← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 122258

جهود علماء المسلمين في نقد الكتاب المقدس من القرن الثامن الهجري إلى العصر الحاضر "عرض ونقد"

رمضان الدسوقي

Полный текст (438 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

سيدنا لوط ﵇ -: ذكرت الباحثة / سميرة عبد الله ما يدل على المقام الحسن لسيدنا لوط ﵇ فى التوراة فقالت: لقد وجد لوط ﵇ نعمة في عيني الرب فأرسل ملائكته لإخراجه هو وأصهاره وبنيه وبناته من مدينة سدوم التي أرسلوا لإهلاكها ومن فيها لشرور أنفسهم وقبائح أعمالهم ونص ذلك: "وقال الرجلان وهما - من الملائكة - للوط من لك أيضًا ها هنا؟ أصهارك وبنيك وبناتك وكل من لك في المدينة اخرج من المكان لأننا مهلكان هذا المكان" (١). فلا بد أن يكون لوط بارًا تقيا للرب ليستحق نجاة الرب له ومن خطاب لوط لربه يثبت ذلك حيث إنه يقول: "وهو ذا عبدك قد وجد نعمة في عينيك وعظمت لطفك الذي صنعت إلىّ باستبقاء نفسي" (٢). ب. افتراءات العهد القديم على نبي الله لوط ﵇ -: برهن علماء المسلمين على افتراء العهد القديم على نبي الله لوط ﵇ بالنص التالي: "ثم إن لوطًا ... سكن في الجبل وابنتاه معه ... فسكن المغارة هو وابنتاه، وقالت البكر للصغيرة: "أبونا قد شاخ وليس في الأرض رجل ليدخل علينا كعادة كل الأرض هلم نسقى أبانا خمرًا ونضطجع معه فنحيي من أبينا نسلًا"، فسقتا أباهما خمرًا في تلك الليلة، ودخلت البكر واضطجعت مع أبيها، وحدث في الغد أن اضطجعت الصغيرة معه ... فحبلت ابنتا لوط من أبيهما فولدت البكر ابنا ودعت اسمه "موآب" وهو أبو الموآبيين إلى اليوم، والصغيرة أيضًا ولدت ابنا ودعت اسمه "بن عمي" وهو أبو بني عمون إلى اليوم" (٣). ج. جهود العلماء فى نقد هذه الافتراءات والرد عليهما: يقول د/ الهاشمي: ومن يقرأ التوراة لا سيما سفر التكوين يجد مؤلفيها قد سفهوا جميع الأقوام وأنبياءهم ما عدا قناة واحدة تمتد من نوح إلى يعقوب إسرائيل ﵇ وألصقوا بسوى هذه القناة من الأنبياء وأسرهم وشعوبهم شتى المساوئ والمخازى لينتهوا بالنتيجة إلى إسرائيل وبنيه - الورثة الموعودين الشرعيين لأرض الميعاد إذ بزعمهم كذا! فأغرقوا البشر أجمع إلا نوحًا وأهله وأولاده ثم أبعدوا من ولد "نوح" ولديه، وأبقوا الامتياز لسام - جدهم الأعلى على زعمهم ثم أبعدوا لوطًا من الساميين ليبقى إبراهيم ﵇ وحده في الميدان ثم أبعدوا "إسماعيل" ﵇ جد العرب وجد نبينا ﷺ الأعلى لينتهوا إلى إسحاق ﵇ ثم أبعدوا عيسو توأم يعقوب ﵇ ليخلوا لهم المجال الشرعى بزعمهم في تملك فلسطين إلى أولاد يعقوب بنى إسرائيل وحدهم دون العرب والناس أجمعين (٤).

стр. 177

ثم يعود د/ الهاشمي ويوضح هذا السبب في موضع آخر من كتابه "فلسطين في الميزان" فيقول: وبعد أن استتب الوضع للساميين، نظريًا في التوراة إلى شوهها اليهود، ظهر لوط ﵇ من الساميين، وهو نبي جليل ابن أخو إبراهيم ﵉ فلابد من لصق تهم فظيعة تستبعده من الطريق المرسوم لبنى إسرائيل فذكروا أن لوطًا طاب له المقام في سدوم وعمورية بلدى الجنس المباح بانحرافاته وشذوذه ثم أنه سكر وزنى بابنتيه - في زعمهم - وأنجبتا منه - موآب وعمون - فتلوث شرف الموآبيين والعمونيين - أشد خصوم الإسرائيليين في الأردن صرامة وشجاعة في الحروب إذ هم أولاد زانية وأية زانية من أبيهما وهذا أكبر مثلبة تصيب المرء (١). زقد رصد الإمام ابن القيم هذه الحادثة وقال إنها دليل واضح على التحريف والتبديل الذي وقع في التوراة وبرأ ساحة النبوة وأنه لا يجوز نسبة هذه الأمور إلى أحد منهم ولا يشك في ذلك ذو بصيرة وأن التوراة المنزلة على سيدنا موسى ﵇ بريئة من ذلك ثم ذكر القصة باختصار وعقب عليها بسؤال تعجبي يبين استحالة ما تدعيه التوراة وبالتالى براءة سيدنا لوط ﵇ من هذه الجريمة فيقول: (فهل يحسن أن يكون نبي رسول كريم على الله يوقعه الله سبحانه في مثل هذه الفاحشة العظيمة في آخر عمره، ثم يذيعها عنه ويحكيها للأمم (٢). ويضيف العلامة رحمة الله الهندي: إن "موآب"، "وابن عمي" الذين ولدا بواسطة الزنا ما قتلهما الله، وقتل الولد الذي ولد بزنا داود" (٣) بامرأة أوريا، لعل الزنا بامرأة الغير أشد من الزنا بالبنات عندهم بل هما كانا من المقبولين عند الله - في زعمهم -" (٤). أما د/ على خليل في كتابه "التعاليم الدينية اليهودية" ذكر القصة كما وردت في التوراة وعلق عليها بقوله: إنها من الحوادث اللا أخلاقية التي تدعيها التوراة على الأنبياء (٥).

стр. 178

والدكتور/ بدران يحلل النص بتدخله أثناء سرده ليوضح ما يريده النص ويلفت النظر إلى بشاعة ما تقوله التوراة وقبل أن يذكره يقدم ملاحظته على النص فيقول: (وهذا نبي الله لوط ﵇ لوثته التوراة هو الآخر ورمته بالزنا ومع من؟ مع ابنتيه) (١). ويقول أيضًا: والقصة تبدأ من بعد أن أمطر الله النار والكبريت على سدوم وعمورة بلد لوط .. ومات القولة الكفرة لأفعالهم القذرة وخرج لوط مع ابنتيه وسكن الجبل .. وما كان من ابنتي لوط إلا أن فكرتا في إنجاب الأطفال من أبيهما .. لأن الجبل موحش فسقياه خمرًا حتى غاب عن الوعى وضاجعتاه وأنجبتا منه ذكرين. ثم ذكر النص الكامل للقصة (٢). موقف القرآن من سيدنا لوط ﵇ . إن ما نسبته التوراة إلى سيدنا لوط ﵇ هو من الأباطيل وأسوأ الخرافات التوراتية وهو برئ مما نسب إليه من سوء وافتراء إذ جاء في القرآن الكريم أنه ﵇ في قومه عن اقتراف هذه الفعلة الشنعاء فقال تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (٣).

стр. 179

سيدنا إسحاق ﵇ -: أ - المقاء الحسن لسيدنا إسحاق ﵇ فى التوراة: رصد د/ الهاشمى والباحثة / سميرة عبد الله، بعضًا من النصوص التوراتية التي تدل على ما يحتله إسحاق ﵇ من مقام حسن في العهد القديم (١) منها: ١ - ولادته معجزة وتكريم لوالديه العجوزين "فضحكت سارة زوجته وقالت: سيدي قد شاخ، وأنا شخت، أفى الحقيقة ألد؟ (٢) ". ٢ - قصة الذبيح تنسبها التوراة إليه، وتصفه بالوحيد - في حين أن الابن الوحيد هو إسماعيل - إذ بقى وحيدًا ١٤ سنة حتى ولد إسحاق إذ كان عمر والده ٨٦ سنة "خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحاق (٣) " في قصة الذبيح بينما لم يكن الولد الوحيد وإنما الوحيد إسماعيل بقي ١٤ سنة وحيدًا لأبيه قبل ولادة إسحاق. ٣ - "وأباركك وأكثر نسلك من أجل إبراهيم عبدي فبنى هناك مذبحًا ودعا باسم الرب" (٤). ب - افتراءات اليهود القديم على نبي الله إسحاق ﵇ -: ١. تخليه عن زوجته "رفقة" افتراء عليهما لأبيمالك بنفس عذر والده المفترى عليه بسبب جمالها الفتان كذلك، كما افترت التوراة على أبيه إبراهيم ﵇ "فأقام إسحاق في "جرار" (٥) وسأله أهل المكان عن امرأته فقال "هي أختي" لأنه خاف أن يقول "امرأتي" لعل أهل المكان "يقتلونني من أجل رفقه؛ لأنها كانت حسنة المنظر" (٦). ٢. الادعاء أنه الابن الوحيد لسيدنا إبراهيم ﵇ "خذ ابنك وحيدك الذي تحبه - إسحاق" (٧).

стр. 180

ج- جهود العلماء في نقد هذه الافتراءات: وحول هذه القصة يقول د/ على خليل: (مثل هذا السلوك لم يألفه الكنعانيون إنه انحطاط في القيم الأخلاقية، ويعتبره الكنعانيون ذنبًا وعارًا فهم يخافون الله، ومن هذا المبدأ كان موقف أبيمالك من إبراهيم ومن ابنه إسحاق، ومن هذا السلوك عمومًا) (١). وعلى هذا الافتراء الواضح الذي ألصقته التوراة بإسحاق ﵇ يقول د/ عبد الراضي محمد ود/ محمد دياب: (لقد نسبت اليهود الكذب إلى إسحاق ﵇ كما نسبوه إلى أبيه إبراهيم من قبل، وفي ظروف مشابهة لظروف أبيه وهي الخوف على الزوجة من الرجال أصحاب المكان) (٢). وبهذا (لم ينج إسحاق ﵇ من اتهام الكتاب المقدس له بالكذب والاتجار بامرأته) (٣) ويضيف د/ بدران محمد بدران إلى ما تقدم ذكره - يضيف بعدًا نقديًا آخر - فيقول: (هذا هو الموقف المذري الذي أوقفته التوراة لإسحاق عبد الله الصالح وأوقفت الوثني أبيمالك موقفًا مشرفًا ... ولكن ما هى صلة القرابة بين إسحاق ورفقه؟ إنها ليست أخته لا من أبيه ولا من أمه، ولكنها ابنة عمه وقد زوجها له عبد إبراهيم أبيه بناء على وصية إبراهيم. هذا يعني أن إسحاق النبي كاذب) (٤). وحاشا لله أن يكون نبي من أنبياء الله كاذبًا وبذلك يتبين انحراف التوراة في نظرتها للأنبياء وفي إلصاقها إياهم ما يتنافى مع عصمة النبوة، أما ادعاء أن الذبيح هو إسحاق وليس إسماعيل ﵇ فقد أفاض علماء المسلمين في نقد هذا الادعاء وبينوا من خلال نقدهم للكتاب المقدس أن الذبيح هو إسماعيل ﵇ وأيدوا ذلك بالأدلة القوية والبراهين القاطعة من العهد القديم والقرآن الكريم أيضًا ولكل من الإمامين ابن تيميه (٥) وتلميذه ابن القيم (٦) جهود قيمة في كشف زيف هذه الدعوى وبيان بطلانها.

