصر على الأعداء فقد تحددت وظيفة الرسل عندهم في أن يكونوا واسطة بينهم وبين هذا الإله) (٣).

стр. 165

ويقول د/ صفوت مبارك عن تدنى نظرة اليهود إلى الأنبياء لدرجة وصفهم بارتكاب الجرائم وحاشا لله أن يكونوا كذلك فهم صفوة الله من خلقه: يلاحظ على أسفار العهد القديم أنها حين تتحدث عن الأنبياء لا تنظر إليهم بوصفهم صفوة الله من خلقه وأمنائه على تبليغ وصاياه للبشر، وهم القدوة والأسوة الحسنة لغيرهم من الناس، وهم من أجل ذلك يجب أن يتصفوا بكل الكمالات البشرية، ويتنزهوا عن جميع النقائص والمثالب، وعند مراجعة أسفار العهد القديم يتضح أن هذا الكتاب المقدس عند اليهود لا يتورع عن أن يلصق بالأنبياء كل نقيصة، يكاد يشمل بذلك جميع الأنبياء، وقد كان رد الفعل الطبيعى لذلك أن بالغ المسيحيون بعد ذلك في تنزيه المسيح عن كل نقص بشرى، وغالوا في ذلك حتى رفعوه إلى مقام الألوهية (١). ٣. ألقاب الأنبياء في العهد القديم: بين د/ حسن ظاظا، أ/ محمد خليفة حسن والباحثة / سميرة عبد الله، ألقاب الأنبياء والرسل في العهد القديم ووظيفتهم من هذه الألقاب: النبي، رجل الله، الرائى: حيث جاء في سفر صموئيل: (قديمًا في إسرائيل هكذا كان يقول الرجل روئيم عند ذهابه ليسأل الله "هل نذهب إلى الرائي, لأن النبي اليوم كان يدعى سابقًا الرائي" (٢) وقد كان الرائي يخبر بما سيكون وينبئ بالغيب حسب علامات معروفة تلقى دلالاتها وتأويلاتها نقلًا عن سابقيه، كما كان حكيمًا وساحرًا وعرافًا (٣). وفي بيان أ/ سميرة عبد الله، لمفهوم النبوة وأنه قد اتسع مدلولها في العهد القديم ليشمل شخصيات متعددة من هؤلاء نساء نبيات والأنبياء الكذبة كما تعتقد اليهود وأما النبيات مثل مريم أخت هارون "فأخذت مريم النبية أخا هارون الدف بيدها" (٤) "ودبورة" ودبورة امرأة نبيَّة زوجة لفيدوت هى قاضية إسرائيل في ذلك الوقت" (٥) وخلدة امرأة شلوم "فذهب حلقيا الكاهن وأحيقام وعكبور وشافان وعسايا إلى خلدة النبية امرأة شلوم بن تقوة (٦) " وغيرهن.

стр. 166

وينتقد د/ محمد على البار نظرة العهد القديم إلى الأنبياء فيقول مؤكدًا الرؤية النقدية السابقة: يفاجأ من يطالع العهد القدم بالأعداد الكبيرة للأنبياء وهم يطلقون لفظ نبي على كل شخص يتنبأ بأمور المستقبل ووظيفة النبي عندهم تشبه وظيفة المنجمين حتى إنهم زعموا: أن لكل من ملوك بني إسرائيل مجموعة كبيرة من الأنبياء يتنبأون له عما ينبغى أن يفعله: هل يقاتل أم لا؟ هل يخرج لملاقاة العدو أم يمكث في المدينة ... ؟ وكان لكل معبد من المعابد - بالإضافة إلى الكهنة - مجموعة من الأنبياء (١). ثم تحدث عن النبيات من النساء مستدلًا بالنصوص سالفة الذكر عن مريم ودبورة وخلدة وقال إنه من الغريب حقًا أن التوراة لم تصف موسى ولا هارون ﵉ بالنبوة ووصفت هؤلاء النسوة بالنبوة (٢). الأنبياء الكذبة: وبنظرة نقدية تحمل في طياتها التعجب لما ورد في العهد القدم من الأخبار عن وجود أنبياء كذبة يقول د/ محمد على البار: إذا كانت أسفار العهد القديم قد اتهمت أنبياء الله الصادقين بكل نقيصة فما بالك بصفات الأنبياء الكذبة وقد تحدثت أسفار العهد القديم عن ظهور أعداد كبيرة من المتنبئين وأشار إلى النصوص التي تؤكد هذا الكلام (٣). أما ل. م/ أحمد عبد الوهاب في كتابه: "النبوة والأنبياء" قد أخذ جولة بين أقوال النقاد الغربيين للكتاب المقدس وبنظرة نقدية تنم عن متبحر في هذا الجانب وباحث له باع طويل في دراسة الكتاب المقدس والمقارنة بين تراجمة المتعددة جاءت حصيلة جولته النقدية حول موضوع النبوة والأنبياء تقرر الحقيقة التالية: (أنه لا يوجد معيار حقيقى لتمييز حقيقة الظواهر التى اقترنت بكل من الأنبياء الحقيقيين والأنبياء الكذابين ويتبين ذلك مما نقرأه في سفر التثنية "إذا قام في وسطك نبي أو حالم حلمًا وأعطاك آية أو أعجوبة ولو حدثت الآية أو الأعجوبة التي كلمك عنها قائلًا: لنذهب وراء آلهة أخرى لم تعرفها وتعبدها فلا تسمع لكلام ذلك النبي أو الحالم ذلك الحلم لأن الرب إلهكم يمتحنكم كى يعلم هل تحبون الرب إلهكم من كل قلوبكم ومن كل أنفسكم (٤) ") (٥).