стр. 181

أما عن جهود الإِمام ابن تيميه وموقفه من هذه الدعوى فهي كما يلي: يرد ابن تيميه على من سأله عن الذبيح هل هو إسماعيل أم إسحاق؟ بإماطة اللثام عن حقيقة ذلك مبينًا فساد ما يزعمه اليهود ومن وافقهم في الزعم بأن الذبيح إسحاق ﵇ متخذًا من آيات القرآن الكريم والسنة الشريفة أنصع الأدلة اليقينية على وجوب القطع بأنه إسماعيل ثم يتعرض لتحريف اليهود لهذه المسألة في كتبهم بزيادتهم للفظ "إسحاق" ليصلوا من وراء ذلك لشرف الانتساب إلى إسحاق دون إسماعيل كذبًا وبهتانًا وادعاءً فيكشف زيفهم فيما يعتقدونه (١). فيقول ﵀: (إن الذي يجب القطع به أنه إسماعيل وهذا هو الذي عليه الكتاب والسنة والدلائل وهو الذي تدل عليه التوراة التى بأيدي أهل الكتاب) (٢). وذكر ما جاء في التوراة من قول الرب لإبراهيم: "اذبح ابنك ووحيدك وفي ترجمة أخرى بكرك" (٣) وأكد على أن إسماعيل هو الذي كان وحيده وبكره باتفاق المسلمين لكن أهل الكتاب حرفوا فزادوا إسحاق فتلقي ذلك عنهم من تلقاه (٤) ثم شرع ﵀ بعد ذلك في الرد على اليهود مستدلا بما ورد في القرآن الكريم من أدله بطلان ذلك والتأكيد على كون الذبيح إسماعيل ﵇ بطريقتين لهما أهميتهما القصوى في التدليل على الحقيقة وهما "إجمالية وتفصيلية" (٥).

стр. 182

وقد وافق الإِمام ابن تيميه تلميذه ابن القيم في رد هذه الدعوى وبيان بطلانها فقال: (وفيها - التوراة - أن الله قال لإبراهيم: "اذبح ابنك بكرك إسحاق" وهذا من بهتهم وزيادتهم في كلام الله تعالى فقد جمعوا بين النقيضين فإن بكره هو إسماعيل فإنه بكر أولاده، وإسحاق إنما بُشر به على الكبر بعد قصة الذبيح) (١). وأكد أن الذبيح إسماعيل وليس إسحاق بعدة وجوه منها ما يلي: ١. أن بكره باتفاق جميع الملل الثلاث هو إسماعيل ﵇ وكونهم جمعوا بين ذبح بكره وتعيينه بإسحاق فهذا جمع بين النقيضين. ٢. أن أمر الله لإبراهيم أن ينقل زوجته هاجر وابنها إسماعيل عن زوجته الأخرى سارة لتسكن في مكة كان خوفًا من غيرة سارة فلما كان أمره بإبعاد السرية هاجر دفعًا لأذى المغيرة عن سارة. كان أمر الله بعد ذلك بذبح ابن سارة وإبقاء ابن السرية مما لا تقتضيه الحكمة. ٣. لم يقدم إبراهيم بإسحاق إلى مكة أبدًا ولم يفرق بينه وبين أمه أبدًا وقد كان موضع ضرتها في مكة فكيف يأمره الله بذبح إسحاق بموضع ضرة أمه فى بلدها؟ ٤. رزق إبراهيم ﵇ بإسماعيل وهو في عنفوان قوته، ورزق بإسحاق ﵇ على الكبر والعادة أن القلب يتعلق بأول الأولاد وهو أميل وأحب من الثاني فكان هو المأمور بذبحه حتى يثبت امتثال إبراهيم لأوامر ربه وتعلق قلبه به وأنه ليس لغيره وأنه ليس من مزاحم فيه معه (٢). وقد جاء في قاموس الكتاب المقدس ما يثبت أن إبراهيم ﵇ رزق بإسماعيل أولًا وهو في سن ست وثمانين سنة (٣) ثم رزق بإسحاق وهو في شيخوخته في سن مائة سنة (٤) ويزعمون أن إسماعيل ﵇ سخر من أخيه الصغير في الوليمة التي أقيمت بمناسبة فطام إسحاق وكان عمر إسماعيل حينئذ السادسة عشرة من عمرة، فألحت سارة على إبراهيم بطرد هاجر وابنها (٥). وهذا أثبت أن إسماعيل ﵇ هو البكر وأنه ظل وحيده أربعة عشر سنة حتى رزق إبراهيم بإسحاق، فأصبح المقصود بأمر الذبح إسماعيل ﵇ فهو البكر الوحيد حتى جاء إسحاق والغاية أن اليهود حرفوا التوراة بالزيادة في الألفاظ (٦).

стр. 183

وهذا يتبين سعة أفق الإمامين رحمهما الله فقد أحاطا هذه القضية من كل جوانبها وأكثرا من ذكر الوجوه والأدلة القاطعة التي تبين بطلان ما يدعيه كتبة التوراة. ولقد وقف د/ أحمد شبي، د/ بدران، د/ صفوت مبارك مع هذه القصة وقفة متأنية منتقدين ما تدعيه التوراة المحرفة متخذين من التاريخ شاهدًا على ما يقولون ومن الأحداث التي مر بها بيت إبراهيم ﵇ دليلًا قويًا يؤكد نظرتهم النقدية فيقول د/ صفوت مبارك: إن النص الوارد في العهد القديم والذي يتعلق بشخصية الذبيح يفيد بأن الذبيح هو إسماعيل وليس "إسحاق" (١) فقد ورد في سفر التكوين ما يلي: ١. "خد ابنك وحيدك الذي تحبه إسحاق" (٢). ٢. وفي نص آخر "فلم تمسك ابنك وحيدك عني" (٣). ٣. وفي نص ثالت يقول الرب: "إني من أجل أنك فعلت هذا الأمر ولم تمسك ابنك وحيدك أباركك مباركة" (٤). فهذه النصوص الثلاثة تفيد أن الذبيح هو الابن الوحيد لإبراهيم وإسحاق لم يكن وحيدًا لإبراهيم في يوم من الأيام. فالعهد القديم ينص على أن: "إسحاق قد ولد بعد إسماعيل بأربعة عشر عاما (٥) وينص أيضًا على أن إسماعيل قد بقى حيًا إلى وفاة أبيه إبراهيم وأنه قد اشترك مع أخيه إسحاق في دفن أبيهما إبراهيم ببلدة حبرون (٦) " (٧).

стр. 184

أما ابن إبراهيم الذي كان وحيدًا لأبيه فهو "إسماعيل" قبل مولد "إسحاق" وواضح في النص الأول: التزوير والتحريف؛ لأن العبارة متناقضة حيث قد ثبت بصريح عبارة العهد القديم نفسه أن "إسحاق" لم يكن إطلاقًا وحيدًا لإبراهيم ويبدو أن العبارة كانت هكذا: "خذ ولدك وحيدك الذي تحبه إسماعيل فجاء من تناول هذه العبارة بالتحريف، فرفع اسم إسماعيل ووضع مكانه اسم إسحاق ولم يفطن إلى أن العبارة تكون هذه الصورة متناقضة (١). ويضيف د/ بدران محمد بدران: توضيحًا لهذه القصة فيقول: "في نصوص التوراة السابقة (الخاصة هذه القضية) بعض المغالطات يجب مناقشتها: أولًا: أن التوراة تنص: "خذ ابنك وحيدك الذي تحبه" ثم عادت وقالت: "إسحاق" وهذا لا يتمشى بحال من الأحوال مع تسلسل الأحداث في التوراة الآن إسماعيل أكبر من إسحاق .. حيث ولدت هاجر إسماعيل عندما كان إبراهيم ابن ستة وثمانين سنة (٢). وأنجبت سارة إسحاق لإبراهيم عندما بلغ إبراهيم مائة عام (٣) وهذا يعني أن إسماعيل أكبر من إسحاق بأربع عشرة سنة .. لذا فإن كلمة التوراة "خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحاق" خطأ تمامًا .. وعلى هذا لا يمكن أن يكون إسحاق وحيدًا لإبراهيم في أي وقت من الأوقات إلا في حالة واحدة .. وهي موت إسماعيل قبل هذه الوقعة وهذا الاحتمال محال لأن إبراهيم مات قبل إسماعيل بزمن طويل، تقول التوراة أن اللذين دفنا إبراهيم هما ابناه "إسماعيل وإسحاق" في مغارة تسمي مغارة "المكفيلة" في حقل عفرون بن صوجر الحثى - وهي الآن ضمن الحرم الإبراهيمي في الخليل -" (٤). ثانيًا: ويمكن الاستنتاج من أولًا أن النص: "خذ ابنك وحيدك" لا ينطبق إلا على إسماعيل وحده لأن إسماعيل هو بكر إبراهيم ... وظل وحيدًا له طيلة أربعة عشر سنة. ثالثًا: يتخيل البعض أن كلمة "ابنك وحيدك" تنطبق على إسحاق وحده لأن إسماعيل كان ابن الجارية المصرية هاجر ... وهذا التخيل أو التصور ضعيف؛ بل خطأ كل الخطأ لأسباب عدة منها:

стр. 185

أن أربعة من أسباط إسرائيل أبناء جواري اثنان منهم "دان ونفتالي" ابنا بلهة جارية راحيل زوجة يعقوب الثانية والآخران "جاد وأستير" ابنا زلفة جارية ليئة زوجة يعقوب الأولى وإن كان التخيل السابق صحيحًا .. فيكون أسباط إسرائيل ثمانية فقط .. وهذا ما لا تنص عليه التوراة .. بل تتمسك التوراة بأن الأسباط اثنا عشر أي تعترف بأبناء الجواري وعلى هذا لا يكون إسحاق وحيدًا لإبراهيم. ٢ - أن إسماعيل اسمه في التوراة "إسماعيل بن إبراهيم" وليس إسماعيل بن هاجر المصرية. كما تنص التوراة على أن الأسباط الأربعة، أبناء الجواري دان بن يعقوب، نفتالي بن يعقوب، وهكذا ولم تقل أن أحدًا منهم ابن الجارية كذا وأعتقد أن كلمة "ابنك وحيدك إسحاق" تعبر عن الحقد الدفين فى قلوب بني إسرائيل تجاه المصريين وذلك لأن المصريين أذلوا بني إسرائيل طيلة وجودهم في مصر فآثروا رفع اسم إسماعيل من هذا الشرف العظيم لأن للمصريين جانبًا كبيرًا منه لأنه ابن هاجر المصرية (١). وغير ذلك من الأسباب التي ذكرها المؤلف تؤكد خطأ الدعوى القائلة بأن الابن الوحيد هو إسحاق ويقول: يمكن الاستنتاج أن كتبة التوراة قد أزادوا "إسحاق" بعد كلمة: "خذ ابنك وحيدك الذي تحبه" حتى يكون لهم شرف هذا العمل العظيم الذي قام به إبراهيم ويسقطوا هذا الشرف عن المصريين وعن أبناء إسماعيل (٢). وعلى الرغم من محاولة اليهود سلب إسماعيل شرف البكورة والتضحية والفداء في قصة الذبح، وجعلها على إسحاق إلا أن إسحاق لم ينج من فظائغ التطرف اليهودي التي لاحقته ورمته بالكذب والغباوة وسهولة الاحتيال عليه حتى إن حاكم الفلسطينيين يعاتبه على الكذب (٣) تقول التوراة: "فأقام إسحاق في "جرار" وسأله أهل المكان عن امرأته فقال: هى أختي" لأنه خاف أن يقول: "امرأتي" لعل أهل المكان: "يقتلونني من أجل رفقه؛ لأنها كانت حسنة المنظر" (٤).

стр. 186

سيدنا يعقوب ﵇ -: أ - المقام الحسن لسيدنا يعقوب ﵇ فى التوراة: لا يزال د/ الهاشمي والباحثة / سميرة عبد الله هما المنفردان بذكر محاسن الأنبياء في التوراة فيقول د/ الهاشمي عن المقام الحسن لسيدنا يعقوب ﵇ في التوراة: ١ - (مع أنه "إسرائيل" وإليه ينتسب بنو إسرائيل "الإسرائيليون" حتى الآن ودولة إسرائيل المسماة باسمة كذبًا وزورًا غير أن محاسنه في التوراة قليلة منها: ظهور الله ليعقوب ثلاث مرات - في زعمهم - وفي إحداهم صارعه وصرع يعقوب الله- أستغفر الله - وهذه من المساوئ ولكن التوراة تعتبرها قمة الامتياز ليعقوب إذ منحه الله لقب "إسرائيل" أي الأقوى من الرب المنتصر عليه) (١). ٢ - مديح الله تعالى له: "والآن هكذا يقول الرب خالقك يا يعقوب، وجابلك يا إسرائيل لا تخف لأني فديتك، دعوتك باسمك أنت لي .. " (٢). ٣ - ينعم الرب عليه ويدرك سر هذه النعمة الإلهية فى رعايته له منذ وجوده في الحياة وفي إنقاذه له من كل الشرور والآثام فيقول لابنه يوسف حين باركه: "وبارك يوسف وقال الله الذي سار أمامه أبواي إبراهيم وإسحاق الله الذي رعاني منذ وجودي إلى هذا اليوم الملاك الذي خلصني من كل شر يبارك الغلامين" (٣). وغير ذلك من النصوص التي ذكراها. ب - افتراءات العهد القديم على سيدنا يعقوب ﵇ -: ١ - يقول اليهود: إن يعقوب حصل على النبوة بالغش والكذب والخداع وتنطق بذلك توراتهم إلى يومنا هذا، وهذا دليل قوى من سلسلة الأدلة التي تثبت أن اليهود إلى الآن يجهلون معنى النبوة والأنبياء (٤). وقد استدل د/ المطعني، د/ سعد الدين صالح، د/ الهاشمي على هذه الفرية بما ورد في التوراة: أن إسحاق بن إبراهيم أخو إسماعيل ﵈ ولد ولدءت في بطن واحدة من زوجه رفقه بنت بنوئيل وسمي إسحاق أول الولدين نزولا من البطن "عيسو" وسمي الثاني "يعقوب" فأحب إسحاق عيسو وأحبت رفقه يعقوب وحين شاخ إسحاق وكبر قال لابنه عيسو: "إننى قد شخت ولست أعرف يوم وفاتي فالآن خذ عدتك وجعبتك وقوسك واخرج إلى البرية وتصيد لي صيدًا واصنع لي أطعمة كما أحب وأتنى بها لآكل حتى تباركك نفسي قبل أن أموت" (٥).

стр. 187

ثم تقول التوراة بعد ذلك: وكانت رفقه سامعه لما قاله زوجها إسحاق لابنه الأكبر عيسو فأرادت أن تكون البركة ليعقوب الذي تحبه فأعلمت يعقوب بالخبر وأمرته أن يذهب إلى الغنم ويأتيها بجديين فصنعت منهما أطعمة لإسحاق كما يحب وهو لا يعلم وأعطت الأطعمة إلى يعقوب ليقدمها إلى أبيه إسحاق على أنه عيسو فتقدم يعقوب من أبيه وكان إسحاق قد كُف بصره وقدم له الطعام قائلًا له هاأنذا ابنك الأكبر عيسو أقدم لك الطعام الذي طلبت قم وكل وباركني ثم باركه وقال له: "فليعطك الله من ندى السماء ومن دسم الأرض ليكن لاعنوك ملعونين ومباركوك مباركين" (١). ج - جهود العلماء في نقد هذه الافتراءات والرد عليها: وحول هذا الافتراء تنوعت جهود العلماء في تفنيده والرد عليه ويبرز في مقدمة هذه الجهود جهد د/ بدران محمد بدران ود/ المطعني ود/ الهاشمي ود/ صفوت مبارك والباحثة / سميرة عبد الله وغيرهم وجميعهم قد أكد أن النبوة لا تُنال بالحيلة والكذب فهي مقام شريف يمنحه الله لمن يصطفيه من عباده وهو سبحانه الذي يؤهله لذلك وقد برءوا ساحة النبوة عن هذه الخصال وقد اتسم المنهج الذي اتبعوه في دحض هذه الفرية بالتحليل لمفردات النص التوراتي ورده إلى الأصول الثابتة التي يحتكم إليها في مقام النبوة والأنبياء من هذه الأصول أن النبوة وحي واصطفاء. فيقول د/ بدران: وهذه صورهَ مشوهة رحمتها التوراة ليعقوب ويبدوا أن كتبة التوراة معجبون أشد الإعجاب بالنصب والاحتيال لذلك جعلوا من أبيهم إسرائيل نصابًا كبيرًا .. وأول عمليات النصب هذه هي سرقة البركة .. وعاونته أمه رفقة في هذه السرقة فتقول التوراة أن يعقوب سرق بركة أبيه من أخيه وتوأمه عيسو ودبرت أمه كل شيء (٢) .. وذكر نص القصة. ويقول أيضًا: (وحسب تطور الأحداث في التوراة .. يمكن الاستنتاج بأن بني إسرائيل كانت لن تقوم لهم قائمة لو أن هذه البركة حلت على عيسو .. هكذا يحاولون الإيهام .. ويبررون ما وقعوا فيه من أخطاء أثناء كتابتهم للتوراة) (٣).

стр. 188

ويقول د/ صفوت مبارك: إن العهد القديم يصف يعقوب ﵇ بالمكر والدهاء وسعة الحيلة، وأنه احتال ليحصل على حقوق أخيه البكر "عيسو" الذي يصفه العهد القديم بالسذاجة وسلامة الطوية. وأن يعقوب قد حصل على حقوق أخيه البكر في مقابل أكلة قدمها إليه وأخوه جائع (١). وقد نقد د/ المطعني هذه القصة وأضاف أبعادًا نقدية جديدة أوضحت ما على هذه القصة من مآخذ حيث ذكر في كتابه: "الإسلام في مواجهة الاستشراق" تحت عنوان مآخذ على قصة يعقوب في التوراة ما يلي: ١ - (أن النبوة ليست من الله وإنما هى كلمات يتمتم بها نبي سابق فتنتقل من خلالها النبوة إلى نبي لاحق. ٢ - أن المعصية دفعت يعقوب والخيانة جعلته نبيًا فقد انتحل شخصية أخيه "عيسو" وقام بأشنع عملية خداع لأبيه من أجل أن يصبح نبيًا. ٣ - أن الطاعة تسقط "عيسو" إلى الهاوية لقد خدع يعقوب أباه فصار نبيًا، وأطاع "عيسو" أباه فصار ساقطًا منبوذًا وهذا تكون التوراة قد قلبت موازيين العدل الإلهي فرفعت الكذبة الدجالين إلى أعلى عليين وأنزلت الطائعين الصادقين إلى سجين ذلك هو منطق التوراة المقدسة. ٤ - أن إسحاق نبي مخدوع وشارب خمر، إذ أنه قدم له يعقوب الخادع خمرًا بعد الطعام فشرب منه إسحاق، بل إن إسحاق قد دعا لابنه يعقوب وهو يباركه أن يرزقه الله حب حنطة وخمرًا، والخداع والمكر كلاهما محظوران في حق الأنبياء ولكن التوراة قد رمتهم بكل نقيصة، ولو كان الأنبياء كما تصورهم التوراة للناس لما احترمهم أحد ولما بعث الله منهم أحدًا ... ولكان الأنبياء في حاجة إلى أنبياء آخرين يهدونهم سواء الصراط) (٢). وتبرئة لساحة النبوة من أن يلصق بها ما يقدح فيها لا بد من إعطاء كل نبي من أنبياء الله حقه من القداسة والتشريف اللائقين بمقامه والدفاع عنه ونفى التهم الموجهة إليه في التوراة المحرفة وتطبيقًا لهذا المبدأ فإن د/ المطعني بعد ما وقف مع قصة يعقوب وقفة نقدية قوية أردف كلامه بقوله لا إسحاق مخدوع ولا يعقوب خادع وتحت هذا العنوان قال:

стр. 189

(إنه من الإنصاف لهذين النبيين الجليلين ﵉ ألا نتركهما لأوهام التوراة وأن نقر هنا أنهما بريئان مما تنسبه التوراة إليهما فليس إسحاق مخدوعًا ولا يعقوب خادعًا، فالنبوة من الله وحدة هو الذي شرف بها إسحاق وهو الذي كرم بها يعقوب وإذا جاز أن يخدع أحد من خلق الله فإن الخداع على الله محال، والنبوة ليست عقدًا ماليًا يبرم ... وإنما هى حكمة وتدبير ليس لله فيهما شريك فقال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ولكن هذه المعاني كلها لا بعضها مهدرة في التوراة المقدسة" (١). ٥ - سوء أدب اليهود مع سيدنا يعقوب ﵇ وزعمهم أنه صارع الله حتى طلوع الفجر. جاء في تعليق الباحثة / سميرة عبد الله وهي تقدم لهذه الفرية ما نصه: لقد زعمت اليهود أن نبي الله يعقوب ﵇ صارع الرب وكانت الغلبة له عليه الأمر الذي لا يليق أن يكون بين العبد وسيده من البشر لا يعقل أن يكون بين نبي كريم ورب عظيم (٢). وخلاصة القصة: أنها صراع بين يعقوب والله على شكل ملاك ليلة كاملة، لم يقدر الله فيها على يعقوب فانخلع حق فخذ يعقوب, بمصارعته مع الرب فأمسك يعقوب به، وما استطاع الله أن يفلت من يده وقد طلع الفجر! فالتمسه الرب أن يفكه حذرًا من الفضيحة في النهار، فأجابه يعقوب: لا أدعك تذهب حتى تباركني. أي تعترف بانتصاري عليك. فقال الرب ما اسمك؟ قال يعقوب قال الرب: لا تسمى بعد اليوم يعقوب بل "إسرائيل" لأنك جاهدت مع الله والناس وقدرت "أي أن منحك اسم إسرائيل إنما هو وسام انتصارك على الله (٣). وهذا الافتراء قد رده النقاد من علماء المسلمين وعدوه من الأباطيل والانحرافات التي ملأت التوراة وتؤكد مدى تحاملهم على الأنبياء ﵈ فيقول الإمام ابن القيم: وهو يستدل على وجود التحريف في التوراة - يقول: وفيها -أي التوراة- (أن الله علوًا كبيرًا تصارع مع يعقوب فضرب به يعقوب الأرض) (٤). ويعقب العلامة رحمة الله الهندي على هذا النص تعقيبًا مختصرًا جاء فيه: (وهذا المصارع كان ملكًا لما عرفت، وإذا لم نقل ذلك يلزم أن يكون إله بنى إسرائيل في غاية العجز والضعف حيث صارع يعقوب الذي هو مخلوقه إلى الفجر ولم يغلبه إلا بالحيلة) (٥).