стр. 167

وقدم أ/ آدم الألورى رؤية نقدية لنظرة اليهود للأنبياء من خلال نصوص العهد القديم فقال: إدن اليهود لم يعطوا النبوة حقها؛ بل لم يعترفوا ببعضهم كأنبياء وبالتالي برروا لأنفسهم أن يلصقوا بهم التهم والزور والبهتان، ومما يؤكد عدم المعرفة هذه أنهم اعتبروا نوحًا وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى أنبياء ورغم ذلك لم ينصفوهم ولم ينزلوهم المكانة اللائقة هم واعتبروا يوسف وداود وسليمان ملوكًا فناصبوهم العداء وقتلوا معظم الأنبياء الذين أرسلهم الله إليهم (١). ود/ محمد البار، عرض المخالفات إلى نسبتها التوراة للأنبياء ونقدها، وفي نقده لهذه المخالفات قدم الرؤية النقدية على النصوص وبين الرؤية الإسلامية للأنبياء كل على حدة فيقول: ونحن نبرئ الأنبياء ﵈ جميعًا من هذه التهم ... ونعتقد اعتقادًا جازمًا لا تردد فيه أن الأنبياء هم صفوة البشر وأنهم لم يبلغوا هذه المكانة عبثًا، فهم على أعلى درجة من الخلق والانضباط. ولا تجوز أن تحدث منهم الصغائر فضلًا عن الكبائر والكفر والعياذ بالله كما تنسبه لهم التوراة ونرى أيضًا أن الأنبياء معصومون عن ارتكاب المعاصي (٢). وأكثر من نقل النصوص التوراتية الشيخ تقدح في الأنبياء وذويهم وترميهم بما ينافى الأخلاق والذوق السليم وبين أنها افتراء وكذب على رسل الله الذين هم صفوة الله من خلقه. ومن كثرة ما نقل من نصوص بعيدة عن العفة تصيب من يقرؤها بالألم النفسي والغثيان استوقف قلمه في منتصف عرض النصوص وقال: الأمر فظيع فظيع ... ولم تعد أعصابنا تحتمل مواصلة قراءة هذه التوراة المحرفة والتي كانت هدىً ونورًا عندما أنزلها الله تعالى، فأصبحت بعد التحريف رجسًا وظلمات بعضها فوق بعض بسبب تحريف اليهود وأكاذيبهم (٣). ثم تتبع الأسفار مبينًا ما تحتويه من مخالفات تجاه الأنبياء وفي نهاية حديثه عن الأنبياء في العهد القديم بين دور اليهود في العصر الحديث في انتشار الجرائم الأخلاقيه وقدم إحصائيات لهذه الجرائم في العالم.

стр. 168

وقد أرجع د/ البار انتشار هذه الجرائم إلى تطبيق اليهود لهذه النصوص التي تشير إلى الانحراف تطبيقًا وخلاصة هذه المحاولة العبادة التي قام بها د/ محمد على البار في كتابه تُظهر بوضوح وجلاء المسلك الذي اتبعه في دراسة التوراة والعهد القديم وهو: (١) تقديم الرؤية النقدية على النصوص. (٢) العنونة للنصوص بما تحتويه. (٣) الإكثار من نقل النصوص دون التعليق عليها إلا النذر اليسير. (٤) الربط بين النص والواقع. ففى نهاية عرض النصوص يربط بين النص والواقع بالأدلة والإحصائيات. (٥) ضبط العملية النقدية بمنظور الإسلام. أما د/ محمد دياب عبد الحافظ الأستاذ بجامعة الأزهر قد فند مفهوم النبوة عند اليهود وبين أن رؤية الكتاب المقدس للنبوة ليست رؤية صحيحة فهي فيه نبوءة السحر والرؤيا والأحلام والكهانة وغير ذلك وكلها مما يدعيه المتنبئون، وبين أيضًا: أن اليهود لم يعرفوا النبوة الحقيقية -بمعناها الصحيح - إلا بعد احتكاكهم بالعرب بعد عودتهم من مصر بقيادة سيدنا موسى ﵇، وقال: إنهم رغم معرفتهم للنبوة الإلهية مازالوا يخلطون بين مطالب السحر والتنجيم ومطالب الهداية الإلهية ويجعلون الاطلاع على المغيبات امتحان لصدق النبى في دعواه أصدق وألزم من كل امتحان ففى أخبار صموئيل أنهم كانوا يقصدونه ليدلهم على مكان الماشية الضائعة ويعطونه أجره على ردها (١) فتقول التوراة: "خذ معك واحد من الغلمان وقم اذهب فتش على الأتن ... هو ذا نذهب فماذا نقدم للرجل؟ لأن الخبز قد نفد من أوعيتنا وليس من هدية نقدمها لرجل الله ماذا معنا: فعاد الغلام يقول هو ذا يوجد بيدي ربع شاقل فضة فأعطيته لرجل الله فأخبرنا عن طريقنا (٢).