стр. 190

ومثله قال الإمام الألوسي: وأكد أن الذي ظهر ليعقوب ﵇ ملك من الملائكة (١) وقد ذكر العلامة الهندي ما يؤكد تعقيبه من أن الذي رآه سيدنا يعقوب ملكًا بما ورد في التوراة "في البطن قبض بعقب أخيه وبقوته جاهد مع الله جاهد مع الملاك وغلب بكى واسترحمه ... وهناك تكلم معنا" (٢). موقف القرآن الكريم من سيدنا يعقوب ﵇ . إن ما نسبه العهد القديم لسيدنا يعقوب ﵇ باطل وزور وبهتان باتفاق نقاد العهد القديم من علمائنا الأجلاء ويؤكد على حدوث التحريف والتبديل إذ كيف يتصور كتبة العهد القديم أن يحتال أحد من الناس ليحصل على النبوة في حين أنها شرف يؤتيه الله من يشاء من عباده ويؤيده بالمعجزات الشيخ تؤيد صدق دعواه و ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (٣). وكيف يتسنى لهم أن يتخيلوا ظهور الإله في صورة بشر ضعيف عاجز يصرعه يعقوب حاشا لله سبحانه وتعالي عما يقولون علوًا كبيرًا. ولسيدنا يعقوب ﵇ منزلة عالية في القرآن - منها حب الله له وتكريمه وابتلاؤه بفقد ولده وصبره عليه واستجابته لدعائه ورد بصره إليه وجمعه بيوسف ﵇ مع بقية أولاده في مصر واتصال قلبه بالله وعدم اليأس من رحمته حين فقد ولده فقال تعالى: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٤) وكان صبورًا في فقده أخا يوسف الصغير فتجمل بالصبر فقال تعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ (٥) وغير ذلك من الآيات (٦).

стр. 191

* سيدنا داود ﵇ -: أ - المقام الحسن لسيدنا داود ﵇ في العهد القديم: ذكر د/ الهاشمي ما يثبت مكانة سيدنا داود ﵇ عند الله وما يتمتع به من صفات حسنة على النحو التالي: ١ - (سلوكه مع ربه): كاستقامته مع الله، وحسن صلته بربه وخشوعه في الدعاء وصدقه فيه (١) وله في العهد القديم سفر (المزامير) وهو أوسع سفر في العهد القديم واسمه في القرآن الكريم (الزبور). ٢ - منزلته عند ربه: • هو في التوراة - ابن الله البكر - "أنا أجعله بكرًا" (٢) • تحوطه رحمة الله وتحوط نسله إلى الأبد (٣). • هو رجل الله ورجل الدعاء! هكذا تمدحه التوراة (٤). • هو أعلى ملوك الأرض في أبد الدهر (٥). ٣. من صفاته الشخصية: شجاعته القتالية، وقوة جسمه (٦)) (٧). ب - افتراءات العهد القديم على سيدنا داود ﵇ -: رصد العلماء كثيرًا من الافتراءات التي نسبها العهد القديم لسيدنا داود ﵇ منها: ١ - زعموا أنه: رقص أمام الرب عاريًا وأمام شعبه (٨). ٢ - زعموا أنه: زنا بزوجة جاره وجنديه - أوريا الحثي - وإنجابه منها بالزنى فتقول التوراة: وكان في وقت المساء أن داود قام عن سريره وتمشي على سطح بيت الملك فرأى من على السطح امرأة تستحم ... فأرسل داود وأخذها فدخلت إليه فاضطجع معها ثم رجعت إلى بيتها وحبلت المرأة ... فأرسل داود إلى يوآب يقول:

стр. 192

أرسل إلىّ أوريا الحثي ... فأتي أوريا إليه ... وقال له: أنزل إلى بيتك ... فنام أوريا على باب بيت الملك ولم ينزل إلى بيته ... فقال داود لأوريا: لماذا لم تنزل إلى بيتك؟ فقال أوريا لداود: "إن التابوت وإسرائيل ويهوذا ساكنون في الخيام وسيدي يوآب عبيد سيدي نازلون على وجه الصحراء وأنا آتي إلى بيتي لآكل وأشرب ... لا أفعل هذا الأمر" ثم دبر داود حيلة لقتل أوريا (١). ٣. زعموا: أن الله غضب عليه ومنعه من بناء الهيكل -بيت الله- (٢). وغير ذلك من النصوص التي ذكرها د/ الهاشمي، الباحثة / سميرة عبد الله وغيرهما. ج - جهود العلماء في نقد هذه الافتراءات والرد عليها: وحول القصة الملفقة لسيدنا داود ﵇ وأوريا الحثي وزوجته وقف العلماء أمامها وانتقدوها كما انتقدوا غيرها من القصص ولهم عليها علامات استفهام ومآخذ كثيرة الأمر الذي يؤدي إلى بطلانها واختلاقها. ويتُبع د/ بدران هذه القصة بعد أن ذكرها بطولها بعدة أسئلة تعجبية تثبت كذب الكتاب المقدس في تصوره عن الأنبياء وما يفتريه على داود ﵇ فيقول: (تُري من تكون المرأة التي زنا بها داود؟ إنها "بتشبع" (٣) أم سليمان الحكيم .. سليمان بن داود والنبي والملك وهكذا يقول الكتاب المقدس نبي يزنى وينجب من الزانية نبيًا، هل هذه حقيقة أخلاق داود الذي قال الله عنه في نفس الكتاب المقدس "أنا أكون له أبًا .. وهو يكون لي ابنًا" (٤) كما تقول المزامير على لسان داود: "قال لي (الله) أنت ابني أنا اليوم ولدتك" (٥) فهل أبناء الله يزنون؟) (٦). ولكن العلامة رحمة الله الهندي وقف مع هذه القصة وقفة متأنية مستخرجًا ما فيها من أخطاء وقع فيها الكتاب المقدس وبيَّن تلك الافتراءات التي ألصقها الكتاب المقدس بنبي الله داود ﵇ وهو لا شك برئ منها وفى تفنيده لتلك القصة يقول: صدر عن داود ثمان خطيئات أذكرها باختصار نقلًا عنه: الأولى: أنه نظر إلى امرأة أجنبية بنظر الشهوة وقد جاء في إنجيل متى "إن كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زني بها في قلبه" (٧).

стр. 193

الثانية: أنه ما اكتفى بالنظر ولكنه طلبها وزنى بها وحرمة الزنا قطيعة ومن الوصايا العشرة "لا تزن" (١). الثالثة: أن هذا الزنا كان بزوجة الجار، وهو أشد أنواع الزنا كما ورد في الوصايا العشر. الرابعة: ما أجرى حد الزنا لا على نفسه، ولا على هذه المرأة وقد ورد في التوراة ما يدل على أن حد الزنا القتل: "وإذا زنى رجل مع امرأة ... فإنه يُقتل الزانى والزانية" (٢). الحأمسة: لم يذهب أوريا إلى بيته مراعيًا لديانته أما حال أنبياء بني إسرائيل ارتكاب الفواحش هكذا ولم يراعوا ديانتهم متل مراعاة العوام لديانتهم. السادسة: أمر داود بقتل أوريا وفي التوراة ما يدل على حرمة قتل البريء: "ولا تقتل البريء والبار" (٣). السابعة: أنه لم يتنبه على خطئه، ولم يتب ما لم يعاتبه ناثان النبي ﵇. الثامنة: أنه وصل إليه حكم الله بأن هذا الولد الذي ولد من زنا يموت ومع هذا دعا لأجل عافيته، وصام وبات على الأرض (٤). ويعلق د/ أحمد شلبي على هذه القصة بقوله: إن هذه القصة فيها أحداث موغلة في القسوة وبعيدة عن العفة (٥). ويرد د/ السقا: نظرة التوراة إلى داود ﵇ وبقية الأنبياء إلى وجهة نظر اليهود والنصارى في الأنبياء التي تقول: إن الأنبياء معصومون من الخطأ في تبليغ الرسالات، وليسوا بمعصومين فيما عدا ذلك من شئون حياتهم الخاصة والعامة، بل هم كسائر البشر يجوز عليهم الصواب والخطأ ويجوز أن يفعلوا الخير والشر، ويجوز عليهم أن يذنبوا ذنوبًا كبيرة أو صغيرة عمدًا أو سهوًا (٦). وما تقدم ذكره أمثلة تؤكد هذه الوجهة التي ذكرها د/ أحمد حجازي وقولهم هذا تبرير لما ورد في التوراة من جرائم أخلاقية وغير ذلك من أمور مخالفة تصدر عنهم فيما عدا تبليغ الرسالات.

стр. 194

وينتقد العلامة رحمة الله الهندي هذه الدعوى التي تبناها البروتستانت - عصمة الأنبياء في التبليغ وعدم عصمتهم فيما عدا ذلك - فيقول: (ما ادعوه لا أصل له من كتبهم وإلا لما صار تحرير - ما كتبه -عزرا ﵇ ومساعديه حجي وزكريا الرسولين ﵉ غير مصون عن الخطأ) (١). * موقف القرآن الكريم من سيدنا داود ﵇ -. إن ما رمته التوراة به يتنافى تمامًا مع مكانة النبوة وهو من الزور والبهتان في حقه ﵇ وقد بين الله مقامه الرفيع عنده وبين الأنبياء ﵈ فقد أنزل الله الزبور فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ (٢). وأما عن أخلاقه في القرآن الكريم يقول الله : ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ (٣). وغير ذلك من الآيات (٤).

стр. 195

* سيدنا سليمان ﵇ -: أ - المقام الحسن لسيدنا سليمان ﵇ في العهد القديم: سليمان ﵇ مع الله: - عمق إيمان وصلة وثيقة به "فاسمع أنت من السماء مكان سكناك واغفر" (١). - إيمانه المطلق بهدي ربه وجزائه (أما النصرة فمن الرب) (٢). - بناؤه الهيكل بيت الله: "وهو يبني بيتًا لاسمي وأنا أثبت كرسي مملكته إلى الأبد" (٣). - منزلته عند ربه هو ابن الله: "أنا أكون له أبًا، وهو يكون لي ابنًا ... كرسيك يكون ثابتًا إلى الأبد" (٤). وغير ذلك من النصوص التي ذكرها د/ الهاشمي والباحثة / سميرة عبد الله في كتابيهما (٥). ب - افتراءات العهد القديم على سيدنا سليمان ﵇ -: ١ - يزعم العهد القديم أن سيدنا سليمان ﵇ فيه شبهة ابن زنى كما يدعون إذ أنه ابن بتشبع زوجة أوريا الحثي التي زنا بها والده داود (٦) -في زعمهم-. ٢ - انحرافه عن التوحيد إلى الشرك بسبب كثرة نسائه الوثنيات "وكان زمان شيخوخة سليمان أن نساءه أملن قلبه وراء آلهة النار" (٧). ٣ - زعم العهد القديم أنه كان في عصمته ألف امرأة - منهن ٧٠٠ زوجه، ٣٠٠ سرية -جارية-! حتى أملن قلبه عن ذكر الله (٨). ٤ - نشيد الإنشاد (٩) سفر كامل لسليمان ﵇ في العهد القديم. غزل داعر مكشوف بينه وهو مخمور - وبين حبيبته كما يدعون - وهذا لا يليق بأي إنسان عادى فكيف بالنبي ﵇ وغير ذلك من النصوص التي ذكرها د/ الهاشمي (١٠).

стр. 196

وقد رصد د/ صفوت مبارك أيضًا من العهد القديم أن: "سليمان ﵇" أقام أصنامًا لزوجاته على المرتفعات المحيطة بأورشليم وكن يذبحن لهذه الأصنام (١) ويذكر العهد القدم أيضًا أنه من أجل ذلك عاقب الله سليمان بأن أخرج الملك من نسله (٢). ج - جهود العلماء في نقد هذه الافتراءات والرد عليها: ويعلق د/ صفوت على هذه القصة قائلًا: (نحن لا نظن أن سليمان ﵇ وهو نبي من أنبياء الله - يضعف بهذه الصورة أمام زوجاته حتى يقيم بنفسه أصنامًا لهن - فكيف يدعو الناس إلى عبادة الله الواحد بينما يقيم بنفسه أصنامًا؟) (٣). (نحن المسلمين نرفض هذه الصورة المزيفة لسليمان ﵇ كما نرفض كل ما يشوه صورة جميع الأنبياء - فسيدنا سليمان ﵇ كما نعرفه من القرآن الكريم هو ذلك النبي التقى الورع شديد المراقبة لربه فقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ (٤). فالذي يثور بهذه الصورة فيقطع سوق الخيل وأعناقها لأن استعراضها قد شغله عن الصلاة حتى غربت الشمس، والذي يراقب ربه بهذه الصورة الدقيقة لا يُتصور منه إطلاقًا هذا الذي ينسبه إليه العهد القديم) (٥).

стр. 197

هوشع ﵇ -: الافتراء على هوشع النبي ﵇ -: ذكر د/ الهاشمي ما تفتريه التوراة على هوشع النبي فتقول: "إن هوشع النبي - يأمره الرب في التوراة - كذبًا على الله سبحانه أن يتخذ لنفسه امرأة زانية زوجة له، ولها أولاد زنى، إذ هي زانية مشهورة بين اليهود" أول ما كلم الرب هوشع: قال الرب لهوشع: اذهب خذ لنفسك امرأة زنى وأولاد زني لأن الأرض قد زنت زنى تاركة الرب، فذهب وأخذ جومر الزانية .. فحبلت وولدت له ابنًا" (١). جهود العلماء في نقد هذا الافتراء: ويعلق د/ عابد الهاشمي على النص بقوله: (فكيف يأمر الرب أن يتزوج نبي بزانية، ومعها أولاد غير شرعيين، بل إنه أول أمر إلهي إلى هذا النبي، بل هو أول آية من هذا السفر لأهمية هذا الأمر الإلهى المكذوب بعقيدة التوراة) (٢). وفي سياق آخر مفترى يؤمر هوشع أن يتخير امرأة أخرى فاسقة ليقيم معها علاقة آثمة وهي امرأة محبوبة لغيره، ليعاشرها معاشرة أزواج" وقال الرب لي -هوشع- اذهب أيضًا أحبب امرأة حبيبة صاحب، وزانية كمحبة الرب لبني إسرائيل ... فاشتريها لنفسي ... وقلت لها تقعدين أيامًا كثيرة، لا تزني، ولا تكوني لرجل، وأنا كذلك (٣) " هكذا تفتري النصوص التي تبيح العهر والفساد على الرب وتشوه صور الأنبياء في التوراة) (٤). الرؤيه التقويميه لما ألصق بهوشع النبي ﵇ -: إن (ما نسب زورًا إلى الخالق جل وعلا من عدم التأكيد على العفة ... ، والأمر بزعمهم لهوشع بالزواج من تلك الزانية، أوامره باتخاذ عشيقة لها عشيق آخر، فهو محض كذب وافتراء فتعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا فالله جل وعلا حاشاه أن يبيح الزنى لأحد من عباده، وقد حرمه تحريمًا أكيدًا في سائر كتبه يقول تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (٥)) (٦).

стр. 198

سيدنا موسى وهارون ﵉: أرسل الله سيدنا موسى ﵀ إلى بنى إسرائيل فهو الشخصية الأولى عندهم يعترفون به نبيًا، وياليتهم حافظوا على هذا الاعتراف وأعطوه من القداسة والاحترام ما يليق بحقه كنبي من أنبياء الله . والمتأمل في كتابات علمائنا الأجلاء يلحظ أنهم قد أماطوا اللثام عن تلك الحقائق التي طمست وأزاحوا تلك الأباطيل التي ألصقت بسيدنا موسى ﵇ وأخيه هارون ﵇ بالأدلة القوية والبراهين الساطعة من القرآن الكريم، وبينوا مكانته اللائقة ومقامه الرفيع عند الله ولم يغفلوا مقامه الحسن في العهد القديم مما يجعل كتاباتهم تتسم بالحيدة والموضوعية، ومن النصوص التي استدلوا بها على ذلك: ١ - ما يدل على أنه أفضل نبي جاء إلى بنى إسرائيل: "ولم يقم بعد نبي في إسرائيل مثل موسى الذي عرفه الله وجهًا لوجه" (١). ٢ - ما يدل على أنه رجل الله ومصدر البركة لشعبه: "وهذه البركة التي بارك بها موسى رجل الله بنى إسرائيل قبل موته" (٢). ٣ - نزول التوراة عليه وكلها هدي ونور - التوراة الأصلية - (٣). افتراءات العهد القديم على سيدنا موسى وهارون ﵉: يفتري كتبة العهد القديم على سيدنا موسى وهارون ﵉ النبيين الكريمين الافتراءات التالية: (١) الخيانة وعدم الإيمان. (٢) الجبن والسرقة والقسوة. (٣) الكفر وصناعة الأصنام.

стр. 199

جهود العلماء في نقد هذه الافتراءات والرد عليها: وقد تنوعت ردود العلماء في نقدهم لهذه الافتراءات كما يلي: (١) ما يتعلق ببطلان الزعم الذي يقول أنهما خائنان ولم يؤمنا بالله: فقد نقد د/ الهاشمي ود/ عبد الراضي، ل/ أحمد عبد الوهاب - نظرة التوراة المحرفة إلى سيدنا موسى ﵇ وبينوا أنها تظهره في صورة مشينة فمرة تصفه بأنه خائن وكافر بالله هو وهارون أخوه ﵇ وبالتالي فهما محرومان من دخول فلسطين (١) والنص يقول: "لأنكما خنتماني في وسط بني إسرائيل ... إذ / تقدساني" (٢). فقال الرب لموسى وهارون: "من أجل أنكما لم تؤمنا بي حتى تقدساني أمام أعين بني إسرائيل لذلك لا تدخلان هذه الجماعة إلى الأرض إلى أعطيتهم إياها" (٣). (٢) الجبن والقسوة والسرقة: ومرة أخرى تصفه التوراة بأنه جبان يخاف شعبه: "وعطش هناك الشعب إلى الماء وتذمر الشعب على موسى ... فصرخ موسى إلى الرب قائلًا: ماذا أفعل هذا الشعب بعد قليل يرجمونني" (٤). ومرة تصفه بأنه جزار البشرية لا سيما لعرب فلسطين: ومن وصاياه: " ... فَيُحرموا فلا تكون عليهم رأفة، بل يبادون كما أمر الرب موسى" (٥). وما أكثر ما ترد هذه الوصية "فلا تستبق منهم نسمة" أبادوهم لم يبقوا منهم نسمة كما أمر الرب موسى عبده، هكذا أمر موسى يشوع وهكذا فعل يشوع لم يهمل شيئًا من كل ما أمر به الرب موسى (٦). ومرة تصفه بأنه سارق يأمر شعبه كله بسرقة المصريين قبيل مغادرتهم مصر وخروجهم منها "فيكون حينما تمضون أنكم لا تمضون فارغين بل تطلب كل امرأة من جارتها ومن نزيلة بيتها أمتعة فضة وأمتعة ذهب وثيابًا وتضعونها علي بنيكم وبناتكم، فتسلبوا المصريين (٧) " (٨).

стр. 200

(٣) مشاركه هارون لبني إسرائيل فى الكفر: فيذكرل / أحمد عبد الوهاب أن التوراة قد سجلت على هارون ﵇ أنه شارك الشعب الإسرائيلي كفره إذ صنع بيده العجل الذي عبدوه ونصب نفسه كاهنًا فقد بين الإمام ابن القيم افتراء اليهود على هارون ﵇ إذ نسبوا إليه صناعة العجل فيقول: (وفيها -أي التوراة- أن هارون هو الذي صاغ لهم العجل وهذا إن لم يكن من زياداتهم وافتراءاتهم فهارون اسم السامري الذي صاغه ليس هو بهارون أخي موسى) (١). ويعلق د/ بدران على قصة هارون ﵇ قائلًا: (هكذا جعلوا من هارون ذلك الإنسان القريب من النبوة صانع الأصنام عابدًا لها؛ بل لقد زاد افتراؤهم عليه وقالوا إنه عمل مذبحًا للصنم الإله الجديد كما حدد أعياده) (٢) فبنى له مذبحًا وجعل له في الغد عيدًا، ومعاذ الله أن يكون هارون النبي كذلك فلقد تكفل القرآن ببراءة هارون من هذا الجرم الشنيع الذي لا يمكن الاعتذار عنه فقرر أن الذي صنع العجل إنما هو شخص آخر غير هارون كما سجل رفض هارون لتلك الفكرة الخبيثة وتنديده بها (٣). وأيضًا يعتبر اليهود سيدنا موسى ﵇ وثنيًا يصنع الحية النحاسية لعبادتها وتقديسها مع بني إسرائيل: "وسحق (حزقيا) حية النحاس التي عملها موسى لأن بنى إسرائيل كانوا إلى تلك الأيام يوقدون لها" (٤).

стр. 201

موقف القرآن الكريم من سيدنا موسى ﵇ -. وبهذا يتبين ميل اليهود عن الحق في نظرتهم لسيدنا موسى وأخيه هارون ﵉ ومما يؤكد مقامه الرفيع عند الله ما ورد في حقه من آيات فهو كليم الله فقال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (١). وهو من أولى العزم من الرسل وهو الذي أخلصه الله له: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ (٢). وهو مصطفى ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ (٣). وتلقى الألواح التى كتبها الله له فقال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ (٤). واصطنعه الله على عينه وأحبه فقال تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ (٥) وهو مقرب إلى الله فقال سبحانه: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ (٦). وغير ذلك من الآيات.