стр. 169

ومن خلال استقراء وتتبع جهود العلماء حول بيان مقام الأنبياء ﵈ في العهد القديم وجدت المحاولات النقدية للعلماء تتميز بالسمات التالية: ١. النقد الإجمالي: من العلماء من يتسم نقده بالنظرة الإجمالية دون الدخول في التفاصيل نظرًا للتشابه في نصوص التوراة حول ما ألصق بالأنبياء تفاديًا للتكرار واكتفى بعرض النص لوضوح المخالفة فيه مع الإشارة إلى موضع الخلل في هذا النص أو التناقض والتعارض وهذه السمة تظهر أحيانا في نقد د/ بدران في كتابه "التوراة" وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام ابن القيم والألوسي ﵏ جميعًا -. ٢. التفصيل والتوضيح: وذلك من خلال إبراز التناقض وتقويمه وقد تناول بعض العلماء نقد ما يقدح في النبوة والأنبياء بتقديم رؤية نقدية واضحة ومفصلة مبينا مكانتهم اللائقة هم وما يقره العهد القديم من صفات حسنة لهم ويتبع ذلك ببيان افتراءات العهد القديم عليهم وانحراف اليهود فيما يعتقدون فيهم، وبعد ذلك يلقي نظرة تقويمية لما استدل به من نصوص من خلال المنظور الإسلامي لمقام النبوة والأنبياء ومن هؤلاء د/ الهاشمي والباحثة/ سميرة عبد الله. ٣. الوحدة الموضوعيه في المعالجة النقدية: وهذه السمة تظهر جيدًا في البحث العلمى المعاصر الذي يمتاز بحسن التبويب والترتيب وتنظيم المعلومات تحت عناوين رئيسة ومفاهيم محددة ويراعى فيها الوحدة الموضوعية فيأتي بالنص موضع الشاهد ويذكر ما يعضده من نصوص أخرى في ذات الموضوع من سائر أسفار العهد القديم ثم يناقش هذا الموضوع مناقشة موضوعية ومن هؤلاء: د/ عبد الوهاب المسيري ود/ الهاثهى، ود/ المطعني، ود/ صفوت مبارك، ود/ عبد الراضى محمد وغيرهم. ٤. الدراسه التحليليه التي تعتمد على المناقشة والاستنتاج: وظهور هذه السمة في جهود العلماء هدفها الأساسي الوصول إلى ما تهدف إليه مفردات النص بعيدًا عن التأويل الذي يصرفه عن وجهه الأصلى وبيان الملاحظات التي تؤخذ على النص التوراتي من حيث التفسير الخاطئ للنص من قبل مفسري الكتاب المقدس، وهذه السمة ظهرت بوضوح في جهود العلامة رحمة الله الهندي ود/ المطعني.

стр. 170

وبعد بيان بعض السمات التي تتميز بها الجهود النقدية لعلمائنا الأفاضل في نقدهم لما ورد في حق الأنبياء أبين هذه الجهود من خلال العناوين التالية: ١ - المقام الحسن لكل نبي من الأنبياء في العهد القديم. ٣ - بيان افتراءات العهد القديم على الأنبياء. ٣ - عرض لجهود العلماء في الرد على تلك الافتراءات. ٢ - التقويم. وعند تتبع جهود علمائنا الأفاضل حول النبوة والأنبياء في العهد القديم يتبين أنهم قد أماطوا اللثام عن أمور خطيرة ألصقت بالأنبياء ﵈ ونقدوها نقدًا علميا من خلال نصوص العهد القديم التي تثبت عكس ما يدعون ويبطل بعضها بعضًا؛ لما فيها من التناقض والتعارض الذي يظهر عند المقابلة بين الأسفار من جهة وبين النصوص في المسفر الواحد من جهة أخرى. مع ملاحظة أن بعض الكتاب قام بدراسات موسعة عن بعض الأنبياء ولم يتوسع في البعض الآخر ويرجع ذلك إلى كثرة النصوص التوراتية عنهم. ولما كان تناول جميع الأنبياء الذين ورد ذكرهم في العهد القديم فيه شىء من التطويل رأيت أن أذكر بعضًا من الأنبياء الذين ذكرهم العهد القديم ولكنه لم يعطهم حقهم من الإجلال والاحترام وذلك على النحو التالي: ١. سيدنا نوح ﵇ -: المقام الحسن لسيدنا نوح ﵇ في العهد القديم: ذكرت الباحثة / سميرة عبد الله النصوص التي تصف نوحًا ﵇ بالرجل البار بمسيرته على أوامر الله وجميع أهل بيته وقد أنقذه الله وجميع أهل بيته لبره وصلاحه في السفينة التي أمره بصناعتها من هذه النصوص: ١ - "وأما نوح فوجد نعمة في عيني الرب وكان نوح رجلًا بارًا كاملًا في أجياله وسار نوح مع الله" (١). ٢ - "وقال الرب لنوح ادخل أنت وجميع بيتك إلى الفلك لأني إياك رأيت بارًا لدىِ في هذا الجيل" (٢) ٣ - "وبارك الله نوحًا وبنيه وقال لهم أثمروا وأكثروا واملؤا الأرض ولتكن خشيتكم ورهبتكم على كل حيوانات الأرض وكل طيور السماء (٣) " (٤).