стр. 202

سيدنا عيسى ﵇ -: تنوعت الرؤى النقدية لعلماء المسلمين حول هذا الموضوع - المسيح ﵇ في العهد القديم - ومعظم من تكلم فيها ربط فكرة المسيح المنتظر بالناحية السياسية والقومية لليهود وبين مدى ارتباط هذه الفكرة بفكرة المجيء الثاني للمسيح وأرض الميعاد، وهذه الرؤية تأخذ طابع التحليل السياسي لرأي اليهود في المسيح ﵇. وبعمق التحليل وفهم النصوص والدراسة التاريخية تناول د/ عبد الوهاب المسيري هذه القضية بالمناقشة مبينًا مدى الخلاف بين اليهودية والمسيحية في المسيح ﵇ فيقول: (يُشار إلى المسيح (عيسى ابن مريم) بكلمة "يشو" العبرية .. أما كلمة "ماشيح" فإذا تشير إلى المسيح المخلِّص اليهودي الذي سوف يأتي في آخر الأيام) (١). وثمة خلاف بين العقيدتين (اليهودية والمسيحية) حول فكرة المسيح فبينما تري اليهودية المسيح "الماشيح" باعتباره شخصية سياسية قومية سيقود شعبه إلى صهيون ويعيد بناء الهيكل ويؤسس المملكة اليهودية مرة أخرى ... وقد تبدي كل هذا في شكل صراع تاريخي حقيقي، فقد رفض اليهود المسيح (عيسى (بن مريم) ولا زالوا يرفضونه ويلوم الآباء المسيحيون الأوائل اليهود باعتبارهم مسئولين عما حاق بالمسيحيين الأولين من اضطهاد ... وهم المسئولون عن صلب المسيح .. ومن ثم فإن العلاقة بين اليهودية والمسيحية علاقة عدائية متوترة إلى أقصى حد) (٢). بينما يؤكد د/ عبد الراضي محمد أن رفض اليهود للمسيح ﵇ سببه أنه جاء ليزيل تشدد اليهود وقسوتهم وأنه جاء ليقوض الأصول الدينية القومية لدى اليهود معتمدًا في نقده لهذه الفكرة - المسيح المنتظر - على وجهة نظر بعض علماء النصارى ومتبنيًا لها وكثيرًا ما أضاف إليها ما يشفي الغلة ويوفي القضية حقها فيقول نقلاً عن هؤلاء: عندما ظهر المسيح ﵇ ودعا اليهود إلى اتباعه رفض اليهود منذ البداية الإقرار بنبوته والاعتراف بأنه المسيح المنتظر الذي بشرت به التوراة وكتب الأنبياء، وذهبوا في جحودهم لنبوته إلى أبعد مدى، فاعتبروه ثائرًا خارجًا على اليهودية يستحق القتل والرجم ومن ثم فقد بدءوا بالكيد له ولأتباعه لدى "بيلاطس" الحاكم الروماني وعقدوا له محاكمة دينية خاصة أمام مجلس السنهدريم أعلى هيئة قضائية في اليهود ووجه إليه اتهام بأنه نبي مزيف وأنه كان ساحرًا ... وأنه كان يقوض الأصول الدينية القومية وادعي زورًا أنه المسيح المنتظر ... ويعتبرونه ابنا غير شرعي شريرًا .. مضللا وغير ذلك من التهم التي ألصقوها به (٣).

стр. 203

وفي معالجة د/ حسن ظاظا لعقيدة اليهود في المسيح المخلِّص يطرح في رؤيته النقدية أبعاد تطور هذه الفكرة عبر العصور وكيف تعلق اليهود بهذا الحلم ومازالوا ينشدونه وينتظرون تحقيقه لأنه لم يأت بعد، وأرجع د/ ظاظا تعلقهم بالمسيح المنتظر إلى أمرين: ١ - العصبية القومية. ٢ - ما حدث لهم من تشريد وضياع في السبي البابلي وبعده. فيقول د/ ظاظا: تأتي فكرة انتظار المخلص أو المسيح مقترنة بفكرة تجديد العهد مع الرب أو فكرة "العهد الجديد" عندئذ تتجدد آمة الله لتصبح جديرة بالله وعندئذ تصير أورشليم مدينة لا مثيل لها بين المدائن يقيم فيها الرب على جبل صهيون ويتجمع فيها المشردون من بنى إسرائيل، وتزول فيها الأحقاد، بل ويموت فيها الموت نفسه وفي وسط هذه الآمال المركزة على إسرائيل لا ينسي مروجو تلك البشارات أن يجعلوا فيها نصيبًا للإنسانية من غير بنى إسرائيل يقول أشعياء: "ويصنع رب الجنود لجميع الشعوب في هذا الجبل وليمة سمائن ... ويقال في ذلك اليوم" هو ذا إلهنا انتظرناه فخلصنا هذا هو الرب انتظرناه نبتهج ونفرح بخلاصه لأن يد الرب تستقر على الجبل" (١). ويكاد المعلقون على أمثال تلك النصوص يتفقون على أمر واحد هو أن مبعثها - فكرة المخلص - إنما كان تعصبًا قوميًا ضيق الأفق شديد الحقد وتعلقًا بفكرة الحق الإلهي في السلطة الدينية" (٢). وعن تطور هذه الفكرة عبر العصور يضع د/ ظاظا يده على بداية ظهورها وسار معها حتى بين في أي وقت تأكدت عندهم وأصبحت عقيدرة ملازمة لهم حتى الآن وأصبحت من الثوابت العقائدية التي تتمركز حولها سائر أفعال اليهود في العصر الحاضر فيقول: ٣ - بدأت كلمة "مسيح" بالعبرية "ماشيح" حياتها اللغوية بمدلول مادي عادي فالفعل "مسح" كان يستعمل لمبايعة الملوك إذ يأتي الكاهن الأكبر الذي يقوم بطقوس التتويج ويأخذ على كله بعضًا من الزيت المقدس فيمسح به مقدم رأس الملك ثم يضع التاج وهكذا كان كل ملك عند العبريين يسمى في القديم "مسيحًا" أي أنه متوج بطريقة شرعية وممسوح بالزيت المقدس (٣).

стр. 204

(ومع الحوادث الجسام التي تعرض لها اليهود في إبان السبي البابلي أصبح حلم الأنبياء والمصلحين والكثرة الكثيرة من اليهود أن يأتي ملك فذ من نوعه مخلص معه القوة والبركة معجز يعيد الأمجاد السالفة فيكون هو الملك بحق وهو "المسيح" وهذه الفكرة واضحة في قول أشعياء: "لأنه يولد لنا ولد ونُعطى ابنًا وتكون الرياسة على كتفه" (١)) (٢). واستدل د/ أحمد شلبي بالنص السابق ونصوص أخرى مثل "العذراء تحبل وتلد ابنًا اسمه "عمانوئيل" (٣) ثم علق عليها بقوله: وتهيأ الرأي العام اليهودي لهذا المسيح، وكان توقعه يتجدد كلما نزلت باليهود البلايا والمحن، وظهر عيسى ابن مريم ﵇ وأعلن أنه المسيح الذي ينتظره اليهود لكن أكثرية اليهود رفضوا هذا الادعاء وقاوموا دعوة سيدنا عيسى ﵇ وألقوا القبض عليه وحكموا عليه بالإعدام (٤). وقد علل د/ ظاظا عدم إيمان اليهود بدعوة سيدنا عيسى ﵇ أنهم يقولون عنه بأنه: (لا تتحقق فيه الشروط التي وردت عند الأنبياء السابقين حول المسيح المنتظر وزمانه فإن النبي إيليا لم ينزل مرهصًا له ولم يعد من السماء قبل مجيئه معلنًا عن بعثته، ثم إنهم يقولون إن النبي أشعياء يصف هذا المسيح المنتظر فيقول: "ويخرج قضيب من جذر يَسيَّ وينبت غصن من أصوله ويحل عليه روح الرب ... إلى آخر تلك الشروط التى وردت فيه" (٥)) (٦). ثم يقرر د/ ظاظا في نهاية مناقشته لهذه القضية أن عقيدة المسيح المخلص تأكدت مع السبي البابلي ثم مع النكبات المتعاقبة التي حلت باليهود ومازالت أملاً يراودهم حتى أصبحت من أركان العقيدة اليهودية العامة وسميت عند كثير من مؤرخي تطور الفكر الإسرائيلي باسم "المسيحانية" ... والواقع أن هذا الحلم المسيحاني لم يكف عن مداعبة خيال اليهود منذ السبي البابلى وحتى القرن العشرين (٧). ولأهمية هذه العقيدة عند اليهود لما رأوا أنه قد مرت فترة طويلة دون أن يجيء المسيح الذي ينتظرونه انتهز بعضهم الفرصة وادعي أنه المسيح المنتظر وحدث ذلك أكثر من مرة عبر التاريخ وكل واحد منهم يعد اليهود بعودة فلسطين وتحقيق آمالهم.

стр. 205

وقد ذكر د/ أحمد شلبي بعضًا من هؤلاء الذين ادعوا كذبًا - كل منهم على حدة أنه المسيح - وكذلك د/ ظاظا ذكر بعضًا من هؤلاء مبينين في عرضهما لهؤلاء الكذبة فشلهم الذريع في عدم إمكانية تجميع اليهود وعدم القدرة على تحقيق آمالهم. بل إن بعضهم لما ظهر لليهود عدم صدقه أعلن إسلامه إيثارًا للسلامة (١). بينما أكد ل/ أحمد عبد الوهاب أن لفظ المسيح قد أطلق على أكثر من نبي في العهد القديم فيقول: (ظهر في بني إسرائيل مسحاء كثيرون كانوا يحظون هذا اللقب بمجرد أن يمسحهم أحد الأنبياء بالزيت المقدس فهكذا كان الحال مع شاول الذي مسحه النبي صموئيل " ... فكان المسيح هو اللقب الذي حظي به شاول كما أعلن صموئيل لكل إسرائيل: اشهدوا علىّ قدام الرب وقدام مسيحه ... " (٢). وبعد شاول قام صموئيل بمسح داود فتحول إلى مسيح آخر، قال الرب لصموئيل: قم امسحه ... فأخذ صموئيل قرن الدهن ومسحه (٣) وقبل أن يصعد إلياس إلى السماء فإنه مسح تلميذه اليشع نبيًا من بعده" وقال الرب لإيلياء: اذهب وامسح اليشع بن شافاط نبيًا عوضًا عنك" (٤)) (٥). (وأخيرًا جاء المسيح عيسى ﵇ أعظم مصيح ظهر في بنى إسرائيل والذي سمي في الإنجيل مسيح الرب "وكان رجل في أورشليم اسمه سمعان ... وكان قد أوحي إليه بالروح القدس أنه لا يرى الموت قبل أن يرى مسيح الرب فأتى بالروح إلى الهيكل وعندما دخل بالصبي يسوع أبواه ليصنعا له حسب عادة الناموس أخذه على ذراعيه وبارك الله" (٦)) (٧). وخلاصة ما وقف عليه نقاد العهد القديم من علمائنا الاجلاء في هذه القضية ما يلي: ١ - عدم اعتراف اليهود بالمسيح "عيسى ابن مريم ﵇ "ومعنى ذلك أنهم يؤمنون ببعض الأنبياء ويكفرون ببعض وذلك هو الكفر والضلال بعينه. ٢ - عدم قصر العهد القديم لفظ المسيح على عيسى ابن مريم ﵇ وذلك لتمييع القضية وليكون ذلك تبرير لهم في اعتقادهم في عيسى ابن مريم ﵇ إذ أنهم يعتبرونه ملكُ وليس نبيًا كداود وشاول وغيرهم. ٣ - يدعي اليهود أن هناك مسيحًا آخر غير عيسى ابن مريم ﵇ ينتظرون مجيئه ليقودهم إلى فلسطين ليعيد بناء الهيكل ويحكم من جديد.

стр. 206

وفي نهاية هذا المبحث يتبين ما يلي: ١ - اضطراب مفهوم النبوة والأنبياء في العهد القديم. ٢ - يزعم اليهود أن الأنبياء غير معصومين فيما دون الوحي. ٣ - يعترف اليهود ببعض الأنبياء ونبوتهم ويعتبرون البعض الآخر ملوكًا وليسوا أنبياء. ٤ - لم يترك العهد القديم نبيًا من الأنبياء إلا وألصقوا به التهم ولوثوا سيرته بل وقتلوا كثيراً منهم حتى سيدنا موسى ﵇ لم يسلم منهم. ٥ - الحيدة والموضوعية في ردود علماء المسلمين على الافتراءات الواردة في العهد القديم التى قد نسبت زورًا وبهتانًا إلى الأنبياء ﵈.

стр. 207

المبحث الخامس تصور العهد القديم عن اليوم الآخر تمهيد: عقيدة الإيمان باليوم الآخر من العقائد الثابتة التي جاء بها الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، فقد دعا إليها موسى ﵇ فقال تعالى: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ (١). وقف علماء المسلمين وقفة نقدية مع العهد القديم حول هذه القضية وبينوا فيها عدم ذكر الجزاء الأخروي فيه وأن الوارد فيه الجزاء الدنيوي فقط وبالتالى كان الاهتمام بالدنيا يحتل المقام الأول في التصور اليهودي ولذلك يقول الله : ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ (٢) أي حياة كانت بصرف النظر عن نوعية هذه الحياة وشرعيتها ولذلك يجتهد اليهودي في إفناء حياته في المتع والشهوات ولو على حساب الآخرين فإذا جاء الموت فلا حياة بعد ذلك كما يدَّعون. ويمكن حصر جهود علماء المسلمين حول نقد عقيدة اليوم الآخر في العهد القديم تحت العناصر التالية: (١) غلبه ذكر الجزاء الدنيوي على الأخروي فى نصوص العهد القديم. (٢) خلو العهد القديم من ذكر اليوم اللآخر باستثناء بعض الآيات. (٣) الأسباب وراء خلو العهد القديم من ذكر اليوم الآخر. (٤) بدايه ظهور عقيدة البعت واليوم الآخر وتطورها. (١) تغليب ذكر الجزاء الدنيوي على الأخروي فى العهد القديم: عند التأمل في هذا العنصر واستزجاع المراحل التاريخية التى مر بها بنو إسرائيل يلاحظ تغليب الناحية المادية على الجانب الروحي عندهم ولذلك يري د/ أحمد غلوش: أن هذه الفكرة المادية - غلبة الجزاء الدنيوي على الأخروي - هى التى أوحت للفكر اليهودي أن يأتى اليهود إلى فلسطين على أساس أنها جنة اليهودي ومتعته، وبقى اليهود على هذا الاتجاه حتى صار جزءًا من معتقدهم العام يعيشون له وبه والسعيد فيهم من تمكن من العيش في فلسطين وكل من لم يتمكن من ذلك يعيش متعلقًا بها مشتاقًا إليها وفي عزمه أن يأتى إليها يومًا من الأيام (٣).

стр. 208

وبتحليل هذه الرؤية النقدية يتبين للباحث أن د/ غلوش قد غاص داخل النفسية اليهودية وحلل ميولها من خلال قرائته للواقع اليهودي المعاصر قراءة متأنية وبناءً على ذلك أسس رأيه السابق في هذا الموضوع. ويري د/ صفوت مبارك: أنه لا يوجد في التوراة التي بين أيدينا اليوم ذكر لليوم الآخر وما فيه بل إن الذي يقرأها يتبين له أن الجزاء فيها دنيوي بحت فمن آمن وعمل صالحًا فإنه يثاب على ذلك وثوابه إنما يكون في هذه الحياة الدنيا؛ ومن كفر وعصى فإنه يعاقب على ذلك وعقابه إنما يكون في هذه الحياة الدنيا، أما الآخرة فلا توجد إشارة إليها من قريب أو بعيد، أما فيما يتعلق بالثواب على الإيمان والعمل الصالح فهو أيضًا دنيوي (١). وذكر د/ صفوت أدلة كثيرة تدل على ذلك منها ما يلي: "وإن سمعت سمعًا لصوت الرب إلهك لتحرص أن تعمل بجميع وصاياه التي أنا أوصيك بها اليوم يجعلك الرب إلهك مستعليًا على جميع قبائل الأرض ... مباركًا تكون في المدينة ومباركًا تكون فى الحقل .. ومباركًا تكون فى دخولك ومباركًا تكون في خروجك" (٢). وما جاء في سفر اللاويين "إذ سلكتم في فرائضي وحفظتم وصاياي وعملتم بها أعطى مطركم في حينه وتعطى الأرض كلتها وتعطى أشجار الحقل أثمارها .. فتأكلون خبزكم للشبع وتكونون في أرضكم آمنين ... وأسير بينكم وأكون لكم إلها وأنتم تكونون لي شعبا" (٣). وأما فيما يتعلق بالعقوبة التي يعاقب الرب بها العصاة الذين يخالفون أوامره ووصاياه، فيلاحظ أنها كلها كوارث ومصائب ونوازل دنيوية وليس من بينها أي عقاب أخروي (٤) ذكر أدلة كثيرة تدل على ذلك منها: (١) "ولكن إن لم تسمع لصوت الرب إلهك ... تأتي عليلث جميع هذه اللعنات وتدركك ملعونًا تكون في المدينة وملعونًا تكون في الحقل ملعونة تكون سلتك ومعجنك ملعونة تكون ثمرة بطنك وثمرة أرضك ... ملعونًا تكون في دخولك وملعونًا تكون في خروجك" (٥). (٢) "لكن إن لم تسمعوا لي ولم تعملوا كل هذه الوصايا ... فإني أسلط عليكم رعبًا وسلاً وحمىً تفني العينين وتتلف النفس وتزرعون باطلاً زرعكم فيأكله أعداؤكم ... أطلق عليكم وحوش البرية ... وأصير مدنكم خبر به" (٦).

стр. 209

(٢) خلو العهد القديم من ذكر اليوم الآخر: يقرر الإمام ابن تيميه خلو العهد القديم من ذكر اليوم الآخر وما فيه فيقول: (إن التوراة - التي بأيدي اليهود - ليس فيها تصريح بذكر المعاد وعامة ما فيها من الوعد والوعيد فهو في الدنيا كالوعد بالرزق والنصر والعافية والوعيد بالقحط والأمراض والأعداء) (١). وفي طرح د/ مشرح على، لهذه القضية يبين ما طرأ على التصور اليهودي من فكر خاطئ وفهم معوج حول اليوم الآخر والبعث بعد أن كان سليمًا في بدايته فيقول: (كان اليهود في أول نشأتهم يعتقدون كما يعتقد غيرهم من أهل الأديان بالبعث وبالجنة والنار والحساب والعقاب على ما يقدم الإنسان في الدنيا من خير أو شر غير أن هذه العقيدة سرعان ما تلاشت عندهم واضطربت وماتت وصار اعتقادهم أن الموت خاتمة كل شىء) (٢). ويبين د/ فرج الله عبد الباري، مدى ما وصلت إليه العقيدة اليهودية من تعقيد وغموض لخلوها من ذكر اليوم الآخر وتفصيلاته فيقول: (إن عقيدة اليوم الآخر عند اليهود من الأمور البالغة التعقيد وقد خلت التوراة الحالية من الحديث عن اليوم الآخر، وأن الإشارات إليه تأتي عابرة مختلفًا حولها منها: ١ - ما ورد في سفر أشعياء: "تحيا أمواتك تقوم الجثث، استيقظوا ترنموا بإسكان التراب لأن طلَّك طل أعشاب والأرض تسقط الأخيلة" (٣). ٢ - ما ورد في سفر حزقيال: "أيتها العظام اليابسة اسمعى كلمة الرب هكذا قال السيد الرب لهذه العظام هاأنذا أدخل فيكم روحًا فتحيون وأضع عليكم عصبًا وأكسيكم لحمًا وأبسط عليكم جلدًا وأجعل فيكم روحًا فتحيون وتعلمون أني أنا الرب (٤) " (٥).

стр. 210

وفي تعليق د/ فرج الله على هذين النصين يقول: (إنهما يشيران إلى البعث الجسدي والروحى معًا لليهود في الآخرة ويلاحظ على ذلك ما يلي: ١ - أن الإشارات عن الآخرة غير وافية ولا تعطى تفصيلاً لكثير من الجوانب عن اليوم الآخر. ٢ - أن أسفار موسى الخمسة تخلو تمامًا من أي إشارة إلى اليوم الآخر وما فيها) (١). ويؤكد ذلك د/ مصطفي حلمي فيقول: (إن هناك اضطرابًا وغموضًا في عقيدة اليهود في اليوم الآخر فهي أقرب إلى الإنكار منها إلى الإقرار والإيمان ويرجع ذلك إلى اختلاف النصوص الواردة عن الآخرة في التوراة) (٢). أما د/ عابد توفيق الهاشمي في كتابه "التربية في التوراة" في نقده لهذه العقيدة وبيان وجودها من عدمه في نصوص العهد القديم تناول مناقشتها تحت أمرين هما: ١ - عدم وضوح معنى الآخرة فى نصوص التوراة. ٣ - احتمال الإشارة إلى الآخرة فى بعض النصوص. أما عن الأمر الأول فيقول: إن النصوص القليلة في التوراة التي ذكرت فيها كلمة الآخرة، غير واضحة المعني ولا تدل على الآخرة بمعناها الاصطلاحي المعروف، بل ربما أشار المعنى إلى نهايات الأعمال وتتبع بدقة لفظة الآخرة في التوراة الحالية فوجدها في نصوص لا صلة لها بالدار الآخرة من هذه النصوص: ١ - "فرأي الرب ورذل من الغيظ بنيه وبناته، وقال احجب وجهي عنهم، وانظر ماذا تكون آخرتهم، إنهم جيل متقلب أولاد لا أمانة فيهم (٣) أي ما نتيجة أعمالهم في الدنيا. ٢ - "إنهم أمة عديمة الرأي ولا بصيرة فيهم، لو عقلوا لفطنوا بهذه وتأملوا آخرتهم" (٤). أي آخرة أعمالهم في الدنيا كذلك. ٣ - "صار في الأرض دهش وقشعريرة، الأنبياء يتنبئون بالكذب والكهنة تحكم على أيديهم وشعبي هكذا أحب، وما تعملون في آخرتها" (٥) أي في نهاية هذه الأعمال. وأكد بعد سرده لهذه النصوص أن مدلول كلمة الآخرة يعني آخرة أعمالهم ونتائجها في هذه الحياة الدنيا وأكد أيضًا خلو التوراة الحالية من ذكر الآخرة بمدلولها الاصطلاحى بل وردت نصوص تنكرها من هذه النصوص الصريحة في الإنكار:

стр. 211

٤ - "لأن الأحياء يعلمون أنهم سيموتون، أما الموتى فلا يعلمون شيئًا وليس لهم أجر بعد لأن ذكرهم قد نسي" (١) فهذا إنكار صريح للآخرة، بأن الميت لا جزاء له ولا عقاب، ولا حساب! (٢). أما عن الأمر الثاني: ها هو العالم الجليل الشيخ رحمة الله الهندي يقول عن عقيدة الآخرة في التوراة والتي كُتبت بعد سبعة قرون من وفاة موسى سيدنا ﵇: (فلا ذكر للآخرة فيها, ولكن الأسفار الخمسة فيها مواعيد دنيوية للمطيعين وتهديدات دنيوية للعاصيين وهكذا توجد في مواضع كثيرة) (٣). ويؤكد أن خلو التوراة من ذكر عقيدة اليوم الآخر دليل من الأدلة القاطعة على التحريف الذي طرأ على التوراة ذلك أن الله تعالى جعل عقيدة اليوم الآخر جزءًا أساسًا في الدين الحق الذي أنزله على الناس من لدن آدم ﵇ إلى خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد ﷺ فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (٤). وذكر الهاشمي أن هناك نصوصًا يُفهم منها الإشارة إلى يوم القيامة من هذه النصوص: ١ - "قريب يوم الرب العظيم ... ذلك اليوم يوم سخط، يوم ضيق وشدة يوم خراب ودمار يوم ظلام وقتام ... لأنه يصنع فناءً باغتًا لكل سكان الأرض" (٥). ٢ - فلنسمع ختام الأمر كله: اتق الله واحفظ وصاياه ... لأن الله يحضر كل عمل إلى الدينونة على كل خفى إن كان خيرًا أو شرًا" (٦). وهذا النص ربما كان أوضح النصوص التي تشير إلى يوم القيامة لأن الدينونة تعني الحساب حيث يدين الله كل إنسان على عمله إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر (٧). وفي نظرة د/ الهاشمي التقويمية لما سبق من عرض نقدي لإغفال الإيمان بالآخرة في التوراة يقول: (إن ما ذكر من نصوص يبين عدم تأكيد التوراة لعقيدة الآخرة وإن هذا الإغفال أمر يعرفه كل من درس التوراة دراسة دقيقة وعرف حياة اليهود عبر تاريخهم (٨).