стр. 171

ب - افتراءات العهد القديم على سيدنا نوح ﵇ -: ١. زعموا أنه سكر حتى تعرى والنص يقول: "وابتدأ نوح يكون فلاحًا وغرس كرمًا وشرب من الخمر فسكر وتعرى داخل خبائه (١). ٢. زعموا أن نوحًا ﵇ يلعن كنعان بن حام لذنب لم يقترفه بل وقع فيه والده عن غير قصد فأبصر حام أبو كنعان عورة أبيه وأخبر إخوته خارجًا فأخذ سام ويافث الرداء ووضعاه على أكتافهما ومشيا إلى الوراء، وسترا عورة أبيهما ووجهاهما إلى الوراء، فلم يبصرا عورة أبيهما فلما استيقظ نوح من خمره علم ما فعل به ابنه الصغير, فقال ملعون كنعان. عبد العبيد يكون لإخوته وقال: "مبارك الرب إله سام وليكن كنعان عبدًا لهم، ليفتح الله ليافث فيسكن في مساكن سام، وليكن كنعان عبدًا لهم (٢) " (٣). ج - جهود العلماء في الرد على هذا الافتراء: ينتقد د/ بدران هذا الافتراء الذي افترته التوراة على سيدنا نوح ﵇ فيقول متسائلًا: لماذا أسكرته التوراة؟ وما أهمية ذكر مثل هذه الواقعة في كتاب مقدس. وأجاب على ذلك بقوله قد يرجع السبب في هذا: إظهار الحقد الدفين في قلوبهم تجاه الفلسطينيين وهذا تشويه لصورة سيدنا نوح ﵇ (٤). ويرد ل. م/ أحمد عبد الوهاب على هذا الزعم بقوله: من الواضح أن هذه أول بذرة لما يعرف بـ "السامية" باعتبارها عرقًا جنسيًا يتعالى عن بقية البشر، ولو كانوا أخوة "أبناء أب واحد" وإذا كان علماء اليوم على إدراك تام بأن الحديث عن السامية لا يعني مدلولًا عرقيًا، وإنما يمكن أن يعطى مفهومًا لغويًا بمعنى أن الشعوب التي عاشت في منطقة الشرق الأوسط تكلمت لغات بينها أواصر قربى وتعرف بمجموعة اللغات السامية - نسبة إلى سام بن نوح - (٥). وثمة تساؤل يلح عن الظلم الفادح الذي أصاب كنعان بسبب تصرف نُسب إلى أبيه حام، إذ من الواضح أن كنعان برئ تمامًا من كل خطية تورثه اللعنة والعبودية أو حتى ما هو أقل منهما بمراحل كاللوم والتقريع. وإذا كان هناك من يدان فهو بلا شك شخص آخر غير كنعان وأبيه حام (٦).

стр. 172

ويعلق د/ عبد الراضي محمد على هذه التهمة التي ألصقت بنوح ﵇ ويأخذ عليها أنه كيف يؤخذ الابن بذنب أبيه فيقول: (والعجيب أن الذي أذنب بالنظر إلى عورة أبيه هو حام أبو كنعان، والذي عوقب باللعنة ابنه كنعان، وأخذ الابن بذنب الأب خلاف العدل وهذا وجه آخر من وجوه التطرف اليهودي) (١). ويتعجب د/ الهاشمي أيضًا في نقده لهذه الفرية فيقول: (لم هذه اللعنة؟! إنها يجب أن تنصب أولًا على من يسكر ويتعرى وهو نوح ﵇ -في زعمهم- لا على من يرى عورة السكران المتعري! والرائى هو حام الأب والملعون هو كنعان الولد الثالث لحام وهل تُستجاب دعوة السكران المتعري؟ وكيف يكون النبي كذلك؟) (٢). (ثم لو صحت اللعنة وقبلت فلم لم تقع على الرائي وهو حام -الأب- وتقع على ولده كنعان الذي لم ير العورة؟ إنه الخبث والدهاء في الوقيعة، بل الغباء في الاتهام, لأن كنعان أبو العرب وذريته الكنعانيون هم سكنة فلسطين الأصليون والشرعيون وأعداؤهم التقليديون في فلسطين طيلة تواجدهم فيها حتى زمن أوسع مملكة لهم فيها: "مملكة داود وسليمان ﵉" لذا لا بد لليهود في توراتهم من استبعاد ذرية حام -الكنعانيين - ومن يحمل عليهم من المصريين والسودانيين والأحباش والعرب جميعهم ملعونون في توراتهم من غير أي سبب إلا ليكون العرب الكنعانيون أعداء تقليديين قدماء ومعاصرين لهم في فلسطين) (٣). وبناءً على ما سبق فإن ما ادعاه العهد القديم في حق سيدنا نوح ﵇ هو من الأباطيل والخرافات إذ كيف يتصور أن نبي الله يشرب الخمر حتى يسكر ويتعرى ثم بعد أن يفيق ويعلم ما حدث يفرق بين أولاده فيدعو على كنعان ويبارك سام ويافث، وقد تبين من خلال نقد العلماء أن الدافع وراء تفضيل سام ويافث هو كراهية الفلسطينيين والعرب عمومًا لأن كنعان أبو العرب وهذا تتم عندهم أفضلية النسل الأعجمى على النسل العربي وقد فند العلماء هذه الأكاذيب وبرؤا ساحة نبي الله نوحًا ﵇ الذي أخبر الله بأنه كان نبيًا يوحى إليه فقال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (٤) وكان رسولًا يدعو إلى التوحيد ويحذر من أهوال يوم القيامة فقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (٥). وقال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا﴾ (٦). وغير ذلك من الآيات إلى تبين مقام سيدنا نوح ﵇ في القرآن الكريم (٧)

стр. 173

سيدنا إبراهيم ﵇ -: أ. المقام الحسن لسيدنا إبراهيم ﵇ فى التوراة: ذكر د/ الهاشمي والباحثة / سميرة عبد الله بعض ما ورد في العهد القديم من نصوص تدل على الصفات الحسنة التي كان يتمتع بها سيدنا إبراهيم ﵇ منها: ١. هو أمة كمقامة في القرآن: "وإبراهيم يكون أمة كبيرة وقوية، ويتبارك به جميع أمم الأرض" (١). ٢. امتازت حياته بالكرم (٢)، وضيافة الأغراب (٣)، والإخلاص والوفاء والأمانة والحنو والرقة والعاطفة (٤) وغير ذلك من النصوص (٥). ب - افتراءات التوراة على سيدنا إبراهيم ﵇ -: ١. تزعم التوراة: أن إبراهيم ﵇ حين كان راجعًا من شرق الأردن إلى فلسطين أخرج له ملكها "ملكى صادق" خبزًا وخمرًا لانعاشه وإنعاش جنوده الذين معه فأكلوا وشربوا" (٦). ٢. وتزعم: أن إبراهيم ﵇ يخالف تعاليم الله في الميراث بما ينم عن ... خروجه عن طاعة الرب فقد نص سفر التثنية على أن إبراهيم ﵇ ورث ماله كله لإسحاق وحرم منه إسماعيل: "وأعطي إبراهيم إسحاق كل ما كان له وأما بنوا السراري اللواتي كانت وإبراهيم فأعطاهم إبراهيم عطايا وصرفهم عن إسحاق ابنه شرقًا إلى أرض المشرق وهو بعد حي" (٧). ٣. وتزعم: أن إبراهيم ﵇ يرضي بظلم سارة وذلها لهاجر زوجته الثانية ويقول لها افعلى بها ما يحسن في عينيك: "فقال إبراهيم لساراي هو ذا جاريتك في يدك افعلى ما يحسن في عينيك فأذلتها ساراي فهربت من وجهها" (٨).

стр. 174

٤. تنازله عن زوجته مرتين - مرة لفرعون - بحجة خوفه من القتل ثم ربح بها هدايا ثمينة من ذهب وفضة وجوار وحمير وجمال وغنم وبقر ... غير أن فرعون لم يمسسها (١). والنص يقول: قال إبراهيم لزوجته: إنى قد علمت أنك امرأة حسنة المنظر فيكون إذا رآك المصريون أنهم يقولون هذه امرأته فيقتلونني ويستبقونك، قولى إنك أختى ليكون خير بسببك .. وتحيا نفسى من أجلك (٢) ثم تنازله عن هذه الزوجة للمرة الثانية لأبيمالك فلم يمسسها بسبب رؤيا حذرته منها ثم أرجعها إلى زوجها إبراهيم مع هدايا نفيسة (٣). ج- جهود العلماء فى الرد على هذه الافتراءات: وينتقد العلامة رحمة الله الهندي ما لفقه كتبة العهد القديم لسيدنا إبراهيم ﵇ بطرحه أسئلة استفهامية يستنكر من خلالها هذه الافتراءات فيقول: كيف يجوز للعقل أن يرضى إبراهيم بترك حريمه وتسليمها ولا يدافع عنها, ولا يرضى بمثله من له غيرة ما، فكيف يرضى مثل إبراهيم الغيور (٤). وانتقد صاحب تصير الميزان قصة إبراهيم ﵇ في التوراة نقدًا إجماليًا بعد ما عرضها دون أن يدخل في التفاصيل فقال: هذه القصة فيها من التدافع بين جملها والتناقض بين أطرافها مما يدل على أن هذا الكتاب المقدس لعبت به أيدى التحريف فلقد أهملت التوراة ذكر مجاهداته في أول أمره وحجاجاته لقومه وما قاساه منهم من المحن والأذى وهي طلائع بارقة لماعة من تاريخه ﵇ ولقد أهملت أيضًا ذكر بنائه الكعبة المشرفة وما يتعلق بها وليس إهمال ذكره إلا لنزعه إسرائيلية من كتَّاب التوراة ومؤلفيها دعتهم إلى الصفح عن ذكر الكعبة! وإحصاء ما بناه من المذابح ... ونسبت إليه أيضًا ما لا يلائم مقام النبوة (٥). أما د/ بدران: له مآخذ على ما ورد في التوراة حول قصة سيدنا إبراهيم ﵇ فيقول: لقد شوهت التوراة صورته ... ويبدو أن كتبة التوراة أقاموا حلفًا مع الشيطان وأخذوا معه العهد على تلويث صورة الأنبياء العظماء ... فألصقوا لإبراهيم خليل الله أشياءً لا تليق بمكانته .. ولا بنبوته بل لا تليق مطلقًا بإنسان له كرامته (٦)