стр. 212

والباحثة / سميرة عبد الله عرضت ما يتعلق بتصور اليوم الآخر في التوراة وباقى أسفار العهد القديم في نقاط مجملة ثم فصلت ذلك الإجمال وناقشته وأضافت إلى ما ذكره د/ الهاشمي من أدلة - نصوصًا أخرى بينت سيطرة المادة على قلوب اليهود ولذلك فلا مكان للروحانيات عندهم واقتصرت التوراة على ذكر الموت في هذه الدنيا بصورة مادية بحتة، تاركة ذكر مصير الإنسان بعد الموت بدون بيان جلي صريح فنهاية آدم ﵇ تختم بالموت ولا شىء بعد الموت ونص ذلك: "لأنك تراب وإلى التراب تعود" (١) ... أما الحديث عن الحياة الأخرى والجنة والنار بعد البعث فالتوراة خالية من ذلك تمامًا وجعلت مناط الطاعة والمعصية هو الإثابة والعقوبة في الدنيا المتمثل في البركات واللعنات المادية التي تصيب الإنسان (٢). ٣. الأسباب وراء خلو العهد القديم من ذكر اليوم الآخر: ولقد أَرْجع بعض العلماء خلو العهد القديم من ذكر اليوم الآخر (٣) للأسباب التالية: ١ - (لعل السبب في ذلك وجودهم بين المصريين مدة ٤٣٠ سنة كما جاء في سفر الخروج "وأما إقامة بنى إسرائيل التي أقاموها في مصر فكانت أربع مائة وثلاثين سنة" (٤) واقتباسهم منهم هذه العقيدة التى كانت عالقة كثيرًا بأذهان المصريين فانتقلت منهم إلى بنى إسرائيل وأصبحت عندهم من الأمور التي لا يترددون في قبولها فلذا لم يحتاجوا للتذكير بها كثيرًا فاكتفت كتبهم بالإشارة إليها أحيانًا) (٥). ٢ - أو كان السبب في قلة ذكر كتبهم لها أن الناس كانوا في تلك الأزمنة قصيري الإدراك متبلدي الشعور وخصوصًا اليهود ذوي الرقاب الصلبة كما جاء في سفر الخروج "وقال الرب لموسى رأيت هذا الشعب وإذا هو شعب صُلْبُ الرقبة (٦) " فلذا ما كانوا يتأثرون ولا تنفعل نفوسهم بالمواعيد الآجلة انفعالها بالمواعيد العاجلة التي أكثرت كتبهم من ذكرها لهم لغلظ قلوبهم وقسوتها فلما كثر بين الناس الشك في هذه العقيدة وارتقى إدراكهم ورق شعورهم عن ذي قبل جاء سيدنا عيسى ﵇ لتبيين هذه العقيدة العظمى واشتهر بالتصريح بها أكثر من جميع من سبقه من أنبياء بنى إسرائيل) (٧).

стр. 213

ويضيف د/ كامل سعفان أكثر من بُعد توضيحي لهذه القضية فيقول: ١ - من خلال دراسة العهد القديم نجد أنه لم يمس العالم الآخر من قريب أو بعيد وكأنه اكتفى بالعقوبات الشديدة التي تنزل بالمجرمين أو لعله تأسي بديانة أخناتون دون ما سبقها من الديانات المصرية التي كانت تؤمن بالحياة بعد الموت، حيث يحتل إلى الأبدية (أوزوريس) مكانًا رئيسًا بين الآلهة ... فإذا كان موسى (العهد القديم) من رجال أخناتون أو أحد دعاته، وإذا كان (الخروج) تم فى عهد أعداء أخناتون فقد كان على كتَّاب العهد القديم أن يراعوا هذه العلاقات السياسية (١). ٢ - ويقول أيضًا: ولكنا نجد في سفر الجامعة - الإصحاح الثالث: "إن ما يحدث لبنى البشر يحدث للبهيمة ... كلاهما من التراب وإلى التراب يعود كلاهما من يعلم روح بنى البشر هل هى تصعد إلى فوق وروح البهيمة هل هي تنزل إلى أسفل، إلى الأرض ... إنه لا شىء خير من أن يفرح الإنسان بأعماله, لأن ذلك نصيبه" (٢) وهذا قول لا يفيد شيئًا عن البعث والحساب. ٣ - أما أول إشارة إلى البعث فلا نكاد نجدها قبل (سفر دانيال ١٢) (٣) مما يفيد تحولًا في العلاقات السياسية والثقافية، أو هو دليل على ما أصاب (التوراة) من تحريف وتزييف، إذ أنه أثر الاتصال بالديانة الزرادشتية زمن الأسر الطويل، وإبّان الاتصال بدولة الفرس في عهد قورش (المخلّص) ... وجاء عصر السيد المسيح وما يزال الخلاف بين الطوائف الإسرائيلية حول الحياة الآخرة وفقًا للإيمان ببعض الأسفار دون الآخرى) (٤). ٤. بدايه ظهور عقيدة اليوم الآخر وتطورها فى الفكر اليهودي: وضع علماء المسلمين أيديهم على سبب ظهور عقيدة اليوم الآخر عند بنى إسرائيل وأرجعوا ذلك إلى ما حدث لهم في فترة التيه والتشريد التي عاشوها وكذلك إلى فترة السبي البابلى وما ذاقوه من ويلات في هذه الفترة التاريخية كل ذلك كان له أكبر الأثر في وقوف اليهود مع أنفسهم مما جعلهم يعيدوا التفكير فيما وراء هذه الحياة الدنيا من أمور غيبية.

стр. 214

ولذلك يري "حسن ظاظا فى كتابه: "الفكر اليهودي": (أن اليهود لم يفكروا في الغيبيات إلا بعد أن تعرضوا للسبي البابلى ثم التشتت في الأرض على أيدي الرومان) (١). ويحدد في موضع آخر من كتابه مفهوم الغيبيات الذي اتجه تفكير اليهود إليه فيذكر: (أن التفكير في الغيبيات كان يتخذ اتجاهين محددين هما: نهاية العالم والخلاص على يد المسيح المنتظر) (٢). ويؤكد د/ صفوت مبارك على ذلك بقوله: (بعد الأسر البابلي، وحلول الكوارث ببنى إسرائيل - بدأ بنو إسرائيل يتذكرون الحياة الآخرة؛ لأن الحياة الدنيا لم تعد تسير على هواهم، فظهرت أسفار تتحدث عن الجزاء الأخروي منها "سفر دانيال" الذي يتحدث عن البعث والحياة الأبدية فيقول: "وكثيرون من الراقدين في تراب الأرض يستيقظون هؤلاء إلى الحياة الأبدية، وهؤلاء إلى العار للازدراء الأبدي والفاهمون يضيئون، والذين ردوا كثيرين إلى البر كالكواكب إلى أبد الدهور، أما أنت فاذهب إلى النهاية فتستريح وتقوم لقرعتك في نهاية الأيام (٣) ") (٤). ويقول د/ أحمد شلبي من خلال اطلاعه الواسع على تاريخ اليهود وتفحص طباعهم ونوعياتهم - يقول: إن يهود الماضي ليسوا كيهود الحاضر ولذلك يري أن اليهود يرون أنفسهم قسمين: قسم تمتع بحياته الدنيا وطيباتها ولم يتعرض للأسر والتشرد، وهؤلاء قد استوفوا حظهم من الثواب الإلهي د/ يعد هناك داع لأن يحيوا حياة أخرى وهذا هو القسم الذي تناولته التوراة التي لم تتحدث عن الجزاء الأخروي حيث اعتبرت بنى إسرائيل الذين عاشوا مع سيدنا موسى ﵇ قد استوفوا ثوابهم في هذه الحياة الدنيا) (٥). (أما القسم الثاني: فهم الذين عاشوا تحت سلطان الشعوب الأخرى أسرى أو مشردين، فهؤلاء يرى اليهود أنهم لم يستوفوا جزاءهم، ولم يثابوا على أعمالهم الصالحة، ولذا فإنهم يبعثون بعد موتهم ليوفوا جزاءهم وينالوا حظهم من النعيم) (٦).

стр. 215

ولعل هذه الفكرة كانت وراء الدعوة إلى الإيمان بالبعث والدار الآخرة التي ظهرت بعد الأسر البابلي وتناولتها أسفار العهد القديم التي ظهرت آنذاك ومما يؤكد هذه الفكرة أن العبارة التي وردت في سفر "دانيال" والتي تقول "كثيرون من الراقدين في تراب الأرض يستيقظون" ولم يقل: "إن جميع الراقدين يستيقظون" ولكن بقى أن هذا النص لا يتحدث فقط عن ثواب أخروي بل يتحدث أيضًا عن عقاب أبدى في الدار الآخرة في حين أن رأى هؤلاء ينحصر في الحديث عن الثواب الأخروي (١). وأيا ما كان الأمر فقد ظهرت "فرقة الفريسيين" (٢) وهي إحدى الفرق اليهودية التي ظهرت بعد الأسر البابلي ومن مبادئها الإيمان بالبعث والدار الآخرة ورغم جهاد هذه الفرقة في محاولة نشر هذه الفكرة بين اليهود منتهزة فرصة الصدمة التي أصابتهم بعد زوال ملكهم من فلسطين غير أن هذه الفكرة لم تجد أي صدىً لها عند اليهود وأنكرتها الفرق الأخرى (٣). ويضيف د/ صفوت بُعدًا توضيحيًا لمبادئ الفريسيين فيقول: (إنهم يعتقدون أن الصالحين من الأموات فقط هم الذين سيبعثون وأن بعثهم يكون على هذه الأرض وثوابهم يتحقق بالحياة في مملكة "المسيح المنتظر" وهو من نسل داود ويأتي في آخر الزمان ليدخل الناس في دين موسى ﵇ ويملأ الأرض سلامًا وعدلًا كما يدعون فالجزاء الأخروي عندهم يكون على هذه الأرض وهو للصالحين فقط أما - الكفار والعصاة فلا يبعثون بل يموتون موتًا أبديًا - وهذا عقابهم على كفرهم وفسقهم وتمردهم) (٤). إضافة إلى ما سبق ومن خلال استقراء وتتبع الباحثة / سميرة عبد الله لهذا الموضوع رصدت نصوصًا من باقي أسفار العهد القديم تدل دلالة واضحة - على الاعتراف باليوم الآخر، ووصفه وما يتم فيه من حساب الخلائق والقضاء بينهم ومجازاتهم بأعمالهم إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر ولكنها لم تذكر التوقيت الذي ظهرت فيه هذه النصوص مثلما حددها أغلب النقاد .. ومن القضايا التي ذكرتها وعضدتها بالأدلة قضية البعث (٥) والحشر (٦) والعرض (٧) والحساب والقضاء بين الناس والجزاء (٨) والجنة (٩) والنار (١٠).
следующие страницы →