стр. 175

وعن موقفه الذى تنازل فيه عن زوجته لفرعون يقول د/ بدران: هكذا صورت التوراة إبراهيم ﵇ وألصق له كتبتها أشياءً غير أخلاقية وجعلته يؤثر الأشياء الدنيوية على شرفه ... ألصقوا به الخوف وعدم الاهتمام بالشرف لمجرد أن يملأ بطنه، وماذا عن موقف فرعون (١)؟ تقول التوراة: "إن فرعون اتخذ سارة زوجة له .. ولما عرف أن سارة زوجة إبراهيم دعاه وقال له: "ما هذا الذي صنعت بي؟ لماذا لم تخبرنى أنها امرأتك؟ لماذا قلت هى أختى؟ حتى أخذتها لى لتكون زوجتى؟ والآن هو ذا امرأتك. خذها واذهب" (٢). (وهكذا كان موقف فرعون أسمى وأنبل من موقف إبراهيم ﵇ هكذا أوقفت التوراة إبراهيم ﵇ موقفًا خسيسًا يرضى لزوجته أن تكون لغيره) (٣) وحاشا لله أن يصدر ذلك من أبى الأنبياء وخليل الرحمن وكل ما نسبته له التوراة كذب وافتراء. وينتقد د/ محمد دياب ما نسب لسيدنا إبراهيم ﵇ في التوراة بقوله: هكذا يحوى كتاب اليهود المقدس الكثير من اللغو والعبث والهذى فينسب لخليل الرحمن الاتجار بالعرض والشرف كما يصفه بالكذب عندما قال عن سارة لما سأله أبيمالك - من هذه؟ قال أختى - (٤). موقف القرآن الكريم من سيدنا إبراهيم ﵇ . إن ما نسبته التوراة إلى إبراهيم ﵇ زور وبهتان ومحض افتراء على خليل الرحمن فهو أعلى منازل الأنبياء بعد رسولنا ﷺ فقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ (٥) بل إنه أمة بميزان القرآن الكريم وهو فرد فقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٦) وهو من أولى العزم من الرسل قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (٧). وهو بانى الكعبة ومطهرها من الأصنام فقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٨). وغير ذلك من الآيات إلى تبين مقامه الرفيع عند الله .

стр. 176

سيدنا لوط ﵇ -: ذكرت الباحثة / سميرة عبد الله ما يدل على المقام الحسن لسيدنا لوط ﵇ فى التوراة فقالت: لقد وجد لوط ﵇ نعمة في عيني الرب فأرسل ملائكته لإخراجه هو وأصهاره وبنيه وبناته من مدينة سدوم التي أرسلوا لإهلاكها ومن فيها لشرور أنفسهم وقبائح أعمالهم ونص ذلك: "وقال الرجلان وهما - من الملائكة - للوط من لك أيضًا ها هنا؟ أصهارك وبنيك وبناتك وكل من لك في المدينة اخرج من المكان لأننا مهلكان هذا المكان" (١). فلا بد أن يكون لوط بارًا تقيا للرب ليستحق نجاة الرب له ومن خطاب لوط لربه يثبت ذلك حيث إنه يقول: "وهو ذا عبدك قد وجد نعمة في عينيك وعظمت لطفك الذي صنعت إلىّ باستبقاء نفسي" (٢). ب. افتراءات العهد القديم على نبي الله لوط ﵇ -: برهن علماء المسلمين على افتراء العهد القديم على نبي الله لوط ﵇ بالنص التالي: "ثم إن لوطًا ... سكن في الجبل وابنتاه معه ... فسكن المغارة هو وابنتاه، وقالت البكر للصغيرة: "أبونا قد شاخ وليس في الأرض رجل ليدخل علينا كعادة كل الأرض هلم نسقى أبانا خمرًا ونضطجع معه فنحيي من أبينا نسلًا"، فسقتا أباهما خمرًا في تلك الليلة، ودخلت البكر واضطجعت مع أبيها، وحدث في الغد أن اضطجعت الصغيرة معه ... فحبلت ابنتا لوط من أبيهما فولدت البكر ابنا ودعت اسمه "موآب" وهو أبو الموآبيين إلى اليوم، والصغيرة أيضًا ولدت ابنا ودعت اسمه "بن عمي" وهو أبو بني عمون إلى اليوم" (٣). ج. جهود العلماء فى نقد هذه الافتراءات والرد عليهما: يقول د/ الهاشمي: ومن يقرأ التوراة لا سيما سفر التكوين يجد مؤلفيها قد سفهوا جميع الأقوام وأنبياءهم ما عدا قناة واحدة تمتد من نوح إلى يعقوب إسرائيل ﵇ وألصقوا بسوى هذه القناة من الأنبياء وأسرهم وشعوبهم شتى المساوئ والمخازى لينتهوا بالنتيجة إلى إسرائيل وبنيه - الورثة الموعودين الشرعيين لأرض الميعاد إذ بزعمهم كذا! فأغرقوا البشر أجمع إلا نوحًا وأهله وأولاده ثم أبعدوا من ولد "نوح" ولديه، وأبقوا الامتياز لسام - جدهم الأعلى على زعمهم ثم أبعدوا لوطًا من الساميين ليبقى إبراهيم ﵇ وحده في الميدان ثم أبعدوا "إسماعيل" ﵇ جد العرب وجد نبينا ﷺ الأعلى لينتهوا إلى إسحاق ﵇ ثم أبعدوا عيسو توأم يعقوب ﵇ ليخلوا لهم المجال الشرعى بزعمهم في تملك فلسطين إلى أولاد يعقوب بنى إسرائيل وحدهم دون العرب والناس أجمعين (٤).

стр. 177

ثم يعود د/ الهاشمي ويوضح هذا السبب في موضع آخر من كتابه "فلسطين في الميزان" فيقول: وبعد أن استتب الوضع للساميين، نظريًا في التوراة إلى شوهها اليهود، ظهر لوط ﵇ من الساميين، وهو نبي جليل ابن أخو إبراهيم ﵉ فلابد من لصق تهم فظيعة تستبعده من الطريق المرسوم لبنى إسرائيل فذكروا أن لوطًا طاب له المقام في سدوم وعمورية بلدى الجنس المباح بانحرافاته وشذوذه ثم أنه سكر وزنى بابنتيه - في زعمهم - وأنجبتا منه - موآب وعمون - فتلوث شرف الموآبيين والعمونيين - أشد خصوم الإسرائيليين في الأردن صرامة وشجاعة في الحروب إذ هم أولاد زانية وأية زانية من أبيهما وهذا أكبر مثلبة تصيب المرء (١). زقد رصد الإمام ابن القيم هذه الحادثة وقال إنها دليل واضح على التحريف والتبديل الذي وقع في التوراة وبرأ ساحة النبوة وأنه لا يجوز نسبة هذه الأمور إلى أحد منهم ولا يشك في ذلك ذو بصيرة وأن التوراة المنزلة على سيدنا موسى ﵇ بريئة من ذلك ثم ذكر القصة باختصار وعقب عليها بسؤال تعجبي يبين استحالة ما تدعيه التوراة وبالتالى براءة سيدنا لوط ﵇ من هذه الجريمة فيقول: (فهل يحسن أن يكون نبي رسول كريم على الله يوقعه الله سبحانه في مثل هذه الفاحشة العظيمة في آخر عمره، ثم يذيعها عنه ويحكيها للأمم (٢). ويضيف العلامة رحمة الله الهندي: إن "موآب"، "وابن عمي" الذين ولدا بواسطة الزنا ما قتلهما الله، وقتل الولد الذي ولد بزنا داود" (٣) بامرأة أوريا، لعل الزنا بامرأة الغير أشد من الزنا بالبنات عندهم بل هما كانا من المقبولين عند الله - في زعمهم -" (٤). أما د/ على خليل في كتابه "التعاليم الدينية اليهودية" ذكر القصة كما وردت في التوراة وعلق عليها بقوله: إنها من الحوادث اللا أخلاقية التي تدعيها التوراة على الأنبياء (٥).

стр. 178

والدكتور/ بدران يحلل النص بتدخله أثناء سرده ليوضح ما يريده النص ويلفت النظر إلى بشاعة ما تقوله التوراة وقبل أن يذكره يقدم ملاحظته على النص فيقول: (وهذا نبي الله لوط ﵇ لوثته التوراة هو الآخر ورمته بالزنا ومع من؟ مع ابنتيه) (١). ويقول أيضًا: والقصة تبدأ من بعد أن أمطر الله النار والكبريت على سدوم وعمورة بلد لوط .. ومات القولة الكفرة لأفعالهم القذرة وخرج لوط مع ابنتيه وسكن الجبل .. وما كان من ابنتي لوط إلا أن فكرتا في إنجاب الأطفال من أبيهما .. لأن الجبل موحش فسقياه خمرًا حتى غاب عن الوعى وضاجعتاه وأنجبتا منه ذكرين. ثم ذكر النص الكامل للقصة (٢). موقف القرآن من سيدنا لوط ﵇ . إن ما نسبته التوراة إلى سيدنا لوط ﵇ هو من الأباطيل وأسوأ الخرافات التوراتية وهو برئ مما نسب إليه من سوء وافتراء إذ جاء في القرآن الكريم أنه ﵇ في قومه عن اقتراف هذه الفعلة الشنعاء فقال تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (٣).

стр. 179

سيدنا إسحاق ﵇ -: أ - المقاء الحسن لسيدنا إسحاق ﵇ فى التوراة: رصد د/ الهاشمى والباحثة / سميرة عبد الله، بعضًا من النصوص التوراتية التي تدل على ما يحتله إسحاق ﵇ من مقام حسن في العهد القديم (١) منها: ١ - ولادته معجزة وتكريم لوالديه العجوزين "فضحكت سارة زوجته وقالت: سيدي قد شاخ، وأنا شخت، أفى الحقيقة ألد؟ (٢) ". ٢ - قصة الذبيح تنسبها التوراة إليه، وتصفه بالوحيد - في حين أن الابن الوحيد هو إسماعيل - إذ بقى وحيدًا ١٤ سنة حتى ولد إسحاق إذ كان عمر والده ٨٦ سنة "خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحاق (٣) " في قصة الذبيح بينما لم يكن الولد الوحيد وإنما الوحيد إسماعيل بقي ١٤ سنة وحيدًا لأبيه قبل ولادة إسحاق. ٣ - "وأباركك وأكثر نسلك من أجل إبراهيم عبدي فبنى هناك مذبحًا ودعا باسم الرب" (٤). ب - افتراءات اليهود القديم على نبي الله إسحاق ﵇ -: ١. تخليه عن زوجته "رفقة" افتراء عليهما لأبيمالك بنفس عذر والده المفترى عليه بسبب جمالها الفتان كذلك، كما افترت التوراة على أبيه إبراهيم ﵇ "فأقام إسحاق في "جرار" (٥) وسأله أهل المكان عن امرأته فقال "هي أختي" لأنه خاف أن يقول "امرأتي" لعل أهل المكان "يقتلونني من أجل رفقه؛ لأنها كانت حسنة المنظر" (٦). ٢. الادعاء أنه الابن الوحيد لسيدنا إبراهيم ﵇ "خذ ابنك وحيدك الذي تحبه - إسحاق" (٧).

стр. 180

ج- جهود العلماء في نقد هذه الافتراءات: وحول هذه القصة يقول د/ على خليل: (مثل هذا السلوك لم يألفه الكنعانيون إنه انحطاط في القيم الأخلاقية، ويعتبره الكنعانيون ذنبًا وعارًا فهم يخافون الله، ومن هذا المبدأ كان موقف أبيمالك من إبراهيم ومن ابنه إسحاق، ومن هذا السلوك عمومًا) (١). وعلى هذا الافتراء الواضح الذي ألصقته التوراة بإسحاق ﵇ يقول د/ عبد الراضي محمد ود/ محمد دياب: (لقد نسبت اليهود الكذب إلى إسحاق ﵇ كما نسبوه إلى أبيه إبراهيم من قبل، وفي ظروف مشابهة لظروف أبيه وهي الخوف على الزوجة من الرجال أصحاب المكان) (٢). وبهذا (لم ينج إسحاق ﵇ من اتهام الكتاب المقدس له بالكذب والاتجار بامرأته) (٣) ويضيف د/ بدران محمد بدران إلى ما تقدم ذكره - يضيف بعدًا نقديًا آخر - فيقول: (هذا هو الموقف المذري الذي أوقفته التوراة لإسحاق عبد الله الصالح وأوقفت الوثني أبيمالك موقفًا مشرفًا ... ولكن ما هى صلة القرابة بين إسحاق ورفقه؟ إنها ليست أخته لا من أبيه ولا من أمه، ولكنها ابنة عمه وقد زوجها له عبد إبراهيم أبيه بناء على وصية إبراهيم. هذا يعني أن إسحاق النبي كاذب) (٤). وحاشا لله أن يكون نبي من أنبياء الله كاذبًا وبذلك يتبين انحراف التوراة في نظرتها للأنبياء وفي إلصاقها إياهم ما يتنافى مع عصمة النبوة، أما ادعاء أن الذبيح هو إسحاق وليس إسماعيل ﵇ فقد أفاض علماء المسلمين في نقد هذا الادعاء وبينوا من خلال نقدهم للكتاب المقدس أن الذبيح هو إسماعيل ﵇ وأيدوا ذلك بالأدلة القوية والبراهين القاطعة من العهد القديم والقرآن الكريم أيضًا ولكل من الإمامين ابن تيميه (٥) وتلميذه ابن القيم (٦) جهود قيمة في كشف زيف هذه الدعوى وبيان بطلانها.
следующие страницы →